«أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٩٢

الحديث رقم ٤٥٩٢ من كتاب «سورة النساء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت…

«أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ

⦗٤٨⦘

يُمِلُّهَا عَلَيَّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ. وَكَانَ أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾.»

سند حديث: ٤٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ…

٤٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت…

أخبر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى إليه آيات أُنزلت عليه ليكتبها، وهي آيات سورة النساء: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} {والمجاهدون في سبيل الله} بدون {غير أولي الضرر} فجاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلقي الآية عليَّ، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، ولكنني لا أستطيع بسبب أنني أعمى، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه عليه الصلاة والسلام على فخذي، فثقلت علي من ثقل الوحي حتى خفت أن تدق فخذي، ثم انكشف وأُزيل عنه ما نزل به من برحاء الوحي، فأنزل الله عز وجل: {غير أولي الضرر}، فظهرت حكمةٌ من حكم الله تعالى في عدم نزول هذا الاستثناء ابتداءً، وهو إظهار فضيلة ابن أم مكتوم، والبيان الجلي لدخول العمي في أولي الضرر، وغير ذلك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان سبب نزول الآية الكريمة.
  • ثقل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: { إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا}.
  • يسر الشريعة وسماحتها عن أولي الضرر وعدم تكلفتهم ما لا يقدرون عليه.
  • سقوط وجوب الجهاد عن أولي الضرر.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ، وَفِي آخِرِ رِوَايَةِ قَتَادَةَ: لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ السَّلَامُ بِهَا يَتَعَارَفُونَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ فِي مِرْدَاسٍ وَهَذَا شَاهِدٌ حَسَنٌ.

وَوَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ آخَرُ، فَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ، فَمَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمٌ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا، وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عَامِرٍ، وَمُحَلِّمٍ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذِهِ عِنْدِي قِصَّةٌ أُخْرَى، وَلَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: (قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ) هُوَ مَقُولُ عَطَاءٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا مِنْ عَلَامَاتِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَحِلَّ دَمُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ أَمْرُهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ تَحِيَّتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَةً. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ السَّلَمِ عَلَى اخْتِلَافِ ضَبْطِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الِانْقِيَادُ، وَهُوَ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ فِي اللُّغَةِ الِانْقِيَادُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَفَاصِيلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٨ - بَاب ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

٤٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمْلَى عَلَيْهِ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ - وَكَانَ أَعْمَى - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾

٤٥٩٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ "

٤٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي : "ادْعُوا فُلَانًا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوْ الْكَتِفُ فَقَالَ اكْتُبْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فدكٍ، وأنَّ اسم القاتل أسامة بن زيدٍ، وأنَّ اسم أمير السَّريَّة غالب بن فضالة الكعبيُّ، وأنَّ قوم مِرْداس لمَّا انهزموا؛ بقي وحده، وكان أَلجأَ غنمه إلى جبلٍ، فلمَّا لحقوه (١)؛ قال: لا إله إلا الله محمَّدٌ رسول الله، السَّلام عليكم، فقتله أسامة بن زيدٍ، فلمَّا رجعوا نزلت الآية، وأخرج عبد بن حميدٍ من طريق قتادة نحوه، وكذا الطَّبريُّ من طريق السُّدِّيِّ، ولا مانع من التَّعدُّد ونزول الآية مرَّتين.

(قَالَ) عطاء بن أبي رباحٍ: (قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) (﴿السَّلَامَ﴾) بألفٍ بعد اللَّام المفتوحة، وهو موصولٌ بالإسناد السَّابق.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في آخر كتابه، وأبو داود في «الحروب»، والنَّسائيُّ في «السِّير» و «التَّفسير».

(١٨) هذا (٢) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ (٣)[النساء: ٩٥]) كذا في الفرع وأصله وغيرهما بإسقاط: «﴿غَيْرُ (٤) أُوْلِي الضَّرَرِ﴾» وثبت ذلك في بعضها، ولأبي ذرٍّ: «﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ … ﴾ الآية» وسقط ما بعد ذلك.

٤٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ

بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، التَّابعيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) الصَّحابيُّ (أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص التَّابعيَّ (فِي المَسْجِدِ) قال: (فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا) بفتح الرَّاء (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ﴾) بدون ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (فَجَاءَهُ) (ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عبدُ الله أو عمرٌو، واسم أبيه: زائدة (وَهْوَ) (يُمِلُّهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الميم وتشديد اللَّام، أي: يُلقِي الآية (عَلَيَّ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ (١) أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) فخذه من ثقل الوحي (حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الرَّاء وتشديد الضَّاد المعجمة (٢)، وفي (٣) الفرع كأصله: «تَرُضَّ» (٤) بفتح التَّاء وضمِّ الرَّاء (٥)، أي: تُدقَّ (فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة، انكشف (عَنْهُ) وأزيل، يقال: سروت الثَّوب وسريته إذا خلعته، والتَّشديد فيه للمبالغة، أي: أُزِيل عنه ما نزل به من بُرَحَاء الوحي (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾) بالحركات الثَّلاث في ﴿غَيْرُ﴾ بالنَّصب نافعٌ وابن عامرٍ والكسائيُّ على الاستثناء أو على (٦) الحال، وبالرَّفع ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وحمزة وعاصم على الصِّفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ لأنَّ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ غير معيَّنٍ، فهو مثل قوله:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ: بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، محلم بن جثامة مَعنا فَلَقِيَهُمْ عَامر بن الأضبط الحَدِيث، إِلَى أَن قَالَ: فَرَمَاهُ بِسَهْم فَقتله، فجَاء الْخَبَر إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فجَاء محلم فِي بردين فَجَلَسَ بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليَسْتَغْفِر لَهُ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لأستغفر الله لَك) ، فَقَامَ وَهُوَ يتلَقَّى دموع ببرديه، فَمَا مَضَت لَهُ سَاعَة حَتَّى مَاتَ ودفنوه ولفظته الأَرْض، فجاؤوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكرُوا لَهُ ذَلِك فَقَالَ: إِن الأَرْض تقبل من هُوَ شَرّ من صَاحبكُم وَلَكِن الله أَرَادَ أَن يعظكم من جريمتكم. ثمَّ طرحوه فِي جبل وألقوا عَلَيْهِ من الْحِجَارَة، وَنزلت: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله} (النِّسَاء: ٩٤) الْآيَة. وَقَالَ السُّهيْلي: ثمَّ مَاتَ محلم بإثر ذَلِك فَلم تقبله الأَرْض مرَارًا. فألقي بَين جبلين. قَالَ: وَكَانَ أَمِير السّريَّة أَبَا الدَّرْدَاء، وَقيل رجل اسْمه فديك، وَقَالَ أَبُو عمر: مرداس بن نهيك الْفَزارِيّ. فِيهِ نزلت: {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا} كَانَ يرْعَى غنما لَهُ، فهجمت عَلَيْهِ سَرِيَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وفيهَا أُسَامَة بن زيد وأميرها سَلمَة بن الْأَكْوَع، فَلَقِيَهُ أُسَامَة فَألْقى إِلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا مُؤمن، فَحسب أُسَامَة أَنه ألْقى إِلَيْهِ السَّلَام مُتَعَوِّذًا، فَقتله فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا} الْآيَة. وَقَالَ أَبُو عمر: الِاخْتِلَاف فِي المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة كثير مُضْطَرب فِيهِ جدا، قيل: نزلت فِي الْمِقْدَاد، وَقيل: نزلت فِي أُسَامَة بن زيد، وَقيل: فِي محلم بن جثامة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت فِي سَرِيَّة وَلم يسم أحدا، وَقيل: نزلت فِي غَالب اللَّيْثِيّ، وَقيل: نزلت فِي رجل من بني اللَّيْث يُقَال لَهُ: فليت كَانَ على السّريَّة، وَقيل: نزلت فِي أبي الدَّرْدَاء، وَهَذَا اضْطِرَاب شَدِيد جدا. وَمَعْلُوم أَن قَتله كَانَ خطأ لَا عمدا لِأَن قَاتله لم يصدقهُ فِي قَوْله: أَنا مُؤمن، وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ رَحمَه الله، فِي هَذِه الْآيَة حكم الله تَعَالَى بِصِحَّة إِسْلَام من أظهر الْإِسْلَام وأمرنا بإجرائه على أَحْكَام الْمُسلمين وَإِن كَانَ فِي الْغَيْب بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مِمَّا يحْتَج بِهِ على تَوْبَة الزنديق إِذا أظهر الْإِسْلَام فَهُوَ مُسلم. قَالَ: وَاقْتضى ذَلِك أَيْضا أَن من قَالَ: لَا إلاه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو قَالَ أَنا مُسلم، يحكم لَهُ بِالْإِسْلَامِ.

قَالَ قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ السَّلامَ

أَي: قَالَ عَطاء الْمَذْكُور فِي الحَدِيث. قَرَأَ ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام} وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وروى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن عبيد عَن مُحَمَّد عَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ يقْرَأ السَّلَام بِالْألف.

١٨ - (بابُ قَوْلِهِ: {لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} (النِّسَاء: ٩٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي} إِلَى آخِره وَهَذَا الْمِقْدَار الْمَذْكُور من الْآيَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ) الْآيَة.

٤٥٩٢ - ح دَّثنا إسُمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ بنِ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ حدَّثني سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أنَّهُ رَأى مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إلَى جَنْبِهِ فَأخْبَرَنَا أنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ أخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمْلَى عَلَيْهِ {لَا يَسْتَوِي

القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} و {المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} فَجَاءَهُ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّها عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ الله وَالله لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أعْمَى فَأنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنَّ تَرُضَّ فَخِذُي ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ فَأنْزَلَ الله غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.

والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد الزُّهْرِيّ عَن صَالح بن كيسَان إِلَى آخِره.

وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَهُوَ صَالح بن كيسَان فَإِنَّهُ تَابِعِيّ رأى عبد الله بن عَمْرو أَنه يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَهُوَ يروي عَن سهل بن سعد وَهُوَ صَحَابِيّ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن سهلاً صَحَابِيّ ومروان تَابِعِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ. فِي هَذَا الحَدِيث رِوَايَة رجل من الصَّحَابَة، وَهُوَ سهل بن سعد عَن رجل من التَّابِعين وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، وَلم يسمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من عدم السماع عدم الصُّحْبَة. وَقد ذكره ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة انْتهى. قلت: وَلَو ذكره فِي كتاب (الِاسْتِيعَاب) فِي: بَاب مَرْوَان، وَلكنه قَالَ: لم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل، وَقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ لما طلب الْخلَافَة فَذكرُوا لَهُ ابْن عمر، فَقَالَ: لَيْسَ ابْن عمر بأفقه مني، وَلكنه أسنّ مني، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة. فَهَذَا اعْتِرَاف مِنْهُ بِعَدَمِ الصُّحْبَة.

قَوْله: (ابْن أم مَكْتُوم) ، واسْمه عبد الله، وَقيل: عَمْرو، وَجَاء فِي رِوَايَة قبيصَة عَن زيد بن ثَابت، (فجَاء عبد الله بن أم مَكْتُوم) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْبَراء (جَاءَ عَمْرو بن أم مَكْتُوم) . وَاسم أَبِيه: زَائِدَة، وَأم مَكْتُوم أمه وَاسْمهَا: عَاتِكَة. قَوْله: (وَهُوَ يملها) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم وَتَشْديد اللَّام، وَأَصلهَا يمللها كَمَا فِي قَوْله: {وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق} (الْبَقَرَة: ٣٨٢) فنقلت كسرة اللَّام إِلَى الْمِيم وأدغمت فِي اللَّام الثَّانِيَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي حَدِيث زيد أَنه أمْلى عَلَيْهِ {وَلَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} يُقَال: أمللت الْكتاب وأمليته إِذا أَلقيته على الْكَاتِب ليكتبه. قَوْله: (أَن ترض) ، بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الدق. قَوْله: (ثمَّ سري) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة أَي: انْكَشَفَ عَنهُ. قَوْله: (غير أولي الضَّرَر) ، وَهُوَ الْعَمى، وَاخْتلف الْقُرَّاء فِي إِعْرَاب، غير، فَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم بِالرَّفْع على الْبَدَل من الْقَاعِدُونَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بِالْجَرِّ على الصّفة للْمُؤْمِنين، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء.

٤٥٩٣ - ح دَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحاقَ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله عنهُ قَالَ لَمَا نَزَلَتْ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ} دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَيْدا فَكَتَبَها فَجَاءَ ابنُ أُمِّ مَكّتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ الله {غَيْرَ أُولِي الضَرَرِ} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، والبراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن الْبَراء إِلَى آخِره نَحْو قَوْله (عَن أبي اسحاق عَن الْبَراء) وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن ابي اسحاق انه سمع الْبَراء أخرجه احْمَد عَنهُ وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي سِنَان الشَّيْبَانِيّ عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن أَرقم، وَالْمَحْفُوظ عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء فِي رِوَايَة الشَّيْخَيْنِ، وَأَبُو سِنَان اسْمه: ضرار بن مرّة، وَهُوَ أَيْضا ثِقَة.

٤٥٩٤ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَّرَرِ قَال النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ادْعُوا فُلانا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أوْ الكَتِفَ فَقَال اكْتُبْ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} و {المُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} وَخَلْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ يَا رَسُولِ اللهأنَا ضَرِيرٌ فَنَزَلَتْ مكَانَها {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَرَرِ وَالمجاهدُونَ فِي سَبِيلِ الله} .

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث الْبَراء أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور فِيمَا قبله.

قَوْله: (فلَانا) ، هُوَ زيد بن ثَابت، وَقد صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة. قَوْله: (أَو الْكَتف) ، شكّ من الرَّاوِي وَكَانُوا يَكْتُبُونَ على الألواح والأكتاف. قَوْله: (وَخلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ابْن أم مَكْتُوم) مَعْنَاهُ: جلس خلف

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ، وَفِي آخِرِ رِوَايَةِ قَتَادَةَ: لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ السَّلَامُ بِهَا يَتَعَارَفُونَ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ فِي مِرْدَاسٍ وَهَذَا شَاهِدٌ حَسَنٌ.

وَوَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ آخَرُ، فَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَمُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ، فَمَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمٌ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ وَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ أَتَمَّ سِيَاقًا مِنْ هَذَا، وَزَادَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عَامِرٍ، وَمُحَلِّمٍ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذِهِ عِنْدِي قِصَّةٌ أُخْرَى، وَلَا مَانِعَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا. قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: (قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ) هُوَ مَقُولُ عَطَاءٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا مِنْ عَلَامَاتِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَحِلَّ دَمُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ أَمْرُهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ تَحِيَّتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَةً. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ السَّلَمِ عَلَى اخْتِلَافِ ضَبْطِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الِانْقِيَادُ، وَهُوَ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ فِي اللُّغَةِ الِانْقِيَادُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى تَفَاصِيلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٨ - بَاب ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

٤٥٩٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمْلَى عَلَيْهِ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهْوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ - وَكَانَ أَعْمَى - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾

٤٥٩٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ زَيْدًا فَكَتَبَهَا فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ "

٤٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: "لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي : "ادْعُوا فُلَانًا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوْ الْكَتِفُ فَقَالَ اكْتُبْ ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَخَلْفَ النَّبِيِّ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فدكٍ، وأنَّ اسم القاتل أسامة بن زيدٍ، وأنَّ اسم أمير السَّريَّة غالب بن فضالة الكعبيُّ، وأنَّ قوم مِرْداس لمَّا انهزموا؛ بقي وحده، وكان أَلجأَ غنمه إلى جبلٍ، فلمَّا لحقوه (١)؛ قال: لا إله إلا الله محمَّدٌ رسول الله، السَّلام عليكم، فقتله أسامة بن زيدٍ، فلمَّا رجعوا نزلت الآية، وأخرج عبد بن حميدٍ من طريق قتادة نحوه، وكذا الطَّبريُّ من طريق السُّدِّيِّ، ولا مانع من التَّعدُّد ونزول الآية مرَّتين.

(قَالَ) عطاء بن أبي رباحٍ: (قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ) (﴿السَّلَامَ﴾) بألفٍ بعد اللَّام المفتوحة، وهو موصولٌ بالإسناد السَّابق.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في آخر كتابه، وأبو داود في «الحروب»، والنَّسائيُّ في «السِّير» و «التَّفسير».

(١٨) هذا (٢) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ (٣)[النساء: ٩٥]) كذا في الفرع وأصله وغيرهما بإسقاط: «﴿غَيْرُ (٤) أُوْلِي الضَّرَرِ﴾» وثبت ذلك في بعضها، ولأبي ذرٍّ: «﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ … ﴾ الآية» وسقط ما بعد ذلك.

٤٥٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ

بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، التَّابعيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) الصَّحابيُّ (أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص التَّابعيَّ (فِي المَسْجِدِ) قال: (فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا) بفتح الرَّاء (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ﴾) بدون ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (فَجَاءَهُ) (ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عبدُ الله أو عمرٌو، واسم أبيه: زائدة (وَهْوَ) (يُمِلُّهَا) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الميم وتشديد اللَّام، أي: يُلقِي الآية (عَلَيَّ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ (١) أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) فخذه من ثقل الوحي (حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الرَّاء وتشديد الضَّاد المعجمة (٢)، وفي (٣) الفرع كأصله: «تَرُضَّ» (٤) بفتح التَّاء وضمِّ الرَّاء (٥)، أي: تُدقَّ (فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة، انكشف (عَنْهُ) وأزيل، يقال: سروت الثَّوب وسريته إذا خلعته، والتَّشديد فيه للمبالغة، أي: أُزِيل عنه ما نزل به من بُرَحَاء الوحي (فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾) بالحركات الثَّلاث في ﴿غَيْرُ﴾ بالنَّصب نافعٌ وابن عامرٍ والكسائيُّ على الاستثناء أو على (٦) الحال، وبالرَّفع ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وحمزة وعاصم على الصِّفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ لأنَّ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ غير معيَّنٍ، فهو مثل قوله:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَالَ: بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، محلم بن جثامة مَعنا فَلَقِيَهُمْ عَامر بن الأضبط الحَدِيث، إِلَى أَن قَالَ: فَرَمَاهُ بِسَهْم فَقتله، فجَاء الْخَبَر إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فجَاء محلم فِي بردين فَجَلَسَ بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليَسْتَغْفِر لَهُ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لأستغفر الله لَك) ، فَقَامَ وَهُوَ يتلَقَّى دموع ببرديه، فَمَا مَضَت لَهُ سَاعَة حَتَّى مَاتَ ودفنوه ولفظته الأَرْض، فجاؤوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكرُوا لَهُ ذَلِك فَقَالَ: إِن الأَرْض تقبل من هُوَ شَرّ من صَاحبكُم وَلَكِن الله أَرَادَ أَن يعظكم من جريمتكم. ثمَّ طرحوه فِي جبل وألقوا عَلَيْهِ من الْحِجَارَة، وَنزلت: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله} (النِّسَاء: ٩٤) الْآيَة. وَقَالَ السُّهيْلي: ثمَّ مَاتَ محلم بإثر ذَلِك فَلم تقبله الأَرْض مرَارًا. فألقي بَين جبلين. قَالَ: وَكَانَ أَمِير السّريَّة أَبَا الدَّرْدَاء، وَقيل رجل اسْمه فديك، وَقَالَ أَبُو عمر: مرداس بن نهيك الْفَزارِيّ. فِيهِ نزلت: {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا} كَانَ يرْعَى غنما لَهُ، فهجمت عَلَيْهِ سَرِيَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وفيهَا أُسَامَة بن زيد وأميرها سَلمَة بن الْأَكْوَع، فَلَقِيَهُ أُسَامَة فَألْقى إِلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا مُؤمن، فَحسب أُسَامَة أَنه ألْقى إِلَيْهِ السَّلَام مُتَعَوِّذًا، فَقتله فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا} الْآيَة. وَقَالَ أَبُو عمر: الِاخْتِلَاف فِي المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة كثير مُضْطَرب فِيهِ جدا، قيل: نزلت فِي الْمِقْدَاد، وَقيل: نزلت فِي أُسَامَة بن زيد، وَقيل: فِي محلم بن جثامة، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: نزلت فِي سَرِيَّة وَلم يسم أحدا، وَقيل: نزلت فِي غَالب اللَّيْثِيّ، وَقيل: نزلت فِي رجل من بني اللَّيْث يُقَال لَهُ: فليت كَانَ على السّريَّة، وَقيل: نزلت فِي أبي الدَّرْدَاء، وَهَذَا اضْطِرَاب شَدِيد جدا. وَمَعْلُوم أَن قَتله كَانَ خطأ لَا عمدا لِأَن قَاتله لم يصدقهُ فِي قَوْله: أَنا مُؤمن، وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ رَحمَه الله، فِي هَذِه الْآيَة حكم الله تَعَالَى بِصِحَّة إِسْلَام من أظهر الْإِسْلَام وأمرنا بإجرائه على أَحْكَام الْمُسلمين وَإِن كَانَ فِي الْغَيْب بِخِلَافِهِ، وَهَذَا مِمَّا يحْتَج بِهِ على تَوْبَة الزنديق إِذا أظهر الْإِسْلَام فَهُوَ مُسلم. قَالَ: وَاقْتضى ذَلِك أَيْضا أَن من قَالَ: لَا إلاه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو قَالَ أَنا مُسلم، يحكم لَهُ بِالْإِسْلَامِ.

قَالَ قَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ السَّلامَ

أَي: قَالَ عَطاء الْمَذْكُور فِي الحَدِيث. قَرَأَ ابْن عَبَّاس قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام} وَهُوَ مَوْصُول بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وروى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن يحيى بن عبيد عَن مُحَمَّد عَن ابْن عَبَّاس: أَنه كَانَ يقْرَأ السَّلَام بِالْألف.

١٨ - (بابُ قَوْلِهِ: {لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} (النِّسَاء: ٩٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي} إِلَى آخِره وَهَذَا الْمِقْدَار الْمَذْكُور من الْآيَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ) الْآيَة.

٤٥٩٢ - ح دَّثنا إسُمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ بنِ كَيْسَانَ عنِ ابنِ شِهاب قَالَ حدَّثني سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أنَّهُ رَأى مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إلَى جَنْبِهِ فَأخْبَرَنَا أنَّ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ أخْبَرَهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمْلَى عَلَيْهِ {لَا يَسْتَوِي

القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} و {المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} فَجَاءَهُ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّها عَلَيَّ قَالَ يَا رَسُولَ الله وَالله لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجَاهَدْتُ وَكَانَ أعْمَى فَأنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنَّ تَرُضَّ فَخِذُي ثُمَّ سُرِّي عَنْهُ فَأنْزَلَ الله غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة.

والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن إِبْرَاهِيم بن سعد الزُّهْرِيّ عَن صَالح بن كيسَان إِلَى آخِره.

وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَهُوَ صَالح بن كيسَان فَإِنَّهُ تَابِعِيّ رأى عبد الله بن عَمْرو أَنه يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ وَهُوَ يروي عَن سهل بن سعد وَهُوَ صَحَابِيّ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ لِأَن سهلاً صَحَابِيّ ومروان تَابِعِيّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ. فِي هَذَا الحَدِيث رِوَايَة رجل من الصَّحَابَة، وَهُوَ سهل بن سعد عَن رجل من التَّابِعين وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، وَلم يسمع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من عدم السماع عدم الصُّحْبَة. وَقد ذكره ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة انْتهى. قلت: وَلَو ذكره فِي كتاب (الِاسْتِيعَاب) فِي: بَاب مَرْوَان، وَلكنه قَالَ: لم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل، وَقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ لما طلب الْخلَافَة فَذكرُوا لَهُ ابْن عمر، فَقَالَ: لَيْسَ ابْن عمر بأفقه مني، وَلكنه أسنّ مني، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة. فَهَذَا اعْتِرَاف مِنْهُ بِعَدَمِ الصُّحْبَة.

قَوْله: (ابْن أم مَكْتُوم) ، واسْمه عبد الله، وَقيل: عَمْرو، وَجَاء فِي رِوَايَة قبيصَة عَن زيد بن ثَابت، (فجَاء عبد الله بن أم مَكْتُوم) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْبَراء (جَاءَ عَمْرو بن أم مَكْتُوم) . وَاسم أَبِيه: زَائِدَة، وَأم مَكْتُوم أمه وَاسْمهَا: عَاتِكَة. قَوْله: (وَهُوَ يملها) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم وَتَشْديد اللَّام، وَأَصلهَا يمللها كَمَا فِي قَوْله: {وليملل الَّذِي عَلَيْهِ الْحق} (الْبَقَرَة: ٣٨٢) فنقلت كسرة اللَّام إِلَى الْمِيم وأدغمت فِي اللَّام الثَّانِيَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَفِي حَدِيث زيد أَنه أمْلى عَلَيْهِ {وَلَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} يُقَال: أمللت الْكتاب وأمليته إِذا أَلقيته على الْكَاتِب ليكتبه. قَوْله: (أَن ترض) ، بتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الدق. قَوْله: (ثمَّ سري) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة أَي: انْكَشَفَ عَنهُ. قَوْله: (غير أولي الضَّرَر) ، وَهُوَ الْعَمى، وَاخْتلف الْقُرَّاء فِي إِعْرَاب، غير، فَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم بِالرَّفْع على الْبَدَل من الْقَاعِدُونَ، وَقَرَأَ الْأَعْمَش بِالْجَرِّ على الصّفة للْمُؤْمِنين، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء.

٤٥٩٣ - ح دَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إسْحاقَ عنِ البَرَاءِ رَضِي الله عنهُ قَالَ لَمَا نَزَلَتْ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ} دَعَا رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَيْدا فَكَتَبَها فَجَاءَ ابنُ أُمِّ مَكّتُومٍ فَشَكَا ضَرَارَتَهُ فَأَنْزَلَ الله {غَيْرَ أُولِي الضَرَرِ} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، والبراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب قَول الله {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ} فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن الْبَراء إِلَى آخِره نَحْو قَوْله (عَن أبي اسحاق عَن الْبَراء) وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن ابي اسحاق انه سمع الْبَراء أخرجه احْمَد عَنهُ وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أبي سِنَان الشَّيْبَانِيّ عَن أبي إِسْحَاق عَن زيد بن أَرقم، وَالْمَحْفُوظ عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء فِي رِوَايَة الشَّيْخَيْنِ، وَأَبُو سِنَان اسْمه: ضرار بن مرّة، وَهُوَ أَيْضا ثِقَة.

٤٥٩٤ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَّرَرِ قَال النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ادْعُوا فُلانا فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أوْ الكَتِفَ فَقَال اكْتُبْ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} و {المُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله} وَخَلْفَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ يَا رَسُولِ اللهأنَا ضَرِيرٌ فَنَزَلَتْ مكَانَها {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنينَ غَيْرَ أُوَلِي الضَرَرِ وَالمجاهدُونَ فِي سَبِيلِ الله} .

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث الْبَراء أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس عَن جده أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور فِيمَا قبله.

قَوْله: (فلَانا) ، هُوَ زيد بن ثَابت، وَقد صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة. قَوْله: (أَو الْكَتف) ، شكّ من الرَّاوِي وَكَانُوا يَكْتُبُونَ على الألواح والأكتاف. قَوْله: (وَخلف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ابْن أم مَكْتُوم) مَعْنَاهُ: جلس خلف

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده