الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٦
الحديث رقم ٢٥٦ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أفاض على رأسه ثلاثا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ لِي جَابِرٌ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
غُرُفَاتٍ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ شُعْبَةُ: أَظُنُّهُ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَفِيهِ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ، فَقَالَ جَابِرٌ: شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرِكَ وَأَطْيَبَ.
٢٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ لِي جَابِرُ: وَأَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ - يُعَرِّضُ بِالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ - قَالَ: كَيْفَ الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ، وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، فَقَالَ لِي الْحَسَنُ: إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ، فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ وَبِهِ جَزَمَ الْحَاكِمُ، وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ سَامٍ فَيُقَالُ: مَعْمَرُ بْنُ سَامٍ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ عَمِّكَ) فِيهِ تَجَوُّزٌ، فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّ وَالِدِهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَنَفِيَّةُ كَانَتْ زَوْجَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ فَاطِمَةَ ﵂ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا فَاشْتُهِرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا. وَقَوْلُ جَابِرٍ أَتَانِي يُشْعِرُ بِأَنَّ سُؤَالَ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَانَ فِي غَيْبَةِ أَبِي جَعْفَرٍ فَهُوَ غَيْرُ سُؤَالِ أَبِي جَعْفَرٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَنِ الْكَمِّيَّةِ كَمَا أَشْعَرَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ يَكْفِيكَ صَاعٌ وَهَذَا عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ كَيْفَ الْغُسْلُ، وَلَكِنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا هُوَ الْمُنَازِعُ لِجَابِرٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ فِي جَوَابِ الْكَمِّيَّةِ مَا يَكْفِينِي أَيِ الصَّاعُ وَلَمْ يُعَلِّلْ، وَقَالَ فِي جَوَابِ الْكَيْفِيَّةِ إِنِّي كَثِيرُ الشَّعْرِ أَيْ فَأَحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غُرُفَاتٍ، فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ فِي جَوَابِ الْكَيْفِيَّةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ شَعْرًا مِنْكَ وَأَطْيَبَ أَيْ وَاكْتَفَى بِالثَّلَاثِ فَاقْتَضَى أَنَّ الْإِنْقَاءَ يَحْصُلُ بِهَا، وَقَالَ فِي جَوَابِ الْكَمِّيَّةِ مَا تَقَدَّمَ، وَنَاسَبَ ذِكْرَ الْخَيْرِيَّةِ ; لِأَنَّ طَلَبَ الِازْدِيَادِ مِنَ الْمَاءِ يُلْحَظُ فِيهِ التَّحَرِّي فِي إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَكَانَ ﷺ سَيِّدَ الْوَرِعِينَ وَأَتْقَى النَّاسِ لِلَّهِ وَأَعْلَمَهُمْ بِهِ. وَقَدِ اكْتَفَى بِالصَّاعِ، فَأَشَارَ جَابِرٌ إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا اكْتَفَى بِهِ تَنَطُّعٌ قَدْ يَكُونُ مَثَارُهُ الْوَسْوَسَةَ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ أَكُفٍّ) وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَهِيَ جَمْعُ كَفٍّ وَالْكَفُّ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْخُذُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَفَّيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَبَسَطَ يَدَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ الَّذِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَالْكَفُّ اسْمُ جِنْسٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْغُرُفَاتِ الثَّلَاثُ لِلتَّكْرَارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ جِهَةٍ مِنَ الرَّأْسِ غُرْفَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَرِيبًا.
٥ - بَاب الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً
٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الشِّين المُعجَمة، المُلقَّب ببندارٍ، وليس هو يسارًا بمُثنَّاةٍ تَحتِيَّةٍ ومُهمَلَةٍ مُخفَّفةٍ، وليس في «الصَّحيحين» محمَّد بن بشَّارٍ غيره (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ) بكسر الميم وسكون المُعجَمة، ولابن عساكر: «مُخوَّل» بضمِّ الميم وتشديد الواوِ المفتوحة، وكذا ضبطه الحاكم كما عزاه في هامش (١) فرع «اليونينيَّة» لعياضٍ النَّهديِّ -بالنُّون- الكوفيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أبي جعفرٍ الباقر (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْرِغُ) بضمِّ الياء آخره غَيْنٌ مُعجَمةٌ، مِنَ الإفراغ (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا) أي: ثلاث غرفاتٍ، وللإسماعيليِّ: أظنُّه من غسل الجنابة.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بصيغة الإفراد والجمع والعنعنة، وليس لمِخْوَلٍ في «البخاريِّ» غير (٢) هذا الحديث، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة» أيضًا.
٢٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى) بفتح الميمَين وسكون العين في أكثر الرِّوايات، وجزم به المزِّيُّ، وللقابسيِّ: «مُعَمَّر» بضمِّ الميم الأولى وتشديد الثَّانية على وزن مُحمَّد، وجزم به الحاكم، وجوَّز الغسَّانيُّ الوجهين (بْنِ سَامٍ) بالمُهمَلة وتخفيف الميم، قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو جَعْفَرٍ) محمَّد بن
عليٍّ الباقر (قَالَ: قَالَ لِي جَابِرٌ) الصَّحابيُّ، زاد الأَصيليُّ (١): «ابن عبد الله» (أَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ) زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «واو» قبل ابن عمِّك (٢) أي: ابن عمِّ أبيك، ففيه تجوُّزٌ لأنَّه ابن عمِّ (٣) والده عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، حال كونه، أي: جابرٌ (يُعَرِّضُ بِالحَسَنِ) ولابن عساكر: «يعرِّض الحسن» (٤) (بْنِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ) زوج عليٍّ تزوَّجها بعد فاطمة الزَّهراء، فولدت له محمَّدًا هذا، فاشتُهِر بها، و «التَّعريض» غير التَّصريح، وفي الاصطلاح: هو كنايةٌ سيقت (٥) لموصوفٍ غير مذكورٍ، وفي «الكشَّاف»: أن تذكر شيئًا تدلُّ به على شيءٍ لم تذكره، وسقطت المُوحَّدة من قوله «بالحسن» لابن عساكر (٦) (قَالَ) أي: الحسن: (كَيْفَ الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ؟) فيه إشعارٌ بأنَّ سؤاله كان في غيبة أبي جعفرٍ، فهو غير سؤال أبي جعفرٍ السَّابق، قال جابرٌ: (فَقُلْتُ) له: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ) كذا في رواية كريمة بالتَّاء، ولغيرها: «ثلاث أكفٍّ» جمع: كفٍّ، يُذكَّر ويُؤنَّث، فيجوز دخول التَّاء وتركه، والمُراد به: يأخذ كلَّ مرَّةٍ كفَّين لأنَّ الكفَّ اسم جنسٍ، فيجوز حمله على الاثنين، ويدلُّ له رواية إسحاق السَّابقة [خ¦٢٥٢] «وأشار بيديه» (٧)، فيُحمَل اللَّاحق على السَّابق (وَيُفِيضُهَا) بالواو، أي: ثلاثة الأكفِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «فيفيضها» (عَلَى رَأْسِهِ) وسقط لأبي ذَرٍّ «على
رأسه» (١)، وفي قوله: «كان» الدَّالَّة على الاستمرار ملازمته ﵊ على ثلاثة أكفٍّ في غسل الرَّأس، وأنَّه يجزئ وإن كان كثير الشَّعر (ثُمَّ يُفِيضُ) الماء بعد رأسه (عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ) فمفعوله محذوفٌ، ولا يعود إلى ما سبق في المعطوف عليه وهو: «ثلاثة أكفٍّ»، ويكون قرينته العطف لأنَّ الثلَّاثة (٢) لا تكفي الجسد غالبًا (٣)، قال جابرٌ: (فَقَالَ لِي الحَسَنُ) بن محمَّدٍ ابن الحنفيَّة: (إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ) أي: لا يكفيني الثَّلاث، قال جابرٌ: (فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا) وقد كفاه ذلك، فالزِّيادة على ما كفاه ﵊ تنطُّعٌ، وقد يكون مثاره الوسواس مِنَ الشَّيطان، فلا يُلتفَت إليه، فإن قلت: السُّؤال هنا وقع عنِ الكيفيَّة لقوله: «كيف الغسل؟» كما هو في الحديث السَّابق، أجاب في «الفتح» بأنَّه عنِ الكميَّة كما أشعر به قوله في الجواب: «يكفيك صاعٌ»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ لفظة: «كيف» في السُّؤال السَّابق مطويَّةٌ اختصارًا لأنَّ السُّؤال في الموضعين عن حالة الغسل وصفته، والجواب في الموضعين بالكميَّة لأنَّ هناك قال: «يكفيك صاعٌ»، وهنا قال: «ثلاثة أكفٍّ» وكلٌّ منهما كمٌّ.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والقول.
(٥) (بابُ) حكم (الغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يمس شَيْئا من الْأُصُول، وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا امْرَأَة لَهُ، كَيفَ يكون وَجها لحمل الْمُطلق على الْمُقَيد؟ مَعَ أَن الأَصْل أَن يجْرِي الْمُطلق على إِطْلَاقه والمقيد على تَقْيِيده، وَالْحمل لَهُ مَوَاضِع عرفت فِي موَاضعهَا.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن تقدم فِي بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: جَابر بن زيد الْأَزْدِيّ، أَبُو الشعْثَاء الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، وَفِي (مُسْند الْحميدِي) هَكَذَا حَدثنَا سُفْيَان. أخبرنَا عَمْرو. قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الشعْثَاء. وَهُوَ جَابر بن زيد الْمَذْكُور.
بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مواضعوفيه: عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه اخْتِلَاف، وَمِنْهُم من يَقُول: لَا فرق بَينهمَا، وَمِنْهُم من يَقُول: بَينهمَا فرق وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومكي وبصري.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة، وَأبي بكر بن أبي شيبَة، وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن أبي عمر، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن يحيى بن مُوسَى، وَابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة أربعتهم عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أبي الشعْثَاء عَن ابْن عَبَّاس بِهِ وَاللَّفْظ (كنت اغْتسل أَنا وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من إِنَاء وَاحِد من الْجَنَابَة) .
قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُول أخيراً عنِ ابنِ عبَّاسِ عنْ مَيْمُونَةَ والصَّحْيحُ مَا رواهِ أبُو نَعَيمٍ
أبوعبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (كَانَ ابْن عُيَيْنَة) أَي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَلم يقل: وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة، بل قَالَ. كَانَ ليدل على أَنه فِي الْأَخير، أَي: فِي آخر عمره كَانَ مُسْتَقرًّا على هَذِه الرِّوَايَة، فعلى هَذَا التَّقْدِير الحَدِيث من مسانيد مَيْمُونَة، وعَلى الأول من مسانيد ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَالصَّحِيح) أَي: فِي الرِّوَايَتَيْنِ، (مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم) الْمَذْكُور، وَهُوَ أَنه من مسانيد ابْن عَبَّاس، وَهَذَا من كَلَام البُخَارِيّ وَهُوَ الْمُصَحح لَهُ وَصَححهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا وَرجح الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا مَا صَححهُ البُخَارِيّ بِاعْتِبَار أَن هَذَا الْأَمر لَا يطلع عَلَيْهِ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ مَيْمُونَة، فَدلَّ على أَنه أَخذه عَن خَالَته مَيْمُونَة، وَالْأَرْبَعَة المذكورون أَخْرجُوهُ عَن ابْن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والمستفاد من الحَدِيث جَوَاز اغتسال الرجل وَالْمَرْأَة من إِنَاء وَاحِد.
٤ - (بابُ مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أَفَاضَ المَاء على رَأسه ثَلَاث مَرَّات.
والمناسبة بَين هَذِه الْأَبْوَاب ظَاهِرَة، لِأَن كلهَا فِي أَحْكَام الْغسْل وهيئته.
٢٥٤ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدّثنا زُهَيْر عَنْ أبي إسْحَاقَ قَالَ حدّثني سُلَيْمانُ بنُ صُرْدِ قَالَ حَدثنِي يَبْرِ بنُ مُطْعِمٍ قَالَ رسولُ اللَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمَّا أنَا فَافِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلاثاً وأشارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِما.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي عَمْرو بن عبد الله، وَسليمَان بن صرد، بِضَم الصَّاد وَفتح الرَّاء بعدهمَا الدَّال المهملات من أفاضل الصَّحَابَة روى لَهُ خَمْسَة عشر حَدِيثا وَأخرج البُخَارِيّ مِنْهَا اثْنَيْنِ سكن الْكُوفَة أول مَا نزل بهَا الْمُسلمُونَ، خرج أَمِيرا فِي أَرْبَعَة آلَاف يطْلبُونَ دم الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سموا بالتوابين، وَهُوَ أَمِيرهمْ، فَقتله عَسْكَر عبيد الله بن زِيَاد بالجزيرة سنة خَمْسَة وَسِتِّينَ، وَجبير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالرَّاء ابْن مطعم، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِطْعَام، الْقرشِي النَّوْفَلِي، رُوِيَ لَهُ سِتُّونَ حَدِيثا أخرج البُخَارِيّ مِنْهَا تِسْعَة كَانَ من سَادَات قُرَيْش مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَخمسين.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن إِسْنَاده عَن أبي نعيم أَعلَى من إِسْنَاد حَدِيث الْبَاب الأول عَن. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الأقران.
وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن يحيى، وقتيبة، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي الْأَحْوَص. وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة. ثَلَاثَتهمْ عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن النَّوْفَلِي عَن زُهَيْر بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَعَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى بن سعيد وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (أما أَنا فأفيض) بِضَم الْهمزَة من الْإِفَاضَة، وَهِي الإسالة. قَالَ الْكرْمَانِي: أما للتفصيل فَإِنِّي قسيمه؟ قتل: اقْتِضَاء القسيم غير وَاجِب، وَلَئِن سلمنَا فَهُوَ مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ السِّيَاق روى مُسلم فِي صَحِيحه (أَن الصَّحَابَة تماروا فِي صفة الْغسْل عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: أما أَنا فأفيض) أَي: وَأما غَيْرِي فَلَا يفِيض، أَو فَلَا أعلم حَاله كَيفَ يعلم، وَنَحْوه. انْتهى قلت: التَّحْقِيق وَفِي هَذَا الْموضع أَن كلمة أما بِالْفَتْح والتشدي حرف شَرط وتفصيل وتوكيد، وَالدَّلِيل على الشَّرْط لُزُوم الْفَاء بعْدهَا، نَحْو {فَأَما الَّذين آمنُوا فيعلمون أَنه الْحق} (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٦) وَالتَّفْصِيل نَحْو قَوْله تَعَالَى: {وأمَّا السَّفِينَة فَكَانَت لمساكين وَأما الْغُلَام وَأما الْجِدَار} (سُورَة الْكَهْف: ٧٩، ٨٠) وَأما التوكيد فقد ذكره الزَّمَخْشَرِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: فَائِدَة أمَّا فِي الْكَلَام أَن تعطيه فضل توكيد تَقول: زيد ذَاهِب قصدت ذَلِك، وَإنَّهُ لَا محَالة ذَاهِب وَإنَّهُ بصدد الذّهاب وَإنَّهُ مِنْهُ فَإِذا عَزِيمَة قلت: أمَّا زيد فذاهب وَهنا أَيْضا للتَّأْكِيد فَلَا حَاجَة إِلَى القسيم، وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يُقَال: إِنَّه مَحْذُوف وأمَّا الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فَهُوَ من طَرِيق أبي الْأَحْوَص عَن إِسْحَاق (تماروا فِي الْغسْل عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَقَالَ بعض الْقَوْم: أمَّا أَنا فأغسل رَأْسِي بِكَذَا وَكَذَا) فَذكر الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا هُوَ القسيم الْمَحْذُوف. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا لِأَن الْوَاجِب أَن يُعْطي حق كل كَلَام بِمَا يَقْتَضِيهِ، الْحَال فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير شَيْء من حَدِيث رُوِيَ من طَرِيق، لأجل حَدِيث آخر فِي بَابه من طَرِيق آخر. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث أكف، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَالْمعْنَى: ثَلَاث حفنات كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ بملء الْكَفَّيْنِ جَمِيعًا، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده: (فآخذ ملْء كفي ثَلَاثًا فأصب على رَأْسِي) وَمَا رَوَاهُ أَيْضا عَن أبي هرير: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصب بِيَدِهِ على رَأسه ثَلَاثًا) وَفِي (مُعْجم) الْإِسْمَاعِيلِيّ: (إِن وَفد ثَقِيف سَأَلُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا: إِن أَرْضنَا بَارِدَة فَكيف نَفْعل فِي الْغسْل؟ فَقَالَ: فأفرغ على رَأْسِي ثَلَاثًا) وَفِي (أَوسط) الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا: (تفرغ بيمينك على شمالك، ثمَّ تدخل يدك فِي الْإِنَاء فتغسل فرجك وَمَا أَصَابَك ثمَّ تَوَضَّأ للصَّلَاة ثمَّ تفرغ على رَأسك ثَلَاث مَرَّات، تدلك رَأسك كل مرّة) وَقَالَ الدودي: الحفنة بِالْيَدِ الْوَاحِد. وَقَالَ غَيره: باليدين جَمِيعًا والْحَدِيث الْمَذْكُور يدل عَلَيْهِ، والحثية بِالْيَدِ الْوَاحِدَة، وَبِمَا ذكرنَا سقط قَول بَعضهم: إِن لَفظه ثَلَاثًا، مُحْتَملَة للتكرار، ومحتملة لِأَن يكون للتوزيع على جَمِيع الْبدن، قَوْله: (وَأَشَارَ بيدَيْهِ) من كَلَام جُبَير بن مطعم، أَي: أَشَارَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيدَيْهِ الثِّنْتَيْنِ، كَمَا قُلْنَا: إِن كل حفْنَة ملْء الْكَفَّيْنِ. قَوْله: (كلتيهما) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني كِلَاهُمَا. وَحكى ابْن التِّين فِي بعض الرِّوَايَات (كلتاهما) . قلت: كَون كلا وكلتا عِنْد إِضَافَته إِلَى الضَّمِير فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة بِالْألف لُغَة من يراهما تَثْنِيَة وَإِن التَّثْنِيَة لَا تَتَغَيَّر كَمَا فِي قَول الشَّاعِر:
(إِن أَبَاهَا وَأَبا أَبَاهَا ... قد بلغا فِي الْمجد غابتاها)
وَأما وَجه رِوَايَة الْكشميهني كِلَاهُمَا بِدُونِ التَّاء فبالنظر إِلَى اللَّفْظ دون الْمَعْنى.
ويستنبط مِنْهُ أَن الْمسنون فِي الْغسْل أَن يكون ثَلَاث مَرَّات، وَعَلِيهِ إِجْمَاع الْعلمَاء. وَأما الْفَرْض مِنْهُ فَغسل سَائِر الْبدن بِالْإِجْمَاع، وَفِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق خلاف مَشْهُور. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة إستحباب صب المَاء على الرَّأْس ثَلَاثًا مُتَّفق عَلَيْهِ، وَألْحق بِهِ أَصْحَابنَا سَائِر الْجَسَد قِيَاسا على الرَّأْس، وعَلى أَعْضَاء الْوضُوء، وَهُوَ أولى بِالثلَاثِ من الْوضُوء فَإِن الْوضُوء مَبْنِيّ على التَّخْفِيف مَعَ تكراره، فَإِذا اسْتحبَّ فِيهِ الثَّلَاث فالغسل أولى. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا إلَاّ مَا تفرد بِهِ الْمَاوَرْدِيّ حَيْثُ قَالَ: لَا يسْتَحبّ التّكْرَار فِي الْغسْل وَهُوَ شَاذ مَتْرُوك، ورد عَلَيْهِ بِأَن الشَّيْخ أباعلي السنجي قَالَه أَيْضا ذكره فِي (شرح الْفُرُوع) فَلم ينْفَرد بِهِ، وَنقل ابْن التِّين عَن الْعلمَاء أَنه يحْتَمل أَن يكون هَذَا على مَا شرع فِي الطَّهَارَة من التّكْرَار وَأَن يكون التَّمام الطَّهَارَة، لِأَن الغسلة الْوَاحِدَة لَا تجزىء فِي اسْتِيعَاب غسل الرَّأْس. قَالَ: وَقيل: ذَلِك مُسْتَحبّ، وَمَا أسغ أَجْزَأَ، وَكَذَا قَالَ ابْن بطال: الْعدَد فِي ذَلِك مُسْتَحبّ عِنْد الْعلمَاء، وَمَا هم وأسبغ أَجْزَأَ.
٢٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدْ بنُ بَشِّارٍ قَالَ حدّثنا غُنْدَرُ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ مِحْوِلِ بِنِ رَاشِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَلَيّ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ كانِ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفْرِغُ عَلى رَأْسِهِ ثَلاثاً.
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى.
بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة والملقب ببندار. الثَّانِي: غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّار الْمُهْملَة على الْأَصَح، واسْمه: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ، وَكَانَ إِمَامًا وَكَانَ شُعْبَة زوج أمه. الثَّالِث: من الْحجَّاج. الرَّابِع: مخول، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من التخويل بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ويروي بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء، وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ عَن أبي ذَر، وَرِوَايَة الأكيرين، بِكَسْر الْمِيم، وَرِوَايَة ابْن عَسَاكِر بِضَم الْمِيم، ابْن رَاشد، بالشين الْمُعْجَمَة: النَّهْدِيّ، بالنُّون: الْكُوفِي روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: مُحَمَّد بن عَليّ أَبُو جَعْفَر المقلب بالباقر، تقدم ذكره. السَّادِس: جَابر بن عبدا لله.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: التحديث أَيْضا بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مُحَمَّد بن بشار غَيره، وَلَيْسَ المخول بن رَاشد فِي البُخَارِيّ غَيره، وَهُوَ عَزِيز، انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة. قَوْله: (يفرغ) بِضَم الْيَاء من إلاّ فرَاغ. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث غرفات، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: أَظُنهُ من غسل الْجَنَابَة.
٩ - (حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا معمر بن يحيى بن سَام قَالَ حَدثنِي أَبُو جَعْفَر قَالَ قَالَ لي جَابر وأتاني ابْن عمك يعرض بالْحسنِ بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ كَيفَ الْغسْل من الْجَنَابَة فَقلت كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْخُذ ثَلَاثَة أكف ويفيضها على رَأسه ثمَّ يفِيض على سَائِر جسده فَقَالَ لي الْحسن إِنِّي رجل كثير الشّعْر فَقلت كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَكثر مِنْك شعرًا) ظُهُور مُطَابقَة هَذَا أَيْضا للتَّرْجَمَة وَاضح. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي معمر بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة فِي أَكثر الرِّوَايَات وَبِه جزم الْحَافِظ الْمزي وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِضَم الْمِيم الأولى وَتَشْديد الْمِيم الثَّانِيَة على وزن مُحَمَّد وَبِه جزم الْحَاكِم وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَقد ينْسب إِلَى جده سَام فَيُقَال معمر ابْن سَام وَهُوَ بِالسِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم الثَّالِث أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر. الرَّابِع جَابر بن عبد الله الصَّحَابِيّ. الْخَامِس الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل من اثْنَيْنِ فِي موضِعين وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. (ذكر مَعَانِيه وَإِعْرَابه) قَوْله " ابْن عمك " فِيهِ مُسَامَحَة إِذْ الْحسن هُوَ ابْن عَم أَبِيه لَا ابْن عَمه قَوْله " يعرض بالْحسنِ " جملَة وَقعت حَالا من جَابر والتعريض خلاف التَّصْرِيح من حَيْثُ اللُّغَة وَمن حَيْثُ الِاصْطِلَاح هُوَ عبارَة عَن كِنَايَة مسوقة لأجل مَوْصُوف غير مَذْكُور وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ التَّعْرِيض أَن تذكر شَيْئا تدل بِهِ على شَيْء لم تذكره وَهَهُنَا سُؤال الْحسن بن مُحَمَّد عَن جَابر بن عبد الله عَن كَيْفيَّة الْغسْل من الْجَنَابَة وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب السُّؤَال عَن الْغسْل وَقع عَن جمَاعَة بِغَيْر لَفْظَة كَيفَ وَوَقع جَوَابه هُنَاكَ بقوله " يَكْفِيك صَاع " وَهَهُنَا جَوَابه بقوله " كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْخُذ ثَلَاثَة أكف " الخ وَالسُّؤَال فِي موضِعين عَن الْكَيْفِيَّة غير أَنه لم يذكر لفظ كَيفَ هُنَاكَ اختصارا وَالْجَوَاب فِي الْمَوْضِعَيْنِ بالكمية لِأَن هُنَاكَ قَالَ " يَكْفِيك صَاع " وَهَهُنَا قَالَ " ثَلَاثَة أكف " وكل مِنْهُمَا كم وَقَول بَعضهم السُّؤَال فِي الأول عَن الكمية أشعر بذلك قَوْله فِي الْجَواب يَكْفِيك صَاع لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ اغْترَّ بِظَاهِر قَوْله هَهُنَا كَيفَ الْغسْل وَقد ذكرنَا أَن لفظ كَيفَ هُنَاكَ مطوية لِأَن السُّؤَال فِي موضِعين عَن حَالَة الْغسْل وَصفته بِلَفْظ كَيفَ
لِأَنَّهَا تدل على الْحَالة (فَإِن قلت) كَيفَ تَقول السُّؤَال فِي موضِعين عَن حَالَة الْغسْل وَالْجَوَاب بالكمية (قلت) الْحَالة هِيَ الْكَيْفِيَّة وللغسل حَقِيقَة وَحَالَة فحقيقته إسالة المَاء على سَائِر الْبدن وحالته اسْتِعْمَال مَاء نَحْو صَاع أَو ثَلَاث أكف مِنْهُ وَلم يكن السُّؤَال عَن حَقِيقَة الْغسْل وَإِنَّمَا كَانَ عَن حَاله فَوَقع الْجَواب بالكم فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِأَن كَيفَ وَكم من الْعَوَارِض المنحصرة فِي المقولات التسع فطابق الْجَواب السُّؤَال وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا بعث لبَيَان الْحَقَائِق وَإِنَّمَا بعث لبَيَان الْأَحْكَام وَالْأَحْكَام من عوارض الْحَقَائِق قَوْله " ثَلَاثَة أكف " هِيَ رِوَايَة كَرِيمَة بِالتَّاءِ وَفِي رِوَايَة غَيرهَا " ثَلَاث أكف " بِغَيْر التَّاء قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت الْكَفّ مُؤَنّثَة فَلم دخل التَّاء فِي الثَّلَاثَة (قلت) المُرَاد من الْكَفّ قدر الْكَفّ وَمَا فِيهَا فباعتباره دخلت أَو بِاعْتِبَار الْعُضْو (قلت) فِي الْجَواب الأول نظر وَالثَّانِي لَا بَأْس بِهِ وَالْأَحْسَن أَن يَقُول الْكَفّ يذكر وَيُؤَنث فَيجوز دُخُول التَّاء وَتَركه على الاعتبارين وَالْمرَاد أَنه يَأْخُذ فِي كل مرّة كفين لِأَن الْكَفّ اسْم جنس فَيجوز حمله على الِاثْنَيْنِ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة اسحق ابْن رَاهَوَيْه من طَرِيق حسن بن صَالح عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ فِي آخر الحَدِيث (وَبسط يَدَيْهِ) وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جُبَير بن مطعم الَّذِي فِي أول الْبَاب قَوْله " فيفيضها على رَأسه " وَفِي بعض النّسخ بِدُونِ على قَوْله " ثمَّ يفِيض " أَي المَاء (فَإِن قلت) لم لَا يكون مَفْعُوله الْمَحْذُوف ثَلَاثَة أكف بِقَرِينَة عطفه عَلَيْهِ (قلت) لِأَن الثَّلَاثَة الأكف لَا يَكْفِي لسَائِر جسده عَادَة قَوْله " كثير الشّعْر " أَي لَا يَكْفِي هَذَا الْقدر من المَاء فَقَالَ كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَكثر شعرًا مِنْك وَقد كَفاهُ. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز الِاكْتِفَاء بِثَلَاث غرف على الرَّأْس وَإِن كَانَ كثير الشّعْر وَفِيه تَقْدِيم ذَلِك على إفَاضَة المَاء على جسده وَفِيه الْحَث على السُّؤَال عَن أَمر الدّين من الْعلمَاء وَفِيه وجوب الْجَواب عِنْد الْعلم بِهِ وَفِيه دلَالَة على مُلَازمَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على ثَلَاثَة أكف فِي الْغسْل لِأَن لَفْظَة كَانَ تدل على الِاسْتِمْرَار
٥ - (بابُ الغُسْل مَرَّةً وَاحِدَةً)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْغسْل مرّة وَاحِدَة.
٢٥٧ - حدّثنا مُوسَى قالَ حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسِ قالَ قالتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ للنَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاء لِلْغَسْلِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ علَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ..
تكلّف ابْن بطال لتطبيق الحَدِيث على التَّرْجَمَة. فَقَالَ: مَوضِع التَّرْجَمَة من الحَدِيث فِي لفظ: (ثمَّ أَفَاضَ على جسده) وَلم يذكر: مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ، فَحمل على أقل مَا يُسمى غسلا، وَهُوَ: مرّة وَاحِدَة، وَالْعُلَمَاء أَجمعُوا على أَنه لَيْسَ الشَّرْط فِي الْغسْل إلَاّ الْعُمُوم والإسباغ لَا عددا من المرات قلت: فِي هَذَا الحَدِيث عشرَة أَحْكَام على مَا ترى فَمَا وَجه وضع التَّرْجَمَة على حكم وَاحِد مِنْهَا وَمَا ثمَّ زِيَادَة فَائِدَة يعم لَو ذكر تراجم لبَقيَّة الْأَحْكَام وَلم يبْق إلَاّ هَذَا لَكَانَ لَهُ وَجه وَهَذَا الحَدِيث وَاحِد، وَإِنَّمَا قِطْعَة لوضع التراجم على أَن قَوْلهَا: (ثمَّ أَفَاضَ) ، يتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكثير، فَتكون مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل النبوذكي، وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْبَصْرِيّ. وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَهُوَ وَسَالم بن أبي الْجَعْد وكريب تقدمُوا فِي بَاب الْوضُوء قبل الْغسْل.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَالْقَوْل.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَالْأَرْبَعَة أَيْضا، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب: الْوضُوء قبل الْغسْل.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (فَغسل يَدَيْهِ) بالتثنية فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره (يَده) بِالْإِفْرَادِ قَوْله: (أَو ثَلَاثًا) الشَّك من مَيْمُونَة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: الشَّك من الْأَعْمَش، كَمَا سَيَأْتِي من رِوَايَة أبي عوَانَة عَنهُ وعقل الْكرْمَانِي فَقَالَ: الشَّك من مَيْمُونَة. قلت: هَذَا مر فِي بَاب من أفرغ بِيَمِينِهِ على شِمَاله فِي الْغسْل، وَلَفظه: (فغسلهما مرّة أَو مرَّتَيْنِ) ، قَالَ سُلَيْمَان: لَا أَدْرِي أذكر الثَّلَاثَة أم لَا، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَلَكِن الشَّك هَاهُنَا بَين مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، وَهُنَاكَ بَين مرّة أَو مرَّتَيْنِ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
غُرُفَاتٍ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ شُعْبَةُ: أَظُنُّهُ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَفِيهِ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ، فَقَالَ جَابِرٌ: شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرِكَ وَأَطْيَبَ.
٢٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ لِي جَابِرُ: وَأَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ - يُعَرِّضُ بِالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ - قَالَ: كَيْفَ الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ، وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، فَقَالَ لِي الْحَسَنُ: إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ، فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ بِوَزْنِ مُحَمَّدٍ وَبِهِ جَزَمَ الْحَاكِمُ، وَلَيْسَ لَهُ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ سَامٍ فَيُقَالُ: مَعْمَرُ بْنُ سَامٍ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ عَمِّكَ) فِيهِ تَجَوُّزٌ، فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّ وَالِدِهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَنَفِيَّةُ كَانَتْ زَوْجَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ فَاطِمَةَ ﵂ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا فَاشْتُهِرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا. وَقَوْلُ جَابِرٍ أَتَانِي يُشْعِرُ بِأَنَّ سُؤَالَ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَانَ فِي غَيْبَةِ أَبِي جَعْفَرٍ فَهُوَ غَيْرُ سُؤَالِ أَبِي جَعْفَرٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَنِ الْكَمِّيَّةِ كَمَا أَشْعَرَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ يَكْفِيكَ صَاعٌ وَهَذَا عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ كَيْفَ الْغُسْلُ، وَلَكِنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا هُوَ الْمُنَازِعُ لِجَابِرٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ فِي جَوَابِ الْكَمِّيَّةِ مَا يَكْفِينِي أَيِ الصَّاعُ وَلَمْ يُعَلِّلْ، وَقَالَ فِي جَوَابِ الْكَيْفِيَّةِ إِنِّي كَثِيرُ الشَّعْرِ أَيْ فَأَحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غُرُفَاتٍ، فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ فِي جَوَابِ الْكَيْفِيَّةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ شَعْرًا مِنْكَ وَأَطْيَبَ أَيْ وَاكْتَفَى بِالثَّلَاثِ فَاقْتَضَى أَنَّ الْإِنْقَاءَ يَحْصُلُ بِهَا، وَقَالَ فِي جَوَابِ الْكَمِّيَّةِ مَا تَقَدَّمَ، وَنَاسَبَ ذِكْرَ الْخَيْرِيَّةِ ; لِأَنَّ طَلَبَ الِازْدِيَادِ مِنَ الْمَاءِ يُلْحَظُ فِيهِ التَّحَرِّي فِي إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَكَانَ ﷺ سَيِّدَ الْوَرِعِينَ وَأَتْقَى النَّاسِ لِلَّهِ وَأَعْلَمَهُمْ بِهِ. وَقَدِ اكْتَفَى بِالصَّاعِ، فَأَشَارَ جَابِرٌ إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا اكْتَفَى بِهِ تَنَطُّعٌ قَدْ يَكُونُ مَثَارُهُ الْوَسْوَسَةَ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ أَكُفٍّ) وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَهِيَ جَمْعُ كَفٍّ وَالْكَفُّ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْخُذُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَفَّيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَبَسَطَ يَدَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ الَّذِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَالْكَفُّ اسْمُ جِنْسٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْغُرُفَاتِ الثَّلَاثُ لِلتَّكْرَارِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ جِهَةٍ مِنَ الرَّأْسِ غُرْفَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَرِيبًا.
٥ - بَاب الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً
٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الشِّين المُعجَمة، المُلقَّب ببندارٍ، وليس هو يسارًا بمُثنَّاةٍ تَحتِيَّةٍ ومُهمَلَةٍ مُخفَّفةٍ، وليس في «الصَّحيحين» محمَّد بن بشَّارٍ غيره (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ) بكسر الميم وسكون المُعجَمة، ولابن عساكر: «مُخوَّل» بضمِّ الميم وتشديد الواوِ المفتوحة، وكذا ضبطه الحاكم كما عزاه في هامش (١) فرع «اليونينيَّة» لعياضٍ النَّهديِّ -بالنُّون- الكوفيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أبي جعفرٍ الباقر (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْرِغُ) بضمِّ الياء آخره غَيْنٌ مُعجَمةٌ، مِنَ الإفراغ (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا) أي: ثلاث غرفاتٍ، وللإسماعيليِّ: أظنُّه من غسل الجنابة.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بصيغة الإفراد والجمع والعنعنة، وليس لمِخْوَلٍ في «البخاريِّ» غير (٢) هذا الحديث، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة» أيضًا.
٢٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى) بفتح الميمَين وسكون العين في أكثر الرِّوايات، وجزم به المزِّيُّ، وللقابسيِّ: «مُعَمَّر» بضمِّ الميم الأولى وتشديد الثَّانية على وزن مُحمَّد، وجزم به الحاكم، وجوَّز الغسَّانيُّ الوجهين (بْنِ سَامٍ) بالمُهمَلة وتخفيف الميم، قَالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو جَعْفَرٍ) محمَّد بن
عليٍّ الباقر (قَالَ: قَالَ لِي جَابِرٌ) الصَّحابيُّ، زاد الأَصيليُّ (١): «ابن عبد الله» (أَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ) زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: «واو» قبل ابن عمِّك (٢) أي: ابن عمِّ أبيك، ففيه تجوُّزٌ لأنَّه ابن عمِّ (٣) والده عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، حال كونه، أي: جابرٌ (يُعَرِّضُ بِالحَسَنِ) ولابن عساكر: «يعرِّض الحسن» (٤) (بْنِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ) زوج عليٍّ تزوَّجها بعد فاطمة الزَّهراء، فولدت له محمَّدًا هذا، فاشتُهِر بها، و «التَّعريض» غير التَّصريح، وفي الاصطلاح: هو كنايةٌ سيقت (٥) لموصوفٍ غير مذكورٍ، وفي «الكشَّاف»: أن تذكر شيئًا تدلُّ به على شيءٍ لم تذكره، وسقطت المُوحَّدة من قوله «بالحسن» لابن عساكر (٦) (قَالَ) أي: الحسن: (كَيْفَ الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ؟) فيه إشعارٌ بأنَّ سؤاله كان في غيبة أبي جعفرٍ، فهو غير سؤال أبي جعفرٍ السَّابق، قال جابرٌ: (فَقُلْتُ) له: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ) كذا في رواية كريمة بالتَّاء، ولغيرها: «ثلاث أكفٍّ» جمع: كفٍّ، يُذكَّر ويُؤنَّث، فيجوز دخول التَّاء وتركه، والمُراد به: يأخذ كلَّ مرَّةٍ كفَّين لأنَّ الكفَّ اسم جنسٍ، فيجوز حمله على الاثنين، ويدلُّ له رواية إسحاق السَّابقة [خ¦٢٥٢] «وأشار بيديه» (٧)، فيُحمَل اللَّاحق على السَّابق (وَيُفِيضُهَا) بالواو، أي: ثلاثة الأكفِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «فيفيضها» (عَلَى رَأْسِهِ) وسقط لأبي ذَرٍّ «على
رأسه» (١)، وفي قوله: «كان» الدَّالَّة على الاستمرار ملازمته ﵊ على ثلاثة أكفٍّ في غسل الرَّأس، وأنَّه يجزئ وإن كان كثير الشَّعر (ثُمَّ يُفِيضُ) الماء بعد رأسه (عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ) فمفعوله محذوفٌ، ولا يعود إلى ما سبق في المعطوف عليه وهو: «ثلاثة أكفٍّ»، ويكون قرينته العطف لأنَّ الثلَّاثة (٢) لا تكفي الجسد غالبًا (٣)، قال جابرٌ: (فَقَالَ لِي الحَسَنُ) بن محمَّدٍ ابن الحنفيَّة: (إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ) أي: لا يكفيني الثَّلاث، قال جابرٌ: (فَقُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا) وقد كفاه ذلك، فالزِّيادة على ما كفاه ﵊ تنطُّعٌ، وقد يكون مثاره الوسواس مِنَ الشَّيطان، فلا يُلتفَت إليه، فإن قلت: السُّؤال هنا وقع عنِ الكيفيَّة لقوله: «كيف الغسل؟» كما هو في الحديث السَّابق، أجاب في «الفتح» بأنَّه عنِ الكميَّة كما أشعر به قوله في الجواب: «يكفيك صاعٌ»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ لفظة: «كيف» في السُّؤال السَّابق مطويَّةٌ اختصارًا لأنَّ السُّؤال في الموضعين عن حالة الغسل وصفته، والجواب في الموضعين بالكميَّة لأنَّ هناك قال: «يكفيك صاعٌ»، وهنا قال: «ثلاثة أكفٍّ» وكلٌّ منهما كمٌّ.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والقول.
(٥) (بابُ) حكم (الغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
يمس شَيْئا من الْأُصُول، وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا امْرَأَة لَهُ، كَيفَ يكون وَجها لحمل الْمُطلق على الْمُقَيد؟ مَعَ أَن الأَصْل أَن يجْرِي الْمُطلق على إِطْلَاقه والمقيد على تَقْيِيده، وَالْحمل لَهُ مَوَاضِع عرفت فِي موَاضعهَا.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن تقدم فِي بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: جَابر بن زيد الْأَزْدِيّ، أَبُو الشعْثَاء الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، وَفِي (مُسْند الْحميدِي) هَكَذَا حَدثنَا سُفْيَان. أخبرنَا عَمْرو. قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الشعْثَاء. وَهُوَ جَابر بن زيد الْمَذْكُور.
بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مواضعوفيه: عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه اخْتِلَاف، وَمِنْهُم من يَقُول: لَا فرق بَينهمَا، وَمِنْهُم من يَقُول: بَينهمَا فرق وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومكي وبصري.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة، وَأبي بكر بن أبي شيبَة، وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن ابْن أبي عمر، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن يحيى بن مُوسَى، وَابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة أربعتهم عَن سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أبي الشعْثَاء عَن ابْن عَبَّاس بِهِ وَاللَّفْظ (كنت اغْتسل أَنا وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من إِنَاء وَاحِد من الْجَنَابَة) .
قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ كانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُول أخيراً عنِ ابنِ عبَّاسِ عنْ مَيْمُونَةَ والصَّحْيحُ مَا رواهِ أبُو نَعَيمٍ
أبوعبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. قَوْله: (كَانَ ابْن عُيَيْنَة) أَي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَهَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَلم يقل: وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة، بل قَالَ. كَانَ ليدل على أَنه فِي الْأَخير، أَي: فِي آخر عمره كَانَ مُسْتَقرًّا على هَذِه الرِّوَايَة، فعلى هَذَا التَّقْدِير الحَدِيث من مسانيد مَيْمُونَة، وعَلى الأول من مسانيد ابْن عَبَّاس. قَوْله: (وَالصَّحِيح) أَي: فِي الرِّوَايَتَيْنِ، (مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم) الْمَذْكُور، وَهُوَ أَنه من مسانيد ابْن عَبَّاس، وَهَذَا من كَلَام البُخَارِيّ وَهُوَ الْمُصَحح لَهُ وَصَححهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا وَرجح الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا مَا صَححهُ البُخَارِيّ بِاعْتِبَار أَن هَذَا الْأَمر لَا يطلع عَلَيْهِ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ مَيْمُونَة، فَدلَّ على أَنه أَخذه عَن خَالَته مَيْمُونَة، وَالْأَرْبَعَة المذكورون أَخْرجُوهُ عَن ابْن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.
والمستفاد من الحَدِيث جَوَاز اغتسال الرجل وَالْمَرْأَة من إِنَاء وَاحِد.
٤ - (بابُ مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثاً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أَفَاضَ المَاء على رَأسه ثَلَاث مَرَّات.
والمناسبة بَين هَذِه الْأَبْوَاب ظَاهِرَة، لِأَن كلهَا فِي أَحْكَام الْغسْل وهيئته.
٢٥٤ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدّثنا زُهَيْر عَنْ أبي إسْحَاقَ قَالَ حدّثني سُلَيْمانُ بنُ صُرْدِ قَالَ حَدثنِي يَبْرِ بنُ مُطْعِمٍ قَالَ رسولُ اللَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمَّا أنَا فَافِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلاثاً وأشارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِما.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة الْجعْفِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي عَمْرو بن عبد الله، وَسليمَان بن صرد، بِضَم الصَّاد وَفتح الرَّاء بعدهمَا الدَّال المهملات من أفاضل الصَّحَابَة روى لَهُ خَمْسَة عشر حَدِيثا وَأخرج البُخَارِيّ مِنْهَا اثْنَيْنِ سكن الْكُوفَة أول مَا نزل بهَا الْمُسلمُونَ، خرج أَمِيرا فِي أَرْبَعَة آلَاف يطْلبُونَ دم الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سموا بالتوابين، وَهُوَ أَمِيرهمْ، فَقتله عَسْكَر عبيد الله بن زِيَاد بالجزيرة سنة خَمْسَة وَسِتِّينَ، وَجبير، بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالرَّاء ابْن مطعم، بِلَفْظ اسْم الْفَاعِل من الْإِطْعَام، الْقرشِي النَّوْفَلِي، رُوِيَ لَهُ سِتُّونَ حَدِيثا أخرج البُخَارِيّ مِنْهَا تِسْعَة كَانَ من سَادَات قُرَيْش مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَخمسين.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن إِسْنَاده عَن أبي نعيم أَعلَى من إِسْنَاد حَدِيث الْبَاب الأول عَن. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الأقران.
وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن يحيى، وقتيبة، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي الْأَحْوَص. وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار كِلَاهُمَا عَن غنْدر عَن شُعْبَة. ثَلَاثَتهمْ عَن أبي إِسْحَاق عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن النَّوْفَلِي عَن زُهَيْر بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَعَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى بن سعيد وَعَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (أما أَنا فأفيض) بِضَم الْهمزَة من الْإِفَاضَة، وَهِي الإسالة. قَالَ الْكرْمَانِي: أما للتفصيل فَإِنِّي قسيمه؟ قتل: اقْتِضَاء القسيم غير وَاجِب، وَلَئِن سلمنَا فَهُوَ مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ السِّيَاق روى مُسلم فِي صَحِيحه (أَن الصَّحَابَة تماروا فِي صفة الْغسْل عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: أما أَنا فأفيض) أَي: وَأما غَيْرِي فَلَا يفِيض، أَو فَلَا أعلم حَاله كَيفَ يعلم، وَنَحْوه. انْتهى قلت: التَّحْقِيق وَفِي هَذَا الْموضع أَن كلمة أما بِالْفَتْح والتشدي حرف شَرط وتفصيل وتوكيد، وَالدَّلِيل على الشَّرْط لُزُوم الْفَاء بعْدهَا، نَحْو {فَأَما الَّذين آمنُوا فيعلمون أَنه الْحق} (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٦) وَالتَّفْصِيل نَحْو قَوْله تَعَالَى: {وأمَّا السَّفِينَة فَكَانَت لمساكين وَأما الْغُلَام وَأما الْجِدَار} (سُورَة الْكَهْف: ٧٩، ٨٠) وَأما التوكيد فقد ذكره الزَّمَخْشَرِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: فَائِدَة أمَّا فِي الْكَلَام أَن تعطيه فضل توكيد تَقول: زيد ذَاهِب قصدت ذَلِك، وَإنَّهُ لَا محَالة ذَاهِب وَإنَّهُ بصدد الذّهاب وَإنَّهُ مِنْهُ فَإِذا عَزِيمَة قلت: أمَّا زيد فذاهب وَهنا أَيْضا للتَّأْكِيد فَلَا حَاجَة إِلَى القسيم، وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يُقَال: إِنَّه مَحْذُوف وأمَّا الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فَهُوَ من طَرِيق أبي الْأَحْوَص عَن إِسْحَاق (تماروا فِي الْغسْل عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فَقَالَ بعض الْقَوْم: أمَّا أَنا فأغسل رَأْسِي بِكَذَا وَكَذَا) فَذكر الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا هُوَ القسيم الْمَحْذُوف. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا لِأَن الْوَاجِب أَن يُعْطي حق كل كَلَام بِمَا يَقْتَضِيهِ، الْحَال فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير شَيْء من حَدِيث رُوِيَ من طَرِيق، لأجل حَدِيث آخر فِي بَابه من طَرِيق آخر. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث أكف، وَهَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَالْمعْنَى: ثَلَاث حفنات كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ بملء الْكَفَّيْنِ جَمِيعًا، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده: (فآخذ ملْء كفي ثَلَاثًا فأصب على رَأْسِي) وَمَا رَوَاهُ أَيْضا عَن أبي هرير: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يصب بِيَدِهِ على رَأسه ثَلَاثًا) وَفِي (مُعْجم) الْإِسْمَاعِيلِيّ: (إِن وَفد ثَقِيف سَأَلُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا: إِن أَرْضنَا بَارِدَة فَكيف نَفْعل فِي الْغسْل؟ فَقَالَ: فأفرغ على رَأْسِي ثَلَاثًا) وَفِي (أَوسط) الطَّبَرَانِيّ مَرْفُوعا: (تفرغ بيمينك على شمالك، ثمَّ تدخل يدك فِي الْإِنَاء فتغسل فرجك وَمَا أَصَابَك ثمَّ تَوَضَّأ للصَّلَاة ثمَّ تفرغ على رَأسك ثَلَاث مَرَّات، تدلك رَأسك كل مرّة) وَقَالَ الدودي: الحفنة بِالْيَدِ الْوَاحِد. وَقَالَ غَيره: باليدين جَمِيعًا والْحَدِيث الْمَذْكُور يدل عَلَيْهِ، والحثية بِالْيَدِ الْوَاحِدَة، وَبِمَا ذكرنَا سقط قَول بَعضهم: إِن لَفظه ثَلَاثًا، مُحْتَملَة للتكرار، ومحتملة لِأَن يكون للتوزيع على جَمِيع الْبدن، قَوْله: (وَأَشَارَ بيدَيْهِ) من كَلَام جُبَير بن مطعم، أَي: أَشَارَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيدَيْهِ الثِّنْتَيْنِ، كَمَا قُلْنَا: إِن كل حفْنَة ملْء الْكَفَّيْنِ. قَوْله: (كلتيهما) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني كِلَاهُمَا. وَحكى ابْن التِّين فِي بعض الرِّوَايَات (كلتاهما) . قلت: كَون كلا وكلتا عِنْد إِضَافَته إِلَى الضَّمِير فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة بِالْألف لُغَة من يراهما تَثْنِيَة وَإِن التَّثْنِيَة لَا تَتَغَيَّر كَمَا فِي قَول الشَّاعِر:
(إِن أَبَاهَا وَأَبا أَبَاهَا ... قد بلغا فِي الْمجد غابتاها)
وَأما وَجه رِوَايَة الْكشميهني كِلَاهُمَا بِدُونِ التَّاء فبالنظر إِلَى اللَّفْظ دون الْمَعْنى.
ويستنبط مِنْهُ أَن الْمسنون فِي الْغسْل أَن يكون ثَلَاث مَرَّات، وَعَلِيهِ إِجْمَاع الْعلمَاء. وَأما الْفَرْض مِنْهُ فَغسل سَائِر الْبدن بِالْإِجْمَاع، وَفِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق خلاف مَشْهُور. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة إستحباب صب المَاء على الرَّأْس ثَلَاثًا مُتَّفق عَلَيْهِ، وَألْحق بِهِ أَصْحَابنَا سَائِر الْجَسَد قِيَاسا على الرَّأْس، وعَلى أَعْضَاء الْوضُوء، وَهُوَ أولى بِالثلَاثِ من الْوضُوء فَإِن الْوضُوء مَبْنِيّ على التَّخْفِيف مَعَ تكراره، فَإِذا اسْتحبَّ فِيهِ الثَّلَاث فالغسل أولى. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا إلَاّ مَا تفرد بِهِ الْمَاوَرْدِيّ حَيْثُ قَالَ: لَا يسْتَحبّ التّكْرَار فِي الْغسْل وَهُوَ شَاذ مَتْرُوك، ورد عَلَيْهِ بِأَن الشَّيْخ أباعلي السنجي قَالَه أَيْضا ذكره فِي (شرح الْفُرُوع) فَلم ينْفَرد بِهِ، وَنقل ابْن التِّين عَن الْعلمَاء أَنه يحْتَمل أَن يكون هَذَا على مَا شرع فِي الطَّهَارَة من التّكْرَار وَأَن يكون التَّمام الطَّهَارَة، لِأَن الغسلة الْوَاحِدَة لَا تجزىء فِي اسْتِيعَاب غسل الرَّأْس. قَالَ: وَقيل: ذَلِك مُسْتَحبّ، وَمَا أسغ أَجْزَأَ، وَكَذَا قَالَ ابْن بطال: الْعدَد فِي ذَلِك مُسْتَحبّ عِنْد الْعلمَاء، وَمَا هم وأسبغ أَجْزَأَ.
٢٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدْ بنُ بَشِّارٍ قَالَ حدّثنا غُنْدَرُ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ مِحْوِلِ بِنِ رَاشِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَلَيّ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ كانِ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفْرِغُ عَلى رَأْسِهِ ثَلاثاً.
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لَا تخفى.
بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة والملقب ببندار. الثَّانِي: غنْدر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّار الْمُهْملَة على الْأَصَح، واسْمه: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ، وَكَانَ إِمَامًا وَكَانَ شُعْبَة زوج أمه. الثَّالِث: من الْحجَّاج. الرَّابِع: مخول، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول من التخويل بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ويروي بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء، وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ عَن أبي ذَر، وَرِوَايَة الأكيرين، بِكَسْر الْمِيم، وَرِوَايَة ابْن عَسَاكِر بِضَم الْمِيم، ابْن رَاشد، بالشين الْمُعْجَمَة: النَّهْدِيّ، بالنُّون: الْكُوفِي روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: مُحَمَّد بن عَليّ أَبُو جَعْفَر المقلب بالباقر، تقدم ذكره. السَّادِس: جَابر بن عبدا لله.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: التحديث أَيْضا بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مُحَمَّد بن بشار غَيره، وَلَيْسَ المخول بن رَاشد فِي البُخَارِيّ غَيره، وَهُوَ عَزِيز، انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة. قَوْله: (يفرغ) بِضَم الْيَاء من إلاّ فرَاغ. قَوْله: (ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث غرفات، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ قَالَ: أَظُنهُ من غسل الْجَنَابَة.
٩ - (حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ حَدثنَا معمر بن يحيى بن سَام قَالَ حَدثنِي أَبُو جَعْفَر قَالَ قَالَ لي جَابر وأتاني ابْن عمك يعرض بالْحسنِ بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ كَيفَ الْغسْل من الْجَنَابَة فَقلت كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْخُذ ثَلَاثَة أكف ويفيضها على رَأسه ثمَّ يفِيض على سَائِر جسده فَقَالَ لي الْحسن إِنِّي رجل كثير الشّعْر فَقلت كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَكثر مِنْك شعرًا) ظُهُور مُطَابقَة هَذَا أَيْضا للتَّرْجَمَة وَاضح. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي معمر بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة فِي أَكثر الرِّوَايَات وَبِه جزم الْحَافِظ الْمزي وَفِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ بِضَم الْمِيم الأولى وَتَشْديد الْمِيم الثَّانِيَة على وزن مُحَمَّد وَبِه جزم الْحَاكِم وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَقد ينْسب إِلَى جده سَام فَيُقَال معمر ابْن سَام وَهُوَ بِالسِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم الثَّالِث أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر. الرَّابِع جَابر بن عبد الله الصَّحَابِيّ. الْخَامِس الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل من اثْنَيْنِ فِي موضِعين وَفِيه أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني. (ذكر مَعَانِيه وَإِعْرَابه) قَوْله " ابْن عمك " فِيهِ مُسَامَحَة إِذْ الْحسن هُوَ ابْن عَم أَبِيه لَا ابْن عَمه قَوْله " يعرض بالْحسنِ " جملَة وَقعت حَالا من جَابر والتعريض خلاف التَّصْرِيح من حَيْثُ اللُّغَة وَمن حَيْثُ الِاصْطِلَاح هُوَ عبارَة عَن كِنَايَة مسوقة لأجل مَوْصُوف غير مَذْكُور وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ التَّعْرِيض أَن تذكر شَيْئا تدل بِهِ على شَيْء لم تذكره وَهَهُنَا سُؤال الْحسن بن مُحَمَّد عَن جَابر بن عبد الله عَن كَيْفيَّة الْغسْل من الْجَنَابَة وَفِي الحَدِيث الْمَذْكُور قبل هَذَا الْبَاب السُّؤَال عَن الْغسْل وَقع عَن جمَاعَة بِغَيْر لَفْظَة كَيفَ وَوَقع جَوَابه هُنَاكَ بقوله " يَكْفِيك صَاع " وَهَهُنَا جَوَابه بقوله " كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْخُذ ثَلَاثَة أكف " الخ وَالسُّؤَال فِي موضِعين عَن الْكَيْفِيَّة غير أَنه لم يذكر لفظ كَيفَ هُنَاكَ اختصارا وَالْجَوَاب فِي الْمَوْضِعَيْنِ بالكمية لِأَن هُنَاكَ قَالَ " يَكْفِيك صَاع " وَهَهُنَا قَالَ " ثَلَاثَة أكف " وكل مِنْهُمَا كم وَقَول بَعضهم السُّؤَال فِي الأول عَن الكمية أشعر بذلك قَوْله فِي الْجَواب يَكْفِيك صَاع لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ اغْترَّ بِظَاهِر قَوْله هَهُنَا كَيفَ الْغسْل وَقد ذكرنَا أَن لفظ كَيفَ هُنَاكَ مطوية لِأَن السُّؤَال فِي موضِعين عَن حَالَة الْغسْل وَصفته بِلَفْظ كَيفَ
لِأَنَّهَا تدل على الْحَالة (فَإِن قلت) كَيفَ تَقول السُّؤَال فِي موضِعين عَن حَالَة الْغسْل وَالْجَوَاب بالكمية (قلت) الْحَالة هِيَ الْكَيْفِيَّة وللغسل حَقِيقَة وَحَالَة فحقيقته إسالة المَاء على سَائِر الْبدن وحالته اسْتِعْمَال مَاء نَحْو صَاع أَو ثَلَاث أكف مِنْهُ وَلم يكن السُّؤَال عَن حَقِيقَة الْغسْل وَإِنَّمَا كَانَ عَن حَاله فَوَقع الْجَواب بالكم فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِأَن كَيفَ وَكم من الْعَوَارِض المنحصرة فِي المقولات التسع فطابق الْجَواب السُّؤَال وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا بعث لبَيَان الْحَقَائِق وَإِنَّمَا بعث لبَيَان الْأَحْكَام وَالْأَحْكَام من عوارض الْحَقَائِق قَوْله " ثَلَاثَة أكف " هِيَ رِوَايَة كَرِيمَة بِالتَّاءِ وَفِي رِوَايَة غَيرهَا " ثَلَاث أكف " بِغَيْر التَّاء قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت الْكَفّ مُؤَنّثَة فَلم دخل التَّاء فِي الثَّلَاثَة (قلت) المُرَاد من الْكَفّ قدر الْكَفّ وَمَا فِيهَا فباعتباره دخلت أَو بِاعْتِبَار الْعُضْو (قلت) فِي الْجَواب الأول نظر وَالثَّانِي لَا بَأْس بِهِ وَالْأَحْسَن أَن يَقُول الْكَفّ يذكر وَيُؤَنث فَيجوز دُخُول التَّاء وَتَركه على الاعتبارين وَالْمرَاد أَنه يَأْخُذ فِي كل مرّة كفين لِأَن الْكَفّ اسْم جنس فَيجوز حمله على الِاثْنَيْنِ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة اسحق ابْن رَاهَوَيْه من طَرِيق حسن بن صَالح عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ فِي آخر الحَدِيث (وَبسط يَدَيْهِ) وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث جُبَير بن مطعم الَّذِي فِي أول الْبَاب قَوْله " فيفيضها على رَأسه " وَفِي بعض النّسخ بِدُونِ على قَوْله " ثمَّ يفِيض " أَي المَاء (فَإِن قلت) لم لَا يكون مَفْعُوله الْمَحْذُوف ثَلَاثَة أكف بِقَرِينَة عطفه عَلَيْهِ (قلت) لِأَن الثَّلَاثَة الأكف لَا يَكْفِي لسَائِر جسده عَادَة قَوْله " كثير الشّعْر " أَي لَا يَكْفِي هَذَا الْقدر من المَاء فَقَالَ كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَكثر شعرًا مِنْك وَقد كَفاهُ. وَمِمَّا يستنبط مِنْهُ جَوَاز الِاكْتِفَاء بِثَلَاث غرف على الرَّأْس وَإِن كَانَ كثير الشّعْر وَفِيه تَقْدِيم ذَلِك على إفَاضَة المَاء على جسده وَفِيه الْحَث على السُّؤَال عَن أَمر الدّين من الْعلمَاء وَفِيه وجوب الْجَواب عِنْد الْعلم بِهِ وَفِيه دلَالَة على مُلَازمَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على ثَلَاثَة أكف فِي الْغسْل لِأَن لَفْظَة كَانَ تدل على الِاسْتِمْرَار
٥ - (بابُ الغُسْل مَرَّةً وَاحِدَةً)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْغسْل مرّة وَاحِدَة.
٢٥٧ - حدّثنا مُوسَى قالَ حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسِ قالَ قالتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ للنَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَاء لِلْغَسْلِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ علَى جَسَدِهِ ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ..
تكلّف ابْن بطال لتطبيق الحَدِيث على التَّرْجَمَة. فَقَالَ: مَوضِع التَّرْجَمَة من الحَدِيث فِي لفظ: (ثمَّ أَفَاضَ على جسده) وَلم يذكر: مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ، فَحمل على أقل مَا يُسمى غسلا، وَهُوَ: مرّة وَاحِدَة، وَالْعُلَمَاء أَجمعُوا على أَنه لَيْسَ الشَّرْط فِي الْغسْل إلَاّ الْعُمُوم والإسباغ لَا عددا من المرات قلت: فِي هَذَا الحَدِيث عشرَة أَحْكَام على مَا ترى فَمَا وَجه وضع التَّرْجَمَة على حكم وَاحِد مِنْهَا وَمَا ثمَّ زِيَادَة فَائِدَة يعم لَو ذكر تراجم لبَقيَّة الْأَحْكَام وَلم يبْق إلَاّ هَذَا لَكَانَ لَهُ وَجه وَهَذَا الحَدِيث وَاحِد، وَإِنَّمَا قِطْعَة لوضع التراجم على أَن قَوْلهَا: (ثمَّ أَفَاضَ) ، يتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكثير، فَتكون مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل النبوذكي، وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْبَصْرِيّ. وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان وَهُوَ وَسَالم بن أبي الْجَعْد وكريب تقدمُوا فِي بَاب الْوضُوء قبل الْغسْل.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَالْقَوْل.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَالْأَرْبَعَة أَيْضا، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب: الْوضُوء قبل الْغسْل.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (فَغسل يَدَيْهِ) بالتثنية فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره (يَده) بِالْإِفْرَادِ قَوْله: (أَو ثَلَاثًا) الشَّك من مَيْمُونَة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ بَعضهم: الشَّك من الْأَعْمَش، كَمَا سَيَأْتِي من رِوَايَة أبي عوَانَة عَنهُ وعقل الْكرْمَانِي فَقَالَ: الشَّك من مَيْمُونَة. قلت: هَذَا مر فِي بَاب من أفرغ بِيَمِينِهِ على شِمَاله فِي الْغسْل، وَلَفظه: (فغسلهما مرّة أَو مرَّتَيْنِ) ، قَالَ سُلَيْمَان: لَا أَدْرِي أذكر الثَّلَاثَة أم لَا، وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَلَكِن الشَّك هَاهُنَا بَين مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، وَهُنَاكَ بَين مرّة أَو مرَّتَيْنِ،