«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦

الحديث رقم ١٦ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حلاوة الإيمان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون…

«ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».

سند حديث: ١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى…

١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون…

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث خصال من وجدها في نفسه فقد وجد حلاوة الإيمان، ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في الدين وإيثار ذلك على أعراض الدنيا؛ رغبةً في نعيم الآخرة الذي لا يبيد ولا يفنى، إذ هي شيء يجده المؤمن في قلبه، ويُحسّ به، كما يُحسّ بحلاوة الطعام والشراب، فالأُولى: أن يكون الله ورسوله أحب شيءٍ للعبد، فلا يقدم محبة أي شيء سواهما، كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يحببكم الله} [آل عمران: 31]، والثانية: أن يحب أخاه المؤمن لا يحبه إلا خالصًا لوجه الله تعالى، فتكون العلاقة به غير مشوبة بالأغراض الدنيويّة، ولا الحظوظ البشريّة، فإن من أحبّه لذلك انقطعت محبّته إن حصل له ذلك الغرض، أو يئس من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة متعيّنة على الدوام، وُجدت الأغراض، أو عُدمت؛ لأنه أحبه بسبب إيمانه لله تعالى، ومحبّة المؤمنين من العبادات التي لا بدّ فيها من الإخلاص في حسن النيّات، والثالثة: أن يكره أن يرجع إلى الكفر ويصير إليه كما يكره أن يُلقى في النار، هذه الكراهية سببها ما انكشف للمؤمن من حسن الإسلام وما انجلى له، ومن رذائل الجهالات، وقُبْح الكفران، ومَا دخل قلبه من نور الإيمان .

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان حلاوة الإيمان، وهي من الأمور المحسوسة التي يجدها العبد المؤمن في باطنه.
  • لهذه الحلاوة علامة تتحقّق بها، وتحصل عندها، وهي الأمور المذكورة في هذا الحديث.
  • الحديث حديثٌ عظيم، وأصل من أصول الدين، وفيه محبّة الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم التي هي أصل الإيمان، بل عينه.
  • إنما قال عليه السلام: "مما سواهما"، ولم يقل: "ممن"؛ ليعم من يعقل، كالسحرة، ومن لا يعقل، كالأصنام.
  • محبة المؤمنين من العبادات، ولكن لا بد فيها من الإخلاص لله عز وجل.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سَبَبُ بَقَاءِ نَفْسِهِ الْبَقَاءَ الْأَبَدِيَّ فِي النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ، وَعَلِمَ أَنَّ نَفْعَهُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعَاتِ، فَاسْتَحَقَّ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَظُّهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ أَوْفَرَ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ النَّفْعَ الَّذِي يُثِيرُ الْمَحَبَّةَ حَاصِلٌ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اسْتِحْضَارِ ذَلِكَ وَالْغَفْلَةِ عَنْهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ حَظَّ الصَّحَابَةِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَتَمُّ ; لِأَنَّ هَذَا ثَمَرَةُ الْمَعْرِفَةِ، وَهُمْ بِهَا أَعْلَمُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كُلُّ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ إِيمَانًا صَحِيحًا لَا يَخْلُو عَنْ وِجْدَانِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَحَبَّةِ الرَّاجِحَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ بِالْحَظِّ الْأَوْفَى، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْهَا بِالْحَظِّ الْأَدْنَى، كَمَنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا فِي الشَّهَوَاتِ مَحْجُوبًا فِي الْغَفَلَاتِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، لَكِنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ اشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ، بِحَيْثُ يُؤْثِرُهَا عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ وَوَالِدِهِ، وَيَبْذُلُ نَفْسَهُ فِي الْأُمُورِ الْخَطِيرَةِ، وَيَجِدُ مَخْبَرَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ وِجْدَانًا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ. وَقَدْ شُوهِدَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَنْ يُؤْثِرُ زِيَارَةَ قَبْرِهِ وَرُؤْيَةَ مَوَاضِعَ آثَارِهِ عَلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، لِمَا وَقَرَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ مَحَبَّتِهِ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ سَرِيعُ الزَّوَالِ بِتَوَالِي الْغَفَلَاتِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

٩ - باب حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ

١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.

[الحديث ١٦ - أطرافه في: ٦٩٤١، ٦٠٤١، ٢١]

قَوْلُهُ: (بَابُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ) مَقْصَودُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْحَلَاوَةَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ مِنَ الْإِيمَانِ أَرْدَفَهُ بِمَا يُوجِدُ حَلَاوَةَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) هُوَ أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، هُوَ ابْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثٌ) هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ الْخَبَرُ، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّ التَّنْوِينَ عِوَضُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَالتَّقْدِيرُ ثَلَاثُ خِصَالٍ، وَيُحْتَمَلُ فِي إِعْرَابِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (كُنَّ) أَيْ: حَصَلْنَ، فَهِيَ تَامَّةٌ. وَفِي قَوْلِهِ: حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ رَغْبَةَ الْمُؤْمِنَ فِي الْإِيمَانِ بِشَيْءٍ حُلْوٍ وَأَثْبَتَ لَهُ لَازِمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قِصَّةِ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ الصَّفْرَاوِيَّ يَجِدُ طَعْمَ الْعَسَلِ مُرًّا، وَالصَّحِيحُ يَذُوقُ حَلَاوَتَهُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَكُلَّمَا نَقَصَتِ الصِّحَّةُ شَيْئًا مَا نَقَصَ ذَوْقُهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ مِنْ أَوْضَحِ مَا يُقَوِّي اسْتِدْلَالَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّ اللَّهَ شَبَّهَ الْإِيمَانَ بِالشَّجَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مثلا ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ فَالْكَلِمَةُ هِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، وَالشَّجَرَةُ أَصْلُ الْإِيمَانِ، وَأَغْصَانُهَا اتِّبَاعُ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ، وَوَرَقُهَا مَا يَهْتَمُّ بِهِ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْخَيْرِ، وَثَمَرُهَا عَمَلُ الطَّاعَاتِ، وَحَلَاوَةُ الثَّمَرِ جَنْيُ الثَّمَرَةِ، وَغَايَةُ كَمَالِهِ تَنَاهِي نُضْجِ الثَّمَرَةِ وَبِهِ تَظْهَرُ حَلَاوَتُهَا.

قَوْلُهُ: (أَحَبَّ إِلَيْهِ) مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ خَبَرُ يَكُونَ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْحُبِّ هُنَا الْحُبُّ الْعَقْلِيُّ الَّذِي هُوَ إِيثَارُ مَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ السَّلِيمُ رُجْحَانَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ هَوَى النَّفْسِ، كَالْمَرِيضِ يَعَافُ الدَّوَاءَ بِطَبْعِهِ فَيَنْفِرُ عَنْهُ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْلِهِ فَيَهْوَى تَنَاوُلَهُ، فَإِذَا تَأَمَّلَ الْمَرْءُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحٌ عَاجِلٌ أَوْ خَلَاصٌ آجِلٌ، وَالْعَقْلُ يَقْتَضِي رُجْحَانَ

جَانِبَ ذَلِكَ، تَمَرَّنَ عَلَى الِائْتِمَارِ بِأَمْرِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ هَوَاهُ تَبَعًا لَهُ، وَيَلْتَذُّ بِذَلِكَ الْتِذَاذًا عَقْلِيًّا، إِذِ الِالْتِذَاذُ الْعَقْلِيُّ إِدْرَاكُ مَا هُوَ كَمَالُ وَخَيْرٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ. وَعَبَّرَ الشَّارِعُ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ اللَّذَائِذِ الْمَحْسُوسَةِ. قَالَ: وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةِ عُنْوَانًا لِكَمَالِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا تَأَمَّلَ أَنَّ الْمُنْعِمَ بِالذَّاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنْ لَا مَانِحَ وَلَا مَانِعَ فِي الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ، وَأَنَّ مَا عَدَاهُ وَسَائِطُ، وَأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ لَهُ مُرَادَ رَبِّهِ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِكُلِّيَّتِهِ نَحْوَهُ: فَلَا يُحِبُّ إِلَّا مَا يُحِبُّ، وَلَا يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّ إِلَّا مِنْ أَجْلِهِ. وَأَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّ جُمْلَةَ مَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ حَقٌّ يَقِينًا. وَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ الْمَوْعُودُ كَالْوَاقِعِ، فَيَحْسَبُ أَنَّ مَجَالِسَ الذِّكْرِ رِيَاضٌ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الْكُفْرِ إِلْقَاءٌ فِي النَّارِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَشَاهِدُ الْحَدِيثِ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ - إِلَى أَنْ قَالَ - ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ثُمَّ هَدَّدَ عَلَى ذَلِكَ وَتَوَعَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾

(فَائِدَةٌ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ وَالتَّخَلِّي عَنِ الرَّذَائِلِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرُ مِنَ الثَّانِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَحَبَّةُ اللَّهِ عَلَى قِسْمَيْنِ فَرْضٌ وَنَدْبٌ، فَالْفَرْضُ الْمَحَبَّةُ الَّتِي تَبْعَثُ عَلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ مَعَاصِيهِ وَالرِّضَا بِمَا يُقَدِّرُهُ، فَمَنْ وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ مِنْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فَلِتَقْصِيرِهِ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ حَيْثُ قَدَّمَ هَوَى نَفْسِهِ وَالتَّقْصِيرُ تَارَةً يَكُونُ مَعَ الِاسْتِرْسَالِ فِي الْمُبَاحَاتِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا، فَيُورِثُ الْغَفْلَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّوَسُّعِ فِي الرَّجَاءِ فَيُقْدِمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، أَوْ تَسْتَمِرُّ الْغَفْلَةُ فَيَقَعُ. وَهَذَا الثَّانِي يُسْرِعُ إِلَى الْإِقْلَاعِ مَعَ النَّدَمِ. وَإِلَى الثَّانِي يُشِيرُ حَدِيثُ: لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَالنَّدْبُ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى النَّوَافِلِ وَيَتَجَنَّبَ الْوُقُوعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَالْمُتَّصِفُ عُمُومًا بِذَلِكَ نَادِرٌ. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ عَلَى قِسْمَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُزَادُ أَنْ لَا يَتَلَقَّى شَيْئًا مِنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ إِلَّا مِنْ مِشْكَاتِهِ، وَلَا يَسْلُكُ إِلَّا طَرِيقَتَهُ، وَيَرْضَى بِمَا شَرَعَهُ، حَتَّى لَا يَجِدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمَّا قَضَاهُ، وَيَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِ فِي الْجُودِ وَالْإِيثَارِ وَالْحِلْمِ وَالتَّوَاضُعِ وَغَيْرِهَا، فَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ ذَلِكَ.

وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ، أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ. وَمَعْنَى حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ اسْتِلْذَاذُ الطَّاعَاتِ، وَتَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ فِي الدِّينِ، وَإِيثَارُ ذَلِكَ عَلَى أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، وَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَحْصُلُ بِفِعْلِ طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مُخَالَفَتِهِ، وَكَذَلِكَ الرَّسُولُ. وَإِنَّمَا قَالَ مِمَّا سِوَاهُمَا وَلَمْ يَقُلْ مِمَّنْ لِيَعُمَّ مَنْ يَعْقِلَ وَمَنْ لَا يَعْقِلَ. قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَذِهِ التَّثْنِيَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لِلَّذِي خَطَبَ فَقَالَ: وَمَنْ يَعْصِهِمَا بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْخُطَبِ الْإِيضَاحُ، وَأَمَّا هُنَا فَالْمُرَادُ الْإِيجَازُ فِي اللَّفْظِ لِيُحْفَظَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ حَيْثُ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَلَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا وَرَدَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ أَيْضًا الْإِيجَازُ فَلَا نَقْضٌ. وَثَمَّ أَجْوِبَةٌ أُخْرَى، مِنْهَا: دَعْوَى التَّرْجِيحِ، فَيَكُونُ حَيِّزُ الْمَنْعِ أَوْلَى لِأَنَّهُ عَامٌّ. وَالْآخَرُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ ; وَلِأَنَّهُ نَاقِلٌ وَالْآخُرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ ; وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ وَالْآخَرُ فِعْلٌ. وَرُدَّ بِأَنَّ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ فِي الْقَوْلِ أَيْضًا حَاصِلٌ بِكُلِّ قَوْلٍ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ أَصْلًا، وَمِنْهَا دَعْوَى أَنَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ، فَيَمْتَنِعُ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا جَمَعَ أَوْهَمَ إِطْلَاقُهُ التَّسْوِيَةَ، بِخِلَافِهِ هُوَ فَإِنَّ مَنْصِبَهُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِيهَامُ ذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا مَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.

وَمِنْهَا دَعْوَى التَّفْرِقَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يَحْسُنُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ فِيهَا مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَكَلَامُ الَّذِي خَطَبَ جُمْلَتَانِ لَا يُكْرَهُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ فِيهِمَا مَقَامَ الْمُضْمَرِ. وَتُعُقِّبَ هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُكْرَهُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ فِيهِمَا مَقَامَ الْمُضْمَرِ أَنْ يُكْرَهَ إِقَامَةُ الْمُضْمَرِ فِيهَا مَقَامَ الظَّاهِرِ، فَمَا وَجْهُ الرَّدِّ عَلَى الْخَطِيبِ مَعَ أَنَّهُ هُوَ جَمَعَ كَمَا تَقَدَّمَ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ قِصَّةَ الْخَطِيبِ - كَمَا قُلْنَا - لَيْسَ فِيهَا صِيغَةُ عُمُومٍ، بَلْ هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ) أبيه وأمِّه (وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، وهل تدخل النَّفس في عموم النَّاس؟ الظَّاهر: نعم، وقِيلَ: إضافة المحبَّة إليه تقتضي خروجه منهم؛ فإنَّك إذا قلت: جميع النَّاس أحبُّ إلى زيدٍ من غلامه؛ يُفهَم منه خروج زيدٍ منهم، وأُجِيب: بأنَّ اللَّفظ عامٌّ، وما ذُكِرَ ليس من المُخصِّصات، وحينئذٍ فلا يخرج، وقد وقع التَّنصيص بذكر النَّفس في حديث عبد الله بن هشامٍ الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦٦٦٣٢] والمُرَاد هنا: المحبَّة الإيمانيَّة؛ وهي اتِّباع المحبوب، لا الطَّبيعيَّة، ومن ثمَّ لم يحكم بإيمان أبي طالبٍ مع حبِّه له على ما لا يخفى، فحقيقة الإيمان لا تتمُّ ولا تحصل إلَّا بتحقيق إعلاء قَدْرِهِ ومنزلته على كلِّ والدٍ وولدٍ ومحسنٍ، ومن لم يعتقد هذا فليس بمؤمنٍ، وفي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة» ممَّا جمعته في ذلك ما يشفي ويكفي.

ولمَّا ذَكَرَ المؤلِّف في هذا الباب أنَّ حبَّه من الإيمان أَرْدَفَه بما يُوجِدُ حلاوة ذلك، فقال:

(٩) هذا (بابُ: حَلَاوَةِ الإِيمَانِ) ومراده: أنَّ الحلاوة من ثمراته، فهي أصلٌ زائدٌ عليه، وقد سقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي.

١٦ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بالمُثلَّثة، ابن عبيدٍ العَنَزِيُّ-بفتح المُهمَلة والنُّون بعدها زايٌ- نسبةً إلى عَنَزَةَ بن أسدٍ، حيّ من ربيعة، البصريُّ،

المُتوفَّى بها سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلت (الثَّقَفِيُّ) بالمُثلَّثة، بعدها قافٌ ثمَّ فاءٌ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي تميمةَ، واسمه: كيسان السَّخْتِيانيُّ -بفتح المهملَة- على الصَّحيح؛ نسبةً إلى بيع السَّخْتِيان؛ وهو الجِلْد، البصريُّ المُتوفَّى بها سنة إحدى وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وبالمُوحَّدة؛ عبد الله بن زيد بن عمرٍو -أو عامرٍ- البصريِّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة أربعٍ ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر زيادة: «ابن مالكٍ» ( عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: ثَلَاثٌ) أي: ثلاثُ خصالٍ، مبتدأٌ، خبره جملة: (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ) أي: أصاب (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) ولذا (١) اكتفى بمفعولٍ واحدٍ، وحلاوة الإيمان: استلذاذه بالطَّاعات عند قوَّة النَّفس بالإيمان، وانشراح الصَّدر له بحيث يخالط لحمَه ودمَه، وهل هذا الذَّوق محسوسٌ أو معنويٌّ؟ وعلى الثَّاني: فهو على

سبيل المجاز والاستعارة الموضِّحة للمؤلِّف على استدلاله بزيادة الإيمان ونقصه؛ لأنَّ في ذلك تلميحًا إلى قضية (١) المريض والصَّحيح، لأنَّ المريض الصَّفراويَّ يجد طعم العسل مرًّا بخلاف الصَّحيح، فكلَّما نقصت الصِّحَّة نقص ذوقه بقدر ذلك، وتُسمَّى هذه الاستعارة تخييليَّة؛ وذلك أنَّه شبَّه رغبة المؤمن في الإيمان بالعسل ونحوه، ثمَّ أثبت له لازِمَ ذلك؛ وهي الحلاوةُ، وأضافه إليه، فالمرء (٢) لا يؤمن إلَّا (أَنْ يَكُونَ اللهُ) ﷿ (وَرَسُولُهُ) (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) بإفراد الضَّمير في «أحبَّ» لأنَّه أفعلُ تفضيلٍ، وهو إذا وُصِلَ بـ «مِن» أُفرِدَ دائمًا، وعبَّر بالتَّثنية في سواهما إشارةً إلى أنَّ المُعتَبر هو المجموع المُركَّب من المحبَّتين، لا كلُّ واحدةٍ منهما، فإنَّها وحدها لاغيةٌ إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدَّعي حبَّ الله مثلًا ولا يحبُّ رسوله لا ينفعه ذلك، ولا تُعارَض تثنية الضَّمير هنا بقصَّة الخطيب

حيث قال: ومن يعصهما؛ فقد غوى. فقال له : «بئس الخطيبُ أنتَ»، فأمره بالإفراد إشعارًا بأنَّ كلَّ واحدٍ من العصيانين مستقلٌّ باستلزامه الغواية؛ إذ العطف في تقدير التَّكرير، والأصل: استقلال كلِّ واحدٍ من المعطوفين في الحكم، فهو في قوَّةِ قولنا: ومن عصى الله فقد غوى، ومن عصى الرسول فقد غوى، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] لم يُعِدْ «أطيعوا» في ﴿أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ كما أعاده في: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ ليؤذن بأنَّه لا استقلال لهم في الطَّاعة استقلالَ الرَّسول ، وقِيل: إنَّه من الخصائص، فيمتنع من غيره ؛ لأنَّ غيره إذا جُمع أَوهَمَ التَّسوية، بخلافه هو ، فإنَّ منصبه لا يتطرَّق إليه إيهامُ ذلك، وقال: «ممَّا» ولم يقل: ممَّن؛ ليعمَّ العاقلَ وغيرَه، والمُرَاد بهذا الحبِّ -كما قاله البيضاويُّ-: العقليُّ؛ وهو إيثار ما يقتضي العقلُ رجحانَه ويستدعي اختيارَه، وإن كان على خلاف هواه، ألا ترى أنَّ المريض يَعافُ الدَّواء وينفر عنه طبعُه، ولكنَّه يميل إليه باختياره، ويهوى تناوله بمُقتضَى عقله؛ لِمَا يعلم أنَّ صلاحه فيه (وَ) من محبَّة الله تعالى ورسوله (أَنْ يُحِبَّ) المتلبِّس بها (المَرْءَ) حال كونه (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) تعالى (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ) أي: العود (فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: مثل كُرهِهِ القذفَ (فِي النَّارِ) وهذا نتيجة دخول نور الإيمان في القلب بحيث يختلط باللَّحم والدَّم، واستكشافِهِ عن محاسن الإسلام وقبح الكفر وشَيْنِه، فإن قلت: لمَ عدَّى «العَوْد» بـ «في» ولم يعدِّه بـ «إلى» كما هو المشهور؟ أجاب الحافظ ابن حجرٍ كالكِرمانيِّ: بأنَّه ضُمِّن معنى الاستقرار، كأنَّه قال: أن يعود مستقرًّا

فيه، وتعقَّبه العينيُّ فقال: فيه تعسُّفٌ، وإنَّما «في» هنا بمعنى «إلى» كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] أي: لَتصيرُنَّ إلى ملَّتنا.

وفي هذا الحديث: الإشارةُ إلى التَّحلِّي بالفضائل، والتَّخلِّي عن الرَّذائل، فالأوَّل من الأوَّل، والأخير من الثَّاني، وفي الثَّاني الحثُّ على التَّحابِّ في الله تعالى.

ورواته كلُّهم بصريُّون أئمَّةٌ أجلَّاءُ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا بعد ثلاثة أبوابٍ [خ¦٢١] وفي «الأدب» [خ¦٦٠٤١]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ.

(١٠) (بابٌ) بالتنوين (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) التَّامِّ (حُبُّ الأَنْصَارِ) وسقط التَّنوين للأَصيليِّ، وحينئذٍ فقوله (١): «علامة» جُرَّ بالإضافة، قال ابن المُنَيِّر: علامة الشَّيء لا يخفى أنَّها غير داخلةٍ في حقيقته، فكيف تفيد هذه التَّرجمة مقصوده من أنَّ الأعمال داخلةٌ في مُسمَّى الإيمان؟

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وعسكر مكرم وتستر وسوس وسرق، وَهِي دورق، وَذكر غير ذَلِك. قَالَ: وَمن سرق الأهواز إِلَى دورق فِي المَاء ثَمَانِيَة عشر فرسخاً، وعَلى الظَّاهِر أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ. والعبدي: فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرّة، وَفِي ربيعَة ابْن نزار: عبد الْقَيْس بن قصي بن دعمي، ينْسب إِلَيْهِ، عَبدِي، على الْقيَاس، وعبقسي، على غير الْقيَاس؛ وَفِي تَمِيم ينْسب إِلَى عبد الله بن دارم، وَقد يُقَال: عبدلي، على غير قِيَاس؛ وَفِي خولان ينْسب إِلَى عبد الله بن الْخِيَار، وَفِي هَمدَان ينْسب إِلَى عبد بن عليان بن أرحب. والبناني: بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، نِسْبَة إِلَى: بنانة، بطن من قُرَيْش، وبنانة كَانَت زَوْجَة سعد بن لؤَي بن غَالب، نسب إِلَيْهَا بنوها، وَقيل: كَانَت أمة لَهُ حضنت بنيه، وَقيل: كَانَت حاضنة لِبَنِيهِ فَقَط، وَيُقَال: نِسْبَة إِلَى سكَّة بنانة بِالْبَصْرَةِ، فَافْهَم.

(بَيَان الْمعَانِي) . قَوْله: (وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم} (الْحجر: ٨٧) وَهُوَ عكس قَوْله تَعَالَى: {وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال} (الْبَقَرَة: ٩٨) فَإِنَّهُ تَخْصِيص بعد تَعْمِيم، فَإِن قيل: هَل يدْخل فِي لفظ النَّاس نفس الرجل أَو يكون إِضَافَة الْمحبَّة إِلَيْهِ تَقْتَضِي خُرُوجه مِنْهُم، فَإنَّك إِذا قلت: جَمِيع النَّاس أحب إِلَى زيد من غُلَامه، يفهم مِنْهُ خُرُوج زيد مِنْهُم؟ قلت: لَا يخرج لِأَن اللَّفْظ عَام، وَمَا ذكر ثمَّ لَيْسَ من المخصصات. وَاعْلَم أَنه قد يُوجد فِي بعض النّسخ قبل حَدثنَا آدم لَفْظَة: (ح) إِشَارَة إِلَى الْحول من الْإِسْنَاد الأول إِلَى إِسْنَاد آخر، وَفِي بَعْضهَا لَا يُوجد، وعَلى النسختين فَفِيهِ تحول من إِسْنَاد إِلَى آخر قبل ذكر الحَدِيث، وَقَوله: أخبرنَا يَعْقُوب، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا.

٩ - (بَاب حَلَاوَةِ الإِيمَانِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حلاوة الْإِيمَان، وارتفاعه على الخبرية للمبتدأ الْمَحْذُوف، وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن الْبَاب الأول مُشْتَمل على أَن كَمَال الْإِيمَان لَا يكون إلَاّ إِذا كَانَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أحب إِلَيْهِ من سَائِر الْخلق، وَهَذَا الْبَاب يبين أَن ذَلِك من جملَة حلاوة الْإِيمَان، وَلِأَن هَذَا الْبَاب مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَالْبَاب الَّذِي قبله جُزْء من هَذِه الثَّلَاثَة، وَهَذَا أقوى وُجُوه الْمُنَاسبَة.

١٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قالَ حَدثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقفِيُّ قَالَ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرَءَ لَا يُحِبُّهُ إلَاّ لِلَّهِ وَأنْ يَكَرَهُ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكَرَهَ أنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِلَفْظ الْمَفْعُول من التَّثْنِيَة بِالْمُثَلثَةِ، ابْن عبيد بن قيس بن دِينَار، أَبُو مُوسَى الْعَنزي الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالزمن، سمع: ابْن عُيَيْنَة ووكيع بن الْجراح وَإِسْمَاعِيل بن علية وَالْقطَّان وَغَيرهم، روى عَنهُ: أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي والمحاملي. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ ثِقَة ثبتاً يحْتَج سَائِر الْأَئِمَّة بحَديثه، وَقدم بَغْدَاد وَحدث بهَا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَة فَمَاتَ بهَا، قَالَ غَيره: سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَولد هُوَ وَبُنْدَار بِالسنةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا حَمَّاد بن سَلمَة، سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى عَنهُ الْجَمَاعَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ. الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد بن الصَّلْت بن أبي عبيد بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد همام بن أبان بن يسَار مَالك بن خطيط بن جشم بن قسي، وَهُوَ ثَقِيف بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس غيلَان الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، سمع: يحيى الْأنْصَارِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وخلقاً. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَالْإِمَام أَحْمد وَابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ، وَثَّقَهُ يحيى وَالْعجلِي، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة وَفِيه ضعف، ولد سنة ثَمَان وَمِائَة وَتُوفِّي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَقَالَ خَليفَة بن خياط: اخْتَلَط قبل مَوته بِثَلَاث سِنِين، أَو أَربع سِنِين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة، واسْمه كيسَان السّخْتِيَانِيّ الْبَصْرِيّ، مولى عزة، وَيُقَال جُهَيْنَة، ومواليه حلفاء بني جريش، رأى أنس بن مَالك، وَسمع: عمر بن سَلمَة الْجرْمِي وَأَبا عُثْمَان

النَّهْدِيّ وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَبا قلَابَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي ومجاهداً وخلقاً كثيرا. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن سِيرِين وَعَمْرو بن دِينَار وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش وَمَالك والسفيانان والحمادان، وروى عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ، أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَهُ نَحْو ثَمَان مائَة حَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة ثَبت. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن علية: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ: مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، زَاد غَيره: وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، واسْمه عبد الله بن زيد بن عَمْرو، وَقيل: عَامر بن نائل بن مَالك الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، سمع: ثَابت بن قيس بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ وَأنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَغَيرهم من الصَّحَابَة، روى: عَن أَيُّوب وَقَتَادَة وَيحيى ابْن أبي كثير، اتّفق على توثيقه، توفّي بِالشَّام سنة أَربع وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر ذكره.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْعَنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي، نِسْبَة إِلَى عنزة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان حَيّ من ربيعَة. والثقفي: بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف بعْدهَا الْفَاء نِسْبَة إِلَى ثَقِيف، وَهُوَ: قسي بن مُنَبّه، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. والسختياني: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى بيع السختيان، وَهُوَ الْجلد؛ وَقَالَ الْجَوْهَرِي: سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيع الْجُلُود قَالَ صَاحب الْمطَالع: وَمِنْهُم من يضم السِّين؛ وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ بِضَم السِّين وَكسرهَا. قلت: هَذَا اللَّفْظ أعجمي؟ وَلم يسمع مِنْهُم إلَاّ فتح السِّين. والجرمي: بِفَتْح الْجِيم فِي قبائل، فَفِي قضاعة جرم بن رَيَّان بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، وَفِي بجيلة جرم بن عَلْقَمَة بن عبقر، وَفِي عاملة جرم بن شعل بن مُعَاوِيَة، وَفِي طي جرم وَهُوَ ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن كلهم أَئِمَّة أجلاء على مَا ذكرنَا.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَمُسلم أَيْضا كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى إِلَى آخِره بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرجه فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا بعد ثَلَاثَة أَبْوَاب، من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس، وَاسْتدلَّ بِهِ على فضل من أكره عى الْكفْر فَترك التقية إِلَى أَن قتل، وَأخرجه من هَذَا الْوَجْه فِي الْأَدَب فِي فضل الْحبّ فِي الله، وَلَفظ هَذِه الرِّوَايَة: (وَحَتَّى أَن يقذف فِي النَّار أحب إِلَيْهِ أَن يرجع إِلَى الْكفْر بعد أَن أنقذه الله مِنْهُ) . وَهِي أبلغ من لفظ حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ سوى فِيهِ بَين الْأَمريْنِ، وَهنا جعل الْوُقُوع فِي نَار الدُّنْيَا أولى من الْكفْر الَّذِي أنقذه الله بِالْخرُوجِ مِنْهُ من نَار الْأُخْرَى، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من هَذَا الْوَجْه، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم: (من كَانَ أَن يلقى فِي النَّار أحب إِلَيْهِ من أَن يرجع يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فِي رِوَايَة أُخْرَى: (ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان وطعمه: أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَأَن يحب فِي الله وَيبغض فِي الله، وَأَن يُوقد نَار عَظِيمَة فَيَقَع فِيهَا أحب إِلَيْهِ من أَن يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) الْحَلَاوَة مصدر: حلا الشَّيْء يحلو، وَهُوَ نقيض المر، واحلولى مثله، وأحليت الشَّيْء: جعلته حلواً، وأحليته أَيْضا: وجدته حلواً وحاليته أَي: طايبته. والحلوى نقيض المرى، يُقَال: خُذ الْحَلْوَى وأعطه المرى، وتحالت الْمَرْأَة: إِذا أظهرت حلاوة وعجباً. وَأما حلوت فلَانا على كَذَا مَالا، فَأَنا أحلوه حلواً وحلواناً، فَمَعْنَاه: وهبت لَهُ شَيْئا على شَيْء يَفْعَله لَك غير الْأُجْرَة، وَأما: حليت الْمَرْأَة أحليها حليا، وحلوتها فمعناها: جلعت لَهَا حليًّا، وَيُقَال: حلي فلَان بعيني بِالْكَسْرِ، وَفِي عَيْني، وبصدري أَو فِي صَدْرِي: يحلى حلاوة إِذا أعْجبك، قَالَ الراجز:

(إِن سِرَاجًا لكريم مفخرة ... تحلى بِهِ الْعين إِذا مَا تجهره)

وَهَذَا من المقلوب، وَالْمعْنَى: يحلى بِالْعينِ، وَكَذَلِكَ حلا فلَان يَعْنِي وَفِي عَيْني: يحلو حلاوة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حلى فِي عَيْني بِالْكَسْرِ، وحلا فِي فمي بِالْفَتْح، وحليت الرجل: وصفت حليته، وحليت الشَّيْء فِي عين صَاحبه، وحليت الطَّعَام: جعلته حلواً، والحلواء الَّتِي تُؤْكَل تمد وتقصر. وَأما معنى: الحلوة، فِي الحَدِيث. فَقَالَ التَّيْمِيّ: حسنه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى حلاوة الْإِيمَان استلذاذ

الطَّاعَات، وَتحمل المشاق فِي الدّين، وإيثار ذَلِك على أَعْرَاض الدُّنْيَا ومحبة العَبْد الله تَعَالَى بِفعل طَاعَته وَترك مُخَالفَته، وَكَذَلِكَ محبَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: تَفْسِير التَّيْمِيّ: من الْحَلَاوَة الَّتِي بَابهَا من حلى فلَان بعيني حلاوة، إِذا حسن، وَتَفْسِير النَّوَوِيّ: من حلا الشَّيْء يحلو حلواً وحلاوة، وَهُوَ نقيض المر، وَلكُل مِنْهُمَا وَجه وَالْأَظْهَر الثَّانِي على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يكره) من: كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، فَهُوَ شَيْء كريه ومكروه، وَمَعْنَاهُ: عدم الرضى. قَوْله: (أَن يقذف) من الْقَذْف بِمَعْنى: الرَّمْي، وَقَالَ الصغاني: التَّرْكِيب يدل على الرَّمْي والطرح، وَالْقَذْف بِالْحِجَارَةِ: الرَّمْي بهَا، وَقذف المحصنة قذفا أَي: رَمَاهَا. وَيُقَال: هم بَين خاذف وقاذف، فالخاذف بالحصى والقاذف بِالْحِجَارَةِ.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (ثَلَاث) مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ. فَإِن قلت: هُوَ نكرَة كَيفَ يَقع مُبْتَدأ؟ قلت: النكرَة تقع مُبتَدأَة بالمسوغ، وَهَهُنَا ثَلَاثَة وُجُوه. الأول: أَن يكون التَّنْوِين فِي ثَلَاث عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، تَقْدِيره: ثَلَاث خِصَال، فحينئذٍ يقرب من الْمعرفَة. الثَّانِي: أَن يكون هَذَا صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: خِصَال ثَلَاث، والموصوف هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْحَقِيقَة، فَلَمَّا حذف قَامَت الصّفة مقَامه. الثَّالِث: يجوز أَن يكون ثَلَاث مَوْصُوفا بِالْجُمْلَةِ الشّرطِيَّة الَّتِي بعده، وَالْخَبَر على هَذَا الْوَجْه هُوَ قَوْله: (أَن يكون) ، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: كَون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلين الْخَبَر هُوَ الْجُمْلَة الشّرطِيَّة، لِأَن قَوْله: من مُبْتَدأ مَوْصُول يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، وَقَوله: كن فِيهِ، جملَة صلته. وَقَوله: وجد، خَبره. وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. فَإِن قلت: الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا فَلَا بُد من ضمير فِيهَا يعود إِلَى الْمُبْتَدَأ، لِأَن الْجُمْلَة مُسْتَقلَّة بذاتها فَلَا يربطها بِمَا قبلهَا إلَاّ الضَّمِير، وَلَيْسَ هَهُنَا ضمير يعود إِلَيْهِ، وَالضَّمِير فِي فِيهِ يرجع إِلَى: من، لَا إِلَى ثَلَاث؟ قلت: الْعَائِد هَهُنَا مَحْذُوف تَقْدِيره: ثَلَاث من كن فِيهِ مِنْهَا وجد حلاوة الْإِيمَان، كَمَا فِي قَوْلك: الْبر الكربستين أَي: مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يعِيش فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} (الشورى: ٤٣) إِن من مُبْتَدأ، وصلته صَبر، وَخَبره: إِن الْمَكْسُورَة مَعَ مَا بعْدهَا، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن ذَلِك مِنْهُ. فَإِن قلت: إِذا جعلت الْجُمْلَة خَبرا، فَمَا يكون إِعْرَاب قَوْله: (أَن يكون الله) ؟ قلت: يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون بَدَلا من ثَلَاث، وَالْآخر: أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: أحد الَّذين فيهم الْخِصَال الثَّلَاث أَن يكون الله ... الخ. قَوْله: (وجد) بِمَعْنى أصَاب، فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد، وَهُوَ قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) . قَوْله: (وَرَسُوله) : بِالرَّفْع عطف على لَفْظَة: الله، الَّذِي هُوَ اسْم يكون، قَوْله: (أحب) بِالنّصب لِأَنَّهُ خبر يكون. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يثني: أحب، حَتَّى يُطَابق اسْم كَانَ، وَهُوَ اثْنَان. قلت: أفعل التَّفْضِيل إِذا اسْتعْمل: بِمن، فَهُوَ مُفْرد مُذَكّر لَا غير فَلَا يحْتَاج إِلَى الْمُطَابقَة. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل مَعَ: من، كالمضاف والمضاف إِلَيْهِ، فَلَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا. قلت: أُجِيز ذَلِك بالظرف للاتساع. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء) عطف على أَن يكون الله. قَوْله: (يحب) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى: من وَقَوله: (الْمَرْء) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (لَا يُحِبهُ إلَاّ لله) جملَة وَقعت حَالا بِدُونِ الْوَاو، وَقد علم أَن الْفِعْل الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ منفياً يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه، نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا يركب، أَو: وَلَا يركب. قَوْله: (وَأَن يكره) عطف على: أَن يحب، قَوْله: (أَن يعود) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول لقَوْله: يكره، وَأَن يكره: وَأَن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وَأَن يكره الْعود. فَإِن قلت: الْمَشْهُور أَن يُقَال: عَاد إِلَيْهِ، معدى بإلى لَا بفي. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: قد ضمن فِيهِ معنى الِاسْتِقْرَار، كَأَنَّهُ قَالَ: أَن يعود مُسْتَقرًّا فِيهِ، وَهَذَا تعسف، وَإِنَّمَا: فِي هَذَا بِمَعْنى: إِلَى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو لتعودن فِي ملتنا} (الْأَعْرَاف: ٢٨٨) أَي: تصيرن إِلَى ملتنا. قَوْله: (كَمَا يكره) : الْكَاف للتشبيه بِمَعْنى: مثل، و: مَا، مَصْدَرِيَّة، أَي: مثل كرهه. قَوْله: (أَن يقذف) فِي مَحل النصب، لِأَنَّهُ مفعول: يكره، وَأَن مَصْدَرِيَّة أَي: الْقَذْف، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. فَافْهَم.

(بَيَان الْمعَانِي) : قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا حَدِيث عَظِيم، أصل من أصُول الْإِسْلَام، قلت: كَيفَ لَا، وَفِيه محبَّة الله وَرَسُوله الَّتِي هِيَ أصل الْإِيمَان بل عينه، وَلَا تصح محبَّة الله وَرَسُوله حَقِيقَة، وَلَا حب لغير الله وَلَا كَرَاهَة الرُّجُوع فِي الْكفْر إلَاّ لمن قوي الْإِيمَان فِي نَفسه وانشرح لَهُ صَدره وخالطه دَمه ولحمه، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وجد حلاوته، وَالْحب فِي الله من ثَمَرَات الْحبّ لله. وَقَالَ ابْن بطال: محبَّة العَبْد لخالقه الْتِزَام طَاعَته، والانتهاء عَمَّا نهى عَنهُ، ومحبة الرَّسُول كَذَلِك، وَهِي الْتِزَام

شَرِيعَته. وَقَالَ بَعضهم: الْمحبَّة مواطأة الْقلب على مَا يُرْضِي الرب سُبْحَانَهُ، فيحب مَا أحبَّ وَيكرهُ مَا يكره. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَمعنى حب الله الاسْتقَامَة فِي طَاعَته، والتزام أوامره ونواهيه فِي كل شَيْء. وَالْمرَاد ثَمَرَات الْمحبَّة، فَإِن أصل الْمحبَّة الْميل لما يُوَافق المحبوب، وَالله سُبْحَانَهُ منزه أَن يمِيل أَو يمال إِلَيْهِ، وَأما محبَّة الرَّسُول فَيصح فِيهَا الْميل، إِذْ ميل الْإِنْسَان لما يُوَافقهُ إِمَّا للاستحسان كالصورة الجميلة والمطاعم الشهية وشبههما، أَو لما يستلذه بعقله من الْمعَانِي والأخلاق كمحبة الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء وَإِن لم يكن فِي زمانهم، أَو لمن يحسن إِلَيْهِ وَيدْفَع الْمضرَّة عَنهُ، وَهَذِه الْمعَانِي كلهَا مَوْجُودَة فِي حق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَجمعه الْفَضَائِل وإحسانه إِلَى جَمِيع الْمُسلمين بهدايته إيَّاهُم وإبعادهم عَن الْجَحِيم. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله) هَذَا حث على التحاب فِي الله، لأجل أَن الله جعل الْمُؤمنِينَ أخوة قَالَ الله تَعَالَى: {فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا} (آل عمرَان: ١٠٣) وَمن محبته ومحبة رَسُوله محبَّة أهل مِلَّته، فَلَا تحصل حلاوة الْإِيمَان إلَاّ أَن تكون خَالِصَة لله تَعَالَى، غير مشوبة بالأغراض الدُّنْيَوِيَّة وَلَا الحظوظ البشرية، فَإِن من أحب لذَلِك انْقَطَعت تِلْكَ الْمحبَّة عِنْد انْقِطَاع سَببهَا، قَوْله: (وَأَن يكره) إِلَى آخِره. مَعْنَاهُ أَن هَذِه الْكَرَاهَة إِنَّمَا تُوجد عِنْد وجود سَببهَا، وَهُوَ مَا دخل قلبه من نور الْإِيمَان، وَمن كشف لَهُ عَن محَاسِن الْإِسْلَام وقبح الجهالات والكفران، وَقيل: الْمَعْنى أَن من وجد حلاوة الْإِيمَان وَعلم أَن الْكَافِر فِي النَّار يكره الْكفْر لكراهته لدُخُول النَّار. قلت: وَقَائِل هَذَا الْمَعْنى حَافظ على بَقَاء لفظ الْعود على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَمَعْنَاهُ هُنَا معنى الصيرورة، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا} (الْأَعْرَاف: ٨٩) .

(بَيَان الْبَيَان) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) فِيهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، وَذَلِكَ لِأَن الْحَلَاوَة إِنَّمَا تكون فِي المطعومات، وَالْإِيمَان لَيْسَ مطعوماً، فَظهر أَن هَذَا مجَاز، لِأَنَّهُ شبه الْإِيمَان بِنَحْوِ الْعَسَل، ثمَّ طوى ذكر الْمُشبه بِهِ، لِأَن الِاسْتِعَارَة هِيَ أَن يذكر أحد طرفِي التَّشْبِيه مُدعيًا دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، فالمشبه: إِيمَان، والمشبه بِهِ: عسل وَنَحْوه، والجهة الجامعة وَهُوَ وَجه الشّبَه الَّذِي بَينهمَا: هُوَ الالتذاذ وميل الْقلب إِلَيْهِ فَهَذِهِ هِيَ الإستعارة بِالْكِنَايَةِ، ثمَّ لما ذكر الْمُشبه أضَاف إِلَيْهِ مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ ولوازمه، وَهُوَ: الْحَلَاوَة على سَبِيل التخيل، وَهِي اسْتِعَارَة تخييلية، وترشيح للاستعارة. قَوْله: (كَمَا يكره أَن يقذف فِي النَّار) تَشْبِيه وَلَيْسَ باستعارة، لِأَن الطَّرفَيْنِ مذكوران. فالمشبه هُوَ: العَوْد فِي الْكفْر، والمشبه بِهِ وَهُوَ: الْقَذْف فِي النَّار، وَوجه الشّبَه هُوَ: وجدان الْأَلَم وَكَرَاهَة الْقلب إِيَّاه.

(الأسئلة والأجوبة) : مِنْهَا: مَا قيل: مَا الْحِكْمَة فِي كَون حلاوة الْإِيمَان فِي هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟ وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة هِيَ عنوان كَمَال الْإِيمَان المحصل لتِلْك الذة، لِأَنَّهُ لَا يتم إِيمَان امرىء حَتَّى يتَمَكَّن فِي نَفسه أَن الْمُنعم بِالذَّاتِ هُوَ الله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا مانح وَلَا مَانع سواهُ، وَمَا عداهُ، تَعَالَى وسائط لَيْسَ لَهَا فِي ذَاتهَا إِضْرَار وَلَا انفاع، وَأَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ العطوف السَّاعِي فِي صَلَاح شَأْنه، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يتَوَجَّه بكليته نَحوه، وَلَا يحب مَا يُحِبهُ إلَاّ لكَونه وسطا بَينه وَبَينه، وَأَن يتَيَقَّن أَن جملَة مَا أوعد ووعد حق تَيَقنا يخيل إِلَيْهِ الْمَوْعُود كالواقع، والاشتغال بِمَا يؤول إِلَى الشَّيْء مُلَابسَة بِهِ، فيحسب مجَالِس الذّكر رياض الْجنَّة، وَأكل مَال الْيَتِيم أكل النَّار، وَالْعود إِلَى الْكفْر إِلْقَاء فِي النَّار. وَمِنْهَا مَا قيل: لم عبر عَن هَذِه الْحَالة بالحلاوة؟ وَأجِيب: لِأَنَّهَا أظهر اللَّذَّات المحسوسة، وَإِن كَانَ لَا نِسْبَة بَين هَذِه اللَّذَّة وَاللَّذَّات الحسية. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيل: مِمَّا سواهُمَا، وَلم يقل: مِمَّن سواهُمَا؟ وَأجِيب: بِأَن: مَا، أَعم بِخِلَاف: من فَإِنَّهَا للعقلاء فَقَط. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ قَالَ: سواهُمَا، بإشراك الضَّمِير بَينه وَبَين الله عز وَجل، وَالْحَال أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنكر على من فعل ذَلِك وَهُوَ الْخَطِيب الَّذِي قَالَ: وَمن يعصهما فقد غوى فَقَالَ: (بئس الْخَطِيب أَنْت) ؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا لَيْسَ من هَذَا، لِأَن المُرَاد فِي الْخطب الْإِيضَاح، وَأما هُنَا فَالْمُرَاد الإيجاز فِي اللَّفْظ ليحفظ، وَمَا يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي سنَن أبي دَاوُد: (وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَلَا يضر إلَاّ نَفسه) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَأما تَثْنِيَة الضَّمِير هَهُنَا فللإيماء يماء على أَن الْمُعْتَبر، هُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من المحبتين لَا كل وَاحِدَة، فَإِنَّهَا وَحدهَا ضائعة لاغية وَأمر بِالْإِفْرَادِ فِي حَدِيث الْخَطِيب، إشعاراً بِأَن كل وَاحِد من العصيانين مُسْتَقل باستلزامه الغواية، إِذْ الْعَطف فِي تَقْرِير التكرير، وَالْأَصْل اسْتِقْلَال كل من المعطوفين فِي الحكم. وَقَالَ الأصوليون: أَمر بِالْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ أَشد تَعْظِيمًا، وَالْمقَام يَقْتَضِي ذَلِك، وَيُقَال إِنَّه من الخصائص فَيمْتَنع من غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يمْتَنع مِنْهُ، لِأَن غَيره إِذا جمع أوهم

اطلاقه التَّسْوِيَة، بِخِلَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن منصبه لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ إِيهَام ذَلِك، وَيُقَال: إِن كَلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُنَا جملَة وَاحِدَة فَلَا يحسن إِقَامَة الظَّاهِر فِيهَا مقَام الْمُضمر، وَكَلَام الَّذِي خطب جملتان لَا يكره إِقَامَة الظَّاهِر فِيهَا مقَام الْمُضمر، وَيُقَال: إِن الْمُتَكَلّم لَا يتَوَجَّه تَحت خطاب نَفسه إِذا وَجهه لغيره، وَيُقَال: إِن الله تَعَالَى أَمر نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يشرف من شَاءَ بِمَا شَاءَ، كَمَا أقسم بِكَثِير من مخلوقاته، وَكَذَلِكَ لَهُ أَن يَأْذَن لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويحجره على غَيره، وَيُقَال: الْعَمَل بِخَبَر الْمَنْع أولى، لِأَن الْخَبَر الآخر يحْتَمل الْخُصُوص، وَلِأَنَّهُ ناقل، وَالْآخر مَبْنِيّ فِي الأَصْل، وَلِأَنَّهُ قَول، وَالثَّانِي فعل.

١٠ - (بَاب عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الانْصَارِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة وَالتَّقْدِير: بَاب فِيهِ عَلامَة الْإِيمَان حب الْأَنْصَار. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن هَذَا الْبَاب دَاخل فِي نفس الْأَمر فِي الْبَاب الأول، لِأَن حب الْأَنْصَار دَاخل فِي قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إلَاّ لله) ، فَإِن قلت: فَمَا فَائِدَة التَّخْصِيص؟ قلت: الاهتمام بشأنهم والعناية بتخصيصهم فِي إفرادهم بِالذكر.

١٧ - حدّثنا أبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَالَ جَبرٍ سَمْعتُ أنَساً عَن النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ وآيَةُ النِّفَاق بُغْضُ الأَنْصارِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

(بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، هِشَام بن عبد الْملك الْبَصْرِيّ، مولى باهلة، سمع: مَالِكًا وَشعْبَة والحمادين وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَآخَرين، روى عَنهُ: أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَمُحَمّد بن يحيى وَمُحَمّد بن مُسلم بن وارة. قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: متقن، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: اِدَّرَكَ الْوَلِيد نصف الْإِسْلَام وَكَانَ إِمَامًا فِي زَمَانه جَلِيلًا عِنْد النَّاس، وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله: هُوَ ثِقَة فِي الحَدِيث يروي عَن سبعين امْرَأَة، وَكَانَت الرحلة بعد أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ إِلَيْهِ، ولد سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَمَات سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، روى عَنهُ: البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، وروى الْبَاقُونَ عَن رجل عَنهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عبد الله بن عبد الله بن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء، ابْن عتِيك الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ: جَابر والعراقيون: جبر، سمع: عمر وأنساً، روى عَنهُ: مَالك ومسعر وَشعْبَة، روى لَهُ: البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. الرَّابِع: أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ.

(بَيَان الْأَنْسَاب) : الطَّيَالِسِيّ نِسْبَة إِلَى بيع الطيالسة، وَهُوَ جمع طيلسان، بِفَتْح اللَّام وَقيل بِكَسْرِهَا أَيْضا، وَالْفَتْح أَعلَى، وَالْهَاء فِي الْجمع للعجمة، لِأَنَّهُ فَارسي مُعرب قَالَ الْأَصْمَعِي: أَصله تالشان، والأنصاري، لَيْسَ بِنِسْبَة لأَب وَلَا لأم، بل الْأَنْصَار قبيل عَظِيم من الأزد سميت بذلك لنصرتهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالنِّسْبَة إِنَّمَا تكون إِلَى الْوَاحِد، وَوَاحِد الْأَنْصَار نَاصِر، مثل: أَصْحَاب وَصَاحب، وَكَانَ الْقيَاس فِي النِّسْبَة إِلَى الْأَنْصَار ناصري، فَقَالُوا: أَنْصَارِي، كَأَنَّهُمْ جعلُوا الْأَنْصَار اسْم الْمَعْنى. وَالْمَدَنِي: نِسْبَة إِلَى مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَى ربيع: ربعي، وَفِي جذيمة: جذمي، وَقد تنْسب هَذِه النِّسْبَة إِلَى غَيرهَا من المدن. قَالَ الرشاطي: قَالُوا فِي الرجل وَالثَّوْب إِذا نسب إِلَى الْمَدِينَة مدنِي، وَالطير وَنَحْوه: مديني؛ وَفِي (مُخْتَصر الْعين) يُقَال: رجل مدنِي، وحمام مديني. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا نسبت إِلَى مَدِينَة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، قلت: مدنِي، وَإِلَى مَدِينَة مَنْصُور قلت: مديني وَإِلَى مَدَائِن كسْرَى قلت: مدائني، للْفرق بَين النّسَب لِئَلَّا تختلط.

(بَيَان لطائف أسناده) : وَمِنْهَا: أَن هَذَا الْإِسْنَاد من رباعيات البُخَارِيّ، فَوَقع عَالِيا، وَوَقع لمُسلم خماسياً. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار بِالْجمعِ والإفراد وَالسَّمَاع وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رَاوِيا وَافق اسْمه اسْم أَبِيه.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا، وَأخرجه أَيْضا فِي فَضَائِل الْأَنْصَار عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه مُسلم، عَن ابْن الْمثنى، عَن عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي، عَن شُعْبَة بِهِ. وَلَفظ مُسلم: (آيَة الْمُنَافِق وَآيَة الْمُؤمن) . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا.

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (آيَة الْإِيمَان) أَي: عَلامَة الْإِيمَان، واصلها: أوية، بِالتَّحْرِيكِ، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: مَوضِع الْعين من الْآيَة وَاو، لِأَن مَا كَانَ مَوضِع الْعين واواً وَمَوْضِع اللَّام يَاء أَكثر مِمَّا مَوضِع الْعين وَاللَّام ياآن، مثل: شويث أَكثر من: جبيت، وَتَكون النِّسْبَة إِلَيْهِ: أوي. قَالَ الْفراء: هِيَ من الْفِعْل: فاعلة وَإِنَّمَا ذهبت مِنْهُ اللَاّم، وَلَو جَاءَت تَامَّة لجاءت: آيية، وَلكنهَا خففت، وَجمع الْآيَة: آي وأياي وآيات. وَيُقَال فِي النِّسْبَة إِلَى آيَة: آيي، وَالْمَشْهُور أَن عينهَا يَاء، ووزنها فاعة. لِأَن الأَصْل: آيية، فحذفوا الْيَاء الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ لَام، ثمَّ فتحُوا الَّتِي هِيَ عين لأجل تَاء التَّأْنِيث. قَوْله: (الْأَنْصَار) جمع نَاصِر، كالأصحاب جمع صَاحب، وَيُقَال جمع نصير: كشريف وأشراف، وَالْأَنْصَار سموا بِهِ لنصرتهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ ولد الْأَوْس والخزرج ابْنا حَارِثَة أَو ثَعْلَبَة العنقاء، لطول عُنُقه، ابْن عَمْرو بن مزيقيا بن عَامر بن مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امرىء الْقَيْس البطريق بن ثَعْلَبَة البهلول بن مَازِن، وَهُوَ جماع غَسَّان بن الأزد، واسْمه دراء، على وزن فعال، ابْن الْغَوْث بن نبت يعرب بن يقطن وَهُوَ قحطان، وَإِلَى قحطان جماع الْيمن، وَهُوَ أَبُو الْيمن كلهَا. وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى إِسْمَاعِيل فَيَقُول: قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إِسْمَاعِيل. هَذَا قَول الْكَلْبِيّ، وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى غَيره، فَيَقُول: قحطان بن فالخ بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام، فعلى الأول الْعَرَب كلهَا من ولد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وعَلى الثَّانِي من ولد إِسْمَاعِيل وقحطان، وَقَالَ حسان بن ثَابت.

(أما سَأَلت فَإنَّا معشرٌ نجبٌ الأزد نسبتنا، والماءُ غَسَّان)

وغسان: مَاء كَانَ شرباً لولد مَازِن بن الأزد، وَكَانَ الْأَنْصَار الَّذين هم الْأَوْس والخزرج يعْرفُونَ قبل ذَلِك: بإبنيْ قَيْلة، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الام الَّتِي تجمع القبيلتين، فسماهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْأَنْصَار، فَصَارَ ذَلِك علما عَلَيْهِم، وَأطلق أَيْضا على أَوْلَادهم وحلفائهم ومواليهم. وَيُقَال: سماهم الله تَعَالَى بذلك فَقَالَ: {وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} (الْأَنْفَال: ٧٤) . قَوْله: (النِّفَاق) هُوَ إِظْهَار الْإِيمَان وإبطان الْكفْر، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: فِي الاعتلال فِي تَسْمِيَة الْمُنَافِق منافقاً ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه سمي بِهِ لِأَنَّهُ يستر كفره ويغيبه، فَشبه بِالَّذِي يدْخل النفق، وَهُوَ: السرب، يسْتَتر فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنه نَافق كاليربوع، فَشبه بِهِ لِأَنَّهُ يخرج من الْإِيمَان من غير الْوَجْه الَّذِي دخل فِيهِ. وَالثَّالِث: أَنه إِنَّمَا سمي بِهِ لإظهاره غير مَا يضمر، تَشْبِيها باليربوع، فَكَذَلِك الْمُنَافِق ظَاهره إِيمَان وباطنه كفر. ونافق اليربوع أَخذ فِي نافقائه، ونفق اليربوع أَي استخرجه، والنافقاء إِحْدَى حجرَة اليربوع، يكتمها وَيظْهر غَيره، وَهُوَ مَوضِع يرققه، فَإِذا أَتَى من قبل القاصعاء، ضرب النافقاء بِرَأْسِهِ فانتفق أَي: خرج. ثمَّ أعلم أَن النِّفَاق هُوَ، بِكَسْر النُّون، وَأما النِّفَاق، بِالْفَتْح، فَهُوَ من: نفق البيع نفَاقًا إِي: راج، ونفقت الدَّابَّة نفوقاً أَي: مَاتَت، والنفاق بِالْكَسْرِ أَيْضا جمع النَّفَقَة من الدَّرَاهِم وَغَيرهَا، مِثَال ثَمَرَة وثمار، ونفِقت نِفاق الْقَوْم بِالْكَسْرِ ينْفق نفقاً بِالتَّحْرِيكِ، أَي: فنيت، وَأنْفق الرجل مَاله وانفق الْقَوْم نفقت سوقهم، وَقَالَ تَعَالَى: {خشيَة الانفاق} (الْإِسْرَاء: ١٠٠) أَي: خشيَة الفناء والنفاد، وَقَالَ قَتَادَة: أَي خشيَة إِنْفَاقه. وَقَالَ الصغاني: التَّرْكِيب يدل على انْقِطَاع الشَّيْء وذهابه، وعَلى إخفاء شَيْء وإغماضه.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (آيَة الْإِيمَان) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره قَوْله: (حب الْأَنْصَار) ، وَمثل هَذِه تسمى قَضِيَّة ثنائية، وَأهل الْمَعْقُول يشترطون الرابطة وَيَقُولُونَ: التَّقْدِير فِي مثلهَا آيَة الْإِيمَان هِيَ حب الْأَنْصَار، كَمَا يقدرُونَ فِي نَحْو: زيد قَائِم زيد: هُوَ قَائِم، ويسمونها: قَضِيَّة ثلاثية، وَقد ضبط أَبُو الْبَقَاء العكبري: إِنَّه الْإِيمَان حب الْأَنْصَار، بِهَمْزَة مَكْسُورَة، وَنون مُشَدّدَة، وهاء الضَّمِير، وبرفع الْإِيمَان فاعربه، فَقَالَ: إِن للتَّأْكِيد، وَالْهَاء ضمير الشان، وَالْإِيمَان مُبْتَدأ، وَمَا بعده خَبره، وَالتَّقْدِير: إِن الشان الْإِيمَان حب الْأَنْصَار، وَهَذَا مُخَالف لجَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي وَقعت فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد، وَمَا أقربه أَن يكون تصحيفاً قَوْله: (وَآيَة النِّفَاق) أَيْضا: كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: (بغض الْأَنْصَار) خَبره.

(بَيَان الْمعَانِي) فِيهِ مَا قَالَ أهل الْمعَانِي من: إِن الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر إِذا كَانَا معرفتين تفِيد الْحصْر، وَلَكِن هَذَا لَيْسَ بحصر حَقِيقِيّ، بل هُوَ حصر ادعائي تَعْظِيمًا لحب الْأَنْصَار، كَانَ الدَّعْوَى أَنه؛ لَا عَلامَة لإيمان إلَاّ حبهم، وَلَيْسَ حبهم إلَاّ علامته، وَيُؤَيِّدهُ مَا قد جَاءَ فِي صَحِيح مُسلم: (آيَة الْمُؤمن من حب الْأَنْصَار) ، بِتَقْدِيم الْآيَة (وَحب الْأَنْصَار آيَة الْإِيمَان) بِتَقْدِيم الْحبّ. فَإِن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سَبَبُ بَقَاءِ نَفْسِهِ الْبَقَاءَ الْأَبَدِيَّ فِي النَّعِيمِ السَّرْمَدِيِّ، وَعَلِمَ أَنَّ نَفْعَهُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعَاتِ، فَاسْتَحَقَّ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَظُّهُ مِنْ مَحَبَّتِهِ أَوْفَرَ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ النَّفْعَ الَّذِي يُثِيرُ الْمَحَبَّةَ حَاصِلٌ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اسْتِحْضَارِ ذَلِكَ وَالْغَفْلَةِ عَنْهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ حَظَّ الصَّحَابَةِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَتَمُّ ; لِأَنَّ هَذَا ثَمَرَةُ الْمَعْرِفَةِ، وَهُمْ بِهَا أَعْلَمُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كُلُّ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ إِيمَانًا صَحِيحًا لَا يَخْلُو عَنْ وِجْدَانِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَحَبَّةِ الرَّاجِحَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ. فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ بِالْحَظِّ الْأَوْفَى، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ مِنْهَا بِالْحَظِّ الْأَدْنَى، كَمَنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا فِي الشَّهَوَاتِ مَحْجُوبًا فِي الْغَفَلَاتِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، لَكِنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُمْ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ اشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ، بِحَيْثُ يُؤْثِرُهَا عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ وَوَالِدِهِ، وَيَبْذُلُ نَفْسَهُ فِي الْأُمُورِ الْخَطِيرَةِ، وَيَجِدُ مَخْبَرَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ وِجْدَانًا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ. وَقَدْ شُوهِدَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَنْ يُؤْثِرُ زِيَارَةَ قَبْرِهِ وَرُؤْيَةَ مَوَاضِعَ آثَارِهِ عَلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، لِمَا وَقَرَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ مَحَبَّتِهِ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ سَرِيعُ الزَّوَالِ بِتَوَالِي الْغَفَلَاتِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

٩ - باب حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ

١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.

[الحديث ١٦ - أطرافه في: ٦٩٤١، ٦٠٤١، ٢١]

قَوْلُهُ: (بَابُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ) مَقْصَودُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْحَلَاوَةَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ مِنَ الْإِيمَانِ أَرْدَفَهُ بِمَا يُوجِدُ حَلَاوَةَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) هُوَ أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، هُوَ ابْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثٌ) هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ الْخَبَرُ، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّ التَّنْوِينَ عِوَضُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَالتَّقْدِيرُ ثَلَاثُ خِصَالٍ، وَيُحْتَمَلُ فِي إِعْرَابِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (كُنَّ) أَيْ: حَصَلْنَ، فَهِيَ تَامَّةٌ. وَفِي قَوْلِهِ: حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ رَغْبَةَ الْمُؤْمِنَ فِي الْإِيمَانِ بِشَيْءٍ حُلْوٍ وَأَثْبَتَ لَهُ لَازِمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قِصَّةِ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ الصَّفْرَاوِيَّ يَجِدُ طَعْمَ الْعَسَلِ مُرًّا، وَالصَّحِيحُ يَذُوقُ حَلَاوَتَهُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَكُلَّمَا نَقَصَتِ الصِّحَّةُ شَيْئًا مَا نَقَصَ ذَوْقُهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ مِنْ أَوْضَحِ مَا يُقَوِّي اسْتِدْلَالَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّ اللَّهَ شَبَّهَ الْإِيمَانَ بِالشَّجَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مثلا ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ فَالْكَلِمَةُ هِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، وَالشَّجَرَةُ أَصْلُ الْإِيمَانِ، وَأَغْصَانُهَا اتِّبَاعُ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ، وَوَرَقُهَا مَا يَهْتَمُّ بِهِ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْخَيْرِ، وَثَمَرُهَا عَمَلُ الطَّاعَاتِ، وَحَلَاوَةُ الثَّمَرِ جَنْيُ الثَّمَرَةِ، وَغَايَةُ كَمَالِهِ تَنَاهِي نُضْجِ الثَّمَرَةِ وَبِهِ تَظْهَرُ حَلَاوَتُهَا.

قَوْلُهُ: (أَحَبَّ إِلَيْهِ) مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ خَبَرُ يَكُونَ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْحُبِّ هُنَا الْحُبُّ الْعَقْلِيُّ الَّذِي هُوَ إِيثَارُ مَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ السَّلِيمُ رُجْحَانَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ هَوَى النَّفْسِ، كَالْمَرِيضِ يَعَافُ الدَّوَاءَ بِطَبْعِهِ فَيَنْفِرُ عَنْهُ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْلِهِ فَيَهْوَى تَنَاوُلَهُ، فَإِذَا تَأَمَّلَ الْمَرْءُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحٌ عَاجِلٌ أَوْ خَلَاصٌ آجِلٌ، وَالْعَقْلُ يَقْتَضِي رُجْحَانَ

جَانِبَ ذَلِكَ، تَمَرَّنَ عَلَى الِائْتِمَارِ بِأَمْرِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ هَوَاهُ تَبَعًا لَهُ، وَيَلْتَذُّ بِذَلِكَ الْتِذَاذًا عَقْلِيًّا، إِذِ الِالْتِذَاذُ الْعَقْلِيُّ إِدْرَاكُ مَا هُوَ كَمَالُ وَخَيْرٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ. وَعَبَّرَ الشَّارِعُ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ اللَّذَائِذِ الْمَحْسُوسَةِ. قَالَ: وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةِ عُنْوَانًا لِكَمَالِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا تَأَمَّلَ أَنَّ الْمُنْعِمَ بِالذَّاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنْ لَا مَانِحَ وَلَا مَانِعَ فِي الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ، وَأَنَّ مَا عَدَاهُ وَسَائِطُ، وَأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ لَهُ مُرَادَ رَبِّهِ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِكُلِّيَّتِهِ نَحْوَهُ: فَلَا يُحِبُّ إِلَّا مَا يُحِبُّ، وَلَا يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّ إِلَّا مِنْ أَجْلِهِ. وَأَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّ جُمْلَةَ مَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ حَقٌّ يَقِينًا. وَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ الْمَوْعُودُ كَالْوَاقِعِ، فَيَحْسَبُ أَنَّ مَجَالِسَ الذِّكْرِ رِيَاضٌ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الْكُفْرِ إِلْقَاءٌ فِي النَّارِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَشَاهِدُ الْحَدِيثِ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ - إِلَى أَنْ قَالَ - ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ثُمَّ هَدَّدَ عَلَى ذَلِكَ وَتَوَعَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾

(فَائِدَةٌ): فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ وَالتَّخَلِّي عَنِ الرَّذَائِلِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرُ مِنَ الثَّانِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَحَبَّةُ اللَّهِ عَلَى قِسْمَيْنِ فَرْضٌ وَنَدْبٌ، فَالْفَرْضُ الْمَحَبَّةُ الَّتِي تَبْعَثُ عَلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ مَعَاصِيهِ وَالرِّضَا بِمَا يُقَدِّرُهُ، فَمَنْ وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ مِنْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فَلِتَقْصِيرِهِ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ حَيْثُ قَدَّمَ هَوَى نَفْسِهِ وَالتَّقْصِيرُ تَارَةً يَكُونُ مَعَ الِاسْتِرْسَالِ فِي الْمُبَاحَاتِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا، فَيُورِثُ الْغَفْلَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّوَسُّعِ فِي الرَّجَاءِ فَيُقْدِمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، أَوْ تَسْتَمِرُّ الْغَفْلَةُ فَيَقَعُ. وَهَذَا الثَّانِي يُسْرِعُ إِلَى الْإِقْلَاعِ مَعَ النَّدَمِ. وَإِلَى الثَّانِي يُشِيرُ حَدِيثُ: لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَالنَّدْبُ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى النَّوَافِلِ وَيَتَجَنَّبَ الْوُقُوعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَالْمُتَّصِفُ عُمُومًا بِذَلِكَ نَادِرٌ. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ عَلَى قِسْمَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُزَادُ أَنْ لَا يَتَلَقَّى شَيْئًا مِنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ إِلَّا مِنْ مِشْكَاتِهِ، وَلَا يَسْلُكُ إِلَّا طَرِيقَتَهُ، وَيَرْضَى بِمَا شَرَعَهُ، حَتَّى لَا يَجِدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمَّا قَضَاهُ، وَيَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِ فِي الْجُودِ وَالْإِيثَارِ وَالْحِلْمِ وَالتَّوَاضُعِ وَغَيْرِهَا، فَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ ذَلِكَ.

وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ، أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ. وَمَعْنَى حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ اسْتِلْذَاذُ الطَّاعَاتِ، وَتَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ فِي الدِّينِ، وَإِيثَارُ ذَلِكَ عَلَى أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، وَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَحْصُلُ بِفِعْلِ طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مُخَالَفَتِهِ، وَكَذَلِكَ الرَّسُولُ. وَإِنَّمَا قَالَ مِمَّا سِوَاهُمَا وَلَمْ يَقُلْ مِمَّنْ لِيَعُمَّ مَنْ يَعْقِلَ وَمَنْ لَا يَعْقِلَ. قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَذِهِ التَّثْنِيَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لِلَّذِي خَطَبَ فَقَالَ: وَمَنْ يَعْصِهِمَا بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْخُطَبِ الْإِيضَاحُ، وَأَمَّا هُنَا فَالْمُرَادُ الْإِيجَازُ فِي اللَّفْظِ لِيُحْفَظَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ حَيْثُ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَلَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا وَرَدَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ أَيْضًا الْإِيجَازُ فَلَا نَقْضٌ. وَثَمَّ أَجْوِبَةٌ أُخْرَى، مِنْهَا: دَعْوَى التَّرْجِيحِ، فَيَكُونُ حَيِّزُ الْمَنْعِ أَوْلَى لِأَنَّهُ عَامٌّ. وَالْآخَرُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ ; وَلِأَنَّهُ نَاقِلٌ وَالْآخُرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ ; وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ وَالْآخَرُ فِعْلٌ. وَرُدَّ بِأَنَّ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ فِي الْقَوْلِ أَيْضًا حَاصِلٌ بِكُلِّ قَوْلٍ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ أَصْلًا، وَمِنْهَا دَعْوَى أَنَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ، فَيَمْتَنِعُ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا جَمَعَ أَوْهَمَ إِطْلَاقُهُ التَّسْوِيَةَ، بِخِلَافِهِ هُوَ فَإِنَّ مَنْصِبَهُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِيهَامُ ذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا مَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.

وَمِنْهَا دَعْوَى التَّفْرِقَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يَحْسُنُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ فِيهَا مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَكَلَامُ الَّذِي خَطَبَ جُمْلَتَانِ لَا يُكْرَهُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ فِيهِمَا مَقَامَ الْمُضْمَرِ. وَتُعُقِّبَ هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُكْرَهُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ فِيهِمَا مَقَامَ الْمُضْمَرِ أَنْ يُكْرَهَ إِقَامَةُ الْمُضْمَرِ فِيهَا مَقَامَ الظَّاهِرِ، فَمَا وَجْهُ الرَّدِّ عَلَى الْخَطِيبِ مَعَ أَنَّهُ هُوَ جَمَعَ كَمَا تَقَدَّمَ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ قِصَّةَ الْخَطِيبِ - كَمَا قُلْنَا - لَيْسَ فِيهَا صِيغَةُ عُمُومٍ، بَلْ هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ) أبيه وأمِّه (وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، وهل تدخل النَّفس في عموم النَّاس؟ الظَّاهر: نعم، وقِيلَ: إضافة المحبَّة إليه تقتضي خروجه منهم؛ فإنَّك إذا قلت: جميع النَّاس أحبُّ إلى زيدٍ من غلامه؛ يُفهَم منه خروج زيدٍ منهم، وأُجِيب: بأنَّ اللَّفظ عامٌّ، وما ذُكِرَ ليس من المُخصِّصات، وحينئذٍ فلا يخرج، وقد وقع التَّنصيص بذكر النَّفس في حديث عبد الله بن هشامٍ الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦٦٦٣٢] والمُرَاد هنا: المحبَّة الإيمانيَّة؛ وهي اتِّباع المحبوب، لا الطَّبيعيَّة، ومن ثمَّ لم يحكم بإيمان أبي طالبٍ مع حبِّه له على ما لا يخفى، فحقيقة الإيمان لا تتمُّ ولا تحصل إلَّا بتحقيق إعلاء قَدْرِهِ ومنزلته على كلِّ والدٍ وولدٍ ومحسنٍ، ومن لم يعتقد هذا فليس بمؤمنٍ، وفي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة» ممَّا جمعته في ذلك ما يشفي ويكفي.

ولمَّا ذَكَرَ المؤلِّف في هذا الباب أنَّ حبَّه من الإيمان أَرْدَفَه بما يُوجِدُ حلاوة ذلك، فقال:

(٩) هذا (بابُ: حَلَاوَةِ الإِيمَانِ) ومراده: أنَّ الحلاوة من ثمراته، فهي أصلٌ زائدٌ عليه، وقد سقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي.

١٦ - وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف رحمه الله تعالى قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بالمُثلَّثة، ابن عبيدٍ العَنَزِيُّ-بفتح المُهمَلة والنُّون بعدها زايٌ- نسبةً إلى عَنَزَةَ بن أسدٍ، حيّ من ربيعة، البصريُّ،

المُتوفَّى بها سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلت (الثَّقَفِيُّ) بالمُثلَّثة، بعدها قافٌ ثمَّ فاءٌ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، البصريُّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي تميمةَ، واسمه: كيسان السَّخْتِيانيُّ -بفتح المهملَة- على الصَّحيح؛ نسبةً إلى بيع السَّخْتِيان؛ وهو الجِلْد، البصريُّ المُتوفَّى بها سنة إحدى وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف وبالمُوحَّدة؛ عبد الله بن زيد بن عمرٍو -أو عامرٍ- البصريِّ، المُتوفَّى بالشَّام سنة أربعٍ ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر زيادة: «ابن مالكٍ» ( عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: ثَلَاثٌ) أي: ثلاثُ خصالٍ، مبتدأٌ، خبره جملة: (مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ) أي: أصاب (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) ولذا (١) اكتفى بمفعولٍ واحدٍ، وحلاوة الإيمان: استلذاذه بالطَّاعات عند قوَّة النَّفس بالإيمان، وانشراح الصَّدر له بحيث يخالط لحمَه ودمَه، وهل هذا الذَّوق محسوسٌ أو معنويٌّ؟ وعلى الثَّاني: فهو على

سبيل المجاز والاستعارة الموضِّحة للمؤلِّف على استدلاله بزيادة الإيمان ونقصه؛ لأنَّ في ذلك تلميحًا إلى قضية (١) المريض والصَّحيح، لأنَّ المريض الصَّفراويَّ يجد طعم العسل مرًّا بخلاف الصَّحيح، فكلَّما نقصت الصِّحَّة نقص ذوقه بقدر ذلك، وتُسمَّى هذه الاستعارة تخييليَّة؛ وذلك أنَّه شبَّه رغبة المؤمن في الإيمان بالعسل ونحوه، ثمَّ أثبت له لازِمَ ذلك؛ وهي الحلاوةُ، وأضافه إليه، فالمرء (٢) لا يؤمن إلَّا (أَنْ يَكُونَ اللهُ) ﷿ (وَرَسُولُهُ) (أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) بإفراد الضَّمير في «أحبَّ» لأنَّه أفعلُ تفضيلٍ، وهو إذا وُصِلَ بـ «مِن» أُفرِدَ دائمًا، وعبَّر بالتَّثنية في سواهما إشارةً إلى أنَّ المُعتَبر هو المجموع المُركَّب من المحبَّتين، لا كلُّ واحدةٍ منهما، فإنَّها وحدها لاغيةٌ إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدَّعي حبَّ الله مثلًا ولا يحبُّ رسوله لا ينفعه ذلك، ولا تُعارَض تثنية الضَّمير هنا بقصَّة الخطيب

حيث قال: ومن يعصهما؛ فقد غوى. فقال له : «بئس الخطيبُ أنتَ»، فأمره بالإفراد إشعارًا بأنَّ كلَّ واحدٍ من العصيانين مستقلٌّ باستلزامه الغواية؛ إذ العطف في تقدير التَّكرير، والأصل: استقلال كلِّ واحدٍ من المعطوفين في الحكم، فهو في قوَّةِ قولنا: ومن عصى الله فقد غوى، ومن عصى الرسول فقد غوى، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] لم يُعِدْ «أطيعوا» في ﴿أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ كما أعاده في: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ ليؤذن بأنَّه لا استقلال لهم في الطَّاعة استقلالَ الرَّسول ، وقِيل: إنَّه من الخصائص، فيمتنع من غيره ؛ لأنَّ غيره إذا جُمع أَوهَمَ التَّسوية، بخلافه هو ، فإنَّ منصبه لا يتطرَّق إليه إيهامُ ذلك، وقال: «ممَّا» ولم يقل: ممَّن؛ ليعمَّ العاقلَ وغيرَه، والمُرَاد بهذا الحبِّ -كما قاله البيضاويُّ-: العقليُّ؛ وهو إيثار ما يقتضي العقلُ رجحانَه ويستدعي اختيارَه، وإن كان على خلاف هواه، ألا ترى أنَّ المريض يَعافُ الدَّواء وينفر عنه طبعُه، ولكنَّه يميل إليه باختياره، ويهوى تناوله بمُقتضَى عقله؛ لِمَا يعلم أنَّ صلاحه فيه (وَ) من محبَّة الله تعالى ورسوله (أَنْ يُحِبَّ) المتلبِّس بها (المَرْءَ) حال كونه (لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ) تعالى (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ) أي: العود (فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، أي: مثل كُرهِهِ القذفَ (فِي النَّارِ) وهذا نتيجة دخول نور الإيمان في القلب بحيث يختلط باللَّحم والدَّم، واستكشافِهِ عن محاسن الإسلام وقبح الكفر وشَيْنِه، فإن قلت: لمَ عدَّى «العَوْد» بـ «في» ولم يعدِّه بـ «إلى» كما هو المشهور؟ أجاب الحافظ ابن حجرٍ كالكِرمانيِّ: بأنَّه ضُمِّن معنى الاستقرار، كأنَّه قال: أن يعود مستقرًّا

فيه، وتعقَّبه العينيُّ فقال: فيه تعسُّفٌ، وإنَّما «في» هنا بمعنى «إلى» كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] أي: لَتصيرُنَّ إلى ملَّتنا.

وفي هذا الحديث: الإشارةُ إلى التَّحلِّي بالفضائل، والتَّخلِّي عن الرَّذائل، فالأوَّل من الأوَّل، والأخير من الثَّاني، وفي الثَّاني الحثُّ على التَّحابِّ في الله تعالى.

ورواته كلُّهم بصريُّون أئمَّةٌ أجلَّاءُ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا بعد ثلاثة أبوابٍ [خ¦٢١] وفي «الأدب» [خ¦٦٠٤١]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ.

(١٠) (بابٌ) بالتنوين (عَلَامَةُ الإِيمَانِ) التَّامِّ (حُبُّ الأَنْصَارِ) وسقط التَّنوين للأَصيليِّ، وحينئذٍ فقوله (١): «علامة» جُرَّ بالإضافة، قال ابن المُنَيِّر: علامة الشَّيء لا يخفى أنَّها غير داخلةٍ في حقيقته، فكيف تفيد هذه التَّرجمة مقصوده من أنَّ الأعمال داخلةٌ في مُسمَّى الإيمان؟

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وعسكر مكرم وتستر وسوس وسرق، وَهِي دورق، وَذكر غير ذَلِك. قَالَ: وَمن سرق الأهواز إِلَى دورق فِي المَاء ثَمَانِيَة عشر فرسخاً، وعَلى الظَّاهِر أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ. والعبدي: فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرّة، وَفِي ربيعَة ابْن نزار: عبد الْقَيْس بن قصي بن دعمي، ينْسب إِلَيْهِ، عَبدِي، على الْقيَاس، وعبقسي، على غير الْقيَاس؛ وَفِي تَمِيم ينْسب إِلَى عبد الله بن دارم، وَقد يُقَال: عبدلي، على غير قِيَاس؛ وَفِي خولان ينْسب إِلَى عبد الله بن الْخِيَار، وَفِي هَمدَان ينْسب إِلَى عبد بن عليان بن أرحب. والبناني: بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، نِسْبَة إِلَى: بنانة، بطن من قُرَيْش، وبنانة كَانَت زَوْجَة سعد بن لؤَي بن غَالب، نسب إِلَيْهَا بنوها، وَقيل: كَانَت أمة لَهُ حضنت بنيه، وَقيل: كَانَت حاضنة لِبَنِيهِ فَقَط، وَيُقَال: نِسْبَة إِلَى سكَّة بنانة بِالْبَصْرَةِ، فَافْهَم.

(بَيَان الْمعَانِي) . قَوْله: (وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم} (الْحجر: ٨٧) وَهُوَ عكس قَوْله تَعَالَى: {وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال} (الْبَقَرَة: ٩٨) فَإِنَّهُ تَخْصِيص بعد تَعْمِيم، فَإِن قيل: هَل يدْخل فِي لفظ النَّاس نفس الرجل أَو يكون إِضَافَة الْمحبَّة إِلَيْهِ تَقْتَضِي خُرُوجه مِنْهُم، فَإنَّك إِذا قلت: جَمِيع النَّاس أحب إِلَى زيد من غُلَامه، يفهم مِنْهُ خُرُوج زيد مِنْهُم؟ قلت: لَا يخرج لِأَن اللَّفْظ عَام، وَمَا ذكر ثمَّ لَيْسَ من المخصصات. وَاعْلَم أَنه قد يُوجد فِي بعض النّسخ قبل حَدثنَا آدم لَفْظَة: (ح) إِشَارَة إِلَى الْحول من الْإِسْنَاد الأول إِلَى إِسْنَاد آخر، وَفِي بَعْضهَا لَا يُوجد، وعَلى النسختين فَفِيهِ تحول من إِسْنَاد إِلَى آخر قبل ذكر الحَدِيث، وَقَوله: أخبرنَا يَعْقُوب، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا.

٩ - (بَاب حَلَاوَةِ الإِيمَانِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حلاوة الْإِيمَان، وارتفاعه على الخبرية للمبتدأ الْمَحْذُوف، وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن الْبَاب الأول مُشْتَمل على أَن كَمَال الْإِيمَان لَا يكون إلَاّ إِذا كَانَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أحب إِلَيْهِ من سَائِر الْخلق، وَهَذَا الْبَاب يبين أَن ذَلِك من جملَة حلاوة الْإِيمَان، وَلِأَن هَذَا الْبَاب مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَالْبَاب الَّذِي قبله جُزْء من هَذِه الثَّلَاثَة، وَهَذَا أقوى وُجُوه الْمُنَاسبَة.

١٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قالَ حَدثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقفِيُّ قَالَ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرَءَ لَا يُحِبُّهُ إلَاّ لِلَّهِ وَأنْ يَكَرَهُ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكَرَهَ أنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِلَفْظ الْمَفْعُول من التَّثْنِيَة بِالْمُثَلثَةِ، ابْن عبيد بن قيس بن دِينَار، أَبُو مُوسَى الْعَنزي الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالزمن، سمع: ابْن عُيَيْنَة ووكيع بن الْجراح وَإِسْمَاعِيل بن علية وَالْقطَّان وَغَيرهم، روى عَنهُ: أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي والمحاملي. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ ثِقَة ثبتاً يحْتَج سَائِر الْأَئِمَّة بحَديثه، وَقدم بَغْدَاد وَحدث بهَا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَة فَمَاتَ بهَا، قَالَ غَيره: سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَولد هُوَ وَبُنْدَار بِالسنةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا حَمَّاد بن سَلمَة، سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى عَنهُ الْجَمَاعَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ. الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد بن الصَّلْت بن أبي عبيد بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد همام بن أبان بن يسَار مَالك بن خطيط بن جشم بن قسي، وَهُوَ ثَقِيف بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس غيلَان الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، سمع: يحيى الْأنْصَارِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وخلقاً. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَالْإِمَام أَحْمد وَابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ، وَثَّقَهُ يحيى وَالْعجلِي، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة وَفِيه ضعف، ولد سنة ثَمَان وَمِائَة وَتُوفِّي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَقَالَ خَليفَة بن خياط: اخْتَلَط قبل مَوته بِثَلَاث سِنِين، أَو أَربع سِنِين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة، واسْمه كيسَان السّخْتِيَانِيّ الْبَصْرِيّ، مولى عزة، وَيُقَال جُهَيْنَة، ومواليه حلفاء بني جريش، رأى أنس بن مَالك، وَسمع: عمر بن سَلمَة الْجرْمِي وَأَبا عُثْمَان

النَّهْدِيّ وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَبا قلَابَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي ومجاهداً وخلقاً كثيرا. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن سِيرِين وَعَمْرو بن دِينَار وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش وَمَالك والسفيانان والحمادان، وروى عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ، أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَهُ نَحْو ثَمَان مائَة حَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة ثَبت. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن علية: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ: مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، زَاد غَيره: وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، واسْمه عبد الله بن زيد بن عَمْرو، وَقيل: عَامر بن نائل بن مَالك الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، سمع: ثَابت بن قيس بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ وَأنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَغَيرهم من الصَّحَابَة، روى: عَن أَيُّوب وَقَتَادَة وَيحيى ابْن أبي كثير، اتّفق على توثيقه، توفّي بِالشَّام سنة أَربع وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر ذكره.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْعَنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي، نِسْبَة إِلَى عنزة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان حَيّ من ربيعَة. والثقفي: بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف بعْدهَا الْفَاء نِسْبَة إِلَى ثَقِيف، وَهُوَ: قسي بن مُنَبّه، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. والسختياني: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى بيع السختيان، وَهُوَ الْجلد؛ وَقَالَ الْجَوْهَرِي: سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيع الْجُلُود قَالَ صَاحب الْمطَالع: وَمِنْهُم من يضم السِّين؛ وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ بِضَم السِّين وَكسرهَا. قلت: هَذَا اللَّفْظ أعجمي؟ وَلم يسمع مِنْهُم إلَاّ فتح السِّين. والجرمي: بِفَتْح الْجِيم فِي قبائل، فَفِي قضاعة جرم بن رَيَّان بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، وَفِي بجيلة جرم بن عَلْقَمَة بن عبقر، وَفِي عاملة جرم بن شعل بن مُعَاوِيَة، وَفِي طي جرم وَهُوَ ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن كلهم أَئِمَّة أجلاء على مَا ذكرنَا.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَمُسلم أَيْضا كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى إِلَى آخِره بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرجه فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا بعد ثَلَاثَة أَبْوَاب، من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس، وَاسْتدلَّ بِهِ على فضل من أكره عى الْكفْر فَترك التقية إِلَى أَن قتل، وَأخرجه من هَذَا الْوَجْه فِي الْأَدَب فِي فضل الْحبّ فِي الله، وَلَفظ هَذِه الرِّوَايَة: (وَحَتَّى أَن يقذف فِي النَّار أحب إِلَيْهِ أَن يرجع إِلَى الْكفْر بعد أَن أنقذه الله مِنْهُ) . وَهِي أبلغ من لفظ حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ سوى فِيهِ بَين الْأَمريْنِ، وَهنا جعل الْوُقُوع فِي نَار الدُّنْيَا أولى من الْكفْر الَّذِي أنقذه الله بِالْخرُوجِ مِنْهُ من نَار الْأُخْرَى، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من هَذَا الْوَجْه، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم: (من كَانَ أَن يلقى فِي النَّار أحب إِلَيْهِ من أَن يرجع يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فِي رِوَايَة أُخْرَى: (ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان وطعمه: أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَأَن يحب فِي الله وَيبغض فِي الله، وَأَن يُوقد نَار عَظِيمَة فَيَقَع فِيهَا أحب إِلَيْهِ من أَن يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) الْحَلَاوَة مصدر: حلا الشَّيْء يحلو، وَهُوَ نقيض المر، واحلولى مثله، وأحليت الشَّيْء: جعلته حلواً، وأحليته أَيْضا: وجدته حلواً وحاليته أَي: طايبته. والحلوى نقيض المرى، يُقَال: خُذ الْحَلْوَى وأعطه المرى، وتحالت الْمَرْأَة: إِذا أظهرت حلاوة وعجباً. وَأما حلوت فلَانا على كَذَا مَالا، فَأَنا أحلوه حلواً وحلواناً، فَمَعْنَاه: وهبت لَهُ شَيْئا على شَيْء يَفْعَله لَك غير الْأُجْرَة، وَأما: حليت الْمَرْأَة أحليها حليا، وحلوتها فمعناها: جلعت لَهَا حليًّا، وَيُقَال: حلي فلَان بعيني بِالْكَسْرِ، وَفِي عَيْني، وبصدري أَو فِي صَدْرِي: يحلى حلاوة إِذا أعْجبك، قَالَ الراجز:

(إِن سِرَاجًا لكريم مفخرة ... تحلى بِهِ الْعين إِذا مَا تجهره)

وَهَذَا من المقلوب، وَالْمعْنَى: يحلى بِالْعينِ، وَكَذَلِكَ حلا فلَان يَعْنِي وَفِي عَيْني: يحلو حلاوة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حلى فِي عَيْني بِالْكَسْرِ، وحلا فِي فمي بِالْفَتْح، وحليت الرجل: وصفت حليته، وحليت الشَّيْء فِي عين صَاحبه، وحليت الطَّعَام: جعلته حلواً، والحلواء الَّتِي تُؤْكَل تمد وتقصر. وَأما معنى: الحلوة، فِي الحَدِيث. فَقَالَ التَّيْمِيّ: حسنه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى حلاوة الْإِيمَان استلذاذ

الطَّاعَات، وَتحمل المشاق فِي الدّين، وإيثار ذَلِك على أَعْرَاض الدُّنْيَا ومحبة العَبْد الله تَعَالَى بِفعل طَاعَته وَترك مُخَالفَته، وَكَذَلِكَ محبَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: تَفْسِير التَّيْمِيّ: من الْحَلَاوَة الَّتِي بَابهَا من حلى فلَان بعيني حلاوة، إِذا حسن، وَتَفْسِير النَّوَوِيّ: من حلا الشَّيْء يحلو حلواً وحلاوة، وَهُوَ نقيض المر، وَلكُل مِنْهُمَا وَجه وَالْأَظْهَر الثَّانِي على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يكره) من: كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، فَهُوَ شَيْء كريه ومكروه، وَمَعْنَاهُ: عدم الرضى. قَوْله: (أَن يقذف) من الْقَذْف بِمَعْنى: الرَّمْي، وَقَالَ الصغاني: التَّرْكِيب يدل على الرَّمْي والطرح، وَالْقَذْف بِالْحِجَارَةِ: الرَّمْي بهَا، وَقذف المحصنة قذفا أَي: رَمَاهَا. وَيُقَال: هم بَين خاذف وقاذف، فالخاذف بالحصى والقاذف بِالْحِجَارَةِ.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (ثَلَاث) مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ. فَإِن قلت: هُوَ نكرَة كَيفَ يَقع مُبْتَدأ؟ قلت: النكرَة تقع مُبتَدأَة بالمسوغ، وَهَهُنَا ثَلَاثَة وُجُوه. الأول: أَن يكون التَّنْوِين فِي ثَلَاث عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، تَقْدِيره: ثَلَاث خِصَال، فحينئذٍ يقرب من الْمعرفَة. الثَّانِي: أَن يكون هَذَا صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: خِصَال ثَلَاث، والموصوف هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْحَقِيقَة، فَلَمَّا حذف قَامَت الصّفة مقَامه. الثَّالِث: يجوز أَن يكون ثَلَاث مَوْصُوفا بِالْجُمْلَةِ الشّرطِيَّة الَّتِي بعده، وَالْخَبَر على هَذَا الْوَجْه هُوَ قَوْله: (أَن يكون) ، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: كَون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلين الْخَبَر هُوَ الْجُمْلَة الشّرطِيَّة، لِأَن قَوْله: من مُبْتَدأ مَوْصُول يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، وَقَوله: كن فِيهِ، جملَة صلته. وَقَوله: وجد، خَبره. وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. فَإِن قلت: الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا فَلَا بُد من ضمير فِيهَا يعود إِلَى الْمُبْتَدَأ، لِأَن الْجُمْلَة مُسْتَقلَّة بذاتها فَلَا يربطها بِمَا قبلهَا إلَاّ الضَّمِير، وَلَيْسَ هَهُنَا ضمير يعود إِلَيْهِ، وَالضَّمِير فِي فِيهِ يرجع إِلَى: من، لَا إِلَى ثَلَاث؟ قلت: الْعَائِد هَهُنَا مَحْذُوف تَقْدِيره: ثَلَاث من كن فِيهِ مِنْهَا وجد حلاوة الْإِيمَان، كَمَا فِي قَوْلك: الْبر الكربستين أَي: مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يعِيش فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} (الشورى: ٤٣) إِن من مُبْتَدأ، وصلته صَبر، وَخَبره: إِن الْمَكْسُورَة مَعَ مَا بعْدهَا، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن ذَلِك مِنْهُ. فَإِن قلت: إِذا جعلت الْجُمْلَة خَبرا، فَمَا يكون إِعْرَاب قَوْله: (أَن يكون الله) ؟ قلت: يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون بَدَلا من ثَلَاث، وَالْآخر: أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: أحد الَّذين فيهم الْخِصَال الثَّلَاث أَن يكون الله ... الخ. قَوْله: (وجد) بِمَعْنى أصَاب، فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد، وَهُوَ قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) . قَوْله: (وَرَسُوله) : بِالرَّفْع عطف على لَفْظَة: الله، الَّذِي هُوَ اسْم يكون، قَوْله: (أحب) بِالنّصب لِأَنَّهُ خبر يكون. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يثني: أحب، حَتَّى يُطَابق اسْم كَانَ، وَهُوَ اثْنَان. قلت: أفعل التَّفْضِيل إِذا اسْتعْمل: بِمن، فَهُوَ مُفْرد مُذَكّر لَا غير فَلَا يحْتَاج إِلَى الْمُطَابقَة. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل مَعَ: من، كالمضاف والمضاف إِلَيْهِ، فَلَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا. قلت: أُجِيز ذَلِك بالظرف للاتساع. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء) عطف على أَن يكون الله. قَوْله: (يحب) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى: من وَقَوله: (الْمَرْء) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (لَا يُحِبهُ إلَاّ لله) جملَة وَقعت حَالا بِدُونِ الْوَاو، وَقد علم أَن الْفِعْل الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ منفياً يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه، نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا يركب، أَو: وَلَا يركب. قَوْله: (وَأَن يكره) عطف على: أَن يحب، قَوْله: (أَن يعود) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول لقَوْله: يكره، وَأَن يكره: وَأَن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وَأَن يكره الْعود. فَإِن قلت: الْمَشْهُور أَن يُقَال: عَاد إِلَيْهِ، معدى بإلى لَا بفي. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: قد ضمن فِيهِ معنى الِاسْتِقْرَار، كَأَنَّهُ قَالَ: أَن يعود مُسْتَقرًّا فِيهِ، وَهَذَا تعسف، وَإِنَّمَا: فِي هَذَا بِمَعْنى: إِلَى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو لتعودن فِي ملتنا} (الْأَعْرَاف: ٢٨٨) أَي: تصيرن إِلَى ملتنا. قَوْله: (كَمَا يكره) : الْكَاف للتشبيه بِمَعْنى: مثل، و: مَا، مَصْدَرِيَّة، أَي: مثل كرهه. قَوْله: (أَن يقذف) فِي مَحل النصب، لِأَنَّهُ مفعول: يكره، وَأَن مَصْدَرِيَّة أَي: الْقَذْف، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. فَافْهَم.

(بَيَان الْمعَانِي) : قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا حَدِيث عَظِيم، أصل من أصُول الْإِسْلَام، قلت: كَيفَ لَا، وَفِيه محبَّة الله وَرَسُوله الَّتِي هِيَ أصل الْإِيمَان بل عينه، وَلَا تصح محبَّة الله وَرَسُوله حَقِيقَة، وَلَا حب لغير الله وَلَا كَرَاهَة الرُّجُوع فِي الْكفْر إلَاّ لمن قوي الْإِيمَان فِي نَفسه وانشرح لَهُ صَدره وخالطه دَمه ولحمه، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وجد حلاوته، وَالْحب فِي الله من ثَمَرَات الْحبّ لله. وَقَالَ ابْن بطال: محبَّة العَبْد لخالقه الْتِزَام طَاعَته، والانتهاء عَمَّا نهى عَنهُ، ومحبة الرَّسُول كَذَلِك، وَهِي الْتِزَام

شَرِيعَته. وَقَالَ بَعضهم: الْمحبَّة مواطأة الْقلب على مَا يُرْضِي الرب سُبْحَانَهُ، فيحب مَا أحبَّ وَيكرهُ مَا يكره. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَمعنى حب الله الاسْتقَامَة فِي طَاعَته، والتزام أوامره ونواهيه فِي كل شَيْء. وَالْمرَاد ثَمَرَات الْمحبَّة، فَإِن أصل الْمحبَّة الْميل لما يُوَافق المحبوب، وَالله سُبْحَانَهُ منزه أَن يمِيل أَو يمال إِلَيْهِ، وَأما محبَّة الرَّسُول فَيصح فِيهَا الْميل، إِذْ ميل الْإِنْسَان لما يُوَافقهُ إِمَّا للاستحسان كالصورة الجميلة والمطاعم الشهية وشبههما، أَو لما يستلذه بعقله من الْمعَانِي والأخلاق كمحبة الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء وَإِن لم يكن فِي زمانهم، أَو لمن يحسن إِلَيْهِ وَيدْفَع الْمضرَّة عَنهُ، وَهَذِه الْمعَانِي كلهَا مَوْجُودَة فِي حق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَجمعه الْفَضَائِل وإحسانه إِلَى جَمِيع الْمُسلمين بهدايته إيَّاهُم وإبعادهم عَن الْجَحِيم. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله) هَذَا حث على التحاب فِي الله، لأجل أَن الله جعل الْمُؤمنِينَ أخوة قَالَ الله تَعَالَى: {فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا} (آل عمرَان: ١٠٣) وَمن محبته ومحبة رَسُوله محبَّة أهل مِلَّته، فَلَا تحصل حلاوة الْإِيمَان إلَاّ أَن تكون خَالِصَة لله تَعَالَى، غير مشوبة بالأغراض الدُّنْيَوِيَّة وَلَا الحظوظ البشرية، فَإِن من أحب لذَلِك انْقَطَعت تِلْكَ الْمحبَّة عِنْد انْقِطَاع سَببهَا، قَوْله: (وَأَن يكره) إِلَى آخِره. مَعْنَاهُ أَن هَذِه الْكَرَاهَة إِنَّمَا تُوجد عِنْد وجود سَببهَا، وَهُوَ مَا دخل قلبه من نور الْإِيمَان، وَمن كشف لَهُ عَن محَاسِن الْإِسْلَام وقبح الجهالات والكفران، وَقيل: الْمَعْنى أَن من وجد حلاوة الْإِيمَان وَعلم أَن الْكَافِر فِي النَّار يكره الْكفْر لكراهته لدُخُول النَّار. قلت: وَقَائِل هَذَا الْمَعْنى حَافظ على بَقَاء لفظ الْعود على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَمَعْنَاهُ هُنَا معنى الصيرورة، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا} (الْأَعْرَاف: ٨٩) .

(بَيَان الْبَيَان) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) فِيهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، وَذَلِكَ لِأَن الْحَلَاوَة إِنَّمَا تكون فِي المطعومات، وَالْإِيمَان لَيْسَ مطعوماً، فَظهر أَن هَذَا مجَاز، لِأَنَّهُ شبه الْإِيمَان بِنَحْوِ الْعَسَل، ثمَّ طوى ذكر الْمُشبه بِهِ، لِأَن الِاسْتِعَارَة هِيَ أَن يذكر أحد طرفِي التَّشْبِيه مُدعيًا دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، فالمشبه: إِيمَان، والمشبه بِهِ: عسل وَنَحْوه، والجهة الجامعة وَهُوَ وَجه الشّبَه الَّذِي بَينهمَا: هُوَ الالتذاذ وميل الْقلب إِلَيْهِ فَهَذِهِ هِيَ الإستعارة بِالْكِنَايَةِ، ثمَّ لما ذكر الْمُشبه أضَاف إِلَيْهِ مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ ولوازمه، وَهُوَ: الْحَلَاوَة على سَبِيل التخيل، وَهِي اسْتِعَارَة تخييلية، وترشيح للاستعارة. قَوْله: (كَمَا يكره أَن يقذف فِي النَّار) تَشْبِيه وَلَيْسَ باستعارة، لِأَن الطَّرفَيْنِ مذكوران. فالمشبه هُوَ: العَوْد فِي الْكفْر، والمشبه بِهِ وَهُوَ: الْقَذْف فِي النَّار، وَوجه الشّبَه هُوَ: وجدان الْأَلَم وَكَرَاهَة الْقلب إِيَّاه.

(الأسئلة والأجوبة) : مِنْهَا: مَا قيل: مَا الْحِكْمَة فِي كَون حلاوة الْإِيمَان فِي هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟ وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة هِيَ عنوان كَمَال الْإِيمَان المحصل لتِلْك الذة، لِأَنَّهُ لَا يتم إِيمَان امرىء حَتَّى يتَمَكَّن فِي نَفسه أَن الْمُنعم بِالذَّاتِ هُوَ الله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا مانح وَلَا مَانع سواهُ، وَمَا عداهُ، تَعَالَى وسائط لَيْسَ لَهَا فِي ذَاتهَا إِضْرَار وَلَا انفاع، وَأَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ العطوف السَّاعِي فِي صَلَاح شَأْنه، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يتَوَجَّه بكليته نَحوه، وَلَا يحب مَا يُحِبهُ إلَاّ لكَونه وسطا بَينه وَبَينه، وَأَن يتَيَقَّن أَن جملَة مَا أوعد ووعد حق تَيَقنا يخيل إِلَيْهِ الْمَوْعُود كالواقع، والاشتغال بِمَا يؤول إِلَى الشَّيْء مُلَابسَة بِهِ، فيحسب مجَالِس الذّكر رياض الْجنَّة، وَأكل مَال الْيَتِيم أكل النَّار، وَالْعود إِلَى الْكفْر إِلْقَاء فِي النَّار. وَمِنْهَا مَا قيل: لم عبر عَن هَذِه الْحَالة بالحلاوة؟ وَأجِيب: لِأَنَّهَا أظهر اللَّذَّات المحسوسة، وَإِن كَانَ لَا نِسْبَة بَين هَذِه اللَّذَّة وَاللَّذَّات الحسية. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيل: مِمَّا سواهُمَا، وَلم يقل: مِمَّن سواهُمَا؟ وَأجِيب: بِأَن: مَا، أَعم بِخِلَاف: من فَإِنَّهَا للعقلاء فَقَط. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ قَالَ: سواهُمَا، بإشراك الضَّمِير بَينه وَبَين الله عز وَجل، وَالْحَال أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنكر على من فعل ذَلِك وَهُوَ الْخَطِيب الَّذِي قَالَ: وَمن يعصهما فقد غوى فَقَالَ: (بئس الْخَطِيب أَنْت) ؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا لَيْسَ من هَذَا، لِأَن المُرَاد فِي الْخطب الْإِيضَاح، وَأما هُنَا فَالْمُرَاد الإيجاز فِي اللَّفْظ ليحفظ، وَمَا يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي سنَن أبي دَاوُد: (وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَلَا يضر إلَاّ نَفسه) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَأما تَثْنِيَة الضَّمِير هَهُنَا فللإيماء يماء على أَن الْمُعْتَبر، هُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من المحبتين لَا كل وَاحِدَة، فَإِنَّهَا وَحدهَا ضائعة لاغية وَأمر بِالْإِفْرَادِ فِي حَدِيث الْخَطِيب، إشعاراً بِأَن كل وَاحِد من العصيانين مُسْتَقل باستلزامه الغواية، إِذْ الْعَطف فِي تَقْرِير التكرير، وَالْأَصْل اسْتِقْلَال كل من المعطوفين فِي الحكم. وَقَالَ الأصوليون: أَمر بِالْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ أَشد تَعْظِيمًا، وَالْمقَام يَقْتَضِي ذَلِك، وَيُقَال إِنَّه من الخصائص فَيمْتَنع من غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يمْتَنع مِنْهُ، لِأَن غَيره إِذا جمع أوهم

اطلاقه التَّسْوِيَة، بِخِلَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن منصبه لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ إِيهَام ذَلِك، وَيُقَال: إِن كَلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُنَا جملَة وَاحِدَة فَلَا يحسن إِقَامَة الظَّاهِر فِيهَا مقَام الْمُضمر، وَكَلَام الَّذِي خطب جملتان لَا يكره إِقَامَة الظَّاهِر فِيهَا مقَام الْمُضمر، وَيُقَال: إِن الْمُتَكَلّم لَا يتَوَجَّه تَحت خطاب نَفسه إِذا وَجهه لغيره، وَيُقَال: إِن الله تَعَالَى أَمر نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يشرف من شَاءَ بِمَا شَاءَ، كَمَا أقسم بِكَثِير من مخلوقاته، وَكَذَلِكَ لَهُ أَن يَأْذَن لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويحجره على غَيره، وَيُقَال: الْعَمَل بِخَبَر الْمَنْع أولى، لِأَن الْخَبَر الآخر يحْتَمل الْخُصُوص، وَلِأَنَّهُ ناقل، وَالْآخر مَبْنِيّ فِي الأَصْل، وَلِأَنَّهُ قَول، وَالثَّانِي فعل.

١٠ - (بَاب عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الانْصَارِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة وَالتَّقْدِير: بَاب فِيهِ عَلامَة الْإِيمَان حب الْأَنْصَار. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن هَذَا الْبَاب دَاخل فِي نفس الْأَمر فِي الْبَاب الأول، لِأَن حب الْأَنْصَار دَاخل فِي قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إلَاّ لله) ، فَإِن قلت: فَمَا فَائِدَة التَّخْصِيص؟ قلت: الاهتمام بشأنهم والعناية بتخصيصهم فِي إفرادهم بِالذكر.

١٧ - حدّثنا أبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَالَ جَبرٍ سَمْعتُ أنَساً عَن النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ وآيَةُ النِّفَاق بُغْضُ الأَنْصارِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

(بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة: الأول: أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، هِشَام بن عبد الْملك الْبَصْرِيّ، مولى باهلة، سمع: مَالِكًا وَشعْبَة والحمادين وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَآخَرين، روى عَنهُ: أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَمُحَمّد بن يحيى وَمُحَمّد بن مُسلم بن وارة. قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: متقن، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: اِدَّرَكَ الْوَلِيد نصف الْإِسْلَام وَكَانَ إِمَامًا فِي زَمَانه جَلِيلًا عِنْد النَّاس، وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله: هُوَ ثِقَة فِي الحَدِيث يروي عَن سبعين امْرَأَة، وَكَانَت الرحلة بعد أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ إِلَيْهِ، ولد سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَمَات سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، روى عَنهُ: البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، وروى الْبَاقُونَ عَن رجل عَنهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عبد الله بن عبد الله بن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره رَاء، ابْن عتِيك الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ: جَابر والعراقيون: جبر، سمع: عمر وأنساً، روى عَنهُ: مَالك ومسعر وَشعْبَة، روى لَهُ: البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. الرَّابِع: أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ.

(بَيَان الْأَنْسَاب) : الطَّيَالِسِيّ نِسْبَة إِلَى بيع الطيالسة، وَهُوَ جمع طيلسان، بِفَتْح اللَّام وَقيل بِكَسْرِهَا أَيْضا، وَالْفَتْح أَعلَى، وَالْهَاء فِي الْجمع للعجمة، لِأَنَّهُ فَارسي مُعرب قَالَ الْأَصْمَعِي: أَصله تالشان، والأنصاري، لَيْسَ بِنِسْبَة لأَب وَلَا لأم، بل الْأَنْصَار قبيل عَظِيم من الأزد سميت بذلك لنصرتهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالنِّسْبَة إِنَّمَا تكون إِلَى الْوَاحِد، وَوَاحِد الْأَنْصَار نَاصِر، مثل: أَصْحَاب وَصَاحب، وَكَانَ الْقيَاس فِي النِّسْبَة إِلَى الْأَنْصَار ناصري، فَقَالُوا: أَنْصَارِي، كَأَنَّهُمْ جعلُوا الْأَنْصَار اسْم الْمَعْنى. وَالْمَدَنِي: نِسْبَة إِلَى مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَى ربيع: ربعي، وَفِي جذيمة: جذمي، وَقد تنْسب هَذِه النِّسْبَة إِلَى غَيرهَا من المدن. قَالَ الرشاطي: قَالُوا فِي الرجل وَالثَّوْب إِذا نسب إِلَى الْمَدِينَة مدنِي، وَالطير وَنَحْوه: مديني؛ وَفِي (مُخْتَصر الْعين) يُقَال: رجل مدنِي، وحمام مديني. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا نسبت إِلَى مَدِينَة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، قلت: مدنِي، وَإِلَى مَدِينَة مَنْصُور قلت: مديني وَإِلَى مَدَائِن كسْرَى قلت: مدائني، للْفرق بَين النّسَب لِئَلَّا تختلط.

(بَيَان لطائف أسناده) : وَمِنْهَا: أَن هَذَا الْإِسْنَاد من رباعيات البُخَارِيّ، فَوَقع عَالِيا، وَوَقع لمُسلم خماسياً. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار بِالْجمعِ والإفراد وَالسَّمَاع وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رَاوِيا وَافق اسْمه اسْم أَبِيه.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا، وَأخرجه أَيْضا فِي فَضَائِل الْأَنْصَار عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن شُعْبَة بِهِ، وَأخرجه مُسلم، عَن ابْن الْمثنى، عَن عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي، عَن شُعْبَة بِهِ. وَلَفظ مُسلم: (آيَة الْمُنَافِق وَآيَة الْمُؤمن) . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا.

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (آيَة الْإِيمَان) أَي: عَلامَة الْإِيمَان، واصلها: أوية، بِالتَّحْرِيكِ، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: مَوضِع الْعين من الْآيَة وَاو، لِأَن مَا كَانَ مَوضِع الْعين واواً وَمَوْضِع اللَّام يَاء أَكثر مِمَّا مَوضِع الْعين وَاللَّام ياآن، مثل: شويث أَكثر من: جبيت، وَتَكون النِّسْبَة إِلَيْهِ: أوي. قَالَ الْفراء: هِيَ من الْفِعْل: فاعلة وَإِنَّمَا ذهبت مِنْهُ اللَاّم، وَلَو جَاءَت تَامَّة لجاءت: آيية، وَلكنهَا خففت، وَجمع الْآيَة: آي وأياي وآيات. وَيُقَال فِي النِّسْبَة إِلَى آيَة: آيي، وَالْمَشْهُور أَن عينهَا يَاء، ووزنها فاعة. لِأَن الأَصْل: آيية، فحذفوا الْيَاء الثَّانِيَة الَّتِي هِيَ لَام، ثمَّ فتحُوا الَّتِي هِيَ عين لأجل تَاء التَّأْنِيث. قَوْله: (الْأَنْصَار) جمع نَاصِر، كالأصحاب جمع صَاحب، وَيُقَال جمع نصير: كشريف وأشراف، وَالْأَنْصَار سموا بِهِ لنصرتهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ ولد الْأَوْس والخزرج ابْنا حَارِثَة أَو ثَعْلَبَة العنقاء، لطول عُنُقه، ابْن عَمْرو بن مزيقيا بن عَامر بن مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امرىء الْقَيْس البطريق بن ثَعْلَبَة البهلول بن مَازِن، وَهُوَ جماع غَسَّان بن الأزد، واسْمه دراء، على وزن فعال، ابْن الْغَوْث بن نبت يعرب بن يقطن وَهُوَ قحطان، وَإِلَى قحطان جماع الْيمن، وَهُوَ أَبُو الْيمن كلهَا. وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى إِسْمَاعِيل فَيَقُول: قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إِسْمَاعِيل. هَذَا قَول الْكَلْبِيّ، وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى غَيره، فَيَقُول: قحطان بن فالخ بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام، فعلى الأول الْعَرَب كلهَا من ولد إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وعَلى الثَّانِي من ولد إِسْمَاعِيل وقحطان، وَقَالَ حسان بن ثَابت.

(أما سَأَلت فَإنَّا معشرٌ نجبٌ الأزد نسبتنا، والماءُ غَسَّان)

وغسان: مَاء كَانَ شرباً لولد مَازِن بن الأزد، وَكَانَ الْأَنْصَار الَّذين هم الْأَوْس والخزرج يعْرفُونَ قبل ذَلِك: بإبنيْ قَيْلة، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الام الَّتِي تجمع القبيلتين، فسماهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْأَنْصَار، فَصَارَ ذَلِك علما عَلَيْهِم، وَأطلق أَيْضا على أَوْلَادهم وحلفائهم ومواليهم. وَيُقَال: سماهم الله تَعَالَى بذلك فَقَالَ: {وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} (الْأَنْفَال: ٧٤) . قَوْله: (النِّفَاق) هُوَ إِظْهَار الْإِيمَان وإبطان الْكفْر، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: فِي الاعتلال فِي تَسْمِيَة الْمُنَافِق منافقاً ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه سمي بِهِ لِأَنَّهُ يستر كفره ويغيبه، فَشبه بِالَّذِي يدْخل النفق، وَهُوَ: السرب، يسْتَتر فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنه نَافق كاليربوع، فَشبه بِهِ لِأَنَّهُ يخرج من الْإِيمَان من غير الْوَجْه الَّذِي دخل فِيهِ. وَالثَّالِث: أَنه إِنَّمَا سمي بِهِ لإظهاره غير مَا يضمر، تَشْبِيها باليربوع، فَكَذَلِك الْمُنَافِق ظَاهره إِيمَان وباطنه كفر. ونافق اليربوع أَخذ فِي نافقائه، ونفق اليربوع أَي استخرجه، والنافقاء إِحْدَى حجرَة اليربوع، يكتمها وَيظْهر غَيره، وَهُوَ مَوضِع يرققه، فَإِذا أَتَى من قبل القاصعاء، ضرب النافقاء بِرَأْسِهِ فانتفق أَي: خرج. ثمَّ أعلم أَن النِّفَاق هُوَ، بِكَسْر النُّون، وَأما النِّفَاق، بِالْفَتْح، فَهُوَ من: نفق البيع نفَاقًا إِي: راج، ونفقت الدَّابَّة نفوقاً أَي: مَاتَت، والنفاق بِالْكَسْرِ أَيْضا جمع النَّفَقَة من الدَّرَاهِم وَغَيرهَا، مِثَال ثَمَرَة وثمار، ونفِقت نِفاق الْقَوْم بِالْكَسْرِ ينْفق نفقاً بِالتَّحْرِيكِ، أَي: فنيت، وَأنْفق الرجل مَاله وانفق الْقَوْم نفقت سوقهم، وَقَالَ تَعَالَى: {خشيَة الانفاق} (الْإِسْرَاء: ١٠٠) أَي: خشيَة الفناء والنفاد، وَقَالَ قَتَادَة: أَي خشيَة إِنْفَاقه. وَقَالَ الصغاني: التَّرْكِيب يدل على انْقِطَاع الشَّيْء وذهابه، وعَلى إخفاء شَيْء وإغماضه.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (آيَة الْإِيمَان) كَلَام إضافي مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره قَوْله: (حب الْأَنْصَار) ، وَمثل هَذِه تسمى قَضِيَّة ثنائية، وَأهل الْمَعْقُول يشترطون الرابطة وَيَقُولُونَ: التَّقْدِير فِي مثلهَا آيَة الْإِيمَان هِيَ حب الْأَنْصَار، كَمَا يقدرُونَ فِي نَحْو: زيد قَائِم زيد: هُوَ قَائِم، ويسمونها: قَضِيَّة ثلاثية، وَقد ضبط أَبُو الْبَقَاء العكبري: إِنَّه الْإِيمَان حب الْأَنْصَار، بِهَمْزَة مَكْسُورَة، وَنون مُشَدّدَة، وهاء الضَّمِير، وبرفع الْإِيمَان فاعربه، فَقَالَ: إِن للتَّأْكِيد، وَالْهَاء ضمير الشان، وَالْإِيمَان مُبْتَدأ، وَمَا بعده خَبره، وَالتَّقْدِير: إِن الشان الْإِيمَان حب الْأَنْصَار، وَهَذَا مُخَالف لجَمِيع الرِّوَايَات الَّتِي وَقعت فِي الصِّحَاح وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد، وَمَا أقربه أَن يكون تصحيفاً قَوْله: (وَآيَة النِّفَاق) أَيْضا: كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: (بغض الْأَنْصَار) خَبره.

(بَيَان الْمعَانِي) فِيهِ مَا قَالَ أهل الْمعَانِي من: إِن الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر إِذا كَانَا معرفتين تفِيد الْحصْر، وَلَكِن هَذَا لَيْسَ بحصر حَقِيقِيّ، بل هُوَ حصر ادعائي تَعْظِيمًا لحب الْأَنْصَار، كَانَ الدَّعْوَى أَنه؛ لَا عَلامَة لإيمان إلَاّ حبهم، وَلَيْسَ حبهم إلَاّ علامته، وَيُؤَيِّدهُ مَا قد جَاءَ فِي صَحِيح مُسلم: (آيَة الْمُؤمن من حب الْأَنْصَار) ، بِتَقْدِيم الْآيَة (وَحب الْأَنْصَار آيَة الْإِيمَان) بِتَقْدِيم الْحبّ. فَإِن

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19 / 29.5
الإضاءة 81%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله