الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٥١
الحديث رقم ١٤٥١ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٤٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَوْ كَانَتْ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى، وَيُخْرَجُ مِنْهَا الزَّكَاةُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِبْطَالِ الْحِيَلِ وَالْعَمَلِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِالْقَرَائِنِ، وَأَنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ لَا تَسْقُطُ بِالْهِبَةِ مَثَلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٥ - بَاب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ: إِذَا عَلِمَ الْخَلِيطَانِ أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا
وَقَالَ سُفْيَانُ لَا تَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً
١٤٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْخَلِيطِ كَمَا سَيَأْتِي، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ الشَّرِيكُ قَالَ: وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَمْلِكُ إِلَّا مِثْلُ الَّذِي كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْطٌ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَفْرِيقُهَا مِثْلَ جَمْعِهَا فِي الْحُكْمِ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ أَمْرٍ لَوْ فَعَلَهُ كَانَتْ فِيهِ فَائِدَةٌ قَبْلَ النَّهْيِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمَا كَانَ لِتَرَاجُعِ الْخَلِيطَيْنِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ مَعْنًى.
قَوْلُهُ: (يَتَرَاجَعَانِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ شَاةً مَثَلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ قَدْ عَرَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَيْنَ مَالِهِ فَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنْ أَحَدِهِمَا شَاةً فَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَالِهِ عَلَى خَلِيطِهِ بِقِيمَةِ نِصْفِ شَاةٍ، وَهَذِهِ تُسَمَّى خُلْطَةَ الْجِوَارِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ إِلَخْ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: إِذَا كَانَ الْخَلِيطَانِ يَعْلَمَانِ أَمْوَالَهُمَا لَمْ يُجْمَعْ مَالُهُمَا فِي الصَّدَقَةِ، قَالَ - يَعْنِي ابْنَ جُرَيْجٍ - فَذَكَرْتُهُ لِعَطَاءٍ فَقَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا حَقًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ شَيْخِهِ، وَقَالَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: نَاسٌ خُلَطَاءُ لَهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً؟ قَالَ: عَلَيْهِمْ شَاةٌ، قُلْتُ: فَلِوَاحِدٍ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ وَلِآخَرَ شَاةٌ؟ قَالَ: عَلَيْهِمَا شَاةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا تَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ: قَوْلُنَا: لَا يَجِبُ عَلَى الْخَلِيطَيْنِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ. انْتَهَى، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ: إِذَا بَلَغَتْ مَاشِيَتُهُمَا النِّصَابَ زَكَّيَا، وَالْخُلْطَةُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي الْمَسْرَحِ وَالْمَبِيتِ وَالْحَوْضِ وَالْفَحْلِ، وَالشَّرِكَةُ أَخَصُّ مِنْهَا، وَفِي جَامِعِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ، قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: مَا يَعْنِي بِالْخَلِيطَيْنِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الْمُرَاحُ وَاحِدًا وَالرَّاعِي وَاحِدًا وَالدَّلْوُ وَاحِدًا.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْخَلِيطِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ الشَّرِيكُ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّرِيكَ قَدْ لَا يَعْرِفُ عَيْنَ مَالِهِ، وَقَدْ قَالَ: إِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلِيطَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ وَقَدْ بَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ وَاعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ، أَوْ رَأَوْا أَنَّ الْأَصْلَ قَوْلُهُ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَحُكْمُ الْخُلْطَةِ بِغَيْرِ هَذَا الْأَصْلِ فَلَمْ يَقُولُوا بِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأموال»: (إِذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ) بكسر لام «علِم» مُخفَّفةً، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «علَّم الخليطان» بفتحها مُشدَّدةً (أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا) في الصَّدقة، فلو كان لكلِّ واحدٍ منهما عشرون شاةً، مميَّزةً، فلا زكاة (وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (لَا يجبُ (١)) في الخليطين زكاةٌ (حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً) فيجب على كلِّ واحدةٍ (٢) شاةٌ، وهذا مذهب أبي حنيفة، وحاصله: أنَّه لا يجب على أحد الشَّريكين فيما يملك إلَّا مثل الذي كان يجب عليه، لو لم تكن خلطةٌ، فلم يعتبروا خلطة الجوار، واعتبرها الشَّافعيُّ كخلطة الشُّيوع، لكن تختصُّ خلطة الجوار باتِّحاد المَشْرَع (٣)، و (٤) المَسْرَح والمرعى والمُراح -بضمِّ الميم- وموضع الحلَب -بفتح اللام- والرَّاعي والفحل.
١٤٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المُثنَّى، الأنصاريُّ، وثَّقه العجليُّ والتِّرمذيُّ، واختلف فيه قول الدَّارقطنيِّ، وقال ابن معينٍ وأبو زُرْعة وأبو حاتمٍ: صالحٌ، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، وقال السَّاجيُّ (٥): فيه ضعفٌ، ولم يكن من أهل الحديث، وروى مناكير، وقال العقيليُّ: لا يُتابَع على أكثر حديثه. انتهى. نعم. تابعه على حديثه هذا حمَّاد بن سلمة، فرواه عن ثمامة أنَّه أعطاه كتابًا، وزعم أنَّ أبا بكرٍ كتبه … الحديث، رواه أبو داود، ورواه أحمد في «مُسنَده»، فانتفى كونه لم يُتابَع عليه، وبالجملة: فلم يحتجَّ به (٦) البخاريُّ إلَّا في روايته عن عمِّه ثمامة، وأخرج له من روايته عن ثابتٍ عن أنسٍ حديثًا تُوبِع فيه عنده (٧) [خ¦٥٠٠٤]
وأخرج له أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٢١] عن مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن المثنى (١) عن عبد الله بن دينارٍ في «النَّهي عن القزع» بمتابعة نافعٍ وغيره عن ابن عمر، وروى له التِّرمذيُّ وابن ماجه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ) فريضة الصَّدقة (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) يريد أنَّ المصَّدِّق إذا أخذ من أحد الخليطين ما وجب أو بعضه من مال أحدهما فإنَّه يرجع المخالط الذي أخذ منه الواجب أو بعضه بقدر حصَّة الذي خالطه من مجموع المالين مثلًا في المثليِّ كالثِّمار والحبوب، وقيمةً في المُتقوَّم (٢) كالإبل والبقر والغنم، فلو كان لكلٍّ منهما عشرون شاةً رجع الخليط على خليطه بقيمة نصف شاةٍ لا بنصف (٣) شاةٍ؛ لأنَّها غير مثليَّةٍ، ولو كان لأحدهما مئةٌ وللآخر (٤) خمسون (٥)، فأخذ السَّاعي الشَّاتين الواجبتين من صاحب المئة رجع بثلث قيمتهما، أو من صاحب الخمسين رجع بثلثي قيمتهما، أو من كلِّ واحدٍ شاةٌ رجع صاحب المئة بثلث قيمة شاته، وصاحب الخمسين بثلثي قيمة شاته.
(٣٦) (باب زَكَاةِ الإِبِلِ، ذَكَرَهُ) أي: حكم زكاة الإبل (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وحديث كلٍّ منهم يأتي إن شاء الله تعالى في «الزَّكاة» [خ¦١٤٥٣] [خ¦١٤٥٧] [خ¦١٤٦٠] وحديث أبي ذرٍّ في «النُّذور (٦)» [خ¦٦٦٣٨] أيضًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فرقها الْمُصدق أَرْبَعِينَ فَثَلَاث شِيَاه، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: معنى الأول أَن يكون لرجل ثَمَانُون شَاة، فَإِذا جَاءَ الْمُصدق قَالَ: هِيَ بيني وَبَين إخوتي، لكل وَاحِد عشرُون فَلَا زَكَاة، أَو أَن يكون لَهُ أَرْبَعُونَ ولأخوته أَرْبَعُونَ فَيَقُول: كلهَا لي، فشاة. وَفِي (الْمُحِيط) : وَتَأْويل هَذَا أَنه كَانَ لَهُ ثَمَانُون شَاة تجب فِيهَا وَاحِدَة فَلَا يفرقها ويجعلها لِرجلَيْنِ فَيَأْخُذ شَاتين، فعلى هَذَا يكون خطابا للساعي، وَإِن كَانَت لِرجلَيْنِ فعلى كل وَاحِد شَاة فَلَا تجمع وَيُؤْخَذ مِنْهَا شَاة، وَالْخطاب فِي هَذَا يحْتَمل أَن يكون للمصدق بِأَن يكون لأَحَدهمَا مائَة شَاة وَللْآخر مائَة شَاة وشَاة فعلَيْهِمَا شَاتَان فَلَا يجمع الْمُصدق بَينهمَا، وَيَقُول هَذِه كلهَا لَك فَيَأْخُذ مِنْهُ ثَلَاث شِيَاه، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع بِأَن يكون لرجل مائَة وَعِشْرُونَ شَاة فَيَقُول السَّاعِي: هِيَ لثَلَاثَة فَيَأْخُذ ثَلَاث شِيَاه، وَلَو كَانَت لوَاحِد تجب شَاة، وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب لرب المَال، ويقوى بقوله: (خشيَة الصَّدَقَة) أَي: فيخاف فِي وجوب الصَّدَقَة فيحتال فِي إِسْقَاطهَا بِأَن يجمع نِصَاب أَخِيه إِلَى نصابه فَتَصِير ثَمَانِينَ فَيجب فِيهَا شَاة وَاحِدَة، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع بِأَن يكون لَهُ أَرْبَعُونَ فَيَقُول نصفهَا لي وَنِصْفهَا لأخي فَتسقط زَكَاتهَا. وَفِي (الْمَبْسُوط) : وَالْمرَاد من الْجمع والتفريق فِي الْملك لَا فِي الْمَكَان لإجماعنا على أَن النّصاب إِذا كَانَ فِي ملك وَاحِد يجمع وَإِن كَانَ فِي أمكنة مُتَفَرِّقَة، فَدلَّ أَن المتفرق فِي الْملك لَا يجمع فِي حق الصَّدَقَة. قَوْله: (خشيَة الصَّدَقَة) مِمَّا تنَازع فِيهِ الفعلان، والخشية خشيتان: خشيَة السَّاعِي أَن تقل الصَّدَقَة، وخشية رب المَال أَن تكْثر الصَّدَقَة، فَأمر كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن لَا يحدث شَيْئا من الْجمع والتفريق. قيل: لَو فرض أَن المالكين أَرَادَا ذَلِك لإِرَادَة تَكْثِير الصَّدَقَة أَو وجوب مَا لم يجب عَلَيْهِمَا التماسا لِكَثْرَة الْأجر، أَو لإِرَادَة وُقُوع مَا أَرَادَ التَّصَدُّق بِهِ تَطَوّعا ليصير وَاجِبا. وثواب الْوَاجِب أَكثر من ثَوَاب التَّطَوُّع، فَالظَّاهِر جَوَاز ذَلِك.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: النَّهْي عَن اسْتِعْمَال الْحِيَل لسُقُوط مَا كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ. وَيجْرِي ذَلِك فِي أَبْوَاب كَثِيرَة من أَبْوَاب الْفِقْه، وللعلماء فِي ذَلِك خلاف فِي التَّحْرِيم أَو الْكَرَاهَة أَو الْإِبَاحَة، وَالْحق أَنه كَانَ ذَلِك لغَرَض صَحِيح فِيهِ رفق للمعذور وَلَيْسَ فِيهِ إبِْطَال لحق الْغَيْر، فَلَا بَأْس بِهِ من ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى: {وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث} (ص: ٤٤) . وَإِن كَانَ لغَرَض فَاسد: كإسقاط حق الْفُقَرَاء من الزَّكَاة بِتَمْلِيك مَاله قبل الْحول لوَلَده، أَو نَحْو ذَلِك، فَهُوَ حرَام أَو مَكْرُوه على الْخلاف الْمَشْهُور فِي ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن من كَانَ عِنْده دون النّصاب من الْفضة وَدون النّصاب من الذَّهَب مثلا إِنَّه لَا يجب ضم بعضه إِلَى بعض حَتَّى يصير نِصَابا كَامِلا فَتجب فِيهِ الزَّكَاة، خلافًا لمن قَالَ: يضم على الْأَجْزَاء كالمالكية، أَو على الْقيم كالحنفية. انْتهى. قلت: هَذَا اسْتِدْلَال غير صَحِيح لِأَن النَّهْي فِي الحَدِيث مُعَلل بخشية الصَّدَقَة، وَفِيه إِضْرَار للْفُقَرَاء بِخِلَاف مَا قَالَه الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة فَإِن فِيهِ نفعا للْفُقَرَاء وَهُوَ ظَاهر. وَقيل: اسْتدلَّ بِهِ لِأَحْمَد على أَن من كَانَ لَهُ مَاشِيَة فِي بلد لَا تبلغ النّصاب كعشرين شَاة، مثلا بِالْكُوفَةِ، وَمثلهَا بِالْبَصْرَةِ أَنَّهَا لَا تضم بِاعْتِبَار كَونهَا ملك رجل وَاحِد وَيُؤْخَذ مِنْهَا الزَّكَاة. قلت: قد ذكرنَا عَن قريب أَن الْجمع والتفريق أَن يكون فِي الْملك لَا فِي الْمَكَان، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن الْمُنْذر: خَالفه الْجُمْهُور فَقَالُوا: يجب على صَاحب المَال زَكَاة مَاله وَلَو كَانَ فِي بلدان شَتَّى، وَيخرج مِنْهُ الزَّكَاة.
٥٣ - (بابٌ مَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَترَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا كَانَ من خليطين إِلَى آخِره، وَكلمَة: مَا، هُنَا تَامَّة نكرَة متضمنة معنى حرف الِاسْتِفْهَام، وَمَعْنَاهَا أَي: شَيْء كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان، والخليطان تَثْنِيَة خليط، وَاخْتلف فِي المُرَاد بالخليط، فَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى أَنه الشَّرِيك، لِأَن الخليطين فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا خاطبنا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هما الشريكان اللَّذَان اخْتَلَط مَالهمَا وَلم يتَمَيَّز كالخليطين من النَّبِيذ. قَالَه ابْن الْأَثِير، وَمَا لم يخْتَلط مَعَ غَيره فليسا بخليطين، هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ، وَإِذا تميز مَال كل وَاحِد مِنْهُمَا من مَال الآخر فَلَا خلْطَة، فعلى قَول أبي حنيفَة: لَا يجب على أحد من الشَّرِيكَيْنِ أَو الشُّرَكَاء فِيمَا يملك إلَاّ مثل الَّذِي كَانَ يجب عَلَيْهِ لَو لم يكن خلط، وَذكر فِي (الْمَبْسُوط) ، وعام كتب أَصْحَابنَا: أَن الخليطين يعْتَبر لكل وَاحِد نِصَاب كَامِل كَحال الِانْفِرَاد، وَلَا تَأْثِير للخلطة فِيهَا سَوَاء كَانَت شركَة ملك بِالْإِرْثِ وَالْهِبَة وَالشِّرَاء وَنَحْوهَا، أَو شركَة عقد كالعنان والمفاوضة. ذكره الوبري وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِي رجلَيْنِ بَينهمَا مَاشِيَة نِصَاب وَاحِد، قَالَت طَائِفَة: لَا زَكَاة عَلَيْهِمَا، قَالَ:
هَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَأبي ثَوْر وَأهل الْعرَاق، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَبِه قَالَ شريك بن عبد الله وَالْحسن بن حَيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي وَاللَّيْث وَابْن حَنْبَل وَإِسْحَاق تجب عَلَيْهِمَا الزَّكَاة وَلَو كَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا لكل وَاحِد شَاة تجب عَلَيْهِم شَاة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: الأول أصح، يَعْنِي عدم وجوب الزَّكَاة، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : الْخلطَة لَا تحيل حكم الزَّكَاة هُوَ الصَّحِيح. وَقَالَ الطرطوشي: لَا تصح الْخلطَة إلَاّ أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا نِصَاب كَامِل، والمعاني الْمُعْتَبرَة فِيهَا: الرَّاعِي والفحل والمراح والدلو وَالْمَبِيت، ذكرهَا مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وَمِنْهُم من ذكر: الحلاب، مَكَان الْمبيت، وَحُصُول جَمِيعهَا لَيْسَ بِشَرْط، والحلاب مَعْنَاهُ أَن يكون الْحَالِف وَاحِدًا إِلَّا أَن يخلط الألبان، وَلَو كَانَ أَحدهمَا عبدا أَو كَافِرًا. قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: لم تصح الْخلطَة، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: تصح وَلَا تشْتَرط الْخلطَة فِي جَمِيع الْحول، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَو اختلطا قبل الْحول بشهرين فَأَقل فهما خليطان. وَقَالَ ابْن حبيب: أدناه شهر. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: إِذا لم يقْصد الْفِرَار صَحَّ، وَرَأى الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأَبُو الْحسن بن الْمُفلس من الظَّاهِرِيَّة، الْخلطَة فِي الْمَوَاشِي لَا غير، وَرَأى الشَّافِعِي حكم الْخلطَة الَّتِي قَالَ بِهِ جَارِيا فِي الْمَوَاشِي والزروع وَالثِّمَار وَالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير، وَقَالَ ابْن حزم، وَرَأى أَن مِائَتي نفس لَو ملكوا مِائَتي دِرْهَم كل وَاحِد درهما يجب عَلَيْهِم فِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْخلطَة، بِضَم الْخَاء، سَوَاء كَانَت خلْطَة شيوع واشتراك فِي الْأَعْيَان، أَو خلْطَة أَوْصَاف وَجَوَاز فِي الْمَكَان بِشُرُوط تِسْعَة: أَن يكون الشُّرَكَاء من أهل وجوب الزَّكَاة، وَأَن يكون المَال بعد الْخَلْط نِصَابا، وَأَن يمْضِي عَلَيْهِ بعد الْخَلْط حول كَامِل، وَأَن لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر فِي المراح وَفِي المسرح وَفِي المشرب كالبئر وَالنّهر والحوض وَالْعين، أَو كَانَت الْمِيَاه مُخْتَلفَة بِحَيْثُ لَا تخْتَص غنم أَحدهمَا بِشَيْء، وَالسَّابِع: الرَّاعِي، وَالثَّامِن: الْفَحْل، وَالتَّاسِع فِي المحلب، وَلَا يشْتَرط خلط اللَّبن. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي: يشْتَرط فِيهِ فيحلب أَحدهمَا فَوق لبن الآخر، قَالَ صَاحب (الْبَيَان) : هُوَ أصح الْوُجُوه الثَّلَاثَة، وَفِي وَجه: يشْتَرط أَن يحلبا مَعًا ويخلطا اللَّبن ثمَّ يقتسمانه، وَقَالَ صَاحب (الْمُفِيد) : وَيشْتَرط عِنْده اتِّحَاد الدَّلْو وَالْكَلب، وَقيل: لَيْسَ ذَلِك بمذهبه، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن الحناطي أَنه حكى أَن خلط الْجوَار لَا أثر لَهَا وَغلط، والمسرح المرعى. وَقيل: طريقها إِلَى المرعى. وَقيل: الْموضع الَّذِي تَجْتَمِع فِيهِ لتستريح، والمحلب، بِالْكَسْرِ، هُنَا وَهُوَ الْإِنَاء الَّذِي تحلب فِيهِ.
وَفِي بعض كتب الْحَنَابِلَة ذكر للخلطة سِتّ شَرَائِط، ثمَّ أَنه قد يكون أثر الْخلطَة فِي إِيجَابهَا، وَقد يكون فِي تكثيرها، وَقد يكون فِي تقليلها. مِثَال الأول: خمس من الْإِبِل أَو أَرْبَعُونَ من الْغنم بَين اثْنَيْنِ تجب فيهمَا الزَّكَاة، وَلَو انْفَرَدت لَا تجب. وَمِثَال الثَّانِي: لكل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة شَاة وشَاة تجب على كل وَاحِد شَاة وَنصف، وَلَو انْفَرَدت تجب على كل وَاحِد شَاة، وَمِثَال الثَّالِث: وَهُوَ التقليل مائَة وَعِشْرُونَ شَاة بَين ثَلَاثَة يجب على كل وَاحِد ثلث شَاة، وَلَو انْفَرَدت لوَجَبَ على كل وَاحِد شَاة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث الْبَاب السَّابِق، وَلنَا أَنه قد ثَبت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة) الحَدِيث، وَجَمِيع النُّصُوص الْوَارِدَة فِي نصب الزَّكَاة تمنع الْوُجُوب فِيمَا دونهَا، وَلِأَنَّهُ لَا حق لأَحَدهمَا فِي ملك الآخر، وَمَاله غير زكوي لنقصانه عَن النّصاب، وَمثله مَال الآخر، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَرَأَوا فِي خَمْسَة أنفس لكل وَاحِد بنت مَخَاض تجب على كل مُسلم خمس شَاة، وَفِي عشرَة بَينهم خمس من الْإِبِل لكل وَاحِد نصف بعير تجب على كل وَاحِد مِنْهُم عُشر شَاة مَعَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَيْسَ فِي أَربع من الْإِبِل شَيْء) فَهَذِهِ زَكَاة مَا أوجبهَا الله تَعَالَى فَقَط، وَحكم بِخِلَاف حكم الله تَعَالَى، وَحكم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَجعلُوا لمَال أَحدهمَا حكما فِي مَال الآخر، وَهَذَا بَاطِل، وَخلاف الْقُرْآن وَالسّنَن، وَاشْتِرَاط الشُّرُوط التِّسْعَة الْمَذْكُورَة، وَغَيرهَا تحكم بِلَا دَلِيل أصلا لَا من قُرْآن وَلَا من سنة وَلَا من قَول صَاحب قِيَاس وَلَا من وَجه مَعْقُول، وليت شعري من جعل الْخلطَة مَقْصُورَة على الْوُجُوه الَّتِي ذكروها دون أَن يُرِيد بِهِ الْخلطَة فِي الْمنزل أَو فِي الصِّنَاعَة أَو فِي الشّركَة أَو فِي الْمغنم، كَمَا قَالَ طَاوُوس وَعَطَاء. وَلَو وَجَبت بالاختلاط فِي المرعى لَوَجَبَتْ فِي كل مَاشِيَة فِي الأَرْض، لِأَن المراعي مُتَّصِلَة فِي أَكثر الدُّنْيَا، إلَاّ أَن يقطع بَينهَا بحرا ونهرا وَعمارَة. قَالَ: وَأما تَقْدِير الْمَالِكِيَّة الِاخْتِلَاط بالشهر والشهرين فتحكم بَارِد، وَقَوله ظَاهر الإحالة جدا لِأَنَّهُ خص بهَا الْمَوَاشِي فَقَط دون الْخلطَة فِي الثِّمَار والزروع والنقدين، وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْخَبَر. فَإِن قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الخليطان مَا اجْتمعَا على الْحَوْض والراعي
والفحل) . قلت: فِي سَنَده عبد الله بن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف فَلَا يجوز التَّمَسُّك بِهِ، كَذَا ذكره عبد الْحق فِي (الْأَحْكَام الْكُبْرَى) وأعجب الْأُمُور أَن الْبَيْهَقِيّ إِذا كَانَ الحَدِيث لَهُم يسكت عَن ابْن لَهِيعَة وَمثله، وَإِذا كَانَ عَلَيْهِم يتَكَلَّم فيهم بالباع والذراع. قَوْله: (فَإِنَّهُمَا يتراجعان) أَي: فَإِن الخليطين يتراجعان بَينهمَا، مَعْنَاهُ أَن السَّاعِي إِذا أَخذ من مَال أَحدهمَا جَمِيع الْوَاجِب فَإِنَّهُ يرجع على شَرِيكه بِحِصَّتِهِ، مثلا، إِذا كَانَ بَينهمَا أَرْبَعُونَ شَاة لكل وَاحِد مِنْهُمَا عشرُون، وَقد عرف كل مِنْهُمَا عين مَاله فَأخذ الْمُصدق من أَحدهمَا شَاة فَإِن الْمَأْخُوذ من مَاله يرجع على خليطه بِقِيمَة نصف شَاة، وَهَذِه تسمى خلْطَة الْجوَار، وَيَقَع التراجع فِيهَا. وَقد يَقع قَلِيلا فِي خلْطَة الشُّيُوع. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : والتراجع مُقْتَضَاهُ من اثْنَيْنِ. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ من: بَاب التفاعل، وَمُقْتَضَاهُ من اثْنَيْنِ وَجَمَاعَة، وَالَّذِي من اثْنَيْنِ فَقَط يكون من: بَاب المفاعلة، كَمَا علم فِي مَوْضِعه.
وَقَالَ طاوُوس وَعَطَاءٌ إذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ أمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مالُهُمَا
طَاوُوس بن الْيَمَانِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوُوس، قَالَ: إِذا كَانَ كَانَ الخليطان يعلمَانِ أموالهما فَلَا تجمع أموالهما فِي الصَّدَقَة، وَحدثنَا مُحَمَّد ابْن أبي بكر عَن ابْن جريج، قَالَ: أخْبرت عَطاء عَن قَول طَاوُوس، فَقَالَ: مَا أرَاهُ إلَاّ حَقًا، وَاعْترض ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ: قَول طَاوُوس وَعَطَاء غَفلَة مِنْهُمَا، إِذْ غير جَائِز أَن يتراجعا بِالسَّوِيَّةِ وَالْمَال بَينهمَا لَا يعرف أحد مَاله من مَال صَاحبه. قَوْله: (إِذا علم الخليطان) يَعْنِي: لَا يكون المَال بَينهمَا مشَاعا، وَهَذَا يُسمى بخلطة الْجوَار، فمذهب طَاوُوس وَعَطَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، هُوَ خلْطَة الشُّيُوع.
وقالَ سُفْيَانُ لَا تَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهاذا أرْبَعُونَ شَاة وَلِهاذا أرْبَعُونَ شَاة
أَي: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ، رَحمَه الله تَعَالَى: لَا تجب الزَّكَاة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي لَا تثبت الْخلطَة، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: كَانَ سُفْيَان لَا يرى للخلطة تَأْثِيرا كَمَا لَا يرَاهُ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول مَالك كَقَوْل عَطاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
١٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثني ثمامَةُ أنَّ أنَسا حدَّثَهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَترَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ..
حَدِيث أنس هَذَا قطعه البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَذكره فِي سِتَّة مَوَاضِع هَهُنَا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. الأول: فِي: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة. وَالثَّانِي: فِي: بَاب لَا يجمع بَين متفرق. وَالثَّالِث: فِي هَذَا الْبَاب. وَالرَّابِع: فِي: بَاب من بلغت عِنْده. وَالْخَامِس: فِي بَاب زَكَاة الْغنم. وَالسَّادِس: فِي: بَاب لَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة هرمة، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي عشرَة مَوَاضِع بِإِسْنَاد وَاحِد مقطعا، وَذكره فِي كتاب الزَّكَاة فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَالْأَرْبَعَة فِي الْخمس وَالشَّرِكَة واللباس، وَفِي ترك الْحِيَل، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي مَوضِع وَاحِد بِتَمَامِهِ، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا حَمَّاد قَالَ: أخذت من ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتبه لأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَلِيهِ خَاتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين بَعثه مُصدقا وَكتبه لَهُ، فَإِذا فِيهِ: هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة الَّتِي فَرضهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمُسلمين الَّتِي أَمر الله بهَا نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَمن سئلها من الْمُسلمين على وَجههَا فليعطها، وَمن سُئِلَ فَوْقهَا فَلَا يُعْطه فِيمَا دون خمس وَعشْرين من الْإِبِل وَالْغنم، فِي كل خمس ذود شَاة فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين فَفِيهَا بنت مَخَاض إِلَى أَن تبلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ، فَإِن لم يكن فِيهَا بنت مَخَاض فَابْن لبون ذكر، فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت لبون إِلَى خمس وَأَرْبَعين، فَإِذا بلغت سِتا وَأَرْبَعين فَفِيهَا حقة طروقة الْفَحْل إِلَى سِتِّينَ، فَإِذا بلغت إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَة إِلَى خمس وَسبعين، فَإِذا بلغت
سِتا وَسبعين فَفِيهَا ابنتا لبون إِلَى تسعين، فَإِذا بلغت إِحْدَى وَتِسْعين فَفِيهَا حقتان طروقتا الْفَحْل إِلَى عشْرين وَمِائَة، فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة فَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَفِي كل خمسين حقة، فَإِذا تبَاين أَسْنَان الْإِبِل فِي فَرَائض الصَّدقَات فَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الجزعة وَلَيْسَت عِنْده جزعة وَعِنْده حقة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ، وَأَن يَجْعَل مَعهَا شَاتين إِن استيسرتا لَهُ، أَو عشْرين درهما، وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الحقة وَلَيْسَت عِنْده حقة وَعِنْده جَذَعَة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما، أَو شَاتين، وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الحقة وَلَيْسَ عِنْده حقة وَعِنْده بنت لبون وَلَيْسَت عِنْد اللاحقة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ إِلَى هَهُنَا ثمَّ أيقنت وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما أَو شَاتين وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة بنت لبون فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَمن هَهُنَا لم أضبط عَن مُوسَى كَمَا أحب، وَيجْعَل مَعهَا شَاتين إِن استيسرتا لَهُ أَو عشْرين درهما، وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة بنت لبون وَلَيْسَ عِنْده إلَاّ بنت مَخَاض فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ وشاتين أَو عشْرين درهما، وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة بنت مَخَاض وَلَيْسَ عِنْده إلَاّ ابْن لبون ذكر فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَه شَيْء، وَمن لم يكن عِنْده إِلَّا أَربع فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إلَاّ أَن يَشَاء رَبهَا، وَفِي سَائِمَة الْغنم إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاة إِلَى عشْرين وَمِائَة، فَإِذا زَادَت على عشريني وَمِائَة فَفِيهَا شاتاة إِلَى أَن تبلغ مِائَتَيْنِ، فَإِذا زَادَت على مِائَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه إِلَى أَن تبلغ ثلثمِائة، فَإِذا زَادَت على ثَلَاثمِائَة فَفِي كل مائَة شَاة شَاة، وَلَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة هرمة وَلَا زَادَت عوار من الْغنم وَلَا تَيْس الْغنم إلَاّ أَن يَشَاء المصدِّق، وَلَا يجمع بَين متفرق وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع خشيَة الصَّدَقَة، وَمَا كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَإِن لم تبلغ سَائِمَة الرجل أَرْبَعِينَ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إلَاّ أَن يَشَاء رَبهَا، وَفِي الرقة ربع الْعشْر، فَإِن لم يكن المَال إلَاّ تسعين وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إلَاّ أَن يَشَاء رَبهَا.
٦٣ - (بابُ زَكاةِ الإبِلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان زَكَاة الْإِبِل وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي لفظ: بَاب الْإِبِل، بِكَسْر الْبَاء، وَقد تسكن وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا.
ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ وَأبُو ذَرٍّ وَأبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهمْ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: ذكر حكم زَكَاة الْإِبِل أَبُو بكر الصّديق وَأَبُو ذَر جُنْدُب بن جُنَادَة وَأَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أما حَدِيث أبي بكر فقد ذكره مطولا كَمَا يَأْتِي بعد بَاب من رِوَايَة أنس عَنهُ، وَلأبي بكر حَدِيث آخر مضى فِي: بَاب مَا يتَعَلَّق بِقِتَال مانعي الزَّكَاة. وَأما حَدِيث أبي ذَر فَسَيَأْتِي بعد ذكر سِتَّة أَبْوَاب من رِوَايَة الْمَعْرُور بن سُوَيْد عَنهُ، فِي وَعِيد من لَا يُؤَدِّي زَكَاة إبِله وَغَيرهَا، وَيَأْتِي مَعَه حَدِيث أبي هُرَيْرَة.
قلت: وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر وبهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعَمْرو بن حزم وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع ورقاد بن ربيعَة. وَأما حَدِيث ابْن عمر فَذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا فِي أول: بَاب لَا يجمع بَين متفرق، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ مَوْصُولا وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا مَوْصُولا مطولا. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا. وَأما حَدِيث بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى بهز، وَلَفظه: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: فِي كل سَائِمَة إبل: فِي أَرْبَعِينَ بنت لبون لَا يفرق إبل عَن حِسَابهَا من أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بهَا فَلهُ أجرهَا وَمن منعهَا فَإنَّا آخِذُوهَا وَشطر مَاله عَزمَة من عَزمَات رَبنَا، عز وَجل، لَيْسَ لآل مُحَمَّد مِنْهَا شَيْء. وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: (قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَيْسَ فِيمَا دون خمس من الْإِبِل صَدَقَة، وَلَيْسَ فِي أَربع شَيْء، فَإِذا بلغت خمْسا فَفِيهَا شَاة إِلَى أَن تبلغ تسعا. .) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَأما حَدِيث عَمْرو بن حزم فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب إِلَى أهل الْيمن بِكِتَاب فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن والديات، وَفِي الْكتاب: فِي كل خمس من الْإِبِل سَائِمَة شَاة) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَأما حَدِيث سَلمَة ابْن الْأَكْوَع فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن معَاذ بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ أَن عَمْرو بن يحيى عَن سعيد بن زُرَارَة أخبرهُ
عَن ابْن سَلمَة بن الْأَكْوَع عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: نعم الْإِبِل الثَّلَاثُونَ يخرج فِي زَكَاتهَا وَاحِدَة وترحل مِنْهَا فِي سَبِيل الله وَاحِدَة وتمنح مِنْهَا وَاحِدَة هِيَ خير من الْأَرْبَعين وَالْخمسين وَالسِّتِّينَ وَالسبْعين والثمانين وَالتسْعين وَالْمِائَة، وويل لصَاحب الْمِائَة من الْمِائَة. وَأما حَدِيث رقاد بن ربيعَة فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ حَدثنَا أَحْمد بن كثير البَجلِيّ حَدثنَا يعلى بن الإشدق، وَقَالَ: أدْركْت عدَّة من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِنْهُم رقاد بن ربيعَة قَالَ: أَخذ منا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْغنم من الْمِائَة شَاة فَإِذا زَادَت فشاتان، ويعلى بن الْأَشْدَق ضَعِيف جدا مُتَّهم بِالْكَذِبِ، وَأحمد بن كثير البَجلِيّ لَا أَدْرِي من هُوَ.
٥٥ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم قَالَ حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ قَالَ حَدثنِي ابْن شهَاب عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ أَن أَعْرَابِيًا سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن الْهِجْرَة فَقَالَ وَيحك إِن شَأْنهَا شَدِيد فَهَل لَك من إبل تُؤدِّي صدقتها قَالَ نعم قَالَ فاعمل من وَرَاء الْبحار فَإِن الله لن يتْرك من عَمَلك شَيْئا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَهَل لَك من إبل تُؤدِّي صدقتها قَالَ نعم ". (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي الْوَلِيد بن مُسلم على لفظ الْفَاعِل من الْإِسْلَام الْقرشِي. الثَّالِث عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس عَطاء بن يزِيد مَعَ الزِّيَادَة أَبُو زيد اللَّيْثِيّ. السَّادِس أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَفِيه أَن الْوَلِيد وَالْأَوْزَاعِيّ شاميان وَأَن ابْن شهَاب وَعَطَاء مدنيان (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن خَلاد عَن الْوَلِيد بِهِ وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُؤَمل بن الْفضل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة وَفِي السّير عَن الْحُسَيْن بن حُرَيْث كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَن أَعْرَابِيًا " الْأَعرَابِي البدوي وكل بدوي أَعْرَابِي وَإِن لم يكن من الْعَرَب وَإِن كَانَ يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ من الْعَجم (قلت) فِيهِ عرباني قَالَه ابْن قرقول وَقَالَ غَيره الْأَعرَابِي نِسْبَة إِلَى الْأَعْرَاب والأعراب ساكنو الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إِلَّا لحَاجَة والعربي نِسْبَة إِلَى الْعَرَب وهم الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية والمدن قَوْله " فَقَالَ وَيحك " قَالَ الدَّاودِيّ وَيْح كلمة تقال عِنْد الزّجر وَالْمَوْعِظَة وَالْكَرَاهَة لفعل الْمَقُول لَهُ أَو قَوْله وَيدل عَلَيْهِ أَنه إِنَّمَا سَأَلَهُ أَن يبايعه على ذَلِك على أَن يُقيم بِالْمَدِينَةِ وَلم يكن من أهل مَكَّة الَّذين وَجَبت عَلَيْهِم الْهِجْرَة قبل الْفَتْح وَفرض عَلَيْهِم إتْيَان الْمَدِينَة وَالْمقَام بهَا إِلَى مَوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَنه ألح فِي ذَلِك قلت الَّذِي ذكره أهل اللُّغَة فِي وَيْح أَنَّهَا كلمة رَحْمَة أَو توجع إِن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا قَوْله " أَن شَأْنهَا شَدِيد " أَي أَن شَأْن الْهِجْرَة وَذَلِكَ لَا يسْأَله أَن يبايعه على ذَلِك على أَن يُقيم بِالْمَدِينَةِ وَلما علم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه لَا يُهَاجر قَالَ لَهُ ذَلِك وَكَانَ ذَلِك قبل الْفَتْح قبل انْقِضَاء الْهِجْرَة قَوْله " فَهَل لَك من إبل تُؤدِّي صدقتها " أَي زَكَاتهَا وَإِنَّمَا خص بِصَدقَة الْإِبِل مَعَ أَن أَدَاء جَمِيع الْوَاجِبَات وَاجِب لِأَنَّهُ كَانَ من أهل الْإِبِل وَالْبَاقِي منقاس عَلَيْهِ قَوْله " فاعمل من وَرَاء الْبحار " مَعْنَاهُ إِذا كنت تُؤدِّي فرض الله عَلَيْك فِي نَفسك وَمَالك فَلَا تبال أَن تقيم فِي بَيْتك وَإِن كَانَت دَارك من وَرَاء الْبحار وَلَا تهَاجر فَإِن الْهِجْرَة من جَزِيرَة الْعَرَب وَمن كَانَت دَاره من وَرَاء الْبحار لن يصل إِلَيْهَا وَقيل المُرَاد من الْبحار الْبِلَاد قيل فِي قَوْله تَعَالَى {ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر} أَنه الْقرى والأمصار وَمِنْه اصْطلحَ أهل الْبحيرَة يَعْنِي فِي ابْن أبي أَن يعصبوه يَعْنِي أهل الْمَدِينَة وَفِي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَوْ كَانَتْ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى، وَيُخْرَجُ مِنْهَا الزَّكَاةُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِبْطَالِ الْحِيَلِ وَالْعَمَلِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِالْقَرَائِنِ، وَأَنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ لَا تَسْقُطُ بِالْهِبَةِ مَثَلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٥ - بَاب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ: إِذَا عَلِمَ الْخَلِيطَانِ أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا
وَقَالَ سُفْيَانُ لَا تَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً
١٤٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْخَلِيطِ كَمَا سَيَأْتِي، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ الشَّرِيكُ قَالَ: وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَمْلِكُ إِلَّا مِثْلُ الَّذِي كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْطٌ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَفْرِيقُهَا مِثْلَ جَمْعِهَا فِي الْحُكْمِ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ أَمْرٍ لَوْ فَعَلَهُ كَانَتْ فِيهِ فَائِدَةٌ قَبْلَ النَّهْيِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمَا كَانَ لِتَرَاجُعِ الْخَلِيطَيْنِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ مَعْنًى.
قَوْلُهُ: (يَتَرَاجَعَانِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ شَاةً مَثَلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ قَدْ عَرَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَيْنَ مَالِهِ فَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنْ أَحَدِهِمَا شَاةً فَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَالِهِ عَلَى خَلِيطِهِ بِقِيمَةِ نِصْفِ شَاةٍ، وَهَذِهِ تُسَمَّى خُلْطَةَ الْجِوَارِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ إِلَخْ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: إِذَا كَانَ الْخَلِيطَانِ يَعْلَمَانِ أَمْوَالَهُمَا لَمْ يُجْمَعْ مَالُهُمَا فِي الصَّدَقَةِ، قَالَ - يَعْنِي ابْنَ جُرَيْجٍ - فَذَكَرْتُهُ لِعَطَاءٍ فَقَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا حَقًّا، وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ شَيْخِهِ، وَقَالَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: نَاسٌ خُلَطَاءُ لَهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً؟ قَالَ: عَلَيْهِمْ شَاةٌ، قُلْتُ: فَلِوَاحِدٍ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ وَلِآخَرَ شَاةٌ؟ قَالَ: عَلَيْهِمَا شَاةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا تَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ: قَوْلُنَا: لَا يَجِبُ عَلَى الْخَلِيطَيْنِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ. انْتَهَى، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ: إِذَا بَلَغَتْ مَاشِيَتُهُمَا النِّصَابَ زَكَّيَا، وَالْخُلْطَةُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي الْمَسْرَحِ وَالْمَبِيتِ وَالْحَوْضِ وَالْفَحْلِ، وَالشَّرِكَةُ أَخَصُّ مِنْهَا، وَفِي جَامِعِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ، قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: مَا يَعْنِي بِالْخَلِيطَيْنِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الْمُرَاحُ وَاحِدًا وَالرَّاعِي وَاحِدًا وَالدَّلْوُ وَاحِدًا.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْخَلِيطِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ الشَّرِيكُ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّرِيكَ قَدْ لَا يَعْرِفُ عَيْنَ مَالِهِ، وَقَدْ قَالَ: إِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلِيطَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ وَقَدْ بَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ وَاعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ، أَوْ رَأَوْا أَنَّ الْأَصْلَ قَوْلُهُ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَحُكْمُ الْخُلْطَةِ بِغَيْرِ هَذَا الْأَصْلِ فَلَمْ يَقُولُوا بِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأموال»: (إِذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ) بكسر لام «علِم» مُخفَّفةً، ولأبي الوقت من غير «اليونينيَّة»: «علَّم الخليطان» بفتحها مُشدَّدةً (أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا) في الصَّدقة، فلو كان لكلِّ واحدٍ منهما عشرون شاةً، مميَّزةً، فلا زكاة (وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (لَا يجبُ (١)) في الخليطين زكاةٌ (حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً) فيجب على كلِّ واحدةٍ (٢) شاةٌ، وهذا مذهب أبي حنيفة، وحاصله: أنَّه لا يجب على أحد الشَّريكين فيما يملك إلَّا مثل الذي كان يجب عليه، لو لم تكن خلطةٌ، فلم يعتبروا خلطة الجوار، واعتبرها الشَّافعيُّ كخلطة الشُّيوع، لكن تختصُّ خلطة الجوار باتِّحاد المَشْرَع (٣)، و (٤) المَسْرَح والمرعى والمُراح -بضمِّ الميم- وموضع الحلَب -بفتح اللام- والرَّاعي والفحل.
١٤٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المُثنَّى، الأنصاريُّ، وثَّقه العجليُّ والتِّرمذيُّ، واختلف فيه قول الدَّارقطنيِّ، وقال ابن معينٍ وأبو زُرْعة وأبو حاتمٍ: صالحٌ، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، وقال السَّاجيُّ (٥): فيه ضعفٌ، ولم يكن من أهل الحديث، وروى مناكير، وقال العقيليُّ: لا يُتابَع على أكثر حديثه. انتهى. نعم. تابعه على حديثه هذا حمَّاد بن سلمة، فرواه عن ثمامة أنَّه أعطاه كتابًا، وزعم أنَّ أبا بكرٍ كتبه … الحديث، رواه أبو داود، ورواه أحمد في «مُسنَده»، فانتفى كونه لم يُتابَع عليه، وبالجملة: فلم يحتجَّ به (٦) البخاريُّ إلَّا في روايته عن عمِّه ثمامة، وأخرج له من روايته عن ثابتٍ عن أنسٍ حديثًا تُوبِع فيه عنده (٧) [خ¦٥٠٠٤]
وأخرج له أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٩٢١] عن مسلم بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن المثنى (١) عن عبد الله بن دينارٍ في «النَّهي عن القزع» بمتابعة نافعٍ وغيره عن ابن عمر، وروى له التِّرمذيُّ وابن ماجه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ) فريضة الصَّدقة (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) يريد أنَّ المصَّدِّق إذا أخذ من أحد الخليطين ما وجب أو بعضه من مال أحدهما فإنَّه يرجع المخالط الذي أخذ منه الواجب أو بعضه بقدر حصَّة الذي خالطه من مجموع المالين مثلًا في المثليِّ كالثِّمار والحبوب، وقيمةً في المُتقوَّم (٢) كالإبل والبقر والغنم، فلو كان لكلٍّ منهما عشرون شاةً رجع الخليط على خليطه بقيمة نصف شاةٍ لا بنصف (٣) شاةٍ؛ لأنَّها غير مثليَّةٍ، ولو كان لأحدهما مئةٌ وللآخر (٤) خمسون (٥)، فأخذ السَّاعي الشَّاتين الواجبتين من صاحب المئة رجع بثلث قيمتهما، أو من صاحب الخمسين رجع بثلثي قيمتهما، أو من كلِّ واحدٍ شاةٌ رجع صاحب المئة بثلث قيمة شاته، وصاحب الخمسين بثلثي قيمة شاته.
(٣٦) (باب زَكَاةِ الإِبِلِ، ذَكَرَهُ) أي: حكم زكاة الإبل (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وحديث كلٍّ منهم يأتي إن شاء الله تعالى في «الزَّكاة» [خ¦١٤٥٣] [خ¦١٤٥٧] [خ¦١٤٦٠] وحديث أبي ذرٍّ في «النُّذور (٦)» [خ¦٦٦٣٨] أيضًا.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فرقها الْمُصدق أَرْبَعِينَ فَثَلَاث شِيَاه، وَقَالَ أَبُو يُوسُف: معنى الأول أَن يكون لرجل ثَمَانُون شَاة، فَإِذا جَاءَ الْمُصدق قَالَ: هِيَ بيني وَبَين إخوتي، لكل وَاحِد عشرُون فَلَا زَكَاة، أَو أَن يكون لَهُ أَرْبَعُونَ ولأخوته أَرْبَعُونَ فَيَقُول: كلهَا لي، فشاة. وَفِي (الْمُحِيط) : وَتَأْويل هَذَا أَنه كَانَ لَهُ ثَمَانُون شَاة تجب فِيهَا وَاحِدَة فَلَا يفرقها ويجعلها لِرجلَيْنِ فَيَأْخُذ شَاتين، فعلى هَذَا يكون خطابا للساعي، وَإِن كَانَت لِرجلَيْنِ فعلى كل وَاحِد شَاة فَلَا تجمع وَيُؤْخَذ مِنْهَا شَاة، وَالْخطاب فِي هَذَا يحْتَمل أَن يكون للمصدق بِأَن يكون لأَحَدهمَا مائَة شَاة وَللْآخر مائَة شَاة وشَاة فعلَيْهِمَا شَاتَان فَلَا يجمع الْمُصدق بَينهمَا، وَيَقُول هَذِه كلهَا لَك فَيَأْخُذ مِنْهُ ثَلَاث شِيَاه، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع بِأَن يكون لرجل مائَة وَعِشْرُونَ شَاة فَيَقُول السَّاعِي: هِيَ لثَلَاثَة فَيَأْخُذ ثَلَاث شِيَاه، وَلَو كَانَت لوَاحِد تجب شَاة، وَيحْتَمل أَن يكون الْخطاب لرب المَال، ويقوى بقوله: (خشيَة الصَّدَقَة) أَي: فيخاف فِي وجوب الصَّدَقَة فيحتال فِي إِسْقَاطهَا بِأَن يجمع نِصَاب أَخِيه إِلَى نصابه فَتَصِير ثَمَانِينَ فَيجب فِيهَا شَاة وَاحِدَة، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع بِأَن يكون لَهُ أَرْبَعُونَ فَيَقُول نصفهَا لي وَنِصْفهَا لأخي فَتسقط زَكَاتهَا. وَفِي (الْمَبْسُوط) : وَالْمرَاد من الْجمع والتفريق فِي الْملك لَا فِي الْمَكَان لإجماعنا على أَن النّصاب إِذا كَانَ فِي ملك وَاحِد يجمع وَإِن كَانَ فِي أمكنة مُتَفَرِّقَة، فَدلَّ أَن المتفرق فِي الْملك لَا يجمع فِي حق الصَّدَقَة. قَوْله: (خشيَة الصَّدَقَة) مِمَّا تنَازع فِيهِ الفعلان، والخشية خشيتان: خشيَة السَّاعِي أَن تقل الصَّدَقَة، وخشية رب المَال أَن تكْثر الصَّدَقَة، فَأمر كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن لَا يحدث شَيْئا من الْجمع والتفريق. قيل: لَو فرض أَن المالكين أَرَادَا ذَلِك لإِرَادَة تَكْثِير الصَّدَقَة أَو وجوب مَا لم يجب عَلَيْهِمَا التماسا لِكَثْرَة الْأجر، أَو لإِرَادَة وُقُوع مَا أَرَادَ التَّصَدُّق بِهِ تَطَوّعا ليصير وَاجِبا. وثواب الْوَاجِب أَكثر من ثَوَاب التَّطَوُّع، فَالظَّاهِر جَوَاز ذَلِك.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: النَّهْي عَن اسْتِعْمَال الْحِيَل لسُقُوط مَا كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ. وَيجْرِي ذَلِك فِي أَبْوَاب كَثِيرَة من أَبْوَاب الْفِقْه، وللعلماء فِي ذَلِك خلاف فِي التَّحْرِيم أَو الْكَرَاهَة أَو الْإِبَاحَة، وَالْحق أَنه كَانَ ذَلِك لغَرَض صَحِيح فِيهِ رفق للمعذور وَلَيْسَ فِيهِ إبِْطَال لحق الْغَيْر، فَلَا بَأْس بِهِ من ذَلِك فِي قَوْله تَعَالَى: {وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث} (ص: ٤٤) . وَإِن كَانَ لغَرَض فَاسد: كإسقاط حق الْفُقَرَاء من الزَّكَاة بِتَمْلِيك مَاله قبل الْحول لوَلَده، أَو نَحْو ذَلِك، فَهُوَ حرَام أَو مَكْرُوه على الْخلاف الْمَشْهُور فِي ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ على أَن من كَانَ عِنْده دون النّصاب من الْفضة وَدون النّصاب من الذَّهَب مثلا إِنَّه لَا يجب ضم بعضه إِلَى بعض حَتَّى يصير نِصَابا كَامِلا فَتجب فِيهِ الزَّكَاة، خلافًا لمن قَالَ: يضم على الْأَجْزَاء كالمالكية، أَو على الْقيم كالحنفية. انْتهى. قلت: هَذَا اسْتِدْلَال غير صَحِيح لِأَن النَّهْي فِي الحَدِيث مُعَلل بخشية الصَّدَقَة، وَفِيه إِضْرَار للْفُقَرَاء بِخِلَاف مَا قَالَه الْمَالِكِيَّة وَالْحَنَفِيَّة فَإِن فِيهِ نفعا للْفُقَرَاء وَهُوَ ظَاهر. وَقيل: اسْتدلَّ بِهِ لِأَحْمَد على أَن من كَانَ لَهُ مَاشِيَة فِي بلد لَا تبلغ النّصاب كعشرين شَاة، مثلا بِالْكُوفَةِ، وَمثلهَا بِالْبَصْرَةِ أَنَّهَا لَا تضم بِاعْتِبَار كَونهَا ملك رجل وَاحِد وَيُؤْخَذ مِنْهَا الزَّكَاة. قلت: قد ذكرنَا عَن قريب أَن الْجمع والتفريق أَن يكون فِي الْملك لَا فِي الْمَكَان، وَعَن هَذَا قَالَ ابْن الْمُنْذر: خَالفه الْجُمْهُور فَقَالُوا: يجب على صَاحب المَال زَكَاة مَاله وَلَو كَانَ فِي بلدان شَتَّى، وَيخرج مِنْهُ الزَّكَاة.
٥٣ - (بابٌ مَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَترَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ مَا كَانَ من خليطين إِلَى آخِره، وَكلمَة: مَا، هُنَا تَامَّة نكرَة متضمنة معنى حرف الِاسْتِفْهَام، وَمَعْنَاهَا أَي: شَيْء كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان، والخليطان تَثْنِيَة خليط، وَاخْتلف فِي المُرَاد بالخليط، فَذهب أَبُو حنيفَة إِلَى أَنه الشَّرِيك، لِأَن الخليطين فِي اللُّغَة الَّتِي بهَا خاطبنا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، هما الشريكان اللَّذَان اخْتَلَط مَالهمَا وَلم يتَمَيَّز كالخليطين من النَّبِيذ. قَالَه ابْن الْأَثِير، وَمَا لم يخْتَلط مَعَ غَيره فليسا بخليطين، هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ، وَإِذا تميز مَال كل وَاحِد مِنْهُمَا من مَال الآخر فَلَا خلْطَة، فعلى قَول أبي حنيفَة: لَا يجب على أحد من الشَّرِيكَيْنِ أَو الشُّرَكَاء فِيمَا يملك إلَاّ مثل الَّذِي كَانَ يجب عَلَيْهِ لَو لم يكن خلط، وَذكر فِي (الْمَبْسُوط) ، وعام كتب أَصْحَابنَا: أَن الخليطين يعْتَبر لكل وَاحِد نِصَاب كَامِل كَحال الِانْفِرَاد، وَلَا تَأْثِير للخلطة فِيهَا سَوَاء كَانَت شركَة ملك بِالْإِرْثِ وَالْهِبَة وَالشِّرَاء وَنَحْوهَا، أَو شركَة عقد كالعنان والمفاوضة. ذكره الوبري وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: اخْتلفُوا فِي رجلَيْنِ بَينهمَا مَاشِيَة نِصَاب وَاحِد، قَالَت طَائِفَة: لَا زَكَاة عَلَيْهِمَا، قَالَ:
هَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْري وَأبي ثَوْر وَأهل الْعرَاق، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : وَبِه قَالَ شريك بن عبد الله وَالْحسن بن حَيّ، وَقَالَ الشَّافِعِي وَاللَّيْث وَابْن حَنْبَل وَإِسْحَاق تجب عَلَيْهِمَا الزَّكَاة وَلَو كَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا لكل وَاحِد شَاة تجب عَلَيْهِم شَاة، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: الأول أصح، يَعْنِي عدم وجوب الزَّكَاة، وَقَالَ ابْن حزم فِي (الْمحلى) : الْخلطَة لَا تحيل حكم الزَّكَاة هُوَ الصَّحِيح. وَقَالَ الطرطوشي: لَا تصح الْخلطَة إلَاّ أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا نِصَاب كَامِل، والمعاني الْمُعْتَبرَة فِيهَا: الرَّاعِي والفحل والمراح والدلو وَالْمَبِيت، ذكرهَا مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) وَمِنْهُم من ذكر: الحلاب، مَكَان الْمبيت، وَحُصُول جَمِيعهَا لَيْسَ بِشَرْط، والحلاب مَعْنَاهُ أَن يكون الْحَالِف وَاحِدًا إِلَّا أَن يخلط الألبان، وَلَو كَانَ أَحدهمَا عبدا أَو كَافِرًا. قَالَ مُحَمَّد بن مسلمة: لم تصح الْخلطَة، وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: تصح وَلَا تشْتَرط الْخلطَة فِي جَمِيع الْحول، وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: لَو اختلطا قبل الْحول بشهرين فَأَقل فهما خليطان. وَقَالَ ابْن حبيب: أدناه شهر. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: إِذا لم يقْصد الْفِرَار صَحَّ، وَرَأى الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأَبُو الْحسن بن الْمُفلس من الظَّاهِرِيَّة، الْخلطَة فِي الْمَوَاشِي لَا غير، وَرَأى الشَّافِعِي حكم الْخلطَة الَّتِي قَالَ بِهِ جَارِيا فِي الْمَوَاشِي والزروع وَالثِّمَار وَالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير، وَقَالَ ابْن حزم، وَرَأى أَن مِائَتي نفس لَو ملكوا مِائَتي دِرْهَم كل وَاحِد درهما يجب عَلَيْهِم فِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْخلطَة، بِضَم الْخَاء، سَوَاء كَانَت خلْطَة شيوع واشتراك فِي الْأَعْيَان، أَو خلْطَة أَوْصَاف وَجَوَاز فِي الْمَكَان بِشُرُوط تِسْعَة: أَن يكون الشُّرَكَاء من أهل وجوب الزَّكَاة، وَأَن يكون المَال بعد الْخَلْط نِصَابا، وَأَن يمْضِي عَلَيْهِ بعد الْخَلْط حول كَامِل، وَأَن لَا يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر فِي المراح وَفِي المسرح وَفِي المشرب كالبئر وَالنّهر والحوض وَالْعين، أَو كَانَت الْمِيَاه مُخْتَلفَة بِحَيْثُ لَا تخْتَص غنم أَحدهمَا بِشَيْء، وَالسَّابِع: الرَّاعِي، وَالثَّامِن: الْفَحْل، وَالتَّاسِع فِي المحلب، وَلَا يشْتَرط خلط اللَّبن. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي: يشْتَرط فِيهِ فيحلب أَحدهمَا فَوق لبن الآخر، قَالَ صَاحب (الْبَيَان) : هُوَ أصح الْوُجُوه الثَّلَاثَة، وَفِي وَجه: يشْتَرط أَن يحلبا مَعًا ويخلطا اللَّبن ثمَّ يقتسمانه، وَقَالَ صَاحب (الْمُفِيد) : وَيشْتَرط عِنْده اتِّحَاد الدَّلْو وَالْكَلب، وَقيل: لَيْسَ ذَلِك بمذهبه، وَحكى الرَّافِعِيّ عَن الحناطي أَنه حكى أَن خلط الْجوَار لَا أثر لَهَا وَغلط، والمسرح المرعى. وَقيل: طريقها إِلَى المرعى. وَقيل: الْموضع الَّذِي تَجْتَمِع فِيهِ لتستريح، والمحلب، بِالْكَسْرِ، هُنَا وَهُوَ الْإِنَاء الَّذِي تحلب فِيهِ.
وَفِي بعض كتب الْحَنَابِلَة ذكر للخلطة سِتّ شَرَائِط، ثمَّ أَنه قد يكون أثر الْخلطَة فِي إِيجَابهَا، وَقد يكون فِي تكثيرها، وَقد يكون فِي تقليلها. مِثَال الأول: خمس من الْإِبِل أَو أَرْبَعُونَ من الْغنم بَين اثْنَيْنِ تجب فيهمَا الزَّكَاة، وَلَو انْفَرَدت لَا تجب. وَمِثَال الثَّانِي: لكل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة شَاة وشَاة تجب على كل وَاحِد شَاة وَنصف، وَلَو انْفَرَدت تجب على كل وَاحِد شَاة، وَمِثَال الثَّالِث: وَهُوَ التقليل مائَة وَعِشْرُونَ شَاة بَين ثَلَاثَة يجب على كل وَاحِد ثلث شَاة، وَلَو انْفَرَدت لوَجَبَ على كل وَاحِد شَاة، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث الْبَاب السَّابِق، وَلنَا أَنه قد ثَبت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة) الحَدِيث، وَجَمِيع النُّصُوص الْوَارِدَة فِي نصب الزَّكَاة تمنع الْوُجُوب فِيمَا دونهَا، وَلِأَنَّهُ لَا حق لأَحَدهمَا فِي ملك الآخر، وَمَاله غير زكوي لنقصانه عَن النّصاب، وَمثله مَال الآخر، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَرَأَوا فِي خَمْسَة أنفس لكل وَاحِد بنت مَخَاض تجب على كل مُسلم خمس شَاة، وَفِي عشرَة بَينهم خمس من الْإِبِل لكل وَاحِد نصف بعير تجب على كل وَاحِد مِنْهُم عُشر شَاة مَعَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَيْسَ فِي أَربع من الْإِبِل شَيْء) فَهَذِهِ زَكَاة مَا أوجبهَا الله تَعَالَى فَقَط، وَحكم بِخِلَاف حكم الله تَعَالَى، وَحكم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَجعلُوا لمَال أَحدهمَا حكما فِي مَال الآخر، وَهَذَا بَاطِل، وَخلاف الْقُرْآن وَالسّنَن، وَاشْتِرَاط الشُّرُوط التِّسْعَة الْمَذْكُورَة، وَغَيرهَا تحكم بِلَا دَلِيل أصلا لَا من قُرْآن وَلَا من سنة وَلَا من قَول صَاحب قِيَاس وَلَا من وَجه مَعْقُول، وليت شعري من جعل الْخلطَة مَقْصُورَة على الْوُجُوه الَّتِي ذكروها دون أَن يُرِيد بِهِ الْخلطَة فِي الْمنزل أَو فِي الصِّنَاعَة أَو فِي الشّركَة أَو فِي الْمغنم، كَمَا قَالَ طَاوُوس وَعَطَاء. وَلَو وَجَبت بالاختلاط فِي المرعى لَوَجَبَتْ فِي كل مَاشِيَة فِي الأَرْض، لِأَن المراعي مُتَّصِلَة فِي أَكثر الدُّنْيَا، إلَاّ أَن يقطع بَينهَا بحرا ونهرا وَعمارَة. قَالَ: وَأما تَقْدِير الْمَالِكِيَّة الِاخْتِلَاط بالشهر والشهرين فتحكم بَارِد، وَقَوله ظَاهر الإحالة جدا لِأَنَّهُ خص بهَا الْمَوَاشِي فَقَط دون الْخلطَة فِي الثِّمَار والزروع والنقدين، وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْخَبَر. فَإِن قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الخليطان مَا اجْتمعَا على الْحَوْض والراعي
والفحل) . قلت: فِي سَنَده عبد الله بن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف فَلَا يجوز التَّمَسُّك بِهِ، كَذَا ذكره عبد الْحق فِي (الْأَحْكَام الْكُبْرَى) وأعجب الْأُمُور أَن الْبَيْهَقِيّ إِذا كَانَ الحَدِيث لَهُم يسكت عَن ابْن لَهِيعَة وَمثله، وَإِذا كَانَ عَلَيْهِم يتَكَلَّم فيهم بالباع والذراع. قَوْله: (فَإِنَّهُمَا يتراجعان) أَي: فَإِن الخليطين يتراجعان بَينهمَا، مَعْنَاهُ أَن السَّاعِي إِذا أَخذ من مَال أَحدهمَا جَمِيع الْوَاجِب فَإِنَّهُ يرجع على شَرِيكه بِحِصَّتِهِ، مثلا، إِذا كَانَ بَينهمَا أَرْبَعُونَ شَاة لكل وَاحِد مِنْهُمَا عشرُون، وَقد عرف كل مِنْهُمَا عين مَاله فَأخذ الْمُصدق من أَحدهمَا شَاة فَإِن الْمَأْخُوذ من مَاله يرجع على خليطه بِقِيمَة نصف شَاة، وَهَذِه تسمى خلْطَة الْجوَار، وَيَقَع التراجع فِيهَا. وَقد يَقع قَلِيلا فِي خلْطَة الشُّيُوع. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : والتراجع مُقْتَضَاهُ من اثْنَيْنِ. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ من: بَاب التفاعل، وَمُقْتَضَاهُ من اثْنَيْنِ وَجَمَاعَة، وَالَّذِي من اثْنَيْنِ فَقَط يكون من: بَاب المفاعلة، كَمَا علم فِي مَوْضِعه.
وَقَالَ طاوُوس وَعَطَاءٌ إذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ أمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مالُهُمَا
طَاوُوس بن الْيَمَانِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهَذَا تَعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج: أَخْبرنِي عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوُوس، قَالَ: إِذا كَانَ كَانَ الخليطان يعلمَانِ أموالهما فَلَا تجمع أموالهما فِي الصَّدَقَة، وَحدثنَا مُحَمَّد ابْن أبي بكر عَن ابْن جريج، قَالَ: أخْبرت عَطاء عَن قَول طَاوُوس، فَقَالَ: مَا أرَاهُ إلَاّ حَقًا، وَاعْترض ابْن الْمُنْذر، وَقَالَ: قَول طَاوُوس وَعَطَاء غَفلَة مِنْهُمَا، إِذْ غير جَائِز أَن يتراجعا بِالسَّوِيَّةِ وَالْمَال بَينهمَا لَا يعرف أحد مَاله من مَال صَاحبه. قَوْله: (إِذا علم الخليطان) يَعْنِي: لَا يكون المَال بَينهمَا مشَاعا، وَهَذَا يُسمى بخلطة الْجوَار، فمذهب طَاوُوس وَعَطَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، هُوَ خلْطَة الشُّيُوع.
وقالَ سُفْيَانُ لَا تَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهاذا أرْبَعُونَ شَاة وَلِهاذا أرْبَعُونَ شَاة
أَي: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ، رَحمَه الله تَعَالَى: لَا تجب الزَّكَاة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَي لَا تثبت الْخلطَة، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَنهُ، وَقَالَ التَّيْمِيّ: كَانَ سُفْيَان لَا يرى للخلطة تَأْثِيرا كَمَا لَا يرَاهُ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول مَالك كَقَوْل عَطاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
١٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثني ثمامَةُ أنَّ أنَسا حدَّثَهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَترَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ..
حَدِيث أنس هَذَا قطعه البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَذكره فِي سِتَّة مَوَاضِع هَهُنَا بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. الأول: فِي: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة. وَالثَّانِي: فِي: بَاب لَا يجمع بَين متفرق. وَالثَّالِث: فِي هَذَا الْبَاب. وَالرَّابِع: فِي: بَاب من بلغت عِنْده. وَالْخَامِس: فِي بَاب زَكَاة الْغنم. وَالسَّادِس: فِي: بَاب لَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة هرمة، وَقد ذكرنَا فِي: بَاب الْعرض فِي الزَّكَاة أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي عشرَة مَوَاضِع بِإِسْنَاد وَاحِد مقطعا، وَذكره فِي كتاب الزَّكَاة فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَالْأَرْبَعَة فِي الْخمس وَالشَّرِكَة واللباس، وَفِي ترك الْحِيَل، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي مَوضِع وَاحِد بِتَمَامِهِ، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا حَمَّاد قَالَ: أخذت من ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس كتابا زعم أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتبه لأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَعَلِيهِ خَاتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين بَعثه مُصدقا وَكتبه لَهُ، فَإِذا فِيهِ: هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة الَّتِي فَرضهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمُسلمين الَّتِي أَمر الله بهَا نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَمن سئلها من الْمُسلمين على وَجههَا فليعطها، وَمن سُئِلَ فَوْقهَا فَلَا يُعْطه فِيمَا دون خمس وَعشْرين من الْإِبِل وَالْغنم، فِي كل خمس ذود شَاة فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين فَفِيهَا بنت مَخَاض إِلَى أَن تبلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ، فَإِن لم يكن فِيهَا بنت مَخَاض فَابْن لبون ذكر، فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت لبون إِلَى خمس وَأَرْبَعين، فَإِذا بلغت سِتا وَأَرْبَعين فَفِيهَا حقة طروقة الْفَحْل إِلَى سِتِّينَ، فَإِذا بلغت إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَة إِلَى خمس وَسبعين، فَإِذا بلغت
سِتا وَسبعين فَفِيهَا ابنتا لبون إِلَى تسعين، فَإِذا بلغت إِحْدَى وَتِسْعين فَفِيهَا حقتان طروقتا الْفَحْل إِلَى عشْرين وَمِائَة، فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة فَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَفِي كل خمسين حقة، فَإِذا تبَاين أَسْنَان الْإِبِل فِي فَرَائض الصَّدقَات فَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الجزعة وَلَيْسَت عِنْده جزعة وَعِنْده حقة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ، وَأَن يَجْعَل مَعهَا شَاتين إِن استيسرتا لَهُ، أَو عشْرين درهما، وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الحقة وَلَيْسَت عِنْده حقة وَعِنْده جَذَعَة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما، أَو شَاتين، وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الحقة وَلَيْسَ عِنْده حقة وَعِنْده بنت لبون وَلَيْسَت عِنْد اللاحقة فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ إِلَى هَهُنَا ثمَّ أيقنت وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما أَو شَاتين وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة بنت لبون فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَمن هَهُنَا لم أضبط عَن مُوسَى كَمَا أحب، وَيجْعَل مَعهَا شَاتين إِن استيسرتا لَهُ أَو عشْرين درهما، وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة بنت لبون وَلَيْسَ عِنْده إلَاّ بنت مَخَاض فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ وشاتين أَو عشْرين درهما، وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة بنت مَخَاض وَلَيْسَ عِنْده إلَاّ ابْن لبون ذكر فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَه شَيْء، وَمن لم يكن عِنْده إِلَّا أَربع فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إلَاّ أَن يَشَاء رَبهَا، وَفِي سَائِمَة الْغنم إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاة إِلَى عشْرين وَمِائَة، فَإِذا زَادَت على عشريني وَمِائَة فَفِيهَا شاتاة إِلَى أَن تبلغ مِائَتَيْنِ، فَإِذا زَادَت على مِائَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه إِلَى أَن تبلغ ثلثمِائة، فَإِذا زَادَت على ثَلَاثمِائَة فَفِي كل مائَة شَاة شَاة، وَلَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة هرمة وَلَا زَادَت عوار من الْغنم وَلَا تَيْس الْغنم إلَاّ أَن يَشَاء المصدِّق، وَلَا يجمع بَين متفرق وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع خشيَة الصَّدَقَة، وَمَا كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَإِن لم تبلغ سَائِمَة الرجل أَرْبَعِينَ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إلَاّ أَن يَشَاء رَبهَا، وَفِي الرقة ربع الْعشْر، فَإِن لم يكن المَال إلَاّ تسعين وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إلَاّ أَن يَشَاء رَبهَا.
٦٣ - (بابُ زَكاةِ الإبِلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان زَكَاة الْإِبِل وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْكشميهني والحموي لفظ: بَاب الْإِبِل، بِكَسْر الْبَاء، وَقد تسكن وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا.
ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ وَأبُو ذَرٍّ وَأبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهمْ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: ذكر حكم زَكَاة الْإِبِل أَبُو بكر الصّديق وَأَبُو ذَر جُنْدُب بن جُنَادَة وَأَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، أما حَدِيث أبي بكر فقد ذكره مطولا كَمَا يَأْتِي بعد بَاب من رِوَايَة أنس عَنهُ، وَلأبي بكر حَدِيث آخر مضى فِي: بَاب مَا يتَعَلَّق بِقِتَال مانعي الزَّكَاة. وَأما حَدِيث أبي ذَر فَسَيَأْتِي بعد ذكر سِتَّة أَبْوَاب من رِوَايَة الْمَعْرُور بن سُوَيْد عَنهُ، فِي وَعِيد من لَا يُؤَدِّي زَكَاة إبِله وَغَيرهَا، وَيَأْتِي مَعَه حَدِيث أبي هُرَيْرَة.
قلت: وَفِي الْبَاب عَن ابْن عمر وبهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعَمْرو بن حزم وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع ورقاد بن ربيعَة. وَأما حَدِيث ابْن عمر فَذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا فِي أول: بَاب لَا يجمع بَين متفرق، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ مَوْصُولا وَقد ذَكرْنَاهُ هُنَاكَ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا مَوْصُولا مطولا. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا. وَأما حَدِيث بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى بهز، وَلَفظه: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: فِي كل سَائِمَة إبل: فِي أَرْبَعِينَ بنت لبون لَا يفرق إبل عَن حِسَابهَا من أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بهَا فَلهُ أجرهَا وَمن منعهَا فَإنَّا آخِذُوهَا وَشطر مَاله عَزمَة من عَزمَات رَبنَا، عز وَجل، لَيْسَ لآل مُحَمَّد مِنْهَا شَيْء. وَأما حَدِيث أبي سعيد فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: (قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَيْسَ فِيمَا دون خمس من الْإِبِل صَدَقَة، وَلَيْسَ فِي أَربع شَيْء، فَإِذا بلغت خمْسا فَفِيهَا شَاة إِلَى أَن تبلغ تسعا. .) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَأما حَدِيث عَمْرو بن حزم فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب إِلَى أهل الْيمن بِكِتَاب فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن والديات، وَفِي الْكتاب: فِي كل خمس من الْإِبِل سَائِمَة شَاة) الحَدِيث بِطُولِهِ. وَأما حَدِيث سَلمَة ابْن الْأَكْوَع فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن معَاذ بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ أَن عَمْرو بن يحيى عَن سعيد بن زُرَارَة أخبرهُ
عَن ابْن سَلمَة بن الْأَكْوَع عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: نعم الْإِبِل الثَّلَاثُونَ يخرج فِي زَكَاتهَا وَاحِدَة وترحل مِنْهَا فِي سَبِيل الله وَاحِدَة وتمنح مِنْهَا وَاحِدَة هِيَ خير من الْأَرْبَعين وَالْخمسين وَالسِّتِّينَ وَالسبْعين والثمانين وَالتسْعين وَالْمِائَة، وويل لصَاحب الْمِائَة من الْمِائَة. وَأما حَدِيث رقاد بن ربيعَة فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ حَدثنَا أَحْمد بن كثير البَجلِيّ حَدثنَا يعلى بن الإشدق، وَقَالَ: أدْركْت عدَّة من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِنْهُم رقاد بن ربيعَة قَالَ: أَخذ منا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْغنم من الْمِائَة شَاة فَإِذا زَادَت فشاتان، ويعلى بن الْأَشْدَق ضَعِيف جدا مُتَّهم بِالْكَذِبِ، وَأحمد بن كثير البَجلِيّ لَا أَدْرِي من هُوَ.
٥٥ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم قَالَ حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ قَالَ حَدثنِي ابْن شهَاب عَن عَطاء بن يزِيد عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ أَن أَعْرَابِيًا سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن الْهِجْرَة فَقَالَ وَيحك إِن شَأْنهَا شَدِيد فَهَل لَك من إبل تُؤدِّي صدقتها قَالَ نعم قَالَ فاعمل من وَرَاء الْبحار فَإِن الله لن يتْرك من عَمَلك شَيْئا) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " فَهَل لَك من إبل تُؤدِّي صدقتها قَالَ نعم ". (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي الْوَلِيد بن مُسلم على لفظ الْفَاعِل من الْإِسْلَام الْقرشِي. الثَّالِث عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ. الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس عَطاء بن يزِيد مَعَ الزِّيَادَة أَبُو زيد اللَّيْثِيّ. السَّادِس أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَفِيه أَن الْوَلِيد وَالْأَوْزَاعِيّ شاميان وَأَن ابْن شهَاب وَعَطَاء مدنيان (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن خَلاد عَن الْوَلِيد بِهِ وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن مُؤَمل بن الْفضل وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة وَفِي السّير عَن الْحُسَيْن بن حُرَيْث كِلَاهُمَا عَن الْوَلِيد بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَن أَعْرَابِيًا " الْأَعرَابِي البدوي وكل بدوي أَعْرَابِي وَإِن لم يكن من الْعَرَب وَإِن كَانَ يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ وَهُوَ من الْعَجم (قلت) فِيهِ عرباني قَالَه ابْن قرقول وَقَالَ غَيره الْأَعرَابِي نِسْبَة إِلَى الْأَعْرَاب والأعراب ساكنو الْبَادِيَة من الْعَرَب الَّذين لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَار وَلَا يدْخلُونَهَا إِلَّا لحَاجَة والعربي نِسْبَة إِلَى الْعَرَب وهم الجيل الْمَعْرُوف من النَّاس وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَسَوَاء أَقَامَ بالبادية والمدن قَوْله " فَقَالَ وَيحك " قَالَ الدَّاودِيّ وَيْح كلمة تقال عِنْد الزّجر وَالْمَوْعِظَة وَالْكَرَاهَة لفعل الْمَقُول لَهُ أَو قَوْله وَيدل عَلَيْهِ أَنه إِنَّمَا سَأَلَهُ أَن يبايعه على ذَلِك على أَن يُقيم بِالْمَدِينَةِ وَلم يكن من أهل مَكَّة الَّذين وَجَبت عَلَيْهِم الْهِجْرَة قبل الْفَتْح وَفرض عَلَيْهِم إتْيَان الْمَدِينَة وَالْمقَام بهَا إِلَى مَوته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَنه ألح فِي ذَلِك قلت الَّذِي ذكره أهل اللُّغَة فِي وَيْح أَنَّهَا كلمة رَحْمَة أَو توجع إِن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا قَوْله " أَن شَأْنهَا شَدِيد " أَي أَن شَأْن الْهِجْرَة وَذَلِكَ لَا يسْأَله أَن يبايعه على ذَلِك على أَن يُقيم بِالْمَدِينَةِ وَلما علم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه لَا يُهَاجر قَالَ لَهُ ذَلِك وَكَانَ ذَلِك قبل الْفَتْح قبل انْقِضَاء الْهِجْرَة قَوْله " فَهَل لَك من إبل تُؤدِّي صدقتها " أَي زَكَاتهَا وَإِنَّمَا خص بِصَدقَة الْإِبِل مَعَ أَن أَدَاء جَمِيع الْوَاجِبَات وَاجِب لِأَنَّهُ كَانَ من أهل الْإِبِل وَالْبَاقِي منقاس عَلَيْهِ قَوْله " فاعمل من وَرَاء الْبحار " مَعْنَاهُ إِذا كنت تُؤدِّي فرض الله عَلَيْك فِي نَفسك وَمَالك فَلَا تبال أَن تقيم فِي بَيْتك وَإِن كَانَت دَارك من وَرَاء الْبحار وَلَا تهَاجر فَإِن الْهِجْرَة من جَزِيرَة الْعَرَب وَمن كَانَت دَاره من وَرَاء الْبحار لن يصل إِلَيْهَا وَقيل المُرَاد من الْبحار الْبِلَاد قيل فِي قَوْله تَعَالَى {ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر} أَنه الْقرى والأمصار وَمِنْه اصْطلحَ أهل الْبحيرَة يَعْنِي فِي ابْن أبي أَن يعصبوه يَعْنِي أهل الْمَدِينَة وَفِي