«خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠٤

الحديث رقم ٣٠٤ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ترك الحائض الصوم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى…

«خَرَجَ رَسُولُ اللهِ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ. قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا».

سند حديث: ٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ…

٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى…

خَرَجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في يومِ عيدٍ إلى المصلى، وكان قد وَعَدَ النساءَ بأن يُفْرِدَهُن بالموعظة، فأنجزه ذلك اليوم، وقال:
يا جماعةَ النساء تَصدقن، وأكثِرْن الاستغفار؛ فهما من أعظم أسباب حط الخطايا، فإني رأيتكن ليلة الإسراء أكثرَ أهل النار.

فقالت امرأة منهن ذات عقل ورأي ووقَار: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟

قال: لأمور: تُكثرن اللعن والسَّبّ، وتَجْحَدْنَ حقَّ الزوج.
ثم وَصَفهن بقوله صلى الله عليه وسلم: ما رأيت مِن ناقصات عقل ودين أَغْلَبَ لذي لُبٍّ وعقل وحزم وضبط لأمره منكن.

قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟

قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تَعدل شهادة رجل واحد؛ فهذا نقصان العقل، ونقصان الدين هو نقصان العمل الصالح حيث تَمكُثُ ليالي وأيامًا لا تصلي بسبب الحيض، وتفطر أيامًا من رمضان بسبب الحيض، فهذا نقصان الدين، إلا أنهن لا يُلَمْنَ على ذلك ولا يؤاخَذْن عليه؛ لأنه من أصل الخِلْقَة، كما أن الإنسان فُطِرَ وخُلِقَ يُحِبُّ المال وعجول في أموره وجهول… وغير ذلك، لكن نَبَّه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهن.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب خروج النساء إلى صلاة العيد، وأن يُفْردْن بالموعظة.
  • كُفران العَشير وكثرة اللعن من الكبائر؛ لأن التَّوعُّد بالنار من علامة كون المعصية كبيرة.
  • فيه بيان زيادة الإيمان ونقصانه، فمن كَثُرت عِبادته زاد إيمانه ودِينه، ومن نَقصت عِبادته نَقص دِينه.
  • قال النووي: العقل يقبل الزيادة والنقصان، وكذلك الإيمان، وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومَهن على ذلك؛ لأنه من أصل الخِلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذير من الافتتان بهن، ولهذا رتَّب العذاب على ما ذُكر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين مُنحصرًا فيما يحصل به الإثم بل في أعم من ذلك.
  • فيه مُراجعة المُتعلم العالم والتَّابع المَتْبُوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه.
  • فيه أن شهادة المرأة على نِصف شهادة الرَّجل وذلك لقِلَّة ضبطِها.
  • قال ابن حجر في قوله: "ما رأيت من ناقصات... إلخ" ويظهر لي أن ذلك من جملة أسباب كونهن أكثر أهل النار؛ لأنهن إذا كُنّ سببًا لإذهاب عقل الرجل الحازم حتى يفعل أو يقول ما لا ينبغي فقد شَارَكْنَه في الإثم وزِدْن عليه.
  • تحريم الصلاة والصوم على المرأة في زمن حيضها، ومثلها النفساء، ثم تقضيان الصيام فقط حال طهرهما.
  • حسن خُلق النبي صلى الله عليه وسلم فقد أجَاب النِّساء عن أسئلتِهن من غير تَعْنِيف ولا لَوْم.
  • قال ابن حجر: أن الصدقة تدفع العذاب، وأنها قد تكفر الذنوب التي بين المخلوقين.
  • قال النووي: نقصان الدين عند النساء بسبب تركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض؛ فإن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه، ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به كمن ترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه لا إثم فيه كمن ترك الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه هو مُكَلَّف به كترك الحائض الصلاة والصوم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالمٍ المصريُّ الجمحيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ، أخو إسماعيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ) المدنيُّ، وسقط «هو ابن أسلم» عند ابن عساكر والأَصيليِّ (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) هو ابن أبي سرحٍ العامريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ) من بيته أو مسجده (فِي) يوم (أَضْحًى) بفتح الهمزة وسكون الضَّاد، جمع: أَضْحَاةٍ، إحدى أربع لغاتٍ في اسمها، وأُضْحِيَةٌ بضمِّ الهمزة وكسرها، وضَحيَّةٌ بفتح الضَّاد وتشديد الياء، والأضحى تُذَكَّر وتُؤنَّث، وهو منصرفٌ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تُفعَل في الضُّحى؛ وهوارتفاع النَّهار (أَوْ) في يوم (فِطْرٍ) شكٌ مِنَ الرَّاوي، أو من أبي سعيدٍ (إِلَى المُصَلَّى) فوعظ النَّاس وأمرهم بالصَّدقة فقال: «يا أيَّها النَّاس، تصدَّقوا» (فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) المعشر: كلُّ جماعةٍ أمرُهم واحدٌ، وهو يَرُدُّ على ثعلبٍ حيث خصَّه بالرِّجال، إلَّا إن كان مراده بالتَّخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث (تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، أي: في ليلة

الإسراء (أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) نعم وقع في حديث ابن عبَّاسٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- في «صلاة الكسوف» [خ¦١٠٥٢]: أنَّ الرُّؤية المذكورة وقعت في صلاة الكسوف، و «الفاء» في قوله: «فإنِّي» للتَّعليل، و «أكثرَ» بالنَّصب مفعول: «أُرِيتُكُنَّ» الثَّالث، أو على الحال إذا قلنابأنَّ «أفعل» لا يتعرَّف بالإضافة كما صار (١) إليه الفارسيُّ وغيره (فَقُلْنَ) ولأبى ذَرٍّ عنِ الحَمُّويي وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قلن» (وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال ابن حجرٍ: «الواو» استئنافيَّةٌ، و «الباء» تعليليَّةٌ، و «الميم» أصلها «ما» الاستفهاميَّة، فحُذِفت منها الألف تخفيفًا، وقال العينيُّ: الواو للعطف على مُقدَّرٍ تقديره: ما ذنبنا؟ و «بِمَ»: «الباء» سببيَّةٌ (٢)، وكلمة «ما» استفهاميَّةٌ، فإذا جُرَّت «ما» الاستفهاميَّة، وجب حذف ألفها وإبقاء الفتحة دليلًا عليها، نحو: إلامَ وعلامَ، وعلَّة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر نحو: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] وأمَّا قراءة عكرمة نحو: (عمَّا يتساءلون) فنادرٌ (قَالَ) : «لأنَّكنَّ» (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) المُتَّفَق على تحريم الدعاء به على من لا تعرف خاتمة أمرِه بالقطع، أمَّا من عُرِف خاتمة أمره بنصٍّ، فيجوز كأبي جهلٍ. نعم لَعْنُ صاحبِ وصفٍ بلا تعيينٍ كالظَّالمين والكافرين جائزٌ (وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ) أي: تجحدن نعمة الزَّوج وتستقللن ما كان منه، والخطاب عامٌّ غلبت فيه الحاضرات على الغُيَّب، واستُنبِط من التَّوعُّد

بالنَّارعلى كفران العشير وكثرة اللَّعن أنَّهما من الكبائر، ثمَّ قال : (مَا رَأَيْتُ) أحدًا (مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) «أذهب»: من «الإذهاب» على مذهب سيبويه حيث جوَّز بناء «أفعل» التَّفضيل مِنَ الثُّلاثيِّ المزيد فيه، وكان القياس فيه «أشدَّ إذهابًا»، و «اللُّبُّ» -بضمِّ اللَّام وتشديد المُوحَّدة-: العقل الخالص من الشَّوائب، فهو خالص ما في الإنسان من قواه، فكلُّ لبٍّ عقلٌ، وليس كلُّ عقلٍ لبًّا، و «الحازم» -بالحاء المُهمَلة والزَّايِ- أي: الضَّابط لأمره، وهو على سبيل المُبالَغة في وصفهنَّ بذلك لأنَّه إذا كان الضَّابط لأمره (١) ينقاد لهنَّ، فغيره أَوْلى (قُلْنَ) مستفهماتٍ (٢) عن وجه نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ لخفائه عليهنَّ: (وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) مجيبًا لهنَّ بلطفٍ وإرشادٍ من غير تعنيفٍ (٣) ولا لومٍ: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَِ (٤) مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا) بكسر الكاف؛ خطابًا للواحدة التي تولَّت خطابه ، فإن قلت: إنَّما هو خطابٌ للإناث والمعهود فيه: فذلكنَّ، أُجيببأنَّه قد عُهِدَ في خطاب المُذكَّر الاستغناء بـ «ذلك» عن «ذلكم» قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] فهذا مثله في المُؤنَّث، على أنَّ بعض النُّحاة نقل لغةً بأنَّه يُكتفَى بكافٍ مكسورةٍ مُفرَدةٍ لكلِّ مُؤنَّثٍ، أو الخطاب لغير مُعيَّنٍ مِنَ النِّساء ليعمَّ الخطاب كلًّا منهنَّ على سبيل البدل، إشارةً إلى أن حالتهنَّ في النَّقص تناهت في الظُّهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا تختصُّ (٥) به واحدةٌ دون أخرى، فلا تختصُّ حينئذٍ بهذا الخطاب مُخاطَبةٌ دون مُخاطَبةٍ، قاله في «المصابيح»، ويجوز فتح الكاف على أنَّه للخطاب العامِّ. واستُنبِط من ذلك: أن لا يواجه بذلك الشَّخص المُعيَّن، فإنَّ في الشُّمول تسليةً وتسهيلًا، وأشار بقوله: «مثل نصف شهادة الرَّجل» إلى قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأنَّ الاستظهار

بأخرى يُؤذِن (١) بقلَّة ضبطها، وهو يشعر بنقص عقلها.

ثم قال : (أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟) أي: لِمَا قام بها من مانع الحيض (قُلْنَ: بَلَى، قَالَ) : (فَذَلِكَِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) بكسر الكاف وفتحها كالسَّابق، قِيلَ: وهذا العموم فيهنَّ يعارضه حديث: «كمل من الرِّجال كثيرٌ ولم يكمل مِنَ النِّساء إلَّا مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحمٍ»، وفي رواية التِّرمذيِّ وأحمد: «أربعٌ: مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلدٍ، وفاطمة بنت محمَّدٍ»، وأُجِيببأنَّ الحكم على الكلِّ بشيءٍ لا يستلزم الحكم على كلِّ فردٍ من أفراده بذلك الشيء، فإن قلت: لِمَ خصَّ بالذِّكر في التَّرجمة الصَّوم دون الصَّلاة وهما مذكوران في الحديث؟ أُجيببأنَّ تركها للصَّلاة واضحٌ لافتقارها إلى الطَّهارة بخلاف الصَّوم، فتركها له مع الحيض تعبُّدٌ محضٌ، فاحتِيج إلى التَّنصيص عليه بخلاف الصَّلاة، وليس المُراد بذكر نقص العقل والدِّين في النِّساء لومَهنَّ عليه؛ لأنَّه من أصل الخلقة، ولكن التَّنبيه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهنَّ، ولهذا رتَّب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النَّقص؛ وليس نقص الدِّين منحصرًا فيما يحصل من الإثم، بل في أعمَّ من ذلك، قاله النَّوويُّ؛ لأنَّه أمرٌ نسبيٌّ، فالكامل مثلًا ناقصٌ عن الأكمل، ومن ذلك: الحائض لا تأثم بترك الصَّلاة زمن الحيض، لكنَّها ناقصةٌ عنِ المصلِّي، وهل تُثاب على هذا التَّرك لكونها مُكلَّفة به كما يُثاب المريض على ترك (٢) النَّوافل التي كان يفعلها في صحَّته وشُغِل عنها بمرضه؟ قال النَّوويُّ: الظَّاهر لا؛ لأنَّ ظاهر الحديث أنَّها لا تُثاب لأنَّه ينوي أنَّه يفعل لو كان

سالمًا مع أهليَّته وهي ليست بأهلٍ، ولا يمكن أن تنويَ؛ لأنَّها حرامٌ عليها.

ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم مدنيُّون إلَّا ابن أبي مريم فمصريٌّ (١)، وفيه: التَّحديث بصيغة الجمع والإخبار بالإفراد وبالجمع أيضًا (٢) والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة»، و «الصَّوم» (٣) [خ¦١٩٥١] و «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٢] مُقطعًا، وفي «العيدين» [خ¦٩٦٤] بطوله (٤)، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وابن ماجه، والله أعلم.

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (تَقْضِي) أي: تؤدِّي (الحَائِضُ) المتلبِّسة بالإحرام (المَنَاسِكَ كُلَّهَا) المتعلِّقة بالحجِّ أوِ العمرة كالتَّلبية (إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ) لكونه (٥) صلاةً مخصوصةً (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا (٦) وصله الدَّارميُّ: (لَا بَأْسَ) أي: لا حرج (أَنْ تَقْرَأَ) الحائض

(الآيَةَ) من القرآن، ورُوِي نحوُه عن مالكٍ والجوازُ مُطلَقًا والتَّخصيص بالحائض دون الجنب، ومذهبنا كالحنفيَّة والحنابلة التَّحريم، ولو بعض آيةٍ؛ لحديث التَّرمذيِّ: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن» وهو حجَّةٌ على المالكيَّة في قولهم (١): إنَّها تقرأ القرآن ولا يقرأ الجنب، وعُلِّل بطول أمد (٢) الحيض المستلزم نسيان القرآن بخلاف الجنب، وهو بإطلاقه يتناول الآية فما دونها، فيكون حجَّةً على النَّخعيِّ وعلى الطَّحاويِّ في إباحة (٣) بعض الآية، لكنَّ الحديث ضعيفٌ من جميع طرقه، نعم يحلُّ له قراءة الفاتحة في الصَّلاة إذا فقد الطَّهورين، بل يجب كما صحَّحه النَّوويُّ لأنَّه نادرٌ، وصحَّح الرَّافعيُّ حرمتها لعجزه عنها شرعًا، وكذا تحلُّ أذكاره لا بقصد قراءة القرآن (٤) كقوله عند الرُّكوب: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] فإن قصد القرآن وحده أو مع الذِّكر حَرُم، وإن أطلق فلا، كما اقتضاه كلام «المنهاج» خلافًا لما في «المحرَّر»، وقال في «شرح (٥) المُهذَّب»: أشار العراقيُّون إلى التَّحريم (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ) (بِالقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِبَأْسًا) روى ابن المنذر بإسناده عنه: أنَّه كان يقرأ ورده من القرآن وهو جنبٌ، فقِيلَ له في ذلك (٦)، فقال: ما في جوفي أكثر منه (وَكَانَ النَّبِيُّ يَذْكُرُ اللَّهَ) بالقرآن وغيره (عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) أي: أزمانه فدخل فيه (٧) حين الجنابة، وبه قال الطَّبريُّ وابن المنذر وداود، و (٨) هذا التَّعليق وصله مسلمٌ من حديث عائشة.

(وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) ممَّا وصله المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٧١] بلفظ: (كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ)

بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، يوم العيد (١) حتَّى تخرج البِكْر من خدرها وحتى تخرج (٢) (الحُيَّضُ) بالرَّفع على الفاعليَّة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «أن نُخْرِج» بنونٍ مضمومةٍ وكسر الرَّاء «الحُيَّضَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، فيكنَّ خلف النَّاس (فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ) بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يدعين» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ بدل الواو، وردَّها العينيُّ لمخالفتها لقواعد (٣) التَّصريف لأنَّ هذه الصِّيغة مُعتلَّة اللَّام من ذوات الواو، يستوي فيها لفظ جماعة الذُّكور والإناث في الخطاب والغيبة جميعًا، وفي التَّقدير يختلف، فوزن الجمع المُذكَّر «يفعون»، والمُؤنَّث «يَفْعُلْن» (٤).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا (٥) وصله المؤلِّف في «بدء الوحي» [خ¦٧]: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) بن حربٍ (أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ، فَقَرَأَهُ (٦) فَإِذَا فِيهِ: بسم الله الرحمن الرحيم) (وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾) بزيادة الواوِ للقابسيِّ والنَّسفيِّ وعُبدوسٍ، وسقطت لأبي

ذَرٍّوالأَصيليِّ

(﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ … ﴾ الاية [آل عمران: ٦٤]) استدلَّ به: على جواز القراءة للجنب لأنَّ الكفَّار جنبٌ، وإنَّما كتب لهم ليقرؤوه، وذلك يستلزم جواز القراءة بالنَّصِّ لا بالاستنباط، وأُجيببأنَّ الكتاب اشتمل على غير الآيتين، فهو كما لو ذُكِرَ بعض القرآن في التَّفسير، فإنَّه لا يُمنَع قراءته ولا مسُّه عند الجمهور لأنَّه لا يُقصَد منه التَّلاوة.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ممَّا وصله المؤلِّف في «باب قوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت» من «كتاب الأحكام» [خ¦٧٣٦٧] أنَّه قال: (حَاضَتْ عَائِشَةُ) (فَنَسَكَتِ) بفتح النُّون، أي: أقامت (المَنَاسِكَ) المتعلِّقة بالحجِّ (كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي) ولفظة: «كلِّها» ثابتةٌ عند الأَصيليِّ دون غيره (١) كما في الفرع.

(وَقَالَ الحَكَمُ) بفتح الحاء المُهمَلة والكاف، ابن عُتَيْبَة -بضمِّ العين المُهمَلة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والمُوحَّدة بينهما تحتيَّةٌ- الكوفيُّ مما وصله البغويُّ في «الجعديات»: (إِنِّي لأَذْبَحُ) الذَّبيحة (وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (جُنُبٌ وَ) الذَّبح يستلزم ذكر الله تعالى، و (قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]) إذِ المُراد به: «لا تذبحوا» بإجماع المفسِّرين،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن خَالِد بن عبد الله عَن الشَّيْبَانِيّ بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُسَدّد، وَمُحَمّد بن الْعَلَاء، كِلَاهُمَا عَن حَفْص بن غياث عَن الشَّيْبَانِيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث أم حَبِيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: [حم (كَانَت إحدانا فِي فورها أول مَا تحيض تشد عَلَيْهَا إزاراً إِلَى أَنْصَاف فخذيها ثمَّ تضطجع مَعَه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) [/ حم وَأخرج أَبُو يعلى الْموصِلِي، من حَدِيث عَمْرو رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَهُ مَا فَوق الْإِزَار وَلَيْسَ لَهُ مَا تَحْتَهُ) وَفِي لفظ: [حم (لَا يطلعن إِلَى مَا تَحْتَهُ حَتَّى يطهرن) [/ حم وَأخرج أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن بعض أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: [حم (أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ من الْحَائِض شَيْئا ألْقى على فرجهَا ثوبا) [/ حم وَأخرج ابْن أبي دَاوُد بِسَنَد جيد عَن أم سَلمَة: [حم (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُبَاشِرهَا وعَلى قبلهَا ثوب) [/ حم تَعْنِي: وَهِي حَائِض، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث معَاذ وَعبد الله بن سعد: (مَا يحل للرجل من امْرَأَته وَهِي حَائِض؟ قَالَ: مَا فَوق الْإِزَار) وَفِي حَدِيث معَاذ: (وَالتَّعَفُّف عَن ذَلِك أجمل) ، وَأخرج عبد الله بن وهب بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث كريب، قَالَ: سَمِعت أم الْمُؤمنِينَ تَقول: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضطجع معي وَأَنا حَائِض، وبيني وَبَينه ثوب) وَأخرج الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل، قَالَ: (قَالَت أم الْمُؤمنِينَ: كنت أتزر وَأَنا حَائِض وَأدْخل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي لِحَافه) وَإِسْنَاده صَحِيح، وَفِي (الْمُوَطَّأ) عَن زيد بن أسلم: (سَأَلَ رجل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا يحل لي من امْرَأَتي وَهِي حَائِض؟ قَالَ لِتشد عَلَيْهَا إزَارهَا ثمَّ شَأْنك بِأَعْلَاهَا) قَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم أحدا روى هَذَا الحَدِيث مُسْندًا بِهَذَا اللَّفْظ.

ورَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِي

يَعْنِي: روى هَذَا الحَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، كَذَا قَالَ بَعضهم، سُفْيَان هُوَ: الثَّوْريّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي سَوَاء كَانَ هُوَ الثَّوْريّ أَو ابْن عُيَيْنَة فَهُوَ على شَرط البُخَارِيّ فَلَا بَأْس فِي إبهامه وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَكَانَ البُخَارِيّ يُرِيد بمتابعة سُفْيَان هُنَا الْمَعْنى لَا اللَّفْظ، وَذَلِكَ أَن أَبَا دَاوُد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سمع عبد الله بن شَدَّاد عَن مَيْمُونَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرط على بعض أَزوَاجه مِنْهُ وَهِي حَائِض) وَقد رَوَاهُ عَن الشَّيْبَانِيّ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد خَالِد بن عبد الله عِنْد مُسلم وَجَرِير بن عبد الحميد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَرَوَاهُ عَنهُ أَيْضا بِإِسْنَاد مَيْمُونَة حَفْص بن غياث عِنْد أبي دَاوُد، رَحمَه الله، وَأَبُو مُعَاوِيَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وأسباط بن مُحَمَّد عَن أبي عوَانَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَالَ رَوَاهُ، وَلم يقل تَابعه؟ قلت: الرِّوَايَة أَعم مِنْهَا، فَلَعَلَّهُ لم يروها مُتَابعَة.

٦ - (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحَائِض الصَّوْم فِي أَيَّام حَيْضَتهَا.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْحيض. فَإِن قلت: الْحَائِض تتْرك الصَّلَاة أَيْضا فَمَا وَجه ذكر الصَّوْم فِي تَركهَا دون الصَّلَاة، مَعَ أَنَّهُمَا مذكوران فِي حَدِيث الْبَاب؟ قلت: تَركهَا الصَّلَاة لعدم وجود شَرطهَا وَهِي الطَّهَارَة، فَكَانَت ملجأة إِلَى ذَلِك بِخِلَاف الصَّوْم فَإِن الطَّهَارَة لَيست بِشَرْط فَكَانَ تَركهَا إِيَّاه من بَاب التَّعَبُّد وَأَيْضًا فَإِن تَركهَا للصَّلَاة لَا إِلَى خلف بِخِلَاف الصَّوْم، فخصص الصَّوْم بِالذكر دون الصَّلَاة إشعاراً لما ذكرنَا.

٣٠٤ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أبي مَرْيَمَ قالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ أخبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابنُ أسْلَمَ عَنْ عِياضٍ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِي قالَ خَرَجَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى عَلَى النِّساء تَصَدَّقْنَ فَانِّى أُرِيتُكُنَّ أَكْثَر أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَيِمَ يَا رسولَ اللَّهِ قالَ تُكْبِرْنَ اللَّعْنَ وَتكْفُرْنَ العَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ ناقِصاتِ عَقْلٍ وَدينٍ أذْهَبَ لِلُبِ الرَّجْلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْداكُنَّ قُلْنَ وَمَا نُقْصانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رسولَ اللَّهِ قالَ أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِها أَلَيْسَ إِذا

حاضَتْ لَمْ تصَلِّ وَلَمْ تَصُمَّ قُلَّنَ بَلَى قالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِها. .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلم تصم) .

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم وَهُوَ سعيد بن الحكم ابْن مُحَمَّد بن سَالم الْمَعْرُوف بِابْن أبي مَرْيَم الجُمَحِي، أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، مر ذكره فِي بَاب من سمع شَيْئا فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر وَهُوَ ابْن أبي كثير، بِفَتْح الْكَاف وبالتاء الْمُثَلَّثَة الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: زيد بن أسلم، بِلَفْظ الْمَاضِي، أَبُو أُسَامَة الْمدنِي، مر فِي بَاب كفران العشير. الرَّابِع: عِيَاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة بن عبد الله وَهُوَ ابْن أبي سرح العامري، لِأَبِيهِ صُحْبَة. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: واسْمه سعد بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا ابْن أبي مَرْيَم فَإِنَّهُ مصري.

ذكر تعدده وَضعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّوْم وَالطَّهَارَة وَفِي الزَّكَاة، وَأخرجه فِي الْعِيدَيْنِ بِطُولِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حسن الْحلْوانِي وَمُحَمّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن دَاوُد بن قيس عَنهُ بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة، ثَلَاثَتهمْ عَن دَاوُد بن قيس نَحوه.

بَيَان لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يَعْنِي: خرج إِمَّا من بَيته أَو من مَسْجده. قَوْله: (فِي أضحى) أَي: فِي يَوْم أضحى، قَالَ الْخطابِيّ: الْأُضْحِية شَاة تذبح يَوْم الْأَضْحَى، وفيهَا أَربع لُغَات: أضْحِية، بِضَم الْهمزَة وبكسرها، وضحية وأضحاة، وَالْجمع: أضحى، وَبهَا سمي يَوْم الْأَضْحَى، والأضحى يذكر وَيُؤَنث، وَقيل: سميت بذلك لِأَنَّهَا تفعل فِي الْأَضْحَى وَهُوَ ارْتِفَاع النَّهَار. قَوْله: (أَو فطر) أَي: أَو يَوْم فطر، وَهُوَ يَوْم عيد الْفطر، وَالشَّكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من أبي سعيد. قلت: لَا يتَعَيَّن ذَلِك. قَوْله: (إِلَى الْمصلى) هُوَ مَوضِع صَلَاة الْعِيد فِي الْجَبانَة. قَوْله: (فَقَالَ: يَا معشر النِّسَاء) ، المعشر: الْجَمَاعَة متخالطين كَانُوا أَو غير ذَلِك، قَالَ الْأَزْهَرِي: أَخْبرنِي الْمُنْذر عَن أَحْمد بن يحيى، قَالَ: المعشر والنفر وَالْقَوْم والرهط، هَؤُلَاءِ معناهم: الْجمع لَا وَاحِد لَهُم من لَفظهمْ للرِّجَال دون النِّسَاء، وَعَن اللَّيْث: المعشر كل جمَاعَة أَمرهم وَاحِد، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر، وَقَول أَحْمد بن يحيى مَرْدُود بِالْحَدِيثِ، وَيجمع على معاشر. قَوْله: (اللَّعْن) فِي اللُّغَة الطَّرْد والإيعاد من الْخَيْر، واللعنة وَالِاسْم، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُنَّ يتلفظن باللعنة كثيرا. قَوْله: (ويكفرن) من الْكفْر وَهُوَ السّتْر، وكفران النِّعْمَة وكفرها سترهَا بترك أَدَاء شكرها، وَالْمرَاد يجحدن نعْمَة الزَّوْج ويستقللن مَا كَانَ مِنْهُ. قَوْله: (العشير) هُوَ: الزَّوْج سمي بذلك لمعاشرته إِيَّاهَا. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عشيرك الَّذِي يعاشرك أَيْدِيكُم وأمركما وَاحِد، لَا يكادون يَقُولُونَ فِي جمعه عشراء وَلَكنهُمْ، معاشروك وعشيرون. وَقَالَ بَعضهم: هم عشراؤك. وَقَالَ الْفراء: يجمع العشير على عشراء، مثل: جليس وجلساء، وَإِن الْعَرَب لتكرهه كَرَاهَة أَن يشاكل قَوْلهم، نَاقَة عشراء، والعشير: الخليط، والعشير: الصّديق وَالزَّوْج وَابْن الْعم. قَوْله: (عقل) الْعقل فِي اللُّغَة ضد، الْحمق، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ مصدر: عقل الْإِنْسَان يعقل، وَعَن ابْن دُرَيْد، اشتق من عقال النَّاقة، لِأَنَّهُ يعقل صَاحبه عَن الْجَهْل، أَي: يحْبسهُ وَلِهَذَا قيل: عقل الدَّوَاء بَطْنه، أَي أمْسكهُ، وَفِي (الْعين) عقلت بعد الصِّبَا، أَي: عرفت بعد الْخَطَأ الَّذِي كنت فِيهِ، واللغة الْغَالِبَة، عقل، وَقَالُوا: عقل يعقل مثل حكم يحكم الَّذِي يحبس نَفسه ويردها عَن هَواهَا، أخذا من قَوْلهم: أعتقل لِسَانه إِذا حبس، وَمنع من الْكَلَام. وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ سِيبَوَيْهٍ، قَالُوا: الْعقل، كَمَا قَالُوا: الظّرْف، أدخلوه فِي بَاب عجز، لِأَنَّهُ مثله، وَالْعقل من المصادر الْمَجْمُوعَة من غير أَن تخْتَلف أَنْوَاعهَا. وَقَالَ أَبُو عَليّ: الْعقل والحجى، وَالنَّهْي، كلهَا مُتَقَارِبَة الْمعَانِي، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الْإِمْسَاك عَن الْقَبِيح وَقصر النَّفس وحبسها على الْحسن، وَقَالُوا: عَاقل وعقلاء وَهُوَ: الْحلم واللب وَالْحجر والعظم والمحت والمرجح والجول وَالْخَوْف والذهن والهرمان والحصاة، وَفِي (الْمُحكم) وَجمعه عقول. وَقَالَ الْقَزاز: مَسْكَنه عِنْد قوم فِي الدِّمَاغ، وَعند آخَرين فِي الْقلب الأول قَول أبي

حنيفَة، وَالثَّانِي قَول الشَّافِعِي. وَقيل: مَسْكَنه الدِّمَاغ وتدبيره فِي الْقلب. قلت: وَعَن هَذَا قَالُوا: الْعقل جَوْهَر خلقه الله فِي الدِّمَاغ وَجعل نوره فِي الْقلب، تدْرك بِهِ المغيبات بالوسائط والمحسوسات بِالْمُشَاهَدَةِ، وَعند الْمُتَكَلِّمين، الْعقل الْعلم، وَقيل: بعض الْعُلُوم هِيَ الضرورية، وَقيل: قُوَّة يُمَيّز بهَا حقائق المعلومات، وَفِي كتاب (الْحُدُود) لأبي عَليّ بن سينا، هُوَ اسْم مُشْتَرك لمعان عدَّة: عقل لصِحَّة الْفطْرَة الأولى فِي الناى، وَهُوَ قُوَّة يُمَيّز بهَا بَين الْأُمُور القبيحة والحسنة، وعقل لما يكتسبه بالتجارب بَين الْأَحْكَام تكون مُقَدّمَة يحصل بهَا الْأَغْرَاض والمصالح، وعقل لِمَعْنى آخر، وَهَذِه هَيْئَة محمودة للْإنْسَان فِي حركاته وَكَلَامه، وَأما الْحُكَمَاء فقد فرقوا بَينه وَبَين الْعلم، وَقَالُوا: الْعقل النظري، وبالفعل والفعال، وتحقيقه فِي كتبهمْ، وَإِنَّمَا سمي: الْعقل، عقلا من قَوْلهم: ظَبْي عَاقل، إِذا امْتنع فِي أَعلَى الْجَبَل، يُسمى هَذَا بِهِ لِأَنَّهُ فِي أَعلَى الْجَسَد بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي أَعلَى الْجَبَل. وَقيل: الْعَاقِل: الْجَامِع لأموره بِرَأْيهِ، مَأْخُوذ من قَوْلهم: عقلت الْفرس إِذا جمعت قوائمه وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم: أَن المُرَاد من الْعقل الدِّيَة، لِأَن دِيَتهَا على النّصْف من دِيَة الرجل. قلت: ظَاهر الحَدِيث يأباه.

بَيَان إعرابه قَوْله: (إِلَى الْمصلى) يتَعَلَّق بقوله: (خرج) . قَوْله: (يتصدقن) مقول القَوْل، وَالْفَاء، فِي: فَانِي، للتَّعْلِيل قَوْله: (أريتكن) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمعْنَى أَرَانِي الله إياكن أَكثر أهل النَّار، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) أَكثر، بِنصب الرَّاء على أَن أريت، يتَعَدَّى إِلَى مفعولين. أَو على الْحَال إِذا قُلْنَا أَن أفعل لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، كَمَا صَار إِلَيْهِ الْفَارِسِي وَغَيره وَقيل: إِنَّه بدل من الْكَاف فِي: أريتكن. انْتهى قلت: نقل هَذَا من صَاحب (التَّلْوِيح) وَلَيْسَ كَذَلِك، بل قَوْله: أريتكن مُتَعَدٍّ إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل: الأول التَّاء الَّتِي هِيَ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَالثَّانِي:. قَوْله: (كنَّ) . وَالثَّالِث:. قَوْله: (أَكثر أهل النَّار) فَإِن قلت: فِي أَيْن أريهن أَكثر أهل النَّار؟ قلت: فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بِلَفْظ (أريت النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء) فَإِن قلت: ورد فِي الحَدِيث، قَالَ: لكل رجل زوجتان من الْآدَمِيّين. قلت: لَعَلَّ هَذَا قبل وُقُوع الشَّفَاعَة. قَوْله: (ويم يَا رَسُول الله) قَالَ بَعضهم: الْوَاو، استئنافية. قلت: للْعَطْف على مُقَدّر تَقْدِيره، مَا دنبنا، وَبِمَ، الْبَاء للسبيبة، وَكلمَة استفهامية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حذفت الفها تَخْفِيفًا. قلت: يجب حذف ألف، مَا الاستفهامية إِذا جرت، وإبقاء الفتحة دَلِيل عَلَيْهَا وَنَحْوهَا، إلَاّمَ، وَعَلَامَ، وَعلة حذف الْألف، الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: {فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا} (سُورَة النَّحْل: ٣٥) {فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ} (سُورَة النازعات: ٤٣) وَأما قِرَاءَة عِكْرِمَة وَعِيسَى: {عَمَّا يتساءلون} (سُورَة النبإ: ١) فنادر. قَوْله: (تكثرن اللَّعْن) فِي مقَام التَّعْلِيل، وَكَانَ الْمَعْنى: لأنكن تكثرن اللَّعْن، الْإِكْثَار، قَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الأسلوب الْحَكِيم لِأَن قَوْله: (مَا رَأَيْت) إِلَخ زِيَادَة، فَإِن قَوْله: (تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) جَوَاب تَامّ، فَكَأَنَّهُ من بَاب الاتتباع، إِذا الذَّم بِالنُّقْصَانِ استتبع للذم بِأَمْر آخر غَرِيب، وَهُوَ كَون الرجل الْكَامِل الحازم منقاداً للنِّسَاء الناقصات عقلاء دينا. قَوْله: (من ناقصات عقل) صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: مَا رَأَيْت أحدا من ناقصات. قَوْله: (أذهب) أفعل التَّفْضِيل من الإذهاب، هَذَا على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ حَيْثُ جوز بِنَاء أفعل التَّفْضِيل من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَكَانَ الْقيَاس فِيهِ أَشد إذهاباً.

بَقِيَّة مَا فِيهِ من الْمعَانِي والأسئلة والأجوبة قَوْله: (قُلْنَ وَمَا نُقْصَان ديننَا) ويروي: (فَقُلْنَ) بِالْفَاءِ، وَهَذَا استفسار مِنْهُنَّ عَن وَجه نُقْصَان دينهن وعقلهن، وَفك لِأَنَّهُ خفى عَلَيْهِنَّ ذَلِك حَتَّى استفسرن. وَقَالَ بَعضهم: وَنَفس هَذَا السُّؤَال دَال على النُّقْصَان لِأَنَّهُنَّ سلمن مَا نسب إلَيْهِنَّ من الْأُمُور الثَّلَاثَة: الْإِكْثَار والكفران والإذهاب، ثمَّ استشكلن كونهن ناقصات. قلت: هَذَا استفسار وَلَيْسَ باستشكال، لِأَنَّهُنَّ بعد أَن سلمن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة، لَا يكون عَلَيْهِنَّ إِشْكَال، وَلَكِن لما خَفِي سَبَب نُقْصَان دينهن وعقلهن سَأَلَهُنَّ عَن ذَلِك بقولهن: مَا نُقْصَان ديننَا وعقلنا، وَالتَّسْلِيم بِهَذِهِ الْأُمُور كَيفَ يدل على النُّقْصَان، وبَيْنَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَا خَفِي عَلَيْهِنَّ من ذَلِك بقوله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة) إِلَى آخِره؟ وَهَذَا جَوَاب مِنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بلطف وإرشاد من غير تعفيف وَلَا لوم، بِحَيْثُ خاطبهن على قدر فهمهن، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يُخَاطب النَّاس على قدر عُقُولهمْ، قَوَّال النَّوَوِيّ: وَأما وَصفه النِّسَاء بِنُقْصَان الدّين لتركهن الصَّلَاة وَالصَّوْم فقد يسْتَشْكل مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بمشكل، فَإِن الدّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام مُشْتَرك فِي معنى وَاحِد، فَإِن من كثرت عِبَادَته زَاد إيمَانه وَدينه، وَمن نقصت عِبَادَته نقص دينه. قلت: دَعْوَاهُ الِاشْتِرَاك فِي هَذِه الثَّلَاثَة غير مسلمة، لِأَن بَينهَا فرقا لُغَة وَشرعا، وَقَوله: زَاد إيمَانه أَو نقص، لَيْسَ براجع إِلَى الذَّات، بل هُوَ رَاجع إِلَى الصّفة

كَمَا تقرر هَذَا فِي مَوْضِعه. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَرجل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء} (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٨٢) فَإِن قلت: النُّكْتَة فِي تَعْبِيره بِهَذِهِ الْعبارَة وَلم يقل: أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَتَيْنِ مثل شَهَادَة الرجل؟ قلت: لِأَن فِي عِبَارَته تِلْكَ تنصيصاً على النَّقْص صَرِيحًا. بِخِلَاف مَا ذكرت، فَإِنَّهُ يدل عَلَيْهِ ضمنا فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق فَإِن قلت: أَلَيْسَ ذَلِك ذماً لَهُنَّ؟ قلت: لَا وَإِنَّمَا هُوَ على معنى التَّعَجُّب بأنهن مَعَ اتصافهن بِهَذِهِ الْحَالة يفعلن بِالرجلِ الحازم كَذَا وَكَذَا فَإِن قلت: هَذَا الْعُمُوم فِيهِنَّ يُعَارضهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كمل من الرِّجَال كثير، وَلم يكمل من النِّسَاء إلَاّ مَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم) وَفِي رِوَايَة أَربع، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَأحمد من حَدِيث أنس: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَسبك من نسَاء الْعَالمين بِأَرْبَع: مَرْيَم بنت عمرَان، وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن، وَخَدِيجَة بنت خويلد، وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قلت: أجَاب بَعضهم بِأَن الْإِفْرَاد خرج عَن ذَلِك لِأَنَّهُ نَادِر قَلِيل، وَالْجَوَاب السديد فِي ذَلِك هُوَ أَن الحكم على الْكل بِشَيْء لَا يسْتَلْزم الحكم على كل فَرد من أَفْرَاده بذلك الشَّيْء وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَنقص الدّين قد يكون على وَجه يَأْثَم بِهِ، كمن ترك الصَّلَاة بِلَا عذر، وَقد يكون على وَجه لَا يَأْثَم لَهُ، كمن ترك الْجُمُعَة بِعُذْر، وَقد يكون على وَجه هُوَ مُكَلّف بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِض الصَّلَاة وَالصَّوْم. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَت معذورة، فَهَل تثاب على ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض؟ وَإِن كَانَت لَا تقضيها كَمَا يُثَاب الْمَرِيض، وَيكْتب لَهُ فِي مَرضه مثل نوافل الصَّلَوَات الَّتِي كَانَ يَفْعَلهَا فِي صِحَّته. وَالْجَوَاب أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنَّهَا لَا تثاب، وَالْفرق أَن الْمَرِيض كَانَ يَفْعَلهَا بنية الدَّوَام عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّته لَهَا، وَالْحَائِض لَيست كَذَلِك، بل نِيَّتهَا ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض، وَكَيف لَا وَهِي حرَام عَلَيْهَا؟ قلت: يَنْبَغِي أَن يُثَاب على ترك الْحَرَام. قَوْله: (فَذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) . قَوْله: (فَذَلِك) بِكَسْر الْكَاف، خطابا للواحدة الَّتِي تولت الْخطاب، وَيجوز فتح الْكَاف على أَنه للخطاب الْعَام.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام وهوعلى وُجُوه: الأول: فِيهِ اسْتِحْبَاب خُرُوج الإِمَام مَعَ الْقَوْم إِلَى مصلى الْعِيد فِي الْجَبانَة لأجل صَلَاة الْعِيد، وَلم يزل الصَّدْر الأول كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، ثمَّ تَركه أَكْثَرهم لِكَثْرَة الْجَوَامِع، وَمَعَ هَذَا فَإِن أهل بِلَاد شَتَّى لم يتْركُوا ذَلِك. الثَّانِي: فِيهِ الْحَث على الصَّدَقَة لِأَنَّهَا من أَفعَال الْخيرَات وَالْمِيرَاث فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات، وَلَا سِيمَا فِي مثل يَوْم الْعِيدَيْنِ لِاجْتِمَاع الْأَغْنِيَاء والفقراء، وتحسر الْفُقَرَاء عِنْد رُؤْيَتهمْ الْأَغْنِيَاء وَعَلَيْهِم الثِّيَاب الفاخرة، وَلَا سِيمَا الْأَيْتَام الْفُقَرَاء والأرامل الفقيرات، فَإِن الصَّدَقَة عَلَيْهِم فِي مثل هَذَا الْيَوْم مِمَّا يقل تحسرهم وهمهم، وَإِمَّا تَخْصِيصه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النِّسَاء فِي ذَلِك الْيَوْم، حَيْثُ أمرهن بِالصَّدَقَةِ فلغلبة الْبُخْل عَلَيْهِنَّ، وَقلة معرفتهن بِثَوَاب الصَّدَقَة وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الْحسن وَالْفضل فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْآخِرَة. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز خُرُوج النِّسَاء أَيَّام الْعِيد إِلَى الْمصلى للصَّلَاة مَعَ النَّاس. وَقَالَت الْعلمَاء: كَانَ هَذَا فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْيَوْم فَلَا تخرج الشَّابَّة ذَات الْهَيْئَة، وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَو رأى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسَاجِد، كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل. قلت: هَذَا الْكَلَام من عَائِشَة بِعُذْر من يسير جدا بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْيَوْم فنعوذ بِاللَّه من ذَلِك، فَلَا يرخص فِي خروجهن مُطلقًا للعيد وَغَيره، وَلَا سِيمَا نسَاء مصر، على مَا لَا يخفى. وَفِي (التَّوْضِيح) رأى جمَاعَة ذَلِك حَقًا عَلَيْهِنَّ، يَعْنِي: فِي خروجهن للعيد مِنْهُم: أَبُو بكر وَعلي وَابْن عمر وَغَيرهم، وَمِنْهُم من منعن ذَلِك، مِنْهُم: عُرْوَة وَالقَاسِم وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو يُوسُف، وَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة مرّة وَمنعه أُخْرَى، وَمنع بَعضهم فِي الشَّابَّة دون غَيرهَا، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأبي يُوسُف، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: كَانَ الْأَمر بخروجهن أول الْإِسْلَام لتكثير الْمُسلمين فِي أعين الْعَدو. قلت: كَانَ ذَلِك لوُجُود الْأَمْن أَيْضا، وَالْيَوْم قلَّ الأمنُ، والمسلمون كثير، وَمذهب أَصْحَابنَا فِي هَذَا الْبَاب مَا ذكره صَاحب (الْبَدَائِع) أَجمعُوا على أَنه لَا يرخص للشابة الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَة وَشَيْء من الصَّلَوَات، لقَوْله تَعَالَى: {وقرون فِي بُيُوتكُمْ} (سُورَة الْأَحْزَاب: ٣٣) وَلِأَن خروجهن سَبَب للفتنة وَأما الْعَجَائِز فيرخص لَهُنَّ الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ، وَلَا خلاف أَن الْأَفْضَل أَن لَا يخْرجن فِي صَلَاة مَا، فَإِذا خرجن يصلين صَلَاة الْعِيد، فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف عَنهُ، لَا يصلين، بل يكثرن سَواد الْمُسلمين وينتفعن بدعائهم، وَفِي حَدِيث أم عَطِيَّة، قَالَت: [حم (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخرج الْعَوَاتِق ذَوَات الْخُدُور وَالْحيض

