«أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَيْنَا رَسُولُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٣٣

الحديث رقم ١٠٣٣ من كتاب «كتاب الاستسقاء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من تمطر في المطر حتى يتحادر على لحيته.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٠٣٣ في صحيح البخاري

«أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ يَدَيْهِ، وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قَالَ: فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ. قَالَ: فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَفِي الْغَدِ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى. فَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ، أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. قَالَ: فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ، حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، حَتَّى سَالَ الْوَادِي، وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا. قَالَ: فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ».

بَابٌ: إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ

إسناد حديث رقم ١٠٣٣ من صحيح البخاري

١٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٠٣٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مُقْتَصِرًا عَلَى مَعْنَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَفِيهِ: أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَفِيهِ: وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾ الْآيَةَ وَعُرِفَ بِرِوَايَةِ شُرَيْحٍ أَنَّ الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ يُسْتَحَبُّ بَعْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ لِلِازْدِيَادِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ مُقَيَّدًا بِدَفْعِ مَا يُحْذَرُ مِنْ ضَرَرٍ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى) أَيِ: ابْنُ عَطَاءِ بْنِ مُقَدَّمٍ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ بِإِسْنَادِهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَوْصُولَةً. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ، عَنْ مُقَدَّمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمِّهِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا، وَزَعَمَ مُغَلْطَايْ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ وَصَلَ هَذِهِ الْمُتَابَعَةَ فِي غَرَائِبِ الْأَفْرَادِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.

قُلْتُ: لَيْسَ ذَلِكَ مُطَابِقًا إِلَّا إِنْ كَانَ نُسْخَتُهُ سَقَطَ مِنْهَا مِنْ مَتْنِ الْبُخَارِيِّ لَفْظُ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَعُقَيْلٌ، عَنْ نَافِعٍ) يَعْنِي كَذَلِكَ، فَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ فَأَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهَذَا وَلَفْظُهُ هَنِيئًا بَدَلَ نَافِعًا، وَرُوِّينَاهَا فِي الْغِيلَانِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ دُحَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، وَشُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ فَذَكَرَهُ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَزَالَ بِهَذَا مَا كَانَ يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِ الْوَلِيدِ وَتَسْوِيَتِهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ، وَأَرْجَحُهَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ رِوَايَةِ دُحَيْمٍ صِحَّةُ سَمَاعِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ. وَأَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ فَذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَالَ أَوَّلًا تَابَعَهُ الْقَاسِمُ ثُمَّ قَالَ وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، فَكَانَ تَغَيُّرُ الْأُسْلُوبِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْمُتَابَعَةِ أَمْ لَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا رَوَيَاهُ عَنْ نَافِعٍ كَمَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا رَوَيَاهُ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى، انْتَهَى.

وَمَا أَدْرِي لِمَ تَرَكَ احْتِمَالَ أَنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ مَعَ أَنَّهُ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ الْجَمِيعِ مُتَّفِقَةٌ لِأَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى إِدْخَالِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَنَافِعٍ أَوْ لَا، وَالْبُخَارِيُّ قَدْ قَيَّدَ رِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ بِكَوْنِهَا عَنْ نَافِعٍ، وَالرُّوَاةُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ نَافِعًا رَوَاهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، فَظَهَرَ بِهَذَا كَوْنُهَا مُتَابَعَةً لَا مُخَالَفَةً، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ عُقَيْلٍ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ مُتَابَعَةُ الْقَاسِمِ أَقْرَبَ مِنْ مُتَابَعَتِهِمَا لِأَنَّهُ تَابَعَ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُمَا تَابَعَا فِي شَيْخِهِ حَسُنَ أَنْ يُفْرِدَهَا مِنْهُمَا وَلَمَّا أَفْرَدَهَا تَفَنَّنَ فِي الْعِبَارَةِ.

٢٤ - بَاب مَنْ تَمَطَّرَ فِي الْمَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ

١٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قَالَ: فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، قَالَ: فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَفِي الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، قَالَ: فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ) و (١) لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «محمَّد بن مقاتلٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «عبد الله بن المبارك» (قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أبو عمرٍو عبد الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ) المدني (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) (قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) بفتح السِّين، أي: شِدَّةٌ وجهدٌ مِن الجَدْب، فاعلٌ مؤخَّرٌ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ، فَبَيْنَا) بغير ميمٍ بعد النُّون (رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «النَّبيُّ» ( يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ) من أهل البدو (٢)، لا يُعرف (٣) اسمُه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ المَالُ) ألفه منقلبةٌ عن واوٍ بدليل ظهورها في الجمع، وإنَّما جُمعَ وإن كان اسم جنسٍ لاختلاف أنواعه، وهو كلُّ ما يُتملَّك ويُنتَفَع به، والمراد به هنا مالٌ خاصٌّ، وهو ما يَتضرَّر بعدم المطر من الحيوان والنَّبات، لكن لا مانع من حمله على عمومه على معنى أنَّ شدَّة الغلاء تُذهِب أموال النَّاس في شراء ما يُقتات به، فقد (٤) هلكت الأموال وإن اختلف السَّبب (وَجَاعَ العِيَالُ) لقلَّة الأقوات، أو عدمها بحبس المطر

(فَادْعُ اللهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا، قَالَ) أنسٌ: (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ يَدَيْهِ) أي: حتَّى رُئِيَ بياض إبطيه (وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ) بفَتَحَاتٍ، قطعةٌ من سحابٍ (قَالَ) أنسٌ: (فَثَارَ السَّحَابُ) بالمثلَّثة، وفي نسخة «اليونينيَّة»: «سحابٌ» (١) أي: هاج (أَمْثَالُ الجِبَالِ) لكثرته (ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ) (عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ) المقدَّسة، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ «تَفَعَّل» في قوله: «تَمَطَّر» -كما قال (٢) في «الفتح» - الأليق بها (٣) هنا أن تكون (٤) بمعنى مواصلة العمل في مهلةٍ، نحو تَفَكَّر، وكأنَّ المؤلِّف أراد أن يبيِّن أنَّ تحادر المطر على لحيته ، لم يكن اتفاقًا، إذ كان يمكنه التَّوقِّي منه بثوبٍ ونحوه كما قاله في «المصابيح»، أو بنزوله عن المنبر أوَّل ما وكف السَّقف، لكنَّه (٥) تمادى في خطبته حتَّى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته كما قاله في «الفتح» فترك فعلَ ذلك قصدًا للتَّمطُّر، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ «تَفَعَّل» يأتي لمعانٍ، للتَّكلُّف كتشجَّع لأن معناه: كلَّف نفسه الشَّجاعة، وللاتِّخاذ (٦) نحو: توسَّدت التُّراب، أي: اتَّخذته وسادةً، وللتَّجنُّب نحو: تأثَّم، أي: جانب الإثم، وللعمل، يعني: فيدلُّ على أنَّ أصل الفعل حصَل مرَّةً بعد مرَّةٍ نحو: تجرَّعتُه، أي: شربتُه جرعةً بعد جرعةٍ، قال: ولا دليل في قوله: «حتَّى رأيت المطر يتحادر على لحيته» على التَّمطُّر الَّذي هو مِن (٧) التَّفعُّل الدَّالِّ على التَّكلُّف، ودعوى أنَّه قصد التَّمطُّر لا برهان عليها، وليس في الحديث ما يدلُّ لها. واستدلاله بقوله: لأنَّه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر لا يساعده؛ لأنَّ لقائلٍ أن يقول: عدم (٨) نزوله

عن المنبر إنَّما كان لئلَّا يقطع الخطبة، كذا قال فليُتأمَّل. (قَالَ) أنسٌ: (فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا) ظرفٌ، أي: في يومنا (ذَلِكَ، وَفِي الغَدِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت (١) وابن عساكر: «ومن الغد» (وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ، أَوْ) قال أنسٌ: قام (رَجُلٌ غَيْرُهُ) ولا منافاة بين تردُّد أنسٍ هنا وبين قوله في الرِّواية الأخرى: «فأتى الرَّجل» بالألف واللَّام، المفيد (٢) للعهد الذِّكريِّ؛ إذ ربَّما نسي ثمَّ تذكَّر، أو كان ذاكرًا ثمَّ نسي (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وَغَرِقَ المَالُ) من كثرة المطر (فَادْعُ اللهَ لَنَا) (٣) يمسكْها عنَّا (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ يَدَيْهِ، وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر وأبي الوقت (٤): «فقال»: (اللَّهُمَّ) أي: يا الله، أنزل المطر (حَوَالَيْنَا، وَلَا) تنزله (عَلَيْنَا) وفي بعض الرِّوايات: «حولنا» من غير ألفٍ، وهما بمعنًى، وهو في موضع نصبٍ؛ إمَّا على الظَّرف، وإمَّا على المفعول به، والمراد بحوالي المدينة مواضعُ (٥) النَّبات أو الزُّروع (٦)، لا في نفس المدينة وبيوتها، ولا فيما حوالي المدينة من الطُّرق، وإلَّا لم تزل (٧) بذلك شكواهم جميعًا، ولم يطلب رفع المطر من أصله، بل سأل رفعَ ضررِه، وكشْفَه عن البيوت والمرافق والطُّرق بحيث لا يتضرَّر به ساكنٌ ولا ابن سبيلٍ، بل سأل (٨) إبقاءه في مواضع (٩) الحاجة لأنَّ الجبال والصَّحارى

