«مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٢٥

الحديث رقم ١٣٢٥ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من انتظر حتى تدفن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهد…

«مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ.»

سند حديث: ١٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ…

١٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ

⦗٨٨⦘

أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: حَدَّثَنَا يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهد…

الله -تبارك وتعالى- لطيف بعباده، ويريد أن يهيئ لهم أسباب الغفران، ولذا ورد الحضَّ على الصلاة على الجنازة وشهودها، لأن ذلك شفاعة تكون سبباً للرحمة.
فجعل لمن صلَّى عليها قيراطا من الثواب، ولمن شهدها حتى تدفن قيراطاً آخر، وهذا مقدار من الثواب عظيم ومعلوم قدره عند الله تعالى.
فلما خَفِي على الصحابة- رَضي الله عنهم- مقداره، قرَّبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أفهامهم، بأن كل قيراط مثل الجبل العظيم، لما فيه من القيام بحق أخيه المسلم والدعاء له والتذكير بالمآل وجبر قلوب أهل البيت وغيرها من المصالح.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الفضل العظيم في الصلاة على الجنازة وتشييعها حتى تدفن.
  • أنه يحصل للمصلي والمشيع حتى تدفن ثواب لا يعلم قدره إلا الله تعالى.
  • أن في الصلاة على الميت وتشييع جنازته إحساناً إلى الميت وإلى المصلي والمشيع.
  • فضل الله تعالى على الميت، حيث حض على تكثير الشفعاء له بأجر من عنده.
  • أن مقدار الثواب على قدر الأعمال التي يقوم بها العبد، فقد جعل للمصلي قيراطاً، وللمصلي والمشيِّع، قيراطين.
  • كرامة المسلم على الله تعالى- حيث أثاب من اتبع جنازته أو حضر دفنه.
  • أن هذا الفضل يحصل لمن اتبع الجنازة إيمانًا واحتسابًا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط، ومن شهد…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّبَوِيِّ، وَالتَّحَرُّزِ فِيهِ وَالتَّنْقِيبِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضِيلَةِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ، وَتَأَسُّفِهِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ.

قَوْلُهُ: (فَرَّطْتَ: ضَيَّعْتَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَرَّطْتَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَيْ ضَيَّعْتَ. وَهُوَ أَشْبَهُ. وَهَذِهِ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ إِذَا أَرَادَ تَفْسِيرَ كَلِمَةٍ غَرِيبَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَوَافَقَتْ كَلِمَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَسَّرَ الْكَلِمَةَ الَّتِي مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً.

(تَكْمِلَةٌ): وَقَعَ لِي حَدِيثُ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ: مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ. وَالْبَرَاءِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ. وَأَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَأَسَانِيدُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ صِحَاحٌ، وَمِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. وَابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ. وَأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ. وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ. وَحَفْصَةَ عِنْدَ حُمَيْدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَفِي كُلٍّ مِنْ أَسَانِيدِ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ ضَعْفٌ. وَسَأُشِيرُ إِلَى مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا.

٥٨ - بَاب مَنْ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ

١٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ .

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ جَوَابَ مَنْ؛ إِمَّا اسْتِغْنَاءً بِمَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ؛ أَوْ تَوَقُّفًا عَلَى إِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ بِمُجَرَّدِ الِانْتِظَارِ إِنْ خَلَا عَنِ اتِّبَاعٍ. قَالَ: وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِ الشُّهُودِ كَمَا هُوَ فِي الْخَبَرِ إِلَى لَفْظِ الِانْتِظَارِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الشُّهُودِ إِنَّمَا هُوَ مُعَاضَدَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالتَّصَدِّي لِمَعُونَتِهِمْ، وَذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمُعْتَبَرَةِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ اخْتَارَ لَفْظَ الِانْتِظَارِ لِكَوْنِهِ أَعَمَّ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ الِانْتِظَارِ؛ لِيُفَسِّرَ اللَّفْظَ الْوَارِدَ بِالْمُشَاهَدَةِ بِهِ، وَلَفْظُ الِانْتِظَارِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ سَاقَ الْبُخَارِيُّ سَنَدَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهَا. وَوَقَعَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) يَعْنِي أَبَا سَعِيدٍ كَيْسَانَ الْمَقْبُرِيَّ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ. قُلْتُ: وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، نَعَمْ سَقَطَ قَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي مَعْشَرٍ عِنْدَ حُمَيْدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَسُقِ الْبُخَارِيُّ لَفْظَ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ: مَا يَنْبَغِي فِي الْجِنَازَةِ؟ فَقَالَ: سَأُخْبِرُكَ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ: مَنْ تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ.

: قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ؛ أَيْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ بِكَذَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يُصَلَّى) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ عَلَيْهِ وَاللَّامُ

لِلْأَكْثَرِ مَفْتُوحَةٌ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِكَسْرِهَا، وَرِوَايَةُ الْفَتْحِ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا، فَإِنَّ حُصُولَ الْقِيرَاطِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ الصَّلَاةِ مِنَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّائِغِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا. وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ابْتِدَاءَ الْحُضُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ حَيْثُ قَالَ: مِنْ أَهْلِهَا. وَفِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا. وَلِأَحْمَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: فَمَشَى مَعَهَا مِنْ أَهْلِهَا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْقِيرَاطَ يَخْتَصُّ بِمَنْ حَضَرَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْقِيرَاطَ يَحْصُلُ أَيْضًا لِمَنْ صَلَّى فَقَطْ، لِأَنَّ كُلَّ مَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، لَكِنْ يَكُونُ قِيرَاطُ مَنْ صَلَّى فَقَطْ دُونَ قِيرَاطِ مَنْ شَيَّعَ مَثَلًا وَصَلَّى. وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَرَارِيطَ تَتَفَاوَتُ. وَوَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. وَفِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: وَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَتْبَعْ فَلَهُ قِيرَاطٌ.

فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تُحَصِّلُ الْقِيرَاطَ، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ اتِّبَاعٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الِاتِّبَاعُ هُنَا عَلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَهَلْ يَأْتِي نَظِيرُ هَذَا فِي قِيرَاطِ الدَّفْنِ؟ فِيهِ بَحْثٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ. الْحَدِيثَ. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ لِمَنْ كَانَ مَعَهَا فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ حَتَّى تُدْفَنَ، فَإِنْ صَلَّى مَثَلًا وَذَهَبَ إِلَى الْقَبْرِ وَحْدَهُ فَحَضَرَ الدَّفْنَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِلَّا قِيرَاطٌ وَاحِدٌ. انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ، فَإِنْ وَرَدَ مَنْطُوقٌ بِحُصُولِ الْقِيرَاطِ لِشُهُودِ الدَّفْنِ وَحْدَهُ كَانَ مُقَدَّمًا. وَيُجْمَعُ حِينَئِذٍ بِتَفَاوُتِ الْقِيرَاطِ، وَالَّذِينَ أَبَوْا ذَلِكَ جَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، نَعَمْ مُقْتَضَى جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى التَّشْيِيعِ فَلَمْ يُصَلِّ، وَلَمْ يَشْهَدِ الدَّفْنَ فَلَا قِيرَاطَ لَهُ إِلَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، لَكِنِ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ عَنِ الْبَرَاءِ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِالْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، لِأَنَّ تَرَتُّبَ الثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ النِّيَّةِ فِيهِ فَيَخْرُجُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُكَافَأَةِ الْمُجَرَّدَةِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْمُحَابَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ شَهِدَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا وَمَنْ شَهِدَهَا.

قَوْلُهُ: (فَلَهُ قِيرَاطَانِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا غَيْرُ قِيرَاطِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَحَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ، ولَكِنْ سِيَاقُ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ يَأْبَى ذَلِكَ، وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الصَّلَاةِ وَمِنَ الدَّفْنِ قِيرَاطَانِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ خَبَّابٍ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ قِيرَاطٌ. وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِمَعْنَاهُ، وَنَحْوُهُ رِوَايَةُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمَجْمُوعَ قِيرَاطَانِ، وَمَعْنَى رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَلَى هَذَا كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ؛ أَيْ بِالْأَوَّلِ، وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ: مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ. أَيْ بِانْضِمَامِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تُدْفَنَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ حُصُولَ الْقِيرَاطِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فَرَاغِ الدَّفْنِ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ فِي اللَّحْدِ، وَقِيلَ: عِنْدَ انْتِهَاءِ الدَّفْنِ قَبْلَ إِهَالَةِ التُّرَابِ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِكُلِّ ذَلِكَ، وَيَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ لِلزِّيَادَةِ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦١٣٢٥] ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه وأبو داود.

(٥٨) (باب مَنِ انْتَظَرَ) الجنازة (حَتَّى تُدْفَنَ) واختار لفظ «انتظر» دون لفظ: شهد؛ لوروده في بعض طرق الحديث؛ كما في رواية معمرٍ عند مسلم، وهو البزَّار من طريق ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: «فإن انتظرها حتَّى تُدفَن فله قيراط».

١٣٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسانَ (أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ «قال»: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ) ووقع هنا (١) في نسخةٍ مسموعةٍ من طريق الخلَّال وغيره: «قال» أي: المؤلِّف: «ح وحدَّثني» بالإفراد «عبد الله بن محمَّدٍ المسنديُّ، قال: حدَّثنا هشامٌ» هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قال: «حدَّثنا معمر» -بسكون العين- «ابن راشدٍ، عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ، عن ابن المسيَّب» سعيد «عن أبي هريرة : أنَّ النَّبيَّ ».

قال المؤلِّف (٢): (وحَدَّثَنَا) بالواو، وسقطت لغير أبي ذرٍّ (أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الموحَّدة الأولى (٣)، البصريُّ الحبطيُّ، بالحاء المهملة والموحَّدة

المفتوحتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) شبيب بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) ابن يزيد الأيليُّ (قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، حدَّثنا (١) فلان به (وَ) عطفٌ على محذوفٍ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ) أيضًا: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ) في رواية مسلمٍ من حديث خبَّابٍ: «مَن خرج مع جنازةٍ من بيتها»، ولأحمد من حديث أبي سعيدٍ: «فمشى معها من أهلها» (حَتَّى يُصَلِّيَ) بكسر اللَّام، وفي رواية الأكثر بفتحها، وهي محمولةٌ عليها، فإنَّ حصول القيراط متوقِّفٌ على وجود الصَّلاة من الَّذي يشهد، زاد ابن عساكر في نسخةٍ: «عليها» أي: على الجنازة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عليه» أي: على الميِّت (فَلَهُ قِيرَاطٌ) فلو تعدَّدت الجنائز، واتَّحدت الصَّلاة عليها دفعةً واحدةً، هل تتعدَّد (٢) القراريط بتعدُّدها أو لا تتعدَّد نظرًا لاتِّحاد الصَّلاة؟ قال الأذرعيُّ: الظَّاهر التَّعدُّد، وبه أجاب قاضي حماة البارزيُّ، ومقتضى التَّقييد بقوله في رواية أحمد وغيرها: «فمشى معها من أهلها» أنَّ القيراط يختصُّ بمَن حضر من أوَّل الأمر إلى انقضاء الصَّلاة، لكنَّ ظاهر حديث البزَّار السَّابق حصوله أيضًا لمن صلَّى فقط، لكن يكون قيراطه دون قيراط من شيَّع مثلًا وصلَّى، ويؤيِّد ذلك رواية مسلمٍ عن أبي هريرة حيث قال: «أصغرهما مثل أحدٍ» ففيه دلالةٌ على أنَّ القراريط تتفاوت، وفي «مسلمٍ» أيضًا: «من صلَّى على جنازة ولم يتَّبعها فله قيراطٌ» فظاهره حصول القيراط وإن لم يقع اتِّباعٌ، لكنْ يمكن حمل الاتِّباع هنا على ما بعد الصَّلاة، لا سيما وحديث البزَّار ضعيفٌ (وَمَنْ شَهِدَها حَتَّى تُدْفَنَ) أي: يفرغ من دفنها بأن يُهال عليها (٣) التُّراب، وعلى ذلك تُحمل رواية مسلمٍ (٤): «حتَّى توضع في

اللَّحد» (كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ) من الأجر المذكور، وهل ذلك بقيراط الصَّلاة أو بدونه؟ فيكون ثلاثة قراريط، فيه احتمالٌ، لكن سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٧] التَّصريح بالأوَّل، وحينئذٍ فتكون رواية الباب معناها: كان له قيراطان، أي بالأوَّل، ويشهد للثَّاني ما رواه الطَّبرانيُّ مرفوعًا: «مَن تبع جنازة حتَّى يُقضى دفنها كُتِبَ له ثلاثة قراريط»، وهل يحصل قيراط الدَّفن، وإن لم يقع (١) اتِّباعٌ؟ فيه بحثٌ، لكن مقتضى قوله في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٧]: «وكان معها حتَّى يُصلَّى عليها، ويفرغ من دفنها» أنَّ القيراطين إنَّما يحصلان بمجموع الصَّلاة والاتِّباع في جميع الطَّريق وحضور الدَّفن، فإن صلَّى مثلًا، وذهب إلى القبر وحده، فحضر الدَّفن لم يحصل له إلَّا قيراطٌ واحدٌ، صرَّح به النَّوويُّ في «المجموع» وغيره، لكن له أجرٌ في الجملة، قال في «فتح الباري»: وما قاله النَّوويُّ ليس في الحديث ما يقتضيه إلَّا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوقٌ بحصول القيراط بشهود (٢) الدَّفن وحده كان مقدَّمًا، ويجمع حينئذٍ بتفاوت القيراط، والَّذين أبَوا ذلك جعلوه من باب المطلق والمقيَّد، لكنْ مقتضى جميع الأحاديث أنَّ مَن اقتصر على التَّشييع، ولم يصلِّ، ولم يشهد الدَّفن (٣) فلا قيراط له إلَّا على طريقة ابن عَقيلٍ السَّابقة (٤).

والقيراط -بكسر القاف- قال الجوهريُّ: نصف دانقٍ، والدَّانق: سدس درهمٍ، فعلى هذا يكون القيراط جزءٌ من اثني عشر جزءًا من الدِّرهم، وقال أبو الوفاء بن عَقيلٍ: نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينارٍ، وقال ابن الأثير: هو نصف عشر الدِّينار في أكثر البلاد، وفي الشَّأم

جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءًا، وقال القاضي أبو بكر ابن العربيِّ: الذَّرَّة جزء من ألفٍ وأربعةٍ وعشرين جزءًا من حبَّةٍ، والحبَّة: ثلث القيراط، والذَّرَّة تخرج من النَّار، فكيف بالقيراط؟ وقد قرَّب النَّبيُّ القيراط للفهم بقوله لمَّا (قِيلَ) له، وعند أبي عَوانة: قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله (وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ) وأخصُّ من ذلك تمثيله القيراط بأُحُدٍ؛ كما في «مسلمٍ»، وهذا تمثيلٌ واستعارةٌ، قال الطِّيبيُّ: قوله: «مثلُ أُحُدٍ» تفسيرٌ للمقصود من الكلام لا للفظ «القيراط»، والمراد منه: أنَّه (١) يرجع بنصيبٍ كبيرٍ من الأجر، وقال الزَّين بن المُنيِّر: أراد تعظيم الثَّواب، فمثَّله للعيان (٢) بأعظم الجبال خلقًا، وأكثرها إلى النُّفوس المؤمنة حبًّا؛ لأنَّه الذي قال في حقِّه: «أُحُدٌ (٣) جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه» [خ¦١٤٨٢] ويجوز أن يكون على حقيقته بأن يجعل الله تعالى عمله يوم القيامة جسمًا قدر أُحُدٍ ويوزَن، وفي حديث واثلة عند ابن عديٍّ: «كُتِبَ له قيراطان، أخفُّهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحدٍ»، فأفادت هذه الرِّواية بيان وجه التَّمثيل بجبل أحدٍ، وأنَّ المراد به: زنة الثَّواب المرتَّب على ذلك العمل (٤).

ورواة حديث الباب ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ وأيليٍّ، وفيه التَّحديث والقراءة على الشَّيخ والسُّؤال والسَّماع والعنعنة، والإخبار، والقول، ورواية الابن عن أبيه، ولم يخرج الطَّريق الأوَّل غيره من بقيَّة الكتب السِّتَّة، والطَّريق الثَّاني أخرجه مسلمٌ في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ.

(٥٩) (باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْقَائِل وَلَا الْمَقُول لَهُ، وَقد بَين لَهُ مُسلم فِي رِوَايَة الْأَعْرَج فَقَالَ: (قيل: وَمَا القيراطان يَا رَسُول الله؟) ، وَبَين الْقَائِل أَبُو عوَانَة من طَرِيق أبي مُزَاحم عَن أبي هُرَيْرَة وَلَفظه: (قلت: وَمَا القيراط يَا رَسُول الله؟) . قلت: الظَّاهِر بِحَسب الْقَرِينَة يدل على أَن الْقَائِل رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَة، وَالْمقول لَهُ هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. أما الْقَائِل فَفِيهِ احْتِمَال أَن يكون غير الرَّاوِي مِمَّن كَانَ حَاضرا فِي ذَلِك الْمجْلس. وَأما الْمَقُول لَهُ فَهُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطعا لِأَنَّهُ قَالَ: (مثل الجبلين العظيمين) ، وَلَيْسَ هَذَا إلَاّ وَظِيفَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الضَّمِير فِي قَوْله: قَالَ، يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (مثل الجبلين العظيمين) ، وَفِي رِوَايَة ابْن سِيرِين وَغَيره: (مثل أحد) ، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: (القيراط مثل جبل أحد) . وَكَذَا فِي حَدِيث ثَوْبَان عِنْد مُسلم، والبراء عِنْد النَّسَائِيّ، وَأبي سعيد عِنْد أَحْمد وَفِي رِوَايَة للنسائي من طَرِيق الشّعبِيّ: (فَلهُ قيراطان من الْأجر، كل وَاحِد مِنْهُمَا أعظم من أحد) . وَفِي رِوَايَة أبي صَالح عِنْد مُسلم: (أصغرهما مثل أحد) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي بن كَعْب: (القيراط أعظم من أحد) ، وَعند ابْن عدي من حَدِيث وَاثِلَة (كتب لَهُ قيراطان من أجر أخفهما فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة أثقل من جبل أحد) وَقد ذكرنَا أَن هَذَا من بَاب التَّمْثِيل والاستعارة.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَفِيه: فِيهِ: التَّرْغِيب فِي شُهُود جَنَازَة الْمَيِّت وَالْقِيَام بأَمْره والحض على الِاجْتِمَاع لَهُ، والتنبيه على عَظِيم فضل الله تَعَالَى، وتكريمه للْمُسلمِ فِي تكثيره الثَّوَاب لمن يتَوَلَّى أمره بعد مَوته. وَفِيه: تَقْدِير الْأَعْمَال بِنِسْبَة الأوزان أَو بجعلها أعيانا حَقِيقَة. وَفِيه: السُّؤَال عَمَّا يهم فِيهِ.

٩٥ - (بابُ صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الصّبيان على الْمَوْتَى. فَإِن قلت: قد ذكر قبل هَذَا: بَاب صُفُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال فِي الْجَنَائِز أَو لَيْسَ هَذَا بتكرار؟ قلت: أَفَادَ بذلك الْبَاب وقُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال، وَأَنَّهُمْ يصفونَ مَعَهم لَا يتأخرون عَنْهُم لقَوْل ابْن عَبَّاس فِي حَدِيث ذَلِك الْبَاب: وَأَنا فيهم، وَأفَاد بِهَذَا الْبَاب مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الصّبيان على الْمَوْتَى، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: هَذَا كَانَ يُسْتَفَاد من ذَلِك الْبَاب. قلت: نعم لَكِن ضمنا وَهنا ذكره قصدا ونصا.

٦٢٣١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ أبي بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا زَائِدَةُ قَالَ حَدثنَا أبُو إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عنْ عامِرِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ أتَى رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَبْرا فقالُوا هاذا دُفِنَ أوْ دُفِنَتِ البَارِحَةَ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصففنا خَلفه) ، والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب صُفُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال فِي الْجَنَائِز، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي مر فِي: بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان، وَيحيى بن أبي بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدي الْكُوفِي قَاضِي كرمان، مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ، وزائدة، من الزِّيَادَة، وَأَبُو إِسْحَاق، إسمه سُلَيْمَان، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وَقد مرا فِي الْبَاب الْمَذْكُور.

وَفِيه: الصَّلَاة على الْقَبْر. وَفِيه: الْجَمَاعَة. وَفِيه: الدّفن بِاللَّيْلِ.

٠٦ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالمُصَلَّى وَالمَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة على الْجَنَائِز بالمصلى، بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام الْمُشَدّدَة، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يتَّخذ للصَّلَاة على الْمَوْتَى فِيهِ. قَوْله: (وَالْمَسْجِد) ، أَي: وَالصَّلَاة عَلَيْهَا بِالْمَسْجِدِ. قيل: إِنَّمَا ذكر الْمَسْجِد فِي التَّرْجَمَة لاتصاله بمصلى الْجَنَائِز. قلت: نذْكر وَجه ذكره فِي بَيَان الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة.

٧٢٣١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ

ابنِ المُسَيَّبِ وَأبِي سَلَمَةَ أنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ نَعَى لَنَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّجَاشِيَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي ماتَ فِيهِ قَالَ اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ. وعَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ إنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَفَّ بِهِمْ بِالمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أرْبَعا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صف بهم بالمصلى) ، وَقد تقدم الحَدِيث فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَيحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، مصغر بكر، المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. وَقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. قَوْله: (النجاش) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: نعي (وَصَاحب الْحَبَشَة) مَنْصُوب لِأَنَّهُ صفته، وَالْيَوْم مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَعَن ابْن شهَاب) مَعْطُوف على إِسْنَاد الْمصدر وَالرِّوَايَة عَن ابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ فِي الأول: بالعنعنة، وَفِي الثَّانِي: بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْإِفْرَاد.

٩٢٣١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا مُوسى بنُ عُقْبَةَ عنْ نَافَعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ اليَهُودَ جاؤا إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأةٍ زَنَيَا فأمَرَ بِهِما فَرُجِمَا قَرِيبا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ..

وَجه مطابقه هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة لَا يَتَأَتَّى إلَاّ إِذا قُلْنَا إِن: عِنْد، فِي قَوْله: (عِنْد الْمَسْجِد) ، يكون بِمَعْنى: فِي، أَو نقُول. قَوْله: بَاب الصَّلَاة على الْجَنَائِز بالمصلى وَالْمَسْجِد، يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا: الاثبات، وَالْآخر: النَّفْي، وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ النَّفْي بِأَن لَا يصلى عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِد بِدَلِيل تعْيين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَوضِع الْجِنَازَة عِنْد الْمَسْجِد، وَلَو جَازَ فِيهِ لما عينه فِي خَارجه، وَبِهَذَا يدْفع كَلَام ابْن بطال: لَيْسَ فِيهِ، أَي: فِي حَدِيث ابْن عمر، دَلِيل على الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد، إِنَّمَا الدَّلِيل فِي حَدِيث عَائِشَة: (صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على سُهَيْل بن بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد) . قلت: لَو كَانَ إِسْنَاده على شَرطه لأخرجه فِي (صَحِيحه) وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِيمَا مضى عَن قريب.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد الله الْحزَامِي، وَقد مر. الثَّانِي: أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء: اسْمه أنس بن عِيَاض، مر فِي: بَاب التبرز فِي الْبيُوت. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف، مر فِي أول الْوضُوء. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الِاعْتِصَام عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أنس بن عِيَاض. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّجْم عَن مُحَمَّد بن معدان.

أما رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير فَقَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر حَدثنَا أَبُو ضَمرَة حَدثنَا مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَن الْيَهُود جاؤوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل مِنْهُم وَامْرَأَة قد زَنَيَا، فَقَالَ لَهُم: كَيفَ تَفْعَلُونَ بِمن زنى مِنْكُم؟ قَالُوا: نحممهما ونضربهما، فَقَالَ: لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم؟ فَقَالُوا: لَا نجد فِيهَا شَيْئا. فَقَالَ لَهُم: عبد الله بن سَلام: كَذبْتُمْ، فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فَوضع مدراسها الَّذِي يدرسها مِنْهُم كَفه على آيَة الرَّجْم، فَطَفِقَ يقْرَأ مَا دون يَده وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يقْرَأ آيَة الرَّجْم. فَنزع يَده عَن آيَة الرَّجْم فَقَالَ: مَا هَذِه؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك قَالُوا: هِيَ آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما فَرُجِمَا قَرِيبا من حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز عِنْد الْمَسْجِد، فَرَأَيْت صَاحبهَا يحني عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَة) . هَذَا لَفظه فِي سُورَة آل عمرَان فِي التَّفْسِير. وَأما لَفظه فِي كتاب الِاعْتِصَام، فكلفظه هَهُنَا سندا ومتنا بعينهما.

وَأما رِوَايَة مُسلم فَفِي الْحُدُود: حَدثنِي الحكم بن مُوسَى أَبُو صَالح

حَدثنَا شُعَيْب بن إِسْحَاق أخبرنَا عبيد الله عَن نَافِع أَن عبد الله أخبرهُ أَن رَسُول الله أَتَى بِيَهُودِيٍّ وبيهودية قد زَنَيَا فَانْطَلق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى جَاءَ يهود فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى؟ قَالُوا: نسود وُجُوههمَا ونحملهما وَنُخَالِف بَين وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما. قَالَ: فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤا بهَا فقرأوها حَتَّى إِذا مروا بِآيَة الرَّجْم وضع الْفَتى الَّذِي يقْرَأ يَده على آيَة الرَّجْم، وَقَرَأَ مَا بَين يَديهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام، وَهُوَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مُره فَليرْفَعْ يَده، فَرَفعهَا فَإِذا تحتهَا آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرجمهما. قَالَ عبد الله بن عمر: كنت فِيمَن رجمهما، فَلَقَد رَأَيْته يَقِيهَا من الْحِجَارَة بِنَفسِهِ) .

وَأما رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَفِي الرَّجْم: أخبرنَا مُحَمَّد بن معدان، قَالَ: حَدثنَا الْحسن ابْن أعين، قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن الْيَهُود جاؤوا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل مِنْهُم وَامْرَأَة قد وزنيا، قَالَ: فَكيف تَفْعَلُونَ بِمن زنى مِنْكُم؟ قَالُوا: نضربهما. قَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة؟ قَالُوا: مَا نجد فِيهَا شَيْئا. فَقَالَ: عبد الله بن سَلام: كَذبْتُمْ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم، فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤوا بِالتَّوْرَاةِ فَوضع مدرسها الَّذِي يدرسها مِنْهُم كَفه على آيَة الرَّجْم فَطَفِقَ يقْرَأ مَا دون يَده وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يقْرَأ آيَة الرَّجْم، فَضرب عبد الله بن سَلام يَده فَقَالَ: مَا هَذِه؟ قَالَ: هِيَ آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَرُجِمَا قَرِيبا حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز. قَالَ عبد الله: فَرَأَيْت صَاحبهَا يحني عَلَيْهَا ليقيها الْحِجَارَة) . وَفِي لفظ لَهُ: (فجاؤوا بِالتَّوْرَاةِ وجاؤوا بقارىء لَهُم أَعور، فَقَرَأَ حَتَّى انْتهى إِلَى مَوضِع مِنْهَا وضع يَده عَلَيْهِ، فَقيل: إرفع يدك فَرفع فَإِذا هِيَ تلوح، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِن فِيهَا الرَّجْم وَلَكنَّا كُنَّا نكاتمه) الحَدِيث، وَفِي لفظ لَهُ: (فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام: (إزحل كفك فَإِذا هُوَ بِالرَّجمِ يلوح) .

قَوْله: (نحممهما) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: نسودهما بالحممة، وَهِي الفحمة وَفِي رِوَايَة مُسلم: (ونحملهما) ، بِالْحَاء وَاللَّام أَي: نحملهما على جمل، وَفِي رِوَايَة: (نجملهما) بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة أَي: نجعلهما جَمِيعًا على الْجمل. قَوْله: (لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم؟) قَالُوا: هَذَا السُّؤَال لَيْسَ لتقليدهم، وَلَا لمعونة الحكم مِنْهُم، وَإِنَّمَا هُوَ لإلزامهم بِمَا يعتقدونه فِي كِتَابهمْ. وَلَعَلَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أُوحِي إِلَيْهِ أَن الرَّجْم فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة فِي أَيْديهم لم يغيروه كَمَا غيروا أَشْيَاء، أَو أَنه أخبرهُ بذلك من أسلم مِنْهُم، وَلِهَذَا لم يخف ذَلِك عَلَيْهِ حِين كتموه. قَوْله: (مدراسها) ، بِكَسْر الْمِيم على وزن: مفعال، من أبنية الْمُبَالغَة، وَهُوَ صَاحب دراسة كتبهمْ، من: درس يدرس درسا ودراسة، وأصل الدراسة: الرياضة والتعهد للشَّيْء، وَكَذَلِكَ الْمدرس، بِكَسْر الْمِيم على وزن: مفعل، من أبنية الْمُبَالغَة، وَجَاء فِي حَدِيث آخر: (حَتَّى أَتَى الْمِدْرَاس) ، بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْبَيْت الَّذِي يدرسون فِيهِ، ومفعال غَرِيب فِي الْمَكَان. قَوْله: (فَطَفِقَ) ، بِكَسْر الْفَاء: بِمَعْنى أَخذ فِي الْفِعْل وَشرع يعْمل، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة. قَوْله: (يحني) من حَنى يحنو ويحني إِذا أشْفق وَعطف. قَوْله: (يَقِيهَا) أَي: يحفظها، من: وقى يقي وقاية، وَهَذِه الْجُمْلَة محلهَا النصب على الْحَال. قَوْله: (إزحل) ، بالزاي: أزل كفك. قَوْله: (يلوح) أَي: يظْهر ويبرق.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل لوُجُوب حد الزِّنَا على الْكَافِر وَأَنه يَصح نِكَاحه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لِأَنَّهُ لَا يجب الرَّجْم إلَاّ على الْمُحصن، فَلَو لم يَصح نِكَاحه لم يثبت إحْصَانه وَلم يرْجم. قلت: من جملَة شُرُوط الْإِحْصَان الْإِسْلَام لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من أشرك بِاللَّه فَلَيْسَ بمحصن) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَعَن أبي يُوسُف، أَنه لَيْسَ بِشَرْط، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب. قُلْنَا: كَانَ ذَلِك بِحكم التَّوْرَاة قبل نزُول آيَة الْجلد فِي أول مَا دخل، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَدِينَة، وَصَارَ مَنْسُوخا بهَا، ثمَّ نسخ الحلد فِي حق الْمُحصن، وَالْكَافِر لَيْسَ بمحصن، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خُذُوا عني خُذُوا عني: قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا بالبكر جلد مائَة وَنفي سنة وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم) . فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرق بَينهمَا بالثيوبة، فَمن فرق بَينهمَا بِالْإِسْلَامِ فقد زَاد على النَّص. قلت: هَذَا مَنْسُوخ، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا كَانَ يحكم بعد نزُول الْقُرْآن إلَاّ بِمَا فِيهِ، وَفِيه النَّص على الْجلد فَقَط. فَإِن قلت: رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِذا قبلوا عقد الذِّمَّة فأعلموهم أَن لَهُم مَا للْمُسلمين وَعَلَيْهِم مَا على الْمُسلمين، وَالرَّجم على الْمُسلم الثّيّب، فَكَذَا على الْكَافِر الثّيّب. قلت: الرَّجْم غير وَاجِب على كَافَّة الْمُسلمين، فَدلَّ على أَنه يخْتَص بالزناة المحصنين دون غَيرهم.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّبَوِيِّ، وَالتَّحَرُّزِ فِيهِ وَالتَّنْقِيبِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضِيلَةِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ، وَتَأَسُّفِهِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ.

قَوْلُهُ: (فَرَّطْتَ: ضَيَّعْتَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَرَّطْتَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَيْ ضَيَّعْتَ. وَهُوَ أَشْبَهُ. وَهَذِهِ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ إِذَا أَرَادَ تَفْسِيرَ كَلِمَةٍ غَرِيبَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَوَافَقَتْ كَلِمَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَسَّرَ الْكَلِمَةَ الَّتِي مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً.

(تَكْمِلَةٌ): وَقَعَ لِي حَدِيثُ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ: مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ. وَالْبَرَاءِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ. وَأَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَأَسَانِيدُ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ صِحَاحٌ، وَمِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ. وَابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ. وَأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ. وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ. وَحَفْصَةَ عِنْدَ حُمَيْدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَفِي كُلٍّ مِنْ أَسَانِيدِ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ ضَعْفٌ. وَسَأُشِيرُ إِلَى مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا.

٥٨ - بَاب مَنْ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ

١٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ .

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ. قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ جَوَابَ مَنْ؛ إِمَّا اسْتِغْنَاءً بِمَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ؛ أَوْ تَوَقُّفًا عَلَى إِثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ بِمُجَرَّدِ الِانْتِظَارِ إِنْ خَلَا عَنِ اتِّبَاعٍ. قَالَ: وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِ الشُّهُودِ كَمَا هُوَ فِي الْخَبَرِ إِلَى لَفْظِ الِانْتِظَارِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الشُّهُودِ إِنَّمَا هُوَ مُعَاضَدَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالتَّصَدِّي لِمَعُونَتِهِمْ، وَذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمُعْتَبَرَةِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ اخْتَارَ لَفْظَ الِانْتِظَارِ لِكَوْنِهِ أَعَمَّ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ الِانْتِظَارِ؛ لِيُفَسِّرَ اللَّفْظَ الْوَارِدَ بِالْمُشَاهَدَةِ بِهِ، وَلَفْظُ الِانْتِظَارِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقَدْ سَاقَ الْبُخَارِيُّ سَنَدَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهَا. وَوَقَعَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) يَعْنِي أَبَا سَعِيدٍ كَيْسَانَ الْمَقْبُرِيَّ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ. قُلْتُ: وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، نَعَمْ سَقَطَ قَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي مَعْشَرٍ عِنْدَ حُمَيْدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَسُقِ الْبُخَارِيُّ لَفْظَ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ: مَا يَنْبَغِي فِي الْجِنَازَةِ؟ فَقَالَ: سَأُخْبِرُكَ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ: مَنْ تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ.

: قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ؛ أَيْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِكَذَا، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ بِكَذَا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يُصَلَّى) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ عَلَيْهِ وَاللَّامُ

لِلْأَكْثَرِ مَفْتُوحَةٌ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِكَسْرِهَا، وَرِوَايَةُ الْفَتْحِ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا، فَإِنَّ حُصُولَ الْقِيرَاطِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ الصَّلَاةِ مِنَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّائِغِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا. وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ابْتِدَاءَ الْحُضُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ حَيْثُ قَالَ: مِنْ أَهْلِهَا. وَفِي رِوَايَةِ خَبَّابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا. وَلِأَحْمَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: فَمَشَى مَعَهَا مِنْ أَهْلِهَا. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْقِيرَاطَ يَخْتَصُّ بِمَنْ حَضَرَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْقِيرَاطَ يَحْصُلُ أَيْضًا لِمَنْ صَلَّى فَقَطْ، لِأَنَّ كُلَّ مَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، لَكِنْ يَكُونُ قِيرَاطُ مَنْ صَلَّى فَقَطْ دُونَ قِيرَاطِ مَنْ شَيَّعَ مَثَلًا وَصَلَّى. وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَرَارِيطَ تَتَفَاوَتُ. وَوَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. وَفِي رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: وَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يَتْبَعْ فَلَهُ قِيرَاطٌ.

فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تُحَصِّلُ الْقِيرَاطَ، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ اتِّبَاعٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الِاتِّبَاعُ هُنَا عَلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَهَلْ يَأْتِي نَظِيرُ هَذَا فِي قِيرَاطِ الدَّفْنِ؟ فِيهِ بَحْثٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ. الْحَدِيثَ. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ لِمَنْ كَانَ مَعَهَا فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ حَتَّى تُدْفَنَ، فَإِنْ صَلَّى مَثَلًا وَذَهَبَ إِلَى الْقَبْرِ وَحْدَهُ فَحَضَرَ الدَّفْنَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِلَّا قِيرَاطٌ وَاحِدٌ. انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ، فَإِنْ وَرَدَ مَنْطُوقٌ بِحُصُولِ الْقِيرَاطِ لِشُهُودِ الدَّفْنِ وَحْدَهُ كَانَ مُقَدَّمًا. وَيُجْمَعُ حِينَئِذٍ بِتَفَاوُتِ الْقِيرَاطِ، وَالَّذِينَ أَبَوْا ذَلِكَ جَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، نَعَمْ مُقْتَضَى جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى التَّشْيِيعِ فَلَمْ يُصَلِّ، وَلَمْ يَشْهَدِ الدَّفْنَ فَلَا قِيرَاطَ لَهُ إِلَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، لَكِنِ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ عَنِ الْبَرَاءِ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا التَّقْيِيدُ بِالْإِيمَانِ وَالِاحْتِسَابِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، لِأَنَّ تَرَتُّبَ الثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ النِّيَّةِ فِيهِ فَيَخْرُجُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُكَافَأَةِ الْمُجَرَّدَةِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْمُحَابَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ شَهِدَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا وَمَنْ شَهِدَهَا.

قَوْلُهُ: (فَلَهُ قِيرَاطَانِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا غَيْرُ قِيرَاطِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَحَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ، ولَكِنْ سِيَاقُ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ يَأْبَى ذَلِكَ، وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الصَّلَاةِ وَمِنَ الدَّفْنِ قِيرَاطَانِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ خَبَّابٍ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ قِيرَاطٌ. وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِمَعْنَاهُ، وَنَحْوُهُ رِوَايَةُ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمَجْمُوعَ قِيرَاطَانِ، وَمَعْنَى رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَلَى هَذَا كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ؛ أَيْ بِالْأَوَّلِ، وَهَذَا مِثْلُ حَدِيثِ: مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ. أَيْ بِانْضِمَامِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى تُدْفَنَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ حُصُولَ الْقِيرَاطِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فَرَاغِ الدَّفْنِ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ فِي اللَّحْدِ، وَقِيلَ: عِنْدَ انْتِهَاءِ الدَّفْنِ قَبْلَ إِهَالَةِ التُّرَابِ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِكُلِّ ذَلِكَ، وَيَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ لِلزِّيَادَةِ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦١٣٢٥] ومسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه وأبو داود.

(٥٨) (باب مَنِ انْتَظَرَ) الجنازة (حَتَّى تُدْفَنَ) واختار لفظ «انتظر» دون لفظ: شهد؛ لوروده في بعض طرق الحديث؛ كما في رواية معمرٍ عند مسلم، وهو البزَّار من طريق ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: «فإن انتظرها حتَّى تُدفَن فله قيراط».

١٣٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسانَ (أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ «قال»: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ) ووقع هنا (١) في نسخةٍ مسموعةٍ من طريق الخلَّال وغيره: «قال» أي: المؤلِّف: «ح وحدَّثني» بالإفراد «عبد الله بن محمَّدٍ المسنديُّ، قال: حدَّثنا هشامٌ» هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ قال: «حدَّثنا معمر» -بسكون العين- «ابن راشدٍ، عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ، عن ابن المسيَّب» سعيد «عن أبي هريرة : أنَّ النَّبيَّ ».

قال المؤلِّف (٢): (وحَدَّثَنَا) بالواو، وسقطت لغير أبي ذرٍّ (أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ) بفتح الشِّين المعجمة وكسر الموحَّدة الأولى (٣)، البصريُّ الحبطيُّ، بالحاء المهملة والموحَّدة

المفتوحتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) شبيب بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) ابن يزيد الأيليُّ (قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، حدَّثنا (١) فلان به (وَ) عطفٌ على محذوفٍ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ) أيضًا: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ) في رواية مسلمٍ من حديث خبَّابٍ: «مَن خرج مع جنازةٍ من بيتها»، ولأحمد من حديث أبي سعيدٍ: «فمشى معها من أهلها» (حَتَّى يُصَلِّيَ) بكسر اللَّام، وفي رواية الأكثر بفتحها، وهي محمولةٌ عليها، فإنَّ حصول القيراط متوقِّفٌ على وجود الصَّلاة من الَّذي يشهد، زاد ابن عساكر في نسخةٍ: «عليها» أي: على الجنازة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «عليه» أي: على الميِّت (فَلَهُ قِيرَاطٌ) فلو تعدَّدت الجنائز، واتَّحدت الصَّلاة عليها دفعةً واحدةً، هل تتعدَّد (٢) القراريط بتعدُّدها أو لا تتعدَّد نظرًا لاتِّحاد الصَّلاة؟ قال الأذرعيُّ: الظَّاهر التَّعدُّد، وبه أجاب قاضي حماة البارزيُّ، ومقتضى التَّقييد بقوله في رواية أحمد وغيرها: «فمشى معها من أهلها» أنَّ القيراط يختصُّ بمَن حضر من أوَّل الأمر إلى انقضاء الصَّلاة، لكنَّ ظاهر حديث البزَّار السَّابق حصوله أيضًا لمن صلَّى فقط، لكن يكون قيراطه دون قيراط من شيَّع مثلًا وصلَّى، ويؤيِّد ذلك رواية مسلمٍ عن أبي هريرة حيث قال: «أصغرهما مثل أحدٍ» ففيه دلالةٌ على أنَّ القراريط تتفاوت، وفي «مسلمٍ» أيضًا: «من صلَّى على جنازة ولم يتَّبعها فله قيراطٌ» فظاهره حصول القيراط وإن لم يقع اتِّباعٌ، لكنْ يمكن حمل الاتِّباع هنا على ما بعد الصَّلاة، لا سيما وحديث البزَّار ضعيفٌ (وَمَنْ شَهِدَها حَتَّى تُدْفَنَ) أي: يفرغ من دفنها بأن يُهال عليها (٣) التُّراب، وعلى ذلك تُحمل رواية مسلمٍ (٤): «حتَّى توضع في

اللَّحد» (كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ) من الأجر المذكور، وهل ذلك بقيراط الصَّلاة أو بدونه؟ فيكون ثلاثة قراريط، فيه احتمالٌ، لكن سبق في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٧] التَّصريح بالأوَّل، وحينئذٍ فتكون رواية الباب معناها: كان له قيراطان، أي بالأوَّل، ويشهد للثَّاني ما رواه الطَّبرانيُّ مرفوعًا: «مَن تبع جنازة حتَّى يُقضى دفنها كُتِبَ له ثلاثة قراريط»، وهل يحصل قيراط الدَّفن، وإن لم يقع (١) اتِّباعٌ؟ فيه بحثٌ، لكن مقتضى قوله في «كتاب الإيمان» [خ¦٤٧]: «وكان معها حتَّى يُصلَّى عليها، ويفرغ من دفنها» أنَّ القيراطين إنَّما يحصلان بمجموع الصَّلاة والاتِّباع في جميع الطَّريق وحضور الدَّفن، فإن صلَّى مثلًا، وذهب إلى القبر وحده، فحضر الدَّفن لم يحصل له إلَّا قيراطٌ واحدٌ، صرَّح به النَّوويُّ في «المجموع» وغيره، لكن له أجرٌ في الجملة، قال في «فتح الباري»: وما قاله النَّوويُّ ليس في الحديث ما يقتضيه إلَّا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوقٌ بحصول القيراط بشهود (٢) الدَّفن وحده كان مقدَّمًا، ويجمع حينئذٍ بتفاوت القيراط، والَّذين أبَوا ذلك جعلوه من باب المطلق والمقيَّد، لكنْ مقتضى جميع الأحاديث أنَّ مَن اقتصر على التَّشييع، ولم يصلِّ، ولم يشهد الدَّفن (٣) فلا قيراط له إلَّا على طريقة ابن عَقيلٍ السَّابقة (٤).

والقيراط -بكسر القاف- قال الجوهريُّ: نصف دانقٍ، والدَّانق: سدس درهمٍ، فعلى هذا يكون القيراط جزءٌ من اثني عشر جزءًا من الدِّرهم، وقال أبو الوفاء بن عَقيلٍ: نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينارٍ، وقال ابن الأثير: هو نصف عشر الدِّينار في أكثر البلاد، وفي الشَّأم

جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءًا، وقال القاضي أبو بكر ابن العربيِّ: الذَّرَّة جزء من ألفٍ وأربعةٍ وعشرين جزءًا من حبَّةٍ، والحبَّة: ثلث القيراط، والذَّرَّة تخرج من النَّار، فكيف بالقيراط؟ وقد قرَّب النَّبيُّ القيراط للفهم بقوله لمَّا (قِيلَ) له، وعند أبي عَوانة: قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله (وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ) وأخصُّ من ذلك تمثيله القيراط بأُحُدٍ؛ كما في «مسلمٍ»، وهذا تمثيلٌ واستعارةٌ، قال الطِّيبيُّ: قوله: «مثلُ أُحُدٍ» تفسيرٌ للمقصود من الكلام لا للفظ «القيراط»، والمراد منه: أنَّه (١) يرجع بنصيبٍ كبيرٍ من الأجر، وقال الزَّين بن المُنيِّر: أراد تعظيم الثَّواب، فمثَّله للعيان (٢) بأعظم الجبال خلقًا، وأكثرها إلى النُّفوس المؤمنة حبًّا؛ لأنَّه الذي قال في حقِّه: «أُحُدٌ (٣) جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه» [خ¦١٤٨٢] ويجوز أن يكون على حقيقته بأن يجعل الله تعالى عمله يوم القيامة جسمًا قدر أُحُدٍ ويوزَن، وفي حديث واثلة عند ابن عديٍّ: «كُتِبَ له قيراطان، أخفُّهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحدٍ»، فأفادت هذه الرِّواية بيان وجه التَّمثيل بجبل أحدٍ، وأنَّ المراد به: زنة الثَّواب المرتَّب على ذلك العمل (٤).

ورواة حديث الباب ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ وأيليٍّ، وفيه التَّحديث والقراءة على الشَّيخ والسُّؤال والسَّماع والعنعنة، والإخبار، والقول، ورواية الابن عن أبيه، ولم يخرج الطَّريق الأوَّل غيره من بقيَّة الكتب السِّتَّة، والطَّريق الثَّاني أخرجه مسلمٌ في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ.

(٥٩) (باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْقَائِل وَلَا الْمَقُول لَهُ، وَقد بَين لَهُ مُسلم فِي رِوَايَة الْأَعْرَج فَقَالَ: (قيل: وَمَا القيراطان يَا رَسُول الله؟) ، وَبَين الْقَائِل أَبُو عوَانَة من طَرِيق أبي مُزَاحم عَن أبي هُرَيْرَة وَلَفظه: (قلت: وَمَا القيراط يَا رَسُول الله؟) . قلت: الظَّاهِر بِحَسب الْقَرِينَة يدل على أَن الْقَائِل رَاوِي الحَدِيث، وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَة، وَالْمقول لَهُ هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. أما الْقَائِل فَفِيهِ احْتِمَال أَن يكون غير الرَّاوِي مِمَّن كَانَ حَاضرا فِي ذَلِك الْمجْلس. وَأما الْمَقُول لَهُ فَهُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطعا لِأَنَّهُ قَالَ: (مثل الجبلين العظيمين) ، وَلَيْسَ هَذَا إلَاّ وَظِيفَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن الضَّمِير فِي قَوْله: قَالَ، يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (مثل الجبلين العظيمين) ، وَفِي رِوَايَة ابْن سِيرِين وَغَيره: (مثل أحد) ، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة: (القيراط مثل جبل أحد) . وَكَذَا فِي حَدِيث ثَوْبَان عِنْد مُسلم، والبراء عِنْد النَّسَائِيّ، وَأبي سعيد عِنْد أَحْمد وَفِي رِوَايَة للنسائي من طَرِيق الشّعبِيّ: (فَلهُ قيراطان من الْأجر، كل وَاحِد مِنْهُمَا أعظم من أحد) . وَفِي رِوَايَة أبي صَالح عِنْد مُسلم: (أصغرهما مثل أحد) . وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي بن كَعْب: (القيراط أعظم من أحد) ، وَعند ابْن عدي من حَدِيث وَاثِلَة (كتب لَهُ قيراطان من أجر أخفهما فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة أثقل من جبل أحد) وَقد ذكرنَا أَن هَذَا من بَاب التَّمْثِيل والاستعارة.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَفِيه: فِيهِ: التَّرْغِيب فِي شُهُود جَنَازَة الْمَيِّت وَالْقِيَام بأَمْره والحض على الِاجْتِمَاع لَهُ، والتنبيه على عَظِيم فضل الله تَعَالَى، وتكريمه للْمُسلمِ فِي تكثيره الثَّوَاب لمن يتَوَلَّى أمره بعد مَوته. وَفِيه: تَقْدِير الْأَعْمَال بِنِسْبَة الأوزان أَو بجعلها أعيانا حَقِيقَة. وَفِيه: السُّؤَال عَمَّا يهم فِيهِ.

٩٥ - (بابُ صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الصّبيان على الْمَوْتَى. فَإِن قلت: قد ذكر قبل هَذَا: بَاب صُفُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال فِي الْجَنَائِز أَو لَيْسَ هَذَا بتكرار؟ قلت: أَفَادَ بذلك الْبَاب وقُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال، وَأَنَّهُمْ يصفونَ مَعَهم لَا يتأخرون عَنْهُم لقَوْل ابْن عَبَّاس فِي حَدِيث ذَلِك الْبَاب: وَأَنا فيهم، وَأفَاد بِهَذَا الْبَاب مَشْرُوعِيَّة صَلَاة الصّبيان على الْمَوْتَى، كَمَا ذكرنَا. فَإِن قلت: هَذَا كَانَ يُسْتَفَاد من ذَلِك الْبَاب. قلت: نعم لَكِن ضمنا وَهنا ذكره قصدا ونصا.

٦٢٣١ - حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا يَحْيى بنُ أبي بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا زَائِدَةُ قَالَ حَدثنَا أبُو إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عنْ عامِرِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ أتَى رَسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَبْرا فقالُوا هاذا دُفِنَ أوْ دُفِنَتِ البَارِحَةَ. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فصففنا خَلفه) ، والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب صُفُوف الصّبيان مَعَ الرِّجَال فِي الْجَنَائِز، وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي مر فِي: بَاب حب الرَّسُول من الْإِيمَان، وَيحيى بن أبي بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء: أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدي الْكُوفِي قَاضِي كرمان، مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ، وزائدة، من الزِّيَادَة، وَأَبُو إِسْحَاق، إسمه سُلَيْمَان، وعامر هُوَ الشّعبِيّ، وَقد مرا فِي الْبَاب الْمَذْكُور.

وَفِيه: الصَّلَاة على الْقَبْر. وَفِيه: الْجَمَاعَة. وَفِيه: الدّفن بِاللَّيْلِ.

٠٦ - (بابُ الصَّلَاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالمُصَلَّى وَالمَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة على الْجَنَائِز بالمصلى، بِضَم الْمِيم وَفتح اللَّام الْمُشَدّدَة، وَهُوَ الْموضع الَّذِي يتَّخذ للصَّلَاة على الْمَوْتَى فِيهِ. قَوْله: (وَالْمَسْجِد) ، أَي: وَالصَّلَاة عَلَيْهَا بِالْمَسْجِدِ. قيل: إِنَّمَا ذكر الْمَسْجِد فِي التَّرْجَمَة لاتصاله بمصلى الْجَنَائِز. قلت: نذْكر وَجه ذكره فِي بَيَان الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة.

٧٢٣١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ

ابنِ المُسَيَّبِ وَأبِي سَلَمَةَ أنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ نَعَى لَنَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّجَاشِيَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي ماتَ فِيهِ قَالَ اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ. وعَنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ حدَّثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ إنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَفَّ بِهِمْ بِالمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أرْبَعا..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (صف بهم بالمصلى) ، وَقد تقدم الحَدِيث فِي: بَاب الصُّفُوف على الْجِنَازَة، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وَيحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، مصغر بكر، المَخْزُومِي الْمصْرِيّ. وَقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. قَوْله: (النجاش) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول: نعي (وَصَاحب الْحَبَشَة) مَنْصُوب لِأَنَّهُ صفته، وَالْيَوْم مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (وَعَن ابْن شهَاب) مَعْطُوف على إِسْنَاد الْمصدر وَالرِّوَايَة عَن ابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ فِي الأول: بالعنعنة، وَفِي الثَّانِي: بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْإِفْرَاد.

٩٢٣١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أبُو ضَمْرَةَ قَالَ حدَّثنا مُوسى بنُ عُقْبَةَ عنْ نَافَعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ اليَهُودَ جاؤا إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأةٍ زَنَيَا فأمَرَ بِهِما فَرُجِمَا قَرِيبا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ..

وَجه مطابقه هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة لَا يَتَأَتَّى إلَاّ إِذا قُلْنَا إِن: عِنْد، فِي قَوْله: (عِنْد الْمَسْجِد) ، يكون بِمَعْنى: فِي، أَو نقُول. قَوْله: بَاب الصَّلَاة على الْجَنَائِز بالمصلى وَالْمَسْجِد، يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا: الاثبات، وَالْآخر: النَّفْي، وَلَعَلَّ غَرَض البُخَارِيّ النَّفْي بِأَن لَا يصلى عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِد بِدَلِيل تعْيين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَوضِع الْجِنَازَة عِنْد الْمَسْجِد، وَلَو جَازَ فِيهِ لما عينه فِي خَارجه، وَبِهَذَا يدْفع كَلَام ابْن بطال: لَيْسَ فِيهِ، أَي: فِي حَدِيث ابْن عمر، دَلِيل على الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد، إِنَّمَا الدَّلِيل فِي حَدِيث عَائِشَة: (صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على سُهَيْل بن بَيْضَاء فِي الْمَسْجِد) . قلت: لَو كَانَ إِسْنَاده على شَرطه لأخرجه فِي (صَحِيحه) وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِيمَا مضى عَن قريب.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد الله الْحزَامِي، وَقد مر. الثَّانِي: أَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم وبالراء: اسْمه أنس بن عِيَاض، مر فِي: بَاب التبرز فِي الْبيُوت. الثَّالِث: مُوسَى بن عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف، مر فِي أول الْوضُوء. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الِاعْتِصَام عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أنس بن عِيَاض. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أَحْمد بن يُونُس. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرَّجْم عَن مُحَمَّد بن معدان.

أما رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير فَقَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر حَدثنَا أَبُو ضَمرَة حَدثنَا مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَن الْيَهُود جاؤوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل مِنْهُم وَامْرَأَة قد زَنَيَا، فَقَالَ لَهُم: كَيفَ تَفْعَلُونَ بِمن زنى مِنْكُم؟ قَالُوا: نحممهما ونضربهما، فَقَالَ: لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم؟ فَقَالُوا: لَا نجد فِيهَا شَيْئا. فَقَالَ لَهُم: عبد الله بن سَلام: كَذبْتُمْ، فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فَوضع مدراسها الَّذِي يدرسها مِنْهُم كَفه على آيَة الرَّجْم، فَطَفِقَ يقْرَأ مَا دون يَده وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يقْرَأ آيَة الرَّجْم. فَنزع يَده عَن آيَة الرَّجْم فَقَالَ: مَا هَذِه؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك قَالُوا: هِيَ آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما فَرُجِمَا قَرِيبا من حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز عِنْد الْمَسْجِد، فَرَأَيْت صَاحبهَا يحني عَلَيْهَا يَقِيهَا الْحِجَارَة) . هَذَا لَفظه فِي سُورَة آل عمرَان فِي التَّفْسِير. وَأما لَفظه فِي كتاب الِاعْتِصَام، فكلفظه هَهُنَا سندا ومتنا بعينهما.

وَأما رِوَايَة مُسلم فَفِي الْحُدُود: حَدثنِي الحكم بن مُوسَى أَبُو صَالح

حَدثنَا شُعَيْب بن إِسْحَاق أخبرنَا عبيد الله عَن نَافِع أَن عبد الله أخبرهُ أَن رَسُول الله أَتَى بِيَهُودِيٍّ وبيهودية قد زَنَيَا فَانْطَلق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى جَاءَ يهود فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة على من زنى؟ قَالُوا: نسود وُجُوههمَا ونحملهما وَنُخَالِف بَين وُجُوههمَا وَيُطَاف بهما. قَالَ: فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤا بهَا فقرأوها حَتَّى إِذا مروا بِآيَة الرَّجْم وضع الْفَتى الَّذِي يقْرَأ يَده على آيَة الرَّجْم، وَقَرَأَ مَا بَين يَديهَا وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام، وَهُوَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مُره فَليرْفَعْ يَده، فَرَفعهَا فَإِذا تحتهَا آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرجمهما. قَالَ عبد الله بن عمر: كنت فِيمَن رجمهما، فَلَقَد رَأَيْته يَقِيهَا من الْحِجَارَة بِنَفسِهِ) .

وَأما رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَفِي الرَّجْم: أخبرنَا مُحَمَّد بن معدان، قَالَ: حَدثنَا الْحسن ابْن أعين، قَالَ: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن الْيَهُود جاؤوا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل مِنْهُم وَامْرَأَة قد وزنيا، قَالَ: فَكيف تَفْعَلُونَ بِمن زنى مِنْكُم؟ قَالُوا: نضربهما. قَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة؟ قَالُوا: مَا نجد فِيهَا شَيْئا. فَقَالَ: عبد الله بن سَلام: كَذبْتُمْ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم، فَأتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين، فجاؤوا بِالتَّوْرَاةِ فَوضع مدرسها الَّذِي يدرسها مِنْهُم كَفه على آيَة الرَّجْم فَطَفِقَ يقْرَأ مَا دون يَده وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يقْرَأ آيَة الرَّجْم، فَضرب عبد الله بن سَلام يَده فَقَالَ: مَا هَذِه؟ قَالَ: هِيَ آيَة الرَّجْم، فَأمر بهما رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَرُجِمَا قَرِيبا حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز. قَالَ عبد الله: فَرَأَيْت صَاحبهَا يحني عَلَيْهَا ليقيها الْحِجَارَة) . وَفِي لفظ لَهُ: (فجاؤوا بِالتَّوْرَاةِ وجاؤوا بقارىء لَهُم أَعور، فَقَرَأَ حَتَّى انْتهى إِلَى مَوضِع مِنْهَا وضع يَده عَلَيْهِ، فَقيل: إرفع يدك فَرفع فَإِذا هِيَ تلوح، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِن فِيهَا الرَّجْم وَلَكنَّا كُنَّا نكاتمه) الحَدِيث، وَفِي لفظ لَهُ: (فَقَالَ لَهُ عبد الله بن سَلام: (إزحل كفك فَإِذا هُوَ بِالرَّجمِ يلوح) .

قَوْله: (نحممهما) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: نسودهما بالحممة، وَهِي الفحمة وَفِي رِوَايَة مُسلم: (ونحملهما) ، بِالْحَاء وَاللَّام أَي: نحملهما على جمل، وَفِي رِوَايَة: (نجملهما) بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة أَي: نجعلهما جَمِيعًا على الْجمل. قَوْله: (لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة الرَّجْم؟) قَالُوا: هَذَا السُّؤَال لَيْسَ لتقليدهم، وَلَا لمعونة الحكم مِنْهُم، وَإِنَّمَا هُوَ لإلزامهم بِمَا يعتقدونه فِي كِتَابهمْ. وَلَعَلَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أُوحِي إِلَيْهِ أَن الرَّجْم فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة فِي أَيْديهم لم يغيروه كَمَا غيروا أَشْيَاء، أَو أَنه أخبرهُ بذلك من أسلم مِنْهُم، وَلِهَذَا لم يخف ذَلِك عَلَيْهِ حِين كتموه. قَوْله: (مدراسها) ، بِكَسْر الْمِيم على وزن: مفعال، من أبنية الْمُبَالغَة، وَهُوَ صَاحب دراسة كتبهمْ، من: درس يدرس درسا ودراسة، وأصل الدراسة: الرياضة والتعهد للشَّيْء، وَكَذَلِكَ الْمدرس، بِكَسْر الْمِيم على وزن: مفعل، من أبنية الْمُبَالغَة، وَجَاء فِي حَدِيث آخر: (حَتَّى أَتَى الْمِدْرَاس) ، بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْبَيْت الَّذِي يدرسون فِيهِ، ومفعال غَرِيب فِي الْمَكَان. قَوْله: (فَطَفِقَ) ، بِكَسْر الْفَاء: بِمَعْنى أَخذ فِي الْفِعْل وَشرع يعْمل، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة. قَوْله: (يحني) من حَنى يحنو ويحني إِذا أشْفق وَعطف. قَوْله: (يَقِيهَا) أَي: يحفظها، من: وقى يقي وقاية، وَهَذِه الْجُمْلَة محلهَا النصب على الْحَال. قَوْله: (إزحل) ، بالزاي: أزل كفك. قَوْله: (يلوح) أَي: يظْهر ويبرق.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: دَلِيل لوُجُوب حد الزِّنَا على الْكَافِر وَأَنه يَصح نِكَاحه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: لِأَنَّهُ لَا يجب الرَّجْم إلَاّ على الْمُحصن، فَلَو لم يَصح نِكَاحه لم يثبت إحْصَانه وَلم يرْجم. قلت: من جملَة شُرُوط الْإِحْصَان الْإِسْلَام لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من أشرك بِاللَّه فَلَيْسَ بمحصن) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَعَن أبي يُوسُف، أَنه لَيْسَ بِشَرْط، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب. قُلْنَا: كَانَ ذَلِك بِحكم التَّوْرَاة قبل نزُول آيَة الْجلد فِي أول مَا دخل، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَدِينَة، وَصَارَ مَنْسُوخا بهَا، ثمَّ نسخ الحلد فِي حق الْمُحصن، وَالْكَافِر لَيْسَ بمحصن، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَإِن قلت: روى مُسلم من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خُذُوا عني خُذُوا عني: قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا بالبكر جلد مائَة وَنفي سنة وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم) . فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرق بَينهمَا بالثيوبة، فَمن فرق بَينهمَا بِالْإِسْلَامِ فقد زَاد على النَّص. قلت: هَذَا مَنْسُوخ، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا كَانَ يحكم بعد نزُول الْقُرْآن إلَاّ بِمَا فِيهِ، وَفِيه النَّص على الْجلد فَقَط. فَإِن قلت: رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِذا قبلوا عقد الذِّمَّة فأعلموهم أَن لَهُم مَا للْمُسلمين وَعَلَيْهِم مَا على الْمُسلمين، وَالرَّجم على الْمُسلم الثّيّب، فَكَذَا على الْكَافِر الثّيّب. قلت: الرَّجْم غير وَاجِب على كَافَّة الْمُسلمين، فَدلَّ على أَنه يخْتَص بالزناة المحصنين دون غَيرهم.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله