الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٤
الحديث رقم ١٥٤ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ
١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اسْتَلْزَمَ مَسَّ ذَكَرِهِ بِيَمِينِهِ، وَمَتَى أَمْسَكَهُ بِيَسَارِهِ اسْتَلْزَمَ اسْتِجْمَارَهُ بِيَمِينِهِ وَكِلَاهُمَا قَدْ شَمِلَهُ النَّهْيُ، وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْأَشْيَاءَ الضَّخْمَةَ الَّتِي لَا تَزُولُ بِالْحَرَكَةِ كَالْجِدَارِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْبَارِزَةِ فَيَسْتَجْمِرُ بِهَا بِيَسَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُلْصِقْ مَقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ وَيُمْسِكْ مَا يَسْتَجْمِرُ بِهِ بَيْنَ عَقِبَيْهِ أَوْ إِبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ وَيَسْتَجْمِرْ بِيَسَارِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَصَرِّفًا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، انْتَهَى. وَهَذِهِ هَيْئَةٌ مُنْكَرَةٌ بَلْ يَتَعَذَّرُ فِعْلُهَا فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْيَمِينِ مُخْتَصٌّ بِالدُّبُرِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمَسِّ مُخْتَصٌّ بِالذَّكَرِ فَبَطَلَ الْإِيرَادُ مِنْ أَصْلِهِ، كَذَا قَالَ. وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ تَخْصِيصِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالدُّبُرِ مَرْدُودٌ، وَالْمَسُّ وَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالذَّكَرِ لَكِنْ يُلْحَقُ بِهِ الدُّبُرُ قِيَاسًا، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الذَّكَرِ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ فَرْجُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا خُصَّ الذَّكَرُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِ الرِّجَالِ فِي الْغَالِبِ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ وَالنِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا مَا خُصَّ.
وَالصَّوَابُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْخَطَّابِيُّ مَا قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ بَعْدَهُ - كَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَالْبَغَوِيِّ فِي التَّهْذِيبِ - أَنَّهُ يُمِرُّ الْعُضْوَ بِيَسَارِهِ عَلَى شَيْءٍ يُمْسِكُهُ بِيَمِينِهِ، وَهِيَ قَارَّةٌ غَيْرُ مُتَحَرِّكَةٍ فَلَا يُعَدُّ مُسْتَجْمِرًا بِالْيَمِينِ وَلَا مَاسًّا بِهَا، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ مُسْتَجْمِرًا بِيَمِينِهِ فَقَطْ غَلِطَ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَنْ صَبَّ بِيَمِينِهِ الْمَاءِ عَلَى يَسَارِهِ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ.
١٩ - باب لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ
١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ. وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِحَالَةِ الْبَوْلِ فَيَكُونُ مَا عَدَاهُ مُبَاحًا. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَكُونُ مَمْنُوعًا أَيْضًا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ بِأَنَّ مَظِنَّةَ الْحَاجَةِ لَا تَخْتَصُّ بِحَالَةِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَإِنَّمَا خُصَّ النَّهْيُ بِحَالَةِ الْبَوْلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُجَاوِرَ الشَّيْءِ يُعْطَى حُكْمُهُ، فَلَمَّا مُنِعَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ مُنِعَ مَسُّ آلَتِهِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ.
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ لِطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ مَسِّ ذَكَرِهِ: إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ فِي كُلِّ حَالٍ، فَخَرَجَتْ حَالَةُ الْبَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ، انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ، وَقَدْ يُقَالُ: حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ قَالَ بِهِ يَشْتَرِطُ فِيهِ شُرُوطًا، لَكِنْ نَبَّهَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الِاخْتِلَافِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ تَتَغَايَرُ مَخَارِجُ الْحَدِيثِ بِحَيْثُ يُعَدُّ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَأَمَّا إِذَا اتَّحَدَ الْمَخْرَجُ وَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَيَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ التَّقْيِيدَ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةً مِنْ عَدْلٍ فَتُقْبَلُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَتِهِ بِسَمَاعِ يَحْيَى لَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَوْسَطِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَحَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ مَحْذُورِ التَّدْلِيسِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَأْخُذُونَّ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِنُونِ التَّأْكِيدِ وَلِغَيْرِهِ بِدُونِهَا، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ لَا يُمْسِكُ وَكَذَا فِي مُسْلِمٍ التَّعْبِيرُ بِالْمَسْكِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (١) (لَا يُمْسِكُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة» على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي غيرها (٢) بالجزم، وفي نسخةٍ بالفرع كأصله: «لا يمسُّ» (ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ) فإن قلت: حكم هذه التَّرجمة قد مرَّ في الحديث السَّابق، فما فائدة هذه التَّرجمة؟ فالجواب: أنَّ فائدتها: اختلاف الإسناد مع ما وقع في لفظ المتن من الخلاف الآتي في (٣) بيانه، وتحرِّيه على عادته في تعدُّد التَّراجم بتعدُّد الأحكام المجموعة في الحديث الواحد، كما في هذا.
١٥٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، إمام أهل الشَّام (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ) أبي (٤) قتادة، وقد صرَّح ابن خزيمةَ في روايته بسماع يحيى له من عبد الله بن أبي قتادة، فحصل الأمن من التَّدليس (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ) بنون التَّوكيد، ولغير أبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «فلا يأخذ» بإسقاطها، وفي الرِّواية السَّابقة: «إذا أتى الخلاء فلا يمسَّ ذَكَرَهُ بيمينه» [خ¦١٥٣] (وَلَا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ) مجزومٌ بحذف حرف العلَّة بعد الجيم على النَّهي، وفي رواية الأربعة (٥): «ولا يستنجي» بإثباتها على النَّفي، وهو مفسِّرٌ لقوله في الرِّواية السَّابقة: «ولا يتمسَّح بيمينه»، ولفظ: «لا يستنجي» أعمُّ من أن يكون بالقُبل أو بالدُّبر، وهو يردُّ على الطِّيبيِّ حيث قال في الرِّواية السَّابقة: «ولا يتمسَّح بيمينه»: مُختَصٌّ بالدُّبر (وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ) جملةٌ استئنافيَّةٌ على أنَّ «لا»: نافيةٌ، أو معطوفةٌ على
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمَفْعُول ينبىء عَن الْعُمُوم قَوْله فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ النَّهْي فِيهِ تَنْزِيه لَهَا عَن مبشارة الْعُضْو الَّذِي يكون فِيهِ الْأَذَى وَالْحَدَث وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَجْعَل يمناه لطعامه وَشَرَابه ولباسه مصونة عَن مُبَاشرَة الثفل ومماسة الْأَعْضَاء الَّتِي هِيَ مجاري الأثفال والنجاسات ويسراه لخدمة أسافل بدنه وإماطة مَا هُنَاكَ من القاذورات وتنظيف مَا يحدث فِيهَا من الأدناس فَإِن قلت الحَدِيث يَقْتَضِي النَّهْي عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ حَالَة الْبَوْل وَكَيف الحكم فِي غير هَذِه الْحَالة قلت روى أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت كَانَت يَد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْيُمْنَى لطهوره وَطَعَامه وَكَانَت يَده الْيُسْرَى لخلائه وَمَا كَانَ من أَذَى وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة أَيْضا وروى أَيْضا من حَدِيث حَفْصَة زوج النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَت كَانَ يَجْعَل يَمِينه لطعامه وَشَرَابه ولباسه وَيجْعَل شِمَاله لما سوى ذَلِك وَظَاهر هَذَا يدل على عُمُوم الحكم على أَنه قد رُوِيَ النَّهْي عَن مَسّه بِالْيَمِينِ مُطلقًا غير مُقَيّد بِحَالَة الْبَوْل فَمن النَّاس من أَخذ بِهَذَا الْمُطلق وَمِنْهُم من حمله على الْخَاص بعد أَن ينظر فِي الرِّوَايَتَيْنِ هَل هما حديثان أَو حَدِيث وَاحِد فَإِن كَانَا حَدِيثا وَاحِدًا مخرجه وَاحِد وَاخْتلفت فِيهِ الروَاة فَيَنْبَغِي حمل الْمُطلق على الْمُقَيد لِأَنَّهَا تكون زِيَادَة من عدل فِي حَدِيث وَاحِد فَتقبل وَإِن كَانَا حديثين فَالْأَمْر فِي حكم الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد على مَا ذكر فَإِن قلت النَّهْي فِيهِ تَنْزِيه أَو تَحْرِيم قلت للتنزيه عِنْد الْجُمْهُور لِأَن النَّهْي فِيهِ لمعنيين أَحدهمَا لرفع قدر الْيَمين وَالْآخر أَنه لَو بَاشر النَّجَاسَة بهَا يتَذَكَّر عِنْد تنَاوله الطَّعَام مَا باشرت يَمِينه من النَّجَاسَة فينفر طبعه من ذَلِك وَحمله أهل الظَّاهِر على التَّحْرِيم حَتَّى قَالَ الْحُسَيْن بن عبد الله الناصري فِي كِتَابه الْبُرْهَان على مَذْهَب أهل الظَّاهِر وَلَو استنجى بِيَمِينِهِ لَا يجْزِيه وَهُوَ وَجه عِنْد الْحَنَابِلَة وَطَائِفَة من الشَّافِعِيَّة قَوْله وَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ النَّهْي فِيهِ للتنزيه عِنْد الْجُمْهُور خلافًا للظاهرية كَمَا ذكرنَا وَقد أورد الْخطابِيّ هَهُنَا إشْكَالًا وَهُوَ أَنه مَتى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بِيَمِينِهِ وَمَتى مَسّه بيساره استلزم استجماره بِيَمِينِهِ وَكِلَاهُمَا قد شَمله النَّهْي ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بقوله أَنه يقْصد الْأَشْيَاء الضخمة الَّتِي لَا تَزُول بالحركة كالجدار وَنَحْوه من الْأَشْيَاء البارزة فيستجمر بهَا بيساره فَإِن لم يجد فليلصق مقعدته بِالْأَرْضِ ويمسك مَا يستجمر بِهِ بَين عَقِبَيْهِ أَو إبهامي رجلَيْهِ ويستجمر بيساره فَلَا يكون متصرفا فِي شَيْء من ذَلِك بِيَمِينِهِ وَقَالَ الطَّيِّبِيّ النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ مُخْتَصّ بالدبر وَالنَّهْي عَن الْمس مُخْتَصّ بِالذكر فَلَا إِشْكَال فِيهِ قلت قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الحَدِيث الْآتِي وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ يرد عَلَيْهِ فِي دَعْوَاهُ الِاخْتِصَاص على مَا لَا يخفى وَقَالَ بَعضهم الَّذِي ذكره الْخطابِيّ هَيْئَة مُنكرَة بل قد يتَعَذَّر فعلهَا فِي غَالب الْأَوْقَات وَالصَّوَاب مَا قَالَه إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمن بعده كالغزالي فِي الْوَسِيط وَالْبَغوِيّ فِي التَّهْذِيب أَنه يمر الْعُضْو بيساره على شَيْء يمسِكهُ بِيَمِينِهِ وَهِي قارة غير متحركة فَلَا يعد مستجمرا بِالْيَمِينِ وَلَا ماسا بهَا فَهُوَ كمن صب المَاء بِيَمِينِهِ على يسَاره حَالَة الِاسْتِنْجَاء قلت دَعْوَاهُ بِأَن هَذِه هَيْئَة مُنكرَة فَاسِدَة لِأَن الِاسْتِجْمَار بالجدار وَنَحْوه غير بشيع وَهَذَا ظَاهر وتصويبه مَا قَالَه هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يمشي فِي استجمار الذّكر وَأما فِي الدبر فَلَا على مَا لَا يخفى (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول كَرَاهَة التنفس فِي الْإِنَاء وَقد ذَكرْنَاهُ مفصلا. الثَّانِي فِيهِ جَوَاز الشّرْب من نفس وَاحِد لِأَنَّهُ إِنَّمَا نهى عَن التنفس فِي الْإِنَاء وَالَّذِي شرب فِي نفس وَاحِد لم يتنفس فِيهِ فَلَا يكون مُخَالفا للنَّهْي وَكَرِهَهُ جمَاعَة وَقَالُوا هُوَ شرب الشَّيْطَان وَفِي التِّرْمِذِيّ محسنا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا لَا تشْربُوا وَاحِدًا كشرب الْبَعِير وَلَكِن اشربوا مثنى وَثَلَاث وَسموا إِذا أَنْتُم شربتم واحمدوا إِذا أَنْتُم رفعتم الثَّالِث فِيهِ النَّهْي عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ الرَّابِع فِيهِ النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ الْخَامِس فِيهِ فضل الميامن وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
(بَاب لَا يمسك ذكره بِيَمِينِهِ إِذا بَال)
أَي هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان حكم مس الذّكر بِالْيَمِينِ وَقت الْبَوْل وَبَاب منون غير مُضَاف وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر وَقَالَ بَعضهم أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن النَّهْي الْمُطلق عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله مَحْمُول على الْمُقَيد بِحَالَة الْبَوْل فَيكون مَا عداهُ مُبَاحا قلت هَذَا كَلَام فِيهِ خباط لِأَن الْحَاصِل من معنى الْحَدِيثين وَاحِد وَكِلَاهُمَا مُقَيّد أما الأول فَلِأَن إتْيَان الْخَلَاء فِي قَوْله إِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ كِنَايَة عَن التبول وَالْمعْنَى إِذا بَال أحدكُم فَلَا يمس
ذكره بِيَمِينِهِ وَالْجَزَاء قيد الشَّرْط وَأما الثَّانِي فَهُوَ صَرِيح بالقيد وَكِلَاهُمَا وَاحِد فِي الْحَقِيقَة فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل أَن ذَلِك الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد وَالْمَفْهُوم مِنْهُمَا جَمِيعًا النَّهْي عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ عِنْد الْبَوْل فَلَا يدل على مَنعه عِنْد غير الْبَوْل وَلَا سِيمَا جَاءَ فِي الحَدِيث مَا يدل على الْإِبَاحَة وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لطلق بن عَليّ حِين سَأَلَهُ عَن مس الذّكر إِنَّمَا هُوَ بضعَة مِنْك فَهَذَا يدل على الْجَوَاز فِي كل حَال وَلَكِن خرجت حَالَة الْبَوْل بِهَذَا الحَدِيث الصَّحِيح وَمَا عدا ذَلِك فقد بَقِي على الْإِبَاحَة فَافْهَم فَإِن قلت فَمَا فَائِدَة تَخْصِيص النَّهْي بِحَالَة الْبَوْل قلت مَا قرب من الشَّيْء يَأْخُذ حكمه وَلما منع الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ منع مس آلَته حسما للمادة فَإِن قلت إِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرت من الرَّد على الْقَائِل الْمَذْكُور فَمَا فَائِدَة تَرْجَمَة البُخَارِيّ بِالْحَدِيثِ فِي بَابَيْنِ وَلم يكتف بِبَاب وَاحِد قلت فَائِدَته من وُجُوه. الأول التَّنْبِيه على اخْتِلَاف الْإِسْنَاد. الثَّانِي التَّنْبِيه على الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي لفظ الْمَتْن فَإِن فِي السَّنَد الأول إِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ وَفِي الْإِسْنَاد الثَّانِي إِذا بَال أحدكُم فَلَا يَأْخُذن ذكره بِيَمِينِهِ وَلَا يخفى التَّفَاوُت الَّذِي بَين إِذا أَتَى الْخَلَاء وَبَين إِذا بَال وَبَين فَلَا يمس ذكره وفلا يَأْخُذن ذكره أَيْضا فَفِي الحَدِيث الأول وَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ وَفِي هَذَا الحَدِيث وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ وَهَذَا يُفَسر ذَاك فَافْهَم. الثَّالِث أَنه عقد الْبَاب الأول على الحكم الثَّالِث من الحَدِيث وَهُوَ كَرَاهَة الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ وَعقد هَذَا الْبَاب على الحكم الأول وَهُوَ كَرَاهَة مس الذّكر عِنْد الْبَوْل وَمن أبين الدَّلَائِل على هَذَا الْوَجْه أَنه عقد بَابا آخر فِي الْأَشْرِبَة على الحكم الأول وَهُوَ كَرَاهَة التنفس فِي الْإِنَاء
٢٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله ابْن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِذا بَال أحدكُم فَلَا يَأْخُذن ذكره بِيَمِينِهِ وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ وَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله إِذا بَال أحدكُم فَلَا يَأْخُذن ذكره بِيَمِينِهِ فَإِن قلت كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال بَاب لَا يَأْخُذ ذكره بِيَمِينِهِ إِذا بَال للتطابق قلت أَشَارَ البُخَارِيّ بذلك إِلَى دقيقة تخفى على كثير من النَّاس وَهِي أَن فِي رِوَايَة همام عَن يحيى بن كثير عَن عبد الله فَلَا يمسكن ذكره بِيَمِينِهِ وَكَذَا أخرجه مُسلم من هَذِه الرِّوَايَة بِهَذَا اللَّفْظ وَالْبُخَارِيّ أخرجه هَهُنَا من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور فَذكر فِي التَّرْجَمَة اللَّفْظ الَّذِي أخرجه مُسلم من رِوَايَة همام وَفِي الحَدِيث اللَّفْظ الَّذِي رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى وَقَالَ بَعضهم وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لَا يمس فَاعْترضَ على تَرْجَمَة البُخَارِيّ بِأَن الْمس أَعم من الْمسك يَعْنِي فَكيف يسْتَدلّ بالأعم على الْأَخَص قلت لَيْت شعري مَا وَجه هَذَا الِاعْتِرَاض وَهَذَا كَلَام واه وَلَو أَعم إِذْ لَيْسَ فِي حَدِيث البُخَارِيّ لفظ الْمس فَكيف يعْتَرض عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ترْجم بالمسك والمس أَعم من الْمسك وَهَذَا كَلَام فِيهِ خباط. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكرُوا كلهم وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو إِمَام أهل الشَّام. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين شَامي وبصري ومدني. وَمِنْهَا أَنهم أَئِمَّة أجلاء. (ذكر بَقِيَّة الْكَلَام) قَوْله فَلَا يَأْخُذن جَوَاب الشَّرْط وَهُوَ بنُون التَّأْكِيد فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره بِدُونِ النُّون قَوْله وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ أَعم من أَن يكون بالقبل أَو بالدبر وَبِه يرد على من يَقُول فِي الحَدِيث السَّابِق لفظ لَا يتمسح بِيَمِينِهِ مُخْتَصّ بالدبر قَوْله وَلَا يتنفس يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن تكون لَا فِيهِ نَافِيَة فَحِينَئِذٍ تضم السِّين وَالْآخر أَن تكون ناهية فَحِينَئِذٍ تجزم السِّين فَإِن قلت هَذِه الْجُمْلَة عطف على مَاذَا قلت عطف على الْجُمْلَة المركبة من الشَّرْط وَالْجَزَاء مجموعا وَلِهَذَا غير الأسلوب حَيْثُ لم يذكر بالنُّون وَلَا يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على الْجَزَاء لِأَنَّهُ مُقَيّد بِالشّرطِ فَيكون الْمَعْنى إِذا بَال أحدكُم فَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن النَّهْي مُطلق وَذهب السكاكي إِلَى أَن الْجُمْلَة الجزائية جملَة خبرية مُقَيّدَة بِالشّرطِ فَيحْتَمل على مذْهبه أَن تكون عطفا على الجزائية وَلَا يلْزم من كَون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مُقَيّدا بِقَيْد أَن يكون الْمَعْطُوف مُقَيّدا بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ أَكثر النُّحَاة
(بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ وَنبهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة على الرَّد على من زعم اخْتِصَاص الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي قبله ظَاهر
٢١ - (حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو الْمَكِّيّ عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ اتبعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخرج لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يلْتَفت فدنوت مِنْهُ فَقَالَ أبغني أحجارا أستنفض بهَا أَو نَحوه وَلَا تأتني بِعظم وَلَا رَوْث فَأَتَيْته بأحجار بِطرف ثِيَابِي فَوَضَعتهَا إِلَى جنبه وأعرضت عَنهُ فَلَمَّا قضى أتبعه بِهن) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أبغني أحجارا أستنفض بهَا لِأَن مَعْنَاهُ أستنجي بهَا كَمَا سَيَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول أَحْمد بن مُحَمَّد بن عون بالنُّون أَبُو الْوَلِيد الغساني الْأَزْرَقِيّ الْمَكِّيّ جد أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن عبد الله صَاحب تَارِيخ مَكَّة وَفِي طبقته أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ أَيْضا لَكِن كنيته أَبُو مُحَمَّد وجده عون يعرف بالقواس وَقد وهم من زعم أَن البُخَارِيّ روى عَن أبي مُحَمَّد الَّذِي فِي طبقته وَإِنَّمَا روى عَن أبي الْوَلِيد وهم أَيْضا من جَعلهمَا وَاحِدًا روى أَبُو الْوَلِيد الْمَذْكُور عَن مَالك وَغَيره وروى عَنهُ البُخَارِيّ وحفيده مؤرخ مَكَّة مُحَمَّد بن عبد الله وَأَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ وَآخَرُونَ مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي أَبُو أُميَّة القريشي الْمَكِّيّ الْأمَوِي وَعَمْرو بن سعيد هُوَ الْمَعْرُوف بالأشدق الَّذِي ولي إمرة الْمَدِينَة وَكَانَ يُجهز الْبعُوث إِلَى مَكَّة وَكَانَ عَمْرو هَذَا قد تغلب على دمشق فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان فَقتله عبد الْملك وسير أَوْلَاده إِلَى الْمَدِينَة وَسكن وَلَده مَكَّة لما ظَهرت دولة بني الْعَبَّاس فاستمروا بهَا وَعَمْرو بن يحيى روى عَن أَبِيه وجده وَعنهُ سُوَيْد وَغَيره روى لَهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه الثَّالِث جده سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي بن أبي أحيحة التَّابِعِيّ الثِّقَة روى عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره وَعنهُ ابناه إِسْحَق وخَالِد وحفيده عَمْرو بن يحيى روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى التِّرْمِذِيّ. الرَّابِع أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ مكيين ومدنيين. وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْجد. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مطولا فِي ذكر الْجِنّ عَن مُوسَى بن إِسْمَعِيل عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد عَن جده بِهِ وَلم يُخرجهُ مُسلم وَلَا الْأَرْبَعَة وَأخرجه رزين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبغني أحجارا أستنفض بهَا وَلَا تأتني بِعظم وَلَا بروثة قلت مَا بَال الْعظم والروثة قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ وَأَنه أَتَانِي وَفد جن نَصِيبين وَنعم الْجِنّ فسألوني عَن الزَّاد فدعوت الله تَعَالَى لَهُم أَن لَا يمروا بِعظم وَلَا بروث إِلَّا وجدوا عَلَيْهِمَا طَعَاما (بَيَان اللُّغَات) قَوْله اتبعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي سرت وَرَاءه وَقد أشبعنا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب من حمل المَاء لطهوره عَن قريب قَوْله أبغني يجوز فِي همزته الْوَصْل إِذا كَانَ من الثلاثي مَعْنَاهُ اطلب لي يُقَال بغيتك الشَّيْء أَي طلبته لَك وَالْقطع إِذا كَانَ من الْمَزِيد مَعْنَاهُ أَعنِي على الطّلب يُقَال أبغيتك الشَّيْء إِذا أعنتك على طلبه وَكِلَاهُمَا رِوَايَتَانِ وَقَالَ الْجَوْهَرِي بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيته الشَّيْء أعنته على طلبه وَقَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بالوصل قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ اطلب لي من بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيتك الشَّيْء جعلتك طَالبا لَهُ قَالَ تَعَالَى {يبغونكم الْفِتْنَة} أَي يَبْغُونَهَا لكم وَقَالَ أَبُو عَليّ الهجري فِي أَمَالِيهِ بغيت الْخَيْر بغاء قلت بِكَسْر الْبَاء وَقَالَ أَبُو الْحسن اللحياني فِي نوادره يُقَال بغى الرجل الْحَاجة وَالْعلم وَالْخَيْر وكل شَيْء يطْلب يَبْغِي بغاء قلت بِضَم الْبَاء وبغية بِكَسْر الْبَاء وبغى كَذَلِك وبغية بِالضَّمِّ وبغى كَذَلِك واستبغى الْقَوْم فبغوه وبغوا لَهُ أَي طلبُوا لَهُ وَفِي الْمُحكم الْمَعْرُوف بغاء قلت بِالضَّمِّ وَالِاسْم البغية والبغية وَقَالَ ثَعْلَب بغى الْخَيْر بغية وبغية فجعلهما مصدرين والبغية والبغبة والبغية مَا ابْتغى وأبغاه الشَّيْء طلبه لَهُ أَو أَعَانَهُ على طلبه وَالْجمع بغاة وبغيان
وأبتغى الشَّيْء تيَسّر وتسهل وبغى الشَّيْء بغوا نظر إِلَيْهِ كَيفَ هُوَ وَفِي الْجَامِع للقزاز أبغني كَذَا أَي أَعنِي عَلَيْهِ واطلبه معي وَفِي الواعي لعبد الْحق الإشبيلي الْبغاء الطّلب قلت بِالضَّمِّ وَفِي الصِّحَاح كل طلبة بغاء بِالضَّمِّ وبالمد وبغاية أَيْضا وابتغيت الشَّيْء وتبغيته إِذا طلبته قَالَ سَاعِدَة بن جوية الْهُذلِيّ
(سِبَاع تبغى النَّاس مثنى وموحد ... )
قَوْله أستنفض على وزن أستفعل من النفض بالنُّون وَالْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يهز الشَّيْء ليطير غباره أَو يَزُول مَا عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ هَهُنَا أستنظف بهَا أَي أنظف بهَا نَفسِي من الْحَدث وَفِي الْمطَالع أبغي أحجارا أستنفض بهَا أَي أستنج بهَا مِمَّا هُنَالك ونفاضة كل شَيْء مَا نفضته فَسقط مِنْهُ وَفِي الواعي أستنفض بهَا أَي أستنجى بهَا وَهُوَ أَن ينفض عَن نَفسه أَذَى الْحَدث فَقَالَ هَذَا مَوضِع مستنفض أَي متبرز وَفِي كتاب ابْن طريف نفضت الأَرْض تتبعت مغانيها ونفضت الشَّيْء نفضا حركته ليسقط عَنهُ مَا علق بِهِ وَقَالَ المطرزي الاستنفاض الاستخراج ويكنى بِهِ عَن الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ وَمن رَوَاهُ بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة فقد صحف قلت قَالَ الصغاني فِي الْعباب استنفاض الذّكر وانتقاصه استبراؤه مِمَّا فِيهِ من بَقِيَّة الْبَوْل قلت الأول بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَالثَّانِي بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْضا وَالثَّالِث بِالْقَافِ والمهملة وَذكر أَيْضا فِي بَاب نقص بِالْقَافِ والمهملة وَقَالَ أَبُو عبيد انتقاص المَاء غسل الذّكر بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ إِذا غسل بِالْمَاءِ ارْتَدَّ الْبَوْل وَلم ينزل وَإِن لم يغسل نزل مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء حَتَّى يستبرىء (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله اتبعت النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام جملَة وَقعت مقول القَوْل قَوْله وَخرج لِحَاجَتِهِ جملَة وَقعت حَالا بِتَقْدِير قد وَالتَّقْدِير وَقد خرج وَقد علم أَن الْفِعْل الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا فَلَا بُد فِيهِ من قد إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة وَيجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ} وَالتَّقْدِير قد حصرت وَقد وَقع بِدُونِ الْوَاو قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت بفاء الْعَطف فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره وَكَانَ بِالْوَاو فَإِن قلت مَا وَجه الْوَاو فِيهِ قلت للْحَال وَقَول بَعضهم وَكَانَ استئنافية غير صَحِيح على مَا لَا يخفى قَوْله فَقَالَ أبغني بوصل الْهمزَة وقطعها كَمَا ذَكرْنَاهُ قَوْله أحجارا نصب على أَنه مفعول ثَان لأبغنى قَوْله أستنفض مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر وَيجوز رَفعه على الِاسْتِئْنَاف قَوْله أَو نَحوه بِالنّصب لِأَنَّهُ مقول القَوْل وَهُوَ فِي الْمَعْنى جملَة وَالتَّقْدِير أَو قَالَ نَحْو قَوْله أستنفض بهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْله أستنجي بهَا وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستنجي بهَا والتردد فِيهِ من بعض الروَاة قَوْله بِطرف ثِيَابِي الْبَاء ظرفية (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت أَي فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا مَشى لَا يلْتَفت وَرَاءه وَكَانَ هَذَا عَادَة مَشْيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله فدنوت مِنْهُ أَي قربت مِنْهُ لأستأنس بِهِ وأقضي حَاجته وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستأنس فَقَالَ من هَذَا قلت أَبُو هُرَيْرَة قَوْله فَقَالَ أبغني أحجارا وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ ائْتِنِي قَوْله وَلَا تأتني بِعظم كَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خشِي أَن يفهم أَبُو هُرَيْرَة من قَوْله أستنفض بهَا أَن كل مَا يزِيل الْأَثر وينقي كَاف وَلَا اخْتِصَاص لذَلِك بالأحجار فنبه باقتصاره فِي النَّهْي على الْعظم والروث على أَن مَا سواهُمَا يجزىء وَلَو كَانَ ذَلِك مُخْتَصًّا بالأحجار كَمَا يَقُول أهل الظَّاهِر وَبَعض الْحَنَابِلَة لم يكن لتخصيص هذَيْن بِالنَّهْي معنى قَالَ الْخطابِيّ وَفِي النَّهْي عَنْهُمَا دَلِيل على أَن أَعْيَان الْحِجَارَة غير مُخْتَصَّة بِهَذَا الْمَعْنى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما أَمر بالأحجار ثمَّ اسْتثْنى هذَيْن وخصهما بِالنَّهْي دلّ على أَن مَا عداهما قد دخل فِي الْإِبَاحَة وَلَو كَانَت الْحِجَارَة مَخْصُوصَة بذلك لم يكن لتخصيصهما بِالذكر معنى وَإِنَّمَا جرى ذكر الْحِجَارَة وسيق اللَّفْظ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَت أَكثر الْأَشْيَاء الَّتِي يستنجى بهَا وجودا وأقربها تناولا وَقَالَ أهل الظَّاهِر الْحجر مُتَعَيّن لَا يجزىء غَيره وَقَالَ أَصْحَابنَا الَّذِي يقوم مقَام الْحجر كل جامد طَاهِر مزيل للعين لَيْسَ لَهُ حُرْمَة وَقَالَ ابْن بطال لما نهى عَنْهُمَا دلّ على أَن مَا عداهما بخلافهما وَإِلَّا لم يكن لتخصيصهما فَائِدَة تدبر. فَإِن قيل إِنَّمَا نَص عَلَيْهِمَا تَنْبِيها على أَن مَا عداهما فِي مَعْنَاهُمَا قُلْنَا هَذَا لَا يجوز لِأَن التَّنْبِيه إِنَّمَا يُفِيد إِذا كَانَ فِي المنبه عَلَيْهِ معنى المنبه لَهُ وَزِيَادَة كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تقل لَهما أُفٍّ} وَلَيْسَ فِي سَائِر الطاهرات مَعْنَاهُمَا فَلم يَقع التَّنْبِيه عَلَيْهِمَا انْتهى قلت التَّعْلِيل فِي الْعظم والروث إِن كَانَ هُوَ كَونهمَا من طَعَام الْجِنّ على مَا سَيَجِيءُ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي المبعث فِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَن فرغ مَا بَال الْعظم والروث قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ فَيلْحق بهما سَائِر المطعومات للآدميين بطرِيق الْقيَاس وَكَذَا المحترمات كأوراق كتب الْعلم وَإِن كَانَ هُوَ النَّجَاسَة فِي الروث
فَيلْحق بِهِ كل نجس وَفِي الْعظم هُوَ كَونه لزجا فَلَا يزِيل إِزَالَة تَامَّة فَيلْحق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كالزجاج الأملس وَقَالَ الْخطابِيّ قيل الْمَعْنى فِي ذَلِك أَن الْعظم لزج لَا يكَاد يتماسك فيقلع النَّجَاسَة وينشف البلة وَقيل أَن الْعظم لَا يكَاد يعرى من بَقِيَّة دسم قد علق بِهِ وَنَوع الْعظم قد يَتَأَتَّى فِيهِ الْأكل لبني آدم لِأَن الرخو الرَّقِيق مِنْهُ قد يتمشش فِي حَال الرَّفَاهِيَة والغليظ الصلب مِنْهُ يدق ويستف مِنْهُ عِنْد المجاعة والشدة وَقد حرم الِاسْتِنْجَاء بالمطعوم قلت هَذَانِ وَجْهَان وَالثَّالِث كَونه طَعَام الْجِنّ وَأما الروث فَلِأَنَّهُ نجس كَمَا ذَكرْنَاهُ أَو لِأَنَّهُ طَعَام دَوَاب الْجِنّ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة أَن الْجِنّ سَأَلُوا هَدِيَّة مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَعْطَاهُمْ الْعظم والروث فالعظم لَهُم والروث لدوابهم فَإِذا لَا يستنجى بهما رَأْسا وَأما لِأَنَّهُ طَعَام للجن أنفسهم روى أَبُو عبد الله الْحَاكِم فِي الدَّلَائِل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِابْنِ مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَيْلَة الْجِنّ أُولَئِكَ جن نَصِيبين جاؤني فسألوني الزَّاد فَمَتَّعْتهمْ بالعظم والروث فَقَالَ لَهُ وَمَا يُغني مِنْهُم ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّهُم لَا يَجدونَ عظما إِلَّا وجدوا عَلَيْهِ لَحْمه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْم أَخذ وَلَا وجدوا رَوْثًا إِلَّا وجدوا فِيهِ حبه الَّذِي كَانَ يَوْم أكل فَلَا يستنجي أحد لَا بِعظم وَلَا بروث وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَنهم قَالُوا يَا مُحَمَّد انه أمتك لَا يستنجوا بِعظم وَلَا بروث أَو حممة فَإِن الله تَعَالَى جعل لنا رزقا فِيهَا فَنهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ قلت الحممة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الميمين وَهِي الفحم وَمَا احْتَرَقَ من الْخشب وَالْعِظَام وَنَحْوهَا وَجَمعهَا حمم قَوْله بِطرف ثِيَابِي أَي فِي جَانب ثِيَابِي وَفِي صَحِيح الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي طرف ملائي وَقَالَ الْكرْمَانِي وَالثيَاب يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْجمع وَأَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس كَمَا يُقَال فلَان يركب الْخُيُول قلت فِيهِ نظر لِأَن مَا ذكره إِنَّمَا يمشي فِي الْجمع الْمحلى بِالْألف وَاللَّام كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور قَوْله وأعرضت عَنهُ كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات وَفِي رِوَايَة الْكشميهني واعترضت بِزِيَادَة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعد الْعين قَوْله فَلَمَّا قضى أَي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِيره فَلَمَّا قضى حَاجته قَوْله أتبعه بِهن أَي بالأحجار وهمزة أتبعه همزَة قطع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْقَضَاء الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله فَلَمَّا قضى وكنى بذلك عَن الِاسْتِنْجَاء (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ جَوَاز استنجاء بالأحجار وَفِيه الرَّد على من أنكر ذَلِك كَمَا بَيناهُ مستقصى الثَّانِي فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِنْجَاء وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ بِوُجُوبِهِ واشتراطه فِي صِحَة الصَّلَاة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق وَأَبُو دَاوُد وَمَالك فِي رِوَايَة وَمِنْهُم من قَالَ بِأَنَّهُ سنة وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك فِي رِوَايَة والمزني من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين الحمراني عَن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج وَمن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج الحَدِيث وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده حَدثنَا شُرَيْح حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين كَذَا قَالَ عَن أبي سعيد الْخَيْر وَكَانَ من أَصْحَاب عمر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره نَحوه وَأخرجه الطَّحَاوِيّ فِي الْآثَار حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قَالَ أخبرنَا يحيى بن حسن قَالَ حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس قَالَ حَدثنَا ثَوْر بن يزِيد عَن حُصَيْن الحمراني عَن أبي سعيد الْخَيْر عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره نَحوه فَالْحَدِيث صَحِيح وَرِجَاله ثِقَات فَإِن قلت قَالَ أَبُو عَمْرو بن حزم وَالْبَيْهَقِيّ لَيْسَ إِسْنَاده بالقائم مَجْهُولَانِ يعنون حصينا فِيهِ الحمراني وَأَبا سعيد الْخَيْر قلت هَذَا كَلَام سَاقِط لِأَن أَبَا زرْعَة الدِّمَشْقِي قَالَ فِي حُصَيْن هَذَا شيخ مَعْرُوف وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي تَارِيخه لَا أعلم إِلَّا خيرا وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ شيخ وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَأما أَبُو سعيد الْخَيْر فقد قَالَ أَبُو دَاوُد وَيَعْقُوب بن سُفْيَان والعسكري وَابْن بنت منيع فِي آخَرين أَنه من الصَّحَابَة والْحَدِيث أخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي صَحِيحه وَذكر أَبَا سعيد فِي كتاب الصَّحَابَة وَسَماهُ عَامِرًا وَسَماهُ الْبَغَوِيّ عمرا وَسَماهُ صَاحب التَّهْذِيب زيادا وَسَماهُ البُخَارِيّ سَعْدا. وَقَالُوا أَيْضا أَنه كَدم البراغيث لِأَنَّهُ نَجَاسَة لَا تجب إِزَالَة أَثَرهَا فَكَذَا عينهَا لَا يجب إِزَالَتهَا بِالْمَاءِ فَلَا يجب بِغَيْرِهِ وَقَالَ الْمُزنِيّ لأَنا أجمعنا على جَوَاز مسحها بِالْحجرِ فَلم تجب إِزَالَتهَا كالمني فَإِن قلت استدلالهم بِالْحَدِيثِ غير تَامّ لِأَن المُرَاد لَا حرج فِي ترك الإيتار أَي الزَّائِد على ثَلَاثَة أَحْجَار وَلَيْسَ المُرَاد ترك أصل الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ الْخطابِيّ معنى الحَدِيث التَّمْيِيز بَين المَاء الَّذِي هُوَ الأَصْل
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اسْتَلْزَمَ مَسَّ ذَكَرِهِ بِيَمِينِهِ، وَمَتَى أَمْسَكَهُ بِيَسَارِهِ اسْتَلْزَمَ اسْتِجْمَارَهُ بِيَمِينِهِ وَكِلَاهُمَا قَدْ شَمِلَهُ النَّهْيُ، وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْأَشْيَاءَ الضَّخْمَةَ الَّتِي لَا تَزُولُ بِالْحَرَكَةِ كَالْجِدَارِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْبَارِزَةِ فَيَسْتَجْمِرُ بِهَا بِيَسَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُلْصِقْ مَقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ وَيُمْسِكْ مَا يَسْتَجْمِرُ بِهِ بَيْنَ عَقِبَيْهِ أَوْ إِبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ وَيَسْتَجْمِرْ بِيَسَارِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَصَرِّفًا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، انْتَهَى. وَهَذِهِ هَيْئَةٌ مُنْكَرَةٌ بَلْ يَتَعَذَّرُ فِعْلُهَا فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْيَمِينِ مُخْتَصٌّ بِالدُّبُرِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمَسِّ مُخْتَصٌّ بِالذَّكَرِ فَبَطَلَ الْإِيرَادُ مِنْ أَصْلِهِ، كَذَا قَالَ. وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ تَخْصِيصِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالدُّبُرِ مَرْدُودٌ، وَالْمَسُّ وَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالذَّكَرِ لَكِنْ يُلْحَقُ بِهِ الدُّبُرُ قِيَاسًا، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الذَّكَرِ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ فَرْجُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا خُصَّ الذَّكَرُ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِ الرِّجَالِ فِي الْغَالِبِ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ وَالنِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا مَا خُصَّ.
وَالصَّوَابُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْخَطَّابِيُّ مَا قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ بَعْدَهُ - كَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ وَالْبَغَوِيِّ فِي التَّهْذِيبِ - أَنَّهُ يُمِرُّ الْعُضْوَ بِيَسَارِهِ عَلَى شَيْءٍ يُمْسِكُهُ بِيَمِينِهِ، وَهِيَ قَارَّةٌ غَيْرُ مُتَحَرِّكَةٍ فَلَا يُعَدُّ مُسْتَجْمِرًا بِالْيَمِينِ وَلَا مَاسًّا بِهَا، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ مُسْتَجْمِرًا بِيَمِينِهِ فَقَطْ غَلِطَ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَنْ صَبَّ بِيَمِينِهِ الْمَاءِ عَلَى يَسَارِهِ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ.
١٩ - باب لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ
١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ. وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِحَالَةِ الْبَوْلِ فَيَكُونُ مَا عَدَاهُ مُبَاحًا. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَكُونُ مَمْنُوعًا أَيْضًا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ بِأَنَّ مَظِنَّةَ الْحَاجَةِ لَا تَخْتَصُّ بِحَالَةِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَإِنَّمَا خُصَّ النَّهْيُ بِحَالَةِ الْبَوْلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُجَاوِرَ الشَّيْءِ يُعْطَى حُكْمُهُ، فَلَمَّا مُنِعَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ مُنِعَ مَسُّ آلَتِهِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ.
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ لِطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ مَسِّ ذَكَرِهِ: إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ فِي كُلِّ حَالٍ، فَخَرَجَتْ حَالَةُ الْبَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ، انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ، وَقَدْ يُقَالُ: حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ قَالَ بِهِ يَشْتَرِطُ فِيهِ شُرُوطًا، لَكِنْ نَبَّهَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الِاخْتِلَافِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ تَتَغَايَرُ مَخَارِجُ الْحَدِيثِ بِحَيْثُ يُعَدُّ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَأَمَّا إِذَا اتَّحَدَ الْمَخْرَجُ وَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَيَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ التَّقْيِيدَ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةً مِنْ عَدْلٍ فَتُقْبَلُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَتِهِ بِسَمَاعِ يَحْيَى لَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، وَصَرَّحَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَوْسَطِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ الْإِسْنَادِ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَحَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ مَحْذُورِ التَّدْلِيسِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَأْخُذُونَّ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِنُونِ التَّأْكِيدِ وَلِغَيْرِهِ بِدُونِهَا، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ لَا يُمْسِكُ وَكَذَا فِي مُسْلِمٍ التَّعْبِيرُ بِالْمَسْكِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (١) (لَا يُمْسِكُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة» على أنَّ «لا» نافيةٌ، وفي غيرها (٢) بالجزم، وفي نسخةٍ بالفرع كأصله: «لا يمسُّ» (ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ) فإن قلت: حكم هذه التَّرجمة قد مرَّ في الحديث السَّابق، فما فائدة هذه التَّرجمة؟ فالجواب: أنَّ فائدتها: اختلاف الإسناد مع ما وقع في لفظ المتن من الخلاف الآتي في (٣) بيانه، وتحرِّيه على عادته في تعدُّد التَّراجم بتعدُّد الأحكام المجموعة في الحديث الواحد، كما في هذا.
١٥٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، إمام أهل الشَّام (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ) أبي (٤) قتادة، وقد صرَّح ابن خزيمةَ في روايته بسماع يحيى له من عبد الله بن أبي قتادة، فحصل الأمن من التَّدليس (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قَالَ: إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ) بنون التَّوكيد، ولغير أبي ذَرٍّ ممَّا ليس في «اليونينيَّة»: «فلا يأخذ» بإسقاطها، وفي الرِّواية السَّابقة: «إذا أتى الخلاء فلا يمسَّ ذَكَرَهُ بيمينه» [خ¦١٥٣] (وَلَا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ) مجزومٌ بحذف حرف العلَّة بعد الجيم على النَّهي، وفي رواية الأربعة (٥): «ولا يستنجي» بإثباتها على النَّفي، وهو مفسِّرٌ لقوله في الرِّواية السَّابقة: «ولا يتمسَّح بيمينه»، ولفظ: «لا يستنجي» أعمُّ من أن يكون بالقُبل أو بالدُّبر، وهو يردُّ على الطِّيبيِّ حيث قال في الرِّواية السَّابقة: «ولا يتمسَّح بيمينه»: مُختَصٌّ بالدُّبر (وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ) جملةٌ استئنافيَّةٌ على أنَّ «لا»: نافيةٌ، أو معطوفةٌ على
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْمَفْعُول ينبىء عَن الْعُمُوم قَوْله فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ النَّهْي فِيهِ تَنْزِيه لَهَا عَن مبشارة الْعُضْو الَّذِي يكون فِيهِ الْأَذَى وَالْحَدَث وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَجْعَل يمناه لطعامه وَشَرَابه ولباسه مصونة عَن مُبَاشرَة الثفل ومماسة الْأَعْضَاء الَّتِي هِيَ مجاري الأثفال والنجاسات ويسراه لخدمة أسافل بدنه وإماطة مَا هُنَاكَ من القاذورات وتنظيف مَا يحدث فِيهَا من الأدناس فَإِن قلت الحَدِيث يَقْتَضِي النَّهْي عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ حَالَة الْبَوْل وَكَيف الحكم فِي غير هَذِه الْحَالة قلت روى أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت كَانَت يَد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْيُمْنَى لطهوره وَطَعَامه وَكَانَت يَده الْيُسْرَى لخلائه وَمَا كَانَ من أَذَى وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة أَيْضا وروى أَيْضا من حَدِيث حَفْصَة زوج النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَت كَانَ يَجْعَل يَمِينه لطعامه وَشَرَابه ولباسه وَيجْعَل شِمَاله لما سوى ذَلِك وَظَاهر هَذَا يدل على عُمُوم الحكم على أَنه قد رُوِيَ النَّهْي عَن مَسّه بِالْيَمِينِ مُطلقًا غير مُقَيّد بِحَالَة الْبَوْل فَمن النَّاس من أَخذ بِهَذَا الْمُطلق وَمِنْهُم من حمله على الْخَاص بعد أَن ينظر فِي الرِّوَايَتَيْنِ هَل هما حديثان أَو حَدِيث وَاحِد فَإِن كَانَا حَدِيثا وَاحِدًا مخرجه وَاحِد وَاخْتلفت فِيهِ الروَاة فَيَنْبَغِي حمل الْمُطلق على الْمُقَيد لِأَنَّهَا تكون زِيَادَة من عدل فِي حَدِيث وَاحِد فَتقبل وَإِن كَانَا حديثين فَالْأَمْر فِي حكم الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد على مَا ذكر فَإِن قلت النَّهْي فِيهِ تَنْزِيه أَو تَحْرِيم قلت للتنزيه عِنْد الْجُمْهُور لِأَن النَّهْي فِيهِ لمعنيين أَحدهمَا لرفع قدر الْيَمين وَالْآخر أَنه لَو بَاشر النَّجَاسَة بهَا يتَذَكَّر عِنْد تنَاوله الطَّعَام مَا باشرت يَمِينه من النَّجَاسَة فينفر طبعه من ذَلِك وَحمله أهل الظَّاهِر على التَّحْرِيم حَتَّى قَالَ الْحُسَيْن بن عبد الله الناصري فِي كِتَابه الْبُرْهَان على مَذْهَب أهل الظَّاهِر وَلَو استنجى بِيَمِينِهِ لَا يجْزِيه وَهُوَ وَجه عِنْد الْحَنَابِلَة وَطَائِفَة من الشَّافِعِيَّة قَوْله وَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ النَّهْي فِيهِ للتنزيه عِنْد الْجُمْهُور خلافًا للظاهرية كَمَا ذكرنَا وَقد أورد الْخطابِيّ هَهُنَا إشْكَالًا وَهُوَ أَنه مَتى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بِيَمِينِهِ وَمَتى مَسّه بيساره استلزم استجماره بِيَمِينِهِ وَكِلَاهُمَا قد شَمله النَّهْي ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك بقوله أَنه يقْصد الْأَشْيَاء الضخمة الَّتِي لَا تَزُول بالحركة كالجدار وَنَحْوه من الْأَشْيَاء البارزة فيستجمر بهَا بيساره فَإِن لم يجد فليلصق مقعدته بِالْأَرْضِ ويمسك مَا يستجمر بِهِ بَين عَقِبَيْهِ أَو إبهامي رجلَيْهِ ويستجمر بيساره فَلَا يكون متصرفا فِي شَيْء من ذَلِك بِيَمِينِهِ وَقَالَ الطَّيِّبِيّ النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ مُخْتَصّ بالدبر وَالنَّهْي عَن الْمس مُخْتَصّ بِالذكر فَلَا إِشْكَال فِيهِ قلت قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الحَدِيث الْآتِي وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ يرد عَلَيْهِ فِي دَعْوَاهُ الِاخْتِصَاص على مَا لَا يخفى وَقَالَ بَعضهم الَّذِي ذكره الْخطابِيّ هَيْئَة مُنكرَة بل قد يتَعَذَّر فعلهَا فِي غَالب الْأَوْقَات وَالصَّوَاب مَا قَالَه إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمن بعده كالغزالي فِي الْوَسِيط وَالْبَغوِيّ فِي التَّهْذِيب أَنه يمر الْعُضْو بيساره على شَيْء يمسِكهُ بِيَمِينِهِ وَهِي قارة غير متحركة فَلَا يعد مستجمرا بِالْيَمِينِ وَلَا ماسا بهَا فَهُوَ كمن صب المَاء بِيَمِينِهِ على يسَاره حَالَة الِاسْتِنْجَاء قلت دَعْوَاهُ بِأَن هَذِه هَيْئَة مُنكرَة فَاسِدَة لِأَن الِاسْتِجْمَار بالجدار وَنَحْوه غير بشيع وَهَذَا ظَاهر وتصويبه مَا قَالَه هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يمشي فِي استجمار الذّكر وَأما فِي الدبر فَلَا على مَا لَا يخفى (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول كَرَاهَة التنفس فِي الْإِنَاء وَقد ذَكرْنَاهُ مفصلا. الثَّانِي فِيهِ جَوَاز الشّرْب من نفس وَاحِد لِأَنَّهُ إِنَّمَا نهى عَن التنفس فِي الْإِنَاء وَالَّذِي شرب فِي نفس وَاحِد لم يتنفس فِيهِ فَلَا يكون مُخَالفا للنَّهْي وَكَرِهَهُ جمَاعَة وَقَالُوا هُوَ شرب الشَّيْطَان وَفِي التِّرْمِذِيّ محسنا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا لَا تشْربُوا وَاحِدًا كشرب الْبَعِير وَلَكِن اشربوا مثنى وَثَلَاث وَسموا إِذا أَنْتُم شربتم واحمدوا إِذا أَنْتُم رفعتم الثَّالِث فِيهِ النَّهْي عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ الرَّابِع فِيهِ النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ الْخَامِس فِيهِ فضل الميامن وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
(بَاب لَا يمسك ذكره بِيَمِينِهِ إِذا بَال)
أَي هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان حكم مس الذّكر بِالْيَمِينِ وَقت الْبَوْل وَبَاب منون غير مُضَاف وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر وَقَالَ بَعضهم أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى أَن النَّهْي الْمُطلق عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ كَمَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله مَحْمُول على الْمُقَيد بِحَالَة الْبَوْل فَيكون مَا عداهُ مُبَاحا قلت هَذَا كَلَام فِيهِ خباط لِأَن الْحَاصِل من معنى الْحَدِيثين وَاحِد وَكِلَاهُمَا مُقَيّد أما الأول فَلِأَن إتْيَان الْخَلَاء فِي قَوْله إِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ كِنَايَة عَن التبول وَالْمعْنَى إِذا بَال أحدكُم فَلَا يمس
ذكره بِيَمِينِهِ وَالْجَزَاء قيد الشَّرْط وَأما الثَّانِي فَهُوَ صَرِيح بالقيد وَكِلَاهُمَا وَاحِد فِي الْحَقِيقَة فَكيف يَقُول هَذَا الْقَائِل أَن ذَلِك الْمُطلق مَحْمُول على الْمُقَيد وَالْمَفْهُوم مِنْهُمَا جَمِيعًا النَّهْي عَن مس الذّكر بِالْيَمِينِ عِنْد الْبَوْل فَلَا يدل على مَنعه عِنْد غير الْبَوْل وَلَا سِيمَا جَاءَ فِي الحَدِيث مَا يدل على الْإِبَاحَة وَهُوَ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لطلق بن عَليّ حِين سَأَلَهُ عَن مس الذّكر إِنَّمَا هُوَ بضعَة مِنْك فَهَذَا يدل على الْجَوَاز فِي كل حَال وَلَكِن خرجت حَالَة الْبَوْل بِهَذَا الحَدِيث الصَّحِيح وَمَا عدا ذَلِك فقد بَقِي على الْإِبَاحَة فَافْهَم فَإِن قلت فَمَا فَائِدَة تَخْصِيص النَّهْي بِحَالَة الْبَوْل قلت مَا قرب من الشَّيْء يَأْخُذ حكمه وَلما منع الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ منع مس آلَته حسما للمادة فَإِن قلت إِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكرت من الرَّد على الْقَائِل الْمَذْكُور فَمَا فَائِدَة تَرْجَمَة البُخَارِيّ بِالْحَدِيثِ فِي بَابَيْنِ وَلم يكتف بِبَاب وَاحِد قلت فَائِدَته من وُجُوه. الأول التَّنْبِيه على اخْتِلَاف الْإِسْنَاد. الثَّانِي التَّنْبِيه على الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي لفظ الْمَتْن فَإِن فِي السَّنَد الأول إِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ وَفِي الْإِسْنَاد الثَّانِي إِذا بَال أحدكُم فَلَا يَأْخُذن ذكره بِيَمِينِهِ وَلَا يخفى التَّفَاوُت الَّذِي بَين إِذا أَتَى الْخَلَاء وَبَين إِذا بَال وَبَين فَلَا يمس ذكره وفلا يَأْخُذن ذكره أَيْضا فَفِي الحَدِيث الأول وَلَا يتمسح بِيَمِينِهِ وَفِي هَذَا الحَدِيث وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ وَهَذَا يُفَسر ذَاك فَافْهَم. الثَّالِث أَنه عقد الْبَاب الأول على الحكم الثَّالِث من الحَدِيث وَهُوَ كَرَاهَة الِاسْتِنْجَاء بِالْيَمِينِ وَعقد هَذَا الْبَاب على الحكم الأول وَهُوَ كَرَاهَة مس الذّكر عِنْد الْبَوْل وَمن أبين الدَّلَائِل على هَذَا الْوَجْه أَنه عقد بَابا آخر فِي الْأَشْرِبَة على الحكم الأول وَهُوَ كَرَاهَة التنفس فِي الْإِنَاء
٢٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الله ابْن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِذا بَال أحدكُم فَلَا يَأْخُذن ذكره بِيَمِينِهِ وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ وَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله إِذا بَال أحدكُم فَلَا يَأْخُذن ذكره بِيَمِينِهِ فَإِن قلت كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال بَاب لَا يَأْخُذ ذكره بِيَمِينِهِ إِذا بَال للتطابق قلت أَشَارَ البُخَارِيّ بذلك إِلَى دقيقة تخفى على كثير من النَّاس وَهِي أَن فِي رِوَايَة همام عَن يحيى بن كثير عَن عبد الله فَلَا يمسكن ذكره بِيَمِينِهِ وَكَذَا أخرجه مُسلم من هَذِه الرِّوَايَة بِهَذَا اللَّفْظ وَالْبُخَارِيّ أخرجه هَهُنَا من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور فَذكر فِي التَّرْجَمَة اللَّفْظ الَّذِي أخرجه مُسلم من رِوَايَة همام وَفِي الحَدِيث اللَّفْظ الَّذِي رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى وَقَالَ بَعضهم وَوَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ لَا يمس فَاعْترضَ على تَرْجَمَة البُخَارِيّ بِأَن الْمس أَعم من الْمسك يَعْنِي فَكيف يسْتَدلّ بالأعم على الْأَخَص قلت لَيْت شعري مَا وَجه هَذَا الِاعْتِرَاض وَهَذَا كَلَام واه وَلَو أَعم إِذْ لَيْسَ فِي حَدِيث البُخَارِيّ لفظ الْمس فَكيف يعْتَرض عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ترْجم بالمسك والمس أَعم من الْمسك وَهَذَا كَلَام فِيهِ خباط. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكرُوا كلهم وَالْأَوْزَاعِيّ عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو إِمَام أهل الشَّام. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين شَامي وبصري ومدني. وَمِنْهَا أَنهم أَئِمَّة أجلاء. (ذكر بَقِيَّة الْكَلَام) قَوْله فَلَا يَأْخُذن جَوَاب الشَّرْط وَهُوَ بنُون التَّأْكِيد فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره بِدُونِ النُّون قَوْله وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ أَعم من أَن يكون بالقبل أَو بالدبر وَبِه يرد على من يَقُول فِي الحَدِيث السَّابِق لفظ لَا يتمسح بِيَمِينِهِ مُخْتَصّ بالدبر قَوْله وَلَا يتنفس يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن تكون لَا فِيهِ نَافِيَة فَحِينَئِذٍ تضم السِّين وَالْآخر أَن تكون ناهية فَحِينَئِذٍ تجزم السِّين فَإِن قلت هَذِه الْجُمْلَة عطف على مَاذَا قلت عطف على الْجُمْلَة المركبة من الشَّرْط وَالْجَزَاء مجموعا وَلِهَذَا غير الأسلوب حَيْثُ لم يذكر بالنُّون وَلَا يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على الْجَزَاء لِأَنَّهُ مُقَيّد بِالشّرطِ فَيكون الْمَعْنى إِذا بَال أحدكُم فَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء وَهُوَ غير صَحِيح لِأَن النَّهْي مُطلق وَذهب السكاكي إِلَى أَن الْجُمْلَة الجزائية جملَة خبرية مُقَيّدَة بِالشّرطِ فَيحْتَمل على مذْهبه أَن تكون عطفا على الجزائية وَلَا يلْزم من كَون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مُقَيّدا بِقَيْد أَن يكون الْمَعْطُوف مُقَيّدا بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ أَكثر النُّحَاة
(بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ وَنبهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة على الرَّد على من زعم اخْتِصَاص الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ. وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي قبله ظَاهر
٢١ - (حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو الْمَكِّيّ عَن جده عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ اتبعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخرج لِحَاجَتِهِ فَكَانَ لَا يلْتَفت فدنوت مِنْهُ فَقَالَ أبغني أحجارا أستنفض بهَا أَو نَحوه وَلَا تأتني بِعظم وَلَا رَوْث فَأَتَيْته بأحجار بِطرف ثِيَابِي فَوَضَعتهَا إِلَى جنبه وأعرضت عَنهُ فَلَمَّا قضى أتبعه بِهن) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله أبغني أحجارا أستنفض بهَا لِأَن مَعْنَاهُ أستنجي بهَا كَمَا سَيَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول أَحْمد بن مُحَمَّد بن عون بالنُّون أَبُو الْوَلِيد الغساني الْأَزْرَقِيّ الْمَكِّيّ جد أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن عبد الله صَاحب تَارِيخ مَكَّة وَفِي طبقته أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ أَيْضا لَكِن كنيته أَبُو مُحَمَّد وجده عون يعرف بالقواس وَقد وهم من زعم أَن البُخَارِيّ روى عَن أبي مُحَمَّد الَّذِي فِي طبقته وَإِنَّمَا روى عَن أبي الْوَلِيد وهم أَيْضا من جَعلهمَا وَاحِدًا روى أَبُو الْوَلِيد الْمَذْكُور عَن مَالك وَغَيره وروى عَنهُ البُخَارِيّ وحفيده مؤرخ مَكَّة مُحَمَّد بن عبد الله وَأَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ وَآخَرُونَ مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ الثَّانِي عَمْرو بن يحيى بن سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي أَبُو أُميَّة القريشي الْمَكِّيّ الْأمَوِي وَعَمْرو بن سعيد هُوَ الْمَعْرُوف بالأشدق الَّذِي ولي إمرة الْمَدِينَة وَكَانَ يُجهز الْبعُوث إِلَى مَكَّة وَكَانَ عَمْرو هَذَا قد تغلب على دمشق فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان فَقتله عبد الْملك وسير أَوْلَاده إِلَى الْمَدِينَة وَسكن وَلَده مَكَّة لما ظَهرت دولة بني الْعَبَّاس فاستمروا بهَا وَعَمْرو بن يحيى روى عَن أَبِيه وجده وَعنهُ سُوَيْد وَغَيره روى لَهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه الثَّالِث جده سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العَاصِي بن أبي أحيحة التَّابِعِيّ الثِّقَة روى عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره وَعنهُ ابناه إِسْحَق وخَالِد وحفيده عَمْرو بن يحيى روى لَهُ الْجَمَاعَة سوى التِّرْمِذِيّ. الرَّابِع أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا أَن فِيهِ مكيين ومدنيين. وَمِنْهَا أَنه من رباعيات البُخَارِيّ وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْجد. (بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا مطولا فِي ذكر الْجِنّ عَن مُوسَى بن إِسْمَعِيل عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد عَن جده بِهِ وَلم يُخرجهُ مُسلم وَلَا الْأَرْبَعَة وَأخرجه رزين عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبغني أحجارا أستنفض بهَا وَلَا تأتني بِعظم وَلَا بروثة قلت مَا بَال الْعظم والروثة قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ وَأَنه أَتَانِي وَفد جن نَصِيبين وَنعم الْجِنّ فسألوني عَن الزَّاد فدعوت الله تَعَالَى لَهُم أَن لَا يمروا بِعظم وَلَا بروث إِلَّا وجدوا عَلَيْهِمَا طَعَاما (بَيَان اللُّغَات) قَوْله اتبعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَي سرت وَرَاءه وَقد أشبعنا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب من حمل المَاء لطهوره عَن قريب قَوْله أبغني يجوز فِي همزته الْوَصْل إِذا كَانَ من الثلاثي مَعْنَاهُ اطلب لي يُقَال بغيتك الشَّيْء أَي طلبته لَك وَالْقطع إِذا كَانَ من الْمَزِيد مَعْنَاهُ أَعنِي على الطّلب يُقَال أبغيتك الشَّيْء إِذا أعنتك على طلبه وَكِلَاهُمَا رِوَايَتَانِ وَقَالَ الْجَوْهَرِي بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيته الشَّيْء أعنته على طلبه وَقَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بالوصل قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ اطلب لي من بغيت الشَّيْء طلبته وبغيتك الشَّيْء طلبته لَك وأبغيتك الشَّيْء جعلتك طَالبا لَهُ قَالَ تَعَالَى {يبغونكم الْفِتْنَة} أَي يَبْغُونَهَا لكم وَقَالَ أَبُو عَليّ الهجري فِي أَمَالِيهِ بغيت الْخَيْر بغاء قلت بِكَسْر الْبَاء وَقَالَ أَبُو الْحسن اللحياني فِي نوادره يُقَال بغى الرجل الْحَاجة وَالْعلم وَالْخَيْر وكل شَيْء يطْلب يَبْغِي بغاء قلت بِضَم الْبَاء وبغية بِكَسْر الْبَاء وبغى كَذَلِك وبغية بِالضَّمِّ وبغى كَذَلِك واستبغى الْقَوْم فبغوه وبغوا لَهُ أَي طلبُوا لَهُ وَفِي الْمُحكم الْمَعْرُوف بغاء قلت بِالضَّمِّ وَالِاسْم البغية والبغية وَقَالَ ثَعْلَب بغى الْخَيْر بغية وبغية فجعلهما مصدرين والبغية والبغبة والبغية مَا ابْتغى وأبغاه الشَّيْء طلبه لَهُ أَو أَعَانَهُ على طلبه وَالْجمع بغاة وبغيان
وأبتغى الشَّيْء تيَسّر وتسهل وبغى الشَّيْء بغوا نظر إِلَيْهِ كَيفَ هُوَ وَفِي الْجَامِع للقزاز أبغني كَذَا أَي أَعنِي عَلَيْهِ واطلبه معي وَفِي الواعي لعبد الْحق الإشبيلي الْبغاء الطّلب قلت بِالضَّمِّ وَفِي الصِّحَاح كل طلبة بغاء بِالضَّمِّ وبالمد وبغاية أَيْضا وابتغيت الشَّيْء وتبغيته إِذا طلبته قَالَ سَاعِدَة بن جوية الْهُذلِيّ
(سِبَاع تبغى النَّاس مثنى وموحد ... )
قَوْله أستنفض على وزن أستفعل من النفض بالنُّون وَالْفَاء وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ أَن يهز الشَّيْء ليطير غباره أَو يَزُول مَا عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ هَهُنَا أستنظف بهَا أَي أنظف بهَا نَفسِي من الْحَدث وَفِي الْمطَالع أبغي أحجارا أستنفض بهَا أَي أستنج بهَا مِمَّا هُنَالك ونفاضة كل شَيْء مَا نفضته فَسقط مِنْهُ وَفِي الواعي أستنفض بهَا أَي أستنجى بهَا وَهُوَ أَن ينفض عَن نَفسه أَذَى الْحَدث فَقَالَ هَذَا مَوضِع مستنفض أَي متبرز وَفِي كتاب ابْن طريف نفضت الأَرْض تتبعت مغانيها ونفضت الشَّيْء نفضا حركته ليسقط عَنهُ مَا علق بِهِ وَقَالَ المطرزي الاستنفاض الاستخراج ويكنى بِهِ عَن الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ وَمن رَوَاهُ بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة فقد صحف قلت قَالَ الصغاني فِي الْعباب استنفاض الذّكر وانتقاصه استبراؤه مِمَّا فِيهِ من بَقِيَّة الْبَوْل قلت الأول بِالْفَاءِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة وَالثَّانِي بِالْقَافِ وَالضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْضا وَالثَّالِث بِالْقَافِ والمهملة وَذكر أَيْضا فِي بَاب نقص بِالْقَافِ والمهملة وَقَالَ أَبُو عبيد انتقاص المَاء غسل الذّكر بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ إِذا غسل بِالْمَاءِ ارْتَدَّ الْبَوْل وَلم ينزل وَإِن لم يغسل نزل مِنْهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء حَتَّى يستبرىء (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله اتبعت النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام جملَة وَقعت مقول القَوْل قَوْله وَخرج لِحَاجَتِهِ جملَة وَقعت حَالا بِتَقْدِير قد وَالتَّقْدِير وَقد خرج وَقد علم أَن الْفِعْل الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا فَلَا بُد فِيهِ من قد إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة وَيجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ} وَالتَّقْدِير قد حصرت وَقد وَقع بِدُونِ الْوَاو قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت بفاء الْعَطف فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره وَكَانَ بِالْوَاو فَإِن قلت مَا وَجه الْوَاو فِيهِ قلت للْحَال وَقَول بَعضهم وَكَانَ استئنافية غير صَحِيح على مَا لَا يخفى قَوْله فَقَالَ أبغني بوصل الْهمزَة وقطعها كَمَا ذَكرْنَاهُ قَوْله أحجارا نصب على أَنه مفعول ثَان لأبغنى قَوْله أستنفض مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر وَيجوز رَفعه على الِاسْتِئْنَاف قَوْله أَو نَحوه بِالنّصب لِأَنَّهُ مقول القَوْل وَهُوَ فِي الْمَعْنى جملَة وَالتَّقْدِير أَو قَالَ نَحْو قَوْله أستنفض بهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْله أستنجي بهَا وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستنجي بهَا والتردد فِيهِ من بعض الروَاة قَوْله بِطرف ثِيَابِي الْبَاء ظرفية (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله فَكَانَ لَا يلْتَفت أَي فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا مَشى لَا يلْتَفت وَرَاءه وَكَانَ هَذَا عَادَة مَشْيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله فدنوت مِنْهُ أَي قربت مِنْهُ لأستأنس بِهِ وأقضي حَاجته وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ أستأنس فَقَالَ من هَذَا قلت أَبُو هُرَيْرَة قَوْله فَقَالَ أبغني أحجارا وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ ائْتِنِي قَوْله وَلَا تأتني بِعظم كَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خشِي أَن يفهم أَبُو هُرَيْرَة من قَوْله أستنفض بهَا أَن كل مَا يزِيل الْأَثر وينقي كَاف وَلَا اخْتِصَاص لذَلِك بالأحجار فنبه باقتصاره فِي النَّهْي على الْعظم والروث على أَن مَا سواهُمَا يجزىء وَلَو كَانَ ذَلِك مُخْتَصًّا بالأحجار كَمَا يَقُول أهل الظَّاهِر وَبَعض الْحَنَابِلَة لم يكن لتخصيص هذَيْن بِالنَّهْي معنى قَالَ الْخطابِيّ وَفِي النَّهْي عَنْهُمَا دَلِيل على أَن أَعْيَان الْحِجَارَة غير مُخْتَصَّة بِهَذَا الْمَعْنى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما أَمر بالأحجار ثمَّ اسْتثْنى هذَيْن وخصهما بِالنَّهْي دلّ على أَن مَا عداهما قد دخل فِي الْإِبَاحَة وَلَو كَانَت الْحِجَارَة مَخْصُوصَة بذلك لم يكن لتخصيصهما بِالذكر معنى وَإِنَّمَا جرى ذكر الْحِجَارَة وسيق اللَّفْظ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَت أَكثر الْأَشْيَاء الَّتِي يستنجى بهَا وجودا وأقربها تناولا وَقَالَ أهل الظَّاهِر الْحجر مُتَعَيّن لَا يجزىء غَيره وَقَالَ أَصْحَابنَا الَّذِي يقوم مقَام الْحجر كل جامد طَاهِر مزيل للعين لَيْسَ لَهُ حُرْمَة وَقَالَ ابْن بطال لما نهى عَنْهُمَا دلّ على أَن مَا عداهما بخلافهما وَإِلَّا لم يكن لتخصيصهما فَائِدَة تدبر. فَإِن قيل إِنَّمَا نَص عَلَيْهِمَا تَنْبِيها على أَن مَا عداهما فِي مَعْنَاهُمَا قُلْنَا هَذَا لَا يجوز لِأَن التَّنْبِيه إِنَّمَا يُفِيد إِذا كَانَ فِي المنبه عَلَيْهِ معنى المنبه لَهُ وَزِيَادَة كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تقل لَهما أُفٍّ} وَلَيْسَ فِي سَائِر الطاهرات مَعْنَاهُمَا فَلم يَقع التَّنْبِيه عَلَيْهِمَا انْتهى قلت التَّعْلِيل فِي الْعظم والروث إِن كَانَ هُوَ كَونهمَا من طَعَام الْجِنّ على مَا سَيَجِيءُ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي المبعث فِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَن فرغ مَا بَال الْعظم والروث قَالَ هما من طَعَام الْجِنّ فَيلْحق بهما سَائِر المطعومات للآدميين بطرِيق الْقيَاس وَكَذَا المحترمات كأوراق كتب الْعلم وَإِن كَانَ هُوَ النَّجَاسَة فِي الروث
فَيلْحق بِهِ كل نجس وَفِي الْعظم هُوَ كَونه لزجا فَلَا يزِيل إِزَالَة تَامَّة فَيلْحق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كالزجاج الأملس وَقَالَ الْخطابِيّ قيل الْمَعْنى فِي ذَلِك أَن الْعظم لزج لَا يكَاد يتماسك فيقلع النَّجَاسَة وينشف البلة وَقيل أَن الْعظم لَا يكَاد يعرى من بَقِيَّة دسم قد علق بِهِ وَنَوع الْعظم قد يَتَأَتَّى فِيهِ الْأكل لبني آدم لِأَن الرخو الرَّقِيق مِنْهُ قد يتمشش فِي حَال الرَّفَاهِيَة والغليظ الصلب مِنْهُ يدق ويستف مِنْهُ عِنْد المجاعة والشدة وَقد حرم الِاسْتِنْجَاء بالمطعوم قلت هَذَانِ وَجْهَان وَالثَّالِث كَونه طَعَام الْجِنّ وَأما الروث فَلِأَنَّهُ نجس كَمَا ذَكرْنَاهُ أَو لِأَنَّهُ طَعَام دَوَاب الْجِنّ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة أَن الْجِنّ سَأَلُوا هَدِيَّة مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَعْطَاهُمْ الْعظم والروث فالعظم لَهُم والروث لدوابهم فَإِذا لَا يستنجى بهما رَأْسا وَأما لِأَنَّهُ طَعَام للجن أنفسهم روى أَبُو عبد الله الْحَاكِم فِي الدَّلَائِل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لِابْنِ مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَيْلَة الْجِنّ أُولَئِكَ جن نَصِيبين جاؤني فسألوني الزَّاد فَمَتَّعْتهمْ بالعظم والروث فَقَالَ لَهُ وَمَا يُغني مِنْهُم ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّهُم لَا يَجدونَ عظما إِلَّا وجدوا عَلَيْهِ لَحْمه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْم أَخذ وَلَا وجدوا رَوْثًا إِلَّا وجدوا فِيهِ حبه الَّذِي كَانَ يَوْم أكل فَلَا يستنجي أحد لَا بِعظم وَلَا بروث وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد أَنهم قَالُوا يَا مُحَمَّد انه أمتك لَا يستنجوا بِعظم وَلَا بروث أَو حممة فَإِن الله تَعَالَى جعل لنا رزقا فِيهَا فَنهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنهُ قلت الحممة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الميمين وَهِي الفحم وَمَا احْتَرَقَ من الْخشب وَالْعِظَام وَنَحْوهَا وَجَمعهَا حمم قَوْله بِطرف ثِيَابِي أَي فِي جَانب ثِيَابِي وَفِي صَحِيح الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي طرف ملائي وَقَالَ الْكرْمَانِي وَالثيَاب يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْجمع وَأَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس كَمَا يُقَال فلَان يركب الْخُيُول قلت فِيهِ نظر لِأَن مَا ذكره إِنَّمَا يمشي فِي الْجمع الْمحلى بِالْألف وَاللَّام كَمَا فِي الْمِثَال الْمَذْكُور قَوْله وأعرضت عَنهُ كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات وَفِي رِوَايَة الْكشميهني واعترضت بِزِيَادَة التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعد الْعين قَوْله فَلَمَّا قضى أَي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِيره فَلَمَّا قضى حَاجته قَوْله أتبعه بِهن أَي بالأحجار وهمزة أتبعه همزَة قطع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْقَضَاء الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله فَلَمَّا قضى وكنى بذلك عَن الِاسْتِنْجَاء (بَيَان استنباط الْأَحْكَام) الأول فِيهِ جَوَاز استنجاء بالأحجار وَفِيه الرَّد على من أنكر ذَلِك كَمَا بَيناهُ مستقصى الثَّانِي فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِنْجَاء وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ بِوُجُوبِهِ واشتراطه فِي صِحَة الصَّلَاة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق وَأَبُو دَاوُد وَمَالك فِي رِوَايَة وَمِنْهُم من قَالَ بِأَنَّهُ سنة وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك فِي رِوَايَة والمزني من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين الحمراني عَن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج وَمن استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج الحَدِيث وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده حَدثنَا شُرَيْح حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس عَن ثَوْر عَن الْحصين كَذَا قَالَ عَن أبي سعيد الْخَيْر وَكَانَ من أَصْحَاب عمر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره نَحوه وَأخرجه الطَّحَاوِيّ فِي الْآثَار حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى قَالَ أخبرنَا يحيى بن حسن قَالَ حَدثنَا عِيسَى بن يُونُس قَالَ حَدثنَا ثَوْر بن يزِيد عَن حُصَيْن الحمراني عَن أبي سعيد الْخَيْر عَن أبي هُرَيْرَة إِلَى آخِره نَحوه فَالْحَدِيث صَحِيح وَرِجَاله ثِقَات فَإِن قلت قَالَ أَبُو عَمْرو بن حزم وَالْبَيْهَقِيّ لَيْسَ إِسْنَاده بالقائم مَجْهُولَانِ يعنون حصينا فِيهِ الحمراني وَأَبا سعيد الْخَيْر قلت هَذَا كَلَام سَاقِط لِأَن أَبَا زرْعَة الدِّمَشْقِي قَالَ فِي حُصَيْن هَذَا شيخ مَعْرُوف وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي تَارِيخه لَا أعلم إِلَّا خيرا وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ شيخ وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَأما أَبُو سعيد الْخَيْر فقد قَالَ أَبُو دَاوُد وَيَعْقُوب بن سُفْيَان والعسكري وَابْن بنت منيع فِي آخَرين أَنه من الصَّحَابَة والْحَدِيث أخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي صَحِيحه وَذكر أَبَا سعيد فِي كتاب الصَّحَابَة وَسَماهُ عَامِرًا وَسَماهُ الْبَغَوِيّ عمرا وَسَماهُ صَاحب التَّهْذِيب زيادا وَسَماهُ البُخَارِيّ سَعْدا. وَقَالُوا أَيْضا أَنه كَدم البراغيث لِأَنَّهُ نَجَاسَة لَا تجب إِزَالَة أَثَرهَا فَكَذَا عينهَا لَا يجب إِزَالَتهَا بِالْمَاءِ فَلَا يجب بِغَيْرِهِ وَقَالَ الْمُزنِيّ لأَنا أجمعنا على جَوَاز مسحها بِالْحجرِ فَلم تجب إِزَالَتهَا كالمني فَإِن قلت استدلالهم بِالْحَدِيثِ غير تَامّ لِأَن المُرَاد لَا حرج فِي ترك الإيتار أَي الزَّائِد على ثَلَاثَة أَحْجَار وَلَيْسَ المُرَاد ترك أصل الِاسْتِنْجَاء وَقَالَ الْخطابِيّ معنى الحَدِيث التَّمْيِيز بَين المَاء الَّذِي هُوَ الأَصْل