ما دام المطر فيها كثرت الفائدة فيها في المستقبل مِن كثرة المرعى (١) والمياه وغير ذلك من المصالح، وفي هذا دليلٌ على قوَّة إدراكه للخير على سرعة البديهة. (قَالَ) أنسٌ: (فَمَا جَعَلَ) (يُشِيرُ بِيَدِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «فما جعل يشير رسول الله بيده» (إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والفاء وتشديد الرَّاء وبالجيم، أي: تقطَّع السَّحاب وزال عنها امتثالًا لأمره ، وفيه دلالةٌ على عِظَم معجزته (٢) وهو أن سُخِّرت له السُّحب (٣)، كلَّما (٤) أشار إليها امتثلت بالإشارة دون كلامٍ (حَتَّى صَارَتِ المَدِينَةُ فِي مِثْلِ الجَوْبَةِ) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحَّدة، أي: تقطَّع السَّحاب عن المدينة، وصار مستديرًا حوالَيها، وهي خاليةٌ منه (حَتَّى سَالَ الوَادِي -وَادِي قَنَاةَ-) بفتح القاف والنُّون الخفيفة: وادٍ من أودية المدينة عليه حرثٌ ومزارع، وأضافه هنا إلى نفسه (٥) أي: جرى فيه الماء من المطر (شَهْرًا) و (٦) هو مِن أبعدِ أمد المطر الَّذي يُصلح الأرضَ الَّتي هي متوعِّرةٌ جبليَّةٌ لأنَّه يتمكَّن في تلك الأيَّام بطولها الرَّيّ فيها؛ لأنَّها بارتفاع (٧) أقطارها لا يثبت الماء عليها، فتبقى فيها حرارةٌ، فإذا دام سَكْب المطر عليها قلَّت (٨) تلك الحرارة وخصبت

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مُقْتَصِرًا عَلَى مَعْنَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَفِيهِ: أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَفِيهِ: وَمَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿هَذَا عَارِضٌ﴾ الْآيَةَ وَعُرِفَ بِرِوَايَةِ شُرَيْحٍ أَنَّ الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ يُسْتَحَبُّ بَعْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ لِلِازْدِيَادِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ مُقَيَّدًا بِدَفْعِ مَا يُحْذَرُ مِنْ ضَرَرٍ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى) أَيِ: ابْنُ عَطَاءِ بْنِ مُقَدَّمٍ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ بِإِسْنَادِهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَوْصُولَةً. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ، عَنْ مُقَدَّمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمِّهِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا، وَزَعَمَ مُغَلْطَايْ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ وَصَلَ هَذِهِ الْمُتَابَعَةَ فِي غَرَائِبِ الْأَفْرَادِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ.

قُلْتُ: لَيْسَ ذَلِكَ مُطَابِقًا إِلَّا إِنْ كَانَ نُسْخَتُهُ سَقَطَ مِنْهَا مِنْ مَتْنِ الْبُخَارِيِّ لَفْظُ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَعُقَيْلٌ، عَنْ نَافِعٍ) يَعْنِي كَذَلِكَ، فَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ فَأَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهَذَا وَلَفْظُهُ هَنِيئًا بَدَلَ نَافِعًا، وَرُوِّينَاهَا فِي الْغِيلَانِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ دُحَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، وَشُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ فَذَكَرَهُ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَزَالَ بِهَذَا مَا كَانَ يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِ الْوَلِيدِ وَتَسْوِيَتِهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ، وَأَرْجَحُهَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ رِوَايَةِ دُحَيْمٍ صِحَّةُ سَمَاعِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ. وَأَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ فَذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَالَ أَوَّلًا تَابَعَهُ الْقَاسِمُ ثُمَّ قَالَ وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، فَكَانَ تَغَيُّرُ الْأُسْلُوبِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْمُتَابَعَةِ أَمْ لَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا رَوَيَاهُ عَنْ نَافِعٍ كَمَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا رَوَيَاهُ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى، انْتَهَى.

وَمَا أَدْرِي لِمَ تَرَكَ احْتِمَالَ أَنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ مَعَ أَنَّهُ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ الْجَمِيعِ مُتَّفِقَةٌ لِأَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى إِدْخَالِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَنَافِعٍ أَوْ لَا، وَالْبُخَارِيُّ قَدْ قَيَّدَ رِوَايَةَ الْأَوْزَاعِيِّ بِكَوْنِهَا عَنْ نَافِعٍ، وَالرُّوَاةُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ نَافِعًا رَوَاهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، فَظَهَرَ بِهَذَا كَوْنُهَا مُتَابَعَةً لَا مُخَالَفَةً، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ عُقَيْلٍ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ مُتَابَعَةُ الْقَاسِمِ أَقْرَبَ مِنْ مُتَابَعَتِهِمَا لِأَنَّهُ تَابَعَ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُمَا تَابَعَا فِي شَيْخِهِ حَسُنَ أَنْ يُفْرِدَهَا مِنْهُمَا وَلَمَّا أَفْرَدَهَا تَفَنَّنَ فِي الْعِبَارَةِ.

٢٤ - بَاب مَنْ تَمَطَّرَ فِي الْمَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ

١٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قَالَ: فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، قَالَ: فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَفِي الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، قَالَ: فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٠٣٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ) و (١) لأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «محمَّد بن مقاتلٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «عبد الله بن المبارك» (قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) أبو عمرٍو عبد الرَّحمن (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ) المدني (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) (قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ) بفتح السِّين، أي: شِدَّةٌ وجهدٌ مِن الجَدْب، فاعلٌ مؤخَّرٌ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ، فَبَيْنَا) بغير ميمٍ بعد النُّون (رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «النَّبيُّ» ( يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ) من أهل البدو (٢)، لا يُعرف (٣) اسمُه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ المَالُ) ألفه منقلبةٌ عن واوٍ بدليل ظهورها في الجمع، وإنَّما جُمعَ وإن كان اسم جنسٍ لاختلاف أنواعه، وهو كلُّ ما يُتملَّك ويُنتَفَع به، والمراد به هنا مالٌ خاصٌّ، وهو ما يَتضرَّر بعدم المطر من الحيوان والنَّبات، لكن لا مانع من حمله على عمومه على معنى أنَّ شدَّة الغلاء تُذهِب أموال النَّاس في شراء ما يُقتات به، فقد (٤) هلكت الأموال وإن اختلف السَّبب (وَجَاعَ العِيَالُ) لقلَّة الأقوات، أو عدمها بحبس المطر

(فَادْعُ اللهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا، قَالَ) أنسٌ: (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ يَدَيْهِ) أي: حتَّى رُئِيَ بياض إبطيه (وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ) بفَتَحَاتٍ، قطعةٌ من سحابٍ (قَالَ) أنسٌ: (فَثَارَ السَّحَابُ) بالمثلَّثة، وفي نسخة «اليونينيَّة»: «سحابٌ» (١) أي: هاج (أَمْثَالُ الجِبَالِ) لكثرته (ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ) (عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ) المقدَّسة، وهذا موضع التَّرجمة لأنَّ «تَفَعَّل» في قوله: «تَمَطَّر» -كما قال (٢) في «الفتح» - الأليق بها (٣) هنا أن تكون (٤) بمعنى مواصلة العمل في مهلةٍ، نحو تَفَكَّر، وكأنَّ المؤلِّف أراد أن يبيِّن أنَّ تحادر المطر على لحيته ، لم يكن اتفاقًا، إذ كان يمكنه التَّوقِّي منه بثوبٍ ونحوه كما قاله في «المصابيح»، أو بنزوله عن المنبر أوَّل ما وكف السَّقف، لكنَّه (٥) تمادى في خطبته حتَّى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته كما قاله في «الفتح» فترك فعلَ ذلك قصدًا للتَّمطُّر، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ «تَفَعَّل» يأتي لمعانٍ، للتَّكلُّف كتشجَّع لأن معناه: كلَّف نفسه الشَّجاعة، وللاتِّخاذ (٦) نحو: توسَّدت التُّراب، أي: اتَّخذته وسادةً، وللتَّجنُّب نحو: تأثَّم، أي: جانب الإثم، وللعمل، يعني: فيدلُّ على أنَّ أصل الفعل حصَل مرَّةً بعد مرَّةٍ نحو: تجرَّعتُه، أي: شربتُه جرعةً بعد جرعةٍ، قال: ولا دليل في قوله: «حتَّى رأيت المطر يتحادر على لحيته» على التَّمطُّر الَّذي هو مِن (٧) التَّفعُّل الدَّالِّ على التَّكلُّف، ودعوى أنَّه قصد التَّمطُّر لا برهان عليها، وليس في الحديث ما يدلُّ لها. واستدلاله بقوله: لأنَّه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر لا يساعده؛ لأنَّ لقائلٍ أن يقول: عدم (٨) نزوله

عن المنبر إنَّما كان لئلَّا يقطع الخطبة، كذا قال فليُتأمَّل. (قَالَ) أنسٌ: (فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا) ظرفٌ، أي: في يومنا (ذَلِكَ، وَفِي الغَدِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت (١) وابن عساكر: «ومن الغد» (وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ، أَوْ) قال أنسٌ: قام (رَجُلٌ غَيْرُهُ) ولا منافاة بين تردُّد أنسٍ هنا وبين قوله في الرِّواية الأخرى: «فأتى الرَّجل» بالألف واللَّام، المفيد (٢) للعهد الذِّكريِّ؛ إذ ربَّما نسي ثمَّ تذكَّر، أو كان ذاكرًا ثمَّ نسي (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وَغَرِقَ المَالُ) من كثرة المطر (فَادْعُ اللهَ لَنَا) (٣) يمسكْها عنَّا (فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ يَدَيْهِ، وَقَالَ) بالواو، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر وأبي الوقت (٤): «فقال»: (اللَّهُمَّ) أي: يا الله، أنزل المطر (حَوَالَيْنَا، وَلَا) تنزله (عَلَيْنَا) وفي بعض الرِّوايات: «حولنا» من غير ألفٍ، وهما بمعنًى، وهو في موضع نصبٍ؛ إمَّا على الظَّرف، وإمَّا على المفعول به، والمراد بحوالي المدينة مواضعُ (٥) النَّبات أو الزُّروع (٦)، لا في نفس المدينة وبيوتها، ولا فيما حوالي المدينة من الطُّرق، وإلَّا لم تزل (٧) بذلك شكواهم جميعًا، ولم يطلب رفع المطر من أصله، بل سأل رفعَ ضررِه، وكشْفَه عن البيوت والمرافق والطُّرق بحيث لا يتضرَّر به ساكنٌ ولا ابن سبيلٍ، بل سأل (٨) إبقاءه في مواضع (٩) الحاجة لأنَّ الجبال والصَّحارى

ما دام المطر فيها كثرت الفائدة فيها في المستقبل مِن كثرة المرعى (١) والمياه وغير ذلك من المصالح، وفي هذا دليلٌ على قوَّة إدراكه للخير على سرعة البديهة. (قَالَ) أنسٌ: (فَمَا جَعَلَ) (يُشِيرُ بِيَدِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «فما جعل يشير رسول الله بيده» (إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة والفاء وتشديد الرَّاء وبالجيم، أي: تقطَّع السَّحاب وزال عنها امتثالًا لأمره ، وفيه دلالةٌ على عِظَم معجزته (٢) وهو أن سُخِّرت له السُّحب (٣)، كلَّما (٤) أشار إليها امتثلت بالإشارة دون كلامٍ (حَتَّى صَارَتِ المَدِينَةُ فِي مِثْلِ الجَوْبَةِ) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحَّدة، أي: تقطَّع السَّحاب عن المدينة، وصار مستديرًا حوالَيها، وهي خاليةٌ منه (حَتَّى سَالَ الوَادِي -وَادِي قَنَاةَ-) بفتح القاف والنُّون الخفيفة: وادٍ من أودية المدينة عليه حرثٌ ومزارع، وأضافه هنا إلى نفسه (٥) أي: جرى فيه الماء من المطر (شَهْرًا) و (٦) هو مِن أبعدِ أمد المطر الَّذي يُصلح الأرضَ الَّتي هي متوعِّرةٌ جبليَّةٌ لأنَّه يتمكَّن في تلك الأيَّام بطولها الرَّيّ فيها؛ لأنَّها بارتفاع (٧) أقطارها لا يثبت الماء عليها، فتبقى فيها حرارةٌ، فإذا دام سَكْب المطر عليها قلَّت (٨) تلك الحرارة وخصبت

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل