«انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَمَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٤٥

الحديث رقم ١٥٤٥ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يلبس المحرم من الثياب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «انطلق النبي ﷺ من المدينة، بعدما ترجل وادهن…

«انْطَلَقَ النَّبِيُّ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَمَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُْرِ تُلْبَسُ،

⦗١٣٨⦘

إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ، لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤُوسِهِمْ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ».

سند حديث: ١٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي…

١٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «انطلق النبي ﷺ من المدينة، بعدما ترجل وادهن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

[الحديث ١٥٤٣ - طرفه في: ١٦٨٦]

[الحديث ١٥٤٤ - أطرافه في: ١٦٧٠، ١٦٨٥، ١٦٨٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ الرُّكُوبِ وَالِارْتِدَافُ فِي الْحَجِّ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِرْدَافِهِ أُسَامَةَ ثُمَّ الْفَضْلَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ. وَالْقِصَّةُ وَإِنْ كَانَتْ وَرَدَتْ فِي حَالَةِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مِنًى، لَكِنْ يُلْحَقُ بِهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِ الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ بِإِرْدَافِهِ مَنْ ذُكِرَ لِيُحَدِّثَ عَنْهُ بِمَا يَتَّفِقُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنَ التَّشْرِيعَ.

٢٣ - بَاب مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ

وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، وَقَالَتْ: لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ.

١٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ تُلْبَسُ إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا. ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبْ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ.

[الحديث ١٥٤٥ - طرفاه في: ١٦٢٥، ١٧٣١]

قَوْلُهُ: (بَابٌ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُغَايِرَةٌ لِلسَّابِقَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ حَيْثُ أنَّ تِلْكَ مَعْقُودَةٌ لِمَا لَا يُلْبَسُ مِنْ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ، وَهَذِهِ لِمَا يُلْبَسُ مِنْ أَنْوَاعِهَا. وَالْأُزُرُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالزَّاي - جَمْعُ إِزَارٍ.

قَوْلُهُ: (وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُوَرَّدَةَ بِالْعُصْفُرِ الْخَفِيفِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ لُبْسَ الْمُعَصْفَرِ لِلْمُحْرِمِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: الْعُصْفُرُ طِيبٌ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ عُمَرَ كَرِهَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ الْجَاهِلُ فَيَظُنُّ جَوَازَ لُبْسِ الْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ، ثُمَّ سَاقَ لَهُ قِصَّةً مَعَ طَلْحَةَ فِيهَا بَيَانُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ)؛

أَيْ عَائِشَةُ (لَا تَلَثَّمْ) بِمُثَنَّاةِ وَاحِدَةٍ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: تَلْتَثِمُ؛ بِسُكُونِ اللَّامِ وَزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ بَعْدَهَا، أَيْ لَا تُغَطِّي شَفَتَهَا بِثَوْبٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ مِنَ الْأَصْلِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُسْدِلُ الْمَرْأَةُ جِلْبَابَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ قَالَا: لَا تَلْبَسِ الْمُحْرِمَةُ الْقُفَّازَيْنِ وَالسَّرَاوِيلَ، وَلَا تُبَرْقِعْ وَلَا تَلَثَّمْ، وَتَلْبَسُ مَا شَاءَتْ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا ثَوْبًا يَنْفُضُ عَلَيْهَا وَرْسًا أَوْ زَعْفَرَانًا. وَهَذَا يُشْبِهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ)؛ أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ.

قَوْلُهُ: (لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا)؛ أَيْ تَطَيُّبًا. وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُسَدَّدٌ بِلَفْظِ: لَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ الطِّيبِ، وَلَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ بَابَاهُ الْمَكِّيُّ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ: مَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ فِي إِحْرَامِهَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: تَلْبَسُ مِنْ خَزِّهَا وَبَزِّهَا وَأَصْبَاغِهَا وَحُلِيِّهَا. وَأَمَّا الْمُوَرَّدُ - وَالْمُرَادُ مَا صُبِغَ عَلَى لَوْنِ الْوَرْدِ - فَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي: بَابِ طَوَافِ النِّسَاءِ فِي آخِرِ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَمَّا الْخُفُّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ الْمَخِيطَ كُلَّهُ وَالْخِفَافَ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا إِلَّا وَجْهَهَا فَتَسْدُلُ عَلَيْهِ الثَّوْبَ سَدْلًا خَفِيفًا تستتر بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ. وَلَا تُخَمِّرْهُ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ تَعْنِي جَدَّتَهَا. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّخْمِيرُ سَدْلًا كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا مَرَّ بِنَا رَكْبٌ سَدَلْنَا الثَّوْبَ عَلَى وُجُوهِنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا جَاوَزْنَا رَفَعْنَاهُ، انْتَهَى. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهَا، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ)؛ أَيِ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (لَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَ ثِيَابَهُ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَيُونُسَ، أَمَّا مُغِيرَةُ فَعَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ فَعَنْ عَطَاءٍ، وَأَمَّا يُونُسُ فَعَنِ الْحَسَنِ؛ قَالُوا: يُغَيِّرُ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ مَا شَاءَ، لَفْظُ سَعِيدٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يُبَدِّلَ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ. قَالَ سَعِيدٌ: وَحَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا إِذَا أَتَوْا بِئْرَ مَيْمُونٍ اغْتَسَلُوا وَلَبِسُوا أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ فَدَخَلُوا فِيهَا مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ.

قَوْلُهُ: (تَرَجَّلَ)؛ أَيْ سَرَّحَ شَعْرَهُ.

قَوْلُهُ: (وَادَّهَنَ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ الزَّيْتَ وَالشَّحْمَ وَالسَّمْنَ وَالشَّيْرَجَ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ سِوَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطِّيبَ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَدَنِهِ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الطِّيبِ وَالزَّيْتِ فِي هَذَا، فَقِيَاسُ كَوْنِ الْمُحْرِمِ مَمْنُوعًا عنِ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ أَنْ يُبَاحَ لَهُ اسْتِعْمَالُ الزَّيْتِ فِي رَأْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ.

قَوْلُهُ: (الَّتِي تَرْدَعُ) بِالْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ تُلَطَّخُ. يُقَالُ: رَدَعَ، إِذَا الْتَطَخَ، وَالرَّدْعُ أَثَرُ الطِّيبِ، وَرَدَعَ بِهِ الطِّيبُ إِذَا لَزِقَ بِجِلْدِهِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَرْدَغَتِ الْأَرْضُ؛ إِذَا كَثُرَتْ مَنَاقِعُ الْمِيَاهِ فِيهَا، وَالرَّدْغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الطِّينُ، انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ضَبْطُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَا تَعَرَّضَ لَهَا عِيَاضٌ وَلَا ابْنُ قُرْقُولٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ تُرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الصَّوَابُ حَذْفُ عَلَى، كَذَا قَالَ، وَإِثْبَاتُهَا مُوَجَّهٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ)؛ أَيْ وَصَلَ إِلَيْهَا نَهَارًا ثُمَّ بَاتَ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٤٥ - وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدَّال المُشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة مُصغَّرًا وضمِّ سين «سُليمان» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين (١) وسكون القاف (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (كُرَيْبٌ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ مِنَ المَدِينَةِ) بين الظُّهر والعصر يوم السَّبت كما صرَّح به الواقديُّ، ويأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- تحقيقه (بَعْدَمَا تَرَجَّلَ) بالجيم المُشدَّدة، أي: سرَّح شعره (وَادَّهَنَ) استعمل الدُّهن، وأصله: اِدْتَهَن، فأُبدِلت التَّاء دالًا، وأُدغِمت في الأخرى (وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ) أحدًا (عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ) جمع رداءٍ (وَالأُزُْرِ) بضمِّ الزَّاي وإسكانها جمع إزارٍ (تُلْبَسُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة (إِلَّا المُزَعْفَرَةَ) بالنَّصب على الاستثناء، والجرِّ على حذف الجارِّ؛ أي (٢): إلَّا عن المزعفرة (الَّتِي تَرْدَعُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والدَّال آخرُه عينٌ مهملتين، وفي روايةٍ: «تُردِع» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: التي كثر (٣) فيها الزَّعفران

حتَّى ينفضه على من يلبسها، وقال عياضٌ: الفتح أوجه، ومعنى الضَّمِّ: أنَّها تُبقي أثره (عَلَى الجِلْدِ) قال في «التَّنقيح»: قال أبو الفرج -يعني: ابنَ الجوزيِّ-: كذا وقع في «البخاريِّ»، وصوابه: «تردع الجلد» بحذف «على» أي: تصبغه. وأجاب في «المصابيح» بأنَّ الجوهريَّ قال في «الصِّحاح»: يُقال: رَدَعْتُه بالشَّيء فارتدع، أي: لطخته فتلطَّخ، قال: فإذا كان كذلك فيجوز أن يكون المراد في الحديث: التي تردع لابسها بأثرها، و «على الجلد» ظرفٌ مستقرٌّ في محلِّ نصبٍ على الحال، وهو وجهٌ جيِّدٌ لا يلزم من ارتكابه تخطئة الرِّواية، قال: ويحتمل أن يكون «تردع» قد تضمَّن معنى تنفض، أي: تنفض أثرها على الجلد. انتهى.

(فَأَصْبَحَ) (بِذِي الحُلَيْفَةِ) أي: وصل إليها نهارًا ثمَّ بات بها، وفي «مسلمٍ»: أنَّه صلَّى الظُّهر بها، ثمَّ دعا بناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسَلَتَ الدَّم وقلدَّها بنعلين، ثمَّ (رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة، وعند النَّسائيِّ: أنَّه صلَّى الظُّهر، ثمَّ ركب وصعد جبل البيداء، ثمَّ (أَهَلَّ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ) وهل كان مُفرِدًا الحجَّ أو قارنًا أو متمتِّعًا؟ خلافٌ يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ) بنعلين للإشعار بأنَّه هديٌ، قال الأزهريُّ: تكون البدنة من الإبل والبقر والغنم، وقال النَّوويُّ: هي البعير ذكرًا كان أو أنثى، وهي التي استكملت خمس سنين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بُدْنه» بضمِّ المُوحَّدة وسكون الدَّال المهملة بلفظ الجمع (وَذَلِكَ) المذكور من الرُّكوب والاستواء على البيداء والإهلال والتَّقليد (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَِعْدَةِ) بفتح القاف وكسرها، أو الإشارة لخروجه من المدينة، وهو الصَّواب لأنَّ أوَّل ذي الحجَّة كان يوم الخميس قطعًا لِمَا ثبت وتواتر أنَّ وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعيَّن أنَّ أوَّل ذي (١) الحجَّة الخميس، ولا يصحُّ أن يكون خروجه يوم الخميس وإن جزم به ابن حزمٍ، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في «الصَّحيحين» عن أنسٍ (٢): «أنَّهم صلُّوا معه الظُّهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُلَيفة ركعتين» [خ¦١٠٨٩] فدلَّ على أنَّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة،

ويُحمَل قوله: «لخمسٍ بقين» أي: إن كان الشَّهر ثلاثين، فاتَّفق أن جاء تسعًا وعشرين، فيكون يوم الخميس أوَّل ذي الحجَّة بعد مضيِّ أربع ليالٍ لا خمسٍ، ويؤيِّده قول جابرٍ: «لخمسٍ» بقين من ذي الحجَّة أو أربعٍ، وإنَّما لم يقل الرَّاوي: إن بقين بحرف الشَّرط لأنَّ الغالب تمام الشَّهر، وبه احتجَّ من قال: لا حاجة للإتيان به، والآخر راعى احتمال النَّقص، فقال: يحتاج إليه للاحتياط.

(فَقَدِمَ) (مَكَّةَ) من أعلاها (لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ) صبيحة يوم الأحد (فَطَافَ بِالبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أي: لم يَصِرْ حلالًا (مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ) بسكون (١) الدَّال (لأَنَّهُ) (قَلَّدَهَا) فصارت هديًا، ولا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلَّل حتَّى يبلغ الهديُ محلَّه (ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ) بفتح الحاء المهملة وضمِّ الجيم المُخفَّفة: الجبل المشرف على المُحَصَّب حذاء مسجد العقبة (٢)، وفي «المشارق» وغيرها: مقبرة أهل مكَّة على ميلٍ ونصفٍ من البيت (وَهْو) أي: والحال أنَّه (مُهِلٌّ بِالحَجِّ) بضمِّ الميم وكسر الهاء (وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا) لعلَّه لشغلٍ (٣) منعه من ذلك (حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ) الذين لم يسوقوا الهدي (أَنْ يَطَّوَّفُوا) بتشديد الطَّاء مفتوحةً، كذا في الفرع وأصله (٤)، وفي غيره: «يَطُوفُوا» بضمِّها مُخفَّفةً (بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤُوْسِهِمْ) لأجل أن يحلقوا بمنًى (ثُمَّ يَحِلُّوا) بفتح أوَّله وكسر ثانيه لأنَّهم متمتِّعون ولا هدي معهم كما قال: (وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ) في نسخةٍ: «ومن كان» (مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ) كسائر مُحرَّمات الإحرام حلالٌ له، فـ «الطِّيب» مبتدأٌ حُذِف خبرُه، والجملة عطفٌ على الجملة.

وموضع التَّرجمة قوله: «فلم ينه عن شيءٍ من الأردية والأزر تُلبَس»، والحديث من أفراد المؤلِّف، ورواه أيضًا مختصرًا.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣٢ - (بابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأرْدِيَةِ وَالأُزُرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يلبس وَلما بَين مَا لَا يلبس، شرع فِي بَيَان مَا يلبس، وَكلمَة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة أَي: بَاب فِي بَيَان الشَّيْء الَّذِي يلبس الْمحرم، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: فِي بَيَان لبس الْمحرم، وَكلمَة: من، فِي: من الثِّيَاب، بَيَانِيَّة وَهُوَ جمع ثوب، والأردية جمع رِدَاء، والأزر بِضَم الْهمزَة وَالزَّاي جمع إِزَار، وَيجوز تسكين الزَّاي وَضمّهَا اتبَاعا للهمزة، والرداء لِلنِّصْفِ الْأَعْلَى، والإزار لِلنِّصْفِ الْأَسْفَل، وَعطف الْأَرْبَعَة على الثِّيَاب من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام.

ولَبِسَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُحْرِمَةٌ وقالَتْ لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ وَلَا تلْبَسْ ثَوْبا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي صدر هَذَا التَّعْلِيق أَعنِي قَوْله: (ولبست عَائِشَة الثِّيَاب المعصفرة) أَي: المعصفرة أَي: المصبوغة بالعصفر. قَوْله: (وَهِي مُحرمَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سعيد بن الْمَنْصُور من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: (كَانَت عَائِشَة تلبس المعصفرة) . وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن أبي مليكَة: (أَن عَائِشَة كَانَت تلبس الثِّيَاب المورد بالعصفر الْخَفِيف وَهِي مُحرمَة) وَقيل: الثَّوْب المورد: الْمَصْبُوغ بالورد. قَوْله: (وَقَالَت) أَي: عَائِشَة: لَا تلثم، بتاء مثناة وَاحِدَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَأَصله: تتلثم، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا فِي: تلظى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَا تلتثم، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون اللَّام وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة: من الالتثام، من بَاب الافتعال، وَالْأول من بَاب التفعل، وَسقط هَذَا من الأَصْل فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَكِلَاهُمَا من اللثام، وَهُوَ مَا يُغطي الشّفة. وَالْمعْنَى هَهُنَا: لَا تغطي الْمَرْأَة شفتها بِثَوْب. قَوْله: (وَلَا تتبرقع) أَي: وَلَا تلبس البرقع، بِضَم الْبَاء وَسُكُون الرَّاء وَضم الْقَاف وَفتحهَا، وَهُوَ مَا يُغطي الْوَجْه. وَعَن الْحسن وَعَطَاء مثل مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مصنفة) عَن عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن وَعَطَاء، قَالَا: لَا تلبس الْمُحرمَة القفازين والسراويل وَلَا تبرقع وَلَا تلثم وتلبس مَا شَاءَت من الثِّيَاب إلَاّ ثوبا ينفض عَلَيْهَا ورسا أَو زعفرانا. قَوْله: (وَلَا تلبس ثوبا بورس وزعفران) أَي: مصبوغا بورس وزعفران، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (نهى النِّسَاء فِي إحرامهن عَن القفازين والنقاب، وَمَا مَسّه الورس والزعفران من الثِّيَاب، ولتلبس بعد ذَلِك مَا أحبت من ألوان الثِّيَاب من معصفر أَو خَز أَو حلي أَو قَمِيص أَو سَرَاوِيل.

وَقَالَ جابِرٌ: لَا أرَى المُعَصْف طِيبا

أَي: قَالَ جَابر بن عبد الله الصَّحَابِيّ: أَي: لَا أرَاهُ مطيبا لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يكون الْمَفْعُول الثَّانِي معنى، وَالْأول عينا، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الشَّافِعِي، ومسدد بِلَفْظ: (لَا تلبس الْمَرْأَة ثِيَاب الطّيب، وَلَا أرى المعصفر طيبا) .

وَلَمُ تَرَ عائِشَةُ بَأسا بِالحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الأسْوَدِ والمُوَدَّدِ والخُفِّ لِلْمَرْأةِ

الْحلِيّ، بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام، جمع الحلى. وَالثَّوْب المورَّد الْمَصْبُوغ بالورد، يَعْنِي: على لون الْورْد، وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن باباه الْمَكِّيّ أَن امْرَأَة سَأَلت عَائِشَة: مَا تلبس الْمَرْأَة فِي إحرامها؟ قَالَت عَائِشَة: تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَجمعُوا على أَن الْمَرْأَة تلبس الْمخيط كُله والخفاف وَإِن لَهَا أَن تغطي رَأسهَا وتستر شعرهَا إلَاّ وَجههَا تسدل عَلَيْهِ الثَّوْب سدلاف خَفِيفا تستتر بِهِ عَن نظر الرِّجَال، وَلَا تخمره إلَاّ مَا رُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر، قَالَت: كُنَّا نخمر وُجُوهنَا وَنحن مُحرمَات مَعَ أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. تَعْنِي: جدَّتهَا. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك التخمير سدلاً كَمَا جَاءَ عَن عَائِشَة، قَالَت: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا مر بِنَا ركب سدلنا الثَّوْب على وُجُوهنَا وَنحن مُحرمَات، فَإِذا جَاوز رفعنَا. قلت: فِيمَا أخرجه الْجَمَاعَة: وَلَا تنتقب الْمَرْأَة الْمُحرمَة فِيهِ دَلِيل على أَنه يحرم على الْمَرْأَة ستر وَجههَا فِي الْإِحْرَام. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: مَفْهُومه يدل على إِبَاحَة تَغْطِيَة الْوَجْه للرجل وإلَاّ لما كَانَ فِي التَّقْيِيد بِالْمَرْأَةِ فَائِدَة. قلت: قد ذهب إِلَى جَوَاز تَغْطِيَة الرجل الْمحرم وَجهه عُثْمَان بن عَفَّان وَزيد بن ثَابت ومروان بن

الحكم وَمُجاهد وطاووس، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَجُمْهُور أهل الْعلم، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى الْمَنْع من ذَلِك، واحتجا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تخمروا وَجهه وَلَا رَأسه، رَوَاهُ مُسلم، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ: وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ خَارِجا وَجهه وَرَأسه. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَهَذَا أَمر فِيهِ خَفَاء على الْخلق وَلَيْسوا على الْحق. قَالَ: وَلَقَد رَأَيْت بعض أَصْحَابنَا من أهل الْعلم مِمَّن يتعاطى الْفِقْه والْحَدِيث يَبْنِي الْمَسْأَلَة على أَن الْوَجْه من الرَّأْس أم لَا؟ فعجبت لضلالته عَن دلَالَته ونسيانه لصنعته، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: لَا أَدْرِي مَا وَجه إِنْكَاره على من بنى الْمَسْأَلَة على ذَلِك، وَمَا قَالَه وَاضح فِي قَول ابْن عمر الَّذِي رَوَاهُ مَالك، وَقد جَاءَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح التَّفْرِقَة بَين أَعلَى الْوَجْه وأسفله، فروى سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: يُغطي الْمحرم وَجهه مَا دون الحاجبين، وَفِي رِوَايَة لَهُ: مَا دون عَيْنَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بذلك الِاحْتِيَاط لكشف الرَّأْس، وَلَكِن هَذَا أَمر زَائِد على الِاحْتِيَاط لذَلِك، وَالِاحْتِيَاط يحصل بِدُونِ ذَلِك.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ لَا بأسَ أنْ يُبْدِلَ ثِيابَهُ

أَي: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَوَصله أَبُو بكر، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة بن شُعْبَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: يُغير الْمحرم ثِيَابه مَا شَاءَ بعد أَن يلبس ثِيَاب الْمحرم، قَالَ: وَحدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن سعيد بن يُوسُف عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة قَالَ: غيَّر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثوبيه بِالتَّنْعِيمِ. وَحدثنَا هشيم عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وَيُونُس عَن الْحسن وحجاج عَن عبد الْملك وَعَطَاء أَنهم لم يرَوا بَأْسا أَن يُبدل الْمحرم ثِيَابه، وَكَذَا قَالَه طَاوُوس وَسَعِيد بن جُبَير، سُئِلَ: أيبيع الْمحرم ثِيَابه؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ ابْن التِّين: مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه أَنه يجوز لَهُ التّرْك للباس الثَّوْب، وَيجوز لَهُ بَيْعه. وَقَالَ سَحْنُون: لَا يجوز لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يعرض الْقمل للْقَتْل بِالْبيعِ.

٥٤٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني مُوسى بنُ عُقْبَةَ قَالَ أَخْبرنِي كُرَيْبٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ انْطَلَقَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَما ترَجَّلَ وادَّهَنَ ولَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وأصْحَابُهُ فلَمْ يَنْهَ عنْ شيءٍ مِنَ الأرْدِيَةِ والأُزْرِ تُلْبَسُ إلَاّ المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلى الجِلدِ فأصبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوى عَلى البيْدَاءِ أهَلَّ هُوَ وأصْحابُهُ وقَلَّدَ بَدَنتَهُ وذالِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ فقَدِمَ مَكَّةَ لأِرْبَعِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِن ذِي الحِجَّةِ فطافَ بِالبَيْتِ وسعَى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ولَمْ يَحِلَّ مِنْ أجْلِ بُدْنِهِ لأنَّهُ قَلَّدهَا ثُمَّ نزَلَ بأعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ وَهْوَ مُهل بِالحَجِّ ولَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ وأمَرَ أصْحَابَهُ أنْ يَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤوسِهِمْ ثُمَّ يحِلُّوا وذالِك لِمَنْ لَمْ يَكُنْ معَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا وَمَنْ كانَتْ مَعَهُ امْرَأتُهُ فَهْيَ لَهُ حَلَالٌ والطِّيبُ والثِّيَابُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة قَوْله: (فَلم ينْه عَن شَيْء من الأردية والأزر تلبس) .

وَرِجَاله قد ذكرُوا، والمقدمي، بتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة، وفضيل مصغر فضل، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ مُخْتَصرا أَيْضا.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ترجل) أَي: سرح شعره. قَوْله: (وادهن) أَي: اسْتعْمل الدّهن، وَأَصله: ادتهن، لِأَنَّهُ من بَاب الافتعال، فأبدلت الدَّال من التَّاء وأدغمت الدَّال فِي الدَّال. قَوْله: (هُوَ) ، ضمير فصل. قَوْله: (تردع) ، بالراء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: تلطخ الْجلد، يُقَال: تردع إِذا التطخ، والردع أثر الطّيب، وردع بِهِ الطّيب إِذا لزق بجلده، وَقَالَ ابْن بطال: وَقد رُوِيَ: ترذع، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، من قَوْلهم: أرذعت الأَرْض أَي: كثرت مَنَافِع الْمِيَاه فِيهَا، والرذع بِالْمُعْجَمَةِ الطين. قَوْله: (الَّتِي تردع على الْجلد) ، هَكَذَا وَقع فِي الأَصْل. وَقَالَ

ابْن الْجَوْزِيّ: الصَّوَاب حذف على. قَوْله: (فَأصْبح بِذِي الحليفة) أَي: وصل إِلَيْهَا نَهَارا فَبَاتَ بهَا، كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَاب الَّذِي بعده من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بدنته) قَالَ الْجَوْهَرِي هِيَ: نَاقَة أَو بقرة تنحر بِمَكَّة، سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يسمنونها، وَالْجمع بدن بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: تكون الْبَدنَة من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ الْبَعِير ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى بِشَرْط أَن يكون فِي سنّ الْأُضْحِية، وَهِي الَّتِي استكملت خمس سِنِين. قَوْله: (فَأصْبح بِذِي الحليفة ركب رَاحِلَته) ، وَفِي (صَحِيح مُسلم) عَنهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلى الظّهْر بِذِي الحليفة، ثمَّ دعى بناقته فأشعرها فِي صفحة سنامها الْأَيْمن، وسلت الدَّم وقلدها بنعلين، ثمَّ ركب رَاحِلَته، فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ على الْبَيْدَاء أهلَّ بِالْحَجِّ) . وَقَالَ ابْن حزم: فَهَذَا ابْن عَبَّاس يذكر أَنه صلى الظّهْر فِي ذِي الحليفة، وَأنس يذكر أَنه صلَاّها بِالْمَدِينَةِ، وكلا الطَّرِيقَيْنِ فِي غَايَة الصِّحَّة، وَأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أثبت فِي هَذَا الْمَكَان لِأَنَّهُ ذكر أَنه حضر ذَلِك بقوله: صلى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ، ثمَّ إِن ابْن عَبَّاس لم يذكر حضورا فِيهَا أَنَّهَا كَانَت يَوْم خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة، إِنَّمَا عَنى بِهِ الْيَوْم الثَّانِي، فَلَا تعَارض. وَعند النَّسَائِيّ: عَن أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلى الظّهْر بِالْبَيْدَاءِ ثمَّ ركب وَصعد جبل الْبَيْدَاء، وأهلَّ بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة) . وَلَا تعَارض، فَإِن الْبَيْدَاء وَذَا الحليفة متصلتان بعضهما مَعَ بعض، فصلى الظّهْر فِي آخر ذِي الحليفة وَهُوَ أول الْبَيْدَاء. قَوْله: (وَذَلِكَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة) ، ذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور من ركُوبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاحِلَته واستوائه على الْبَيْدَاء وإهلاله وتقليده بدنته لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَهُوَ بِكَسْر الْقَاف وَفتحهَا، وَكَذَا فِي ذِي الْحجَّة بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا، وَالْفَتْح هُنَا أشهر. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قَوْله: وَذَلِكَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة يحْتَمل أَنه أَرَادَ الْخُرُوج، وَيحْتَمل الإهلال، فأردنا أَن نَعْرِف أَيهمَا أَرَادَ، فَوَجَدنَا عَائِشَة رَوَت فِي صَحِيح مُسلم: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة) . وَفِي الإكليل من حَدِيث الْوَاقِدِيّ عَن ابْن أبي سُبْرَة عَن سعيد بن مُحَمَّد بن جُبَير عَن أَبِيه مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم أَنه قَالَ: خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من الْمَدِينَة يَوْم السبت لخمس لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة عشر، فصلى الظّهْر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ) وَزعم ابْن حزم أَنه: (خرح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة نَهَارا بعد أَن تغدى وَصلى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ، وَصلى الْعَصْر من ذَلِك الْيَوْم بِذِي الحليفة، وَبَات بِذِي الحليفة لَيْلَة الْجُمُعَة، وَطَاف على نِسَائِهِ ثمَّ اغْتسل ثمَّ صلى بهَا الصُّبْح، ثمَّ طيبته عَائِشَة ثمَّ أحرم وَلم يغسل الطّيب، وأهلَّ حِين انبعثت بِهِ رَاحِلَته من عِنْد مَسْجِد ذِي الحليفة بِالْقُرْآنِ: الْعمرَة وَالْحج مَعًا، وَذَلِكَ قبل الظّهْر بِيَسِير، ثمَّ لبَّى ثمَّ نَهَضَ وَصلى الظّهْر بِالْبَيْدَاءِ، ثمَّ تَمَادى واستهل هِلَال ذِي الْحجَّة. قَالَ: فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: إِنَّه خرج من الْمَدِينَة لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَقد ذكر مُسلم من حَدِيث عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة لَا نرى إلَاّ الْحَج؟ قلت: قد ذكر مُسلم أَيْضا من طَرِيق عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، خرجنَا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة، فَلَمَّا اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَة عَنْهَا رَجعْنَا إِلَى من لم تضطرب الرِّوَايَة عَنهُ فِي ذَلِك، وهما: عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس، فَوَجَدنَا ابْن عَبَّاس ذكر أَن اندفاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذِي الحليفة بعد أَن بَات بهَا كَانَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَذكر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يَوْم عَرَفَة كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فِي ذَلِك الْعَام، فَوَجَبَ أَن استهلال ذِي الْحجَّة كَانَ لَيْلَة يَوْم الْخَمِيس، وَأَن آخر يَوْم من ذِي الْقعدَة كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء، فصح أَن خُرُوجه كَانَ يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من ذِي الْحجَّة، ويزيده وضوحا حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: صلينَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الظّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبعا، وَالْعصر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ، فَلَو كَانَ خُرُوجه لخمس بَقينَ لذِي الْقعدَة لَكَانَ بِلَا شكّ يَوْم الْجُمُعَة، وَالْجُمُعَة لَا تصلى أَرْبعا، فصح أَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْخَمِيس. وَعلمنَا أَن معنى قَول عَائِشَة: لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، إِنَّمَا عنت اندفاعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذِي الحليفة، فَلم تعد المرحلة الْقَرِيبَة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَرَادَ أَن يخرج لسفر لم يخرج إلَاّ يَوْم الْخَمِيس، فَبَطل خُرُوجه يَوْم الْجُمُعَة، وَبَطل أَن يكون يَوْم السبت، لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ خَارِجا من الْمَدِينَة لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَصَحَّ أَن خُرُوجه كَانَ لست بَقينَ، واندفاعه من ذِي الحليفة لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وتألفت الرِّوَايَات. قَوْله: (فَقدم مَكَّة لأَرْبَع لَيَال خلون من ذِي الْحجَّة) قَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدثنَا أَفْلح بن حميد عَن أَبِيه عَن ابْن عمر أَن هِلَال ذِي الْحجَّة كَانَ لَيْلَة الْخَمِيس، الْيَوْم الثَّامِن من يَوْم خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة، وَنزل بِذِي طوى، فَبَاتَ

بهَا لَيْلَة الْأَحَد لأَرْبَع خلون من ذِي الْحجَّة، وَصلى الصُّبْح بهَا، وَدخل مَكَّة نَهَارا من أَعْلَاهَا صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد. قَوْله: (وَلم يحل) أَي: لم يصر حَلَالا، إِذْ لَا يجوز لصَاحب الْهَدْي أَن يتَحَلَّل حَتَّى يبلغ الْهدى مَحَله. قَوْله: (الْحجُون) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الْجِيم على وزن فعول: مَوضِع بِمَكَّة عِنْد المحصب، وَهُوَ الْجَبَل المشرف بحذاء الْمَسْجِد الَّذِي يَلِي شعب الجزارين إِلَى مَا بَين الحوضين اللَّذين فِي حَائِط عَوْف، وَهُوَ مَقْبرَة أهل مَكَّة، وَهُوَ من الْبَيْت على ميل وَنصف. قَوْله: (وَلم يقرب الْكَعْبَة) ، لَعَلَّه مَنعه الشّغل عَن ذَلِك، وإلَاّ فَلهُ أَن يتَطَوَّع بِالطّوافِ مَا شَاءَ. قَوْله: (وَأمر أَصْحَابه أَن يطوفوا بِالْبَيْتِ) ، يَعْنِي الَّذِي لم يسوقوا الْهَدْي، لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِك لمن لم يكن مَعَه بَدَنَة قلدها أَن يطوفوا بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة، قَوْله: (ثمَّ يقصروا) ، بِالتَّشْدِيدِ، وَالتَّقْصِير هُنَا لأجل أَن يلْحقُوا بمنى. قَوْله: (ثمَّ يحلوا) ، وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا متمتعين، وَلم يكن مَعَهم الْهَدْي، فَلهَذَا حل لَهُم النِّسَاء وَالطّيب وَسَائِر الْمُحرمَات. قَوْله: (وَذَلِكَ) إِشَارَة إِلَى قَوْله: ثمَّ يحل قَوْله: (وَالطّيب) ، مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: وَالطّيب حَلَال لَهُ. قَوْله: (وَالثيَاب) ، عطف عَلَيْهِ أَي: وَالثيَاب كَذَلِك حَلَال لَهُم.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا لِأَنَّهُ جمع بَين الْعمرَة وَالْحج فِي سفرة وَاحِدَة، وَهُوَ صفة الْقُرْآن، وَأَنه أفضل من الْإِفْرَاد والتمتع، وسنحرر الْبَحْث فِي ذَلِك فِيمَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٤٢ - (بابُ مَنْ باتَ بِذِي الحُلَيْفَةِ حَتَّى أصْبَحَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من بَات بِذِي الحليفة حَتَّى أصبح إِذا كَانَ حجَّة من الْمَدِينَة، لِأَن مِيقَات أهل الْمَدِينَة هُوَ ذُو الحليفة، وَمرَاده من هَذِه التَّرْجَمَة مَشْرُوعِيَّة الْمبيت بالميقات، وَأَنه إِذا بَات فِيهِ لَا يكون فِيهِ تَأْخِير الْإِحْرَام، وَلَا يشبه بِمن يتَجَاوَز بِغَيْر إِحْرَام.

قالَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: قَالَ عبد الله بن عمر: أَمر البيتوتة فِي ذِي الحليفة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا تقدم فِي: بَاب خُرُوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على طَرِيق الشَّجَرَة، وَفِيه صلى بِذِي الحليفة بِبَطن الْوَادي، وَبَات حَتَّى يصبح.

٦٤٥١ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالمَدِينَةِ أرْبَعا وبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ باتَ حَتَّى أصْبَحَ بِذِي الحَلِيفَةِ فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بهِ أهَلَّ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ بَات حَتَّى أصبح) أَي: ثمَّ بَات بِذِي الحليفة، إِلَى أَن أصبح.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا، وَعبد الله ابْن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي صنعاء، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز ابْن جريج، وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر، بِلَفْظ الْفَاعِل من الإنكدار، ابْن عبد الله أَبُو بكر، وَيُقَال: أَبُو عبد الله.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع فِي نُسْخَة وَفِي أُخْرَى بِصِيغَة الْجمع، وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه بخاري، وَهِشَام يماني صنعاني وَابْن جريج مكي، وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر مدنِي. وَفِيه: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، أَو حَدثنِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، كَمَا ذكرنَا. هَكَذَا رَوَاهُ الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج عَنهُ، وَخَالفهُم عِيسَى بن يُونُس فَقَالَ: عَن ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس، وَقد توهم فِي ذكر الزُّهْرِيّ، وَالصَّحِيح أَنه من رِوَايَة ابْن جريج عَن ابْن الْمُنْكَدر، قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (علله) وَقَالَ الْمزي: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة، وَالصَّوَاب أَنه فِي الْحَج رَوَاهُ عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرْبعا) أَي: أَربع رَكْعَات، وَهِي صَلَاة الظّهْر. . قَوْله: (رَكْعَتَيْنِ) أَي: وَصلى بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ وهما صَلَاة الْعَصْر على سَبِيل الْقصر، لِأَنَّهُ كَانَ منشأ للسَّفر، وَذَلِكَ كَانَ فِي صَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (ثمَّ بَات) أَي: بِذِي الحليفة حَتَّى أصبح أَي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

[الحديث ١٥٤٣ - طرفه في: ١٦٨٦]

[الحديث ١٥٤٤ - أطرافه في: ١٦٧٠، ١٦٨٥، ١٦٨٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ الرُّكُوبِ وَالِارْتِدَافُ فِي الْحَجِّ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِرْدَافِهِ أُسَامَةَ ثُمَّ الْفَضْلَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ. وَالْقِصَّةُ وَإِنْ كَانَتْ وَرَدَتْ فِي حَالَةِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى مِنًى، لَكِنْ يُلْحَقُ بِهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِ الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ بِإِرْدَافِهِ مَنْ ذُكِرَ لِيُحَدِّثَ عَنْهُ بِمَا يَتَّفِقُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنَ التَّشْرِيعَ.

٢٣ - بَاب مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ

وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، وَقَالَتْ: لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ.

١٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ تُلْبَسُ إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا. ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبْ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ.

[الحديث ١٥٤٥ - طرفاه في: ١٦٢٥، ١٧٣١]

قَوْلُهُ: (بَابٌ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُغَايِرَةٌ لِلسَّابِقَةِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ حَيْثُ أنَّ تِلْكَ مَعْقُودَةٌ لِمَا لَا يُلْبَسُ مِنْ أَجْنَاسِ الثِّيَابِ، وَهَذِهِ لِمَا يُلْبَسُ مِنْ أَنْوَاعِهَا. وَالْأُزُرُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالزَّاي - جَمْعُ إِزَارٍ.

قَوْلُهُ: (وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُوَرَّدَةَ بِالْعُصْفُرِ الْخَفِيفِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ. وَأَجَازَ الْجُمْهُورُ لُبْسَ الْمُعَصْفَرِ لِلْمُحْرِمِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: الْعُصْفُرُ طِيبٌ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ عُمَرَ كَرِهَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ الْجَاهِلُ فَيَظُنُّ جَوَازَ لُبْسِ الْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ، ثُمَّ سَاقَ لَهُ قِصَّةً مَعَ طَلْحَةَ فِيهَا بَيَانُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ)؛

أَيْ عَائِشَةُ (لَا تَلَثَّمْ) بِمُثَنَّاةِ وَاحِدَةٍ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: تَلْتَثِمُ؛ بِسُكُونِ اللَّامِ وَزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ بَعْدَهَا، أَيْ لَا تُغَطِّي شَفَتَهَا بِثَوْبٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ مِنَ الْأَصْلِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُسْدِلُ الْمَرْأَةُ جِلْبَابَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا. وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ قَالَا: لَا تَلْبَسِ الْمُحْرِمَةُ الْقُفَّازَيْنِ وَالسَّرَاوِيلَ، وَلَا تُبَرْقِعْ وَلَا تَلَثَّمْ، وَتَلْبَسُ مَا شَاءَتْ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا ثَوْبًا يَنْفُضُ عَلَيْهَا وَرْسًا أَوْ زَعْفَرَانًا. وَهَذَا يُشْبِهُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ)؛ أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ.

قَوْلُهُ: (لَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا)؛ أَيْ تَطَيُّبًا. وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُسَدَّدٌ بِلَفْظِ: لَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ الطِّيبِ، وَلَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالْحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الْأَسْوَدِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ بَابَاهُ الْمَكِّيُّ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ: مَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ فِي إِحْرَامِهَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: تَلْبَسُ مِنْ خَزِّهَا وَبَزِّهَا وَأَصْبَاغِهَا وَحُلِيِّهَا. وَأَمَّا الْمُوَرَّدُ - وَالْمُرَادُ مَا صُبِغَ عَلَى لَوْنِ الْوَرْدِ - فَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي: بَابِ طَوَافِ النِّسَاءِ فِي آخِرِ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَمَّا الْخُفُّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ الْمَخِيطَ كُلَّهُ وَالْخِفَافَ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا إِلَّا وَجْهَهَا فَتَسْدُلُ عَلَيْهِ الثَّوْبَ سَدْلًا خَفِيفًا تستتر بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ. وَلَا تُخَمِّرْهُ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ تَعْنِي جَدَّتَهَا. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّخْمِيرُ سَدْلًا كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا مَرَّ بِنَا رَكْبٌ سَدَلْنَا الثَّوْبَ عَلَى وُجُوهِنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا جَاوَزْنَا رَفَعْنَاهُ، انْتَهَى. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهَا، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ)؛ أَيِ النَّخَعِيُّ.

قَوْلُهُ: (لَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَ ثِيَابَهُ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَيُونُسَ، أَمَّا مُغِيرَةُ فَعَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ فَعَنْ عَطَاءٍ، وَأَمَّا يُونُسُ فَعَنِ الْحَسَنِ؛ قَالُوا: يُغَيِّرُ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ مَا شَاءَ، لَفْظُ سَعِيدٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يُبَدِّلَ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ. قَالَ سَعِيدٌ: وَحَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا إِذَا أَتَوْا بِئْرَ مَيْمُونٍ اغْتَسَلُوا وَلَبِسُوا أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ فَدَخَلُوا فِيهَا مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ.

قَوْلُهُ: (تَرَجَّلَ)؛ أَيْ سَرَّحَ شَعْرَهُ.

قَوْلُهُ: (وَادَّهَنَ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ الزَّيْتَ وَالشَّحْمَ وَالسَّمْنَ وَالشَّيْرَجَ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ سِوَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الطِّيبَ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَدَنِهِ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الطِّيبِ وَالزَّيْتِ فِي هَذَا، فَقِيَاسُ كَوْنِ الْمُحْرِمِ مَمْنُوعًا عنِ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ أَنْ يُبَاحَ لَهُ اسْتِعْمَالُ الزَّيْتِ فِي رَأْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ.

قَوْلُهُ: (الَّتِي تَرْدَعُ) بِالْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ تُلَطَّخُ. يُقَالُ: رَدَعَ، إِذَا الْتَطَخَ، وَالرَّدْعُ أَثَرُ الطِّيبِ، وَرَدَعَ بِهِ الطِّيبُ إِذَا لَزِقَ بِجِلْدِهِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَرْدَغَتِ الْأَرْضُ؛ إِذَا كَثُرَتْ مَنَاقِعُ الْمِيَاهِ فِيهَا، وَالرَّدْغُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الطِّينُ، انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ضَبْطُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَا تَعَرَّضَ لَهَا عِيَاضٌ وَلَا ابْنُ قُرْقُولٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ تُرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الصَّوَابُ حَذْفُ عَلَى، كَذَا قَالَ، وَإِثْبَاتُهَا مُوَجَّهٌ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ)؛ أَيْ وَصَلَ إِلَيْهَا نَهَارًا ثُمَّ بَاتَ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ) تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥٤٥ - وبالسَّند السَّابق أوَّل الكتاب إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بفتح الدَّال المُشدَّدة، قال: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح الضَّاد المعجمة مُصغَّرًا وضمِّ سين «سُليمان» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضمِّ العين (١) وسكون القاف (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (كُرَيْبٌ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ مِنَ المَدِينَةِ) بين الظُّهر والعصر يوم السَّبت كما صرَّح به الواقديُّ، ويأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- تحقيقه (بَعْدَمَا تَرَجَّلَ) بالجيم المُشدَّدة، أي: سرَّح شعره (وَادَّهَنَ) استعمل الدُّهن، وأصله: اِدْتَهَن، فأُبدِلت التَّاء دالًا، وأُدغِمت في الأخرى (وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ) أحدًا (عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ) جمع رداءٍ (وَالأُزُْرِ) بضمِّ الزَّاي وإسكانها جمع إزارٍ (تُلْبَسُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوحَّدة (إِلَّا المُزَعْفَرَةَ) بالنَّصب على الاستثناء، والجرِّ على حذف الجارِّ؛ أي (٢): إلَّا عن المزعفرة (الَّتِي تَرْدَعُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والدَّال آخرُه عينٌ مهملتين، وفي روايةٍ: «تُردِع» بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه، أي: التي كثر (٣) فيها الزَّعفران

حتَّى ينفضه على من يلبسها، وقال عياضٌ: الفتح أوجه، ومعنى الضَّمِّ: أنَّها تُبقي أثره (عَلَى الجِلْدِ) قال في «التَّنقيح»: قال أبو الفرج -يعني: ابنَ الجوزيِّ-: كذا وقع في «البخاريِّ»، وصوابه: «تردع الجلد» بحذف «على» أي: تصبغه. وأجاب في «المصابيح» بأنَّ الجوهريَّ قال في «الصِّحاح»: يُقال: رَدَعْتُه بالشَّيء فارتدع، أي: لطخته فتلطَّخ، قال: فإذا كان كذلك فيجوز أن يكون المراد في الحديث: التي تردع لابسها بأثرها، و «على الجلد» ظرفٌ مستقرٌّ في محلِّ نصبٍ على الحال، وهو وجهٌ جيِّدٌ لا يلزم من ارتكابه تخطئة الرِّواية، قال: ويحتمل أن يكون «تردع» قد تضمَّن معنى تنفض، أي: تنفض أثرها على الجلد. انتهى.

(فَأَصْبَحَ) (بِذِي الحُلَيْفَةِ) أي: وصل إليها نهارًا ثمَّ بات بها، وفي «مسلمٍ»: أنَّه صلَّى الظُّهر بها، ثمَّ دعا بناقته، فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسَلَتَ الدَّم وقلدَّها بنعلين، ثمَّ (رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة وسكون التَّحتيَّة، وعند النَّسائيِّ: أنَّه صلَّى الظُّهر، ثمَّ ركب وصعد جبل البيداء، ثمَّ (أَهَلَّ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ) وهل كان مُفرِدًا الحجَّ أو قارنًا أو متمتِّعًا؟ خلافٌ يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ) بنعلين للإشعار بأنَّه هديٌ، قال الأزهريُّ: تكون البدنة من الإبل والبقر والغنم، وقال النَّوويُّ: هي البعير ذكرًا كان أو أنثى، وهي التي استكملت خمس سنين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بُدْنه» بضمِّ المُوحَّدة وسكون الدَّال المهملة بلفظ الجمع (وَذَلِكَ) المذكور من الرُّكوب والاستواء على البيداء والإهلال والتَّقليد (لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَِعْدَةِ) بفتح القاف وكسرها، أو الإشارة لخروجه من المدينة، وهو الصَّواب لأنَّ أوَّل ذي الحجَّة كان يوم الخميس قطعًا لِمَا ثبت وتواتر أنَّ وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعيَّن أنَّ أوَّل ذي (١) الحجَّة الخميس، ولا يصحُّ أن يكون خروجه يوم الخميس وإن جزم به ابن حزمٍ، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة، لكن ثبت في «الصَّحيحين» عن أنسٍ (٢): «أنَّهم صلُّوا معه الظُّهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحُلَيفة ركعتين» [خ¦١٠٨٩] فدلَّ على أنَّ خروجهم لم يكن يوم الجمعة،

ويُحمَل قوله: «لخمسٍ بقين» أي: إن كان الشَّهر ثلاثين، فاتَّفق أن جاء تسعًا وعشرين، فيكون يوم الخميس أوَّل ذي الحجَّة بعد مضيِّ أربع ليالٍ لا خمسٍ، ويؤيِّده قول جابرٍ: «لخمسٍ» بقين من ذي الحجَّة أو أربعٍ، وإنَّما لم يقل الرَّاوي: إن بقين بحرف الشَّرط لأنَّ الغالب تمام الشَّهر، وبه احتجَّ من قال: لا حاجة للإتيان به، والآخر راعى احتمال النَّقص، فقال: يحتاج إليه للاحتياط.

(فَقَدِمَ) (مَكَّةَ) من أعلاها (لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ) صبيحة يوم الأحد (فَطَافَ بِالبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أي: لم يَصِرْ حلالًا (مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ) بسكون (١) الدَّال (لأَنَّهُ) (قَلَّدَهَا) فصارت هديًا، ولا يجوز لصاحب الهدي أن يتحلَّل حتَّى يبلغ الهديُ محلَّه (ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ) بفتح الحاء المهملة وضمِّ الجيم المُخفَّفة: الجبل المشرف على المُحَصَّب حذاء مسجد العقبة (٢)، وفي «المشارق» وغيرها: مقبرة أهل مكَّة على ميلٍ ونصفٍ من البيت (وَهْو) أي: والحال أنَّه (مُهِلٌّ بِالحَجِّ) بضمِّ الميم وكسر الهاء (وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا) لعلَّه لشغلٍ (٣) منعه من ذلك (حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ) الذين لم يسوقوا الهدي (أَنْ يَطَّوَّفُوا) بتشديد الطَّاء مفتوحةً، كذا في الفرع وأصله (٤)، وفي غيره: «يَطُوفُوا» بضمِّها مُخفَّفةً (بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤُوْسِهِمْ) لأجل أن يحلقوا بمنًى (ثُمَّ يَحِلُّوا) بفتح أوَّله وكسر ثانيه لأنَّهم متمتِّعون ولا هدي معهم كما قال: (وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ) في نسخةٍ: «ومن كان» (مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ) كسائر مُحرَّمات الإحرام حلالٌ له، فـ «الطِّيب» مبتدأٌ حُذِف خبرُه، والجملة عطفٌ على الجملة.

وموضع التَّرجمة قوله: «فلم ينه عن شيءٍ من الأردية والأزر تُلبَس»، والحديث من أفراد المؤلِّف، ورواه أيضًا مختصرًا.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٣٢ - (بابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأرْدِيَةِ وَالأُزُرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يلبس وَلما بَين مَا لَا يلبس، شرع فِي بَيَان مَا يلبس، وَكلمَة: مَا، يجوز أَن تكون مَوْصُولَة أَي: بَاب فِي بَيَان الشَّيْء الَّذِي يلبس الْمحرم، وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة أَي: فِي بَيَان لبس الْمحرم، وَكلمَة: من، فِي: من الثِّيَاب، بَيَانِيَّة وَهُوَ جمع ثوب، والأردية جمع رِدَاء، والأزر بِضَم الْهمزَة وَالزَّاي جمع إِزَار، وَيجوز تسكين الزَّاي وَضمّهَا اتبَاعا للهمزة، والرداء لِلنِّصْفِ الْأَعْلَى، والإزار لِلنِّصْفِ الْأَسْفَل، وَعطف الْأَرْبَعَة على الثِّيَاب من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام.

ولَبِسَتْ عَائِشَةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُحْرِمَةٌ وقالَتْ لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ وَلَا تلْبَسْ ثَوْبا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي صدر هَذَا التَّعْلِيق أَعنِي قَوْله: (ولبست عَائِشَة الثِّيَاب المعصفرة) أَي: المعصفرة أَي: المصبوغة بالعصفر. قَوْله: (وَهِي مُحرمَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق سعيد بن الْمَنْصُور من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد، قَالَ: (كَانَت عَائِشَة تلبس المعصفرة) . وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن أبي مليكَة: (أَن عَائِشَة كَانَت تلبس الثِّيَاب المورد بالعصفر الْخَفِيف وَهِي مُحرمَة) وَقيل: الثَّوْب المورد: الْمَصْبُوغ بالورد. قَوْله: (وَقَالَت) أَي: عَائِشَة: لَا تلثم، بتاء مثناة وَاحِدَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَأَصله: تتلثم، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا فِي: تلظى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: لَا تلتثم، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون اللَّام وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة: من الالتثام، من بَاب الافتعال، وَالْأول من بَاب التفعل، وَسقط هَذَا من الأَصْل فِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ، وَكِلَاهُمَا من اللثام، وَهُوَ مَا يُغطي الشّفة. وَالْمعْنَى هَهُنَا: لَا تغطي الْمَرْأَة شفتها بِثَوْب. قَوْله: (وَلَا تتبرقع) أَي: وَلَا تلبس البرقع، بِضَم الْبَاء وَسُكُون الرَّاء وَضم الْقَاف وَفتحهَا، وَهُوَ مَا يُغطي الْوَجْه. وَعَن الْحسن وَعَطَاء مثل مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مصنفة) عَن عبد الْأَعْلَى عَن هِشَام عَن الْحسن وَعَطَاء، قَالَا: لَا تلبس الْمُحرمَة القفازين والسراويل وَلَا تبرقع وَلَا تلثم وتلبس مَا شَاءَت من الثِّيَاب إلَاّ ثوبا ينفض عَلَيْهَا ورسا أَو زعفرانا. قَوْله: (وَلَا تلبس ثوبا بورس وزعفران) أَي: مصبوغا بورس وزعفران، وَقد روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (نهى النِّسَاء فِي إحرامهن عَن القفازين والنقاب، وَمَا مَسّه الورس والزعفران من الثِّيَاب، ولتلبس بعد ذَلِك مَا أحبت من ألوان الثِّيَاب من معصفر أَو خَز أَو حلي أَو قَمِيص أَو سَرَاوِيل.

وَقَالَ جابِرٌ: لَا أرَى المُعَصْف طِيبا

أَي: قَالَ جَابر بن عبد الله الصَّحَابِيّ: أَي: لَا أرَاهُ مطيبا لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يكون الْمَفْعُول الثَّانِي معنى، وَالْأول عينا، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الشَّافِعِي، ومسدد بِلَفْظ: (لَا تلبس الْمَرْأَة ثِيَاب الطّيب، وَلَا أرى المعصفر طيبا) .

وَلَمُ تَرَ عائِشَةُ بَأسا بِالحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الأسْوَدِ والمُوَدَّدِ والخُفِّ لِلْمَرْأةِ

الْحلِيّ، بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام، جمع الحلى. وَالثَّوْب المورَّد الْمَصْبُوغ بالورد، يَعْنِي: على لون الْورْد، وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن باباه الْمَكِّيّ أَن امْرَأَة سَأَلت عَائِشَة: مَا تلبس الْمَرْأَة فِي إحرامها؟ قَالَت عَائِشَة: تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَجمعُوا على أَن الْمَرْأَة تلبس الْمخيط كُله والخفاف وَإِن لَهَا أَن تغطي رَأسهَا وتستر شعرهَا إلَاّ وَجههَا تسدل عَلَيْهِ الثَّوْب سدلاف خَفِيفا تستتر بِهِ عَن نظر الرِّجَال، وَلَا تخمره إلَاّ مَا رُوِيَ عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر، قَالَت: كُنَّا نخمر وُجُوهنَا وَنحن مُحرمَات مَعَ أَسمَاء بنت أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. تَعْنِي: جدَّتهَا. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك التخمير سدلاً كَمَا جَاءَ عَن عَائِشَة، قَالَت: كُنَّا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا مر بِنَا ركب سدلنا الثَّوْب على وُجُوهنَا وَنحن مُحرمَات، فَإِذا جَاوز رفعنَا. قلت: فِيمَا أخرجه الْجَمَاعَة: وَلَا تنتقب الْمَرْأَة الْمُحرمَة فِيهِ دَلِيل على أَنه يحرم على الْمَرْأَة ستر وَجههَا فِي الْإِحْرَام. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: مَفْهُومه يدل على إِبَاحَة تَغْطِيَة الْوَجْه للرجل وإلَاّ لما كَانَ فِي التَّقْيِيد بِالْمَرْأَةِ فَائِدَة. قلت: قد ذهب إِلَى جَوَاز تَغْطِيَة الرجل الْمحرم وَجهه عُثْمَان بن عَفَّان وَزيد بن ثَابت ومروان بن

الحكم وَمُجاهد وطاووس، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَجُمْهُور أهل الْعلم، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى الْمَنْع من ذَلِك، واحتجا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تخمروا وَجهه وَلَا رَأسه، رَوَاهُ مُسلم، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ: وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ خَارِجا وَجهه وَرَأسه. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَهَذَا أَمر فِيهِ خَفَاء على الْخلق وَلَيْسوا على الْحق. قَالَ: وَلَقَد رَأَيْت بعض أَصْحَابنَا من أهل الْعلم مِمَّن يتعاطى الْفِقْه والْحَدِيث يَبْنِي الْمَسْأَلَة على أَن الْوَجْه من الرَّأْس أم لَا؟ فعجبت لضلالته عَن دلَالَته ونسيانه لصنعته، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: لَا أَدْرِي مَا وَجه إِنْكَاره على من بنى الْمَسْأَلَة على ذَلِك، وَمَا قَالَه وَاضح فِي قَول ابْن عمر الَّذِي رَوَاهُ مَالك، وَقد جَاءَ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح التَّفْرِقَة بَين أَعلَى الْوَجْه وأسفله، فروى سعيد بن مَنْصُور فِي (سنَنه) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: يُغطي الْمحرم وَجهه مَا دون الحاجبين، وَفِي رِوَايَة لَهُ: مَا دون عَيْنَيْهِ، وَيحْتَمل أَن يُرِيد بذلك الِاحْتِيَاط لكشف الرَّأْس، وَلَكِن هَذَا أَمر زَائِد على الِاحْتِيَاط لذَلِك، وَالِاحْتِيَاط يحصل بِدُونِ ذَلِك.

وَقَالَ إبْرَاهِيمُ لَا بأسَ أنْ يُبْدِلَ ثِيابَهُ

أَي: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَوَصله أَبُو بكر، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن مُغيرَة بن شُعْبَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: يُغير الْمحرم ثِيَابه مَا شَاءَ بعد أَن يلبس ثِيَاب الْمحرم، قَالَ: وَحدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن سعيد بن يُوسُف عَن يحيى بن أبي كثير عَن عِكْرِمَة قَالَ: غيَّر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثوبيه بِالتَّنْعِيمِ. وَحدثنَا هشيم عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وَيُونُس عَن الْحسن وحجاج عَن عبد الْملك وَعَطَاء أَنهم لم يرَوا بَأْسا أَن يُبدل الْمحرم ثِيَابه، وَكَذَا قَالَه طَاوُوس وَسَعِيد بن جُبَير، سُئِلَ: أيبيع الْمحرم ثِيَابه؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ ابْن التِّين: مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه أَنه يجوز لَهُ التّرْك للباس الثَّوْب، وَيجوز لَهُ بَيْعه. وَقَالَ سَحْنُون: لَا يجوز لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يعرض الْقمل للْقَتْل بِالْبيعِ.

٥٤٥١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ قَالَ حدَّثنا فُضَيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حدَّثني مُوسى بنُ عُقْبَةَ قَالَ أَخْبرنِي كُرَيْبٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ انْطَلَقَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَما ترَجَّلَ وادَّهَنَ ولَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وأصْحَابُهُ فلَمْ يَنْهَ عنْ شيءٍ مِنَ الأرْدِيَةِ والأُزْرِ تُلْبَسُ إلَاّ المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلى الجِلدِ فأصبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوى عَلى البيْدَاءِ أهَلَّ هُوَ وأصْحابُهُ وقَلَّدَ بَدَنتَهُ وذالِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ فقَدِمَ مَكَّةَ لأِرْبَعِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِن ذِي الحِجَّةِ فطافَ بِالبَيْتِ وسعَى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ولَمْ يَحِلَّ مِنْ أجْلِ بُدْنِهِ لأنَّهُ قَلَّدهَا ثُمَّ نزَلَ بأعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ وَهْوَ مُهل بِالحَجِّ ولَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ وأمَرَ أصْحَابَهُ أنْ يَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤوسِهِمْ ثُمَّ يحِلُّوا وذالِك لِمَنْ لَمْ يَكُنْ معَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا وَمَنْ كانَتْ مَعَهُ امْرَأتُهُ فَهْيَ لَهُ حَلَالٌ والطِّيبُ والثِّيَابُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة قَوْله: (فَلم ينْه عَن شَيْء من الأردية والأزر تلبس) .

وَرِجَاله قد ذكرُوا، والمقدمي، بتَشْديد الدَّال الْمَفْتُوحَة، وفضيل مصغر فضل، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ مُخْتَصرا أَيْضا.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ترجل) أَي: سرح شعره. قَوْله: (وادهن) أَي: اسْتعْمل الدّهن، وَأَصله: ادتهن، لِأَنَّهُ من بَاب الافتعال، فأبدلت الدَّال من التَّاء وأدغمت الدَّال فِي الدَّال. قَوْله: (هُوَ) ، ضمير فصل. قَوْله: (تردع) ، بالراء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: تلطخ الْجلد، يُقَال: تردع إِذا التطخ، والردع أثر الطّيب، وردع بِهِ الطّيب إِذا لزق بجلده، وَقَالَ ابْن بطال: وَقد رُوِيَ: ترذع، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، من قَوْلهم: أرذعت الأَرْض أَي: كثرت مَنَافِع الْمِيَاه فِيهَا، والرذع بِالْمُعْجَمَةِ الطين. قَوْله: (الَّتِي تردع على الْجلد) ، هَكَذَا وَقع فِي الأَصْل. وَقَالَ

ابْن الْجَوْزِيّ: الصَّوَاب حذف على. قَوْله: (فَأصْبح بِذِي الحليفة) أَي: وصل إِلَيْهَا نَهَارا فَبَاتَ بهَا، كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَاب الَّذِي بعده من حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (بدنته) قَالَ الْجَوْهَرِي هِيَ: نَاقَة أَو بقرة تنحر بِمَكَّة، سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يسمنونها، وَالْجمع بدن بِالضَّمِّ، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: تكون الْبَدنَة من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ الْبَعِير ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى بِشَرْط أَن يكون فِي سنّ الْأُضْحِية، وَهِي الَّتِي استكملت خمس سِنِين. قَوْله: (فَأصْبح بِذِي الحليفة ركب رَاحِلَته) ، وَفِي (صَحِيح مُسلم) عَنهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلى الظّهْر بِذِي الحليفة، ثمَّ دعى بناقته فأشعرها فِي صفحة سنامها الْأَيْمن، وسلت الدَّم وقلدها بنعلين، ثمَّ ركب رَاحِلَته، فَلَمَّا اسْتَوَت بِهِ على الْبَيْدَاء أهلَّ بِالْحَجِّ) . وَقَالَ ابْن حزم: فَهَذَا ابْن عَبَّاس يذكر أَنه صلى الظّهْر فِي ذِي الحليفة، وَأنس يذكر أَنه صلَاّها بِالْمَدِينَةِ، وكلا الطَّرِيقَيْنِ فِي غَايَة الصِّحَّة، وَأنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أثبت فِي هَذَا الْمَكَان لِأَنَّهُ ذكر أَنه حضر ذَلِك بقوله: صلى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ، ثمَّ إِن ابْن عَبَّاس لم يذكر حضورا فِيهَا أَنَّهَا كَانَت يَوْم خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة، إِنَّمَا عَنى بِهِ الْيَوْم الثَّانِي، فَلَا تعَارض. وَعند النَّسَائِيّ: عَن أنس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (صلى الظّهْر بِالْبَيْدَاءِ ثمَّ ركب وَصعد جبل الْبَيْدَاء، وأهلَّ بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة) . وَلَا تعَارض، فَإِن الْبَيْدَاء وَذَا الحليفة متصلتان بعضهما مَعَ بعض، فصلى الظّهْر فِي آخر ذِي الحليفة وَهُوَ أول الْبَيْدَاء. قَوْله: (وَذَلِكَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة) ، ذَلِك إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور من ركُوبه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَاحِلَته واستوائه على الْبَيْدَاء وإهلاله وتقليده بدنته لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَهُوَ بِكَسْر الْقَاف وَفتحهَا، وَكَذَا فِي ذِي الْحجَّة بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا، وَالْفَتْح هُنَا أشهر. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) قَوْله: وَذَلِكَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة يحْتَمل أَنه أَرَادَ الْخُرُوج، وَيحْتَمل الإهلال، فأردنا أَن نَعْرِف أَيهمَا أَرَادَ، فَوَجَدنَا عَائِشَة رَوَت فِي صَحِيح مُسلم: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة) . وَفِي الإكليل من حَدِيث الْوَاقِدِيّ عَن ابْن أبي سُبْرَة عَن سعيد بن مُحَمَّد بن جُبَير عَن أَبِيه مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم أَنه قَالَ: خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من الْمَدِينَة يَوْم السبت لخمس لَيَال بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة عشر، فصلى الظّهْر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ) وَزعم ابْن حزم أَنه: (خرح صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة نَهَارا بعد أَن تغدى وَصلى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ، وَصلى الْعَصْر من ذَلِك الْيَوْم بِذِي الحليفة، وَبَات بِذِي الحليفة لَيْلَة الْجُمُعَة، وَطَاف على نِسَائِهِ ثمَّ اغْتسل ثمَّ صلى بهَا الصُّبْح، ثمَّ طيبته عَائِشَة ثمَّ أحرم وَلم يغسل الطّيب، وأهلَّ حِين انبعثت بِهِ رَاحِلَته من عِنْد مَسْجِد ذِي الحليفة بِالْقُرْآنِ: الْعمرَة وَالْحج مَعًا، وَذَلِكَ قبل الظّهْر بِيَسِير، ثمَّ لبَّى ثمَّ نَهَضَ وَصلى الظّهْر بِالْبَيْدَاءِ، ثمَّ تَمَادى واستهل هِلَال ذِي الْحجَّة. قَالَ: فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: إِنَّه خرج من الْمَدِينَة لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَقد ذكر مُسلم من حَدِيث عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة لَا نرى إلَاّ الْحَج؟ قلت: قد ذكر مُسلم أَيْضا من طَرِيق عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، خرجنَا مَعَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة، فَلَمَّا اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَة عَنْهَا رَجعْنَا إِلَى من لم تضطرب الرِّوَايَة عَنهُ فِي ذَلِك، وهما: عمر بن الْخطاب وَابْن عَبَّاس، فَوَجَدنَا ابْن عَبَّاس ذكر أَن اندفاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذِي الحليفة بعد أَن بَات بهَا كَانَ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَذكر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَن يَوْم عَرَفَة كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فِي ذَلِك الْعَام، فَوَجَبَ أَن استهلال ذِي الْحجَّة كَانَ لَيْلَة يَوْم الْخَمِيس، وَأَن آخر يَوْم من ذِي الْقعدَة كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء، فصح أَن خُرُوجه كَانَ يَوْم الْخَمِيس لست بَقينَ من ذِي الْحجَّة، ويزيده وضوحا حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: صلينَا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الظّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبعا، وَالْعصر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ، فَلَو كَانَ خُرُوجه لخمس بَقينَ لذِي الْقعدَة لَكَانَ بِلَا شكّ يَوْم الْجُمُعَة، وَالْجُمُعَة لَا تصلى أَرْبعا، فصح أَن ذَلِك كَانَ يَوْم الْخَمِيس. وَعلمنَا أَن معنى قَول عَائِشَة: لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، إِنَّمَا عنت اندفاعه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذِي الحليفة، فَلم تعد المرحلة الْقَرِيبَة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَرَادَ أَن يخرج لسفر لم يخرج إلَاّ يَوْم الْخَمِيس، فَبَطل خُرُوجه يَوْم الْجُمُعَة، وَبَطل أَن يكون يَوْم السبت، لِأَنَّهُ كَانَ يكون حِينَئِذٍ خَارِجا من الْمَدِينَة لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَصَحَّ أَن خُرُوجه كَانَ لست بَقينَ، واندفاعه من ذِي الحليفة لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وتألفت الرِّوَايَات. قَوْله: (فَقدم مَكَّة لأَرْبَع لَيَال خلون من ذِي الْحجَّة) قَالَ الْوَاقِدِيّ: حَدثنَا أَفْلح بن حميد عَن أَبِيه عَن ابْن عمر أَن هِلَال ذِي الْحجَّة كَانَ لَيْلَة الْخَمِيس، الْيَوْم الثَّامِن من يَوْم خُرُوجه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْمَدِينَة، وَنزل بِذِي طوى، فَبَاتَ

بهَا لَيْلَة الْأَحَد لأَرْبَع خلون من ذِي الْحجَّة، وَصلى الصُّبْح بهَا، وَدخل مَكَّة نَهَارا من أَعْلَاهَا صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد. قَوْله: (وَلم يحل) أَي: لم يصر حَلَالا، إِذْ لَا يجوز لصَاحب الْهَدْي أَن يتَحَلَّل حَتَّى يبلغ الْهدى مَحَله. قَوْله: (الْحجُون) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الْجِيم على وزن فعول: مَوضِع بِمَكَّة عِنْد المحصب، وَهُوَ الْجَبَل المشرف بحذاء الْمَسْجِد الَّذِي يَلِي شعب الجزارين إِلَى مَا بَين الحوضين اللَّذين فِي حَائِط عَوْف، وَهُوَ مَقْبرَة أهل مَكَّة، وَهُوَ من الْبَيْت على ميل وَنصف. قَوْله: (وَلم يقرب الْكَعْبَة) ، لَعَلَّه مَنعه الشّغل عَن ذَلِك، وإلَاّ فَلهُ أَن يتَطَوَّع بِالطّوافِ مَا شَاءَ. قَوْله: (وَأمر أَصْحَابه أَن يطوفوا بِالْبَيْتِ) ، يَعْنِي الَّذِي لم يسوقوا الْهَدْي، لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِك لمن لم يكن مَعَه بَدَنَة قلدها أَن يطوفوا بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة، قَوْله: (ثمَّ يقصروا) ، بِالتَّشْدِيدِ، وَالتَّقْصِير هُنَا لأجل أَن يلْحقُوا بمنى. قَوْله: (ثمَّ يحلوا) ، وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا متمتعين، وَلم يكن مَعَهم الْهَدْي، فَلهَذَا حل لَهُم النِّسَاء وَالطّيب وَسَائِر الْمُحرمَات. قَوْله: (وَذَلِكَ) إِشَارَة إِلَى قَوْله: ثمَّ يحل قَوْله: (وَالطّيب) ، مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: وَالطّيب حَلَال لَهُ. قَوْله: (وَالثيَاب) ، عطف عَلَيْهِ أَي: وَالثيَاب كَذَلِك حَلَال لَهُم.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَارنا لِأَنَّهُ جمع بَين الْعمرَة وَالْحج فِي سفرة وَاحِدَة، وَهُوَ صفة الْقُرْآن، وَأَنه أفضل من الْإِفْرَاد والتمتع، وسنحرر الْبَحْث فِي ذَلِك فِيمَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٤٢ - (بابُ مَنْ باتَ بِذِي الحُلَيْفَةِ حَتَّى أصْبَحَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر من بَات بِذِي الحليفة حَتَّى أصبح إِذا كَانَ حجَّة من الْمَدِينَة، لِأَن مِيقَات أهل الْمَدِينَة هُوَ ذُو الحليفة، وَمرَاده من هَذِه التَّرْجَمَة مَشْرُوعِيَّة الْمبيت بالميقات، وَأَنه إِذا بَات فِيهِ لَا يكون فِيهِ تَأْخِير الْإِحْرَام، وَلَا يشبه بِمن يتَجَاوَز بِغَيْر إِحْرَام.

قالَهُ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: قَالَ عبد الله بن عمر: أَمر البيتوتة فِي ذِي الحليفة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا تقدم فِي: بَاب خُرُوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على طَرِيق الشَّجَرَة، وَفِيه صلى بِذِي الحليفة بِبَطن الْوَادي، وَبَات حَتَّى يصبح.

٦٤٥١ - حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالمَدِينَةِ أرْبَعا وبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ باتَ حَتَّى أصْبَحَ بِذِي الحَلِيفَةِ فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بهِ أهَلَّ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ بَات حَتَّى أصبح) أَي: ثمَّ بَات بِذِي الحليفة، إِلَى أَن أصبح.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة ذكرُوا، وَعبد الله ابْن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمسندي، وَهِشَام بن يُوسُف أَبُو عبد الرَّحْمَن قَاضِي صنعاء، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز ابْن جريج، وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر، بِلَفْظ الْفَاعِل من الإنكدار، ابْن عبد الله أَبُو بكر، وَيُقَال: أَبُو عبد الله.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع فِي نُسْخَة وَفِي أُخْرَى بِصِيغَة الْجمع، وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه بخاري، وَهِشَام يماني صنعاني وَابْن جريج مكي، وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر مدنِي. وَفِيه: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، أَو حَدثنِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، كَمَا ذكرنَا. هَكَذَا رَوَاهُ الْحفاظ من أَصْحَاب ابْن جريج عَنهُ، وَخَالفهُم عِيسَى بن يُونُس فَقَالَ: عَن ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس، وَقد توهم فِي ذكر الزُّهْرِيّ، وَالصَّحِيح أَنه من رِوَايَة ابْن جريج عَن ابْن الْمُنْكَدر، قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (علله) وَقَالَ الْمزي: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة، وَالصَّوَاب أَنه فِي الْحَج رَوَاهُ عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن مُحَمَّد بن بكر عَن ابْن جريج.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَرْبعا) أَي: أَربع رَكْعَات، وَهِي صَلَاة الظّهْر. . قَوْله: (رَكْعَتَيْنِ) أَي: وَصلى بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ وهما صَلَاة الْعَصْر على سَبِيل الْقصر، لِأَنَّهُ كَانَ منشأ للسَّفر، وَذَلِكَ كَانَ فِي صَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (ثمَّ بَات) أَي: بِذِي الحليفة حَتَّى أصبح أَي

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد