«يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩

الحديث رقم ١٩ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من الدين الفرار من الفتن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها…

«يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ».

بَابُ قَوْلُِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾

سند حديث: ١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ…

١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها…

في الحديث فضل العزلة في أيام الفتن إلا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة، فإنه يجب عليه السعي في إزالتها إما فرض عين وإما فرض كفاية بحسب الحال والإمكان، وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء في العزلة والاختلاط أيهما أفضل؟، والمختار: تفضيل الخلطة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعاصي.
"يفر بدينه من الفتن" يعني: يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن، ولهذا أمر الإنسان أن يهاجر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، ومن بلد الفسوق إلى بلد الاستقامة، فكذلك إذا تغير الناس والزمان.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضيلة العزلة لمن خاف على دينه.
  • الحديث من دلائل النبوة، فقد وقع ما أخبر به النبي –صلى الله عليه وسلم-، فلا يكاد المسلم ينجو بنفسه في الليل أو النهار.
  • الفرار من الفتن سبيل المؤمنين الخُلّص؛ لأنه صيانة للدين.
  • من خير مال المسلم غنم يرعاها في العشب المباح، حيث يكسب منها قوتاً طيباً.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَيُبْطِلُهُ أَنَّ عُبَادَةَ وَلِيَ قَضَاءَ فِلَسْطِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ . وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ بِالْجَنَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِيَقْضِي، أَيْ: لَا يَقْضِي بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ مُعَيَّنٍ. قُلْتُ: لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُهُ: إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِلَا جَوَابٍ، وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ دَعْوَى التَّصْحِيفِ فِيهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ بِالْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى، بْنِ هَارُونَ كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الدِّيَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، لَكِنْ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْقَافِ وَالضَّادِ أَيْضًا وَهُوَ تَصْحِيفٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَوْلُهُ بِالْجَنَّةِ إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِهِ بَايَعْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ

١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ.

[الحديث ١٩ - أطرافه في: ٧٠٨٨، ٦٤٩٥، ٣٦٠٠، ٣٣٠٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ) عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنِ التَّرْجَمَةِ بِالْإِيمَانِ - مَعَ كَوْنِهِ تَرْجَمَ لِأَبْوَابِ الْإِيمَانِ - مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ مُتَرَادِفَيْنِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ صَحَّ إِطْلَاقُ الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ قَعْنَبَ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّةً.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، فَسَقَطَ الْحَارِثُ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْمَازِنِيُّ، هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَشَهِدَ ابْنُهُ الْحَارِثُ أُحُدًا، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) اسْمُهُ سَعْدٌ عَلَى الصَّحِيحِ - وَقِيلَ سِنَانُ - ابْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ. نَعَمْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ - وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِتَنِ. وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَيُقَيَّدُ بِهَا الْمُطْلَقُ. وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي وَالسِّيَاحَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.

قَوْلُهُ: (يُوشِكُ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: يَقْرَبُ.

قَوْلُهُ: (خَيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِ، وَغَنَمِ الِاسْمُ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِرَفْعِ خَيْرُ وَنَصْبِ غَنَمًا عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ ويُقَدَّرُ فِي يَكُونُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ، لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَةُ.

قَوْلُهُ: (يَتَّبِعُ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، وَشَعَفِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ شَعَفَةٍ، كَأَكَمٍ وَأَكَمَةٍ، وَهِيَ رُؤوسُ الْجِبَالِ.

قَوْلُهُ: (وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى شَعَفِ، أَيْ: بُطُونَ الْأَوْدِيَةِ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا مَظَانُّ الْمَرْعَى.

قَوْلُهُ: (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ دِينِهِ. وَمِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ، قَالَ الشَّيْخُ النَّوَوِيُّ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَدُّ الْفِرَارِ دِينًا، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانَةٌ لِلدِّينِ. قَالَ: فَلَعَلَّهُ لَمَّا رَآهُ صِيَانَةً لِلدِّينِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الدِّينِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ أُرِيدَ بِمِنْ كَوْنُهَا جِنْسِيَّةً أَوْ تَبْعِيضِيَّةً فَالنَّظَرُ مُتَّجَهٌ، وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنُهَا ابْتِدَائِيَّةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحديث، ولم يُرِد الحقيقة لأنَّ الفرار ليس بدينٍ، فالتَّقدير: الفرار من الفتن شعبةٌ من شعب الإيمان، كما دلَّ عليه أداة التَّبعيض.

١٩ - وبالسَّند المذكور أوَّل هذا الشَّرح إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام بينهما مُهمَلَةٌ ساكنةٌ، ابن قعنبٍ الحارثيُّ البصريُّ، ذو الدَّعوة المُجَابة، أحد رُوَاة «الموطَّأ»، المُتوفَّى سنة إحدى وعشرين ومئتين (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ المازنيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجيِّ الأنصاريِّ (الخُدْرِيِّ) بضمِّ المُعجمَة (١) وسكون المُهملَة؛ نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطنٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وستِّين أو أربعٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وستُّون حديثًا، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «» (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : يُوشِكُ) بكسر المُعجَمَة،

وفتحُها لغةٌ رديئةٌ، وهي من أفعال المقاربة، أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمًا) -بالنَّصب- خبر «يكون»، وفي رواية غير الأَصيليِّ: بنصب «خيرَ» خبرًا مقدَّمًا، ورفعِ «غنمٌ» اسمًا مُؤخَّرًا، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بجملة «يتَّبِع»، وجوَّز ابن مالكٍ رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدِّر في «يكون» ضمير الشَّأن، قال في «الفتح»: لكن لم تَجِئْ به الرِّواية، وذكره العينيُّ من غير تنبيهٍ على الرِّواية فأوهم، و «الغنم»: اسمٌ مؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس (يَتَّبِعُ بِهَا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة «افتعالٌ»؛ من: اتَّبع اتِّباعًا، ويجوز إسكانها من تَبِعَ -بكسر المُوحَّدة- يَتْبَع، بفتحها، أي: يتبع بالغنم (شَعَفَ) بمُعجَمَةٍ فمُهمَلَةٍ مفتوحتين، جمع: شَعَفَةٍ بالتَّحريك، وهو بالنَّصب مفعول «يتَّبع» أي: رؤوس (الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ) بكسر القاف، وهو بالنَّصب (١) عطفٌ على «شعفَ» أي: مواضع نزول (القَطْرِ) أي: المطر، أي: بطون الأودية والصَّحارى، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: يهرب بسببه، أو مع دينه (مِنَ الفِتَنِ) طلبًا لسلامته، لا لقصدٍ دنيوِيٍّ، فالعزلة عند الفتنة ممدوحةٌ إلَّا لقادرٍ على إزالتها فتجب الخلطة، عينًا أو كفايةً، بحسب الحال والإمكان، واختُلِف فيها عند عدمها؛ فمذهب الشَّافعيِّ: تفضيل الصُّحبة لتعلُّمه وتعليمه، وعبادته، وأدبه، وتحسين خُلُقِه؛ بحِلْمٍ واحتمالٍ، وتواضعٍ، ومعرفة أحكامٍ لازمةٍ، وتكثير سواد المسلمين، وعيادة مريضهم، وتشييع جنائزهم، وحضور الجمعة

والجماعات، واختار آخرون: العزلة للسَّلامة المُحقَّقة، وليعمل بما علم، ويأنس بدوام ذكره، فبالصُّحبة والعزلة كمالُ المرء. نعم؛ تجب العُزلةُ لفقيهٍ لا يَسْلَم دينه بالصُّحبة، وتجب الصُّحبة لمن عرف الحقَّ فاتَّبعه، والباطلَ فاجْتَنَبَه، وتجب على من جهل ذلك لِيَعْلَمَه، فافهم.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيٌّ ابن صحابيٍّ (١)، وهو من أفراد البخاريِّ عن مسلمٍ، وقد رواه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٨] و «الرقاق» [خ¦٦٤٩٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٠]، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ.

ولمَّا كان الفرار من الفتن لا يكون إلَّا على قدر قوَّة دين الرَّجل، وهي تدلُّ على قوَّة المعرفة شَرَعَ يذكر ذلك، فقال:

(١٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) بالإضافة، وسقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، ومقول قوله : (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ) لأنَّه كلَّما كان الرَّجل أقوى في دينه كَانَ أقوى في معرفة ربِّه، وذلك يدلُّ ظاهرًا على قبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصان، وللأَصيلِّي في غير الفرع وأصله: «أَعْرَفَكم» بدل «أَعْلَمَكم»، والفرق بينهما: أنَّ المعرفةَ هي إدراكُ الجزئيِّ، والعلمَ: إدراكُ الكليِّ (وَ) باب بيان (أَنَّ المَعْرِفَةَ) بفتح الهمزة (فِعْلُ القَلْبِ) فالإيمان بالقول وحده لا يتمُّ إلَّا بانضمام الاعتقاد إليه؛ خلافًا للكرَّاميَّة، والاعتقاد فعل القلب (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي الوقت وذَرٍّ «لقوله ﷿»: (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]) أي: عزمتْ عليه،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَهُوَ الْقلب، وَالْأول: كِنَايَة عَن إِلْقَاء الْبُهْتَان من تِلْقَاء أنفسهم، وَالثَّانِي: عَن إنْشَاء الْبُهْتَان من دخيلة قُلُوبهم مَبْنِيا على الْغِشّ المبطن. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: لَا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحاً مُوَاجهَة، وَهَذَا كَمَا يَقُول الرجل: فعلت هَذَا بَين يَديك، أَي: بحضرتك. وَقَالَ التَّيْمِيّ: هَذَا غير صَوَاب من حَيْثُ إِن الْعَرَب، وَإِن قَالَت: فعلته بَين أَيدي الْقَوْم، أَي: بحضرتهم لم تقل: فعلته بَين أَرجُلهم، وَلم ينْقل عَنْهُم هَذَا أَلْبَتَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ صَوَاب، إِذْ لَيْسَ الْمَذْكُور الأرجل فَقَط، بل المُرَاد الْأَيْدِي، وَذكر الأرجل تَأْكِيدًا لَهُ وتابعاً لذَلِك، فالمخطىء مخطىء وَيُقَال: يحْتَمل أَن يُرَاد بِمَا بَين الْأَيْدِي والأرجل الْقلب، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يترجم اللِّسَان عَنهُ، فَلذَلِك نسب إِلَيْهِ الافتراء،، فَإِن الْمَعْنى: لَا ترموا أحدا بكذب تزوِّرونه فِي أَنفسكُم ثمَّ تبهتون صَاحبكُم بألسنتكم. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي جَمْرَة: يحْتَمل أَن يكون قَوْله: بَين أَيْدِيكُم، أَي: فِي الْحَال، قَوْله: وأرجلكم أَي: فِي الْمُسْتَقْبل، لِأَن السَّعْي من أَفعَال الأرجل. وَقَالَ غَيره: أصل هَذَا كَانَ فِي بيعَة النِّسَاء، وكنى بذلك كَمَا قَالَ الْهَرَوِيّ فِي (الغريبين) عَن نِسْبَة الْمَرْأَة الْوَلَد الَّذِي تَزني بِهِ أَو تلتقطه إِلَى زَوجهَا، ثمَّ لما اسْتعْمل هَذَا اللَّفْظ فِي بيعَة الرِّجَال احْتِيجَ إِلَى حمله على غير مَا ورد فِيهِ أَولا. قلت: وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم: وَلَا نقْتل أَوْلَادنَا، وَلَا يعضه بَعْضنَا بَعْضًا، أَي: لَا يسخر. وَقيل: لَا يَأْتِي بِبُهْتَان، يُقَال: عضهت الرجل رميته بالعضيهة؛ قَالَ الْجَوْهَرِي: العضيهة البهيتة، وَهُوَ الْإِفْك والبهتان، تَقول يَا للعضيهة. بِكَسْر اللَّام، وَهِي استغاثة، وَأَصله من: عضهه عضهاً بِالْفَتْح، وَقَالَ الْكسَائي: العضه الْكَذِب، وَجَمعهَا عضون، مثل: عزة وعزون، وَيُقَال نقصانه الْهَاء وَأَصله عضهة. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيد قَوْله: (وَلَا تعصوا) ، بقوله: (فِي مَعْرُوف) ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ قَيده بذلك تطييباً لنفوسهم، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام، لَا يَأْمر إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل فِي معنى الحَدِيث: وَلما تعصوني، وَلَا أجد عَلَيْكُم أولى من اتباعي إِذا أَمرتكُم بِالْمَعْرُوفِ، فَيكون التَّقْيِيد بِالْمَعْرُوفِ عَائِدًا إِلَى الِاتِّبَاع، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تعصوا وَلم يقل وَلَا تعصوني. قلت: فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، فِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار: وَلَا تعصوني، فحينئذٍ الْأَحْسَن هُوَ الْجَواب الأول. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي آيَة المبايعات: فَإِن قلت: لَو اقْتصر على قَوْله: لَا يَعْصِينَك، فقد علم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَا يَأْمر إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ. قلت: نبه بذلك على أَن طَاعَة الْمَخْلُوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق جديرة بغاية التوقي والاجتناب. وَمِنْهَا مَا قيل: قد ذكر فِي الاعتقاديات والعمليات كلتيهما، فلِمَ اكْتفى فِي الاعتقاديات بِالتَّوْحِيدِ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ هُوَ الأَصْل والأساس. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ مَا ذكر الْإِتْيَان بالواجبات وَاقْتصر على ترك المنهيات؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يقْتَصر حَيْثُ قَالَ: وَلَا تعصوا فِي مَعْرُوف، إِذْ الْعِصْيَان مُخَالفَة الْأَمر، أَو اقْتصر لِأَن هَذِه الْمُبَايعَة كَانَت فِي أَوَائِل الْبعْثَة وَلم تشرع الْأَفْعَال بعد. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات؟ وَأجِيب: بِأَن التخلي عَن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ ترك سَائِر المنهيات وَلم يقل مثلا {وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم} (الْأَنْعَام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤) وَغير ذَلِك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت حرَام آخر، أَو اكْتفى بِالْبَعْضِ ليقاس الْبَاقِي عَلَيْهِ، أَو لزِيَادَة الاهتمام بالمذكورات. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: (فَأَجره على الله) يشْعر بِالْوُجُوب على الله لكلمة: على وَأجِيب: بِأَن هَذَا وَارِد على سَبِيل التفخيم نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فقد وَقع أجره على الله} (النِّسَاء: ١٠٠) وَيتَعَيَّن حمله على غير ظَاهره للأدلة القاطعة على أَنه لَا يجب على الله شَيْء. وَمِنْهَا مَا قيل: لفظ الْأجر مشْعر بِأَن الثَّوَاب إِنَّمَا هُوَ مُسْتَحقّ كَمَا هُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة لَا مُجَرّد فضل كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أطلق الْأجر لِأَنَّهُ مشابه لِلْأجرِ، صُورَة لترتبه عَلَيْهِ.

