الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٥٣
الحديث رقم ٢٧٥٣ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٧⦘
بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا.» تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَنْ وَقَفَ أَوْ أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ، بَلْ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى مُطْلَقِهِ وَعُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُقَيِّدُهُ أَوْ يُخَصِّصُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمَنْ وَافَقَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَوْرَدَهَا مُخْتَصَرَةً، وَسَتَأْتِي بِتَمَامِهَا فِي بَابِ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُدُودَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ. لِبُطُونٍ مِنْ قُرَيْشٍ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ وَصَلَهُ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ وَتَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَوْرَدَ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ طَرَفًا مِنْهُ فِي قِصَّةِ أَبِي لَهَبٍ مَوْصُولَةً، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ وَشَرْحُ الَّذِي بَعْدَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
١١ - باب هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالْوَلَدُ فِي الْأَقَارِبِ؟
٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا.
تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ.
[الحديث ٢٧٥٣ - طرفاه في: ٣٥٢٧، ٤٧٧١]
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالْوَلَدُ فِي الْأَقَارِبِ)؟ هَكَذَا أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِالِاسْتِفْهَامِ؛ لِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أَوْرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا … الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَمَوْضِعُ الشَّاهِدِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَيَا صَفِيَّةُ وَيَا فَاطِمَةُ؛ فَإِنَّهُ سَوَّى ﷺ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عَشِيرَتِهِ فَعَمَّهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ خَصَّ بَعْضَ الْبُطُونِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ وَعَمَّتَهُ صَفِيَّةَ وَابْنَتَهُ، فَدَلَّ عَلَى دُخُولِ النِّسَاءِ فِي الْأَقَارِبِ، وَعَلَى دُخُولِ الْفُرُوعِ أَيْضًا، وَعَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِمَنْ يَرِثُ وَلَا بِمَنْ كَانَ مُسْلِمًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْأَقْرَبِينَ صِفَةً لَازِمَةً لِلْعَشِيرَةِ، وَالْمُرَادُ بِعَشِيرَتِهِ قَوْمُهُ وَهُمْ قُرَيْشٌ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ قُرَيْشًا فَقَالَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ يَعْنِي قَوْمَهُ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِإِنْذَارِ قَوْمِهِ، فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَقْرَبِ مِنْهُمْ دُونَ الْأَبْعَدِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ صُورَتَهَا مَا إِذَا وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ مَثَلًا، وَالْآيَةُ تَتَعَلَّقُ بِإِنْذَارِ الْعَشِيرَةِ فَافْتَرَقَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَعَلَّهُ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ فَهِمَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ تَعْمِيمَ الْإِنْذَارِ فَلِذَلِكَ عَمَّهُمُ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١١) هذا (بابٌ) بالتنوين (هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالوَلَدُ فِي الأَقَارِبِ) إذا أوصى لهم؟
٢٧٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ) عبد الله أو إسماعيل (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]) أي: الأقرب فالأقرب منهم، فإنَّ الاهتمام بشأنهم أهمُّ. وهذا الحديث من مرسل أبي هريرة لأنَّ إسلامه إنَّما كان بالمدينة. نعم، إن قلنا بالتَّعدُّد المفهوم من حديث أبي أُمامة عند الطَّبرانيِّ (١) حيث قال: «يا عائشة … » إلى آخره، انتفى كونه مرسلًا، ويحمل على أنَّ أبا هريرة حضر القصَّة بالمدينة، كما مرَّ في الباب السَّابق.
(قَالَ) ﵊: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ) من الله، بأن تخلِّصوها من العذاب بإسلامكم (لَا أُغْنِي) لا أدفع (عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) سقطت التَّصلية بعد قوله «بنت محمَّد» من نسخةٍ، وثبتت في أخرى بعد «عمَّة رسول الله ﷺ»، و «عبَّاس» و «صفيَّة» و «فاطمة» بالبناء على الضمِّ، وقول
الزَّركشيِّ: يجوز (١) في «عبَّاس» الرَّفع والنَّصب، وكذا في (٢) «يا صفيَّةُ عمَّة» وكذا «يا فاطمةُ بنتَ»؛ قال في «المصابيح»: يريد بالرَّفع (٣) والنَّصب: الضَّمَّ والفتح؛ إذ (٤) مثله من المنادَيات مبنيٌّ على الضَّمِّ، وفُتِحَ للإتباع أو للتَّركيب على الخلاف.
والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة في قوله: «يا صفيَّةُ» و «يا فاطمةُ» ففيه دلالة على دخول النِّساء في الأقارب، وكذا الفروع وعلى عدم التخصيص بمَن يرث (٥)، ولا (٦) بمَن كان مسلمًا، قاله في «الفتح»، لكنَّ مذهبنا كأبي حنيفة: أنَّه لا يدخل في الوصيَّة للأقارب الأبوان والأولاد، ويدخل الأجداد (٧)؛ لأنَّ الوالد والولد لا يعرَّفان بالقرب في العرف، بل القريب من ينتمي بواسطةٍ فتدخل الأحفاد والأجداد، وقيل: لا يدخل أحد من الأصول والفروع، وقيل: يدخل الجميع، وبه قطع (٨) المتولِّي.
(تَابَعَهُ) أي: تابع أبا اليمان (أَصْبَغُ) بن الفرج (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ، وهذه المتابعة أخرجها مسلمٌ.
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَنْتَفِعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟) إذا وقفه على نفسه ثمَّ على غيره، أو شرط لنفسه جزءًا معيَّنا، أو يجعل للنَّاظر على وقفه شيئًا ويكون هو النَّاظر، والصَّحيح من مذهب
الشَّافعيَّة: بطلان الوقف على النَّفس وهو المنصوص، ولو وقف على الفقراء وشرط أن يُقْضى من غلَّة الوقف زكاته وديونه فهذا وقف على نفسه وغيره (١)، ففيه الخلاف، وكذا لو شرط أن يأكل من ثماره أو ينتفع به، ولو استبقى الواقف لنفسه التَّولية وشرط أجرةً (٢)، وقلنا: لا يجوز أن يقف على نفسه، فالأرجح جوازه، ولو وقف على الفقراء ثمَّ صار فقيرًا ففي جواز أخذه وجهان: إذا قلنا: لا يقف على نفسه؛ لأنَّه لم يقصد نفسه وقد وجدت الصِّفة، والأصحُّ الجواز، ورجَّح الغزاليُّ المنع لأنَّ مطلقه ينصرف إلى غيره.
(وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ) بن الخطاب (﵁) في تحبيسه أرضه الَّتي بخيبر المسمَّاة بـ «ثَمْغ» السَّابق موصولًا في آخر «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٧] (لَا جُنَاحَ) لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهُ) ولي (٣) التَّحدُّث عليه (أَنْ يَأْكُلَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «منها» بالتَّأنيث، أي: من الأرض المحبَّسة.
قال البخاريُّ تفقُّهًا منه: (وَقَدْ يَلِي الوَاقِفُ) التَّحدُّث على وقفه (وَ) قد يليه (غَيْرُهُ) واستنبط منه: أنَّ للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف، لأنَّ عمر شرط لمن وَلِيَ وقفه (٤) أن
يأكل منه، ولم يستثنِ إن كان هو الناظر (١) أو غيره، فدلَّ على صحَّة الشَّرط، وإذا جاز في المبهم الَّذي لم يعيِّنه كان فيما يُعيِّنه أجدر (٢)، وقال المالكيَّة: لا تكون ولاية النَّظر للواقف. قال ابن بطَّال: سدًّا للذَّريعة لئلَّا يصير كأنَّه وقف على نفسه، أو يطول العهد فينسى الواقف، فيتصرَّف فيه لنفسه، أو يموت فيتصرَّف فيه ورثته، واستنبط بعضهم من هذا: صحَّة الوقف على النَّفس، وهو قول أبي يوسف، وقال المرداويُّ من الحنابلة في «تنقيحه»: ولا يصحُّ على نفسه ويُصْرَف إلى من بعده في الحال، وعنه يصحُّ، واختاره جماعةٌ، وعليه العمل، وهو أظهر، وإن وقف على غيره، واستثنى كلَّ الغلَّة أو بعضها له أو لولده مدَّة حياته نصًّا أو مدَّةً معيَّنةً أو استثنى الأكل أو الانتفاع لأهله، أو يطعم صديقه، صَّح، فلو مات في أثناء المدَّة؛ كان لورثته، ثمَّ قوَّى المؤلِّف ما احتجَّ به من قصَّة عمر بقوله (٣): (وَكَذَلِكَ مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «وكذلك كلُّ من» (جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا للهِ) على سبيل العموم كالمسلمين (فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا) بتلك العين الَّتي جعلها لله (كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ) من المسلمين، بناءً على أنَّ المخاطب يدخل في عموم خطابه (وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) لنفسه ذلك (٤) في أصل الوقف، ومن ذلك انتفاعه بكتابٍ وقفه على المسلمين.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
تجعلها) ، يرجع إِلَى: بيرحاء، وَمضى تَفْسِيره هُنَاكَ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ {وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا معْشَرَ قُرَيْشٍ
ذكر هَذَا مُخْتَصرا مُعَلّقا، وَوَصله فِي مَنَاقِب قُرَيْش، وَتَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء، بِتَمَامِهِ من طَرِيق عَمْرو بن مرّة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَأورد فِي آخر الْجَنَائِز طرفا مِنْهُ فِي قصَّة أبي لَهب، مَوْصُولَة وَسَيَأْتِي تَفْسِيره، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١١ - (بابٌ هلْ يَدْخُلُ النِّساءُ والوَلَدُ فِي الأقارِبِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يدْخل ... إِلَى آخِره، وَإِنَّمَا ذكره بِكَلِمَة الِاسْتِفْهَام لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. قَوْله: (فِي الْأَقَارِب) ، أَي: فِي وَصيته للأقارب.
٣٥٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سعيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ وأبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قامَ رسولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حينَ أنْزَلَ الله عزَّ وجَلَّ {وأنْذِرْ عشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . قَالَ يَا معْشَرَ قُرَيْشٍ أوْ كَلِمَةً نحْوَهَا اشْتَرُوا أنْفِسَكُمْ لَا أُغْنِي عنكُمْ مِنَ الله شَيْئاً يَا بَنِي عبْدِ مَنافٍ لَا أُغْنِي عنْكُمْ منَ الله شَيْئاً يَا عبَّاسُ بنَ عبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عنْكَ منَ الله شَيْئا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسولِ الله لَا أُغنِي عنْكِ منَ الله شَيْئاً وَيَا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مالِي لَا أُغْنِي عنْكِ مِنَ الله شَيْئاً.
قيل: لَا مُطَابقَة هُنَا بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن الْآيَة فِي إنذار الْعَشِيرَة، وَقد أَنْذرهُمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا تعلق لَهُ فِي دُخُول النِّسَاء وَالْولد فِي الْأَقَارِب. وَقَالَ بَعضهم: مَوضِع الشَّاهِد مِنْهُ يَعْنِي: مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: يَا صَفِيَّة وَيَا فَاطِمَة، فَإِنَّهُ سوى فِي ذَلِك بَين عشيرته، فعمهم أَولا، ثمَّ خص بعض الْبُطُون، ثمَّ ذكر عَمه الْعَبَّاس وَعَمَّته صَفِيَّة وبنته فَاطِمَة، فَدلَّ على دُخُول النِّسَاء فِي الْأَقَارِب، وعَلى دُخُول الْفُرُوع أَيْضا، وعَلى عدم التَّخْصِيص بِمن يَرث وَلَا بِمن كَانَ مُسلما، وَيحْتَمل أَن يكون لفظ الْأَقْرَبين صفة لَازمه للعشيرة، وَالْمرَاد بعشيرته قومه، وهم قُرَيْش، وَفِيه نظر: لَا يخفى لِأَن الدّلَالَة الَّتِي ذكرهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، أَي: لَا دلَالَة من أَنْوَاع الدلالات. وَكَذَلِكَ قَوْله: (وعَلى عدم التَّخْصِيص) وَكَيف وَجه هَذِه الدّلَالَة؟ فَلَا دلَالَة هُنَا أصلا على مَا ذكره، يعرف ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين من التَّفْسِير بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن خَالِد بن خلي عَن بشر بن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أَبِيه بِهِ، كَذَلِك، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سَلامَة بن روح، قَالَ: حَدثنَا عقيل حَدثنِي الزُّهْرِيّ، قَالَ: قَالَ سعيد وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: أَن أَبَا هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين أنزل عَلَيْهِ: {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين} (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . يَا معشر قُرَيْش اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا بني عبد منَاف اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا عَبَّاس بن عبد الْمطلب لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا؟) الحَدِيث، قَالَ الطَّحَاوِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أمره الله عز وَجل أَن ينذر عشيرته الْأَقْرَبين، دَعَا عشائر قُرَيْش، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الثَّانِي، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الثَّالِث، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الرَّابِع، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الْخَامِس، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه السَّادِس، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد آبَائِهِ الَّذين فَوق ذَلِك، إلَاّ أَنه مِمَّن جمعته وإياه قُرَيْش وَقد ذكرنَا عَن الطَّحَاوِيّ فِي أول الْبَاب، أَنه ذكر فِي هَذَا الْبَاب خَمْسَة أَقْوَال، وسَاق دَلِيل كل وَاحِد مِنْهُم، ثمَّ ذكر أَن الصَّحِيح من ذَلِك كُله القَوْل الَّذِي ذهب إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وأبطل بَقِيَّة الْأَقْوَال، وَصرح بِبُطْلَان مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، فَهَذَا الَّذِي سلكه هُوَ طَرِيق الْمُجْتَهدين المستنبطين للْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة، فَلذَلِك ترك تَقْلِيده لأبي حنيفَة وصاحبيه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
وَنقل صَاحب (التَّلْوِيح) : عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنه قَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا وَابْن عَبَّاس أَيْضا مرسلان، لِأَن الْآيَة نزلت بِمَكَّة، وَابْن عَبَّاس كَانَ صَغِيرا، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم بِالْمَدِينَةِ. وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ يُمكن أَن يَكُونَا سمعا ذَلِك من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من صَحَابِيّ آخر.
ثمَّ إِن الْإِجْمَاع قَامَ على أَن اسْم الْوَلَد يَقع على الْبَنِينَ وَالْبَنَات، وَأَن النِّسَاء الَّتِي من صلبه وعصبته كالابنة وَالْأُخْت والعمة يدخلن فِي الْأَقَارِب إِذا وقف على أَقَاربه، أَلا ترى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خص عمته بالنذارة كَمَا خص ابْنَته، وَكَذَلِكَ من كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّن يجمعه مَعَه أَب وَاحِد، وروى أَشهب عَن مَالك: أَن الْأُم لَا تدخل. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تدخل الْأُم فِي ذَلِك وَلَا تدخل الْأَخَوَات لأم.
وَاخْتلفُوا فِي ولد الْبَنَات وَولد العمات مِمَّن لَا يجْتَمع مَعَ الْمُوصى والمحبس فِي أَب وَاحِد، هَل يدْخلُونَ بِالْقَرَابَةِ أم لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا وقف وقف على وَلَده دخل فِيهِ ولد وَلَده وَولد بَنَاته مَا تَنَاسَلُوا، وَكَذَلِكَ إِذا أوصى لِقَرَابَتِهِ يدْخل فِيهِ ولد الْبَنَات، والقرابة عِنْد أبي حنيفَة: كل ذِي رحم، فَسقط عِنْده ابْن الْعم والعمة وَابْن الْخَال وَالْخَالَة، لأَنهم لَيْسُوا بمحرمين، والقرابة عِنْد الشَّافِعِي: كل ذِي رحم محرم وَغَيره، وَلم يسْقط عِنْده ابْن الْعم وَلَا غَيره، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : صحّح أَصْحَابه أَنه لَا يدْخل فِي الْقَرَابَة الْأُصُول وَالْفُرُوع وَيدخل كل قرَابَة وَإِن بعد. وَقَالَ مَالك: لَا يدْخل فِي ذَلِك ولد الْبَنَات وَقَوله: لقرابتي وعقبي، كَقَوْلِه: لوَلَدي، وَقَوله: وَلَدي، يدْخل فِيهِ: ولد الْبَنِينَ. وَمن يرجع إِلَى عصبَة الْأَب وصلبه، وَلَا يدْخل ولد الْبَنَات. وَحجَّة من أَدخل ولد الْبِنْت قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن ابْني هَذَا سيد فِي الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا) . وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى} (الحجرات: ٣١) . والتولد من جِهَة الْأُم كالتولد من جِهَة الْأَب، وَقد دلّ الْقُرْآن على ذَلِك قَالَ تَعَالَى: {وَمن ذُريَّته دَاوُد} إِلَى أَن قَالَ: {وَعِيسَى} (الْأَنْعَام: ٤٨) . فَجعل عِيسَى من ذُريَّته وَهُوَ ابْن بنته، وَلم يفرق فِي الِاسْم بَين ابْنه وَبَين بنته. وَأجِيب بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا سمى الْحسن ابْنا على وَجه التخنن، وَأَبوهُ فِي الْحَقِيقَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِلَيْهِ نسبه، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْعَبَّاس: (أتركوا لي أبي) ، وَهُوَ عَمه وَإِن كَانَ الْأَب حَقِيقَة خِلَافه وَعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، جرى عَلَيْهِ اسْم الذُّرِّيَّة على طَرِيق الاتساع.
قَوْله: (سليني مَا شِئْت) ، فِيهِ أَن الائتلاف للْمُسلمين وَغَيرهم بِالْمَالِ جَائِز، وَفِي الْكَافِر آكِد.
تابَعَهُ أصْبَغُ عنِ ابنِ وهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ
هَذِه الْمُتَابَعَة أخرجهَا مُسلم عَن حَرْمَلَة عَن عبد الله بن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب، وَأبي سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين أنزل الله عَلَيْهِ {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين ... } (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . الحَدِيث.
٢١ - (بابٌ هَلْ يَنْتَفعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل ينْتَفع الْوَاقِف بوقفه الَّذِي وَقفه؟ وَإِنَّمَا ذكره بِكَلِمَة: هَل، الاستفهامية لمَكَان الْخلاف فِيهِ، وانتفاع الْوَاقِف بوقفه أَعم من أَن يكون الْوَقْف على نَفسه أَو أَن يَجْعَل جُزْءا كم ريعه على نَفسه، أَو أَن يَجْعَل النّظر عَلَيْهِ لنَفسِهِ.
وقدِ اشتَرَطَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا جناحَ على مَنْ وَليَهُ أنْ يأكُلَ
هَذِه قِطْعَة من قصَّة وقف عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى مَوْصُولا فِي آخر الشُّرُوط. قيل: ذكره لاشْتِرَاط عمر، لَا حجَّة فِيهِ، لِأَن عمر أخرجهَا عَن يَده ووليها غَيره، فَجعل لمن وَليهَا أَن يَأْكُل على شَرطه. قَوْله: (أَن يَأْكُل) ويروى: (أَن يَأْكُل مِنْهَا) . وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز للْوَاقِف أَن ينْتَفع بوقفه. لِأَنَّهُ أخرجه لله تَعَالَى، وقطعه عَن ملكه، فانتفاعه بِشَيْء مِنْهُ رُجُوع فِي صدقته، وَقد نهى الشَّارِع عَن ذَلِك، وَإِنَّمَا يجوز لَهُ الِانْتِفَاع بِهِ إِن شَرط ذَلِك فِي الْوَقْف أَو إِن يفْتَقر الْمحبس أَو ورثته فَيجوز لَهُم الْأكل مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْقصار: من حبس دَارا أَو سِلَاحا أَو عبدا فِي سَبِيل الله، فأنفذ ذَلِك فِي وجوهه زَمَانا، ثمَّ أَرَادَ أَن ينْتَفع بِهِ مَعَ النَّاس، فَإِن كَانَ من حَاجَة فَلَا بَأْس، وَذكر ابْن حبيب عَن مالكٍ قَالَ: من حبس أصلا يجْرِي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَنْ وَقَفَ أَوْ أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ، بَلْ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى مُطْلَقِهِ وَعُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يُقَيِّدُهُ أَوْ يُخَصِّصُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمَنْ وَافَقَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَوْرَدَهَا مُخْتَصَرَةً، وَسَتَأْتِي بِتَمَامِهَا فِي بَابِ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُدُودَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ. لِبُطُونٍ مِنْ قُرَيْشٍ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ وَصَلَهُ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ وَتَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَوْرَدَ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ طَرَفًا مِنْهُ فِي قِصَّةِ أَبِي لَهَبٍ مَوْصُولَةً، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ وَشَرْحُ الَّذِي بَعْدَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
١١ - باب هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالْوَلَدُ فِي الْأَقَارِبِ؟
٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا.
تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ.
[الحديث ٢٧٥٣ - طرفاه في: ٣٥٢٧، ٤٧٧١]
قَوْلُهُ: (بَابُ هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالْوَلَدُ فِي الْأَقَارِبِ)؟ هَكَذَا أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِالِاسْتِفْهَامِ؛ لِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أَوْرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا … الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَمَوْضِعُ الشَّاهِدِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَيَا صَفِيَّةُ وَيَا فَاطِمَةُ؛ فَإِنَّهُ سَوَّى ﷺ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عَشِيرَتِهِ فَعَمَّهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ خَصَّ بَعْضَ الْبُطُونِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ وَعَمَّتَهُ صَفِيَّةَ وَابْنَتَهُ، فَدَلَّ عَلَى دُخُولِ النِّسَاءِ فِي الْأَقَارِبِ، وَعَلَى دُخُولِ الْفُرُوعِ أَيْضًا، وَعَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِمَنْ يَرِثُ وَلَا بِمَنْ كَانَ مُسْلِمًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْأَقْرَبِينَ صِفَةً لَازِمَةً لِلْعَشِيرَةِ، وَالْمُرَادُ بِعَشِيرَتِهِ قَوْمُهُ وَهُمْ قُرَيْشٌ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ قُرَيْشًا فَقَالَ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ يَعْنِي قَوْمَهُ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِإِنْذَارِ قَوْمِهِ، فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَقْرَبِ مِنْهُمْ دُونَ الْأَبْعَدِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ صُورَتَهَا مَا إِذَا وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ مَثَلًا، وَالْآيَةُ تَتَعَلَّقُ بِإِنْذَارِ الْعَشِيرَةِ فَافْتَرَقَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَعَلَّهُ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ فَهِمَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ تَعْمِيمَ الْإِنْذَارِ فَلِذَلِكَ عَمَّهُمُ انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١١) هذا (بابٌ) بالتنوين (هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالوَلَدُ فِي الأَقَارِبِ) إذا أوصى لهم؟
٢٧٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ) عبد الله أو إسماعيل (بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]) أي: الأقرب فالأقرب منهم، فإنَّ الاهتمام بشأنهم أهمُّ. وهذا الحديث من مرسل أبي هريرة لأنَّ إسلامه إنَّما كان بالمدينة. نعم، إن قلنا بالتَّعدُّد المفهوم من حديث أبي أُمامة عند الطَّبرانيِّ (١) حيث قال: «يا عائشة … » إلى آخره، انتفى كونه مرسلًا، ويحمل على أنَّ أبا هريرة حضر القصَّة بالمدينة، كما مرَّ في الباب السَّابق.
(قَالَ) ﵊: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ) من الله، بأن تخلِّصوها من العذاب بإسلامكم (لَا أُغْنِي) لا أدفع (عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) سقطت التَّصلية بعد قوله «بنت محمَّد» من نسخةٍ، وثبتت في أخرى بعد «عمَّة رسول الله ﷺ»، و «عبَّاس» و «صفيَّة» و «فاطمة» بالبناء على الضمِّ، وقول
الزَّركشيِّ: يجوز (١) في «عبَّاس» الرَّفع والنَّصب، وكذا في (٢) «يا صفيَّةُ عمَّة» وكذا «يا فاطمةُ بنتَ»؛ قال في «المصابيح»: يريد بالرَّفع (٣) والنَّصب: الضَّمَّ والفتح؛ إذ (٤) مثله من المنادَيات مبنيٌّ على الضَّمِّ، وفُتِحَ للإتباع أو للتَّركيب على الخلاف.
والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة في قوله: «يا صفيَّةُ» و «يا فاطمةُ» ففيه دلالة على دخول النِّساء في الأقارب، وكذا الفروع وعلى عدم التخصيص بمَن يرث (٥)، ولا (٦) بمَن كان مسلمًا، قاله في «الفتح»، لكنَّ مذهبنا كأبي حنيفة: أنَّه لا يدخل في الوصيَّة للأقارب الأبوان والأولاد، ويدخل الأجداد (٧)؛ لأنَّ الوالد والولد لا يعرَّفان بالقرب في العرف، بل القريب من ينتمي بواسطةٍ فتدخل الأحفاد والأجداد، وقيل: لا يدخل أحد من الأصول والفروع، وقيل: يدخل الجميع، وبه قطع (٨) المتولِّي.
(تَابَعَهُ) أي: تابع أبا اليمان (أَصْبَغُ) بن الفرج (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ، وهذه المتابعة أخرجها مسلمٌ.
(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَنْتَفِعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟) إذا وقفه على نفسه ثمَّ على غيره، أو شرط لنفسه جزءًا معيَّنا، أو يجعل للنَّاظر على وقفه شيئًا ويكون هو النَّاظر، والصَّحيح من مذهب
الشَّافعيَّة: بطلان الوقف على النَّفس وهو المنصوص، ولو وقف على الفقراء وشرط أن يُقْضى من غلَّة الوقف زكاته وديونه فهذا وقف على نفسه وغيره (١)، ففيه الخلاف، وكذا لو شرط أن يأكل من ثماره أو ينتفع به، ولو استبقى الواقف لنفسه التَّولية وشرط أجرةً (٢)، وقلنا: لا يجوز أن يقف على نفسه، فالأرجح جوازه، ولو وقف على الفقراء ثمَّ صار فقيرًا ففي جواز أخذه وجهان: إذا قلنا: لا يقف على نفسه؛ لأنَّه لم يقصد نفسه وقد وجدت الصِّفة، والأصحُّ الجواز، ورجَّح الغزاليُّ المنع لأنَّ مطلقه ينصرف إلى غيره.
(وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ) بن الخطاب (﵁) في تحبيسه أرضه الَّتي بخيبر المسمَّاة بـ «ثَمْغ» السَّابق موصولًا في آخر «الشُّروط» [خ¦٢٧٣٧] (لَا جُنَاحَ) لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهُ) ولي (٣) التَّحدُّث عليه (أَنْ يَأْكُلَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «منها» بالتَّأنيث، أي: من الأرض المحبَّسة.
قال البخاريُّ تفقُّهًا منه: (وَقَدْ يَلِي الوَاقِفُ) التَّحدُّث على وقفه (وَ) قد يليه (غَيْرُهُ) واستنبط منه: أنَّ للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من ريع الموقوف، لأنَّ عمر شرط لمن وَلِيَ وقفه (٤) أن
يأكل منه، ولم يستثنِ إن كان هو الناظر (١) أو غيره، فدلَّ على صحَّة الشَّرط، وإذا جاز في المبهم الَّذي لم يعيِّنه كان فيما يُعيِّنه أجدر (٢)، وقال المالكيَّة: لا تكون ولاية النَّظر للواقف. قال ابن بطَّال: سدًّا للذَّريعة لئلَّا يصير كأنَّه وقف على نفسه، أو يطول العهد فينسى الواقف، فيتصرَّف فيه لنفسه، أو يموت فيتصرَّف فيه ورثته، واستنبط بعضهم من هذا: صحَّة الوقف على النَّفس، وهو قول أبي يوسف، وقال المرداويُّ من الحنابلة في «تنقيحه»: ولا يصحُّ على نفسه ويُصْرَف إلى من بعده في الحال، وعنه يصحُّ، واختاره جماعةٌ، وعليه العمل، وهو أظهر، وإن وقف على غيره، واستثنى كلَّ الغلَّة أو بعضها له أو لولده مدَّة حياته نصًّا أو مدَّةً معيَّنةً أو استثنى الأكل أو الانتفاع لأهله، أو يطعم صديقه، صَّح، فلو مات في أثناء المدَّة؛ كان لورثته، ثمَّ قوَّى المؤلِّف ما احتجَّ به من قصَّة عمر بقوله (٣): (وَكَذَلِكَ مَنْ) ولأبي ذرٍّ: «وكذلك كلُّ من» (جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا للهِ) على سبيل العموم كالمسلمين (فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا) بتلك العين الَّتي جعلها لله (كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ) من المسلمين، بناءً على أنَّ المخاطب يدخل في عموم خطابه (وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) لنفسه ذلك (٤) في أصل الوقف، ومن ذلك انتفاعه بكتابٍ وقفه على المسلمين.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
تجعلها) ، يرجع إِلَى: بيرحاء، وَمضى تَفْسِيره هُنَاكَ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ {وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا معْشَرَ قُرَيْشٍ
ذكر هَذَا مُخْتَصرا مُعَلّقا، وَوَصله فِي مَنَاقِب قُرَيْش، وَتَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء، بِتَمَامِهِ من طَرِيق عَمْرو بن مرّة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَأورد فِي آخر الْجَنَائِز طرفا مِنْهُ فِي قصَّة أبي لَهب، مَوْصُولَة وَسَيَأْتِي تَفْسِيره، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١١ - (بابٌ هلْ يَدْخُلُ النِّساءُ والوَلَدُ فِي الأقارِبِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل يدْخل ... إِلَى آخِره، وَإِنَّمَا ذكره بِكَلِمَة الِاسْتِفْهَام لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ. قَوْله: (فِي الْأَقَارِب) ، أَي: فِي وَصيته للأقارب.
٣٥٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سعيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ وأبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قامَ رسولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حينَ أنْزَلَ الله عزَّ وجَلَّ {وأنْذِرْ عشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . قَالَ يَا معْشَرَ قُرَيْشٍ أوْ كَلِمَةً نحْوَهَا اشْتَرُوا أنْفِسَكُمْ لَا أُغْنِي عنكُمْ مِنَ الله شَيْئاً يَا بَنِي عبْدِ مَنافٍ لَا أُغْنِي عنْكُمْ منَ الله شَيْئاً يَا عبَّاسُ بنَ عبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عنْكَ منَ الله شَيْئا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسولِ الله لَا أُغنِي عنْكِ منَ الله شَيْئاً وَيَا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مالِي لَا أُغْنِي عنْكِ مِنَ الله شَيْئاً.
قيل: لَا مُطَابقَة هُنَا بَين الحَدِيث والترجمة لِأَن الْآيَة فِي إنذار الْعَشِيرَة، وَقد أَنْذرهُمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا تعلق لَهُ فِي دُخُول النِّسَاء وَالْولد فِي الْأَقَارِب. وَقَالَ بَعضهم: مَوضِع الشَّاهِد مِنْهُ يَعْنِي: مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: يَا صَفِيَّة وَيَا فَاطِمَة، فَإِنَّهُ سوى فِي ذَلِك بَين عشيرته، فعمهم أَولا، ثمَّ خص بعض الْبُطُون، ثمَّ ذكر عَمه الْعَبَّاس وَعَمَّته صَفِيَّة وبنته فَاطِمَة، فَدلَّ على دُخُول النِّسَاء فِي الْأَقَارِب، وعَلى دُخُول الْفُرُوع أَيْضا، وعَلى عدم التَّخْصِيص بِمن يَرث وَلَا بِمن كَانَ مُسلما، وَيحْتَمل أَن يكون لفظ الْأَقْرَبين صفة لَازمه للعشيرة، وَالْمرَاد بعشيرته قومه، وهم قُرَيْش، وَفِيه نظر: لَا يخفى لِأَن الدّلَالَة الَّتِي ذكرهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، أَي: لَا دلَالَة من أَنْوَاع الدلالات. وَكَذَلِكَ قَوْله: (وعَلى عدم التَّخْصِيص) وَكَيف وَجه هَذِه الدّلَالَة؟ فَلَا دلَالَة هُنَا أصلا على مَا ذكره، يعرف ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين من التَّفْسِير بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن خَالِد بن خلي عَن بشر بن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أَبِيه بِهِ، كَذَلِك، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا سَلامَة بن روح، قَالَ: حَدثنَا عقيل حَدثنِي الزُّهْرِيّ، قَالَ: قَالَ سعيد وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: أَن أَبَا هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين أنزل عَلَيْهِ: {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين} (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . يَا معشر قُرَيْش اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا بني عبد منَاف اشْتَروا أَنفسكُم من الله لَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا يَا عَبَّاس بن عبد الْمطلب لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا؟) الحَدِيث، قَالَ الطَّحَاوِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أمره الله عز وَجل أَن ينذر عشيرته الْأَقْرَبين، دَعَا عشائر قُرَيْش، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الثَّانِي، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الثَّالِث، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الرَّابِع، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه الْخَامِس، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد أَبِيه السَّادِس، وَفِيهِمْ من يلقاه عِنْد آبَائِهِ الَّذين فَوق ذَلِك، إلَاّ أَنه مِمَّن جمعته وإياه قُرَيْش وَقد ذكرنَا عَن الطَّحَاوِيّ فِي أول الْبَاب، أَنه ذكر فِي هَذَا الْبَاب خَمْسَة أَقْوَال، وسَاق دَلِيل كل وَاحِد مِنْهُم، ثمَّ ذكر أَن الصَّحِيح من ذَلِك كُله القَوْل الَّذِي ذهب إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وأبطل بَقِيَّة الْأَقْوَال، وَصرح بِبُطْلَان مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد، فَهَذَا الَّذِي سلكه هُوَ طَرِيق الْمُجْتَهدين المستنبطين للْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة، فَلذَلِك ترك تَقْلِيده لأبي حنيفَة وصاحبيه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
وَنقل صَاحب (التَّلْوِيح) : عَن الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنه قَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا وَابْن عَبَّاس أَيْضا مرسلان، لِأَن الْآيَة نزلت بِمَكَّة، وَابْن عَبَّاس كَانَ صَغِيرا، وَأَبُو هُرَيْرَة أسلم بِالْمَدِينَةِ. وَأجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ يُمكن أَن يَكُونَا سمعا ذَلِك من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من صَحَابِيّ آخر.
ثمَّ إِن الْإِجْمَاع قَامَ على أَن اسْم الْوَلَد يَقع على الْبَنِينَ وَالْبَنَات، وَأَن النِّسَاء الَّتِي من صلبه وعصبته كالابنة وَالْأُخْت والعمة يدخلن فِي الْأَقَارِب إِذا وقف على أَقَاربه، أَلا ترى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خص عمته بالنذارة كَمَا خص ابْنَته، وَكَذَلِكَ من كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّن يجمعه مَعَه أَب وَاحِد، وروى أَشهب عَن مَالك: أَن الْأُم لَا تدخل. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: تدخل الْأُم فِي ذَلِك وَلَا تدخل الْأَخَوَات لأم.
وَاخْتلفُوا فِي ولد الْبَنَات وَولد العمات مِمَّن لَا يجْتَمع مَعَ الْمُوصى والمحبس فِي أَب وَاحِد، هَل يدْخلُونَ بِالْقَرَابَةِ أم لَا؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا وقف وقف على وَلَده دخل فِيهِ ولد وَلَده وَولد بَنَاته مَا تَنَاسَلُوا، وَكَذَلِكَ إِذا أوصى لِقَرَابَتِهِ يدْخل فِيهِ ولد الْبَنَات، والقرابة عِنْد أبي حنيفَة: كل ذِي رحم، فَسقط عِنْده ابْن الْعم والعمة وَابْن الْخَال وَالْخَالَة، لأَنهم لَيْسُوا بمحرمين، والقرابة عِنْد الشَّافِعِي: كل ذِي رحم محرم وَغَيره، وَلم يسْقط عِنْده ابْن الْعم وَلَا غَيره، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : صحّح أَصْحَابه أَنه لَا يدْخل فِي الْقَرَابَة الْأُصُول وَالْفُرُوع وَيدخل كل قرَابَة وَإِن بعد. وَقَالَ مَالك: لَا يدْخل فِي ذَلِك ولد الْبَنَات وَقَوله: لقرابتي وعقبي، كَقَوْلِه: لوَلَدي، وَقَوله: وَلَدي، يدْخل فِيهِ: ولد الْبَنِينَ. وَمن يرجع إِلَى عصبَة الْأَب وصلبه، وَلَا يدْخل ولد الْبَنَات. وَحجَّة من أَدخل ولد الْبِنْت قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن ابْني هَذَا سيد فِي الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا) . وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى} (الحجرات: ٣١) . والتولد من جِهَة الْأُم كالتولد من جِهَة الْأَب، وَقد دلّ الْقُرْآن على ذَلِك قَالَ تَعَالَى: {وَمن ذُريَّته دَاوُد} إِلَى أَن قَالَ: {وَعِيسَى} (الْأَنْعَام: ٤٨) . فَجعل عِيسَى من ذُريَّته وَهُوَ ابْن بنته، وَلم يفرق فِي الِاسْم بَين ابْنه وَبَين بنته. وَأجِيب بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّمَا سمى الْحسن ابْنا على وَجه التخنن، وَأَبوهُ فِي الْحَقِيقَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِلَيْهِ نسبه، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْعَبَّاس: (أتركوا لي أبي) ، وَهُوَ عَمه وَإِن كَانَ الْأَب حَقِيقَة خِلَافه وَعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، جرى عَلَيْهِ اسْم الذُّرِّيَّة على طَرِيق الاتساع.
قَوْله: (سليني مَا شِئْت) ، فِيهِ أَن الائتلاف للْمُسلمين وَغَيرهم بِالْمَالِ جَائِز، وَفِي الْكَافِر آكِد.
تابَعَهُ أصْبَغُ عنِ ابنِ وهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ
هَذِه الْمُتَابَعَة أخرجهَا مُسلم عَن حَرْمَلَة عَن عبد الله بن وهب عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب، وَأبي سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين أنزل الله عَلَيْهِ {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين ... } (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . الحَدِيث.
٢١ - (بابٌ هَلْ يَنْتَفعُ الوَاقِفُ بِوَقْفِهِ؟)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: هَل ينْتَفع الْوَاقِف بوقفه الَّذِي وَقفه؟ وَإِنَّمَا ذكره بِكَلِمَة: هَل، الاستفهامية لمَكَان الْخلاف فِيهِ، وانتفاع الْوَاقِف بوقفه أَعم من أَن يكون الْوَقْف على نَفسه أَو أَن يَجْعَل جُزْءا كم ريعه على نَفسه، أَو أَن يَجْعَل النّظر عَلَيْهِ لنَفسِهِ.
وقدِ اشتَرَطَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا جناحَ على مَنْ وَليَهُ أنْ يأكُلَ
هَذِه قِطْعَة من قصَّة وقف عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مضى مَوْصُولا فِي آخر الشُّرُوط. قيل: ذكره لاشْتِرَاط عمر، لَا حجَّة فِيهِ، لِأَن عمر أخرجهَا عَن يَده ووليها غَيره، فَجعل لمن وَليهَا أَن يَأْكُل على شَرطه. قَوْله: (أَن يَأْكُل) ويروى: (أَن يَأْكُل مِنْهَا) . وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز للْوَاقِف أَن ينْتَفع بوقفه. لِأَنَّهُ أخرجه لله تَعَالَى، وقطعه عَن ملكه، فانتفاعه بِشَيْء مِنْهُ رُجُوع فِي صدقته، وَقد نهى الشَّارِع عَن ذَلِك، وَإِنَّمَا يجوز لَهُ الِانْتِفَاع بِهِ إِن شَرط ذَلِك فِي الْوَقْف أَو إِن يفْتَقر الْمحبس أَو ورثته فَيجوز لَهُم الْأكل مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْقصار: من حبس دَارا أَو سِلَاحا أَو عبدا فِي سَبِيل الله، فأنفذ ذَلِك فِي وجوهه زَمَانا، ثمَّ أَرَادَ أَن ينْتَفع بِهِ مَعَ النَّاس، فَإِن كَانَ من حَاجَة فَلَا بَأْس، وَذكر ابْن حبيب عَن مالكٍ قَالَ: من حبس أصلا يجْرِي