فِي الْعِيد، وَأما الْحيض فيعتزلن الْمصلى ويشهدن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين) [/ حم أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: [حم (لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله) [/ حم أَخْرجَاهُ وَفِي رِوَايَة أبي دواد: (وليخرجن ثقلات غير عطرات) ، الْعَوَاتِق، جمع عاتق، وَهِي الْبِنْت الَّتِي بلغت وَقيل: الَّتِي لم تتَزَوَّج، والخدور جمع: خدر، وَهُوَ السّتْر، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) للنووي: يكره للشابة وَمن تشْتَهي الْحُضُور ولخوف الْفِتْنَة عَلَيْهِنَّ وبهن. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز عظة النِّسَاء على حِدة، وَهَذِه للْإِمَام، فَإِن لم يكن فلنائبه. الْخَامِس: فِيهِ إِشَارَة إِلَى الإغلاظ فِي النصح بِمَا يكون سَببا لإِزَالَة الصّفة الَّتِي تعاب أَو الذَّنب الَّذِي ينصف بِهِ الْإِنْسَان، السَّادِس: فِيهِ أَن لَا يواجه بذلك الشَّخْص الْمعِين، فَإِن فِي الشُّمُول تَسْلِيَة وتسهيلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الصَّدَقَة تدفع الْعَذَاب وَأَنَّهَا تكفر الذُّنُوب. الثَّامِن: فِيهِ أَن جحد النعم حرَام، وكفران النِّعْمَة مَذْمُوم. التَّاسِع: فِيهِ أَن اسْتِعْمَال الْكَلَام الْقَبِيح: كاللعن والشتم حرَام، وَأَنه من الْمعاصِي: فَإِن داوم عَلَيْهِ صَار كَبِيرَة، وَاسْتدلَّ النَّوَوِيّ على أَن اللَّعْن والشتم من الْكَبَائِر بالتوعد عَلَيْهِمَا بالنَّار. الْعَاشِر: فِيهِ ذمّ الدُّعَاء باللعن لِأَنَّهُ دُعَاء بالإبعاد من رَحْمَة الله تَعَالَى. قَالُوا: إِنَّه مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ على معِين. الْحَادِي عشر: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على الذُّنُوب الَّتِي لَا تخرج عَن الْملَّة تَغْلِيظًا على فاعلها. الثَّانِي عشرَة: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على غير الْكفْر بِاللَّه. الثَّالِث عشر: فِيهِ مُرَاجعَة المتعلم وَالتَّابِع الْمَتْبُوع والمعلم فِيمَا قَالَه إِذا لم يظْهر لَهُ مَعْنَاهُ. الرَّابِع عشر: فِيهِ تَنْبِيه على أَن شَهَادَة امْرَأتَيْنِ تعدل شَهَادَة رجل. الْخَامِس عشر: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن النَّقْص من الطَّاعَات نقص من الدّين. قلت: لَا ينقص من نفس الدّين شَيْء وَإِنَّمَا النَّقْص أَو الزِّيَادَة يرجعان إِلَى الْكَمَال. السَّادِس عشر: فِيهِ دلَالَة على أَن ملاك الشَّهَادَة الْعقل. السَّابِعَة عشر: فِيهِ نَص على أَن الْحَائِض يسْقط عَنْهَا فرض الصَّوْم وَالصَّلَاة. الثَّامِن عشر: فِيهِ الشَّفَاعَة للْمَسَاكِين وَغَيرهم أَن يسْأَل لَهُم. التَّاسِع عشر: فِيهِ حجَّة لمن كره السُّؤَال لغيره. الْعشْرُونَ: فِيهِ مَا دلّ على مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْخلق الْعَظِيم والصفح الْجَمِيل والرأفة وَالرَّحْمَة أمته، عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وأشرف التَّحِيَّات.

٧ - (بابُ تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّها إلَاّ الطَّوافَ بالبَيْتِ)

فِي الْحَائِض وَالْجنب: يستفتحون رَأس الْآيَة وَلَا يتمون آخرهَا. وَفِي قَول: يكره قِرَاءَة الْقُرْآن للْجنب، وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة بن حَمَّاد أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: يقْرَأ الْجنب الْقُرْآن قَالَ: فَذَكرته لإِبْرَاهِيم فكرهه. وَفِي قَول: يقْرَأ مَا دون الْآيَة وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وروى ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: يقْرَأ مَا دون الْآيَة: وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وَفِي قَوْله: يقْرَأ الْقُرْآن مَا لم يكن جنبا، وَحدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عمر قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض الْقُرْآن.

وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسِ بالقِرَاءَةِ لَلْجُنُبِ بَأْساً

هَذَا الْأَثر وَصله ابْن الْمُنْذر بِلَفْظ: أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يقْرَأ ورده وَهُوَ جنب. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا الثَّقَفِيّ عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يقْرَأ الْجنب الْآيَة والآيتين، وَكَانَ أَحْمد يرخص للْجنب أَن يقْرَأ الْآيَة وَنَحْوهَا، وَبِه قَالَ مَالك: وَقد حكى عَنهُ أَنه قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض وَلَا يقْرَأ الْجنب لِأَن الْحَائِض إِذا لم تقْرَأ نسيت الْقُرْآن، لِأَن أَيَّام الْحَائِض تتطاول وَمُدَّة الْجَنَابَة لَا تطول.

وكانَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ أَحْيَائِهِ

هَذَا حَدِيث أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: يرْوى على كل أَحْوَاله وَأَرَادَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا، وَبِمَا ذكره فِي هَذَا الْبَاب، الِاسْتِدْلَال على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض، لِأَن الذّكر أَعم من أَن يكون بِالْقُرْآنِ أَو بِغَيْرِهِ، وَبِه قَالَ الطَّبَرِيّ وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد.

وقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ كُنَّا نُؤْمَرُ أنْ يَخْرُجَ الحَيَّضُ فَيَكُبرنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي أَيَّام التَّكْبِير: أَيَّام مني، وَإِذا غَدا إِلَى عَرَفَة حَدثنَا مُحَمَّد، قَالَ حَدثنَا عمر ابْن حَفْص، قَالَ: حَدثنَا أبي عَن عَاصِم عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كُنَّا نؤمر أَن نخرج يَوْم الْعِيد، حَتَّى تخرج الْبكر من خدرها، وَحَتَّى تخرج الْحيض، فيكنَّ خلف النَّاس فيكبرنَّ بتكبيرهم، ويدعونَ بدعائهم يرجون بركَة ذَلِك الْيَوْم وطهرته) ، وَرَوَاهُ أَيْضا فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء الْحيض إِلَى الْمصلى على مَا يَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَوجه الِاسْتِدْلَال بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا فرق بَين الذّكر والتلاوة، لِأَن الذّكر أَعم. وَقَالَ بَعضهم: وَيدعونَ، كَذَا الْأَكْثَر الروَاة، وللكشميهني: يدعين، بياء تَحْتَانِيَّة بدل الْوَاو. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره مُخَالف لقواعد التصريف، لِأَن هَذِه الصِّيغَة معتل الْأُم من ذَوَات الْوَاو، ويستوى فِيهَا لفظ جمَاعَة الذُّكُور وَالْإِنَاث فِي الْخطاب والغيبة جَمِيعًا.

وَفِي التَّقْدِير مُخْتَلف، فوزن الْجمع الْمُذكر: يقعون، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث يفعلن، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِي مَوضِع، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

{وقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَني أبُو سُفْيَانَ أنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتابِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمان الرَّحِيمِ وَيَا أَهْلَ الكِتابِ تَعَالُوا إِلَى كَلِمَةٍ الآيَةَ} (سُورَة آل عمرَان: ٦٤)

هَذَا قِطْعَة من حَدِيث أبي سُفْيَان فِي قصَّة هِرقل: وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي بَدْء الْوَحْي وَغَيره، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، قَالَ: أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن عبد الله بن عَبَّاس أخبرهُ (أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش إِلَى أَن قَالَ: ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة الْكَلْبِيّ إِلَى عَظِيم بصرى، فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه، فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرحمان الرَّحِيم من مُحَمَّد ابْن عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم، سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد، فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ، فَإِن توليت فَعَلَيْك إِثْم الأريسين. {يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَى الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا أشهدوا بِأَنا مُسلمُونَ} .

وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وسلمكتب إِلَى الرّوم وهم كفار، وَالْكَافِر جنب، كَأَنَّهُ يَقُول: إِذا جَازَ مس الْكتاب للْجنب مَعَ كَونه مُشْتَمِلًا على آيَتَيْنِ، فَكَذَا يجوز لَهُ قِرَاءَته، وَالْحَاصِل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث للْكفَّار الْقُرْآن مَعَ أَنهم غير ظَاهِرين، فجوز مسهم وقراءتهم لَهُ، فَدلَّ على جَوَاز الْقِرَاءَة للْجنب.

وقالَ عَطَاءٌ عَنْ جابرٍ حاضَتْ عائِشَةٌ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوافِ بالبَيْتِ لَا تُصَلِّى

عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت) حدّثنا الْحسن بن عمر حدّثنا يزِيد عَن حبيب عَن عَطاء عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلبينا بِالْحَجِّ وَقدمنَا مَكَّة إِلَى أَن قَالَ: وَكَانَت عَائِشَة قدمت مَكَّة وَهِي حَائِض، فَأمرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنسك الْمَنَاسِك كلهَا غير أَنَّهَا لَا تَطوف وَلَا تصلي حَتَّى تطهر) الحَدِيث.

قَوْله: (فنسكت) ، بِفَتْح السِّين، وَالْمعْنَى: أَقَامَت بِأُمُور الْحَج كلهَا غير الطّواف بِالْبَيْتِ وَالصَّلَاة وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) قَوْله: (وَلَا تصلى) يحْتَمل أَن يكون من كَلَام عَطاء، أَو من كَلَام البُخَارِيّ، وَالله أعلم.

وقالَ الحَكَمُ إنِّي لَا ذْبَحْ وَأَنَّا جُنُبٌ وقالَ اللَّهُ: {وَلَا تأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١)

الحكم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف ابْن عتيبة، بِضَم الْعين المهلمة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، الْكُوفِي، وَقد تقدم فِي بَاب السمر بِالْعلمِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) من رِوَايَته عَن عَليّ بن الحعد عَن شُعْبَة عَنهُ. قَوْله: (إِنِّي لأذبح) أَي: أَنِّي لأذبح الذَّبِيحَة وَالْحَال أَنِّي جنب، وَلَكِن لَا بُد أَن أذكر الله تَعَالَى يحكم هَذِه الْآيَة وَهِي: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ} (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١) وَأَرَادَ بِهَذَا أَن الذّبْح مُسْتَلْزم شرعا لذكر الله بِمُقْتَضى هَذِه الْآيَة، فَدلَّ على أَن الْجنب يجوز لَهُ التِّلَاوَة.

وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ ذكر فِي هَذَا الْبَاب سِتَّة من الْآثَار إِلَى هُنَا، وَاسْتدلَّ بهَا على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب الْقُرْآن، وَفِي كل ذَلِك مناقشة، ورد عَلَيْهِ الْجُمْهُور بِأَحَادِيث وَردت بِمَنْع الْجنب عَن قِرَاءَة الْقُرْآن.

وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْأَرْبَعَة، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا حَفْص بن عمر، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله ابْن سَلمَة، قَالَ: دخلت على عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنا ورجلان: رجل منا وَرجل من بني إسد، أحسبد فبعثهما عَليّ بعثاً وَقَالَ: إنَّكُمَا علجان فعالجان عَن دينكما، ثمَّ قَامَ فَدخل الْمخْرج، ثمَّ خرج فَدَعَا بِمَاء فَأخذ مِنْهُ حفْنَة فتمسح بهَا ثمَّ جعل يقْرَأ الْقُرْآن، فأنكروا ذَلِك، فَقَالَ: (إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَجِيء من الْخَلَاء فيقرإ بِنَا الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم لَا يحجزه عَن الْقُرْآن شَيْء لَيْسَ الْجَنَابَة) . فَإِن قلت: ذكر الْبَزَّار أَنه لَا يرْوى عَن عَليّ إلَاّ حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن سَلمَة، وَحكى البُخَارِيّ: عَن عَمْرو بن مرّة، كَانَ عبد الله، يَعْنِي ابْن سَلمَة يحدثنا، فتعرق وتنكر، وَكَانَ قد كبر وَلَا يُتَابع فِي حَدِيثه، وَذكر الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: وَإِن لم يكن أهل الحَدِيث يثبتونه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا توقف الثَّانِي فِي ثُبُوت هَذَا الحَدِيث لِأَن مَدَاره على عبد الله بن سَلمَة الْكُوفِي، وَكَانَ قد كبر وَأنكر من حَدِيث وعقله بعض النكرَة، وَإِنَّمَا روى هَذَا الحَدِيث بعد كبر. قَالَه شُعْبَة، وَذكر الْخطابِيّ أَن الإِمَام أَحْمد كَانَ يوهن حَدِيث عَليّ هَذَا، ويضعف أَمر عبد الله بن سَلمَة وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الضُّعَفَاء والمتروكين) وَقَالَ النَّسَائِيّ: يعرف وينكر. قلت: التِّرْمِذِيّ لما أخرجه قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا، وَقَالَ الْحَاكِم فِي عبد الله بن سَلمَة، أَنه غير مطعون فِيهِ. وَقَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. قَوْله: لَا يحجزه، بالزاي الْمُعْجَمَة، أَي: لَا يمنعهُ ويروى، بالراء الْمُهْملَة، بِمَعْنَاهُ ويروي: لَا يَحْجُبهُ، بِمَعْنَاهُ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عرم، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقْرَأ الْحَائِض وَلَا الْجنب شَيْئا من الْقُرْآن) ، وَضعف هَذَا الحَدِيث بِإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش قَالَ الْبَيْهَقِيّ: رِوَايَته عَن أهل الْحجاز ضَعِيفَة لَا يحْتَج بهَا، قَالَه أَحْمد وَيحيى وَغَيرهمَا من الْحفاظ. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْفضل عَن أَبِيه عَن طَاوُوس عَن جَابر مَرْفُوعا نَحوه، وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَأعله بِمُحَمد بن الْفضل وَأَغْلظ فِي تَضْعِيفه عَن البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن معِين. قلت: وَرُبمَا يعتضدان بِحَدِيث عَليّ الْمَذْكُور، وَلم يَصح عَن البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث، فَلذَلِك ذهب إِلَى جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض أَيْضا وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا صَحَّ عِنْده وَعند غَيره من حَدِيث عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم الَّذِي ذكر عَن قريب، قَالَ الطَّبَرِيّ فِي (كتاب التَّهْذِيب) الصَّوَاب أَن مَا رُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ، الصَّلَاة وَالسَّلَام، من ذكر الله على كل أحيائه وَأَنه كَانَ يقْرَأ مَا لم يكن جنبا أَن قِرَاءَته طَاهِرا اخْتِيَار مِنْهُ لأَفْضَل الْحَالَتَيْنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالمٍ المصريُّ الجمحيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبي الوقت وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثيرٍ الأنصاريُّ، أخو إسماعيل (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ) المدنيُّ، وسقط «هو ابن أسلم» عند ابن عساكر والأَصيليِّ (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) هو ابن أبي سرحٍ العامريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ) من بيته أو مسجده (فِي) يوم (أَضْحًى) بفتح الهمزة وسكون الضَّاد، جمع: أَضْحَاةٍ، إحدى أربع لغاتٍ في اسمها، وأُضْحِيَةٌ بضمِّ الهمزة وكسرها، وضَحيَّةٌ بفتح الضَّاد وتشديد الياء، والأضحى تُذَكَّر وتُؤنَّث، وهو منصرفٌ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تُفعَل في الضُّحى؛ وهوارتفاع النَّهار (أَوْ) في يوم (فِطْرٍ) شكٌ مِنَ الرَّاوي، أو من أبي سعيدٍ (إِلَى المُصَلَّى) فوعظ النَّاس وأمرهم بالصَّدقة فقال: «يا أيَّها النَّاس، تصدَّقوا» (فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) المعشر: كلُّ جماعةٍ أمرُهم واحدٌ، وهو يَرُدُّ على ثعلبٍ حيث خصَّه بالرِّجال، إلَّا إن كان مراده بالتَّخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده كما في الحديث (تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، أي: في ليلة

الإسراء (أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) نعم وقع في حديث ابن عبَّاسٍ الآتي -إن شاء الله تعالى- في «صلاة الكسوف» [خ¦١٠٥٢]: أنَّ الرُّؤية المذكورة وقعت في صلاة الكسوف، و «الفاء» في قوله: «فإنِّي» للتَّعليل، و «أكثرَ» بالنَّصب مفعول: «أُرِيتُكُنَّ» الثَّالث، أو على الحال إذا قلنابأنَّ «أفعل» لا يتعرَّف بالإضافة كما صار (١) إليه الفارسيُّ وغيره (فَقُلْنَ) ولأبى ذَرٍّ عنِ الحَمُّويي وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قلن» (وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) قال ابن حجرٍ: «الواو» استئنافيَّةٌ، و «الباء» تعليليَّةٌ، و «الميم» أصلها «ما» الاستفهاميَّة، فحُذِفت منها الألف تخفيفًا، وقال العينيُّ: الواو للعطف على مُقدَّرٍ تقديره: ما ذنبنا؟ و «بِمَ»: «الباء» سببيَّةٌ (٢)، وكلمة «ما» استفهاميَّةٌ، فإذا جُرَّت «ما» الاستفهاميَّة، وجب حذف ألفها وإبقاء الفتحة دليلًا عليها، نحو: إلامَ وعلامَ، وعلَّة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر نحو: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] وأمَّا قراءة عكرمة نحو: (عمَّا يتساءلون) فنادرٌ (قَالَ) : «لأنَّكنَّ» (تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ) المُتَّفَق على تحريم الدعاء به على من لا تعرف خاتمة أمرِه بالقطع، أمَّا من عُرِف خاتمة أمره بنصٍّ، فيجوز كأبي جهلٍ. نعم لَعْنُ صاحبِ وصفٍ بلا تعيينٍ كالظَّالمين والكافرين جائزٌ (وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ) أي: تجحدن نعمة الزَّوج وتستقللن ما كان منه، والخطاب عامٌّ غلبت فيه الحاضرات على الغُيَّب، واستُنبِط من التَّوعُّد

بالنَّارعلى كفران العشير وكثرة اللَّعن أنَّهما من الكبائر، ثمَّ قال : (مَا رَأَيْتُ) أحدًا (مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) «أذهب»: من «الإذهاب» على مذهب سيبويه حيث جوَّز بناء «أفعل» التَّفضيل مِنَ الثُّلاثيِّ المزيد فيه، وكان القياس فيه «أشدَّ إذهابًا»، و «اللُّبُّ» -بضمِّ اللَّام وتشديد المُوحَّدة-: العقل الخالص من الشَّوائب، فهو خالص ما في الإنسان من قواه، فكلُّ لبٍّ عقلٌ، وليس كلُّ عقلٍ لبًّا، و «الحازم» -بالحاء المُهمَلة والزَّايِ- أي: الضَّابط لأمره، وهو على سبيل المُبالَغة في وصفهنَّ بذلك لأنَّه إذا كان الضَّابط لأمره (١) ينقاد لهنَّ، فغيره أَوْلى (قُلْنَ) مستفهماتٍ (٢) عن وجه نقصان دينهنَّ وعقلهنَّ لخفائه عليهنَّ: (وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) مجيبًا لهنَّ بلطفٍ وإرشادٍ من غير تعنيفٍ (٣) ولا لومٍ: (أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَِ (٤) مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا) بكسر الكاف؛ خطابًا للواحدة التي تولَّت خطابه ، فإن قلت: إنَّما هو خطابٌ للإناث والمعهود فيه: فذلكنَّ، أُجيببأنَّه قد عُهِدَ في خطاب المُذكَّر الاستغناء بـ «ذلك» عن «ذلكم» قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] فهذا مثله في المُؤنَّث، على أنَّ بعض النُّحاة نقل لغةً بأنَّه يُكتفَى بكافٍ مكسورةٍ مُفرَدةٍ لكلِّ مُؤنَّثٍ، أو الخطاب لغير مُعيَّنٍ مِنَ النِّساء ليعمَّ الخطاب كلًّا منهنَّ على سبيل البدل، إشارةً إلى أن حالتهنَّ في النَّقص تناهت في الظُّهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا تختصُّ (٥) به واحدةٌ دون أخرى، فلا تختصُّ حينئذٍ بهذا الخطاب مُخاطَبةٌ دون مُخاطَبةٍ، قاله في «المصابيح»، ويجوز فتح الكاف على أنَّه للخطاب العامِّ. واستُنبِط من ذلك: أن لا يواجه بذلك الشَّخص المُعيَّن، فإنَّ في الشُّمول تسليةً وتسهيلًا، وأشار بقوله: «مثل نصف شهادة الرَّجل» إلى قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة: ٢٨٢] لأنَّ الاستظهار

بأخرى يُؤذِن (١) بقلَّة ضبطها، وهو يشعر بنقص عقلها.

ثم قال : (أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟) أي: لِمَا قام بها من مانع الحيض (قُلْنَ: بَلَى، قَالَ) : (فَذَلِكَِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) بكسر الكاف وفتحها كالسَّابق، قِيلَ: وهذا العموم فيهنَّ يعارضه حديث: «كمل من الرِّجال كثيرٌ ولم يكمل مِنَ النِّساء إلَّا مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحمٍ»، وفي رواية التِّرمذيِّ وأحمد: «أربعٌ: مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلدٍ، وفاطمة بنت محمَّدٍ»، وأُجِيببأنَّ الحكم على الكلِّ بشيءٍ لا يستلزم الحكم على كلِّ فردٍ من أفراده بذلك الشيء، فإن قلت: لِمَ خصَّ بالذِّكر في التَّرجمة الصَّوم دون الصَّلاة وهما مذكوران في الحديث؟ أُجيببأنَّ تركها للصَّلاة واضحٌ لافتقارها إلى الطَّهارة بخلاف الصَّوم، فتركها له مع الحيض تعبُّدٌ محضٌ، فاحتِيج إلى التَّنصيص عليه بخلاف الصَّلاة، وليس المُراد بذكر نقص العقل والدِّين في النِّساء لومَهنَّ عليه؛ لأنَّه من أصل الخلقة، ولكن التَّنبيه على ذلك تحذيرًا من الافتتان بهنَّ، ولهذا رتَّب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره لا على النَّقص؛ وليس نقص الدِّين منحصرًا فيما يحصل من الإثم، بل في أعمَّ من ذلك، قاله النَّوويُّ؛ لأنَّه أمرٌ نسبيٌّ، فالكامل مثلًا ناقصٌ عن الأكمل، ومن ذلك: الحائض لا تأثم بترك الصَّلاة زمن الحيض، لكنَّها ناقصةٌ عنِ المصلِّي، وهل تُثاب على هذا التَّرك لكونها مُكلَّفة به كما يُثاب المريض على ترك (٢) النَّوافل التي كان يفعلها في صحَّته وشُغِل عنها بمرضه؟ قال النَّوويُّ: الظَّاهر لا؛ لأنَّ ظاهر الحديث أنَّها لا تُثاب لأنَّه ينوي أنَّه يفعل لو كان

سالمًا مع أهليَّته وهي ليست بأهلٍ، ولا يمكن أن تنويَ؛ لأنَّها حرامٌ عليها.

ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم مدنيُّون إلَّا ابن أبي مريم فمصريٌّ (١)، وفيه: التَّحديث بصيغة الجمع والإخبار بالإفراد وبالجمع أيضًا (٢) والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة»، و «الصَّوم» (٣) [خ¦١٩٥١] و «الزَّكاة» [خ¦١٤٦٢] مُقطعًا، وفي «العيدين» [خ¦٩٦٤] بطوله (٤)، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وابن ماجه، والله أعلم.

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (تَقْضِي) أي: تؤدِّي (الحَائِضُ) المتلبِّسة بالإحرام (المَنَاسِكَ كُلَّهَا) المتعلِّقة بالحجِّ أوِ العمرة كالتَّلبية (إِلَّا الطَّوَافَ بِالبَيْتِ) لكونه (٥) صلاةً مخصوصةً (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا (٦) وصله الدَّارميُّ: (لَا بَأْسَ) أي: لا حرج (أَنْ تَقْرَأَ) الحائض

(الآيَةَ) من القرآن، ورُوِي نحوُه عن مالكٍ والجوازُ مُطلَقًا والتَّخصيص بالحائض دون الجنب، ومذهبنا كالحنفيَّة والحنابلة التَّحريم، ولو بعض آيةٍ؛ لحديث التَّرمذيِّ: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن» وهو حجَّةٌ على المالكيَّة في قولهم (١): إنَّها تقرأ القرآن ولا يقرأ الجنب، وعُلِّل بطول أمد (٢) الحيض المستلزم نسيان القرآن بخلاف الجنب، وهو بإطلاقه يتناول الآية فما دونها، فيكون حجَّةً على النَّخعيِّ وعلى الطَّحاويِّ في إباحة (٣) بعض الآية، لكنَّ الحديث ضعيفٌ من جميع طرقه، نعم يحلُّ له قراءة الفاتحة في الصَّلاة إذا فقد الطَّهورين، بل يجب كما صحَّحه النَّوويُّ لأنَّه نادرٌ، وصحَّح الرَّافعيُّ حرمتها لعجزه عنها شرعًا، وكذا تحلُّ أذكاره لا بقصد قراءة القرآن (٤) كقوله عند الرُّكوب: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] فإن قصد القرآن وحده أو مع الذِّكر حَرُم، وإن أطلق فلا، كما اقتضاه كلام «المنهاج» خلافًا لما في «المحرَّر»، وقال في «شرح (٥) المُهذَّب»: أشار العراقيُّون إلى التَّحريم (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ) (بِالقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِبَأْسًا) روى ابن المنذر بإسناده عنه: أنَّه كان يقرأ ورده من القرآن وهو جنبٌ، فقِيلَ له في ذلك (٦)، فقال: ما في جوفي أكثر منه (وَكَانَ النَّبِيُّ يَذْكُرُ اللَّهَ) بالقرآن وغيره (عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) أي: أزمانه فدخل فيه (٧) حين الجنابة، وبه قال الطَّبريُّ وابن المنذر وداود، و (٨) هذا التَّعليق وصله مسلمٌ من حديث عائشة.

(وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) ممَّا وصله المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٧١] بلفظ: (كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ)

بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة، يوم العيد (١) حتَّى تخرج البِكْر من خدرها وحتى تخرج (٢) (الحُيَّضُ) بالرَّفع على الفاعليَّة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «أن نُخْرِج» بنونٍ مضمومةٍ وكسر الرَّاء «الحُيَّضَ» بالنَّصب على المفعوليَّة، فيكنَّ خلف النَّاس (فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ) بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يدعين» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ بدل الواو، وردَّها العينيُّ لمخالفتها لقواعد (٣) التَّصريف لأنَّ هذه الصِّيغة مُعتلَّة اللَّام من ذوات الواو، يستوي فيها لفظ جماعة الذُّكور والإناث في الخطاب والغيبة جميعًا، وفي التَّقدير يختلف، فوزن الجمع المُذكَّر «يفعون»، والمُؤنَّث «يَفْعُلْن» (٤).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا (٥) وصله المؤلِّف في «بدء الوحي» [خ¦٧]: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) بن حربٍ (أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ، فَقَرَأَهُ (٦) فَإِذَا فِيهِ: بسم الله الرحمن الرحيم) (وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾) بزيادة الواوِ للقابسيِّ والنَّسفيِّ وعُبدوسٍ، وسقطت لأبي

ذَرٍّوالأَصيليِّ

(﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ … ﴾ الاية [آل عمران: ٦٤]) استدلَّ به: على جواز القراءة للجنب لأنَّ الكفَّار جنبٌ، وإنَّما كتب لهم ليقرؤوه، وذلك يستلزم جواز القراءة بالنَّصِّ لا بالاستنباط، وأُجيببأنَّ الكتاب اشتمل على غير الآيتين، فهو كما لو ذُكِرَ بعض القرآن في التَّفسير، فإنَّه لا يُمنَع قراءته ولا مسُّه عند الجمهور لأنَّه لا يُقصَد منه التَّلاوة.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريِّ ممَّا وصله المؤلِّف في «باب قوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت» من «كتاب الأحكام» [خ¦٧٣٦٧] أنَّه قال: (حَاضَتْ عَائِشَةُ) (فَنَسَكَتِ) بفتح النُّون، أي: أقامت (المَنَاسِكَ) المتعلِّقة بالحجِّ (كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي) ولفظة: «كلِّها» ثابتةٌ عند الأَصيليِّ دون غيره (١) كما في الفرع.

(وَقَالَ الحَكَمُ) بفتح الحاء المُهمَلة والكاف، ابن عُتَيْبَة -بضمِّ العين المُهمَلة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والمُوحَّدة بينهما تحتيَّةٌ- الكوفيُّ مما وصله البغويُّ في «الجعديات»: (إِنِّي لأَذْبَحُ) الذَّبيحة (وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (جُنُبٌ وَ) الذَّبح يستلزم ذكر الله تعالى، و (قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]) إذِ المُراد به: «لا تذبحوا» بإجماع المفسِّرين،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن خَالِد بن عبد الله عَن الشَّيْبَانِيّ بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُسَدّد، وَمُحَمّد بن الْعَلَاء، كِلَاهُمَا عَن حَفْص بن غياث عَن الشَّيْبَانِيّ، وَأخرجه ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث أم حَبِيبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: [حم (كَانَت إحدانا فِي فورها أول مَا تحيض تشد عَلَيْهَا إزاراً إِلَى أَنْصَاف فخذيها ثمَّ تضطجع مَعَه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) [/ حم وَأخرج أَبُو يعلى الْموصِلِي، من حَدِيث عَمْرو رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَهُ مَا فَوق الْإِزَار وَلَيْسَ لَهُ مَا تَحْتَهُ) وَفِي لفظ: [حم (لَا يطلعن إِلَى مَا تَحْتَهُ حَتَّى يطهرن) [/ حم وَأخرج أَبُو دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن بعض أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: [حم (أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ من الْحَائِض شَيْئا ألْقى على فرجهَا ثوبا) [/ حم وَأخرج ابْن أبي دَاوُد بِسَنَد جيد عَن أم سَلمَة: [حم (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُبَاشِرهَا وعَلى قبلهَا ثوب) [/ حم تَعْنِي: وَهِي حَائِض، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث معَاذ وَعبد الله بن سعد: (مَا يحل للرجل من امْرَأَته وَهِي حَائِض؟ قَالَ: مَا فَوق الْإِزَار) وَفِي حَدِيث معَاذ: (وَالتَّعَفُّف عَن ذَلِك أجمل) ، وَأخرج عبد الله بن وهب بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث كريب، قَالَ: سَمِعت أم الْمُؤمنِينَ تَقول: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يضطجع معي وَأَنا حَائِض، وبيني وَبَينه ثوب) وَأخرج الدَّارمِيّ فِي (مُسْنده) من حَدِيث أبي ميسرَة عَمْرو بن شُرَحْبِيل، قَالَ: (قَالَت أم الْمُؤمنِينَ: كنت أتزر وَأَنا حَائِض وَأدْخل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي لِحَافه) وَإِسْنَاده صَحِيح، وَفِي (الْمُوَطَّأ) عَن زيد بن أسلم: (سَأَلَ رجل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا يحل لي من امْرَأَتي وَهِي حَائِض؟ قَالَ لِتشد عَلَيْهَا إزَارهَا ثمَّ شَأْنك بِأَعْلَاهَا) قَالَ أَبُو عمر: لَا أعلم أحدا روى هَذَا الحَدِيث مُسْندًا بِهَذَا اللَّفْظ.

ورَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِي

يَعْنِي: روى هَذَا الحَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ، كَذَا قَالَ بَعضهم، سُفْيَان هُوَ: الثَّوْريّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي سَوَاء كَانَ هُوَ الثَّوْريّ أَو ابْن عُيَيْنَة فَهُوَ على شَرط البُخَارِيّ فَلَا بَأْس فِي إبهامه وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَكَانَ البُخَارِيّ يُرِيد بمتابعة سُفْيَان هُنَا الْمَعْنى لَا اللَّفْظ، وَذَلِكَ أَن أَبَا دَاوُد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ سمع عبد الله بن شَدَّاد عَن مَيْمُونَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرط على بعض أَزوَاجه مِنْهُ وَهِي حَائِض) وَقد رَوَاهُ عَن الشَّيْبَانِيّ أَيْضا بِهَذَا الْإِسْنَاد خَالِد بن عبد الله عِنْد مُسلم وَجَرِير بن عبد الحميد عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَرَوَاهُ عَنهُ أَيْضا بِإِسْنَاد مَيْمُونَة حَفْص بن غياث عِنْد أبي دَاوُد، رَحمَه الله، وَأَبُو مُعَاوِيَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وأسباط بن مُحَمَّد عَن أبي عوَانَة فِي (صَحِيحه) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قَالَ رَوَاهُ، وَلم يقل تَابعه؟ قلت: الرِّوَايَة أَعم مِنْهَا، فَلَعَلَّهُ لم يروها مُتَابعَة.

٦ - (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحَائِض الصَّوْم فِي أَيَّام حَيْضَتهَا.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْحيض. فَإِن قلت: الْحَائِض تتْرك الصَّلَاة أَيْضا فَمَا وَجه ذكر الصَّوْم فِي تَركهَا دون الصَّلَاة، مَعَ أَنَّهُمَا مذكوران فِي حَدِيث الْبَاب؟ قلت: تَركهَا الصَّلَاة لعدم وجود شَرطهَا وَهِي الطَّهَارَة، فَكَانَت ملجأة إِلَى ذَلِك بِخِلَاف الصَّوْم فَإِن الطَّهَارَة لَيست بِشَرْط فَكَانَ تَركهَا إِيَّاه من بَاب التَّعَبُّد وَأَيْضًا فَإِن تَركهَا للصَّلَاة لَا إِلَى خلف بِخِلَاف الصَّوْم، فخصص الصَّوْم بِالذكر دون الصَّلَاة إشعاراً لما ذكرنَا.

٣٠٤ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أبي مَرْيَمَ قالَ أخبرنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ أخبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابنُ أسْلَمَ عَنْ عِياضٍ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِي قالَ خَرَجَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى عَلَى النِّساء تَصَدَّقْنَ فَانِّى أُرِيتُكُنَّ أَكْثَر أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَيِمَ يَا رسولَ اللَّهِ قالَ تُكْبِرْنَ اللَّعْنَ وَتكْفُرْنَ العَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ ناقِصاتِ عَقْلٍ وَدينٍ أذْهَبَ لِلُبِ الرَّجْلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْداكُنَّ قُلْنَ وَمَا نُقْصانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رسولَ اللَّهِ قالَ أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِها أَلَيْسَ إِذا

حاضَتْ لَمْ تصَلِّ وَلَمْ تَصُمَّ قُلَّنَ بَلَى قالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِها. .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلم تصم) .

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم وَهُوَ سعيد بن الحكم ابْن مُحَمَّد بن سَالم الْمَعْرُوف بِابْن أبي مَرْيَم الجُمَحِي، أَبُو مُحَمَّد الْمصْرِيّ، مر ذكره فِي بَاب من سمع شَيْئا فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر وَهُوَ ابْن أبي كثير، بِفَتْح الْكَاف وبالتاء الْمُثَلَّثَة الْأنْصَارِيّ. الثَّالِث: زيد بن أسلم، بِلَفْظ الْمَاضِي، أَبُو أُسَامَة الْمدنِي، مر فِي بَاب كفران العشير. الرَّابِع: عِيَاض، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة بن عبد الله وَهُوَ ابْن أبي سرح العامري، لِأَبِيهِ صُحْبَة. الْخَامِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: واسْمه سعد بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين: وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد: وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ عَن صَحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا ابْن أبي مَرْيَم فَإِنَّهُ مصري.

ذكر تعدده وَضعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ مقطعاً فِي الصَّوْم وَالطَّهَارَة وَفِي الزَّكَاة، وَأخرجه فِي الْعِيدَيْنِ بِطُولِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حسن الْحلْوانِي وَمُحَمّد بن إِسْحَاق الصَّاغَانِي، كِلَاهُمَا عَن ابْن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب وقتيبة وَعلي بن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن دَاوُد بن قيس عَنهُ بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد وَعَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى بن سعيد. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة، ثَلَاثَتهمْ عَن دَاوُد بن قيس نَحوه.

بَيَان لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يَعْنِي: خرج إِمَّا من بَيته أَو من مَسْجده. قَوْله: (فِي أضحى) أَي: فِي يَوْم أضحى، قَالَ الْخطابِيّ: الْأُضْحِية شَاة تذبح يَوْم الْأَضْحَى، وفيهَا أَربع لُغَات: أضْحِية، بِضَم الْهمزَة وبكسرها، وضحية وأضحاة، وَالْجمع: أضحى، وَبهَا سمي يَوْم الْأَضْحَى، والأضحى يذكر وَيُؤَنث، وَقيل: سميت بذلك لِأَنَّهَا تفعل فِي الْأَضْحَى وَهُوَ ارْتِفَاع النَّهَار. قَوْله: (أَو فطر) أَي: أَو يَوْم فطر، وَهُوَ يَوْم عيد الْفطر، وَالشَّكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من أبي سعيد. قلت: لَا يتَعَيَّن ذَلِك. قَوْله: (إِلَى الْمصلى) هُوَ مَوضِع صَلَاة الْعِيد فِي الْجَبانَة. قَوْله: (فَقَالَ: يَا معشر النِّسَاء) ، المعشر: الْجَمَاعَة متخالطين كَانُوا أَو غير ذَلِك، قَالَ الْأَزْهَرِي: أَخْبرنِي الْمُنْذر عَن أَحْمد بن يحيى، قَالَ: المعشر والنفر وَالْقَوْم والرهط، هَؤُلَاءِ معناهم: الْجمع لَا وَاحِد لَهُم من لَفظهمْ للرِّجَال دون النِّسَاء، وَعَن اللَّيْث: المعشر كل جمَاعَة أَمرهم وَاحِد، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر، وَقَول أَحْمد بن يحيى مَرْدُود بِالْحَدِيثِ، وَيجمع على معاشر. قَوْله: (اللَّعْن) فِي اللُّغَة الطَّرْد والإيعاد من الْخَيْر، واللعنة وَالِاسْم، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُنَّ يتلفظن باللعنة كثيرا. قَوْله: (ويكفرن) من الْكفْر وَهُوَ السّتْر، وكفران النِّعْمَة وكفرها سترهَا بترك أَدَاء شكرها، وَالْمرَاد يجحدن نعْمَة الزَّوْج ويستقللن مَا كَانَ مِنْهُ. قَوْله: (العشير) هُوَ: الزَّوْج سمي بذلك لمعاشرته إِيَّاهَا. وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عشيرك الَّذِي يعاشرك أَيْدِيكُم وأمركما وَاحِد، لَا يكادون يَقُولُونَ فِي جمعه عشراء وَلَكنهُمْ، معاشروك وعشيرون. وَقَالَ بَعضهم: هم عشراؤك. وَقَالَ الْفراء: يجمع العشير على عشراء، مثل: جليس وجلساء، وَإِن الْعَرَب لتكرهه كَرَاهَة أَن يشاكل قَوْلهم، نَاقَة عشراء، والعشير: الخليط، والعشير: الصّديق وَالزَّوْج وَابْن الْعم. قَوْله: (عقل) الْعقل فِي اللُّغَة ضد، الْحمق، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ مصدر: عقل الْإِنْسَان يعقل، وَعَن ابْن دُرَيْد، اشتق من عقال النَّاقة، لِأَنَّهُ يعقل صَاحبه عَن الْجَهْل، أَي: يحْبسهُ وَلِهَذَا قيل: عقل الدَّوَاء بَطْنه، أَي أمْسكهُ، وَفِي (الْعين) عقلت بعد الصِّبَا، أَي: عرفت بعد الْخَطَأ الَّذِي كنت فِيهِ، واللغة الْغَالِبَة، عقل، وَقَالُوا: عقل يعقل مثل حكم يحكم الَّذِي يحبس نَفسه ويردها عَن هَواهَا، أخذا من قَوْلهم: أعتقل لِسَانه إِذا حبس، وَمنع من الْكَلَام. وَفِي (الْمُخَصّص) قَالَ سِيبَوَيْهٍ، قَالُوا: الْعقل، كَمَا قَالُوا: الظّرْف، أدخلوه فِي بَاب عجز، لِأَنَّهُ مثله، وَالْعقل من المصادر الْمَجْمُوعَة من غير أَن تخْتَلف أَنْوَاعهَا. وَقَالَ أَبُو عَليّ: الْعقل والحجى، وَالنَّهْي، كلهَا مُتَقَارِبَة الْمعَانِي، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الْإِمْسَاك عَن الْقَبِيح وَقصر النَّفس وحبسها على الْحسن، وَقَالُوا: عَاقل وعقلاء وَهُوَ: الْحلم واللب وَالْحجر والعظم والمحت والمرجح والجول وَالْخَوْف والذهن والهرمان والحصاة، وَفِي (الْمُحكم) وَجمعه عقول. وَقَالَ الْقَزاز: مَسْكَنه عِنْد قوم فِي الدِّمَاغ، وَعند آخَرين فِي الْقلب الأول قَول أبي

حنيفَة، وَالثَّانِي قَول الشَّافِعِي. وَقيل: مَسْكَنه الدِّمَاغ وتدبيره فِي الْقلب. قلت: وَعَن هَذَا قَالُوا: الْعقل جَوْهَر خلقه الله فِي الدِّمَاغ وَجعل نوره فِي الْقلب، تدْرك بِهِ المغيبات بالوسائط والمحسوسات بِالْمُشَاهَدَةِ، وَعند الْمُتَكَلِّمين، الْعقل الْعلم، وَقيل: بعض الْعُلُوم هِيَ الضرورية، وَقيل: قُوَّة يُمَيّز بهَا حقائق المعلومات، وَفِي كتاب (الْحُدُود) لأبي عَليّ بن سينا، هُوَ اسْم مُشْتَرك لمعان عدَّة: عقل لصِحَّة الْفطْرَة الأولى فِي الناى، وَهُوَ قُوَّة يُمَيّز بهَا بَين الْأُمُور القبيحة والحسنة، وعقل لما يكتسبه بالتجارب بَين الْأَحْكَام تكون مُقَدّمَة يحصل بهَا الْأَغْرَاض والمصالح، وعقل لِمَعْنى آخر، وَهَذِه هَيْئَة محمودة للْإنْسَان فِي حركاته وَكَلَامه، وَأما الْحُكَمَاء فقد فرقوا بَينه وَبَين الْعلم، وَقَالُوا: الْعقل النظري، وبالفعل والفعال، وتحقيقه فِي كتبهمْ، وَإِنَّمَا سمي: الْعقل، عقلا من قَوْلهم: ظَبْي عَاقل، إِذا امْتنع فِي أَعلَى الْجَبَل، يُسمى هَذَا بِهِ لِأَنَّهُ فِي أَعلَى الْجَسَد بِمَنْزِلَة الَّذِي فِي أَعلَى الْجَبَل. وَقيل: الْعَاقِل: الْجَامِع لأموره بِرَأْيهِ، مَأْخُوذ من قَوْلهم: عقلت الْفرس إِذا جمعت قوائمه وَحكى ابْن التِّين عَن بَعضهم: أَن المُرَاد من الْعقل الدِّيَة، لِأَن دِيَتهَا على النّصْف من دِيَة الرجل. قلت: ظَاهر الحَدِيث يأباه.