١٢ - (بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَلَا يجوز فِيهِ الْإِضَافَة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن معنى الْبَاب الأول مُتَضَمّن معنى هَذَا الْبَاب، وَذَلِكَ لِأَن النُّقَبَاء من الْأَنْصَار، والانصار كلهم خيروا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبذلوا أَرْوَاحهم وَأَمْوَالهمْ فِي محبته فِرَارًا بدينهم من فتن الْكفْر والضلال، وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَاب يبين فِيهِ ترك الْمُسلم الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ ومعاشرتهم، واختياره الْعُزْلَة والانقطاع فِرَارًا بِدِينِهِ من فتن النَّاس والاختلاط بهم. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: بَاب من الْإِيمَان الْفِرَار من الْفِتَن، كَمَا ذكر هَكَذَا فِي أَكثر الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة والأبواب الْآتِيَة، وَأَيْضًا عقد الْكتاب فِي الْإِيمَان؟ قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليطابق التَّرْجَمَة الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ فِي

الْبَاب، فَإِن الْمَذْكُور فِيهِ الْفِرَار بِالدّينِ من الْفِتَن، وَلَا يحْتَاج أَن يُقَال: لما كَانَ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام مترادفين عِنْده. وَقَالَ الله تَعَالَى: {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} (آل عمرَان: ١٩) أطلق الدّين فِي مَوضِع الْإِيمَان. فَإِن قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من لفظ الحَدِيث عد الْفِرَار دينا، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانة للدّين، قلت: لم يرد بِكَلَامِهِ الْحَقِيقَة، لِأَن الْفِرَار لَيْسَ بدين، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن الْفِرَار للخوف على دينه من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين، وَلِهَذَا ذكره: بِمن، التبعيضية، وَتَقْدِير الْكَلَام: بَاب الْفِرَار من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين.

١٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عَن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوشِكُ أَن يَكُونَ خَيْرَ مالِ المُسِلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ.

الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة ظَاهِرَة على مَا ذكرنَا.

(بَيَان رِجَاله) : وهم خَمْسَة. الأول: عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، ابْن قعنب أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحَارِثِيّ الْبَصْرِيّ، وَكَانَ مجاب الدعْوَة، روى عَن: مَالك وَاللَّيْث بن سعد ومخرمة بن بكير وَابْن أبي ذِئْب، وَسمع من أَحَادِيث شُعْبَة حَدِيثا وَاحِدًا اتّفق على توثيقه وجلالته، وَأَنه حجَّة ثَبت رجل صَالح، وَقيل لمَالِك: إِن عبد الله قدم، فَقَالَ: قومُوا بِنَا إِلَى خير أهل الأَرْض. روى عَنهُ: البُخَارِيّ وَمُسلم وأكثرا، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى مُسلم عَن عبد بن حميد عَنهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْأَطْعِمَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِمَكَّة. الثَّانِي: مَالك بن أنس إِمَام دَار الْهِجْرَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، واسْمه عَمْرو بن زيد بن عَوْف بن منذول بن عَمْرو بن غنم بن مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ الْمَازِني الْمدنِي، ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. وَقَالَ الْخَطِيب فِي كِتَابه (رَافع الارتياب) : إِن الصَّوَاب عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي صعصعة، قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: وَوهم ابْن عُيَيْنَة حَيْثُ قَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لِمَ يخْتَلف على مَالك فِي اسْمه؟ قلت: فِي (الثِّقَات) لِابْنِ حبَان خالفهم مَالك، فَقَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. الرَّابِع: أَبوهُ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان، وروى لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَكَانَ جده شهد أحدا وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله عَنهُ، وَأَبوهُ عَمْرو مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة، قَتله بردع بن زيد بن عَامر بن سَواد بن ظفر من الْأَوْس، ثمَّ أسلم بردع وَشهد أحدا. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان بن عبيد، وَقيل: عبد بن ثَعْلَبَة بن عبيد بن الأبجر، وَهُوَ خدرة بن عَوْف بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ، وَزعم بَعضهم أَن خدرة هِيَ أم الأبجر، استصغر يَوْم أحد فرُدَّ، وغزا بعد ذَلِك اثْنَتَيْ عشرَة غَزْوَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسْتشْهدَ أَبوهُ يَوْم أحد، رُوِيَ لَهُ ألف حَدِيث وَمِائَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على سِتَّة وَأَرْبَعين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِسِتَّة عشر، وَمُسلم بِاثْنَتَيْنِ وَخمسين. روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، مِنْهُم: الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ووالده مَالك وَأَخُوهُ لأمه، قَتَادَة بن النُّعْمَان، وروى عَنهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهُم: ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَخلق من التَّابِعين، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَقيل: أَربع وَسبعين. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَاعْلَم أَن مِنْهُم من قَالَ: إِن اسْم أبي سعيد هَذَا: سِنَان بن مَالك بن سِنَان، وَالأَصَح مَا ذَكرْنَاهُ انه: سعد بن مَالك بن سِنَان، وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا: سعد بن أبي وَقاص مَالك وَسعد بن مَالك العذري قدم فِي وَفد عذرة.

(بَيَان الْأَنْسَاب) القعْنبِي: هُوَ عبد الله بن مسلمة، شيخ البُخَارِيّ، ونسبته إِلَى جده قعنب، والقعنب، فِي اللُّغَة: الشَّديد، وَمِنْه يُقَال للأسد، القعنب، وَيُقَال: القعنب: الثَّعْلَب الذّكر. والمازن فِي قبائل، فَفِي قيس بن غيلَان: مَازِن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان، وَفِي قيس بن غيلَان أَيْضا: مَازِن بن صعصعة. وَفِي فَزَارَة: مَازِن بن فَزَارَة، وَفِي ضبة: مَازِن بن كَعْب، وَفِي مذْحج: مَازِن بن ربيعَة، وَفِي الْأَنْصَار: مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج، وَفِي تَمِيم: مَازِن بن مَالك، وَفِي شَيبَان بن ذهل: مَازِن بن شَيبَان، وَفِي هُذَيْل: مَازِن بن مُعَاوِيَة، وَفِي الأزد: مَازِن بن الأزد. والخدري، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة

وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى خدرة: أحد أجداد أبي سعيد، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (ثقاته) فِي تَرْجَمَة أبي سعيد: إِن خدرة من الْيمن، وَمرَاده أَن الْأَنْصَار من الْيمن فهم بطن من الْأَنْصَار، وهم نفر قَلِيل بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ أَبُو عمر: خدرة وخدارة بطْنَان من الْأَنْصَار، فَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ من خدارة، وَأَبُو سعيد من خدرة، وهما إبنا عَوْف بن الْحَارِث كَمَا تقدم، وَضبط أَبُو عمر: خدارة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ خلاف مَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ من كَونه بِالْجِيم الْمَكْسُورَة، وَصَوَّبَهُ الرّشاطي، وَكَذَا نَص عَلَيْهِ العسكري فِي الصَّحَابَة، والحافظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي. وَاعْلَم أَن الْخُدْرِيّ، بِالضَّمِّ، يشْتَبه بالخدري، بِالْكَسْرِ، نِسْبَة إِلَى: خدرة، بطن من ذهل بن شَيبَان، وبالخدري، بِفَتْح الْخَاء وَالدَّال، وَهُوَ مُحَمَّد بن حسن مُتَأَخّر، روى عَن أبي حَاتِم، وبالجدري بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال، وَهُوَ عُمَيْر بن سَالم، وبكسر الْجِيم وَسُكُون الدَّال: الجدري، نِسْبَة إِلَى جدرة بطن من كَعْب.

(بَيَان لطائف الْإِسْنَاد) : مِنْهَا: أَن هَذَا الاسناد كُله مدنيون، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ فَرد تحديث وَالْبَاقِي عنعنة، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) : هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَرَوَاهُ هَهُنَا عَن القعْنبِي، وَفِي الْفِتَن عَن ابْن يُوسُف، وَفِي إِسْنَاد الْكتاب عَن إِسْمَاعِيل ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك بِهِ، وَفِي الرقَاق وعلامات النُّبُوَّة عَن أبي نعيم عَن الْمَاجشون عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ، وَهُوَ من أَحَادِيث مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَزعم الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (مستخرجه) أَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ عَن معن عَن مَالك، فَجعله من قَول أبي سعيد لم يُجَاوِزهُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أسْندهُ ابْن وهب التنيسِي، وسُويد وَغَيرهم والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا.

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (يُوشك) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الشين الْمُعْجَمَة. أَي: يقرب، وَيُقَال فِي ماضيه: أوشك، وَمن أنكر اسْتِعْمَاله مَاضِيا فقد غلط، فقد كثر اسْتِعْمَاله. قَالَ الْجَوْهَرِي: أوشك فلَان يُوشك: إيشاكاً أَي: أسْرع، قَالَ جرير:

(إِذا جهل اللَّئِيم وَلم يقدر ... لبَعض الْأَمر أوشك أَن يصابا)

قَالَ: والعامة تَقول: يُوشك، بِفَتْح الشين، وَهِي لُغَة رَدِيئَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: واشك يواشك وشاكاً. مثل: أوشك، وَيُقَال: إِنَّه مواشك أَي: مسارع. وَفِي (الْعباب) قَوْلهم: وَشك ذَا خُرُوجًا بِالضَّمِّ يُوشك أَي: يسْرع، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الوشك السرعة، وَيُقَال: الوشك والوشك، وَدفع الْأَصْمَعِي الوشك يَعْنِي: بِالْكَسْرِ، وَقَالَ الْكسَائي: عجبت من وشكان ذَلِك الْأَمر، وَمن وشكانه أَي: من سرعته، وَفِي الْمثل: وشكان مَاذَا إذابةً وحقناً أَي: مَا أسْرع مَا أذيب هَذَا السّمن وحقن، وَنصب إذابة، وحقناً على الْحَال، وَإِن كَانَا مصدرين كَمَا يُقَال: سرع ذَا مذاباً ومحقوناً، وَيجوز أَن يحمل على التَّمْيِيز، كَمَا يُقَال: حسن زيد وَجها يضْرب فِي سرعَة وُقُوع الْأَمر، وَلمن يخبر بالشَّيْء قبل أَوَانه، وَيُقَال: وشكان ذَا إهالة. فَإِن قلت: هَل يسْتَعْمل اسْم الْفَاعِل؟ قلت: نعم، وَلكنه نَادِر، قَالَ كثير بن عبد الرَّحْمَن:

(فَإنَّك موشك أَن لَا ترَاهَا ... وتغدو دون غاضرة العوادي)

وغاضرة، بالمعجمتين، اسْم جَارِيَة أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، أُخْت عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ، والعوادي: عوائق الدَّهْر وموانعه. قَوْله: (غنم) الْغنم اسْم مؤنث مَوْضُوع للْجِنْس، يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث جَمِيعًا، وعَلى الذُّكُور وحدهم وعَلى الأناث وَحدهَا. فَإِذا صغرتها الحقتها الْهَاء، فَقلت: غنيمَة، لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين، فالتأنيث لَازم لَهَا، وَيُقَال: لَهَا خمس من الْغنم ذُكُور، فيؤنث الْعدَد لِأَن الْعدَد يجْرِي على تذكيره وتأنيثه على اللَّفْظ لَا على الْمَعْنى، قَوْله: (يتبع) بتَشْديد التَّاء وتخفيفها، فَالْأول: من بَاب الافتعال من: اتبع اتبَاعا، وَالثَّانِي: من تبع بِكَسْر الْبَاء يتبع بِفَتْحِهَا تبعا بِفتْحَتَيْنِ وتباعة بِالْفَتْح، يُقَال: تبِعت الْقَوْم إِذا مَشى خَلفهم، أَو مروا بِهِ فَمضى مَعَهم، قَوْله: (شعف الْجبَال) بشين مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَعين مُهْملَة مَفْتُوحَة، جمع: شعفة، بِالتَّحْرِيكِ، رَأس الْجَبَل، وَيجمع أَيْضا على شعوف وشعاف وشعفات قَالَه فِي (الْعباب) . وَفِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: إِن الشعاف بِالْكَسْرِ، وَعَن ابْن قُتَيْبَة شعفة كل شي أَعْلَاهُ. قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَي: الْمَطَر، والمواقع جمع موقع بِكَسْر الْقَاف، وَهُوَ مَوضِع نزُول الْمَطَر. قَوْله: (يفر) من فر يفر فِرَارًا ومفراً، إِذا

هرب، والمفر بِكَسْر الْفَاء مَوضِع الْفِرَار، والفتن جمع فتْنَة، وأصل الْفِتْنَة الاختبار، يُقَال: فتنت الْفضة على النَّار، إِذا خلصتها، ثمَّ اسْتعْملت فِيمَا أخرجه الاختبار للمكروه، ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي أَبْوَاب الْمَكْرُوه، فجَاء مرّة بِمَعْنى الْكفْر، كَقَوْلِه تَعَالَى: {والفتنة أكبر من الْقَتْل} (الْبَقَرَة: ٢١٧) وَيَجِيء للإثم، كَقَوْلِه تَعَالَى: {أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا} (التَّوْبَة: ٤٩) وَيكون بِمَعْنى الإحراق، كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} (البروج: ١٠) أَي: حرقوهم، وَيَجِيء بِمَعْنى الصّرْف عَن الشَّيْء، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك} (الْإِسْرَاء: ٧٣) .

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (يُوشك) من أَفعَال المقاربة عِنْد النُّحَاة وضع لدنو الْخَبَر أخذا فِيهِ، وَهُوَ مثل: كَاد وَعَسَى فِي الِاسْتِعْمَال، فَيجوز: أوشك زيد يَجِيء، وَأَن يَجِيء، وأوشك أَن يَجِيء زيد على الْأَوْجه الثَّلَاثَة، وَخَبره يكون فعلا مضارعاً مَقْرُونا بِأَن وَقد يسند إِلَى: أَن، كَمَا قُلْنَا فِي الْأَوْجه الثَّلَاثَة، والْحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل حَيْثُ أسْند يُوشك إِلَى أَن، وَالْفِعْل الْمُضَارع، فسد ذَلِك مسد اسْمه وَخَبره، وَمثله قَول الشَّاعِر:

(يُوشك أَن يبلغ مُنْتَهى الْأَجَل ... فالبر لَازم برجا ووجل)

قَوْله: (خير) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء وَخَبره، قَوْله: (غنم) ، وَيكون: فِي يكون، ضمير الشَّأْن لِأَنَّهُ كَلَام تضمن تحذيراً وتعظيماً لما يتَوَقَّع، وَأما النصب فعلى كَونه خبر يكون مقدما على اسْمه، وَهُوَ قَوْله: (غنم) . وَلَا يضركون غنم نكرَة لِأَنَّهَا وصفت بقوله: (يتبع بهَا) وَقد روى غنما بِالنّصب وَهُوَ ظَاهر، وَالْأَشْهر فِي الرِّوَايَة نصب خبر، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالرَّفْع، وَالضَّمِير فِي: بهَا، يرجع إِلَى الْغنم، وَقد ذكرنَا أَنه اسْم جنس يجوز تأنيثه بِاعْتِبَار معنى الْجمع، قَوْله: (شعف الْجبَال) كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول يتبع؛ قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَيْضا، كَلَام إضافي مَنْصُوب عطفا على شعف الْجبَال. قَوْله: (يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) أَي: من فَسَاد ذَات الْبَين وَغَيرهَا، وَقَوله: يفر جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى الْمُسلم، وَهِي فِي مَحل النصب على الْحَال، أما من الضَّمِير الَّذِي فِي يتبع أَو من الْمُسلم، وَيجوز وُقُوع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} (النِّسَاء: ١٢٥) فَإِن قلت: إِنَّمَا يَقع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ الْمُضَاف جزأ من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو فِي حكمه كَمَا فِي: رَأَيْت وَجه هِنْد قَائِمَة، فَإِنَّهُ يجوز، وَلَا يجوز قَوْلك: رَأَيْت غُلَام هِنْد قَائِمَة، وَالْمَال لَيْسَ بِجُزْء للْمُسلمِ. قلت: المَال لشدَّة ملابسته بِذِي المَال كَأَنَّهُ جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْملَّة لَيْسَ بِجُزْء لإِبْرَاهِيم حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة الْجُزْء مِنْهُ. وَيجوز أَن تكون هَذِه الْجُمْلَة استئنافية، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَيقدر ذَلِك بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْمقَام، وَالْبَاء فِي (بِدِينِهِ) للسَّبَبِيَّة، وَكلمَة: من فِي قَوْله: (من الْفِتَن) ابتدائية تَقْدِيره: يفر بِسَبَب دينه ومنشأ فراره الدّين، وَيجوز أَن تكون الْبَاء، للمصاحبة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اهبط بِسَلام} (هود: ٤٨) أَي: مَعَه.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) : وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ فضل الْعُزْلَة فِي أَيَّام الْفِتَن إلَاّ أَن يكون الْإِنْسَان مِمَّن لَهُ قدرَة على إِزَالَة الْفِتْنَة، فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ السَّعْي فِي إِزَالَتهَا، إِمَّا فرض عين وَإِمَّا فرض كِفَايَة بِحَسب الْحَال والإمكان، وَأما فِي غير أَيَّام الْفِتْنَة فَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْعُزْلَة والاختلاط أَيهمَا أفضل؟ قَالَ النَّوَوِيّ: مَذْهَب الشَّافِعِي والأكثرين إِلَى تَفْضِيل الْخلطَة لما فِيهَا من اكْتِسَاب الْفَوَائِد، وشهود شَعَائِر الْإِسْلَام، وتكثير سَواد الْمُسلمين، وإيصال الْخَيْر إِلَيْهِم وَلَو بعيادة المرضى، وتشييع الْجَنَائِز، وإفشاء السَّلَام، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، والتعاون على الْبر وَالتَّقوى، وإعانة الْمُحْتَاج، وَحُضُور جماعاتهم وَغير ذَلِك مِمَّا يقدر عَلَيْهِ كل أحد، فَإِن كَانَ صَاحب علم أَو زهد تَأَكد فضل اخْتِلَاطه. وَذهب آخَرُونَ إِلَى تَفْضِيل الْعُزْلَة لما فِيهَا من السَّلامَة المحققة، لَكِن بِشَرْط أَن يكون عَارِفًا بوظائف الْعِبَادَة الَّتِي تلْزمهُ وَمَا يُكَلف بِهِ، قَالَ: وَالْمُخْتَار تَفْضِيل الْخلطَة لمن لَا يغلب على ظَنّه الْوُقُوع فِي الْمعاصِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُخْتَار فِي عصرنا تَفْضِيل الانعزال لندور خلو المحافل عَن الْمعاصِي. قلت: أَنا مُوَافق لَهُ فِيمَا قَالَ، فَإِن الِاخْتِلَاط مَعَ النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان لَا يجلب إِلَّا الشرور. الثَّانِي: فِيهِ الِاحْتِرَاز عَن الْفِتَن، وَقد خرجت جمَاعَة من السّلف عَن أوطانهم وتغربوا خوفًا من الْفِتْنَة، وَقد خرج سَلمَة بن الْأَكْوَع إِلَى الربذَة فِي فتْنَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ. الثَّالِث: فِيهِ دلَالَة على فَضِيلَة الْغنم واقتنائها على مَا نقُول عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الرَّابِع: فِيهِ إِخْبَار بِأَنَّهُ يكون فِي آخر الزَّمَان فتن وَفَسَاد بَين النَّاس، وَهَذَا من جملَة معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

(الأسئلة والأجوبة) . مِنْهَا مَا قيل: لِمَ قيد بالغنم؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا النَّوْع من المَال نموه وزيادته أبعد من الشوائب الْمُحرمَة كالربا والشبهات الْمَكْرُوهَة، وخصت الْغنم بذلك لما فِيهَا من السكينَة وَالْبركَة، وَقد رعاها الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَعَ أَنَّهَا سهلة الانقياد خَفِيفَة المؤونة كَثِيرَة النَّفْع. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قيد الِاتِّبَاع بالمواضع الخالية مثل شعف الْجبَال وَنَحْوهَا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهَا أسلم غَالِبا من المعادلات المؤدية إِلَى الكدورات. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه كَون الْغنم خير مَال الْمُسلم؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لما كَانَ فِيهَا الْجمع بَين الرِّفْق وَالرِّبْح وصيانة الدّين، كَانَت خير الْأَمْوَال الَّتِي يعْنى بهَا الْمُسلم، وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قيد الِاتِّبَاع الْمَذْكُور بقوله: (يفر بِدِينِهِ) من الْفِتَن وَأجِيب: للإشعار بِأَن هَذَا الِاتِّبَاع يَنْبَغِي أَن يكون استعصاماً للدّين لَا لِلْأَمْرِ الدنيوي كَطَلَب كَثْرَة الْعلف وَقلة أطماع النَّاس فِيهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ يجمع بَين مُقْتَضى هَذَا الحَدِيث من اخْتِيَار الْعُزْلَة، وَبَين مَا ندب إِلَيْهِ الشَّارِع من اخْتِلَاط أهل الْمحلة لإِقَامَة الْجَمَاعَة، وَأهل السوَاد مَعَ أهل الْبَلدة للعيد وَالْجُمُعَة، وَأهل الْآفَاق لوقوف عَرَفَة؟ وَفِي الْجُمْلَة اهتمام الشَّارِع بالاجتماع مَعْلُوم، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء: يجوز نقل اللَّقِيط من الْبَادِيَة إِلَى الْقرْيَة وَمن الْقرْيَة إِلَى الْبَلَد لاعكسهما؛ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك عِنْد عدم الْفِتْنَة وَعدم وُقُوعه فِي الْمعاصِي وَعند الِاجْتِمَاع بالجلساء الصلحاء، وَأما اتِّبَاع الشعف والمقاطر وَطلب الْخلْوَة والانقطاع إِنَّمَا هُوَ فِي أضداد هَذِه الْحَالَات.

١٣ - (بَاب قَوْلِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّه، وأنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} )

أَي: هَذَا بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْإِضَافَة هَهُنَا متعينة. وَقَوله: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) مقول القَوْل، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَهُوَ لفظ الحَدِيث الَّذِي أوردهُ فِي جَمِيع طرقه، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: أعرفكُم، فَعَن قريب يَأْتِي الْفرق بَين الْمعرفَة وَالْعلم.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ: أَن الْبَاب الأول يبين فِيهِ أَن من الدّين الْفِرَار من الْفِتَن، وَهَذَا لَا يكون إلَاّ على قدر قُوَّة دين الرجل حَيْثُ يحفظ دينه ويعتزل النَّاس خوفًا من الْفِتَن، وَقُوَّة الدّين تدل على قُوَّة الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى، فَكلما كَانَ الرجل أقوى فِي دينه كَانَ أقوى فِي معرفَة ربه، وَمن هَذَا الْبَاب يبين أَن أعرف النَّاس بِاللَّه تَعَالَى هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا جرم هُوَ أقوى دينا من الْكل. وَبَقِي الْكَلَام هَهُنَا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. الأول: أَن هَذَا كتاب الْإِيمَان، فَمَا وَجه تعلق هَذِه التَّرْجَمَة بِالْإِيمَان. وَالثَّانِي: مَا مُنَاسبَة قَوْله: (وَأَن الْمعرفَة فعل الْقلب) بِمَا قبله، وَلَا تعلق للْحَدِيث بِهِ أصلا وَلَا دلَالَة لَهُ عَلَيْهِ لَا عقلا وَلَا وضعا. وَالثَّالِث: مَا مُنَاسبَة ذكر قَوْله تَعَالَى: {وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٥) هَهُنَا فَلَا تعلق لَهُ بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ فِي الْإِيمَان، وَلَا تعلق لَهُ بِالْبَابِ أَيْضا. قلت: أما وَجه الأول: فَهُوَ أَن الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وَالْعلم بِهِ من الْإِيمَان، فحينئذٍ دخل فِي كتاب الْإِيمَان، وَفِيه رد على الكرامية لأَنهم يَقُولُونَ: إِن الْإِيمَان مُجَرّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَزَعَمُوا أَن الْمُنَافِق مُؤمن فِي الظَّاهِر وَكَافِر فِي السريرة، فَيثبت لَهُ حكم الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا وَحكم الْكَافرين فِي الْآخِرَة، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِالرَّدِّ عَلَيْهِم: بِأَن الْإِيمَان، هُوَ أَو بعضه، فعل الْقلب بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. وَأما وَجه الثَّانِي: فَهُوَ أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، لما أَرَادوا أَن يزِيدُوا أَعْمَالهم على عمل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُم: لَا يتهيأ لكم لِأَنِّي أعلمكُم، وَالْعلم من جملَة الْأَفْعَال، بل من أشرفها لِأَنَّهُ عمل الْقلب، فَنَاسَبَ قَوْله: (وَأَن الْمعرفَة فعل الْقلب) بِمَا قبله. وَأما وَجه الثَّالِث: فَهُوَ أَنه أَرَادَ أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ على أَن الْإِيمَان بالْقَوْل وَحده لَا يتم، وَلَا بُد من انضمام العقيدة إِلَيْهِ، وَلَا شكّ أَن الِاعْتِقَاد فعل الْقلب فَهُوَ مُنَاسِب لقَوْله: (وَأَن الْمعرفَة فعل الْقلب) . وَلَا يضر استدلاله كَون مورد الْآيَة فِي الْأَيْمَان بِالْفَتْح، لِأَن مدَار الْعلم فِيهَا أَيْضا على عمل الْقلب، فنبه البُخَارِيّ هَهُنَا على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: الرَّد على الكرامية الَّذِي هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بِالْوَجْهِ الَّذِي ذكرنَا وَالْآخر: الدَّلِيل على زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه على مُقْتَضى مذْهبه، لِأَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) يدل ظَاهرا على أَن النَّاس متفاوتون فى معرفَة الله تَعَالَى، وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ أعلمهم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون الْإِيمَان قَابلا للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان. قَوْله: (وَأَن الْمعرفَة) بِفَتْح الْهمزَة عطفا على القَوْل لَا على الْمَقُول، وإلَاّ لَكَانَ تَكْرَارا، إِذْ الْمَقُول وَمَا عطف عَلَيْهِ حكمهمَا وَاحِد، وَيجوز كسر: إِن وَيكون كلَاما مستأنفاً، قَوْله: (لقَوْل الله تَعَالَى) اسْتِدْلَال

بِهَذِهِ الْآيَة على أَن الْإِيمَان بالْقَوْل وَحده لَا يتم. قَوْله: (بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ) أَي: بِمَا عزمت عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ وقصدتموه، إِذْ كسب الْقلب عزمه وَنِيَّته، وَفِي الْآيَة دَلِيل لما عَلَيْهِ الْجُمْهُور، أَن أَفعَال الْقُلُوب إِذا اسْتَقَرَّتْ يُؤَاخذ بهَا، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: (إِن الله تجَاوز لأمتي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يتكلموا أَو يعملوا بِهِ) ، مَحْمُول على مَا إِذا لم يسْتَقرّ، وَذَلِكَ مَعْفُو عَنهُ بِلَا شكّ، لِأَنَّهُ لَا يُمكن الانفكاك عَنهُ بِخِلَاف الِاسْتِقْرَار. فَإِن قلت: مَا حَقِيقَة الْمعرفَة؟ قلت: فِي اللُّغَة الْمعرفَة: مصدر عَرفته أعرفهُ، وَكَذَلِكَ الْعرْفَان، وَأما فِي اصْطِلَاح أهل الْكَلَام فَهِيَ معرفَة الله تَعَالَى بِلَا كَيفَ وَلَا تَشْبِيه. وَالْفرق بَينهمَا وَبَين الْعلم: أَن الْمعرفَة عبارَة عَن الْإِدْرَاك الجزئي، وَالْعلم عَن الْإِدْرَاك الْكُلِّي. وَبِعِبَارَة أُخْرَى: الْعلم إِدْرَاك المركبات، والمعرفة إِدْرَاك البسائط وَهَذَا مُنَاسِب لما يَقُوله أهل اللُّغَة من: أَن الْعلم يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، والمعرفة إِلَى مفعول وَاحِد. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: أجمع الْعلمَاء على وجوب معرفَة الله تَعَالَى، وَقد اسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إلَاّ الله} (مُحَمَّد: ١٩) وَاخْتلف فِي أول وَاجِب على الْمُكَلف، فَقيل: معرفَة الله تَعَالَى، وَقيل: النّظر، وَقيل: الْقَصْد إِلَى النّظر الصَّحِيح. وَقَالَ الإِمَام: الَّذِي أرَاهُ أَنه لَا اخْتِلَاف بَينهمَا، فَإِن أول وَاجِب خطابا ومقصوداً: الْمعرفَة، وَأول وَاجِب اشتغالاً واداءً: الْقَصْد فَإِن مَا لَا يتَوَصَّل إِلَى الْوَاجِب إلَاّ بِهِ فَهُوَ وَاجِب، وَلَا يتَوَصَّل إِلَى المعارف إلَاّ بِالْقَصْدِ.

٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ قَالَ أخْبَرَنَا عَبْدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالتْ كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أَمَرَهُمْ أمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِما يُطِيقُونَ قَالُوا إنَّا لسْنَا كَهْيَئتِكَ يَا رسولَ اللَّهِ إنّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ فَيَغْضَبُ حَتى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وجْهِهِ ثمَّ يَقُولُ إنَّ أَتْقاكُمْ وأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أَنَا.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِنَّهَا جُزْء مِنْهُ.

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلام بن الْفرج السّلمِيّ، مَوْلَاهُم، البُخَارِيّ البيكندي، سمع ابْن عُيَيْنَة وَابْن الْمُبَارك وَغَيرهمَا من الْأَعْلَام، وَعنهُ الْأَعْلَام الْحفاظ: كالبخاري وَنَحْوه، انفق فِي الْعلم أَرْبَعِينَ ألفا، وَمثلهَا فِي نشره، وَيُقَال: إِن الْجِنّ كَانَت تحضر مَجْلِسه، وَقَالَ: أدْركْت مَالِكًا وَلم أسمع مِنْهُ، وَكَانَ أَحْمد يعظمه، وَعنهُ أحفظ أَكثر من خَمْسَة آلَاف حَدِيث كذب، وَله رحْلَة ومصنفات فِي أَبْوَاب من الْعلم، وانكسر قلمه فِي مجْلِس شيخ فَأمر أَن يُنَادى: قلم بِدِينَار، فطارت إِلَيْهِ الأقلام، توفّي سنة خمس وَعشْرين ومائيتن، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِهِ عَن الْكتب السِّتَّة. ثمَّ اعْلَم أَن: سَلاما، وَالِد مُحَمَّد الْمَذْكُور بِالتَّخْفِيفِ على الصَّوَاب، وَبِه قطع الْمُحَقِّقُونَ، مِنْهُم: الْخَطِيب وَابْن مَاكُولَا، وَهُوَ مَا ذكره غبخار فِي (تَارِيخ بخاري) ، وَهُوَ أعلم ببلاده، وَحَكَاهُ أَيْضا عَنهُ فَقَالَ: قَالَ سهل بن المتَوَكل: سَمِعت مُحَمَّد بن سَلام يَقُول: أَنا مُحَمَّد بن سَلام، بِالتَّخْفِيفِ، وَلست بِمُحَمد بن سَلام، وَذكر بعض الْحفاظ أَن تشديده لحن، وَأما صَاحب (الْمطَالع) فَادّعى أَن التَّشْدِيد رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَكثر شُيُوخ بَلَده. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا يُوَافق على هَذِه الدَّعْوَى، فَإِنَّهَا مُخَالفَة للمشهور. الثَّانِي: أَبُو مُحَمَّد عَبدة، بِسُكُون الْبَاء، ابْن سُلَيْمَان بن حَاجِب بن زُرَارَة بن عبد الرَّحْمَن بن صرد بن سمير بن مليك بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الْكلابِي الْكُوفِي، هَكَذَا نسبه مُحَمَّد بن سعد فِي (الطَّبَقَات) ، وَقيل: اسْمه عبد الرَّحْمَن، وَعَبدَة لقبه، سمع جمَاعَة من التَّابِعين، مِنْهُم: هِشَام وَالْأَعْمَش، وَعنهُ الْأَعْلَام: أَحْمد وَغَيره. قَالَ أَحْمد: ثِقَة ثِقَة وَزِيَادَة مَعَ صَلَاح، وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة رجل صَالح صَاحب قُرْآن، توفّي بِالْكُوفَةِ فِي جُمَادَى، وَقيل: فِي رَجَب سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة؛ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ البُخَارِيّ: سنة سبع، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، وَقد ذكرُوا فِي بَاب الْوَحْي.

(بَيَان الْأَنْسَاب) السّلمِيّ، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام، فِي قيس غيلَان، وَفِي الأزد، فَالَّذِي فِي قيس غيلَان: سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان، وَالَّذِي فِي الأزد: سليم بن بهم بن غنم بن دوس، وَهُوَ من شَاذ النّسَب، وَقِيَاسه: سليمي. البُخَارِيّ: نِسْبَة إِلَى بُخَارى، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، مَدِينَة مَشْهُورَة بِمَا وَرَاء النَّهر، خرجت مِنْهَا

الْعلمَاء والصلحاء، ويشتمل على بُخَارى وعَلى قراها ومزارعها سور وَاحِد نَحْو اثْنَي عشر فرسخاً، فِي مثلهَا، وَقَالَ ابْن حوقل: ورساتيق بُخَارى تزيد على خَمْسَة عشر رستاقاً، جَمِيعهَا دَاخل الْحَائِط الْمَبْنِيّ على بلادها، وَلها خَارج الْحَائِط أَيْضا عدَّة مدن مِنْهَا: فربر وَغَيرهَا. البيكندي: بباء مُوَحدَة مكسوة ثمَّ يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ كَاف مَفْتُوحَة ثمَّ نون سَاكِنة، نِسْبَة إِلَى بيكند، بَلْدَة من بِلَاد بُخَارى على مرحلة مِنْهَا، خربَتْ، وَيُقَال: الباكندي أَيْضا، وَيُقَال بِالْفَاءِ أَيْضا: الفاكندي، وينسب إِلَيْهَا ثَلَاثَة أنفس انْفَرد البُخَارِيّ بهم، أحدهم: مُحَمَّد بن سَلام الْمَذْكُور، وثانيهم: مُحَمَّد بن يُوسُف، وثالثهم: يحيى بن جَعْفَر الْكلابِي فِي قيس غيلَان ينْسب إِلَى: كلاب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوزان بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان.

(بَيَان لطائف أسناده) : مِنْهَا: أَن فِيهِ تحديثاً وإخباراً وعنعنة، والإخبار فِي قَوْله: أخبرنَا عُبَيْدَة بن سُلَيْمَان، وفى رِوَايَة الْأصيلِيّ، حَدثنَا. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده مُشْتَمل على: بخاري وكوفي ومدني، وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء.

(بَيَان من أخرجه) هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَهُوَ من غرائب الصَّحِيح، لَا يعرف إلَاّ من هَذَا الْوَجْه، وَهُوَ مَشْهُور عَن هِشَام، فَرد مُطلق من حَدِيثه، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة.

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (بِمَا يُطِيقُونَ) من: أطَاق يُطيق إطاقة، وطوقتك الشَّيْء أَي: كلفتك بِهِ. قَوْله (كهيئتك) الْهَيْئَة الْحَالة وَالصُّورَة، وَفِي (الْعباب) الْهَيْئَة الشاردة، وَفُلَان حسن الْهَيْئَة، والهيئة بِالْفَتْح وَالْكَسْر، والهيء على فيعل: الْحسن الْهَيْئَة من كل شَيْء يُقَال: هَاء يهاء هَيْئَة. قَوْله: (إِن الله قد غفر) الغفر فِي اللُّغَة السّتْر. وَفِي (الْعباب) : الغفر التغطية، والغفر والغفران وَالْمَغْفِرَة وَاحِد، ومغفرة الله لعَبْدِهِ إلباسه إِيَّاه الْعَفو، وَستر ذنُوبه. قَوْله: (فيغضب) من غضب عَلَيْهِ غَضبا ومغضبة أَي: سخط، وَقَالَ ابْن عَرَفَة الْغَضَب من المخلوقين شَيْء يداخل قُلُوبهم، وَيكون مِنْهُ مَحْمُود ومذموم، والمذموم مَا كَانَ فِي غير الْحق، وَأما غضب الله تَعَالَى فَهُوَ إِنْكَاره على من عَصَاهُ فيعاقبه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله: إِن الله يغْضب ويرضى لَا كَأحد من الورى، قَالَ فِي (الْعباب) : وأصل التَّرْكِيب يدل على شدَّة وَقُوَّة.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) اسْم كَانَ، وَخَبره قَوْله: إِذا أَمرهم، قَوْله: (قَالُوا) جَوَاب: إِذا، قَوْله: (لسنا كهيئتك) ، لَيْسَ المُرَاد نفي تَشْبِيه ذواتهم بحالته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَا بُد من تَأْوِيل فِي أحد الطَّرفَيْنِ، فَقيل: المُرَاد كهيئتك: كمثلك، أَي: كذاتك، أَو: كنفسك، وَزيد لفظ الْهَيْئَة للتَّأْكِيد، نَحْو: مثلك لَا يبخل أَو التَّقْدِير فِي لسنا: لَيْسَ حَالنَا، فَحذف الْحَال وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه، واتصل الْفِعْل بالضمير فَقيل: لسنا، فالنون اسْم لَيْسَ، وَخَبره قَوْله: كهيئتك، قَوْله: (مَا تقدم) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول غفر، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة وَقَوله: (وَمَا تَأَخّر) عطف عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: وَمَا تَأَخّر من ذَنْبك. قَوْله: (فيغضب) على صُورَة الْمُضَارع، فَهُوَ وَإِن كَانَ بِلَفْظ الْمُضَارع وَلَكِن الْمَقْصُود حِكَايَة الْحَال الْمَاضِيَة، واستحضار تِلْكَ الصُّورَة الْوَاقِعَة للحاضرين، وَفِي أَكثر النّسخ: فَغَضب، بِلَفْظ الْمَاضِي، قَوْله: (حَتَّى يعرف الْغَضَب) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْغَضَب مَرْفُوع بِهِ، وَإِمَّا يعرف فَإِنَّهُ مَنْصُوب بِتَقْدِير: أَن، أَي: حَتَّى أَن يعرف الْغَضَب، وَالنّصب هُوَ الرِّوَايَة، وَيجوز فِيهِ الرّفْع بِأَن يكون عطفا على: فيغضب، فَافْهَم. قَوْله: (إِن أَتْقَاكُم) أَي: أَكْثَرَكُم تقوى وخشية من الله تَعَالَى، واتقاكم: اسْم إِن، و: أعلمكُم، عطف عَلَيْهِ، وَقَوله: أَنا، خَبره، وَفِي كتاب أبي نعيم: (وَأعْلمكُمْ بِاللَّه لأَنا) بِزِيَادَة لَام التَّأْكِيد.

(بَيَان الْمعَانِي) : قَوْله: (إِذا أَمرهم من الْأَعْمَال) أَي: إِذا أَمر النَّاس بِعَمَل أَمرهم بِمَا يُطِيقُونَ ظَاهره أَنه كَانَ يكلفهم بِمَا يُطَاق فعله، لَكِن السِّيَاق دلّ على أَن المُرَاد أَنه يكلفهم بِمَا يُطَاق الدَّوَام على فعله، وَوَقع فِي مُعظم الرِّوَايَات: (كَانَ إِذا أَمرهم أَمرهم من الْأَعْمَال) بتكرار أَمرهم، وَفِي بَعْضهَا أَمرهم مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ الَّذِي وَقع فِي طرق هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عَبدة، وَكَذَا من طَرِيق ابْن نمير وَغَيره، عَن هِشَام عِنْد أَحْمد، وَكَذَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي أُسَامَة، عَن هِشَام وَلَفظه: (كَانَ إِذا أَمر النَّاس بالشَّيْء قَالُوا) ، وَالْمعْنَى على التكرير: كَانَ إِذا أَمرهم بِعَمَل من الْأَعْمَال أَمرهم بِمَا يُطِيقُونَ الدَّوَام عَلَيْهِ، فَأَمرهمْ: الثَّانِي يكون جَوَاب الشَّرْط. فَإِن قلت: فعلى هَذَا مَا يكون قَوْله: قَالُوا؟ قلت: يكون جَوَابا ثَانِيًا. قَوْله

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَيُبْطِلُهُ أَنَّ عُبَادَةَ وَلِيَ قَضَاءَ فِلَسْطِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ . وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ بِالْجَنَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِيَقْضِي، أَيْ: لَا يَقْضِي بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ مُعَيَّنٍ. قُلْتُ: لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُهُ: إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِلَا جَوَابٍ، وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ دَعْوَى التَّصْحِيفِ فِيهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ بِالْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى، بْنِ هَارُونَ كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الدِّيَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، لَكِنْ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْقَافِ وَالضَّادِ أَيْضًا وَهُوَ تَصْحِيفٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَوْلُهُ بِالْجَنَّةِ إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِهِ بَايَعْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ

١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ.

[الحديث ١٩ - أطرافه في: ٧٠٨٨، ٦٤٩٥، ٣٦٠٠، ٣٣٠٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ) عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنِ التَّرْجَمَةِ بِالْإِيمَانِ - مَعَ كَوْنِهِ تَرْجَمَ لِأَبْوَابِ الْإِيمَانِ - مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ مُتَرَادِفَيْنِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ صَحَّ إِطْلَاقُ الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ قَعْنَبَ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّةً.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، فَسَقَطَ الْحَارِثُ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْمَازِنِيُّ، هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَشَهِدَ ابْنُهُ الْحَارِثُ أُحُدًا، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) اسْمُهُ سَعْدٌ عَلَى الصَّحِيحِ - وَقِيلَ سِنَانُ - ابْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ. نَعَمْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ - وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِتَنِ. وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَيُقَيَّدُ بِهَا الْمُطْلَقُ. وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي وَالسِّيَاحَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.

قَوْلُهُ: (يُوشِكُ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: يَقْرَبُ.

قَوْلُهُ: (خَيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِ، وَغَنَمِ الِاسْمُ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِرَفْعِ خَيْرُ وَنَصْبِ غَنَمًا عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ ويُقَدَّرُ فِي يَكُونُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ، لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَةُ.

قَوْلُهُ: (يَتَّبِعُ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، وَشَعَفِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ شَعَفَةٍ، كَأَكَمٍ وَأَكَمَةٍ، وَهِيَ رُؤوسُ الْجِبَالِ.

قَوْلُهُ: (وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى شَعَفِ، أَيْ: بُطُونَ الْأَوْدِيَةِ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا مَظَانُّ الْمَرْعَى.

قَوْلُهُ: (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ دِينِهِ. وَمِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ، قَالَ الشَّيْخُ النَّوَوِيُّ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَدُّ الْفِرَارِ دِينًا، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانَةٌ لِلدِّينِ. قَالَ: فَلَعَلَّهُ لَمَّا رَآهُ صِيَانَةً لِلدِّينِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الدِّينِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ أُرِيدَ بِمِنْ كَوْنُهَا جِنْسِيَّةً أَوْ تَبْعِيضِيَّةً فَالنَّظَرُ مُتَّجَهٌ، وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنُهَا ابْتِدَائِيَّةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحديث، ولم يُرِد الحقيقة لأنَّ الفرار ليس بدينٍ، فالتَّقدير: الفرار من الفتن شعبةٌ من شعب الإيمان، كما دلَّ عليه أداة التَّبعيض.

١٩ - وبالسَّند المذكور أوَّل هذا الشَّرح إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام بينهما مُهمَلَةٌ ساكنةٌ، ابن قعنبٍ الحارثيُّ البصريُّ، ذو الدَّعوة المُجَابة، أحد رُوَاة «الموطَّأ»، المُتوفَّى سنة إحدى وعشرين ومئتين (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ المازنيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجيِّ الأنصاريِّ (الخُدْرِيِّ) بضمِّ المُعجمَة (١) وسكون المُهملَة؛ نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطنٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وستِّين أو أربعٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وستُّون حديثًا، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «» (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : يُوشِكُ) بكسر المُعجَمَة،

وفتحُها لغةٌ رديئةٌ، وهي من أفعال المقاربة، أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمًا) -بالنَّصب- خبر «يكون»، وفي رواية غير الأَصيليِّ: بنصب «خيرَ» خبرًا مقدَّمًا، ورفعِ «غنمٌ» اسمًا مُؤخَّرًا، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بجملة «يتَّبِع»، وجوَّز ابن مالكٍ رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدِّر في «يكون» ضمير الشَّأن، قال في «الفتح»: لكن لم تَجِئْ به الرِّواية، وذكره العينيُّ من غير تنبيهٍ على الرِّواية فأوهم، و «الغنم»: اسمٌ مؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس (يَتَّبِعُ بِهَا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة «افتعالٌ»؛ من: اتَّبع اتِّباعًا، ويجوز إسكانها من تَبِعَ -بكسر المُوحَّدة- يَتْبَع، بفتحها، أي: يتبع بالغنم (شَعَفَ) بمُعجَمَةٍ فمُهمَلَةٍ مفتوحتين، جمع: شَعَفَةٍ بالتَّحريك، وهو بالنَّصب مفعول «يتَّبع» أي: رؤوس (الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ) بكسر القاف، وهو بالنَّصب (١) عطفٌ على «شعفَ» أي: مواضع نزول (القَطْرِ) أي: المطر، أي: بطون الأودية والصَّحارى، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: يهرب بسببه، أو مع دينه (مِنَ الفِتَنِ) طلبًا لسلامته، لا لقصدٍ دنيوِيٍّ، فالعزلة عند الفتنة ممدوحةٌ إلَّا لقادرٍ على إزالتها فتجب الخلطة، عينًا أو كفايةً، بحسب الحال والإمكان، واختُلِف فيها عند عدمها؛ فمذهب الشَّافعيِّ: تفضيل الصُّحبة لتعلُّمه وتعليمه، وعبادته، وأدبه، وتحسين خُلُقِه؛ بحِلْمٍ واحتمالٍ، وتواضعٍ، ومعرفة أحكامٍ لازمةٍ، وتكثير سواد المسلمين، وعيادة مريضهم، وتشييع جنائزهم، وحضور الجمعة

والجماعات، واختار آخرون: العزلة للسَّلامة المُحقَّقة، وليعمل بما علم، ويأنس بدوام ذكره، فبالصُّحبة والعزلة كمالُ المرء. نعم؛ تجب العُزلةُ لفقيهٍ لا يَسْلَم دينه بالصُّحبة، وتجب الصُّحبة لمن عرف الحقَّ فاتَّبعه، والباطلَ فاجْتَنَبَه، وتجب على من جهل ذلك لِيَعْلَمَه، فافهم.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيٌّ ابن صحابيٍّ (١)، وهو من أفراد البخاريِّ عن مسلمٍ، وقد رواه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٨] و «الرقاق» [خ¦٦٤٩٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٠]، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ.

ولمَّا كان الفرار من الفتن لا يكون إلَّا على قدر قوَّة دين الرَّجل، وهي تدلُّ على قوَّة المعرفة شَرَعَ يذكر ذلك، فقال:

(١٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) بالإضافة، وسقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، ومقول قوله : (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ) لأنَّه كلَّما كان الرَّجل أقوى في دينه كَانَ أقوى في معرفة ربِّه، وذلك يدلُّ ظاهرًا على قبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصان، وللأَصيلِّي في غير الفرع وأصله: «أَعْرَفَكم» بدل «أَعْلَمَكم»، والفرق بينهما: أنَّ المعرفةَ هي إدراكُ الجزئيِّ، والعلمَ: إدراكُ الكليِّ (وَ) باب بيان (أَنَّ المَعْرِفَةَ) بفتح الهمزة (فِعْلُ القَلْبِ) فالإيمان بالقول وحده لا يتمُّ إلَّا بانضمام الاعتقاد إليه؛ خلافًا للكرَّاميَّة، والاعتقاد فعل القلب (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي الوقت وذَرٍّ «لقوله ﷿»: (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]) أي: عزمتْ عليه،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَهُوَ الْقلب، وَالْأول: كِنَايَة عَن إِلْقَاء الْبُهْتَان من تِلْقَاء أنفسهم، وَالثَّانِي: عَن إنْشَاء الْبُهْتَان من دخيلة قُلُوبهم مَبْنِيا على الْغِشّ المبطن. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: لَا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحاً مُوَاجهَة، وَهَذَا كَمَا يَقُول الرجل: فعلت هَذَا بَين يَديك، أَي: بحضرتك. وَقَالَ التَّيْمِيّ: هَذَا غير صَوَاب من حَيْثُ إِن الْعَرَب، وَإِن قَالَت: فعلته بَين أَيدي الْقَوْم، أَي: بحضرتهم لم تقل: فعلته بَين أَرجُلهم، وَلم ينْقل عَنْهُم هَذَا أَلْبَتَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ صَوَاب، إِذْ لَيْسَ الْمَذْكُور الأرجل فَقَط، بل المُرَاد الْأَيْدِي، وَذكر الأرجل تَأْكِيدًا لَهُ وتابعاً لذَلِك، فالمخطىء مخطىء وَيُقَال: يحْتَمل أَن يُرَاد بِمَا بَين الْأَيْدِي والأرجل الْقلب، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يترجم اللِّسَان عَنهُ، فَلذَلِك نسب إِلَيْهِ الافتراء،، فَإِن الْمَعْنى: لَا ترموا أحدا بكذب تزوِّرونه فِي أَنفسكُم ثمَّ تبهتون صَاحبكُم بألسنتكم. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي جَمْرَة: يحْتَمل أَن يكون قَوْله: بَين أَيْدِيكُم، أَي: فِي الْحَال، قَوْله: وأرجلكم أَي: فِي الْمُسْتَقْبل، لِأَن السَّعْي من أَفعَال الأرجل. وَقَالَ غَيره: أصل هَذَا كَانَ فِي بيعَة النِّسَاء، وكنى بذلك كَمَا قَالَ الْهَرَوِيّ فِي (الغريبين) عَن نِسْبَة الْمَرْأَة الْوَلَد الَّذِي تَزني بِهِ أَو تلتقطه إِلَى زَوجهَا، ثمَّ لما اسْتعْمل هَذَا اللَّفْظ فِي بيعَة الرِّجَال احْتِيجَ إِلَى حمله على غير مَا ورد فِيهِ أَولا. قلت: وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم: وَلَا نقْتل أَوْلَادنَا، وَلَا يعضه بَعْضنَا بَعْضًا، أَي: لَا يسخر. وَقيل: لَا يَأْتِي بِبُهْتَان، يُقَال: عضهت الرجل رميته بالعضيهة؛ قَالَ الْجَوْهَرِي: العضيهة البهيتة، وَهُوَ الْإِفْك والبهتان، تَقول يَا للعضيهة. بِكَسْر اللَّام، وَهِي استغاثة، وَأَصله من: عضهه عضهاً بِالْفَتْح، وَقَالَ الْكسَائي: العضه الْكَذِب، وَجَمعهَا عضون، مثل: عزة وعزون، وَيُقَال نقصانه الْهَاء وَأَصله عضهة. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيد قَوْله: (وَلَا تعصوا) ، بقوله: (فِي مَعْرُوف) ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ قَيده بذلك تطييباً لنفوسهم، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام، لَا يَأْمر إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل فِي معنى الحَدِيث: وَلما تعصوني، وَلَا أجد عَلَيْكُم أولى من اتباعي إِذا أَمرتكُم بِالْمَعْرُوفِ، فَيكون التَّقْيِيد بِالْمَعْرُوفِ عَائِدًا إِلَى الِاتِّبَاع، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تعصوا وَلم يقل وَلَا تعصوني. قلت: فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، فِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار: وَلَا تعصوني، فحينئذٍ الْأَحْسَن هُوَ الْجَواب الأول. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي آيَة المبايعات: فَإِن قلت: لَو اقْتصر على قَوْله: لَا يَعْصِينَك، فقد علم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَا يَأْمر إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ. قلت: نبه بذلك على أَن طَاعَة الْمَخْلُوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق جديرة بغاية التوقي والاجتناب. وَمِنْهَا مَا قيل: قد ذكر فِي الاعتقاديات والعمليات كلتيهما، فلِمَ اكْتفى فِي الاعتقاديات بِالتَّوْحِيدِ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ هُوَ الأَصْل والأساس. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ مَا ذكر الْإِتْيَان بالواجبات وَاقْتصر على ترك المنهيات؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يقْتَصر حَيْثُ قَالَ: وَلَا تعصوا فِي مَعْرُوف، إِذْ الْعِصْيَان مُخَالفَة الْأَمر، أَو اقْتصر لِأَن هَذِه الْمُبَايعَة كَانَت فِي أَوَائِل الْبعْثَة وَلم تشرع الْأَفْعَال بعد. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات؟ وَأجِيب: بِأَن التخلي عَن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ ترك سَائِر المنهيات وَلم يقل مثلا {وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم} (الْأَنْعَام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤) وَغير ذَلِك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت حرَام آخر، أَو اكْتفى بِالْبَعْضِ ليقاس الْبَاقِي عَلَيْهِ، أَو لزِيَادَة الاهتمام بالمذكورات. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: (فَأَجره على الله) يشْعر بِالْوُجُوب على الله لكلمة: على وَأجِيب: بِأَن هَذَا وَارِد على سَبِيل التفخيم نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فقد وَقع أجره على الله} (النِّسَاء: ١٠٠) وَيتَعَيَّن حمله على غير ظَاهره للأدلة القاطعة على أَنه لَا يجب على الله شَيْء. وَمِنْهَا مَا قيل: لفظ الْأجر مشْعر بِأَن الثَّوَاب إِنَّمَا هُوَ مُسْتَحقّ كَمَا هُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة لَا مُجَرّد فضل كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أطلق الْأجر لِأَنَّهُ مشابه لِلْأجرِ، صُورَة لترتبه عَلَيْهِ.

١٢ - (بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَلَا يجوز فِيهِ الْإِضَافَة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن معنى الْبَاب الأول مُتَضَمّن معنى هَذَا الْبَاب، وَذَلِكَ لِأَن النُّقَبَاء من الْأَنْصَار، والانصار كلهم خيروا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبذلوا أَرْوَاحهم وَأَمْوَالهمْ فِي محبته فِرَارًا بدينهم من فتن الْكفْر والضلال، وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَاب يبين فِيهِ ترك الْمُسلم الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ ومعاشرتهم، واختياره الْعُزْلَة والانقطاع فِرَارًا بِدِينِهِ من فتن النَّاس والاختلاط بهم. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: بَاب من الْإِيمَان الْفِرَار من الْفِتَن، كَمَا ذكر هَكَذَا فِي أَكثر الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة والأبواب الْآتِيَة، وَأَيْضًا عقد الْكتاب فِي الْإِيمَان؟ قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليطابق التَّرْجَمَة الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ فِي

الْبَاب، فَإِن الْمَذْكُور فِيهِ الْفِرَار بِالدّينِ من الْفِتَن، وَلَا يحْتَاج أَن يُقَال: لما كَانَ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام مترادفين عِنْده. وَقَالَ الله تَعَالَى: {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} (آل عمرَان: ١٩) أطلق الدّين فِي مَوضِع الْإِيمَان. فَإِن قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من لفظ الحَدِيث عد الْفِرَار دينا، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانة للدّين، قلت: لم يرد بِكَلَامِهِ الْحَقِيقَة، لِأَن الْفِرَار لَيْسَ بدين، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن الْفِرَار للخوف على دينه من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين، وَلِهَذَا ذكره: بِمن، التبعيضية، وَتَقْدِير الْكَلَام: بَاب الْفِرَار من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين.

١٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عَن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوشِكُ أَن يَكُونَ خَيْرَ مالِ المُسِلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ.

الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة ظَاهِرَة على مَا ذكرنَا.

(بَيَان رِجَاله) : وهم خَمْسَة. الأول: عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، ابْن قعنب أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحَارِثِيّ الْبَصْرِيّ، وَكَانَ مجاب الدعْوَة، روى عَن: مَالك وَاللَّيْث بن سعد ومخرمة بن بكير وَابْن أبي ذِئْب، وَسمع من أَحَادِيث شُعْبَة حَدِيثا وَاحِدًا اتّفق على توثيقه وجلالته، وَأَنه حجَّة ثَبت رجل صَالح، وَقيل لمَالِك: إِن عبد الله قدم، فَقَالَ: قومُوا بِنَا إِلَى خير أهل الأَرْض. روى عَنهُ: البُخَارِيّ وَمُسلم وأكثرا، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى مُسلم عَن عبد بن حميد عَنهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْأَطْعِمَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِمَكَّة. الثَّانِي: مَالك بن أنس إِمَام دَار الْهِجْرَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، واسْمه عَمْرو بن زيد بن عَوْف بن منذول بن عَمْرو بن غنم بن مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ الْمَازِني الْمدنِي، ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. وَقَالَ الْخَطِيب فِي كِتَابه (رَافع الارتياب) : إِن الصَّوَاب عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي صعصعة، قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: وَوهم ابْن عُيَيْنَة حَيْثُ قَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لِمَ يخْتَلف على مَالك فِي اسْمه؟ قلت: فِي (الثِّقَات) لِابْنِ حبَان خالفهم مَالك، فَقَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. الرَّابِع: أَبوهُ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان، وروى لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَكَانَ جده شهد أحدا وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله عَنهُ، وَأَبوهُ عَمْرو مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة، قَتله بردع بن زيد بن عَامر بن سَواد بن ظفر من الْأَوْس، ثمَّ أسلم بردع وَشهد أحدا. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان بن عبيد، وَقيل: عبد بن ثَعْلَبَة بن عبيد بن الأبجر، وَهُوَ خدرة بن عَوْف بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ، وَزعم بَعضهم أَن خدرة هِيَ أم الأبجر، استصغر يَوْم أحد فرُدَّ، وغزا بعد ذَلِك اثْنَتَيْ عشرَة غَزْوَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسْتشْهدَ أَبوهُ يَوْم أحد، رُوِيَ لَهُ ألف حَدِيث وَمِائَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على سِتَّة وَأَرْبَعين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِسِتَّة عشر، وَمُسلم بِاثْنَتَيْنِ وَخمسين. روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، مِنْهُم: الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ووالده مَالك وَأَخُوهُ لأمه، قَتَادَة بن النُّعْمَان، وروى عَنهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهُم: ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَخلق من التَّابِعين، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَقيل: أَربع وَسبعين. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَاعْلَم أَن مِنْهُم من قَالَ: إِن اسْم أبي سعيد هَذَا: سِنَان بن مَالك بن سِنَان، وَالأَصَح مَا ذَكرْنَاهُ انه: سعد بن مَالك بن سِنَان، وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا: سعد بن أبي وَقاص مَالك وَسعد بن مَالك العذري قدم فِي وَفد عذرة.

(بَيَان الْأَنْسَاب) القعْنبِي: هُوَ عبد الله بن مسلمة، شيخ البُخَارِيّ، ونسبته إِلَى جده قعنب، والقعنب، فِي اللُّغَة: الشَّديد، وَمِنْه يُقَال للأسد، القعنب، وَيُقَال: القعنب: الثَّعْلَب الذّكر. والمازن فِي قبائل، فَفِي قيس بن غيلَان: مَازِن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان، وَفِي قيس بن غيلَان أَيْضا: مَازِن بن صعصعة. وَفِي فَزَارَة: مَازِن بن فَزَارَة، وَفِي ضبة: مَازِن بن كَعْب، وَفِي مذْحج: مَازِن بن ربيعَة، وَفِي الْأَنْصَار: مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج، وَفِي تَمِيم: مَازِن بن مَالك، وَفِي شَيبَان بن ذهل: مَازِن بن شَيبَان، وَفِي هُذَيْل: مَازِن بن مُعَاوِيَة، وَفِي الأزد: مَازِن بن الأزد. والخدري، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة

وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى خدرة: أحد أجداد أبي سعيد، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (ثقاته) فِي تَرْجَمَة أبي سعيد: إِن خدرة من الْيمن، وَمرَاده أَن الْأَنْصَار من الْيمن فهم بطن من الْأَنْصَار، وهم نفر قَلِيل بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ أَبُو عمر: خدرة وخدارة بطْنَان من الْأَنْصَار، فَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ من خدارة، وَأَبُو سعيد من خدرة، وهما إبنا عَوْف بن الْحَارِث كَمَا تقدم، وَضبط أَبُو عمر: خدارة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ خلاف مَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ من كَونه بِالْجِيم الْمَكْسُورَة، وَصَوَّبَهُ الرّشاطي، وَكَذَا نَص عَلَيْهِ العسكري فِي الصَّحَابَة، والحافظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي. وَاعْلَم أَن الْخُدْرِيّ، بِالضَّمِّ، يشْتَبه بالخدري، بِالْكَسْرِ، نِسْبَة إِلَى: خدرة، بطن من ذهل بن شَيبَان، وبالخدري، بِفَتْح الْخَاء وَالدَّال، وَهُوَ مُحَمَّد بن حسن مُتَأَخّر، روى عَن أبي حَاتِم، وبالجدري بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال، وَهُوَ عُمَيْر بن سَالم، وبكسر الْجِيم وَسُكُون الدَّال: الجدري، نِسْبَة إِلَى جدرة بطن من كَعْب.

(بَيَان لطائف الْإِسْنَاد) : مِنْهَا: أَن هَذَا الاسناد كُله مدنيون، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ فَرد تحديث وَالْبَاقِي عنعنة، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) : هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَرَوَاهُ هَهُنَا عَن القعْنبِي، وَفِي الْفِتَن عَن ابْن يُوسُف، وَفِي إِسْنَاد الْكتاب عَن إِسْمَاعِيل ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك بِهِ، وَفِي الرقَاق وعلامات النُّبُوَّة عَن أبي نعيم عَن الْمَاجشون عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ، وَهُوَ من أَحَادِيث مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَزعم الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (مستخرجه) أَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ عَن معن عَن مَالك، فَجعله من قَول أبي سعيد لم يُجَاوِزهُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أسْندهُ ابْن وهب التنيسِي، وسُويد وَغَيرهم والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا.

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (يُوشك) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الشين الْمُعْجَمَة. أَي: يقرب، وَيُقَال فِي ماضيه: أوشك، وَمن أنكر اسْتِعْمَاله مَاضِيا فقد غلط، فقد كثر اسْتِعْمَاله. قَالَ الْجَوْهَرِي: أوشك فلَان يُوشك: إيشاكاً أَي: أسْرع، قَالَ جرير:

(إِذا جهل اللَّئِيم وَلم يقدر ... لبَعض الْأَمر أوشك أَن يصابا)

قَالَ: والعامة تَقول: يُوشك، بِفَتْح الشين، وَهِي لُغَة رَدِيئَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: واشك يواشك وشاكاً. مثل: أوشك، وَيُقَال: إِنَّه مواشك أَي: مسارع. وَفِي (الْعباب) قَوْلهم: وَشك ذَا خُرُوجًا بِالضَّمِّ يُوشك أَي: يسْرع، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الوشك السرعة، وَيُقَال: الوشك والوشك، وَدفع الْأَصْمَعِي الوشك يَعْنِي: بِالْكَسْرِ، وَقَالَ الْكسَائي: عجبت من وشكان ذَلِك الْأَمر، وَمن وشكانه أَي: من سرعته، وَفِي الْمثل: وشكان مَاذَا إذابةً وحقناً أَي: مَا أسْرع مَا أذيب هَذَا السّمن وحقن، وَنصب إذابة، وحقناً على الْحَال، وَإِن كَانَا مصدرين كَمَا يُقَال: سرع ذَا مذاباً ومحقوناً، وَيجوز أَن يحمل على التَّمْيِيز، كَمَا يُقَال: حسن زيد وَجها يضْرب فِي سرعَة وُقُوع الْأَمر، وَلمن يخبر بالشَّيْء قبل أَوَانه، وَيُقَال: وشكان ذَا إهالة. فَإِن قلت: هَل يسْتَعْمل اسْم الْفَاعِل؟ قلت: نعم، وَلكنه نَادِر، قَالَ كثير بن عبد الرَّحْمَن:

(فَإنَّك موشك أَن لَا ترَاهَا ... وتغدو دون غاضرة العوادي)

وغاضرة، بالمعجمتين، اسْم جَارِيَة أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، أُخْت عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ، والعوادي: عوائق الدَّهْر وموانعه. قَوْله: (غنم) الْغنم اسْم مؤنث مَوْضُوع للْجِنْس، يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث جَمِيعًا، وعَلى الذُّكُور وحدهم وعَلى الأناث وَحدهَا. فَإِذا صغرتها الحقتها الْهَاء، فَقلت: غنيمَة، لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين، فالتأنيث لَازم لَهَا، وَيُقَال: لَهَا خمس من الْغنم ذُكُور، فيؤنث الْعدَد لِأَن الْعدَد يجْرِي على تذكيره وتأنيثه على اللَّفْظ لَا على الْمَعْنى، قَوْله: (يتبع) بتَشْديد التَّاء وتخفيفها، فَالْأول: من بَاب الافتعال من: اتبع اتبَاعا، وَالثَّانِي: من تبع بِكَسْر الْبَاء يتبع بِفَتْحِهَا تبعا بِفتْحَتَيْنِ وتباعة بِالْفَتْح، يُقَال: تبِعت الْقَوْم إِذا مَشى خَلفهم، أَو مروا بِهِ فَمضى مَعَهم، قَوْله: (شعف الْجبَال) بشين مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَعين مُهْملَة مَفْتُوحَة، جمع: شعفة، بِالتَّحْرِيكِ، رَأس الْجَبَل، وَيجمع أَيْضا على شعوف وشعاف وشعفات قَالَه فِي (الْعباب) . وَفِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: إِن الشعاف بِالْكَسْرِ، وَعَن ابْن قُتَيْبَة شعفة كل شي أَعْلَاهُ. قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَي: الْمَطَر، والمواقع جمع موقع بِكَسْر الْقَاف، وَهُوَ مَوضِع نزُول الْمَطَر. قَوْله: (يفر) من فر يفر فِرَارًا ومفراً، إِذا

هرب، والمفر بِكَسْر الْفَاء مَوضِع الْفِرَار، والفتن جمع فتْنَة، وأصل الْفِتْنَة الاختبار، يُقَال: فتنت الْفضة على النَّار، إِذا خلصتها، ثمَّ اسْتعْملت فِيمَا أخرجه الاختبار للمكروه، ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي أَبْوَاب الْمَكْرُوه، فجَاء مرّة بِمَعْنى الْكفْر، كَقَوْلِه تَعَالَى: {والفتنة أكبر من الْقَتْل} (الْبَقَرَة: ٢١٧) وَيَجِيء للإثم، كَقَوْلِه تَعَالَى: {أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا} (التَّوْبَة: ٤٩) وَيكون بِمَعْنى الإحراق، كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} (البروج: ١٠) أَي: حرقوهم، وَيَجِيء بِمَعْنى الصّرْف عَن الشَّيْء، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك} (الْإِسْرَاء: ٧٣) .

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (يُوشك) من أَفعَال المقاربة عِنْد النُّحَاة وضع لدنو الْخَبَر أخذا فِيهِ، وَهُوَ مثل: كَاد وَعَسَى فِي الِاسْتِعْمَال، فَيجوز: أوشك زيد يَجِيء، وَأَن يَجِيء، وأوشك أَن يَجِيء زيد على الْأَوْجه الثَّلَاثَة، وَخَبره يكون فعلا مضارعاً مَقْرُونا بِأَن وَقد يسند إِلَى: أَن، كَمَا قُلْنَا فِي الْأَوْجه الثَّلَاثَة، والْحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل حَيْثُ أسْند يُوشك إِلَى أَن، وَالْفِعْل الْمُضَارع، فسد ذَلِك مسد اسْمه وَخَبره، وَمثله قَول الشَّاعِر:

(يُوشك أَن يبلغ مُنْتَهى الْأَجَل ... فالبر لَازم برجا ووجل)

قَوْله: (خير) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء وَخَبره، قَوْله: (غنم) ، وَيكون: فِي يكون، ضمير الشَّأْن لِأَنَّهُ كَلَام تضمن تحذيراً وتعظيماً لما يتَوَقَّع، وَأما النصب فعلى كَونه خبر يكون مقدما على اسْمه، وَهُوَ قَوْله: (غنم) . وَلَا يضركون غنم نكرَة لِأَنَّهَا وصفت بقوله: (يتبع بهَا) وَقد روى غنما بِالنّصب وَهُوَ ظَاهر، وَالْأَشْهر فِي الرِّوَايَة نصب خبر، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالرَّفْع، وَالضَّمِير فِي: بهَا، يرجع إِلَى الْغنم، وَقد ذكرنَا أَنه اسْم جنس يجوز تأنيثه بِاعْتِبَار معنى الْجمع، قَوْله: (شعف الْجبَال) كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول يتبع؛ قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَيْضا، كَلَام إضافي مَنْصُوب عطفا على شعف الْجبَال. قَوْله: (يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) أَي: من فَسَاد ذَات الْبَين وَغَيرهَا، وَقَوله: يفر جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى الْمُسلم، وَهِي فِي مَحل النصب على الْحَال، أما من الضَّمِير الَّذِي فِي يتبع أَو من الْمُسلم، وَيجوز وُقُوع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} (النِّسَاء: ١٢٥) فَإِن قلت: إِنَّمَا يَقع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ الْمُضَاف جزأ من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو فِي حكمه كَمَا فِي: رَأَيْت وَجه هِنْد قَائِمَة، فَإِنَّهُ يجوز، وَلَا يجوز قَوْلك: رَأَيْت غُلَام هِنْد قَائِمَة، وَالْمَال لَيْسَ بِجُزْء للْمُسلمِ. قلت: المَال لشدَّة ملابسته بِذِي المَال كَأَنَّهُ جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْملَّة لَيْسَ بِجُزْء لإِبْرَاهِيم حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة الْجُزْء مِنْهُ. وَيجوز أَن تكون هَذِه الْجُمْلَة استئنافية، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَيقدر ذَلِك بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْمقَام، وَالْبَاء فِي (بِدِينِهِ) للسَّبَبِيَّة، وَكلمَة: من فِي قَوْله: (من الْفِتَن) ابتدائية تَقْدِيره: يفر بِسَبَب دينه ومنشأ فراره الدّين، وَيجوز أَن تكون الْبَاء، للمصاحبة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اهبط بِسَلام} (هود: ٤٨) أَي: مَعَه.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) : وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ فضل الْعُزْلَة فِي أَيَّام الْفِتَن إلَاّ أَن يكون الْإِنْسَان مِمَّن لَهُ قدرَة على إِزَالَة الْفِتْنَة، فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ السَّعْي فِي إِزَالَتهَا، إِمَّا فرض عين وَإِمَّا فرض كِفَايَة بِحَسب الْحَال والإمكان، وَأما فِي غير أَيَّام الْفِتْنَة فَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْعُزْلَة والاختلاط أَيهمَا أفضل؟ قَالَ النَّوَوِيّ: مَذْهَب الشَّافِعِي والأكثرين إِلَى تَفْضِيل الْخلطَة لما فِيهَا من اكْتِسَاب الْفَوَائِد، وشهود شَعَائِر الْإِسْلَام، وتكثير سَواد الْمُسلمين، وإيصال الْخَيْر إِلَيْهِم وَلَو بعيادة المرضى، وتشييع الْجَنَائِز، وإفشاء السَّلَام، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، والتعاون على الْبر وَالتَّقوى، وإعانة الْمُحْتَاج، وَحُضُور جماعاتهم وَغير ذَلِك مِمَّا يقدر عَلَيْهِ كل أحد، فَإِن كَانَ صَاحب علم أَو زهد تَأَكد فضل اخْتِلَاطه. وَذهب آخَرُونَ إِلَى تَفْضِيل الْعُزْلَة لما فِيهَا من السَّلامَة المحققة، لَكِن بِشَرْط أَن يكون عَارِفًا بوظائف الْعِبَادَة الَّتِي تلْزمهُ وَمَا يُكَلف بِهِ، قَالَ: وَالْمُخْتَار تَفْضِيل الْخلطَة لمن لَا يغلب على ظَنّه الْوُقُوع فِي الْمعاصِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُخْتَار فِي عصرنا تَفْضِيل الانعزال لندور خلو المحافل عَن الْمعاصِي. قلت: أَنا مُوَافق لَهُ فِيمَا قَالَ، فَإِن الِاخْتِلَاط مَعَ النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان لَا يجلب إِلَّا الشرور. الثَّانِي: فِيهِ الِاحْتِرَاز عَن الْفِتَن، وَقد خرجت جمَاعَة من السّلف عَن أوطانهم وتغربوا خوفًا من الْفِتْنَة، وَقد خرج سَلمَة بن الْأَكْوَع إِلَى الربذَة فِي فتْنَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ. الثَّالِث: فِيهِ دلَالَة على فَضِيلَة الْغنم واقتنائها على مَا نقُول عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الرَّابِع: فِيهِ إِخْبَار بِأَنَّهُ يكون فِي آخر الزَّمَان فتن وَفَسَاد بَين النَّاس، وَهَذَا من جملَة معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

(الأسئلة والأجوبة) . مِنْهَا مَا قيل: لِمَ قيد بالغنم؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا النَّوْع من المَال نموه وزيادته أبعد من الشوائب الْمُحرمَة كالربا والشبهات الْمَكْرُوهَة، وخصت الْغنم بذلك لما فِيهَا من السكينَة وَالْبركَة، وَقد رعاها الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَعَ أَنَّهَا سهلة الانقياد خَفِيفَة المؤونة كَثِيرَة النَّفْع. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قيد الِاتِّبَاع بالمواضع الخالية مثل شعف الْجبَال وَنَحْوهَا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهَا أسلم غَالِبا من المعادلات المؤدية إِلَى الكدورات. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه كَون الْغنم خير مَال الْمُسلم؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لما كَانَ فِيهَا الْجمع بَين الرِّفْق وَالرِّبْح وصيانة الدّين، كَانَت خير الْأَمْوَال الَّتِي يعْنى بهَا الْمُسلم، وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قيد الِاتِّبَاع الْمَذْكُور بقوله: (يفر بِدِينِهِ) من الْفِتَن وَأجِيب: للإشعار بِأَن هَذَا الِاتِّبَاع يَنْبَغِي أَن يكون استعصاماً للدّين لَا لِلْأَمْرِ الدنيوي كَطَلَب كَثْرَة الْعلف وَقلة أطماع النَّاس فِيهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ يجمع بَين مُقْتَضى هَذَا الحَدِيث من اخْتِيَار الْعُزْلَة، وَبَين مَا ندب إِلَيْهِ الشَّارِع من اخْتِلَاط أهل الْمحلة لإِقَامَة الْجَمَاعَة، وَأهل السوَاد مَعَ أهل الْبَلدة للعيد وَالْجُمُعَة، وَأهل الْآفَاق لوقوف عَرَفَة؟ وَفِي الْجُمْلَة اهتمام الشَّارِع بالاجتماع مَعْلُوم، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء: يجوز نقل اللَّقِيط من الْبَادِيَة إِلَى الْقرْيَة وَمن الْقرْيَة إِلَى الْبَلَد لاعكسهما؛ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك عِنْد عدم الْفِتْنَة وَعدم وُقُوعه فِي الْمعاصِي وَعند الِاجْتِمَاع بالجلساء الصلحاء، وَأما اتِّبَاع الشعف والمقاطر وَطلب الْخلْوَة والانقطاع إِنَّمَا هُوَ فِي أضداد هَذِه الْحَالَات.

١٣ - (بَاب قَوْلِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّه، وأنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} )

أَي: هَذَا بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْإِضَافَة هَهُنَا متعينة. وَقَوله: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) مقول القَوْل، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَهُوَ لفظ الحَدِيث الَّذِي أوردهُ فِي جَمِيع طرقه، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: أعرفكُم، فَعَن قريب يَأْتِي الْفرق بَين الْمعرفَة وَالْعلم.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ: أَن الْبَاب الأول يبين فِيهِ أَن من الدّين الْفِرَار من الْفِتَن، وَهَذَا لَا يكون إلَاّ على قدر قُوَّة دين الرجل حَيْثُ يحفظ دينه ويعتزل النَّاس خوفًا من الْفِتَن، وَقُوَّة الدّين تدل على قُوَّة الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى، فَكلما كَانَ الرجل أقوى فِي دينه كَانَ أقوى فِي معرفَة ربه، وَمن هَذَا الْبَاب يبين أَن أعرف النَّاس بِاللَّه تَعَالَى هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَا جرم هُوَ أقوى دينا من الْكل. وَبَقِي الْكَلَام هَهُنَا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. الأول: أَن هَذَا كتاب الْإِيمَان، فَمَا وَجه تعلق هَذِه التَّرْجَمَة بِالْإِيمَان. وَالثَّانِي: مَا مُنَاسبَة قَوْله: (وَأَن الْمعرفَة فعل الْقلب) بِمَا قبله، وَلَا تعلق للْحَدِيث بِهِ أصلا وَلَا دلَالَة لَهُ عَلَيْهِ لَا عقلا وَلَا وضعا. وَالثَّالِث: مَا مُنَاسبَة ذكر قَوْله تَعَالَى: {وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٥) هَهُنَا فَلَا تعلق لَهُ بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ فِي الْإِيمَان، وَلَا تعلق لَهُ بِالْبَابِ أَيْضا. قلت: أما وَجه الأول: فَهُوَ أَن الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وَالْعلم بِهِ من الْإِيمَان، فحينئذٍ دخل فِي كتاب الْإِيمَان، وَفِيه رد على الكرامية لأَنهم يَقُولُونَ: إِن الْإِيمَان مُجَرّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَزَعَمُوا أَن الْمُنَافِق مُؤمن فِي الظَّاهِر وَكَافِر فِي السريرة، فَيثبت لَهُ حكم الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا وَحكم الْكَافرين فِي الْآخِرَة، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِالرَّدِّ عَلَيْهِم: بِأَن الْإِيمَان، هُوَ أَو بعضه، فعل الْقلب بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. وَأما وَجه الثَّانِي: فَهُوَ أَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، لما أَرَادوا أَن يزِيدُوا أَعْمَالهم على عمل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُم: لَا يتهيأ لكم لِأَنِّي أعلمكُم، وَالْعلم من جملَة الْأَفْعَال، بل من أشرفها لِأَنَّهُ عمل الْقلب، فَنَاسَبَ قَوْله: (وَأَن الْمعرفَة فعل الْقلب) بِمَا قبله. وَأما وَجه الثَّالِث: فَهُوَ أَنه أَرَادَ أَن يسْتَدلّ بِالْآيَةِ على أَن الْإِيمَان بالْقَوْل وَحده لَا يتم، وَلَا بُد من انضمام العقيدة إِلَيْهِ، وَلَا شكّ أَن الِاعْتِقَاد فعل الْقلب فَهُوَ مُنَاسِب لقَوْله: (وَأَن الْمعرفَة فعل الْقلب) . وَلَا يضر استدلاله كَون مورد الْآيَة فِي الْأَيْمَان بِالْفَتْح، لِأَن مدَار الْعلم فِيهَا أَيْضا على عمل الْقلب، فنبه البُخَارِيّ هَهُنَا على شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: الرَّد على الكرامية الَّذِي هُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بِالْوَجْهِ الَّذِي ذكرنَا وَالْآخر: الدَّلِيل على زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه على مُقْتَضى مذْهبه، لِأَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) يدل ظَاهرا على أَن النَّاس متفاوتون فى معرفَة الله تَعَالَى، وَأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ أعلمهم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون الْإِيمَان قَابلا للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان. قَوْله: (وَأَن الْمعرفَة) بِفَتْح الْهمزَة عطفا على القَوْل لَا على الْمَقُول، وإلَاّ لَكَانَ تَكْرَارا، إِذْ الْمَقُول وَمَا عطف عَلَيْهِ حكمهمَا وَاحِد، وَيجوز كسر: إِن وَيكون كلَاما مستأنفاً، قَوْله: (لقَوْل الله تَعَالَى) اسْتِدْلَال

بِهَذِهِ الْآيَة على أَن الْإِيمَان بالْقَوْل وَحده لَا يتم. قَوْله: (بِمَا كسبت قُلُوبكُمْ) أَي: بِمَا عزمت عَلَيْهِ قُلُوبكُمْ وقصدتموه، إِذْ كسب الْقلب عزمه وَنِيَّته، وَفِي الْآيَة دَلِيل لما عَلَيْهِ الْجُمْهُور، أَن أَفعَال الْقُلُوب إِذا اسْتَقَرَّتْ يُؤَاخذ بهَا، وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: (إِن الله تجَاوز لأمتي مَا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم يتكلموا أَو يعملوا بِهِ) ، مَحْمُول على مَا إِذا لم يسْتَقرّ، وَذَلِكَ مَعْفُو عَنهُ بِلَا شكّ، لِأَنَّهُ لَا يُمكن الانفكاك عَنهُ بِخِلَاف الِاسْتِقْرَار. فَإِن قلت: مَا حَقِيقَة الْمعرفَة؟ قلت: فِي اللُّغَة الْمعرفَة: مصدر عَرفته أعرفهُ، وَكَذَلِكَ الْعرْفَان، وَأما فِي اصْطِلَاح أهل الْكَلَام فَهِيَ معرفَة الله تَعَالَى بِلَا كَيفَ وَلَا تَشْبِيه. وَالْفرق بَينهمَا وَبَين الْعلم: أَن الْمعرفَة عبارَة عَن الْإِدْرَاك الجزئي، وَالْعلم عَن الْإِدْرَاك الْكُلِّي. وَبِعِبَارَة أُخْرَى: الْعلم إِدْرَاك المركبات، والمعرفة إِدْرَاك البسائط وَهَذَا مُنَاسِب لما يَقُوله أهل اللُّغَة من: أَن الْعلم يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، والمعرفة إِلَى مفعول وَاحِد. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: أجمع الْعلمَاء على وجوب معرفَة الله تَعَالَى، وَقد اسْتدلَّ عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إلَاّ الله} (مُحَمَّد: ١٩) وَاخْتلف فِي أول وَاجِب على الْمُكَلف، فَقيل: معرفَة الله تَعَالَى، وَقيل: النّظر، وَقيل: الْقَصْد إِلَى النّظر الصَّحِيح. وَقَالَ الإِمَام: الَّذِي أرَاهُ أَنه لَا اخْتِلَاف بَينهمَا، فَإِن أول وَاجِب خطابا ومقصوداً: الْمعرفَة، وَأول وَاجِب اشتغالاً واداءً: الْقَصْد فَإِن مَا لَا يتَوَصَّل إِلَى الْوَاجِب إلَاّ بِهِ فَهُوَ وَاجِب، وَلَا يتَوَصَّل إِلَى المعارف إلَاّ بِالْقَصْدِ.

٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلَامٍ قَالَ أخْبَرَنَا عَبْدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالتْ كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أَمَرَهُمْ أمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِما يُطِيقُونَ قَالُوا إنَّا لسْنَا كَهْيَئتِكَ يَا رسولَ اللَّهِ إنّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ فَيَغْضَبُ حَتى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وجْهِهِ ثمَّ يَقُولُ إنَّ أَتْقاكُمْ وأَعْلَمَكُمْ باللَّهِ أَنَا.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، فَإِنَّهَا جُزْء مِنْهُ.

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلام بن الْفرج السّلمِيّ، مَوْلَاهُم، البُخَارِيّ البيكندي، سمع ابْن عُيَيْنَة وَابْن الْمُبَارك وَغَيرهمَا من الْأَعْلَام، وَعنهُ الْأَعْلَام الْحفاظ: كالبخاري وَنَحْوه، انفق فِي الْعلم أَرْبَعِينَ ألفا، وَمثلهَا فِي نشره، وَيُقَال: إِن الْجِنّ كَانَت تحضر مَجْلِسه، وَقَالَ: أدْركْت مَالِكًا وَلم أسمع مِنْهُ، وَكَانَ أَحْمد يعظمه، وَعنهُ أحفظ أَكثر من خَمْسَة آلَاف حَدِيث كذب، وَله رحْلَة ومصنفات فِي أَبْوَاب من الْعلم، وانكسر قلمه فِي مجْلِس شيخ فَأمر أَن يُنَادى: قلم بِدِينَار، فطارت إِلَيْهِ الأقلام، توفّي سنة خمس وَعشْرين ومائيتن، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِهِ عَن الْكتب السِّتَّة. ثمَّ اعْلَم أَن: سَلاما، وَالِد مُحَمَّد الْمَذْكُور بِالتَّخْفِيفِ على الصَّوَاب، وَبِه قطع الْمُحَقِّقُونَ، مِنْهُم: الْخَطِيب وَابْن مَاكُولَا، وَهُوَ مَا ذكره غبخار فِي (تَارِيخ بخاري) ، وَهُوَ أعلم ببلاده، وَحَكَاهُ أَيْضا عَنهُ فَقَالَ: قَالَ سهل بن المتَوَكل: سَمِعت مُحَمَّد بن سَلام يَقُول: أَنا مُحَمَّد بن سَلام، بِالتَّخْفِيفِ، وَلست بِمُحَمد بن سَلام، وَذكر بعض الْحفاظ أَن تشديده لحن، وَأما صَاحب (الْمطَالع) فَادّعى أَن التَّشْدِيد رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَكثر شُيُوخ بَلَده. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لَا يُوَافق على هَذِه الدَّعْوَى، فَإِنَّهَا مُخَالفَة للمشهور. الثَّانِي: أَبُو مُحَمَّد عَبدة، بِسُكُون الْبَاء، ابْن سُلَيْمَان بن حَاجِب بن زُرَارَة بن عبد الرَّحْمَن بن صرد بن سمير بن مليك بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الْكلابِي الْكُوفِي، هَكَذَا نسبه مُحَمَّد بن سعد فِي (الطَّبَقَات) ، وَقيل: اسْمه عبد الرَّحْمَن، وَعَبدَة لقبه، سمع جمَاعَة من التَّابِعين، مِنْهُم: هِشَام وَالْأَعْمَش، وَعنهُ الْأَعْلَام: أَحْمد وَغَيره. قَالَ أَحْمد: ثِقَة ثِقَة وَزِيَادَة مَعَ صَلَاح، وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة رجل صَالح صَاحب قُرْآن، توفّي بِالْكُوفَةِ فِي جُمَادَى، وَقيل: فِي رَجَب سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة؛ قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ البُخَارِيّ: سنة سبع، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا، وَقد ذكرُوا فِي بَاب الْوَحْي.

(بَيَان الْأَنْسَاب) السّلمِيّ، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام، فِي قيس غيلَان، وَفِي الأزد، فَالَّذِي فِي قيس غيلَان: سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان، وَالَّذِي فِي الأزد: سليم بن بهم بن غنم بن دوس، وَهُوَ من شَاذ النّسَب، وَقِيَاسه: سليمي. البُخَارِيّ: نِسْبَة إِلَى بُخَارى، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، مَدِينَة مَشْهُورَة بِمَا وَرَاء النَّهر، خرجت مِنْهَا

الْعلمَاء والصلحاء، ويشتمل على بُخَارى وعَلى قراها ومزارعها سور وَاحِد نَحْو اثْنَي عشر فرسخاً، فِي مثلهَا، وَقَالَ ابْن حوقل: ورساتيق بُخَارى تزيد على خَمْسَة عشر رستاقاً، جَمِيعهَا دَاخل الْحَائِط الْمَبْنِيّ على بلادها، وَلها خَارج الْحَائِط أَيْضا عدَّة مدن مِنْهَا: فربر وَغَيرهَا. البيكندي: بباء مُوَحدَة مكسوة ثمَّ يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ كَاف مَفْتُوحَة ثمَّ نون سَاكِنة، نِسْبَة إِلَى بيكند، بَلْدَة من بِلَاد بُخَارى على مرحلة مِنْهَا، خربَتْ، وَيُقَال: الباكندي أَيْضا، وَيُقَال بِالْفَاءِ أَيْضا: الفاكندي، وينسب إِلَيْهَا ثَلَاثَة أنفس انْفَرد البُخَارِيّ بهم، أحدهم: مُحَمَّد بن سَلام الْمَذْكُور، وثانيهم: مُحَمَّد بن يُوسُف، وثالثهم: يحيى بن جَعْفَر الْكلابِي فِي قيس غيلَان ينْسب إِلَى: كلاب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوزان بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان.

(بَيَان لطائف أسناده) : مِنْهَا: أَن فِيهِ تحديثاً وإخباراً وعنعنة، والإخبار فِي قَوْله: أخبرنَا عُبَيْدَة بن سُلَيْمَان، وفى رِوَايَة الْأصيلِيّ، حَدثنَا. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده مُشْتَمل على: بخاري وكوفي ومدني، وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء.

(بَيَان من أخرجه) هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَهُوَ من غرائب الصَّحِيح، لَا يعرف إلَاّ من هَذَا الْوَجْه، وَهُوَ مَشْهُور عَن هِشَام، فَرد مُطلق من حَدِيثه، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة.

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (بِمَا يُطِيقُونَ) من: أطَاق يُطيق إطاقة، وطوقتك الشَّيْء أَي: كلفتك بِهِ. قَوْله (كهيئتك) الْهَيْئَة الْحَالة وَالصُّورَة، وَفِي (الْعباب) الْهَيْئَة الشاردة، وَفُلَان حسن الْهَيْئَة، والهيئة بِالْفَتْح وَالْكَسْر، والهيء على فيعل: الْحسن الْهَيْئَة من كل شَيْء يُقَال: هَاء يهاء هَيْئَة. قَوْله: (إِن الله قد غفر) الغفر فِي اللُّغَة السّتْر. وَفِي (الْعباب) : الغفر التغطية، والغفر والغفران وَالْمَغْفِرَة وَاحِد، ومغفرة الله لعَبْدِهِ إلباسه إِيَّاه الْعَفو، وَستر ذنُوبه. قَوْله: (فيغضب) من غضب عَلَيْهِ غَضبا ومغضبة أَي: سخط، وَقَالَ ابْن عَرَفَة الْغَضَب من المخلوقين شَيْء يداخل قُلُوبهم، وَيكون مِنْهُ مَحْمُود ومذموم، والمذموم مَا كَانَ فِي غير الْحق، وَأما غضب الله تَعَالَى فَهُوَ إِنْكَاره على من عَصَاهُ فيعاقبه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله: إِن الله يغْضب ويرضى لَا كَأحد من الورى، قَالَ فِي (الْعباب) : وأصل التَّرْكِيب يدل على شدَّة وَقُوَّة.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) اسْم كَانَ، وَخَبره قَوْله: إِذا أَمرهم، قَوْله: (قَالُوا) جَوَاب: إِذا، قَوْله: (لسنا كهيئتك) ، لَيْسَ المُرَاد نفي تَشْبِيه ذواتهم بحالته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَا بُد من تَأْوِيل فِي أحد الطَّرفَيْنِ، فَقيل: المُرَاد كهيئتك: كمثلك، أَي: كذاتك، أَو: كنفسك، وَزيد لفظ الْهَيْئَة للتَّأْكِيد، نَحْو: مثلك لَا يبخل أَو التَّقْدِير فِي لسنا: لَيْسَ حَالنَا، فَحذف الْحَال وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه، واتصل الْفِعْل بالضمير فَقيل: لسنا، فالنون اسْم لَيْسَ، وَخَبره قَوْله: كهيئتك، قَوْله: (مَا تقدم) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول غفر، وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة وَقَوله: (وَمَا تَأَخّر) عطف عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: وَمَا تَأَخّر من ذَنْبك. قَوْله: (فيغضب) على صُورَة الْمُضَارع، فَهُوَ وَإِن كَانَ بِلَفْظ الْمُضَارع وَلَكِن الْمَقْصُود حِكَايَة الْحَال الْمَاضِيَة، واستحضار تِلْكَ الصُّورَة الْوَاقِعَة للحاضرين، وَفِي أَكثر النّسخ: فَغَضب، بِلَفْظ الْمَاضِي، قَوْله: (حَتَّى يعرف الْغَضَب) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْغَضَب مَرْفُوع بِهِ، وَإِمَّا يعرف فَإِنَّهُ مَنْصُوب بِتَقْدِير: أَن، أَي: حَتَّى أَن يعرف الْغَضَب، وَالنّصب هُوَ الرِّوَايَة، وَيجوز فِيهِ الرّفْع بِأَن يكون عطفا على: فيغضب، فَافْهَم. قَوْله: (إِن أَتْقَاكُم) أَي: أَكْثَرَكُم تقوى وخشية من الله تَعَالَى، واتقاكم: اسْم إِن، و: أعلمكُم، عطف عَلَيْهِ، وَقَوله: أَنا، خَبره، وَفِي كتاب أبي نعيم: (وَأعْلمكُمْ بِاللَّه لأَنا) بِزِيَادَة لَام التَّأْكِيد.

(بَيَان الْمعَانِي) : قَوْله: (إِذا أَمرهم من الْأَعْمَال) أَي: إِذا أَمر النَّاس بِعَمَل أَمرهم بِمَا يُطِيقُونَ ظَاهره أَنه كَانَ يكلفهم بِمَا يُطَاق فعله، لَكِن السِّيَاق دلّ على أَن المُرَاد أَنه يكلفهم بِمَا يُطَاق الدَّوَام على فعله، وَوَقع فِي مُعظم الرِّوَايَات: (كَانَ إِذا أَمرهم أَمرهم من الْأَعْمَال) بتكرار أَمرهم، وَفِي بَعْضهَا أَمرهم مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ الَّذِي وَقع فِي طرق هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عَبدة، وَكَذَا من طَرِيق ابْن نمير وَغَيره، عَن هِشَام عِنْد أَحْمد، وَكَذَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة أبي أُسَامَة، عَن هِشَام وَلَفظه: (كَانَ إِذا أَمر النَّاس بالشَّيْء قَالُوا) ، وَالْمعْنَى على التكرير: كَانَ إِذا أَمرهم بِعَمَل من الْأَعْمَال أَمرهم بِمَا يُطِيقُونَ الدَّوَام عَلَيْهِ، فَأَمرهمْ: الثَّانِي يكون جَوَاب الشَّرْط. فَإِن قلت: فعلى هَذَا مَا يكون قَوْله: قَالُوا؟ قلت: يكون جَوَابا ثَانِيًا. قَوْله

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19 / 29.5
الإضاءة 81%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
الحمد لله