بَيَان إعرابه قَوْله: (إِلَى الْمصلى) يتَعَلَّق بقوله: (خرج) . قَوْله: (يتصدقن) مقول القَوْل، وَالْفَاء، فِي: فَانِي، للتَّعْلِيل قَوْله: (أريتكن) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمعْنَى أَرَانِي الله إياكن أَكثر أهل النَّار، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) أَكثر، بِنصب الرَّاء على أَن أريت، يتَعَدَّى إِلَى مفعولين. أَو على الْحَال إِذا قُلْنَا أَن أفعل لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، كَمَا صَار إِلَيْهِ الْفَارِسِي وَغَيره وَقيل: إِنَّه بدل من الْكَاف فِي: أريتكن. انْتهى قلت: نقل هَذَا من صَاحب (التَّلْوِيح) وَلَيْسَ كَذَلِك، بل قَوْله: أريتكن مُتَعَدٍّ إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل: الأول التَّاء الَّتِي هِيَ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَالثَّانِي:. قَوْله: (كنَّ) . وَالثَّالِث:. قَوْله: (أَكثر أهل النَّار) فَإِن قلت: فِي أَيْن أريهن أَكثر أهل النَّار؟ قلت: فِي لَيْلَة الْإِسْرَاء، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بِلَفْظ (أريت النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء) فَإِن قلت: ورد فِي الحَدِيث، قَالَ: لكل رجل زوجتان من الْآدَمِيّين. قلت: لَعَلَّ هَذَا قبل وُقُوع الشَّفَاعَة. قَوْله: (ويم يَا رَسُول الله) قَالَ بَعضهم: الْوَاو، استئنافية. قلت: للْعَطْف على مُقَدّر تَقْدِيره، مَا دنبنا، وَبِمَ، الْبَاء للسبيبة، وَكلمَة استفهامية. وَقَالَ الْكرْمَانِي: حذفت الفها تَخْفِيفًا. قلت: يجب حذف ألف، مَا الاستفهامية إِذا جرت، وإبقاء الفتحة دَلِيل عَلَيْهَا وَنَحْوهَا، إلَاّمَ، وَعَلَامَ، وَعلة حذف الْألف، الْفرق بَين الِاسْتِفْهَام وَالْخَبَر، فَلهَذَا حذفت فِي نَحْو: {فيمَ أَنْت من ذكرَاهَا} (سُورَة النَّحْل: ٣٥) {فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ} (سُورَة النازعات: ٤٣) وَأما قِرَاءَة عِكْرِمَة وَعِيسَى: {عَمَّا يتساءلون} (سُورَة النبإ: ١) فنادر. قَوْله: (تكثرن اللَّعْن) فِي مقَام التَّعْلِيل، وَكَانَ الْمَعْنى: لأنكن تكثرن اللَّعْن، الْإِكْثَار، قَالَ الطَّيِّبِيّ: الْجَواب من الأسلوب الْحَكِيم لِأَن قَوْله: (مَا رَأَيْت) إِلَخ زِيَادَة، فَإِن قَوْله: (تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) جَوَاب تَامّ، فَكَأَنَّهُ من بَاب الاتتباع، إِذا الذَّم بِالنُّقْصَانِ استتبع للذم بِأَمْر آخر غَرِيب، وَهُوَ كَون الرجل الْكَامِل الحازم منقاداً للنِّسَاء الناقصات عقلاء دينا. قَوْله: (من ناقصات عقل) صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: مَا رَأَيْت أحدا من ناقصات. قَوْله: (أذهب) أفعل التَّفْضِيل من الإذهاب، هَذَا على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ حَيْثُ جوز بِنَاء أفعل التَّفْضِيل من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ، وَكَانَ الْقيَاس فِيهِ أَشد إذهاباً.

بَقِيَّة مَا فِيهِ من الْمعَانِي والأسئلة والأجوبة قَوْله: (قُلْنَ وَمَا نُقْصَان ديننَا) ويروي: (فَقُلْنَ) بِالْفَاءِ، وَهَذَا استفسار مِنْهُنَّ عَن وَجه نُقْصَان دينهن وعقلهن، وَفك لِأَنَّهُ خفى عَلَيْهِنَّ ذَلِك حَتَّى استفسرن. وَقَالَ بَعضهم: وَنَفس هَذَا السُّؤَال دَال على النُّقْصَان لِأَنَّهُنَّ سلمن مَا نسب إلَيْهِنَّ من الْأُمُور الثَّلَاثَة: الْإِكْثَار والكفران والإذهاب، ثمَّ استشكلن كونهن ناقصات. قلت: هَذَا استفسار وَلَيْسَ باستشكال، لِأَنَّهُنَّ بعد أَن سلمن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة، لَا يكون عَلَيْهِنَّ إِشْكَال، وَلَكِن لما خَفِي سَبَب نُقْصَان دينهن وعقلهن سَأَلَهُنَّ عَن ذَلِك بقولهن: مَا نُقْصَان ديننَا وعقلنا، وَالتَّسْلِيم بِهَذِهِ الْأُمُور كَيفَ يدل على النُّقْصَان، وبَيْنَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مَا خَفِي عَلَيْهِنَّ من ذَلِك بقوله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة) إِلَى آخِره؟ وَهَذَا جَوَاب مِنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بلطف وإرشاد من غير تعفيف وَلَا لوم، بِحَيْثُ خاطبهن على قدر فهمهن، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر أَن يُخَاطب النَّاس على قدر عُقُولهمْ، قَوَّال النَّوَوِيّ: وَأما وَصفه النِّسَاء بِنُقْصَان الدّين لتركهن الصَّلَاة وَالصَّوْم فقد يسْتَشْكل مَعْنَاهُ وَلَيْسَ بمشكل، فَإِن الدّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام مُشْتَرك فِي معنى وَاحِد، فَإِن من كثرت عِبَادَته زَاد إيمَانه وَدينه، وَمن نقصت عِبَادَته نقص دينه. قلت: دَعْوَاهُ الِاشْتِرَاك فِي هَذِه الثَّلَاثَة غير مسلمة، لِأَن بَينهَا فرقا لُغَة وَشرعا، وَقَوله: زَاد إيمَانه أَو نقص، لَيْسَ براجع إِلَى الذَّات، بل هُوَ رَاجع إِلَى الصّفة

كَمَا تقرر هَذَا فِي مَوْضِعه. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَرجل وَامْرَأَتَانِ مِمَّن ترْضونَ من الشُّهَدَاء} (سُورَة الْبَقَرَة: ٢٨٢) فَإِن قلت: النُّكْتَة فِي تَعْبِيره بِهَذِهِ الْعبارَة وَلم يقل: أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَتَيْنِ مثل شَهَادَة الرجل؟ قلت: لِأَن فِي عِبَارَته تِلْكَ تنصيصاً على النَّقْص صَرِيحًا. بِخِلَاف مَا ذكرت، فَإِنَّهُ يدل عَلَيْهِ ضمنا فَافْهَم، فَإِنَّهُ دَقِيق فَإِن قلت: أَلَيْسَ ذَلِك ذماً لَهُنَّ؟ قلت: لَا وَإِنَّمَا هُوَ على معنى التَّعَجُّب بأنهن مَعَ اتصافهن بِهَذِهِ الْحَالة يفعلن بِالرجلِ الحازم كَذَا وَكَذَا فَإِن قلت: هَذَا الْعُمُوم فِيهِنَّ يُعَارضهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كمل من الرِّجَال كثير، وَلم يكمل من النِّسَاء إلَاّ مَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم) وَفِي رِوَايَة أَربع، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَأحمد من حَدِيث أنس: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَسبك من نسَاء الْعَالمين بِأَرْبَع: مَرْيَم بنت عمرَان، وآسية امْرَأَة فِرْعَوْن، وَخَدِيجَة بنت خويلد، وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قلت: أجَاب بَعضهم بِأَن الْإِفْرَاد خرج عَن ذَلِك لِأَنَّهُ نَادِر قَلِيل، وَالْجَوَاب السديد فِي ذَلِك هُوَ أَن الحكم على الْكل بِشَيْء لَا يسْتَلْزم الحكم على كل فَرد من أَفْرَاده بذلك الشَّيْء وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَنقص الدّين قد يكون على وَجه يَأْثَم بِهِ، كمن ترك الصَّلَاة بِلَا عذر، وَقد يكون على وَجه لَا يَأْثَم لَهُ، كمن ترك الْجُمُعَة بِعُذْر، وَقد يكون على وَجه هُوَ مُكَلّف بِهِ كَتَرْكِ الْحَائِض الصَّلَاة وَالصَّوْم. فَإِن قيل: فَإِذا كَانَت معذورة، فَهَل تثاب على ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض؟ وَإِن كَانَت لَا تقضيها كَمَا يُثَاب الْمَرِيض، وَيكْتب لَهُ فِي مَرضه مثل نوافل الصَّلَوَات الَّتِي كَانَ يَفْعَلهَا فِي صِحَّته. وَالْجَوَاب أَن ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنَّهَا لَا تثاب، وَالْفرق أَن الْمَرِيض كَانَ يَفْعَلهَا بنية الدَّوَام عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّته لَهَا، وَالْحَائِض لَيست كَذَلِك، بل نِيَّتهَا ترك الصَّلَاة فِي زمن الْحيض، وَكَيف لَا وَهِي حرَام عَلَيْهَا؟ قلت: يَنْبَغِي أَن يُثَاب على ترك الْحَرَام. قَوْله: (فَذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من. قَوْله: (أَلَيْسَ شَهَادَة الْمَرْأَة مثل نصف شَهَادَة الرجل) . قَوْله: (فَذَلِك) بِكَسْر الْكَاف، خطابا للواحدة الَّتِي تولت الْخطاب، وَيجوز فتح الْكَاف على أَنه للخطاب الْعَام.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام وهوعلى وُجُوه: الأول: فِيهِ اسْتِحْبَاب خُرُوج الإِمَام مَعَ الْقَوْم إِلَى مصلى الْعِيد فِي الْجَبانَة لأجل صَلَاة الْعِيد، وَلم يزل الصَّدْر الأول كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك، ثمَّ تَركه أَكْثَرهم لِكَثْرَة الْجَوَامِع، وَمَعَ هَذَا فَإِن أهل بِلَاد شَتَّى لم يتْركُوا ذَلِك. الثَّانِي: فِيهِ الْحَث على الصَّدَقَة لِأَنَّهَا من أَفعَال الْخيرَات وَالْمِيرَاث فَإِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات، وَلَا سِيمَا فِي مثل يَوْم الْعِيدَيْنِ لِاجْتِمَاع الْأَغْنِيَاء والفقراء، وتحسر الْفُقَرَاء عِنْد رُؤْيَتهمْ الْأَغْنِيَاء وَعَلَيْهِم الثِّيَاب الفاخرة، وَلَا سِيمَا الْأَيْتَام الْفُقَرَاء والأرامل الفقيرات، فَإِن الصَّدَقَة عَلَيْهِم فِي مثل هَذَا الْيَوْم مِمَّا يقل تحسرهم وهمهم، وَإِمَّا تَخْصِيصه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النِّسَاء فِي ذَلِك الْيَوْم، حَيْثُ أمرهن بِالصَّدَقَةِ فلغلبة الْبُخْل عَلَيْهِنَّ، وَقلة معرفتهن بِثَوَاب الصَّدَقَة وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الْحسن وَالْفضل فِي الدُّنْيَا قبل يَوْم الْآخِرَة. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز خُرُوج النِّسَاء أَيَّام الْعِيد إِلَى الْمصلى للصَّلَاة مَعَ النَّاس. وَقَالَت الْعلمَاء: كَانَ هَذَا فِي زَمَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْيَوْم فَلَا تخرج الشَّابَّة ذَات الْهَيْئَة، وَلِهَذَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَو رأى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسَاجِد، كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل. قلت: هَذَا الْكَلَام من عَائِشَة بِعُذْر من يسير جدا بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما الْيَوْم فنعوذ بِاللَّه من ذَلِك، فَلَا يرخص فِي خروجهن مُطلقًا للعيد وَغَيره، وَلَا سِيمَا نسَاء مصر، على مَا لَا يخفى. وَفِي (التَّوْضِيح) رأى جمَاعَة ذَلِك حَقًا عَلَيْهِنَّ، يَعْنِي: فِي خروجهن للعيد مِنْهُم: أَبُو بكر وَعلي وَابْن عمر وَغَيرهم، وَمِنْهُم من منعن ذَلِك، مِنْهُم: عُرْوَة وَالقَاسِم وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَأَبُو يُوسُف، وَأَجَازَهُ أَبُو حنيفَة مرّة وَمنعه أُخْرَى، وَمنع بَعضهم فِي الشَّابَّة دون غَيرهَا، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأبي يُوسُف، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: كَانَ الْأَمر بخروجهن أول الْإِسْلَام لتكثير الْمُسلمين فِي أعين الْعَدو. قلت: كَانَ ذَلِك لوُجُود الْأَمْن أَيْضا، وَالْيَوْم قلَّ الأمنُ، والمسلمون كثير، وَمذهب أَصْحَابنَا فِي هَذَا الْبَاب مَا ذكره صَاحب (الْبَدَائِع) أَجمعُوا على أَنه لَا يرخص للشابة الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَة وَشَيْء من الصَّلَوَات، لقَوْله تَعَالَى: {وقرون فِي بُيُوتكُمْ} (سُورَة الْأَحْزَاب: ٣٣) وَلِأَن خروجهن سَبَب للفتنة وَأما الْعَجَائِز فيرخص لَهُنَّ الْخُرُوج فِي الْعِيدَيْنِ، وَلَا خلاف أَن الْأَفْضَل أَن لَا يخْرجن فِي صَلَاة مَا، فَإِذا خرجن يصلين صَلَاة الْعِيد، فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف عَنهُ، لَا يصلين، بل يكثرن سَواد الْمُسلمين وينتفعن بدعائهم، وَفِي حَدِيث أم عَطِيَّة، قَالَت: [حم (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يخرج الْعَوَاتِق ذَوَات الْخُدُور وَالْحيض

فِي الْعِيد، وَأما الْحيض فيعتزلن الْمصلى ويشهدن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين) [/ حم أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: [حم (لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله) [/ حم أَخْرجَاهُ وَفِي رِوَايَة أبي دواد: (وليخرجن ثقلات غير عطرات) ، الْعَوَاتِق، جمع عاتق، وَهِي الْبِنْت الَّتِي بلغت وَقيل: الَّتِي لم تتَزَوَّج، والخدور جمع: خدر، وَهُوَ السّتْر، وَفِي (شرح الْمُهَذّب) للنووي: يكره للشابة وَمن تشْتَهي الْحُضُور ولخوف الْفِتْنَة عَلَيْهِنَّ وبهن. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز عظة النِّسَاء على حِدة، وَهَذِه للْإِمَام، فَإِن لم يكن فلنائبه. الْخَامِس: فِيهِ إِشَارَة إِلَى الإغلاظ فِي النصح بِمَا يكون سَببا لإِزَالَة الصّفة الَّتِي تعاب أَو الذَّنب الَّذِي ينصف بِهِ الْإِنْسَان، السَّادِس: فِيهِ أَن لَا يواجه بذلك الشَّخْص الْمعِين، فَإِن فِي الشُّمُول تَسْلِيَة وتسهيلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الصَّدَقَة تدفع الْعَذَاب وَأَنَّهَا تكفر الذُّنُوب. الثَّامِن: فِيهِ أَن جحد النعم حرَام، وكفران النِّعْمَة مَذْمُوم. التَّاسِع: فِيهِ أَن اسْتِعْمَال الْكَلَام الْقَبِيح: كاللعن والشتم حرَام، وَأَنه من الْمعاصِي: فَإِن داوم عَلَيْهِ صَار كَبِيرَة، وَاسْتدلَّ النَّوَوِيّ على أَن اللَّعْن والشتم من الْكَبَائِر بالتوعد عَلَيْهِمَا بالنَّار. الْعَاشِر: فِيهِ ذمّ الدُّعَاء باللعن لِأَنَّهُ دُعَاء بالإبعاد من رَحْمَة الله تَعَالَى. قَالُوا: إِنَّه مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ على معِين. الْحَادِي عشر: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على الذُّنُوب الَّتِي لَا تخرج عَن الْملَّة تَغْلِيظًا على فاعلها. الثَّانِي عشرَة: فِيهِ إِطْلَاق الْكفْر على غير الْكفْر بِاللَّه. الثَّالِث عشر: فِيهِ مُرَاجعَة المتعلم وَالتَّابِع الْمَتْبُوع والمعلم فِيمَا قَالَه إِذا لم يظْهر لَهُ مَعْنَاهُ. الرَّابِع عشر: فِيهِ تَنْبِيه على أَن شَهَادَة امْرَأتَيْنِ تعدل شَهَادَة رجل. الْخَامِس عشر: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن النَّقْص من الطَّاعَات نقص من الدّين. قلت: لَا ينقص من نفس الدّين شَيْء وَإِنَّمَا النَّقْص أَو الزِّيَادَة يرجعان إِلَى الْكَمَال. السَّادِس عشر: فِيهِ دلَالَة على أَن ملاك الشَّهَادَة الْعقل. السَّابِعَة عشر: فِيهِ نَص على أَن الْحَائِض يسْقط عَنْهَا فرض الصَّوْم وَالصَّلَاة. الثَّامِن عشر: فِيهِ الشَّفَاعَة للْمَسَاكِين وَغَيرهم أَن يسْأَل لَهُم. التَّاسِع عشر: فِيهِ حجَّة لمن كره السُّؤَال لغيره. الْعشْرُونَ: فِيهِ مَا دلّ على مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْخلق الْعَظِيم والصفح الْجَمِيل والرأفة وَالرَّحْمَة أمته، عَلَيْهِ أفضل الصَّلَوَات وأشرف التَّحِيَّات.

٧ - (بابُ تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّها إلَاّ الطَّوافَ بالبَيْتِ)

فِي الْحَائِض وَالْجنب: يستفتحون رَأس الْآيَة وَلَا يتمون آخرهَا. وَفِي قَول: يكره قِرَاءَة الْقُرْآن للْجنب، وروى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة بن حَمَّاد أَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: يقْرَأ الْجنب الْقُرْآن قَالَ: فَذَكرته لإِبْرَاهِيم فكرهه. وَفِي قَول: يقْرَأ مَا دون الْآيَة وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وروى ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: يقْرَأ مَا دون الْآيَة: وَلَا يقْرَأ آيَة تَامَّة وَفِي قَوْله: يقْرَأ الْقُرْآن مَا لم يكن جنبا، وَحدثنَا وَكِيع عَن شُعْبَة عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم عَن عمر قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض الْقُرْآن.

وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسِ بالقِرَاءَةِ لَلْجُنُبِ بَأْساً

هَذَا الْأَثر وَصله ابْن الْمُنْذر بِلَفْظ: أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يقْرَأ ورده وَهُوَ جنب. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا الثَّقَفِيّ عَن خَالِد عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يقْرَأ الْجنب الْآيَة والآيتين، وَكَانَ أَحْمد يرخص للْجنب أَن يقْرَأ الْآيَة وَنَحْوهَا، وَبِه قَالَ مَالك: وَقد حكى عَنهُ أَنه قَالَ: تقْرَأ الْحَائِض وَلَا يقْرَأ الْجنب لِأَن الْحَائِض إِذا لم تقْرَأ نسيت الْقُرْآن، لِأَن أَيَّام الْحَائِض تتطاول وَمُدَّة الْجَنَابَة لَا تطول.

وكانَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَذْكُرُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ أَحْيَائِهِ

هَذَا حَدِيث أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: يرْوى على كل أَحْوَاله وَأَرَادَ البُخَارِيّ بإيراد هَذَا، وَبِمَا ذكره فِي هَذَا الْبَاب، الِاسْتِدْلَال على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض، لِأَن الذّكر أَعم من أَن يكون بِالْقُرْآنِ أَو بِغَيْرِهِ، وَبِه قَالَ الطَّبَرِيّ وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد.

وقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ كُنَّا نُؤْمَرُ أنْ يَخْرُجَ الحَيَّضُ فَيَكُبرنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي أَبْوَاب الْعِيدَيْنِ فِي أَيَّام التَّكْبِير: أَيَّام مني، وَإِذا غَدا إِلَى عَرَفَة حَدثنَا مُحَمَّد، قَالَ حَدثنَا عمر ابْن حَفْص، قَالَ: حَدثنَا أبي عَن عَاصِم عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كُنَّا نؤمر أَن نخرج يَوْم الْعِيد، حَتَّى تخرج الْبكر من خدرها، وَحَتَّى تخرج الْحيض، فيكنَّ خلف النَّاس فيكبرنَّ بتكبيرهم، ويدعونَ بدعائهم يرجون بركَة ذَلِك الْيَوْم وطهرته) ، وَرَوَاهُ أَيْضا فِي بَاب خُرُوج النِّسَاء الْحيض إِلَى الْمصلى على مَا يَأْتِي بَيَانه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَوجه الِاسْتِدْلَال بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَا فرق بَين الذّكر والتلاوة، لِأَن الذّكر أَعم. وَقَالَ بَعضهم: وَيدعونَ، كَذَا الْأَكْثَر الروَاة، وللكشميهني: يدعين، بياء تَحْتَانِيَّة بدل الْوَاو. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره مُخَالف لقواعد التصريف، لِأَن هَذِه الصِّيغَة معتل الْأُم من ذَوَات الْوَاو، ويستوى فِيهَا لفظ جمَاعَة الذُّكُور وَالْإِنَاث فِي الْخطاب والغيبة جَمِيعًا.

وَفِي التَّقْدِير مُخْتَلف، فوزن الْجمع الْمُذكر: يقعون، وَوزن الْجمع الْمُؤَنَّث يفعلن، وَسَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِي مَوضِع، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

{وقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَني أبُو سُفْيَانَ أنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتابِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمان الرَّحِيمِ وَيَا أَهْلَ الكِتابِ تَعَالُوا إِلَى كَلِمَةٍ الآيَةَ} (سُورَة آل عمرَان: ٦٤)

هَذَا قِطْعَة من حَدِيث أبي سُفْيَان فِي قصَّة هِرقل: وَقد وَصله البُخَارِيّ فِي بَدْء الْوَحْي وَغَيره، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، قَالَ: أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود عَن عبد الله بن عَبَّاس أخبرهُ (أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش إِلَى أَن قَالَ: ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة الْكَلْبِيّ إِلَى عَظِيم بصرى، فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه، فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرحمان الرَّحِيم من مُحَمَّد ابْن عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم، سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد، فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ، فَإِن توليت فَعَلَيْك إِثْم الأريسين. {يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَى الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا أشهدوا بِأَنا مُسلمُونَ} .

وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وسلمكتب إِلَى الرّوم وهم كفار، وَالْكَافِر جنب، كَأَنَّهُ يَقُول: إِذا جَازَ مس الْكتاب للْجنب مَعَ كَونه مُشْتَمِلًا على آيَتَيْنِ، فَكَذَا يجوز لَهُ قِرَاءَته، وَالْحَاصِل أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث للْكفَّار الْقُرْآن مَعَ أَنهم غير ظَاهِرين، فجوز مسهم وقراءتهم لَهُ، فَدلَّ على جَوَاز الْقِرَاءَة للْجنب.

وقالَ عَطَاءٌ عَنْ جابرٍ حاضَتْ عائِشَةٌ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوافِ بالبَيْتِ لَا تُصَلِّى

عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَجَابِر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث ذكره البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت) حدّثنا الْحسن بن عمر حدّثنا يزِيد عَن حبيب عَن عَطاء عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلبينا بِالْحَجِّ وَقدمنَا مَكَّة إِلَى أَن قَالَ: وَكَانَت عَائِشَة قدمت مَكَّة وَهِي حَائِض، فَأمرهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تنسك الْمَنَاسِك كلهَا غير أَنَّهَا لَا تَطوف وَلَا تصلي حَتَّى تطهر) الحَدِيث.

قَوْله: (فنسكت) ، بِفَتْح السِّين، وَالْمعْنَى: أَقَامَت بِأُمُور الْحَج كلهَا غير الطّواف بِالْبَيْتِ وَالصَّلَاة وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) قَوْله: (وَلَا تصلى) يحْتَمل أَن يكون من كَلَام عَطاء، أَو من كَلَام البُخَارِيّ، وَالله أعلم.

وقالَ الحَكَمُ إنِّي لَا ذْبَحْ وَأَنَّا جُنُبٌ وقالَ اللَّهُ: {وَلَا تأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١)

الحكم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف ابْن عتيبة، بِضَم الْعين المهلمة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، الْكُوفِي، وَقد تقدم فِي بَاب السمر بِالْعلمِ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) من رِوَايَته عَن عَليّ بن الحعد عَن شُعْبَة عَنهُ. قَوْله: (إِنِّي لأذبح) أَي: أَنِّي لأذبح الذَّبِيحَة وَالْحَال أَنِّي جنب، وَلَكِن لَا بُد أَن أذكر الله تَعَالَى يحكم هَذِه الْآيَة وَهِي: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ} (سُورَة الْأَنْعَام: ١٢١) وَأَرَادَ بِهَذَا أَن الذّبْح مُسْتَلْزم شرعا لذكر الله بِمُقْتَضى هَذِه الْآيَة، فَدلَّ على أَن الْجنب يجوز لَهُ التِّلَاوَة.

وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ ذكر فِي هَذَا الْبَاب سِتَّة من الْآثَار إِلَى هُنَا، وَاسْتدلَّ بهَا على جَوَاز قِرَاءَة الْجنب الْقُرْآن، وَفِي كل ذَلِك مناقشة، ورد عَلَيْهِ الْجُمْهُور بِأَحَادِيث وَردت بِمَنْع الْجنب عَن قِرَاءَة الْقُرْآن.

وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْأَرْبَعَة، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا حَفْص بن عمر، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله ابْن سَلمَة، قَالَ: دخلت على عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنا ورجلان: رجل منا وَرجل من بني إسد، أحسبد فبعثهما عَليّ بعثاً وَقَالَ: إنَّكُمَا علجان فعالجان عَن دينكما، ثمَّ قَامَ فَدخل الْمخْرج، ثمَّ خرج فَدَعَا بِمَاء فَأخذ مِنْهُ حفْنَة فتمسح بهَا ثمَّ جعل يقْرَأ الْقُرْآن، فأنكروا ذَلِك، فَقَالَ: (إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَجِيء من الْخَلَاء فيقرإ بِنَا الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم لَا يحجزه عَن الْقُرْآن شَيْء لَيْسَ الْجَنَابَة) . فَإِن قلت: ذكر الْبَزَّار أَنه لَا يرْوى عَن عَليّ إلَاّ حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن سَلمَة، وَحكى البُخَارِيّ: عَن عَمْرو بن مرّة، كَانَ عبد الله، يَعْنِي ابْن سَلمَة يحدثنا، فتعرق وتنكر، وَكَانَ قد كبر وَلَا يُتَابع فِي حَدِيثه، وَذكر الشَّافِعِي هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: وَإِن لم يكن أهل الحَدِيث يثبتونه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا توقف الثَّانِي فِي ثُبُوت هَذَا الحَدِيث لِأَن مَدَاره على عبد الله بن سَلمَة الْكُوفِي، وَكَانَ قد كبر وَأنكر من حَدِيث وعقله بعض النكرَة، وَإِنَّمَا روى هَذَا الحَدِيث بعد كبر. قَالَه شُعْبَة، وَذكر الْخطابِيّ أَن الإِمَام أَحْمد كَانَ يوهن حَدِيث عَليّ هَذَا، ويضعف أَمر عبد الله بن سَلمَة وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الضُّعَفَاء والمتروكين) وَقَالَ النَّسَائِيّ: يعرف وينكر. قلت: التِّرْمِذِيّ لما أخرجه قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا، وَقَالَ الْحَاكِم فِي عبد الله بن سَلمَة، أَنه غير مطعون فِيهِ. وَقَالَ الْعجلِيّ: تَابِعِيّ ثِقَة. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. قَوْله: لَا يحجزه، بالزاي الْمُعْجَمَة، أَي: لَا يمنعهُ ويروى، بالراء الْمُهْملَة، بِمَعْنَاهُ ويروي: لَا يَحْجُبهُ، بِمَعْنَاهُ أَيْضا. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عرم، أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقْرَأ الْحَائِض وَلَا الْجنب شَيْئا من الْقُرْآن) ، وَضعف هَذَا الحَدِيث بِإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش قَالَ الْبَيْهَقِيّ: رِوَايَته عَن أهل الْحجاز ضَعِيفَة لَا يحْتَج بهَا، قَالَه أَحْمد وَيحيى وَغَيرهمَا من الْحفاظ. وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث مُحَمَّد بن الْفضل عَن أَبِيه عَن طَاوُوس عَن جَابر مَرْفُوعا نَحوه، وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَأعله بِمُحَمد بن الْفضل وَأَغْلظ فِي تَضْعِيفه عَن البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد وَابْن معِين. قلت: وَرُبمَا يعتضدان بِحَدِيث عَليّ الْمَذْكُور، وَلم يَصح عَن البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث، فَلذَلِك ذهب إِلَى جَوَاز قِرَاءَة الْجنب وَالْحَائِض أَيْضا وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِمَا صَحَّ عِنْده وَعند غَيره من حَدِيث عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم الَّذِي ذكر عَن قريب، قَالَ الطَّبَرِيّ فِي (كتاب التَّهْذِيب) الصَّوَاب أَن مَا رُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ، الصَّلَاة وَالسَّلَام، من ذكر الله على كل أحيائه وَأَنه كَانَ يقْرَأ مَا لم يكن جنبا أَن قِرَاءَته طَاهِرا اخْتِيَار مِنْهُ لأَفْضَل الْحَالَتَيْنِ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد