«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦

الحديث رقم ٤٦ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الزكاة من الإسلام.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر…

«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ : وَصِيَامُ رَمَضَانَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».

سند حديث: ٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ…

٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر…

جاء رجلٌ من أهل نَجْدٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان شعره مُنْتَفِشًا، وصوته مرتفعًا، ولا يُفقه ما يقول، حتى اقترب من النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عن فرائض الإسلام؟

فبدأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالصلاة، وأخبره أنَّ الله قد افترض عليه خمسَ صلوات في كل يوم وليلة.

فقال: هل يلزمني شيء من الصلوات غير هذه الخَمس؟

فقال: لا، إلا إذا تطوَّعت من صلوات النوافل.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ومما أوجبه الله عليك صوم شهر رمضان.

فقال الرجل: هل يلزمني شيء من الصيام غير صوم رمضان؟

فقال: لا، إلا أن تتطوّع بصوم.

ثم ذكر له صلى الله عليه وسلم الزكاة.

فقال الرجل: هل يلزمني شيء من الصدقات بعد زكاة الفرض؟

قال: لا، إلا أن تتطوّع.

وبعد أن سمع الرجل من النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفرائض ولّى مدبرًا وأقسم بالله تعالى أنه سيلتزم بها من غير زيادة ولا نقصان، فقال صلى الله عليه وسلم على إثر ذلك: إذا صَدَقَ الرجل على ما حَلفَ عليه فإنه يكون من المُفلحين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • سماحةُ الشريعة الإسلامية وتيسيرها على المكلفين.
  • حسن معاملته صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل، فقد مَكَّنَه من الاقتراب منه وسؤاله.
  • البدء في الدعوة إلى الله تعالى بالأهم فالأهم.
  • الإسلام عقيدة وعمل، فلا ينفع عمل من غير إيمان، ولا ينفع إيمان من غير عمل.
  • أهمية هذه الأعمال وأنها من أركان الإسلام.
  • صلاة الجمعة داخلة في الصلوات الخمس الواجبة؛ لأنها بدلًا عن صلاة ظهر يوم الجمعة لمن وجبت عليه.
  • بدأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تعليمه بآكد فرائض الإسلام وهي أركانه بعد الشهادتين؛ لأنه كان مسلمًا، ولم يذكر الحج؛ لأنه قبل فرضهِ، أو لأنه لم يأتِ وقته.
  • الإنسان إذا اقتصر على الواجب في الشرع فإنه مُفلح، ولكن لا يعني هذا أنه لا يُسن أن يأتي بالتطوع؛ لأن التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَيَّنَتْ أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ بِعَرَفَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي هِيَ آخِرُ عَهْدِ الْبَعْثَةِ حِينَ تَمَّتِ الشَّرِيعَةُ وَأَرْكَانُهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَزَمَ السُّدِّيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.

٣٤ - بَاب الزَّكَاةُ مِنْ الْإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾

٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قال: حدثنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقال: هل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: لا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَصِيَامُ رَمَضَانَ قال: هل عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قال: لا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ الزَّكَاةَ قال: هل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: لا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وهو يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ.

[الحديث ٤٦ - في: ٦٩٥٦، ٢٦٧٨، ١٨٩١]

قَوْلُهُ: (بَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الْإِسْلَامِ. ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ وَيَأْتِي فِيهِ مَا مَضَى فِي بَابِ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى مَا تُرْجِمَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَالْقَيِّمَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَقَدْ جَاءَ قَامَ بِمَعْنَى اسْتَقَامَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أَيْ: مُسْتَقِيمَةٌ. وَإِنَّمَا خَصَّ الزَّكَاةَ بِالتَّرْجَمَةِ لِأَنَّ بَاقِيَ مَا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ قَدْ أَفْرَدَهُ بِتَرَاجِمَ أُخْرَى.

وَرِجَالُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَمَالِكٌ وَالِدُ أَبِي سُهَيْلٍ هُوَ ابْنُ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيُّ حَلِيفُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسِ ابْنِ أُخْتِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ خَالِهِ عَنْ عَمِّهِ، عن أبيه عَنْ حَلِيفِهِ، فَهُوَ مُسَلْسَلٌ بِالْأَقَارِبِ كَمَا هُوَ مُسَلْسَلٌ بِالْبَلَدِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ: مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (ثَائِرُ الرَّأْسِ) هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الصِّفَةِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ، وَالْمُرَادُ: أَنَّ شَعْرَهُ مُتَفَرِّقٌ مِنْ تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ عَهْدِهِ بِالْوِفَادَةِ، وَأَوْقَعَ اسْمَ الرَّأْسِ عَلَى الشَّعْرِ إِمَّا مُبَالَغَةً، أَوْ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْهُ يَنْبُتُ.

قَوْلُهُ: (يُسْمَعُ) بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَوْ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ لِلْجَمْعِ، وَكَذَا فِي يُفْقَهُ.

قَوْلُهُ: (دَوِيٌّ) بِفَتْحِ الدَّالِّ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، كَذَا فِي رِوَايَتِنَا. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ: جَاءَ عِنْدَنَا فِي الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ الدَّالِ. قَالَ: وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الدَّوِيُّ صَوْتٌ مُرْتَفِعٌ مُتَكَرِّرٌ وَلَا يُفْهَمُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَادَى مِنْ بُعْدٍ، وَهَذَا الرَّجُلُ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ وَآخَرُونَ بِأَنَّهُ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِيرَادُ مُسْلِمٍ لِقِصَّتِهِ عَقِبَ حَدِيثِ طَلْحَةَ ; وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَدْوِيٌّ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ سِيَاقَهُمَا مُخْتَلِفٌ، وَأَسْئِلَتَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ، قَالَ: وَدَعْوَى أَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ دَعْوَى فَرَطٍ، وَتَكَلُّفُ شَطَطٍ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوَّاهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ابْنَ سَعْدٍ، وَابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةً لَمْ يَذْكُرُوا لِضِمَامٍ إِلَّا الْأَوَّلَ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ.

قَوْلُهُ:

(فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ) أَيْ: عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ لَهُ الشَّهَادَةَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْلَمُهَا أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْأَلُ عَنِ الشَّرَائِعِ الْفِعْلِيَّةِ، أَوْ ذَكَرَهَا وَلَمْ يَنْقُلْهَا الرَّاوِي لِشُهْرَتِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْدُ أَوِ الرَّاوِي اخْتَصَرَهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَدَخَلَ فِيهِ بَاقِي الْمَفْرُوضَاتِ بَلْ وَالْمَنْدُوبَاتِ.

قَوْلُهُ: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي سُؤَالِهِ: أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا مُطَابَقَةُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ سِيَاقِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ غَيْرُ الْخَمْسِ، خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ الْوِتْرَ أَوْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْ صَلَاةَ الضُّحَى أَوْ صَلَاةَ الْعِيدِ أَوِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ.

قَوْلُهُ: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: لا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ) تَطَّوَّعَ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْوَاوِ، وَأَصْلُهُ تَتَطَوَّعُ بِتَاءَيْنِ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الطَّاءِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَاهُمَا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي التَّطَوُّعِ يُوجِبُ إِتْمَامَهُ تَمَسُّكًا بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ مُتَّصِلٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لِأَنَّهُ نَفْيُ وُجُوبِ شَيْءٍ آخَرَ إِلَّا مَا تَطَوَّعَ بِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَلَا قَائِلَ بِوُجُوبِ التَّطَوُّعِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ إِلَّا أَنْ تَشْرَعَ فِي تَطَوُّعٍ فَيَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ مُغَالَطَةٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُنَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ; لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يُقَالُ فِيهِ عَلَيْكَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ، إِلَّا إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَطَّوَّعَ فَذَلِكَ لَكَ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ التَّطَوُّعَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ أَصْلًا. كَذَا قَالَ. وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ دَائِرٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُتَّصِلٌ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْمَ التَّطَوُّعِ ثُمَّ يُفْطِرُ، وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَنْ تُفْطِرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَعَتْ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْمَامَ - إِذَا كَانَتْ نَافِلَةً - بِهَذَا النَّصِّ فِي الصَّوْمِ وَالْقِيَاسِ فِي الْبَاقِي. فَإِنْ قِيلَ: يَرِدُ الْحَجَّ، قُلْنَا: لَا ; لِأَنَّهُ امْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ بِلُزُومِ الْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ.

وَكَذَلِكَ امْتَازَ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ فِي نَفْلِهِ كَفَرْضِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

عَلَى أَنَّ فِي اسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةِ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِفَرْضِيَّةِ الْإِتْمَامِ، بَلْ بِوُجُوبِهِ. وَاسْتِثْنَاءُ الْوَاجِبِ مِنَ الْفَرْضِ مُنْقَطِعٌ لِتَبَايُنِهِمَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ لِلْإِثْبَاتِ بَلْ مَسْكُوتٌ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: لَا، أَيْ: لَا فَرْضَ عَلَيْكَ غَيْرَهَا.

قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ الزَّكَاةَ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، قَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَشْيَاءَ أُجْمِلَتْ، مِنْهَا بَيَانُ نُصُبِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُفَسَّرْ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَا أَسْمَاءُ الصَّلَوَاتِ، وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ شُهْرَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، أَوِ الْقَصْدُ مِنَ الْقِصَّةِ بَيَانُ أَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِالْفَرَائِضِ نَاجٍ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ النَّوَافِلَ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ) في رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ فَقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ. وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورَةِ: أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ:. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِحَذْفِ أَوْ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْجَامِعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ، أَوْ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْحَلِفُ، كَمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِمْ عَقْرَى حَلْقَى (١) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ فِيهِ إِضْمَارُ اسْمِ الرَّبِّ كَأَنَّهُ قَالَ: وَرَبِّ أَبِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط عند الأَصيليِّ وابن عساكر قوله «ابن أنسٍ» (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ) واسمُ أبي سُهيلٍ: نافعٌ المدني (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامرٍ (أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان القرشيَّ التَّيميَّ، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، المقتول يومَ الجمل لعشرٍ خَلَوْنَ من جمادى الأولى سنة ستٍّ وثلاثين، ودُفِنَ بالبصرة، وله في «البخاريِّ» أربعةُ أحاديثَ (يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ) هو ضِمام بن ثعلبة أو غيره (إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) بفتح النُّون وسكون الجيم، وهو -كما في «العباب» وغيره- ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «جاء رجلٌ من أهل نجدٍ إلى رسول الله » (ثَائِرُ) بالمُثلَّثة، أي: متفرِّق شعر (الرَّأْسِ) من عدم الرَّفاهيَة، فحُذِف المضافُ للقرينة العقليَّة، أو أُطلِقَ اسم الرَّأس على الشَّعر لأنَّه نبت منه، كما يُطلَق اسم السَّماء على المطر، أو مبالغةً بجعل الرَّأس كأنَّها المُنْتَفشة، و «ثائرُ»: بالرَّفع صفةٌ لـ «رجل»، أو بالنَّصب على الحال، ولا يضرُّ إضافتها لأنَّها لفظيَّةٌ (نسْمَعُ) بنون الجمع (دَوِيَّ صَوْتِهِ) -بفتح الدَّال

وكسر الواو وتشديد الياء- منصوبٌ مفعولًا به (وَلَا نفْقَهُ) بنون الجمع كذلك (مَا يَقُولُ) أي: الذي يقوله، في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، وفي رواية ابن عساكر: «يُسمَع» «ولا يُفقَه» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة فيهما مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، و «دويُّ» و «ما يقول» نائبان عنه، والدَّويُّ: شدَّة الصَّوت وبُعْدُه في الهواء، فلا يُفهَمُ منه شيءٌ (حَتَّى دَنَا) أي: إلى أن قَرُبَ فهمناه (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ) أي: عن أركانه وشرائعه بعد التَّوحيد والتَّصديق، أو عن حقيقته، واستُبعِد هذا؛ من حيث إنَّ الجواب يكون غير مطابقٍ للسُّؤال، وهو قوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ): هو (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) أو خذ خمسَ صلواتٍ، ويجوز الجرُّ بدلًا من «الإسلام»، فظهر أنَّ السُّؤال وقع عن أركان الإسلام وشرائعه، ووقع الجواب مطابقًا له، ويؤيِّده ما في رواية إسماعيل بن جعفرٍ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦١٨٩١] أنَّه قال: أخبرني ماذا (١) فرض الله عليَّ من الصَّلاة؟ وليست (٢) الصَّلوات الخمس عين الإسلام، ففيه حذفٌ تقديره: إقامةُ خَمسِ صلواتٍ في اليوم واللَّيلة، وإنَّما لم يذكر له الشَّهادة لأنَّه عَلِم أنَّه يعلمها، أو عَلِم أنَّه إنَّما يسأل عن الشَّرائع الفعليَّة، أو ذكرها فلم ينقلها الرَّاوي لشهرتها (فَقَالَ) الرَّجل المذكور، ولابن عساكر: «قال»: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟) بالرَّفع مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، خبره «عليَّ» (قَالَ) : (لَا) شيءَ عليك غيرُها، وهو حجَّةٌ على الحنفيَّة حيث أوجبوا الوترَ، وعلى الإصطخريِّ من الشَّافعيَّة

حيث قال: إنَّ صلاة العيدين فرضُ كفاية (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) استثناءٌ من قوله: «لا» منقطعٌ، أي: لكنَّ التطوَّعَ مُستحَبٌّ لك، وعلى هذا لا تلزم النَّوافل بالشُّروع فيها، لكن يُستحَبُّ إتمامها ولا يجب، وقد روى النَّسائيُّ وغيره: أنَّ النَّبيَّ كان أحيانًا ينوي صَوم التَّطوُّع ثمَّ يفطر، وفي «البخاريِّ»: «أنَّه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه» [خ¦١٩٨٦] فدلَّ على أنَّ الشُّروع في النَّفل لا يستلزم الإتمام، فهذا النَّصُّ في الصَّوم، والباقي (١) بالقياس، ولا يرد الحجُّ؛ لأنَّه امتاز عن غيره بالمضيِّ في فاسده، فكيف في صحيحه؟ أو الاستثناء متَّصلٌ على الأصل، واستُدلَّ به على أنَّ الشُّروع في التَّطوُّع يلزم إتمامه، وقرَّره القرطبيُّ من المالكيَّة: بأنَّه نفيُ وجوب شيءٍ آخرَ، أي: إلَّا ما تُطوَّع به، والاستثناء من النَّفيِ إثباتٌ، ولا قائلَ بوجوب التَّطوُّع، فتعيَّن أن يكون المُرَاد: إلَّا أن تَشرع في تَطوُّعٍ، فيلزمك إتمامه، وفي «مُسنَد أحمد» من حديث عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصةُ صائمتين، فأُهدِيتْ لنا شاةٌ فأكلْنا، فدخل علينا النبي ، فأخبرناه، فقال: «صُوما يومًا مكانه» والأمر للوجوب، فدلَّ على أنَّ الشُّروع مُلزِمٌ (قَالَ): وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ : وَصِيَامُ) بالرَّفع (٢) عطفًا على «خمس صلوات»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وصوم» (رَمَضَانَ. قَالَ) الرَّجل: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ) : (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) فلا يلزمك إتمامه إذا شرعت فيه، أو إلَّا إذا تطوَّعت فالتَّطوُّع يلزمك إتمامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وفي استدلال الحنفيَّة نظرٌ، لأنَّهم لا يقولون بفرضيَّة الإتمام، بل بوجوبه واستثناء الواجب من الفرض منقطعٌ لتباينهما، وأيضًا فإنَّ الاستثناء عندهم

من النَّفيِ ليس للإثبات، بل مسكوتٌ عنه كما قاله في «الفتح» (قَالَ) الرَّاوي طلحةُ بن عبيد الله: (وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ الزَّكَاةَ، قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «فقال» الرَّجل المذكور: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ) : (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، قَالَ) الراوي: (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ) من الإدبار، أي: تَوَلَّى (وَهُوَ يَقُولُ) أي: والحالُ أنَّه يقول: (وَاللهِ لَا أَزِيدُ) في التَّصديق والقَبول (عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ) منه شيئًا، أي: قبلت كلامك قبولًا لا مَزِيدَ عليه من جهة السُّؤال، ولا نقصانَ فيه من طريق القبول، أو لا أَزِيدُ على ما سَمعتُ، ولا أنقصُ منه عند الإبلاغ؛ لأنَّه كان وافدَ قومه ليتعلَّم ويُعلِّمهم، لكن يُعكِّر عليهما رواية إسماعيل بن جعفر حيث قال: لا أتطوَّع شيئًا، ولا أنقص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا [خ¦١٨٩١] أو المُرَاد: لا أغيِّر صفة الفرض؛ كمن ينقص الظُّهر مثلًا ركعةً، أو يزيدُ المغربَ (قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَفْلَحَ) الرَّجل، أي: فاز (إِنْ صَدَقَ) في كلامه، واستُشكِل كَونه أثبت له الفلاح بمُجرَّد ما ذكر، وهو لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيَّات ولا المندوبات، وأُجِيب: بأنَّه داخلٌ في عموم قوله في حديث إسماعيل بن جعفرٍ المرويِّ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦١٨٩١] بلفظ: فأخبره رسول الله بشرائع الإسلام، فإن قلت: أمَّا فلاحه بأنَّه لا ينقص فواضحٌ، وأمَّا بألَّا يزيد فكيف يصحُّ؟

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

سَائِر الْآيَات الَّتِي فِي الْكتاب مقروءة، قَوْله: (قد عرفنَا ذَلِك الْيَوْم) مَعْنَاهُ: أَنا مَا أهملناه وَلَا خَفِي علينا زمَان نُزُولهَا، وَلَا مَكَان نُزُولهَا، وضبطنا جَمِيع مَا يتَعَلَّق بهَا حَتَّى صفة النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وموضعه فِي زمَان النُّزُول، وَهُوَ كَونه، عَلَيْهِ السَّلَام، قَائِما حِينَئِذٍ، وَهُوَ غَايَة فِي الضَّبْط. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ: أَنا مَا تركنَا تَعْظِيم ذَلِك الْيَوْم وَالْمَكَان، أما الْمَكَان فَهُوَ عَرَفَات، وَهُوَ مُعظم الْحَج الَّذِي هُوَ أحد أَرْكَان الْإِسْلَام، وَأما الزَّمَان فَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة وَيَوْم عَرَفَة. وَهُوَ يَوْم اجْتمع فِيهِ فضلان وشرفان، وَمَعْلُوم تعظيمنا لكل وَاحِد مِنْهُمَا، فَإِذا اجْتمعَا زَاد التَّعْظِيم، فقد اتخذنا ذَلِك الْيَوْم عيدا، وعظمنا مَكَانَهُ أَيْضا، وَهَذَا كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع، وعاش النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بعْدهَا ثَلَاثَة أشهر. قَوْله: (وَالَّذِي نزلت فِيهِ على النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) زَاد مُسلم، عَن عبد بن حميد عَن جَعْفَر بن عون فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَفظه: (إِنِّي لأعْلم الْيَوْم الَّذِي أنزلت فِيهِ) . وَلأَحْمَد عَن جَعْفَر بن عون: (والساعة الَّتِي نزلت فِيهَا على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام) فَإِن قلت: كَيفَ طابق الْجَواب السُّؤَال؟ لِأَنَّهُ قَالَ لاتخذناه عيداً؟ فَقَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ: عرفنَا أَحْوَاله، وَلم يقل جَعَلْنَاهُ عيداً. قلت: لما بَين أَن يَوْم النُّزُول كَانَ عَرَفَة وَمن المشهورت أَن الْيَوْم الَّذِي بعد عَرَفَة عيد للْمُسلمين، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَعَلْنَاهُ عيدا بعد إدراكنا اسْتِحْقَاق ذَلِك الْيَوْم للتعبد فِيهِ. فَإِن قلت: فَلم مَا جعلُوا يَوْم النُّزُول عيدا؟ قلت: لِأَنَّهُ ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النُّزُول كَانَ بعد الْعَصْر، وَلَا يتَحَقَّق الْعِيد إلَاّ من أول النَّهَار، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء: ورؤية الْهلَال بِالنَّهَارِ لليلة الْمُسْتَقْبلَة، فَافْهَم.

٣٤ - (بَاب الزَّكاةُ مِنَ الإسْلَامِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة، وَالزَّكَاة مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: من الاسلام أَي: الزَّكَاة شُعْبَة من شعب الْإِسْلَام. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق هُوَ زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، وَقد علم أَن الزِّيَادَة تكون بِالْأَعْمَالِ وَالنَّقْص بِتَرْكِهَا، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ: أَن أَدَاء الزَّكَاة من الْإِسْلَام، يَعْنِي: أَنه إِذا أدّى الزَّكَاة يكون إِسْلَامه كَامِلا، وَإِذا تَركهَا يكون نَاقِصا. لَا يُقَال: لم أفرد الزَّكَاة بِالذكر فِي التَّرْجَمَة من بَين سَائِر أَرْكَان الْإِسْلَام، لِأَنَّهُ قد أفرد لكل وَاحِد من بَقِيَّة الإركان بَابا بترجمة.

وقَوْلُه {ومَا أُمِرُوا إلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القيمةِ} (الْبَيِّنَة: ٥) .

هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: بَاب الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَقَول الله تَعَالَى: {وَمَا أمروا إلَاّ ليعبدوا الله} (الْبَيِّنَة: ٥) الْآيَة وَفِي بعض النّسخ: وَقَوله تَعَالَى: {وَمَا أمروا} (الْبَيِّنَة: ٥) الْآيَة ... قَوْله: (وَقَول الله) مجرور عطف على مَحل، قَوْله: (الزَّكَاة من الْإِسْلَام) لِأَنَّهَا مُضَاف إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ قَوْله: وَقَوله تَعَالَى. وَأما راوية أبي ذَر، فَإِنَّهَا بِلَا عطف، لِأَن الْوَاو فِي قَوْله: {وَمَا أمروا} (الْبَيِّنَة: ٥) وَاو الْعَطف فِي الْقُرْآن عطف بهَا على مَا قبله: {وَمَا تفرق الَّذين أُوتُوا الْكتاب إلَاّ من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَيِّنَة} (الْبَيِّنَة: ٤) فَإِن قلت: كَيفَ التئام الْآيَة بالترجمة؟ قلت: الالتئام بَينهمَا معنوي، وَهُوَ أَن الْآيَة فِيهَا ذكر أَن الزَّكَاة من الدّين، وَالدّين هُوَ الْإِسْلَام لقَوْله تَعَالَى: {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} (آل عمرَان: ١٩) وَتَحْقِيق ذَلِك أَن الله تَعَالَى ذكر فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة ثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: إخلاص الدّين الَّذِي هُوَ رَأس جَمِيع الْعِبَادَات، وَالثَّانِي: إِقَامَة الصَّلَاة الَّتِي هِيَ عماد الدّين، وَالثَّالِث إيتَاء الزَّكَاة الَّتِي تذكر دَائِما تالية للصَّلَاة، ثمَّ أَشَارَ إِلَى جَمِيع ذَلِك بقوله: {وَذَلِكَ دين الْقيمَة} (الْبَيِّنَة: ٥) أَي: الْمَذْكُور من هَذِه الْأَشْيَاء هُوَ دين الْقيمَة، أَي: دين الْملَّة الْقيمَة، فالموصوف مَحْذُوف وقرىء وَذَلِكَ الدّين الْقيمَة. على تَأْوِيل الدّين بالملة وَمعنى: الْقيمَة، المستقيمة الناطقة بِالْحَقِّ وَالْعدْل. فَإِن قلت: كَيفَ خص الزَّكَاة بالترجمة، وَالْمَذْكُور ثَلَاثَة أَشْيَاء؟ قلت: أُجِيب عَن هَذَا عَن قريب. قَوْله: {وَمَا أمروا} (الْبَيِّنَة: ٥) أَي: وَمَا أَمر أهل الْكتاب فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إلَاّ بِالدّينِ الحنيفي، وَلَكنهُمْ حرفوا وبدلوا. وَقَالَ الزمحشري: فَإِن قلت:) مَا وَجه قَوْله {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين} (الْبَيِّنَة: ٥) قلت: مَعْنَاهُ: وَمَا أمروا فِي الْكِتَابَيْنِ إلَاّ لأجل أَن يعبدوا الله على هَذِه الصّفة. وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ: إلَاّ أَن يعبدوا. بِمَعْنى: بِأَن يعبدوا الله انْتهى. قلت: الْعِبَادَة بِمَعْنى التَّوْحِيد، أَي: وَمَا أمروا إلَاّ ليوحدوا الله، وَالِاسْتِثْنَاء من أَعم عَام الْمَفْعُول لأَجله، أَي مَا أمروا لأجل شَيْء إلَاّ لِلْعِبَادَةِ، أَي: التَّوْحِيد، وَالْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص

السَّبَب وَيدخل فِيهِ جَمِيع النَّاس. قَوْله: {مُخلصين} حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي (أمروا) ، وَقَوله: (الدّين) مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (حنفَاء) ، حَال أُخْرَى، جمع حنيف، وَهُوَ المائل عَن الضلال إِلَى الْهِدَايَة. قَوْله: (ويقيموا الصَّلَاة) عطف على قَوْله: (ليعبدوا الله) من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، وَفِيه تَفْضِيل للصَّلَاة وَالزَّكَاة على سَائِر الْعِبَادَات وَقد مر معنى إِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة.

٤٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أبي سُهَيْلٍ بْنِ مالِكَ عَنْ أبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أهْلِ نَجْدٍ ثائِرُ الرَّأسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ ولَا يُفْقَهُ مَا يقُولُ حَتَّى دَنا فإذَا هوَ يَسْأَلُ عَنِ الإسْلَامِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسُ صَلَواتٍ فِي اليَوْمِ واللَّيُلَةِ فَقَالَ هَلْ عَليَّ غَيْرُها قَالَ لَا إِلَّا أنْ تَطَّوَّعَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصِيَامُ رَمَضانَ قَالَ هَلْ عَليَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إلَاّ أنْ تَطَّوَّع قَال وذَكرَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الزَّكاةَ قَالَ هَلْ عَليَّ غَيْرُهَا قالَ لَا إلَاّ أنْ تَطَّوَّعَ قالَ فأدْبَرَ الرَّجُلُ وهوَ يَقُولُ واللَّهِ لَا أزِيدُ عَلَى هَذَا ولَا أنْقُصُ قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفْلَحَ إنْ صَدَقَ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة: الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَمَوْضِع الدّلَالَة فِي الحَدِيث هُوَ قَوْله: فَإِذا هُوَ يسْأَله عَن الْإِسْلَام، فَذكر الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة، وَهَذَا ظَاهر فِي كَونهَا من الْإِسْلَام، وَكَذَلِكَ مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا الصَّلَاة وَالزَّكَاة.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن عبد الله الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس، شَيْخه وخاله وَأَبُو أويس ابْن عَم مَالك وَقد مر فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام الْمَشْهُور، وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: عَمه أَبُو سُهَيْل، وَهُوَ نَافِع بن مَالك بن أبي عَامر الْمدنِي وَقد مر. الرَّابِع: أَبوهُ وَهُوَ مَالك بن أبي عَامر، وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو مُحَمَّد طَلْحَة بن عبيد الله بن عُثْمَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي التَّيْمِيّ، أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَب السَّابِع مثل أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ، أسلمت أمه وَهَاجَرت، شهد الْمشَاهد كلهَا إلَاّ بَدْرًا كسعيد بن زيد، وَقد ضرب لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بسهمه وآجره فِيهَا، وَكَانَ الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، إِذا ذكر أحدا قَالَ: ذَلِك يَوْم كُله لطلْحَة، وَقد وهم البُخَارِيّ فِي قَوْله: إِن سعيد بن زيد مِمَّن حضر بَدْرًا، وَهُوَ أحد الثَّمَانِية الَّذين سبقوا إِلَى الْإِسْلَام، والخمسة الَّذين أَسْلمُوا على يَد الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، والستة أَصْحَاب الشورى الَّذين توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ عَنْهُم رَاض، وَهُوَ مِمَّن ثَبت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد ووقاه بِيَدِهِ ضَرْبَة قصد بهَا فشلت، رَمَاه مَالك بن زُهَيْر يَوْم أحد، فاتقى طَلْحَة بِيَدِهِ عَن وَجه رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، فَأصَاب خِنْصره، فَقَالَ حِين أَصَابَته الرَّمية: حيس، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَو قَالَ: بِسم الله لدخل الْجنَّة وَالنَّاس ينظرُونَ. وَقيل: جرح فِي ذَلِك الْيَوْم خمْسا وَسبعين جِرَاحَة، وشلت أصبعاه، وَسَماهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، طَلْحَة الْخَيْر، وَطَلْحَة الْجواد. رُوِيَ لَهُ ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين، وَمُسلم بِثَلَاثَة، قتل يَوْم الْجمل، أَتَاهُ سهم لَا يدْرِي من وَرَاءه، واتتهم بِهِ مَرْوَان، لعشر خلون من جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة، وَقيل: اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَقيل: ثَمَان وَخمسين، وقبره بِالْبَصْرَةِ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: دفن بقنطرة قُرَّة، ثمَّ رَأَتْ بنته بعد ثَلَاثِينَ سنة فِي الْمَنَام أَنه يشكو إِلَيْهَا النداوة، فَأمرت فاستخرج طريا وَدفن فِي دَار الهجرتين بِالْبَصْرَةِ، وقبره مَشْهُور، رَضِي الله عَنهُ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَطَلْحَة فِي الصَّحَابَة جمَاعَة، وَطَلْحَة بن عبيد الله اثْنَان: هَذَا أَحدهمَا، وَثَانِيهمَا التَّيْمِيّ، وَكَانَ يُسمى أَيْضا: طَلْحَة الْخَيْر، فأشكل على النَّاس.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ أَولا حَدثنَا إِسْمَاعِيل، ثمَّ حَدثنِي مَالك، لِأَن فِي الأول الشَّيْخ قَرَأَ لَهُ وَلغيره، وَفِي الثَّانِي: قَرَأَ لَهُ وَحده، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده مسلسل بالأقارب، لِأَن إِسْمَاعِيل يروي عَن خَاله عَن عَمه عَن أَبِيه. فَإِن قلت: حكى الكلاباذي وَغَيره عَن ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ أَن مَالك بن أبي عَامر توفّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَة، وَأَنه بلغ من الْعُمر: سبعين أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين، فعلى هَذَا يكون مولده بعد موت طَلْحَة بِسنتَيْنِ. قلت: قَالَ بَعضهم: لَعَلَّه صحف التسعين بالسبعين، وَحكى الْمُنْذِرِيّ عَن ابْن عبد الْبر أَن وَفَاته سنة مائَة أَو نَحْوهَا، فَيصح على هَذَا، ويستقيم. وَقد ثَبت سَماع مَالك مِنْهُ وَمن غَيره كعثمان، رَضِي الله عَنهُ، نبه عَلَيْهِ الثَّوْريّ وَغَيره.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَأخرجه أَيْضا فِي الصَّوْم، وَفِي ترك الْحِيَل عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن أبي سُهَيْل بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وَيحيى بن أَيُّوب كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَقَالَ مُسلم فِي حَدِيث يحيى بن أَيُّوب: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ، وَعَن أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَفِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن قَاسم عَن مَالك بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من أهل نجد) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم، قَالَ الْجَوْهَرِي: نجد من بِلَاد الْعَرَب، وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد، وَهُوَ مُذَكّر. قلت: النجد النَّاحِيَة الَّتِي بَين الْحجاز وَالْعراق، وَيُقَال: مَا بَين الْعرَاق وَبَين وجرة وغمرة الطَّائِف نجد، وَيُقَال: هُوَ مَا بَين جرش وَسَوَاد الْكُوفَة، وَحده من الغرب الْحجاز، وَفِي (الْعباب) : نجد من بِلَاد الْعَرَب، خلاف الْغَوْر، والغور هُوَ تهَامَة، وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد، وَهُوَ فِي الأَصْل مَا ارْتَفع من الأَرْض، وَالْجمع: نجاد ونجود وانجد. قَوْله: (ثَائِر الرَّأْس) أَي: منتفش شعر الرَّأْس ومنتشره، يُقَال: ثار الْغُبَار أَي: انتفش، وفتنة ثائرة أَي: منتشرة. قلت: مادته واوية من: ثار الْغُبَار يثور ثورا، وَحَاصِله أَن شعره متفرق منتشر من عدم الارتفاق والرفاهية. قَوْله: (دوى صَوته) ، بِفَتْح الدَّال وَكسر الْوَاو وَتَشْديد الْيَاء، كَذَا هُوَ فِي عَامَّة الرِّوَايَات، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: جَاءَ عندنَا فِي البُخَارِيّ، بِضَم الدَّال. قَالَ: وَالصَّوَاب الْفَتْح، قَالَ الْخطابِيّ: الدوي: صَوت مُرْتَفع متكرر لَا يفهم، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهُ نَادَى من بعد، وَيُقَال الدوي: بعد الصَّوْت فِي الْهَوَاء وعلوه، وَمَعْنَاهُ: صَوت شَدِيد لَا يفهم مِنْهُ شَيْء كَدَوِيِّ النَّحْل. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: هُوَ شدَّة الصَّوْت وَبعده فِي الْهَوَاء، مَأْخُوذ من دوِي الرَّعْد، وَيُقَال: هُوَ شدَّة صَوت لَا يفهم، فَلَمَّا دنا فهم كَلَامه، فَلهَذَا قَالَ: فَلَمَّا دنا فَإِذا هُوَ يسْأَل. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: دوِي الرّيح حفيفها، وَكَذَلِكَ دوِي النَّحْل والطائر وَيُقَال: دوى النَّحْل تدوية، وَذَلِكَ إِذا سَمِعت لهديره دويا، والدوي أَيْضا السَّحَاب ذُو الرَّعْد المرتجس. قَوْله: (وَلَا يفقه) من الْفِقْه وَهُوَ الْفَهم، قَالَ الله تَعَالَى: {يفقهوا قولي} (طه: ٢٨) أَي يفهموا. قَوْله: (حَتَّى دنا) من الدنو وَهُوَ التَّقَرُّب. قَوْله: (إِلَّا أَن تطوع) ، بتَشْديد الطَّاء وَالْوَاو كليهمَا أَصله: تتطوع بتائين فادغمت إِحْدَى التائين فِي الطَّاء، وَيجوز تَخْفيف الطَّاء على الْحَذف، أَعنِي: حذف إِحْدَى التائين، وَأي التائين هِيَ المحذوفة فِيهِ خلاف، فَقَالَ بَعضهم: حذف التَّاء الزَّائِدَة أولى لزيادتها. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْأَصْلِيَّة أولى بالحذف، لِأَن الزَّائِدَة إِنَّمَا دخلت لإِظْهَار معنى فَلَا تحذف، لِئَلَّا يَزُول الْغَرَض الَّذِي لأَجله دخلت، وَيجوز إِظْهَار التائين أَيْضا من غير إدغام، وَهَذِه ثَلَاثَة أوجه فِي الْمُضَارع. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَشْهُور التَّشْدِيد، وَمَعْنَاهُ: إلَاّ أَن تَفْعَلهُ بطواعيتك. وَفِي ماضيه لُغَتَانِ: تطوع وأطوع، وَكِلَاهُمَا يفعل، إِلَّا أَن إدغام التَّاء فِي الطَّاء أوجب جلب ألف الْوَصْل ليتَمَكَّن من النُّطْق بالساكن. قَوْله: (فادبر) من الإدبار وَهُوَ التولي. قَوْله: (أَفْلح) من الإفلاح وَهُوَ الْفَوْز والبقاء، وَقيل: هُوَ الظفر وَإِدْرَاك البغية، وَقيل: إِنَّه عبارَة عَن أَرْبَعَة أَشْيَاء: بَقَاء بِلَا فنَاء وغناء بِلَا فقر، وَعز بِلَا ذل، وَعلم بِلَا جهل. قَالُوا: وَلَا كلمة فِي اللُّغَة أجمع لِلْخَيْرَاتِ مِنْهُ، وَالْعرب تَقول لكل من أصَاب خيرا: مُفْلِح، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: أَفْلح الرجل وأنجح: أدْرك مَطْلُوبه.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (من أهل نجد) فِي مجل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: رجل. قَوْله: (ثَائِر الرَّأْس) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه صفة لرجل، وَأما النصب فعلى أَنه حَال، وَهَهُنَا سؤالان أَحدهمَا: ذكره الْكرْمَانِي وَأجَاب عَنهُ، وَهُوَ أَن شَرط الْحَال أَن تكون نكرَة، وَهُوَ مُضَاف فَيكون معرفَة فَأجَاب: بِأَن إِضَافَته لفظية فَلَا تفِيد إلَاّ تَخْفِيفًا. وَالْآخر: ذكرته فِي

شرح سنَن أبي دَاوُد، وَهُوَ أَنه إِذا وَقع الْحَال عَن النكرَة وَجب تَقْدِيم الْحَال على ذِي الْحَال، فَكيف يكون هَذَا حَالا؟ قلت: يجوز وُقُوع صَاحبهَا نكرَة من غير تَأْخِير إِذا اتّصف بِشَيْء كَمَا فِي الْمُبْتَدَأ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم أمرا من عندنَا} (الدُّخان: ٤) أَو أضيف، نَحْو: جَاءَ غُلَام رجل قَائِما، أَو وَقع بعد نفي كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إلَاّ وَلها كتاب مَعْلُوم} (الْحجر: ٤) وَهنا اتصفت النكرَة بقوله: من أهل نجد، فَافْهَم. قَوْله: (يسمع) بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، (ودوي صَوته) كَلَام أضافي مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَفِي رِوَايَة: نسْمع، بالنُّون المصدرة للْجَمَاعَة، ودوي صَوته بِالنّصب على أَنه مفعول، وَكَذَلِكَ: وَلَا نفقه، بالنُّون. وَقَوله: (مَا يَقُول) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول، وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْمَشْهُورَة، وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَاد. وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، و: يَقُول، جملَة صلتها، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا يَقُوله. قَوْله: (حَتَّى) هُنَا للغاية بِمَعْنى: إِلَى أَن دنا. قَوْله: (فَإِذا) هِيَ الَّتِي للمفاجأة. وَقَوله: (هُوَ) مُبْتَدأ، و: (يسْأَل عَن الْإِسْلَام) خَبره. وَقد علم أَن إِذا الَّتِي للمفاجأة تخْتَص بالجمل الاسمية، وَلَا تحْتَاج إِلَى الْجَواب، وَلَا تقع فِي الِابْتِدَاء. وَمَعْنَاهُ الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال، وَهِي حرف عِنْد الْأَخْفَش وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك، وظرف مَكَان، عِنْد الْمبرد وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور؛ وظرف زمَان عِنْد الزّجاج وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ. قَوْله: (خمس صلوَات) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجر. أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ خمس صلوَات. وَأما النصب فعلى تَقْدِير: خُذ خمس صلوَات أَو هاك ... أَو نَحْوهمَا. وَأما الْجَرّ فعلى أَنه بدل من الْإِسْلَام، وَفِيه حذف أَيْضا تَقْدِيره إِقَامَة خمس صلوَات. عين الصَّلَوَات الْخمس لَيست عين الاسلام، بل إِقَامَتهَا من شرائع الْإِسْلَام. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: الرجل الْمَذْكُور، و: (هَل) للاستفهام، و (غَيرهَا) بِالرَّفْع مُبْتَدأ و (عَليّ) مقدما خَبره. قَوْله: (فَقَالَ: لَا) ، أَي: فَقَالَ الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، لَيْسَ عَلَيْك شَيْء غَيرهَا. قَوْله: (إِلَّا أَن تطوع) اسْتثِْنَاء من قَوْله: لَا، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَصِيَام شهر رَمَضَان) كَلَام إضافي مَرْفُوع عطف على قَوْله: خمس صلوَات. قَوْله: (قَالَ وَذكر لَهُ رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) أَي: قَالَ الرَّاوِي، وَهُوَ طَلْحَة بن عبيد الله. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) جملَة حَالية. قَوْله: (افلح) أَي الرجل. قَوْله: (إِن صدق) أَي فِي كَلَامه وَجَوَاب أَن مَحْذُوف فَافْهَم.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (جَاءَ رجل) ، هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة أَخُو بني سعد بن بكر، قَالَه القَاضِي مستدلاً بِأَن البُخَارِيّ سَمَّاهُ فِي حَدِيث اللَّيْث، يُرِيد مَا أخرجه فِي بَاب الْقِرَاءَة، وَالْعرض على الْمُحدث عَن شريك عَن أنس قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس فِي الْمَسْجِد، إِذْ دخل رجل على جمل، فأناخه فِي الْمَسْجِد) وَفِيه (ثمَّ قَالَ: أَيّكُم مُحَمَّد؟) وَذكر الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ: (وَأَنا ضمام بن ثَعْلَبَة أَخُو بني سعد بن بكر) ، فَجعل حَدِيث طَلْحَة هَذَا وَحَدِيث أنس هَذَا لَهُ، وَتَبعهُ ابْن بطال وَغَيره وَفِيه نظر لتباين ألفاظهما، كَمَا نبه عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيّ، وَأَيْضًا فَإِن إِبْنِ إِسْحَاق فَمن بعده: كَابْن سعد وَابْن عبد الْبر لم يذكرُوا لضمام غير حَدِيث أنس. قَوْله: (ثَائِر الرَّأْس) أَي: ثَائِر شعر الرَّأْس، وَأطلق اسْم الرَّأْس على الشّعْر، إِمَّا لِأَن الشّعْر مِنْهُ ينْبت، كَمَا يُطلق اسْم السَّمَاء على الْمَطَر لِأَنَّهُ من السَّمَاء ينزل، وَإِمَّا لأنَّه جعل نفس الرَّأْس ذَا ثوران على طَرِيق الْمُبَالغَة، أَو يكون من بَاب حذف الْمُضَاف بِقَرِينَة عقلية. قَوْله: (عَن الْإِسْلَام) أَي: عَن أَرْكَان الاسلام، وَلَو كَانَ السُّؤَال عَن نفس الْإِسْلَام كَانَ الْجَواب غير هَذَا، لِأَن الْجَواب يَنْبَغِي أَن يكون مطابقا للسؤال، فَلَمَّا أجَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله: (خمس صلوَات) عرف أَن سُؤَاله كَانَ عَن أَرْكَان الْإِسْلَام وشرائعه، فَأجَاب مطابقا لسؤاله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيُمكن أَنه سَأَلَهُ عَن حَقِيقَة الْإِسْلَام، وَقد ذكر لَهُ الشَّهَادَة فَلم يسْمعهَا طَلْحَة مِنْهُ لبعد مَوْضِعه، أَو لم يَنْقُلهُ لشهرته. قلت: هَذَا بعيد، إِذْ لَو كَانَ السُّؤَال عَن حَقِيقَة الْإِسْلَام لما كَانَ الْجَواب مطابقا للسؤال، وَفِيه نِسْبَة الرَّاوِي الصَّحَابِيّ إِلَى التَّقْصِير فِي إبلاغ كَلَام الرَّسُول، وَقد ندب النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، إِلَى ضبط كَلَامه وَحفظه وإبلاغه مثل مَا سَمعه مِنْهُ فِي حَدِيثه الْمَشْهُور. قَوْله: (إِلَّا أَن تطوع) هَذَا الِاسْتِثْنَاء يجوز أَن يكون مُنْقَطِعًا، بِمَعْنى: لَكِن، وَيجوز أَن يكون مُتَّصِلا واختارت الشَّافِعِيَّة الِانْقِطَاع، وَالْمعْنَى: لَكِن اسْتحبَّ لَك أَن تطوع، واختارت الْحَنَفِيَّة الِاتِّصَال فَإِنَّهُ هُوَ

الأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء، ويستدل بِهِ على أَن من شرع فِي صَلَاة نفل أَو صَوْم نفل وَجب عَلَيْهِ اتمامه، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) وبالاتفاق على أَن حج التَّطَوُّع يلْزم بِالشُّرُوعِ. وَلما حملت الشَّافِعِيَّة على الِانْقِطَاع قَالُوا: لَا تلْزم النَّوَافِل بِالشُّرُوعِ، وَلَكِن يسْتَحبّ لَهُ إِتْمَامه، وَلَا يجب بل يجوز قطعه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الحَدِيث متمسك لنا فِي أصلين: أَحدهمَا فِي شُمُول عدم الْوُجُوب فِي غير مَا ذكر فِي الحَدِيث، كَعَدم وجوب الْوتر. وَالثَّانِي: فِي أَن الشُّرُوع غير مُلْزم لِأَنَّهُ نفي وجوب شَيْء آخر مُطلقًا شرع فِيهِ أَو لم يشرع، وَتمسك الْخصم بِهِ على أَن الشُّرُوع مُلْزم لِأَنَّهُ نفي وجوب شَيْء آخر إلَاّ مَا تطوع بِهِ، وَالِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات، فَيكون الْمُثبت بِالِاسْتِثْنَاءِ وجوب مَا تطوع بِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوب. قَالَ: وَهَذَا مغالطة، لِأَن هَذَا الِاسْتِثْنَاء من وَادي قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٥٦) أَي: لَا يجب شَيْء إلَاّ أَن اتطوع، وَقد علم أَن التَّطَوُّع لَيْسَ بِوَاجِب، فَلَا يجب شَيْء آخر أصلا. قلت: أما الأول: فَلَا نسلم شُمُول عدم الْوُجُوب مُطلقًا، بل الشُّمُول بِالنّظرِ إِلَى تِلْكَ الْحَالة، وَوقت الْإِخْبَار، وَالْوتر لم يكن وَاجِبا حِينَئِذٍ، يدل عَلَيْهِ أَنه لم يذكر الْحَج وَالْوتر مثله. وَأما الثَّانِي: فَلَيْسَ من وَادي قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٥٦) على أَن يكون الْمَعْنى: لَا يجب شَيْء، إلَاّ أَن تطوع، بل معنى إلَاّ أَن تطوع: أَن تشرع فِيهِ، فَيصير وَاجِبا كَمَا يصير وَاجِبا بِالنذرِ. وَقَالَ بَعضهم: من قَالَ: إِنَّه مُنْقَطع احْتَاجَ إِلَى دَلِيل، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا روى النَّسَائِيّ وَغَيره أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْم التَّطَوُّع ثمَّ يفْطر، وَفِي البُخَارِيّ أَنه أَمر جوَيْرِية بنت الْحَارِث أَن تفطر يَوْم الْجُمُعَة. بعد أَن شرعت فِيهِ، فَدلَّ على أَن الشُّرُوع فِي الْعِبَادَة لَا يسْتَلْزم الْإِتْمَام إلَاّ إِذا كَانَت نَافِلَة بِهَذَا النَّص فِي الصَّوْم، وبالقياس فِي الْبَاقِي. قلت: من الْعجب أَن هَذَا الْقَائِل كَيفَ لم يذكر الْأَحَادِيث الدَّالَّة على استلزام الشُّرُوع فِي الْعِبَادَة بالإتمام، وعَلى الْقَضَاء بالإفساد، وَقد روى أَحْمد فِي مُسْنده، عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، قَالَت: أَصبَحت أَنا وَحَفْصَة صائمتين، فأهديت لنا شَاة فأكلنا مِنْهَا، فَدخل علينا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَخْبَرنَاهُ فَقَالَ: (صوما يَوْمًا مَكَانَهُ) . وَفِي لفظ آخر: بَدَلا، أَمر بِالْقضَاءِ. وَالْأَمر للْوُجُوب، فَدلَّ على أَن الشُّرُوع ملزوم، وَأَن الْقَضَاء بالإفساد وَاجِب. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عَن أم سَلمَة أَنَّهَا صَامت يَوْمًا تَطَوّعا فأفطرت، فَأمرهَا النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، أَن تقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَحَدِيث النَّسَائِيّ لَا يدل على أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، ترك الْقَضَاء بعد الْإِفْطَار، وإفطاره رُبمَا كَانَ عَن عذر. وَحَدِيث جوَيْرِية إِنَّمَا أمرهَا بالأفطار عِنْد تحقق وَاحِد من الْأَعْذَار: كالضيافة، وكل مَا جَاءَ من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب فَمَحْمُول على مثل هَذَا، وَلَو وَقع التَّعَارُض بَين الْأَخْبَار، فالترجيح مَعْنَاهُ لثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة، وَالثَّانِي: أَن أحاديثنا مثبتة وأحاديثهم نَافِيَة، والمثبت مقدم. وَالثَّالِث: أَنه احْتِيَاط فِي الْعِبَادَة فَافْهَم. قَوْله: (وَذكر لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الزَّكَاة) هَذَا قَول الرَّاوِي، كَأَنَّهُ نسي مَا نَص عَلَيْهِ رَسُول الله والتبس عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَذكر لَهُ الزَّكَاة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: وَذكر لَهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، الصَّدَقَة. وَالْمرَاد مِنْهَا: الزَّكَاة أَيْضا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} (التَّوْبَة: ٦٠) وَهَذَا يُؤذن بِأَن مُرَاعَاة الْأَلْفَاظ مَشْرُوطَة فِي الرِّوَايَة، فَإِذا الْتبس عَلَيْهِ يُشِير فِي لَفظه إِلَى مَا ينبىء عَنهُ، كَمَا فعل الرَّاوِي هَهُنَا، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر قَالَ: (فَأَخْبرنِي بِمَا فرض الله عَليّ من الزَّكَاة) . قَالَ: فَأخْبر رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بشرائع الْإِسْلَام. قَوْله: (وَالله لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص) ، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر: (وَالَّذِي أكرمك) أَي: لَا أَزِيد على مَا ذكرت وَلَا أنقص مِنْهُ شَيْئا. قَوْله: (أَفْلح إِن صدق) وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عِنْد مُسلم: (أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق، أَو دخل الْجنَّة وَأَبِيهِ إِن صدق) . وَلأبي دَاوُد مثله، لَكِن بِحَذْف: أَو. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قيل: الْفَلاح رَاجع إِلَى لفظ: وَلَا أنقص خَاصَّة، وَالْمُخْتَار أَنه رَاجع إِلَيْهِمَا بِمَعْنى أَنه إِذا لم يزدْ وَلم ينقص كَانَ مفلحا، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، وَمن أَتَى بِمَا عَلَيْهِ كَانَ مفلحا، وَلَيْسَ فِيهِ أَنه إِذا أَتَى بزائد على ذَلِك لَا يكون مفلحا، لِأَن هَذَا مِمَّا يعرف بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُ إِذا أَفْلح بِالْوَاجِبِ ففلاحه بالمندوب مَعَ الْوَاجِب أولى، وَقَالَ ابْن بطال: دلّ قَوْله: أَفْلح إِن صدق على أَنه إِن لم يصدق فِي التزامها أَنه لَيْسَ بمفلح، وَهَذَا خلاف قَول المرجئة. وَيُقَال: يحْتَمل أَن يكون السَّائِل رَسُولا، فَحلف أَن لَا أَزِيد فِي الإبلاغ على مَا سَمِعت، وَلَا أنقص فِي تَبْلِيغ مَا سمعته مِنْك إِلَى قومِي. وَيُقَال: يحْتَمل صُدُور هَذَا الْكَلَام مِنْهُ على الْمُبَالغَة فِي التَّصْدِيق وَالْقَبُول، أَي: قبلت قَوْلك فِيمَا سَأَلتك عَنهُ قبولاً لَا مزِيد عَلَيْهِ من جِهَة السُّؤَال، وَلَا نُقْصَان فِيهِ من طرق الْقبُول. وَيُقَال: يحْتَمل أَن هَذَا كَانَ قبل شَرْعِيَّة أَمر آخر، وَيُقَال: يحْتَمل أَنه أَرَادَ: لَا أَزِيد عَلَيْهِ بتغيير حَقِيقَته، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أُصَلِّي الظّهْر خمْسا. وَيُقَال: يحْتَمل أَنه أَرَادَ أَنه لَا يُصَلِّي النَّوَافِل بل يحافظ على كل الْفَرَائِض، وَهَذَا مُفْلِح بِلَا شكّ، وَإِن كَانَت مواظبته على ترك النَّوَافِل مذمومة. وَيُقَال: يحْتَمل أَنه المُرَاد أَنِّي لَا أَزِيد على

شرائع الْإِسْلَام وَلَا أنقص مِنْهَا شَيْئا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام قَالَ: (وَالَّذِي أكرمك لَا أتطوع شَيْئا وَلَا أنقص مِمَّا فرض الله تَعَالَى عَليّ شَيْئا) .

بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: ان الصَّلَاة ركن من أَرْكَان الاسلام. الثَّانِي: أَنَّهَا خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. الثَّالِث: ان الصَّوْم أَيْضا ركن من أَرْكَان الاسلام، وَهُوَ فِي كل سنة شهر وَاحِد. الرَّابِع: أَن الزَّكَاة أَيْضا ركن من أَرْكَان الاسلام. الْخَامِس: عدم وجوب قيام اللَّيْل، وَهُوَ إِجْمَاع فِي حق الامة، وَكَذَا فِي حق سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الاصح. السَّادِس: عدم وجوب الْعِيدَيْنِ. وَقَالَ الاصطخري، من أَصْحَاب الشَّافِعِي: صَلَاة الْعِيدَيْنِ فرض كِفَايَة. السَّابِع: عدم وجوب صَوْم عَاشُورَاء وَغَيره سوى رَمَضَان، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ الْآن، وَاخْتلفُوا أَن صَوْم عَاشُورَاء كَانَ وَاجِبا قبل رَمَضَان أم لَا؟ فَعِنْدَ الشَّافِعِي فِي الْأَظْهر مَا كَانَ وَاجِبا، وَعند أبي حنيفَة، رَضِي الله عَنهُ، كَانَ وَاجِبا، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيّ. الثَّامِن: انه لَيْسَ فِي المَال حق سوى الزَّكَاة على من ملك نِصَابا وَتمّ عَلَيْهِ الْحول. التَّاسِع: أَن من يَأْتِي بالخصال الْمَذْكُورَة ويواظب عَلَيْهَا صَار مفلحاً بِلَا شكّ. الْعَاشِر: أَن السّفر والارتحال من بلد إِلَى بلد لأجل تعلم علم الدّين وَالسُّؤَال عَن الأكابر أَمر مَنْدُوب. الْحَادِي عشر: جَوَاز الْحلف بِاللَّه تَعَالَى من غير استحلاف وَلَا ضَرُورَة، لِأَن الرجل حلف هَكَذَا بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يُنكر عَلَيْهِ. الثَّانِي عشر: صِحَة الِاكْتِفَاء بالاعتقاد من غير نظر وَلَا اسْتِدْلَال، لكنه يحْتَمل ان ذَلِك صَحَّ عَنهُ بِالدَّلِيلِ. وَإِنَّمَا أشكلت عَلَيْهِ الْأَحْكَام. الثَّالِث عشر: فِيهِ الرَّد على المرجئة، إِذْ شَرط فِي فلاحه أَن لَا ينقص من الْأَعْمَال والفرائض الْمَذْكُورَة. الرَّابِع عشر: فِيهِ جَوَاز قَول: رَمَضَان، من غير ذكر: شهر. الْخَامِس عشر: فِيهِ اسْتِعْمَال الصدْق فِي الْخَبَر الْمُسْتَقْبل، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْكَذِب مُخَالفَة الْخَبَر فِي الْمَاضِي، وَالْحلف فِي مُخَالفَته فِي الْمُسْتَقْبل، فَيجب على هَذَا أَن يكون الصدْق فِي الْخَبَر عَن الْمَاضِي، وَالْوَفَاء فِي الْمُسْتَقْبل، وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا يرد عَلَيْهِ مَعَ قَوْله تَعَالَى {ذَلِك وعد غير مَكْذُوب} (هود: ٦٥) .

الاسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: كَيفَ أثبت لَهُ الْفَلاح بِمُجَرَّد مَا ذكر مَعَ أَنه لم يذكر المنهيات وَلَا جَمِيع الْوَاجِبَات؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، فِي آخر هَذَا الحَدِيث، قَالَ: فاخبره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشرائع الْإِسْلَام، فَأَدْبَرَ الرجل وَهُوَ يَقُول: لَا أَزِيد وَلَا أنقص مِمَّا فرض الله عَليّ شَيْئا، فعلى عُمُوم قَوْله بشرائع الْإِسْلَام، وَقَوله: مِمَّا فرض الله، يَزُول الْإِشْكَال فِي الْفَرَائِض. وَأما النَّوَافِل فَقيل: يحْتَمل أَن هَذَا كَانَ قبل شرعها، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَنه لَا يُصَلِّي النَّافِلَة مَعَ أَنه لَا يخل بِشَيْء من الْفَرَائِض، وَأما المنهيات فَإِنَّهَا دَاخِلَة فِي شرائع الْإِسْلَام. وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك وَقع قبل وُرُود النَّهْي. قلت: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ جزم بِأَن السَّائِل هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة وَقد قيل إِنَّه وَفد سنة خمس، وَقيل: بعد ذَلِك، وَكَانَ أَكثر المنهيات وَاقعَة قبل ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّه لم يذكر الْحَج فِي هَذَا الحَدِيث. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يفْرض حِينَئِذٍ أَو لِأَن الرجل سَأَلَ عَن حَاله حَيْثُ قَالَ: هَل عَليّ غَيرهَا؟ فاجاب عَلَيْهِ السَّلَام بِمَا عرف من حَاله، وَلَعَلَّه مِمَّن لم يكن الْحَج وَاجِبا عَلَيْهِ. وَقيل: لم يَأْتِ فِي هَذَا الحَدِيث بِالْحَجِّ كَمَا لم يذكر فِي بَعْضهَا الصَّوْم وَفِي بَعْضهَا الزَّكَاة، وَقد ذكر فِي بَعْضهَا صلَة الرَّحِم وَفِي بَعْضهَا أَدَاء الْخمس، فتفاوتت هَذِه الْأَحَادِيث فِي عدد خِصَال الْإِيمَان زِيَادَة ونقصاناً، وَسبب ذَلِك تفَاوت الروَاة فِي الْحِفْظ والضبط، فَمنهمْ من إقتصر على مَا حفظه فأداه وَلم يتَعَرَّض لما زَاده غَيره بِنَفْي وَلَا اثبات، وَذَلِكَ لَا يمْنَع من ايراد الْجَمِيع فِي الصَّحِيح، لما عرفت أَن زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة، وَالْقَاعِدَة الْأُصُولِيَّة فِيهَا أَن الحَدِيث إِذا رَوَاهُ راويان، واشتملت إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ على زِيَادَة، فَإِن لم تكن مُغيرَة لإعراب الْبَاقِي قبلت، وَحمل ذَلِك على نِسْيَان الرَّاوِي أَو ذُهُوله أَو اقْتِصَاره بِالْمَقْصُودِ مِنْهُ فِي صُورَة الاستشهاد، وَإِن كَانَت مُغيرَة تَعَارَضَت الرِّوَايَتَانِ وَتعين طلب التَّرْجِيح، فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ أقره على حلفه وَقد ورد النكير على من حلف أَن لَا يفعل خيرا؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال والأشخاص، وَهَذَا جَار على الأَصْل بِأَنَّهُ لَا إِثْم على غير تَارِك الْفَرَائِض فَهُوَ مُفْلِح، وَإِن كَانَ غَيره أَكثر فلاحاً مِنْهُ. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ الْجمع بَين حلفه بقوله: وَأَبِيهِ إِن صدق، مَعَ نَهْيه عَن الْحلف بِالْآبَاءِ؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك كَانَ قبل النَّهْي، أَو بِأَنَّهَا كلمة جَارِيَة على اللِّسَان لَا يقْصد بهَا الْحلف، كَمَا جرى على لسانهم: عقرى حلقى، وتربت يَمِينك، وَالنَّهْي إِنَّمَا ورد فى القاصد بِحَقِيقَة الْحلف

لما فِيهِ من تَعْظِيمه الْمَخْلُوق، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح عِنْد الْعلمَاء. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف مُضَاف تَقْدِيره: وَرب أَبِيه، فاضمر ذَلِك فِيهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يضمر بل يذهب فِيهِ، وَسمعت بعض مَشَايِخنَا يُجيب بجوابين آخَرين: أَحدهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون الحَدِيث: أَفْلح وَالله، فقصر الْكَاتِب اللامين فَصَارَت: وَأَبِيهِ، وَالْآخر: خُصُوصِيَّة ذَلِك بالشارع دون غَيره، وَهَذِه دَعْوَى لَا برهَان عَلَيْهَا. وَأغْرب الْقَرَافِيّ حَيْثُ قَالَ: هَذِه اللَّفْظَة وَهِي: وابيه، اخْتلف فِي صِحَّتهَا، فَإِنَّهَا لَيست فِي الْمُوَطَّأ، وَإِنَّمَا فِيهَا افلح إِن صدق، وَهَذَا عَجِيب، فَالزِّيَادَة ثَابِتَة لَا شكّ فِي صِحَّتهَا وَلَا مرية.

٣٥ - (بابُ اتِّبَاعُ الْجَنائِزِ مِنَ الإِيمَان)

أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَيجوز ترك التَّنْوِين بإضافته إِلَى الْجُمْلَة، اعني: قَوْله اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان، فَقَوله: (اتِّبَاع الْجَنَائِز) كَلَام أضافي مُبْتَدأ. وَقَوله: (من الْإِيمَان) خَبره اي: اتِّبَاع الْجَنَائِز شُعْبَة من شعب الْإِيمَان، وَاتِّبَاع بتَشْديد التَّاء مصدر اتبع من بَاب الافتعال، والجنائز جمع جَنَازَة، بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة والمكسورة، وَالْكَسْر أفْصح، وَقيل بِالْفَتْح للْمَيت، وبالكسر للنعش، وَعَلِيهِ الْمَيِّت. وَقيل: عَكسه مُشْتَقَّة من جنز، اذا ستر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ، والعامة تَقول بِالْفَتْح، وَالْمعْنَى: للْمَيت على السرير وَإِذا لم يكن عَلَيْهِ الْمَيِّت فَهُوَ سَرِير ونعش، وَفِي (الْعباب) لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: السرير؛ والجنازة، بِالْفَتْح: الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن السّكيت وَابْن قُتَيْبَة: يُقَال: الْجِنَازَة والجنازة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَيِّت نَفسه، قَالَ: والعوام يتوهمون أَنه السرير. وَقَالَ النَّضر: الْجِنَازَة: السرير مَعَ الرجل جَمِيعًا. وَقَالَ الْخَلِيل: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: خشب الشرجع، وَقد جرى فِي أَفْوَاه النَّاس الْجِنَازَة بِالْفَتْح، والنحارير يُنكرُونَ ذَلِك. وَقَالَ غَيره: إِذا لم يكن عَلَيْهِ ميت فَهُوَ سَرِير أَو نعش، وكل شَيْء ثقل على قوم واغتموا بِهِ فَهُوَ جَنَازَة. وَقَالَ ابْن عباد: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَرِيض، وَطعن فلَان فِي جنَازَته، وَرمى فِي جنَازَته إِذا مَاتَ. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: جنزت الشَّيْء أجنزه جنزاً إِذا سترته، وَزعم قوم أَن مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة. قَالَ: وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّته. وَقَالَ اللَّيْث: جنز الشَّيْء إِذا جمع، وَقيل: مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة، لِأَن الثِّيَاب تجمع على الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: إِن النوار لما احتضرت أوصت أَن يُصَلِّي عَلَيْهَا الْحسن الْبَصْرِيّ، فاخبر الْحسن بذلك فَقَالَ: إِذا جنزتموها فآذنوني. قَالَ: فاسترككنا هَذِه الْكَلِمَة من الْحسن يَوْمئِذٍ، يَعْنِي: التجنيز. فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: الانسان لَهُ حالتان: حَالَة الْحَيَاة وَحَالَة الْمَمَات، فالمذكور فِي الْبَاب الأول هُوَ أَرْكَان الدّين الَّتِي يحصل الثَّوَاب بإقامتها بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِدُونِ وَاسِطَة، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الثَّوَاب الَّذِي يحصل بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِوَاسِطَة الْأَمْوَات. وَقَالَ بَعضهم: ختم المُصَنّف التراجم الَّتِي وَقعت لَهُ من شعب الْإِيمَان بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، لِأَن ذَلِك آخر أَحْوَال الدُّنْيَا. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ بَقِي من الْأَبْوَاب المترجمة بشعب الْإِيمَان بَاب: أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، وَهُوَ مَذْكُور بعد أَرْبَعَة أَبْوَاب من هَذَا الْبَاب، وَكَيف يَصح أَن يُقَال ختم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة التراجم الْمَذْكُورَة؟ فان قلت: مَا وَجه قَوْله فِي الْبَاب السَّابِق: بَاب الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَفِي هَذَا الْبَاب: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان؟ قلت: رَاعى الْمُنَاسبَة والمطابقة فيهمَا، فَإِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول لفظ: الاسلام، حَيْثُ قَالَ: (فَإِذا هُوَ يسْأَل عَن الْإِسْلَام) وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب لفظ الْإِيمَان، حَيْثُ قَالَ: من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا، فترجم الْبَاب على لَفْظَة الْإِيمَان.

٤٧ - حدّثنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ قَالَ حّدثنا رَوْحٌ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ ومُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُريْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَاناً واحْتِساباً وكانَ مَعَهُ حتَّى يُصَلَّى عَلَيْها وُيفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فانَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطْينِ كُلُّ قيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ ومَنْ صَلَّى علَيْهَا ثُمَّ رجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ فإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، من حَيْثُ أَن مُبَاشرَة الْعَمَل الَّذِي فِيهِ الثَّوَاب قدر قيراطين، والقيراط مثل جبل أحد، شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَرَأَيْت من ذكر من الشُّرَّاح وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، قد تعلق بقوله: إِيمَانًا واحتساباً. وَهَذَا لَا وَجه لَهُ.

فان المُرَاد من معنى الْإِيمَان هَهُنَا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، مَعْنَاهُ: مُصدقا بِأَنَّهُ حق وَطَاعَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَفِي قَوْله: واحتساباً مُسْتَوفى فِي بَاب قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: احْمَد بن عبد الله بن عَليّ بن سُوَيْد بن منجوف، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضم الْجِيم وَفِي آخِره فَاء، وَمَعْنَاهُ: الموسع، ونسبته إِلَيْهِ، وكنيته أَبُو بكر السدُوسِي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ وابو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، بن عبَادَة بن الْعَلَاء بن حسان بن عمر بن مرْثَد الْبَصْرِيّ، قَالَ الْخَطِيب: كَانَ كثير الحَدِيث، وصنف الْكتب فِي السّنَن وَالْأَحْكَام وَالتَّفْسِير، وَكَانَ ثِقَة. قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: نظرت لروح بن عبَادَة فِي أَكثر من مائَة الف حَدِيث، كتبت مِنْهَا عشرَة آلَاف. وَقَالَ يحيى بن معِين: لَا بَأْس بِهِ صَدُوق، توفّي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عَوْف، بِالْفَاءِ، ابْن أبي جميلَة بندويه، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالنُّون الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة المضمومة وواو سَاكِنة وياء آخر الْحُرُوف مَفْتُوحَة، وَغلط من قَالَ بِوَزْن: رَاهَوَيْه، وَقيل: اسْمه بنده أَي: العَبْد، يعرف بالأعرابى، وَلم يكن أَعْرَابِيًا، وَإِنَّمَا قيل لفصاحته، الْعَبْدي الهجري الْبَصْرِيّ، سمع جمعا من كبار التَّابِعين مِنْهُم الْحسن، وَعنهُ الْأَعْلَام: الثَّوْريّ وَشعْبَة وَغَيرهمَا، وثقته مجمع عَلَيْهَا، ولد سنة تسع وَخمسين، وَمَات سنة سِتّ وَقيل: سنة سبع واربعين وَمِائَة، وَنسب إِلَى التَّشَيُّع، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقد مر ذكره. الْخَامِس: مُحَمَّد بن سِيرِين أَبُو بكر الْأنْصَارِيّ، مَوْلَاهُم، الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْجَلِيل، أَخُو أنس ومعبد وَيحيى وَحَفْصَة وكريمة أَوْلَاد سِيرِين، وَسِيرِين مولى أنس من سبي عين التَّمْر، وَإِذا أطلق إِبْنِ سِيرِين فَهُوَ: مُحَمَّد هَذَا، وَهَؤُلَاء السِّتَّة كلهم تابعيون، وَذكر أَبُو عَليّ الْحَافِظ خَالِدا بدل كَرِيمَة، قَالَ: واكبرهم معبد، وأصغرهم حَفْصَة. قلت: وَفِي أَوْلَاد سِيرِين أَيْضا: عمْرَة وَسَوْدَة. قَالَ ابْن سعد: أمهَا أم ولد كَانَت لأنس، وَذكر بَعضهم من أَوْلَاده أَيْضا: أشعب، فَهَؤُلَاءِ عشرَة. كَاتب أنس، رَضِي الله عَنهُ، سِيرِين على عشْرين ألف دِرْهَم، فأداها وَعتق، وَأم مُحَمَّد وأخوته صَفِيَّة مولاة الصّديق، طيبها ثَلَاث من أَزوَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَدَعَوْنَ لَهَا وَحضر أملاكها ثَلَاثَة عشر بَدْرِيًّا مِنْهُم: أبي بن كَعْب يَدْعُو وهم يُؤمنُونَ، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، قَالَ هِشَام بن حسان: أدْرك ثَلَاثِينَ صحابياً، ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ أكبر من أَخِيه أنس، وَعنهُ خلق من التَّابِعين: الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَأَيوب، مَاتَ سنة عشر وَمِائَة بعد الْحسن بِمِائَة يَوْم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: ابو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون مَا خلا أَبَا هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. وَمِنْهَا: أَن البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، قرن فِيهِ بَين الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين لما أسلفنا أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة عِنْد الْجُمْهُور، فقرنه بِمُحَمد بن سِيرِين لِأَنَّهُ سمع مِنْهُ، فالاعتماد عَلَيْهِ، وعَلى قَول من يَقُول: إِن الْحسن سمع مِنْهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا سمعا هَذَا الحَدِيث من أبي هُرَيْرَة مُجْتَمعين، وَإِمَّا ان يَكُونَا سمعا مِنْهُ مفترقين، وَإِنَّمَا أوردهُ البُخَارِيّ كَمَا سمع، وَقد وَقع لَهُ نَظِير هَذَا فِي قصَّة مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيثا من طَرِيق روح بن عبَادَة بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرج أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَنْهُمَا، عَن أبي هُرَيْرَة حَدِيثا آخر، واعتماده فِي كل ذَلِك على ابْن سِيرِين، لِأَن الْحسن، وَإِن صَحَّ سَمَاعه عَن أبي هُرَيْرَة، فَإِنَّهُ كثير الْإِرْسَال فَلَا تحمل عنعنته على السماع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: لم يَصح سَماع الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة، أَقُول: فعلى هَذَا التَّقْدِير يكون لفظ: عَن أبي هُرَيْرَة، مُتَعَلقا بِمُحَمد فَقَط، أَو يكون مُرْسلا. قلت: قَوْله: أَو يكون مُرْسلا، إِن أَرَادَ بِهِ أَن الحَدِيث يكون مُرْسلا، فَلَا يَصح، وَإِن أَرَادَ بِهِ الْإِرْسَال من جِهَة الْحسن فَلهُ وَجه على تَقْدِير عدم سَمَاعه من أبي هُرَيْرَة.

بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سَلام عَن اسحاق الْأَزْرَق، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، كِلَاهُمَا عَن عَوْف عَن مُحَمَّد بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (اتبع) ، بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: تبع، بِدُونِ الْألف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، يُقَال: تبِعت الشَّيْء تبعا وتباعة، بِفَتْح التَّاء، وَتبع وَاتبع وَاتبع وَاحِد، وَقيل: اتبعهُ: لحقه وَمَشى خَلفه، وَاتبعهُ: حذا

حذوه. وَفِي (الْعباب) : تبِعت الْقَوْم بِالْكَسْرِ اتبعهم تبعا وتباعة، بِالْفَتْح: إِذا مشيت خَلفهم، أَو مروا بك فمضيت مَعَهم، وَاتَّبَعت الْقَوْم مثل تبعتهم إِذا كَانُوا قد سبقوك فلحقتهم، وَاتَّبَعت أَيْضا غَيْرِي وَقَوله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن وَجُنُوده} (يُونُس: ٩٠) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي لحقهم أَو كَاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فَاتبعهُ الشَّيْطَان} (الْأَعْرَاف: ١٧٥) اي: لحقه، وَقَالَ الْفراء: يُقَال تبعه وَاتبعهُ. لحقه والحقه، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَأتبعهُ شهَاب ثاقب} (الصافات: ١٠) وَقَوله تَعَالَى: {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: ٨٥) و {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: ٨٥) بِقطع الْهمزَة فِي قِرَاءَة أهل الشَّام والكوفة، كل ذَلِك: لحق. وَقَالَ الْأَزْهَرِي فِي قَوْله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده} (يُونُس: ٩٠) أَرَادَ: اتبعهم إيَّاهُم. قَوْله: (ايماناً واحتساباً) قد مر الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي قيام لَيْلَة الْقدر. قَوْله: (يرجع) ، من الرُّجُوع لَا من الرجع. قَوْله: (قِيرَاط) ، أَصله: قراط، بتَشْديد الرَّاء بِدَلِيل جمعه على قراريط، فأبدل من إِحْدَى الرائين يَاء، كَمَا فِي الدِّينَار أَصله: دنار، بِدَلِيل جمعه على دَنَانِير، والقيراط فِي اللُّغَة: نصف دانق. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: القيراط جُزْء من أَجزَاء الدِّينَار، وَهُوَ نصف عشرَة فِي أَكثر الْبِلَاد، وَأهل الشَّام يجعلونه جزأ من أَرْبَعَة وَعشْرين جزأ، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ بعض الشَّيْء، وَفِي (الْعباب) : وزن القيراط يخْتَلف باخْتلَاف الْبِلَاد، فَهُوَ عِنْد أهل مَكَّة: ربع سدس الدِّينَار، وَعند أهل الْعرَاق: نصف عشر الدِّينَار. انْتهى. وَعند الْفُقَهَاء: القيراط جُزْء من عشْرين جزأ من الدِّينَار، وكل قِيرَاط ثَلَاث حبات، فَيكون الدِّينَار سِتِّينَ حَبَّة، وكل حَبَّة أَربع أرزات، فَيكون مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين أرزة. وَيُقَال: القيراط طسوجتان، والطسوجة حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ذرتان، والذرة فتيلتان. وَقد أَرَادَ الشَّارِع من القيراط هَهُنَا قدر جبل أحد، وَالْمَقْصُود أَن القيراط: مِقْدَار من الثَّوَاب مَعْلُوم عِنْد الله تَعَالَى وَهَذَا الحَدِيث يدل على عظم مِقْدَاره فِي هَذَا الْمَوْضُوع، وَلَا يلْزم من هَذَا أَن يكون هَذَا هُوَ القيراط الْمَذْكُور فِيمَن اقتنى كَلْبا إلَاّ كلب صيد أَو زرع أَو مَاشِيَة نقص من أجره كل يَوْم قِيرَاط. بل يجوز أَن يكون أقل مِنْهُ أَو أَكثر. قلت: بل الظَّاهِر أَن القيراط فِي الْأجر اعظم من القيراط الْمَذْكُور فِي نقص الْأجر، لِأَنَّهُ من قبيل الْمَطْلُوب تَركه. وَالْأول من قبيل الْمَطْلُوب فعله، وَهُوَ الصَّلَاة على الْجِنَازَة وَحُضُور دَفنهَا، وَقد رَأينَا عَادَة الشَّرْع تَعْظِيم الْحَسَنَات وتضعيفها دون السَّيِّئَات، كرماً مِنْهُ تَعَالَى وَرَحْمَة، ولطفاً. وَالْحَاصِل أَن القيراط: اسْم لمقدار من الثَّوَاب يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير، وَبَين فِي هَذَا الحَدِيث أَنه مثل أحد، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: القيراط أعظم من أحد. ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ. وفى رِوَايَة للْحَاكِم من حَدِيث أبي بن كَعْب مَرْفُوعا: (وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَهو فِي الْمِيزَان أثقل من أحد) . وَفِي اسناده: الْحجَّاج بن ارطأة، وَفِيه مقَال. وَفِي السّنَن الصِّحَاح المأثورة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من أُوذِنَ بِجنَازَة فَأتى أَهلهَا فعزاهم كتب الله لَهُ قيراطاً، فان شيعها كتب الله لَهُ قيراطين، فَإِن صلى عَلَيْهَا كتب الله لَهُ ثَلَاثَة قراريط، فَإِن شهد دَفنهَا كتب الله لَهُ أَرْبَعَة قراريط، القيراط مثل أحد) . قَوْله: (مثل أحد) بِضَمَّتَيْنِ: وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي بِجنب الْمَدِينَة على نَحْو ميلين مِنْهَا، وَهُوَ فِي شمال الْمَدِينَة، وَسمي بِهَذَا الإسم لتوحده وانقطاعه عَن جبال أُخْرَى هُنَالك. وَفِي الحَدِيث من طَرِيق أبي عِيسَى بن جبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أحد يحبنا ونحبه، وَهُوَ على بَاب الْجنَّة. قَالَ: وعير يبغضنا ونبغضه، وَهُوَ على بَاب من أَبْوَاب النَّار) . قَالَ السُّهيْلي: وَفِي أحد قبر هَارُون، عَلَيْهِ السَّلَام، أخي مُوسَى الكليم، وَفِيه قُبض، وثمة واراه مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَا قد مرا بِأحد حاجين أَو معتمرين.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وَمُحَمّد) بِالْجَرِّ، عطف على الْحسن. قَوْله: (من اتبع) كلمة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، و: اتبع، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل: (وجنازة مُسلم) كَلَام إضافي مَفْعُوله، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على الْحَال بِمَعْنى: مُؤمنا ومحتسباً، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب: تطوع قيام رَمَضَان من الْإِيمَان. قَوْله: (وَكَانَ مَعَه) أَي: مَعَ الْمُسلم، هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَكَانَ مَعهَا، أَي مَعَ الْجِنَازَة، وَهَذِه الْجُمْلَة عطف على قَوْله: اتبع. قَوْله: (حَتَّى يُصلي عَلَيْهَا) على صِيغَة الْمَعْلُوم، بِكَسْر اللَّام، وَالضَّمِير فِي: يُصَلِّي، يرجع إِلَى: من، وَفِي: عَلَيْهَا، إِلَى: الْجِنَازَة. ويروى بِفَتْح اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: عَلَيْهَا، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَكَذَلِكَ رُوِيَ (ويفرغ من دَفنهَا) على الْوَجْهَيْنِ، و: حَتَّى، هَذِه للغاية، وَأَن الناصبة بعْدهَا مضمرة، وَقَوله: يُصَلِّي ويفرغ، منصوبان بهَا. قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي قَوْله: من، وَإِنَّمَا دخلت الْفَاء لتَضَمّنه معنى الشَّرْط، كَمَا ذكرنَا. وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة، فَإِن قلت: مَا مَحل قَوْله: من الْأجر؟ قلت: حَال من قَوْله: (بقيراطين) ، وَفِي الْحَقِيقَة هِيَ صفة وَلكنهَا لما قدمت صَارَت حَالا. وَالْبَاء فِي: بقيراطين، تتَعَلَّق بقوله: يرجع. قَوْله: (كل قِيرَاط) كَلَام إضافي

مُبْتَدأ. وَقَوله: (مثل أحد) أَيْضا كَلَام إضافي خَبره. وَاحِد منصرف لِأَنَّهُ علم الْمُذكر. قَوْله: (وَمن صلى) مثل قَوْله: (من اتبع جَنَازَة مُسلم) . وَقَوله: (ثمَّ رَجَعَ) عطف على: صلى. قَوْله: (قبل ان تدفن) نصب على الظّرْف، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: قبل الدّفن. وَقَوله: (فانه) خبر الْمُبْتَدَأ، كَمَا فِي الأول. قَوْله: (من الاجر) حَال من قَوْله: (بقيراط) .

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقيراطين) حُصُول القيراطن هَهُنَا مُقَيّد بِثَلَاثَة أَشْيَاء. الأول: الِاتِّبَاع، وَالثَّانِي: الصَّلَاة عَلَيْهِ. وَالثَّالِث: حُضُور الدّفن. فَإِن قلت: لَو اتبع حَتَّى دفنت وَلم يصل عَلَيْهَا هَل لَهُ القيراطان؟ قلت: لَا، إِذْ المُرَاد أَن يُصَلِّي هُوَ أَيْضا، جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ وحملاً للمطلق على الْمُقَيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اعْلَم أَن الصَّلَاة يحصل بهَا قِيرَاط إِذا انْفَرَدت، فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهَا الِاتِّبَاع حَتَّى الْفَرَاغ حصل لَهُ قِيرَاط ثَان، فَلِمَنْ صلى وَحضر الدّفن القيراطان، وَلمن اقْتصر على الصَّلَاة قِيرَاط وَاحِد، وَلَا يُقَال: يحصل بِالصَّلَاةِ مَعَ الدّفن ثَلَاثَة قراريط، كَمَا يتوهمه بَعضهم من ظَاهر بعض الْأَحَادِيث، وَلِأَن هَذَا النَّوْع صَرِيح، والْحَدِيث الْمُطلق والمحتمل مَحْمُول عَلَيْهِ، وَأما الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط وَمن تبعها حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان) فَمَعْنَاه: فَلهُ تَمام قيراطين بالمجموع. وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: {ائنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الارض فى يَوْمَيْنِ} (فصلت: ٩) إِلَى قَوْله: {فى اربعة أَيَّام} (فصلت: ١٠) ثمَّ قَالَ: {فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ} قَالَ: وَأما الدّفن فَفِيهِ وَجْهَان: الصَّحِيح: أَنه تَسْوِيَة الْقَبْر بالتمام، وَالثَّانِي: انه نصب اللَّبن عَلَيْهِ، وان لم يهل عَلَيْهِ التُّرَاب. قَالَ: ثمَّ فِي الحَدِيث تَنْبِيه على مَسْأَلَة أُخْرَى، وَهُوَ: ان القيراط الثَّانِي مُقَيّد بِمن اتبعها، وَكَانَ مَعهَا فى جميح الطَّرِيق حَتَّى تدفن، فَلَو صلى وَذهب إِلَى الْقَبْر وَحده، وَمكث حَتَّى جَاءَت الْجِنَازَة وَحضر الدّفن لم يحصل لَهُ القيراط الثَّانِي، وَكَذَا لَو حضر الدّفن وَلم يصل، أَو اتبعها وَلم يصل فَلَيْسَ فِي الحَدِيث حُصُول القيراط لَهُ، وَإِنَّمَا حصل القيراط لمن تبعها بعد الصَّلَاة، لكنه لَهُ أجر فِي الْجُمْلَة، وَعَن أَشهب: أَنه كره اتِّبَاع الْجِنَازَة وَالرُّجُوع قبل الصَّلَاة، وَحكى ابْن عبد الحكم عَن مَالك: أَنه لَا ينْصَرف بعد الدّفن إلَاّ بِالْإِذْنِ وَإِطْلَاق هَذَا الحَدِيث وَغَيره يُخَالِفهُ.

استنباط الاحكام: الاول: فِيهِ الْحَث على الصَّلَاة على الْمَيِّت وَاتِّبَاع جنَازَته وَحُضُور دَفنه، وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: حض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على التواصل فِي الْحَيَاة بقوله: (صل من قَطعك وَأعْطِ من حَرمك) . (وَلَا تقاطعوا وَلَا تدابروا) وعَلى التواصل بعد الْمَوْت بِالصَّلَاةِ والتشييع إِلَى الْقَبْر وَالدُّعَاء لَهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن الثَّوَاب الْمَذْكُور إِنَّمَا يحصل لمن تبعها إِيمَانًا واحتساباً، فَإِن حُضُورهَا على ثَلَاثَة أَقسَام: احتسابا ومكافأة ومخافة. والاول: هُوَ الَّذِي يجازى عَلَيْهِ الْأجر ويحط الْوزر، وَالثَّانِي: لَا يعد ذَلِك فِي حَقه. وَالثَّالِث: الله اعْلَم بِمَا فِيهِ. الثَّالِث: فِيهِ وجوب الصَّلَاة على الْمَيِّت وَدَفنه وَهُوَ إِجْمَاع. الرَّابِع: فِيهِ الحض على الِاجْتِمَاع لَهما والتنبيه على عظم ثوابهما، وَهِي مِمَّا خصت بِهِ هَذِه الامة. الْخَامِس: فِيهِ حجَّة ظَاهِرَة للحنفية فِي ان الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل من الْمَشْي أمامها، بِظَاهِر قَوْله: (من اتبع) ، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا. وَقَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ: وَذهب قوم إِلَى التَّوسعَة فِي ذَلِك وأنهما سَوَاء، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي مُصعب من أَصْحَاب مَالك. وَقَالَ بَعضهم: وَقد تمسك بِهَذَا اللَّفْظ من زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَال: تبعه إِذا مَشى خَلفه، أَو إِذا مر بِهِ فَمشى مَعَه، وَكَذَلِكَ: اتبعهُ بِالتَّشْدِيدِ. قلت: هَذَا الْقَائِل نفى حجَّة هَؤُلَاءِ بِمَا هُوَ حجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فسر لفظ تبع بمعنيين: أَحدهمَا: حجَّة لمن زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَالْآخر: لَيْسَ بِحجَّة عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ حجَّة لخصمه. فَافْهَم. ثمَّ الرّكُوب وَرَاء الْجِنَازَة لَا بَأْس بِهِ، وَالْمَشْي أفضل. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: لَا فرق عندنَا بَين الرَّاكِب والماشي، يَعْنِي فِي الْمَشْي أمامها خلافًا للثوري حَيْثُ قَالَ: إِن الرَّاكِب يكون خلفهَا، وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند، وَكَأَنَّهُ قلد الْخطابِيّ، فَإِنَّهُ كَذَا ادّعى، وَفِيه حَدِيث صَححهُ الْحَاكِم على شَرط البُخَارِيّ من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَقَالَ بِهِ من الْمَالِكِيَّة أَيْضا ابو مُصعب.

سُؤال: لم كَانَ الْجَزَاء بالقيراط دون غَيره؟ الْجَواب: إِنَّه أقل مُقَابل عَادَة. آخر: لِمَ خص بِأحد؟ الْجَواب: لِأَنَّهُ أعظم جبال الْمَدِينَة، والشارع كَانَ يُحِبهُ، وَهُوَ أَيْضا يُحِبهُ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.

تابَعَهُ عُثْمانُ المُؤَذِّنُ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنْ مُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْوَهُ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَيَّنَتْ أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ بِعَرَفَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي هِيَ آخِرُ عَهْدِ الْبَعْثَةِ حِينَ تَمَّتِ الشَّرِيعَةُ وَأَرْكَانُهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَزَمَ السُّدِّيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.

٣٤ - بَاب الزَّكَاةُ مِنْ الْإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾

٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قال: حدثنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقال: هل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: لا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَصِيَامُ رَمَضَانَ قال: هل عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قال: لا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ الزَّكَاةَ قال: هل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: لا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وهو يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ.

[الحديث ٤٦ - في: ٦٩٥٦، ٢٦٧٨، ١٨٩١]

قَوْلُهُ: (بَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الْإِسْلَامِ. ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ وَيَأْتِي فِيهِ مَا مَضَى فِي بَابِ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى مَا تُرْجِمَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَالْقَيِّمَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ، وَقَدْ جَاءَ قَامَ بِمَعْنَى اسْتَقَامَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أَيْ: مُسْتَقِيمَةٌ. وَإِنَّمَا خَصَّ الزَّكَاةَ بِالتَّرْجَمَةِ لِأَنَّ بَاقِيَ مَا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ قَدْ أَفْرَدَهُ بِتَرَاجِمَ أُخْرَى.

وَرِجَالُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَمَالِكٌ وَالِدُ أَبِي سُهَيْلٍ هُوَ ابْنُ أَبِي عَامِرٍ الْأَصْبَحِيُّ حَلِيفُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسِ ابْنِ أُخْتِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ خَالِهِ عَنْ عَمِّهِ، عن أبيه عَنْ حَلِيفِهِ، فَهُوَ مُسَلْسَلٌ بِالْأَقَارِبِ كَمَا هُوَ مُسَلْسَلٌ بِالْبَلَدِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ: مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (ثَائِرُ الرَّأْسِ) هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الصِّفَةِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ، وَالْمُرَادُ: أَنَّ شَعْرَهُ مُتَفَرِّقٌ مِنْ تَرْكِ الرَّفَاهِيَةِ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ عَهْدِهِ بِالْوِفَادَةِ، وَأَوْقَعَ اسْمَ الرَّأْسِ عَلَى الشَّعْرِ إِمَّا مُبَالَغَةً، أَوْ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْهُ يَنْبُتُ.

قَوْلُهُ: (يُسْمَعُ) بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَوْ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ لِلْجَمْعِ، وَكَذَا فِي يُفْقَهُ.

قَوْلُهُ: (دَوِيٌّ) بِفَتْحِ الدَّالِّ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، كَذَا فِي رِوَايَتِنَا. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ: جَاءَ عِنْدَنَا فِي الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ الدَّالِ. قَالَ: وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الدَّوِيُّ صَوْتٌ مُرْتَفِعٌ مُتَكَرِّرٌ وَلَا يُفْهَمُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَادَى مِنْ بُعْدٍ، وَهَذَا الرَّجُلُ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ وَآخَرُونَ بِأَنَّهُ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَافِدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِيرَادُ مُسْلِمٍ لِقِصَّتِهِ عَقِبَ حَدِيثِ طَلْحَةَ ; وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَدْوِيٌّ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ سِيَاقَهُمَا مُخْتَلِفٌ، وَأَسْئِلَتَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ، قَالَ: وَدَعْوَى أَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ دَعْوَى فَرَطٍ، وَتَكَلُّفُ شَطَطٍ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوَّاهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ابْنَ سَعْدٍ، وَابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةً لَمْ يَذْكُرُوا لِضِمَامٍ إِلَّا الْأَوَّلَ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ.

قَوْلُهُ:

(فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ) أَيْ: عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ لَهُ الشَّهَادَةَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْلَمُهَا أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْأَلُ عَنِ الشَّرَائِعِ الْفِعْلِيَّةِ، أَوْ ذَكَرَهَا وَلَمْ يَنْقُلْهَا الرَّاوِي لِشُهْرَتِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْدُ أَوِ الرَّاوِي اخْتَصَرَهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَدَخَلَ فِيهِ بَاقِي الْمَفْرُوضَاتِ بَلْ وَالْمَنْدُوبَاتِ.

قَوْلُهُ: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي سُؤَالِهِ: أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا مُطَابَقَةُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ سِيَاقِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ غَيْرُ الْخَمْسِ، خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ الْوِتْرَ أَوْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْ صَلَاةَ الضُّحَى أَوْ صَلَاةَ الْعِيدِ أَوِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ.

قَوْلُهُ: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: لا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ) تَطَّوَّعَ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْوَاوِ، وَأَصْلُهُ تَتَطَوَّعُ بِتَاءَيْنِ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الطَّاءِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَاهُمَا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي التَّطَوُّعِ يُوجِبُ إِتْمَامَهُ تَمَسُّكًا بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ مُتَّصِلٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لِأَنَّهُ نَفْيُ وُجُوبِ شَيْءٍ آخَرَ إِلَّا مَا تَطَوَّعَ بِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَلَا قَائِلَ بِوُجُوبِ التَّطَوُّعِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ إِلَّا أَنْ تَشْرَعَ فِي تَطَوُّعٍ فَيَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ مُغَالَطَةٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُنَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ; لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يُقَالُ فِيهِ عَلَيْكَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ، إِلَّا إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَطَّوَّعَ فَذَلِكَ لَكَ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ التَّطَوُّعَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ أَصْلًا. كَذَا قَالَ. وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ دَائِرٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُتَّصِلٌ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْمَ التَّطَوُّعِ ثُمَّ يُفْطِرُ، وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَنْ تُفْطِرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَعَتْ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْمَامَ - إِذَا كَانَتْ نَافِلَةً - بِهَذَا النَّصِّ فِي الصَّوْمِ وَالْقِيَاسِ فِي الْبَاقِي. فَإِنْ قِيلَ: يَرِدُ الْحَجَّ، قُلْنَا: لَا ; لِأَنَّهُ امْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ بِلُزُومِ الْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ.

وَكَذَلِكَ امْتَازَ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ فِي نَفْلِهِ كَفَرْضِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

عَلَى أَنَّ فِي اسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةِ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِفَرْضِيَّةِ الْإِتْمَامِ، بَلْ بِوُجُوبِهِ. وَاسْتِثْنَاءُ الْوَاجِبِ مِنَ الْفَرْضِ مُنْقَطِعٌ لِتَبَايُنِهِمَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ لِلْإِثْبَاتِ بَلْ مَسْكُوتٌ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: لَا، أَيْ: لَا فَرْضَ عَلَيْكَ غَيْرَهَا.

قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ الزَّكَاةَ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ، قَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَشْيَاءَ أُجْمِلَتْ، مِنْهَا بَيَانُ نُصُبِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُفَسَّرْ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَا أَسْمَاءُ الصَّلَوَاتِ، وَكَأَنَّ السَّبَبَ فِيهِ شُهْرَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، أَوِ الْقَصْدُ مِنَ الْقِصَّةِ بَيَانُ أَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِالْفَرَائِضِ نَاجٍ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ النَّوَافِلَ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ) في رِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ فَقَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ. وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَذْكُورَةِ: أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ:. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِحَذْفِ أَوْ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْجَامِعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ، أَوْ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْحَلِفُ، كَمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِمْ عَقْرَى حَلْقَى (١) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ فِيهِ إِضْمَارُ اسْمِ الرَّبِّ كَأَنَّهُ قَالَ: وَرَبِّ أَبِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ الأصبحيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط عند الأَصيليِّ وابن عساكر قوله «ابن أنسٍ» (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ) واسمُ أبي سُهيلٍ: نافعٌ المدني (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامرٍ (أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بن عثمان القرشيَّ التَّيميَّ، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، المقتول يومَ الجمل لعشرٍ خَلَوْنَ من جمادى الأولى سنة ستٍّ وثلاثين، ودُفِنَ بالبصرة، وله في «البخاريِّ» أربعةُ أحاديثَ (يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ) هو ضِمام بن ثعلبة أو غيره (إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) بفتح النُّون وسكون الجيم، وهو -كما في «العباب» وغيره- ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «جاء رجلٌ من أهل نجدٍ إلى رسول الله » (ثَائِرُ) بالمُثلَّثة، أي: متفرِّق شعر (الرَّأْسِ) من عدم الرَّفاهيَة، فحُذِف المضافُ للقرينة العقليَّة، أو أُطلِقَ اسم الرَّأس على الشَّعر لأنَّه نبت منه، كما يُطلَق اسم السَّماء على المطر، أو مبالغةً بجعل الرَّأس كأنَّها المُنْتَفشة، و «ثائرُ»: بالرَّفع صفةٌ لـ «رجل»، أو بالنَّصب على الحال، ولا يضرُّ إضافتها لأنَّها لفظيَّةٌ (نسْمَعُ) بنون الجمع (دَوِيَّ صَوْتِهِ) -بفتح الدَّال

وكسر الواو وتشديد الياء- منصوبٌ مفعولًا به (وَلَا نفْقَهُ) بنون الجمع كذلك (مَا يَقُولُ) أي: الذي يقوله، في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، وفي رواية ابن عساكر: «يُسمَع» «ولا يُفقَه» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة فيهما مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، و «دويُّ» و «ما يقول» نائبان عنه، والدَّويُّ: شدَّة الصَّوت وبُعْدُه في الهواء، فلا يُفهَمُ منه شيءٌ (حَتَّى دَنَا) أي: إلى أن قَرُبَ فهمناه (فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ) أي: عن أركانه وشرائعه بعد التَّوحيد والتَّصديق، أو عن حقيقته، واستُبعِد هذا؛ من حيث إنَّ الجواب يكون غير مطابقٍ للسُّؤال، وهو قوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ): هو (خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) أو خذ خمسَ صلواتٍ، ويجوز الجرُّ بدلًا من «الإسلام»، فظهر أنَّ السُّؤال وقع عن أركان الإسلام وشرائعه، ووقع الجواب مطابقًا له، ويؤيِّده ما في رواية إسماعيل بن جعفرٍ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦١٨٩١] أنَّه قال: أخبرني ماذا (١) فرض الله عليَّ من الصَّلاة؟ وليست (٢) الصَّلوات الخمس عين الإسلام، ففيه حذفٌ تقديره: إقامةُ خَمسِ صلواتٍ في اليوم واللَّيلة، وإنَّما لم يذكر له الشَّهادة لأنَّه عَلِم أنَّه يعلمها، أو عَلِم أنَّه إنَّما يسأل عن الشَّرائع الفعليَّة، أو ذكرها فلم ينقلها الرَّاوي لشهرتها (فَقَالَ) الرَّجل المذكور، ولابن عساكر: «قال»: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟) بالرَّفع مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، خبره «عليَّ» (قَالَ) : (لَا) شيءَ عليك غيرُها، وهو حجَّةٌ على الحنفيَّة حيث أوجبوا الوترَ، وعلى الإصطخريِّ من الشَّافعيَّة

حيث قال: إنَّ صلاة العيدين فرضُ كفاية (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) استثناءٌ من قوله: «لا» منقطعٌ، أي: لكنَّ التطوَّعَ مُستحَبٌّ لك، وعلى هذا لا تلزم النَّوافل بالشُّروع فيها، لكن يُستحَبُّ إتمامها ولا يجب، وقد روى النَّسائيُّ وغيره: أنَّ النَّبيَّ كان أحيانًا ينوي صَوم التَّطوُّع ثمَّ يفطر، وفي «البخاريِّ»: «أنَّه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه» [خ¦١٩٨٦] فدلَّ على أنَّ الشُّروع في النَّفل لا يستلزم الإتمام، فهذا النَّصُّ في الصَّوم، والباقي (١) بالقياس، ولا يرد الحجُّ؛ لأنَّه امتاز عن غيره بالمضيِّ في فاسده، فكيف في صحيحه؟ أو الاستثناء متَّصلٌ على الأصل، واستُدلَّ به على أنَّ الشُّروع في التَّطوُّع يلزم إتمامه، وقرَّره القرطبيُّ من المالكيَّة: بأنَّه نفيُ وجوب شيءٍ آخرَ، أي: إلَّا ما تُطوَّع به، والاستثناء من النَّفيِ إثباتٌ، ولا قائلَ بوجوب التَّطوُّع، فتعيَّن أن يكون المُرَاد: إلَّا أن تَشرع في تَطوُّعٍ، فيلزمك إتمامه، وفي «مُسنَد أحمد» من حديث عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصةُ صائمتين، فأُهدِيتْ لنا شاةٌ فأكلْنا، فدخل علينا النبي ، فأخبرناه، فقال: «صُوما يومًا مكانه» والأمر للوجوب، فدلَّ على أنَّ الشُّروع مُلزِمٌ (قَالَ): وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: «فقال» (رَسُولُ اللهِ : وَصِيَامُ) بالرَّفع (٢) عطفًا على «خمس صلوات»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وصوم» (رَمَضَانَ. قَالَ) الرَّجل: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ) : (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ) فلا يلزمك إتمامه إذا شرعت فيه، أو إلَّا إذا تطوَّعت فالتَّطوُّع يلزمك إتمامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وفي استدلال الحنفيَّة نظرٌ، لأنَّهم لا يقولون بفرضيَّة الإتمام، بل بوجوبه واستثناء الواجب من الفرض منقطعٌ لتباينهما، وأيضًا فإنَّ الاستثناء عندهم

من النَّفيِ ليس للإثبات، بل مسكوتٌ عنه كما قاله في «الفتح» (قَالَ) الرَّاوي طلحةُ بن عبيد الله: (وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ الزَّكَاةَ، قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «فقال» الرَّجل المذكور: (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ) : (لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، قَالَ) الراوي: (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ) من الإدبار، أي: تَوَلَّى (وَهُوَ يَقُولُ) أي: والحالُ أنَّه يقول: (وَاللهِ لَا أَزِيدُ) في التَّصديق والقَبول (عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ) منه شيئًا، أي: قبلت كلامك قبولًا لا مَزِيدَ عليه من جهة السُّؤال، ولا نقصانَ فيه من طريق القبول، أو لا أَزِيدُ على ما سَمعتُ، ولا أنقصُ منه عند الإبلاغ؛ لأنَّه كان وافدَ قومه ليتعلَّم ويُعلِّمهم، لكن يُعكِّر عليهما رواية إسماعيل بن جعفر حيث قال: لا أتطوَّع شيئًا، ولا أنقص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا [خ¦١٨٩١] أو المُرَاد: لا أغيِّر صفة الفرض؛ كمن ينقص الظُّهر مثلًا ركعةً، أو يزيدُ المغربَ (قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَفْلَحَ) الرَّجل، أي: فاز (إِنْ صَدَقَ) في كلامه، واستُشكِل كَونه أثبت له الفلاح بمُجرَّد ما ذكر، وهو لم يذكر له جميع الواجبات ولا المنهيَّات ولا المندوبات، وأُجِيب: بأنَّه داخلٌ في عموم قوله في حديث إسماعيل بن جعفرٍ المرويِّ عند المؤلِّف في «الصِّيام» [خ¦١٨٩١] بلفظ: فأخبره رسول الله بشرائع الإسلام، فإن قلت: أمَّا فلاحه بأنَّه لا ينقص فواضحٌ، وأمَّا بألَّا يزيد فكيف يصحُّ؟

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

سَائِر الْآيَات الَّتِي فِي الْكتاب مقروءة، قَوْله: (قد عرفنَا ذَلِك الْيَوْم) مَعْنَاهُ: أَنا مَا أهملناه وَلَا خَفِي علينا زمَان نُزُولهَا، وَلَا مَكَان نُزُولهَا، وضبطنا جَمِيع مَا يتَعَلَّق بهَا حَتَّى صفة النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، وموضعه فِي زمَان النُّزُول، وَهُوَ كَونه، عَلَيْهِ السَّلَام، قَائِما حِينَئِذٍ، وَهُوَ غَايَة فِي الضَّبْط. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَعْنَاهُ: أَنا مَا تركنَا تَعْظِيم ذَلِك الْيَوْم وَالْمَكَان، أما الْمَكَان فَهُوَ عَرَفَات، وَهُوَ مُعظم الْحَج الَّذِي هُوَ أحد أَرْكَان الْإِسْلَام، وَأما الزَّمَان فَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة وَيَوْم عَرَفَة. وَهُوَ يَوْم اجْتمع فِيهِ فضلان وشرفان، وَمَعْلُوم تعظيمنا لكل وَاحِد مِنْهُمَا، فَإِذا اجْتمعَا زَاد التَّعْظِيم، فقد اتخذنا ذَلِك الْيَوْم عيدا، وعظمنا مَكَانَهُ أَيْضا، وَهَذَا كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع، وعاش النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بعْدهَا ثَلَاثَة أشهر. قَوْله: (وَالَّذِي نزلت فِيهِ على النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) زَاد مُسلم، عَن عبد بن حميد عَن جَعْفَر بن عون فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَفظه: (إِنِّي لأعْلم الْيَوْم الَّذِي أنزلت فِيهِ) . وَلأَحْمَد عَن جَعْفَر بن عون: (والساعة الَّتِي نزلت فِيهَا على النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام) فَإِن قلت: كَيفَ طابق الْجَواب السُّؤَال؟ لِأَنَّهُ قَالَ لاتخذناه عيداً؟ فَقَالَ عمر، رَضِي الله عَنهُ: عرفنَا أَحْوَاله، وَلم يقل جَعَلْنَاهُ عيداً. قلت: لما بَين أَن يَوْم النُّزُول كَانَ عَرَفَة وَمن المشهورت أَن الْيَوْم الَّذِي بعد عَرَفَة عيد للْمُسلمين، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَعَلْنَاهُ عيدا بعد إدراكنا اسْتِحْقَاق ذَلِك الْيَوْم للتعبد فِيهِ. فَإِن قلت: فَلم مَا جعلُوا يَوْم النُّزُول عيدا؟ قلت: لِأَنَّهُ ثَبت فِي الصَّحِيح أَن النُّزُول كَانَ بعد الْعَصْر، وَلَا يتَحَقَّق الْعِيد إلَاّ من أول النَّهَار، وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء: ورؤية الْهلَال بِالنَّهَارِ لليلة الْمُسْتَقْبلَة، فَافْهَم.

٣٤ - (بَاب الزَّكاةُ مِنَ الإسْلَامِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة، وَالزَّكَاة مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: من الاسلام أَي: الزَّكَاة شُعْبَة من شعب الْإِسْلَام. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق هُوَ زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، وَقد علم أَن الزِّيَادَة تكون بِالْأَعْمَالِ وَالنَّقْص بِتَرْكِهَا، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ: أَن أَدَاء الزَّكَاة من الْإِسْلَام، يَعْنِي: أَنه إِذا أدّى الزَّكَاة يكون إِسْلَامه كَامِلا، وَإِذا تَركهَا يكون نَاقِصا. لَا يُقَال: لم أفرد الزَّكَاة بِالذكر فِي التَّرْجَمَة من بَين سَائِر أَرْكَان الْإِسْلَام، لِأَنَّهُ قد أفرد لكل وَاحِد من بَقِيَّة الإركان بَابا بترجمة.

وقَوْلُه {ومَا أُمِرُوا إلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القيمةِ} (الْبَيِّنَة: ٥) .

هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: بَاب الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَقَول الله تَعَالَى: {وَمَا أمروا إلَاّ ليعبدوا الله} (الْبَيِّنَة: ٥) الْآيَة وَفِي بعض النّسخ: وَقَوله تَعَالَى: {وَمَا أمروا} (الْبَيِّنَة: ٥) الْآيَة ... قَوْله: (وَقَول الله) مجرور عطف على مَحل، قَوْله: (الزَّكَاة من الْإِسْلَام) لِأَنَّهَا مُضَاف إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ قَوْله: وَقَوله تَعَالَى. وَأما راوية أبي ذَر، فَإِنَّهَا بِلَا عطف، لِأَن الْوَاو فِي قَوْله: {وَمَا أمروا} (الْبَيِّنَة: ٥) وَاو الْعَطف فِي الْقُرْآن عطف بهَا على مَا قبله: {وَمَا تفرق الَّذين أُوتُوا الْكتاب إلَاّ من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَيِّنَة} (الْبَيِّنَة: ٤) فَإِن قلت: كَيفَ التئام الْآيَة بالترجمة؟ قلت: الالتئام بَينهمَا معنوي، وَهُوَ أَن الْآيَة فِيهَا ذكر أَن الزَّكَاة من الدّين، وَالدّين هُوَ الْإِسْلَام لقَوْله تَعَالَى: {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} (آل عمرَان: ١٩) وَتَحْقِيق ذَلِك أَن الله تَعَالَى ذكر فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة ثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: إخلاص الدّين الَّذِي هُوَ رَأس جَمِيع الْعِبَادَات، وَالثَّانِي: إِقَامَة الصَّلَاة الَّتِي هِيَ عماد الدّين، وَالثَّالِث إيتَاء الزَّكَاة الَّتِي تذكر دَائِما تالية للصَّلَاة، ثمَّ أَشَارَ إِلَى جَمِيع ذَلِك بقوله: {وَذَلِكَ دين الْقيمَة} (الْبَيِّنَة: ٥) أَي: الْمَذْكُور من هَذِه الْأَشْيَاء هُوَ دين الْقيمَة، أَي: دين الْملَّة الْقيمَة، فالموصوف مَحْذُوف وقرىء وَذَلِكَ الدّين الْقيمَة. على تَأْوِيل الدّين بالملة وَمعنى: الْقيمَة، المستقيمة الناطقة بِالْحَقِّ وَالْعدْل. فَإِن قلت: كَيفَ خص الزَّكَاة بالترجمة، وَالْمَذْكُور ثَلَاثَة أَشْيَاء؟ قلت: أُجِيب عَن هَذَا عَن قريب. قَوْله: {وَمَا أمروا} (الْبَيِّنَة: ٥) أَي: وَمَا أَمر أهل الْكتاب فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إلَاّ بِالدّينِ الحنيفي، وَلَكنهُمْ حرفوا وبدلوا. وَقَالَ الزمحشري: فَإِن قلت:) مَا وَجه قَوْله {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين} (الْبَيِّنَة: ٥) قلت: مَعْنَاهُ: وَمَا أمروا فِي الْكِتَابَيْنِ إلَاّ لأجل أَن يعبدوا الله على هَذِه الصّفة. وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ: إلَاّ أَن يعبدوا. بِمَعْنى: بِأَن يعبدوا الله انْتهى. قلت: الْعِبَادَة بِمَعْنى التَّوْحِيد، أَي: وَمَا أمروا إلَاّ ليوحدوا الله، وَالِاسْتِثْنَاء من أَعم عَام الْمَفْعُول لأَجله، أَي مَا أمروا لأجل شَيْء إلَاّ لِلْعِبَادَةِ، أَي: التَّوْحِيد، وَالْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص

السَّبَب وَيدخل فِيهِ جَمِيع النَّاس. قَوْله: {مُخلصين} حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي (أمروا) ، وَقَوله: (الدّين) مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (حنفَاء) ، حَال أُخْرَى، جمع حنيف، وَهُوَ المائل عَن الضلال إِلَى الْهِدَايَة. قَوْله: (ويقيموا الصَّلَاة) عطف على قَوْله: (ليعبدوا الله) من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، وَفِيه تَفْضِيل للصَّلَاة وَالزَّكَاة على سَائِر الْعِبَادَات وَقد مر معنى إِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة.

٤٦ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أبي سُهَيْلٍ بْنِ مالِكَ عَنْ أبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أهْلِ نَجْدٍ ثائِرُ الرَّأسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ ولَا يُفْقَهُ مَا يقُولُ حَتَّى دَنا فإذَا هوَ يَسْأَلُ عَنِ الإسْلَامِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسُ صَلَواتٍ فِي اليَوْمِ واللَّيُلَةِ فَقَالَ هَلْ عَليَّ غَيْرُها قَالَ لَا إِلَّا أنْ تَطَّوَّعَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصِيَامُ رَمَضانَ قَالَ هَلْ عَليَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إلَاّ أنْ تَطَّوَّع قَال وذَكرَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الزَّكاةَ قَالَ هَلْ عَليَّ غَيْرُهَا قالَ لَا إلَاّ أنْ تَطَّوَّعَ قالَ فأدْبَرَ الرَّجُلُ وهوَ يَقُولُ واللَّهِ لَا أزِيدُ عَلَى هَذَا ولَا أنْقُصُ قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفْلَحَ إنْ صَدَقَ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن التَّرْجَمَة: الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَمَوْضِع الدّلَالَة فِي الحَدِيث هُوَ قَوْله: فَإِذا هُوَ يسْأَله عَن الْإِسْلَام، فَذكر الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة، وَهَذَا ظَاهر فِي كَونهَا من الْإِسْلَام، وَكَذَلِكَ مطابقته لِلْآيَةِ ظَاهِرَة من حَيْثُ أَن الْمَذْكُور فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا الصَّلَاة وَالزَّكَاة.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن عبد الله الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت الإِمَام مَالك بن أنس، شَيْخه وخاله وَأَبُو أويس ابْن عَم مَالك وَقد مر فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان. الثَّانِي: مَالك بن أنس الإِمَام الْمَشْهُور، وَقد مر غير مرّة. الثَّالِث: عَمه أَبُو سُهَيْل، وَهُوَ نَافِع بن مَالك بن أبي عَامر الْمدنِي وَقد مر. الرَّابِع: أَبوهُ وَهُوَ مَالك بن أبي عَامر، وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو مُحَمَّد طَلْحَة بن عبيد الله بن عُثْمَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي التَّيْمِيّ، أحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْأَب السَّابِع مثل أبي بكر، رَضِي الله عَنهُ، أسلمت أمه وَهَاجَرت، شهد الْمشَاهد كلهَا إلَاّ بَدْرًا كسعيد بن زيد، وَقد ضرب لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بسهمه وآجره فِيهَا، وَكَانَ الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، إِذا ذكر أحدا قَالَ: ذَلِك يَوْم كُله لطلْحَة، وَقد وهم البُخَارِيّ فِي قَوْله: إِن سعيد بن زيد مِمَّن حضر بَدْرًا، وَهُوَ أحد الثَّمَانِية الَّذين سبقوا إِلَى الْإِسْلَام، والخمسة الَّذين أَسْلمُوا على يَد الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، والستة أَصْحَاب الشورى الَّذين توفّي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ عَنْهُم رَاض، وَهُوَ مِمَّن ثَبت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم أحد ووقاه بِيَدِهِ ضَرْبَة قصد بهَا فشلت، رَمَاه مَالك بن زُهَيْر يَوْم أحد، فاتقى طَلْحَة بِيَدِهِ عَن وَجه رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، فَأصَاب خِنْصره، فَقَالَ حِين أَصَابَته الرَّمية: حيس، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَو قَالَ: بِسم الله لدخل الْجنَّة وَالنَّاس ينظرُونَ. وَقيل: جرح فِي ذَلِك الْيَوْم خمْسا وَسبعين جِرَاحَة، وشلت أصبعاه، وَسَماهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، طَلْحَة الْخَيْر، وَطَلْحَة الْجواد. رُوِيَ لَهُ ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين، وَمُسلم بِثَلَاثَة، قتل يَوْم الْجمل، أَتَاهُ سهم لَا يدْرِي من وَرَاءه، واتتهم بِهِ مَرْوَان، لعشر خلون من جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة، وَقيل: اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَقيل: ثَمَان وَخمسين، وقبره بِالْبَصْرَةِ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: دفن بقنطرة قُرَّة، ثمَّ رَأَتْ بنته بعد ثَلَاثِينَ سنة فِي الْمَنَام أَنه يشكو إِلَيْهَا النداوة، فَأمرت فاستخرج طريا وَدفن فِي دَار الهجرتين بِالْبَصْرَةِ، وقبره مَشْهُور، رَضِي الله عَنهُ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَطَلْحَة فِي الصَّحَابَة جمَاعَة، وَطَلْحَة بن عبيد الله اثْنَان: هَذَا أَحدهمَا، وَثَانِيهمَا التَّيْمِيّ، وَكَانَ يُسمى أَيْضا: طَلْحَة الْخَيْر، فأشكل على النَّاس.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ أَولا حَدثنَا إِسْمَاعِيل، ثمَّ حَدثنِي مَالك، لِأَن فِي الأول الشَّيْخ قَرَأَ لَهُ وَلغيره، وَفِي الثَّانِي: قَرَأَ لَهُ وَحده، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده مسلسل بالأقارب، لِأَن إِسْمَاعِيل يروي عَن خَاله عَن عَمه عَن أَبِيه. فَإِن قلت: حكى الكلاباذي وَغَيره عَن ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ أَن مَالك بن أبي عَامر توفّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَة، وَأَنه بلغ من الْعُمر: سبعين أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين، فعلى هَذَا يكون مولده بعد موت طَلْحَة بِسنتَيْنِ. قلت: قَالَ بَعضهم: لَعَلَّه صحف التسعين بالسبعين، وَحكى الْمُنْذِرِيّ عَن ابْن عبد الْبر أَن وَفَاته سنة مائَة أَو نَحْوهَا، فَيصح على هَذَا، ويستقيم. وَقد ثَبت سَماع مَالك مِنْهُ وَمن غَيره كعثمان، رَضِي الله عَنهُ، نبه عَلَيْهِ الثَّوْريّ وَغَيره.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَأخرجه أَيْضا فِي الصَّوْم، وَفِي ترك الْحِيَل عَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن أبي سُهَيْل بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وَيحيى بن أَيُّوب كِلَاهُمَا عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَقَالَ مُسلم فِي حَدِيث يحيى بن أَيُّوب: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الصَّلَاة عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ، وَعَن أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك بِهِ، وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن حجر عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ، وَفِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن عبد الرَّحْمَن بن قَاسم عَن مَالك بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (من أهل نجد) بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْجِيم، قَالَ الْجَوْهَرِي: نجد من بِلَاد الْعَرَب، وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد، وَهُوَ مُذَكّر. قلت: النجد النَّاحِيَة الَّتِي بَين الْحجاز وَالْعراق، وَيُقَال: مَا بَين الْعرَاق وَبَين وجرة وغمرة الطَّائِف نجد، وَيُقَال: هُوَ مَا بَين جرش وَسَوَاد الْكُوفَة، وَحده من الغرب الْحجاز، وَفِي (الْعباب) : نجد من بِلَاد الْعَرَب، خلاف الْغَوْر، والغور هُوَ تهَامَة، وكل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق فَهُوَ نجد، وَهُوَ فِي الأَصْل مَا ارْتَفع من الأَرْض، وَالْجمع: نجاد ونجود وانجد. قَوْله: (ثَائِر الرَّأْس) أَي: منتفش شعر الرَّأْس ومنتشره، يُقَال: ثار الْغُبَار أَي: انتفش، وفتنة ثائرة أَي: منتشرة. قلت: مادته واوية من: ثار الْغُبَار يثور ثورا، وَحَاصِله أَن شعره متفرق منتشر من عدم الارتفاق والرفاهية. قَوْله: (دوى صَوته) ، بِفَتْح الدَّال وَكسر الْوَاو وَتَشْديد الْيَاء، كَذَا هُوَ فِي عَامَّة الرِّوَايَات، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: جَاءَ عندنَا فِي البُخَارِيّ، بِضَم الدَّال. قَالَ: وَالصَّوَاب الْفَتْح، قَالَ الْخطابِيّ: الدوي: صَوت مُرْتَفع متكرر لَا يفهم، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَنَّهُ نَادَى من بعد، وَيُقَال الدوي: بعد الصَّوْت فِي الْهَوَاء وعلوه، وَمَعْنَاهُ: صَوت شَدِيد لَا يفهم مِنْهُ شَيْء كَدَوِيِّ النَّحْل. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: هُوَ شدَّة الصَّوْت وَبعده فِي الْهَوَاء، مَأْخُوذ من دوِي الرَّعْد، وَيُقَال: هُوَ شدَّة صَوت لَا يفهم، فَلَمَّا دنا فهم كَلَامه، فَلهَذَا قَالَ: فَلَمَّا دنا فَإِذا هُوَ يسْأَل. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: دوِي الرّيح حفيفها، وَكَذَلِكَ دوِي النَّحْل والطائر وَيُقَال: دوى النَّحْل تدوية، وَذَلِكَ إِذا سَمِعت لهديره دويا، والدوي أَيْضا السَّحَاب ذُو الرَّعْد المرتجس. قَوْله: (وَلَا يفقه) من الْفِقْه وَهُوَ الْفَهم، قَالَ الله تَعَالَى: {يفقهوا قولي} (طه: ٢٨) أَي يفهموا. قَوْله: (حَتَّى دنا) من الدنو وَهُوَ التَّقَرُّب. قَوْله: (إِلَّا أَن تطوع) ، بتَشْديد الطَّاء وَالْوَاو كليهمَا أَصله: تتطوع بتائين فادغمت إِحْدَى التائين فِي الطَّاء، وَيجوز تَخْفيف الطَّاء على الْحَذف، أَعنِي: حذف إِحْدَى التائين، وَأي التائين هِيَ المحذوفة فِيهِ خلاف، فَقَالَ بَعضهم: حذف التَّاء الزَّائِدَة أولى لزيادتها. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْأَصْلِيَّة أولى بالحذف، لِأَن الزَّائِدَة إِنَّمَا دخلت لإِظْهَار معنى فَلَا تحذف، لِئَلَّا يَزُول الْغَرَض الَّذِي لأَجله دخلت، وَيجوز إِظْهَار التائين أَيْضا من غير إدغام، وَهَذِه ثَلَاثَة أوجه فِي الْمُضَارع. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَشْهُور التَّشْدِيد، وَمَعْنَاهُ: إلَاّ أَن تَفْعَلهُ بطواعيتك. وَفِي ماضيه لُغَتَانِ: تطوع وأطوع، وَكِلَاهُمَا يفعل، إِلَّا أَن إدغام التَّاء فِي الطَّاء أوجب جلب ألف الْوَصْل ليتَمَكَّن من النُّطْق بالساكن. قَوْله: (فادبر) من الإدبار وَهُوَ التولي. قَوْله: (أَفْلح) من الإفلاح وَهُوَ الْفَوْز والبقاء، وَقيل: هُوَ الظفر وَإِدْرَاك البغية، وَقيل: إِنَّه عبارَة عَن أَرْبَعَة أَشْيَاء: بَقَاء بِلَا فنَاء وغناء بِلَا فقر، وَعز بِلَا ذل، وَعلم بِلَا جهل. قَالُوا: وَلَا كلمة فِي اللُّغَة أجمع لِلْخَيْرَاتِ مِنْهُ، وَالْعرب تَقول لكل من أصَاب خيرا: مُفْلِح، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: أَفْلح الرجل وأنجح: أدْرك مَطْلُوبه.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (من أهل نجد) فِي مجل الرّفْع لِأَنَّهُ صفة لقَوْله: رجل. قَوْله: (ثَائِر الرَّأْس) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه صفة لرجل، وَأما النصب فعلى أَنه حَال، وَهَهُنَا سؤالان أَحدهمَا: ذكره الْكرْمَانِي وَأجَاب عَنهُ، وَهُوَ أَن شَرط الْحَال أَن تكون نكرَة، وَهُوَ مُضَاف فَيكون معرفَة فَأجَاب: بِأَن إِضَافَته لفظية فَلَا تفِيد إلَاّ تَخْفِيفًا. وَالْآخر: ذكرته فِي

شرح سنَن أبي دَاوُد، وَهُوَ أَنه إِذا وَقع الْحَال عَن النكرَة وَجب تَقْدِيم الْحَال على ذِي الْحَال، فَكيف يكون هَذَا حَالا؟ قلت: يجوز وُقُوع صَاحبهَا نكرَة من غير تَأْخِير إِذا اتّصف بِشَيْء كَمَا فِي الْمُبْتَدَأ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم أمرا من عندنَا} (الدُّخان: ٤) أَو أضيف، نَحْو: جَاءَ غُلَام رجل قَائِما، أَو وَقع بعد نفي كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إلَاّ وَلها كتاب مَعْلُوم} (الْحجر: ٤) وَهنا اتصفت النكرَة بقوله: من أهل نجد، فَافْهَم. قَوْله: (يسمع) بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول، (ودوي صَوته) كَلَام أضافي مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَفِي رِوَايَة: نسْمع، بالنُّون المصدرة للْجَمَاعَة، ودوي صَوته بِالنّصب على أَنه مفعول، وَكَذَلِكَ: وَلَا نفقه، بالنُّون. وَقَوله: (مَا يَقُول) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول، وَهَذِه الرِّوَايَة هِيَ الْمَشْهُورَة، وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَاد. وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، و: يَقُول، جملَة صلتها، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: مَا يَقُوله. قَوْله: (حَتَّى) هُنَا للغاية بِمَعْنى: إِلَى أَن دنا. قَوْله: (فَإِذا) هِيَ الَّتِي للمفاجأة. وَقَوله: (هُوَ) مُبْتَدأ، و: (يسْأَل عَن الْإِسْلَام) خَبره. وَقد علم أَن إِذا الَّتِي للمفاجأة تخْتَص بالجمل الاسمية، وَلَا تحْتَاج إِلَى الْجَواب، وَلَا تقع فِي الِابْتِدَاء. وَمَعْنَاهُ الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال، وَهِي حرف عِنْد الْأَخْفَش وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك، وظرف مَكَان، عِنْد الْمبرد وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور؛ وظرف زمَان عِنْد الزّجاج وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ. قَوْله: (خمس صلوَات) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجر. أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ خمس صلوَات. وَأما النصب فعلى تَقْدِير: خُذ خمس صلوَات أَو هاك ... أَو نَحْوهمَا. وَأما الْجَرّ فعلى أَنه بدل من الْإِسْلَام، وَفِيه حذف أَيْضا تَقْدِيره إِقَامَة خمس صلوَات. عين الصَّلَوَات الْخمس لَيست عين الاسلام، بل إِقَامَتهَا من شرائع الْإِسْلَام. قَوْله: (فَقَالَ) أَي: الرجل الْمَذْكُور، و: (هَل) للاستفهام، و (غَيرهَا) بِالرَّفْع مُبْتَدأ و (عَليّ) مقدما خَبره. قَوْله: (فَقَالَ: لَا) ، أَي: فَقَالَ الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، لَيْسَ عَلَيْك شَيْء غَيرهَا. قَوْله: (إِلَّا أَن تطوع) اسْتثِْنَاء من قَوْله: لَا، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَصِيَام شهر رَمَضَان) كَلَام إضافي مَرْفُوع عطف على قَوْله: خمس صلوَات. قَوْله: (قَالَ وَذكر لَهُ رَسُول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) أَي: قَالَ الرَّاوِي، وَهُوَ طَلْحَة بن عبيد الله. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) جملَة حَالية. قَوْله: (افلح) أَي الرجل. قَوْله: (إِن صدق) أَي فِي كَلَامه وَجَوَاب أَن مَحْذُوف فَافْهَم.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (جَاءَ رجل) ، هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة أَخُو بني سعد بن بكر، قَالَه القَاضِي مستدلاً بِأَن البُخَارِيّ سَمَّاهُ فِي حَدِيث اللَّيْث، يُرِيد مَا أخرجه فِي بَاب الْقِرَاءَة، وَالْعرض على الْمُحدث عَن شريك عَن أنس قَالَ: (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس فِي الْمَسْجِد، إِذْ دخل رجل على جمل، فأناخه فِي الْمَسْجِد) وَفِيه (ثمَّ قَالَ: أَيّكُم مُحَمَّد؟) وَذكر الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ: (وَأَنا ضمام بن ثَعْلَبَة أَخُو بني سعد بن بكر) ، فَجعل حَدِيث طَلْحَة هَذَا وَحَدِيث أنس هَذَا لَهُ، وَتَبعهُ ابْن بطال وَغَيره وَفِيه نظر لتباين ألفاظهما، كَمَا نبه عَلَيْهِ الْقُرْطُبِيّ، وَأَيْضًا فَإِن إِبْنِ إِسْحَاق فَمن بعده: كَابْن سعد وَابْن عبد الْبر لم يذكرُوا لضمام غير حَدِيث أنس. قَوْله: (ثَائِر الرَّأْس) أَي: ثَائِر شعر الرَّأْس، وَأطلق اسْم الرَّأْس على الشّعْر، إِمَّا لِأَن الشّعْر مِنْهُ ينْبت، كَمَا يُطلق اسْم السَّمَاء على الْمَطَر لِأَنَّهُ من السَّمَاء ينزل، وَإِمَّا لأنَّه جعل نفس الرَّأْس ذَا ثوران على طَرِيق الْمُبَالغَة، أَو يكون من بَاب حذف الْمُضَاف بِقَرِينَة عقلية. قَوْله: (عَن الْإِسْلَام) أَي: عَن أَرْكَان الاسلام، وَلَو كَانَ السُّؤَال عَن نفس الْإِسْلَام كَانَ الْجَواب غير هَذَا، لِأَن الْجَواب يَنْبَغِي أَن يكون مطابقا للسؤال، فَلَمَّا أجَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله: (خمس صلوَات) عرف أَن سُؤَاله كَانَ عَن أَرْكَان الْإِسْلَام وشرائعه، فَأجَاب مطابقا لسؤاله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيُمكن أَنه سَأَلَهُ عَن حَقِيقَة الْإِسْلَام، وَقد ذكر لَهُ الشَّهَادَة فَلم يسْمعهَا طَلْحَة مِنْهُ لبعد مَوْضِعه، أَو لم يَنْقُلهُ لشهرته. قلت: هَذَا بعيد، إِذْ لَو كَانَ السُّؤَال عَن حَقِيقَة الْإِسْلَام لما كَانَ الْجَواب مطابقا للسؤال، وَفِيه نِسْبَة الرَّاوِي الصَّحَابِيّ إِلَى التَّقْصِير فِي إبلاغ كَلَام الرَّسُول، وَقد ندب النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، إِلَى ضبط كَلَامه وَحفظه وإبلاغه مثل مَا سَمعه مِنْهُ فِي حَدِيثه الْمَشْهُور. قَوْله: (إِلَّا أَن تطوع) هَذَا الِاسْتِثْنَاء يجوز أَن يكون مُنْقَطِعًا، بِمَعْنى: لَكِن، وَيجوز أَن يكون مُتَّصِلا واختارت الشَّافِعِيَّة الِانْقِطَاع، وَالْمعْنَى: لَكِن اسْتحبَّ لَك أَن تطوع، واختارت الْحَنَفِيَّة الِاتِّصَال فَإِنَّهُ هُوَ

الأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء، ويستدل بِهِ على أَن من شرع فِي صَلَاة نفل أَو صَوْم نفل وَجب عَلَيْهِ اتمامه، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) وبالاتفاق على أَن حج التَّطَوُّع يلْزم بِالشُّرُوعِ. وَلما حملت الشَّافِعِيَّة على الِانْقِطَاع قَالُوا: لَا تلْزم النَّوَافِل بِالشُّرُوعِ، وَلَكِن يسْتَحبّ لَهُ إِتْمَامه، وَلَا يجب بل يجوز قطعه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الحَدِيث متمسك لنا فِي أصلين: أَحدهمَا فِي شُمُول عدم الْوُجُوب فِي غير مَا ذكر فِي الحَدِيث، كَعَدم وجوب الْوتر. وَالثَّانِي: فِي أَن الشُّرُوع غير مُلْزم لِأَنَّهُ نفي وجوب شَيْء آخر مُطلقًا شرع فِيهِ أَو لم يشرع، وَتمسك الْخصم بِهِ على أَن الشُّرُوع مُلْزم لِأَنَّهُ نفي وجوب شَيْء آخر إلَاّ مَا تطوع بِهِ، وَالِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات، فَيكون الْمُثبت بِالِاسْتِثْنَاءِ وجوب مَا تطوع بِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوب. قَالَ: وَهَذَا مغالطة، لِأَن هَذَا الِاسْتِثْنَاء من وَادي قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٥٦) أَي: لَا يجب شَيْء إلَاّ أَن اتطوع، وَقد علم أَن التَّطَوُّع لَيْسَ بِوَاجِب، فَلَا يجب شَيْء آخر أصلا. قلت: أما الأول: فَلَا نسلم شُمُول عدم الْوُجُوب مُطلقًا، بل الشُّمُول بِالنّظرِ إِلَى تِلْكَ الْحَالة، وَوقت الْإِخْبَار، وَالْوتر لم يكن وَاجِبا حِينَئِذٍ، يدل عَلَيْهِ أَنه لم يذكر الْحَج وَالْوتر مثله. وَأما الثَّانِي: فَلَيْسَ من وَادي قَوْله تَعَالَى: {لَا يذوقون فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الموتة الأولى} (الدُّخان: ٥٦) على أَن يكون الْمَعْنى: لَا يجب شَيْء، إلَاّ أَن تطوع، بل معنى إلَاّ أَن تطوع: أَن تشرع فِيهِ، فَيصير وَاجِبا كَمَا يصير وَاجِبا بِالنذرِ. وَقَالَ بَعضهم: من قَالَ: إِنَّه مُنْقَطع احْتَاجَ إِلَى دَلِيل، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا روى النَّسَائِيّ وَغَيره أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْم التَّطَوُّع ثمَّ يفْطر، وَفِي البُخَارِيّ أَنه أَمر جوَيْرِية بنت الْحَارِث أَن تفطر يَوْم الْجُمُعَة. بعد أَن شرعت فِيهِ، فَدلَّ على أَن الشُّرُوع فِي الْعِبَادَة لَا يسْتَلْزم الْإِتْمَام إلَاّ إِذا كَانَت نَافِلَة بِهَذَا النَّص فِي الصَّوْم، وبالقياس فِي الْبَاقِي. قلت: من الْعجب أَن هَذَا الْقَائِل كَيفَ لم يذكر الْأَحَادِيث الدَّالَّة على استلزام الشُّرُوع فِي الْعِبَادَة بالإتمام، وعَلى الْقَضَاء بالإفساد، وَقد روى أَحْمد فِي مُسْنده، عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، قَالَت: أَصبَحت أَنا وَحَفْصَة صائمتين، فأهديت لنا شَاة فأكلنا مِنْهَا، فَدخل علينا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَخْبَرنَاهُ فَقَالَ: (صوما يَوْمًا مَكَانَهُ) . وَفِي لفظ آخر: بَدَلا، أَمر بِالْقضَاءِ. وَالْأَمر للْوُجُوب، فَدلَّ على أَن الشُّرُوع ملزوم، وَأَن الْقَضَاء بالإفساد وَاجِب. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عَن أم سَلمَة أَنَّهَا صَامت يَوْمًا تَطَوّعا فأفطرت، فَأمرهَا النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، أَن تقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَحَدِيث النَّسَائِيّ لَا يدل على أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، ترك الْقَضَاء بعد الْإِفْطَار، وإفطاره رُبمَا كَانَ عَن عذر. وَحَدِيث جوَيْرِية إِنَّمَا أمرهَا بالأفطار عِنْد تحقق وَاحِد من الْأَعْذَار: كالضيافة، وكل مَا جَاءَ من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب فَمَحْمُول على مثل هَذَا، وَلَو وَقع التَّعَارُض بَين الْأَخْبَار، فالترجيح مَعْنَاهُ لثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة، وَالثَّانِي: أَن أحاديثنا مثبتة وأحاديثهم نَافِيَة، والمثبت مقدم. وَالثَّالِث: أَنه احْتِيَاط فِي الْعِبَادَة فَافْهَم. قَوْله: (وَذكر لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الزَّكَاة) هَذَا قَول الرَّاوِي، كَأَنَّهُ نسي مَا نَص عَلَيْهِ رَسُول الله والتبس عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَذكر لَهُ الزَّكَاة، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: وَذكر لَهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، الصَّدَقَة. وَالْمرَاد مِنْهَا: الزَّكَاة أَيْضا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} (التَّوْبَة: ٦٠) وَهَذَا يُؤذن بِأَن مُرَاعَاة الْأَلْفَاظ مَشْرُوطَة فِي الرِّوَايَة، فَإِذا الْتبس عَلَيْهِ يُشِير فِي لَفظه إِلَى مَا ينبىء عَنهُ، كَمَا فعل الرَّاوِي هَهُنَا، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر قَالَ: (فَأَخْبرنِي بِمَا فرض الله عَليّ من الزَّكَاة) . قَالَ: فَأخْبر رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بشرائع الْإِسْلَام. قَوْله: (وَالله لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص) ، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر: (وَالَّذِي أكرمك) أَي: لَا أَزِيد على مَا ذكرت وَلَا أنقص مِنْهُ شَيْئا. قَوْله: (أَفْلح إِن صدق) وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عِنْد مُسلم: (أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق، أَو دخل الْجنَّة وَأَبِيهِ إِن صدق) . وَلأبي دَاوُد مثله، لَكِن بِحَذْف: أَو. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قيل: الْفَلاح رَاجع إِلَى لفظ: وَلَا أنقص خَاصَّة، وَالْمُخْتَار أَنه رَاجع إِلَيْهِمَا بِمَعْنى أَنه إِذا لم يزدْ وَلم ينقص كَانَ مفلحا، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، وَمن أَتَى بِمَا عَلَيْهِ كَانَ مفلحا، وَلَيْسَ فِيهِ أَنه إِذا أَتَى بزائد على ذَلِك لَا يكون مفلحا، لِأَن هَذَا مِمَّا يعرف بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُ إِذا أَفْلح بِالْوَاجِبِ ففلاحه بالمندوب مَعَ الْوَاجِب أولى، وَقَالَ ابْن بطال: دلّ قَوْله: أَفْلح إِن صدق على أَنه إِن لم يصدق فِي التزامها أَنه لَيْسَ بمفلح، وَهَذَا خلاف قَول المرجئة. وَيُقَال: يحْتَمل أَن يكون السَّائِل رَسُولا، فَحلف أَن لَا أَزِيد فِي الإبلاغ على مَا سَمِعت، وَلَا أنقص فِي تَبْلِيغ مَا سمعته مِنْك إِلَى قومِي. وَيُقَال: يحْتَمل صُدُور هَذَا الْكَلَام مِنْهُ على الْمُبَالغَة فِي التَّصْدِيق وَالْقَبُول، أَي: قبلت قَوْلك فِيمَا سَأَلتك عَنهُ قبولاً لَا مزِيد عَلَيْهِ من جِهَة السُّؤَال، وَلَا نُقْصَان فِيهِ من طرق الْقبُول. وَيُقَال: يحْتَمل أَن هَذَا كَانَ قبل شَرْعِيَّة أَمر آخر، وَيُقَال: يحْتَمل أَنه أَرَادَ: لَا أَزِيد عَلَيْهِ بتغيير حَقِيقَته، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أُصَلِّي الظّهْر خمْسا. وَيُقَال: يحْتَمل أَنه أَرَادَ أَنه لَا يُصَلِّي النَّوَافِل بل يحافظ على كل الْفَرَائِض، وَهَذَا مُفْلِح بِلَا شكّ، وَإِن كَانَت مواظبته على ترك النَّوَافِل مذمومة. وَيُقَال: يحْتَمل أَنه المُرَاد أَنِّي لَا أَزِيد على

شرائع الْإِسْلَام وَلَا أنقص مِنْهَا شَيْئا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام قَالَ: (وَالَّذِي أكرمك لَا أتطوع شَيْئا وَلَا أنقص مِمَّا فرض الله تَعَالَى عَليّ شَيْئا) .

بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: ان الصَّلَاة ركن من أَرْكَان الاسلام. الثَّانِي: أَنَّهَا خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة. الثَّالِث: ان الصَّوْم أَيْضا ركن من أَرْكَان الاسلام، وَهُوَ فِي كل سنة شهر وَاحِد. الرَّابِع: أَن الزَّكَاة أَيْضا ركن من أَرْكَان الاسلام. الْخَامِس: عدم وجوب قيام اللَّيْل، وَهُوَ إِجْمَاع فِي حق الامة، وَكَذَا فِي حق سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الاصح. السَّادِس: عدم وجوب الْعِيدَيْنِ. وَقَالَ الاصطخري، من أَصْحَاب الشَّافِعِي: صَلَاة الْعِيدَيْنِ فرض كِفَايَة. السَّابِع: عدم وجوب صَوْم عَاشُورَاء وَغَيره سوى رَمَضَان، وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ الْآن، وَاخْتلفُوا أَن صَوْم عَاشُورَاء كَانَ وَاجِبا قبل رَمَضَان أم لَا؟ فَعِنْدَ الشَّافِعِي فِي الْأَظْهر مَا كَانَ وَاجِبا، وَعند أبي حنيفَة، رَضِي الله عَنهُ، كَانَ وَاجِبا، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيّ. الثَّامِن: انه لَيْسَ فِي المَال حق سوى الزَّكَاة على من ملك نِصَابا وَتمّ عَلَيْهِ الْحول. التَّاسِع: أَن من يَأْتِي بالخصال الْمَذْكُورَة ويواظب عَلَيْهَا صَار مفلحاً بِلَا شكّ. الْعَاشِر: أَن السّفر والارتحال من بلد إِلَى بلد لأجل تعلم علم الدّين وَالسُّؤَال عَن الأكابر أَمر مَنْدُوب. الْحَادِي عشر: جَوَاز الْحلف بِاللَّه تَعَالَى من غير استحلاف وَلَا ضَرُورَة، لِأَن الرجل حلف هَكَذَا بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يُنكر عَلَيْهِ. الثَّانِي عشر: صِحَة الِاكْتِفَاء بالاعتقاد من غير نظر وَلَا اسْتِدْلَال، لكنه يحْتَمل ان ذَلِك صَحَّ عَنهُ بِالدَّلِيلِ. وَإِنَّمَا أشكلت عَلَيْهِ الْأَحْكَام. الثَّالِث عشر: فِيهِ الرَّد على المرجئة، إِذْ شَرط فِي فلاحه أَن لَا ينقص من الْأَعْمَال والفرائض الْمَذْكُورَة. الرَّابِع عشر: فِيهِ جَوَاز قَول: رَمَضَان، من غير ذكر: شهر. الْخَامِس عشر: فِيهِ اسْتِعْمَال الصدْق فِي الْخَبَر الْمُسْتَقْبل، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْكَذِب مُخَالفَة الْخَبَر فِي الْمَاضِي، وَالْحلف فِي مُخَالفَته فِي الْمُسْتَقْبل، فَيجب على هَذَا أَن يكون الصدْق فِي الْخَبَر عَن الْمَاضِي، وَالْوَفَاء فِي الْمُسْتَقْبل، وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا يرد عَلَيْهِ مَعَ قَوْله تَعَالَى {ذَلِك وعد غير مَكْذُوب} (هود: ٦٥) .

الاسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: كَيفَ أثبت لَهُ الْفَلاح بِمُجَرَّد مَا ذكر مَعَ أَنه لم يذكر المنهيات وَلَا جَمِيع الْوَاجِبَات؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، فِي آخر هَذَا الحَدِيث، قَالَ: فاخبره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشرائع الْإِسْلَام، فَأَدْبَرَ الرجل وَهُوَ يَقُول: لَا أَزِيد وَلَا أنقص مِمَّا فرض الله عَليّ شَيْئا، فعلى عُمُوم قَوْله بشرائع الْإِسْلَام، وَقَوله: مِمَّا فرض الله، يَزُول الْإِشْكَال فِي الْفَرَائِض. وَأما النَّوَافِل فَقيل: يحْتَمل أَن هَذَا كَانَ قبل شرعها، وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ أَنه لَا يُصَلِّي النَّافِلَة مَعَ أَنه لَا يخل بِشَيْء من الْفَرَائِض، وَأما المنهيات فَإِنَّهَا دَاخِلَة فِي شرائع الْإِسْلَام. وَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك وَقع قبل وُرُود النَّهْي. قلت: فِيهِ نظر، لِأَنَّهُ جزم بِأَن السَّائِل هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة وَقد قيل إِنَّه وَفد سنة خمس، وَقيل: بعد ذَلِك، وَكَانَ أَكثر المنهيات وَاقعَة قبل ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّه لم يذكر الْحَج فِي هَذَا الحَدِيث. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يفْرض حِينَئِذٍ أَو لِأَن الرجل سَأَلَ عَن حَاله حَيْثُ قَالَ: هَل عَليّ غَيرهَا؟ فاجاب عَلَيْهِ السَّلَام بِمَا عرف من حَاله، وَلَعَلَّه مِمَّن لم يكن الْحَج وَاجِبا عَلَيْهِ. وَقيل: لم يَأْتِ فِي هَذَا الحَدِيث بِالْحَجِّ كَمَا لم يذكر فِي بَعْضهَا الصَّوْم وَفِي بَعْضهَا الزَّكَاة، وَقد ذكر فِي بَعْضهَا صلَة الرَّحِم وَفِي بَعْضهَا أَدَاء الْخمس، فتفاوتت هَذِه الْأَحَادِيث فِي عدد خِصَال الْإِيمَان زِيَادَة ونقصاناً، وَسبب ذَلِك تفَاوت الروَاة فِي الْحِفْظ والضبط، فَمنهمْ من إقتصر على مَا حفظه فأداه وَلم يتَعَرَّض لما زَاده غَيره بِنَفْي وَلَا اثبات، وَذَلِكَ لَا يمْنَع من ايراد الْجَمِيع فِي الصَّحِيح، لما عرفت أَن زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة، وَالْقَاعِدَة الْأُصُولِيَّة فِيهَا أَن الحَدِيث إِذا رَوَاهُ راويان، واشتملت إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ على زِيَادَة، فَإِن لم تكن مُغيرَة لإعراب الْبَاقِي قبلت، وَحمل ذَلِك على نِسْيَان الرَّاوِي أَو ذُهُوله أَو اقْتِصَاره بِالْمَقْصُودِ مِنْهُ فِي صُورَة الاستشهاد، وَإِن كَانَت مُغيرَة تَعَارَضَت الرِّوَايَتَانِ وَتعين طلب التَّرْجِيح، فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ أقره على حلفه وَقد ورد النكير على من حلف أَن لَا يفعل خيرا؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال والأشخاص، وَهَذَا جَار على الأَصْل بِأَنَّهُ لَا إِثْم على غير تَارِك الْفَرَائِض فَهُوَ مُفْلِح، وَإِن كَانَ غَيره أَكثر فلاحاً مِنْهُ. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ الْجمع بَين حلفه بقوله: وَأَبِيهِ إِن صدق، مَعَ نَهْيه عَن الْحلف بِالْآبَاءِ؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك كَانَ قبل النَّهْي، أَو بِأَنَّهَا كلمة جَارِيَة على اللِّسَان لَا يقْصد بهَا الْحلف، كَمَا جرى على لسانهم: عقرى حلقى، وتربت يَمِينك، وَالنَّهْي إِنَّمَا ورد فى القاصد بِحَقِيقَة الْحلف

لما فِيهِ من تَعْظِيمه الْمَخْلُوق، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح عِنْد الْعلمَاء. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف مُضَاف تَقْدِيره: وَرب أَبِيه، فاضمر ذَلِك فِيهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يضمر بل يذهب فِيهِ، وَسمعت بعض مَشَايِخنَا يُجيب بجوابين آخَرين: أَحدهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون الحَدِيث: أَفْلح وَالله، فقصر الْكَاتِب اللامين فَصَارَت: وَأَبِيهِ، وَالْآخر: خُصُوصِيَّة ذَلِك بالشارع دون غَيره، وَهَذِه دَعْوَى لَا برهَان عَلَيْهَا. وَأغْرب الْقَرَافِيّ حَيْثُ قَالَ: هَذِه اللَّفْظَة وَهِي: وابيه، اخْتلف فِي صِحَّتهَا، فَإِنَّهَا لَيست فِي الْمُوَطَّأ، وَإِنَّمَا فِيهَا افلح إِن صدق، وَهَذَا عَجِيب، فَالزِّيَادَة ثَابِتَة لَا شكّ فِي صِحَّتهَا وَلَا مرية.

٣٥ - (بابُ اتِّبَاعُ الْجَنائِزِ مِنَ الإِيمَان)

أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَيجوز ترك التَّنْوِين بإضافته إِلَى الْجُمْلَة، اعني: قَوْله اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان، فَقَوله: (اتِّبَاع الْجَنَائِز) كَلَام أضافي مُبْتَدأ. وَقَوله: (من الْإِيمَان) خَبره اي: اتِّبَاع الْجَنَائِز شُعْبَة من شعب الْإِيمَان، وَاتِّبَاع بتَشْديد التَّاء مصدر اتبع من بَاب الافتعال، والجنائز جمع جَنَازَة، بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة والمكسورة، وَالْكَسْر أفْصح، وَقيل بِالْفَتْح للْمَيت، وبالكسر للنعش، وَعَلِيهِ الْمَيِّت. وَقيل: عَكسه مُشْتَقَّة من جنز، اذا ستر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ، والعامة تَقول بِالْفَتْح، وَالْمعْنَى: للْمَيت على السرير وَإِذا لم يكن عَلَيْهِ الْمَيِّت فَهُوَ سَرِير ونعش، وَفِي (الْعباب) لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: السرير؛ والجنازة، بِالْفَتْح: الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن السّكيت وَابْن قُتَيْبَة: يُقَال: الْجِنَازَة والجنازة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَيِّت نَفسه، قَالَ: والعوام يتوهمون أَنه السرير. وَقَالَ النَّضر: الْجِنَازَة: السرير مَعَ الرجل جَمِيعًا. وَقَالَ الْخَلِيل: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: خشب الشرجع، وَقد جرى فِي أَفْوَاه النَّاس الْجِنَازَة بِالْفَتْح، والنحارير يُنكرُونَ ذَلِك. وَقَالَ غَيره: إِذا لم يكن عَلَيْهِ ميت فَهُوَ سَرِير أَو نعش، وكل شَيْء ثقل على قوم واغتموا بِهِ فَهُوَ جَنَازَة. وَقَالَ ابْن عباد: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَرِيض، وَطعن فلَان فِي جنَازَته، وَرمى فِي جنَازَته إِذا مَاتَ. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: جنزت الشَّيْء أجنزه جنزاً إِذا سترته، وَزعم قوم أَن مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة. قَالَ: وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّته. وَقَالَ اللَّيْث: جنز الشَّيْء إِذا جمع، وَقيل: مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة، لِأَن الثِّيَاب تجمع على الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: إِن النوار لما احتضرت أوصت أَن يُصَلِّي عَلَيْهَا الْحسن الْبَصْرِيّ، فاخبر الْحسن بذلك فَقَالَ: إِذا جنزتموها فآذنوني. قَالَ: فاسترككنا هَذِه الْكَلِمَة من الْحسن يَوْمئِذٍ، يَعْنِي: التجنيز. فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: الانسان لَهُ حالتان: حَالَة الْحَيَاة وَحَالَة الْمَمَات، فالمذكور فِي الْبَاب الأول هُوَ أَرْكَان الدّين الَّتِي يحصل الثَّوَاب بإقامتها بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِدُونِ وَاسِطَة، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الثَّوَاب الَّذِي يحصل بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِوَاسِطَة الْأَمْوَات. وَقَالَ بَعضهم: ختم المُصَنّف التراجم الَّتِي وَقعت لَهُ من شعب الْإِيمَان بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، لِأَن ذَلِك آخر أَحْوَال الدُّنْيَا. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ بَقِي من الْأَبْوَاب المترجمة بشعب الْإِيمَان بَاب: أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، وَهُوَ مَذْكُور بعد أَرْبَعَة أَبْوَاب من هَذَا الْبَاب، وَكَيف يَصح أَن يُقَال ختم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة التراجم الْمَذْكُورَة؟ فان قلت: مَا وَجه قَوْله فِي الْبَاب السَّابِق: بَاب الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَفِي هَذَا الْبَاب: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان؟ قلت: رَاعى الْمُنَاسبَة والمطابقة فيهمَا، فَإِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول لفظ: الاسلام، حَيْثُ قَالَ: (فَإِذا هُوَ يسْأَل عَن الْإِسْلَام) وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب لفظ الْإِيمَان، حَيْثُ قَالَ: من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا، فترجم الْبَاب على لَفْظَة الْإِيمَان.

٤٧ - حدّثنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ قَالَ حّدثنا رَوْحٌ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ ومُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُريْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَاناً واحْتِساباً وكانَ مَعَهُ حتَّى يُصَلَّى عَلَيْها وُيفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فانَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطْينِ كُلُّ قيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ ومَنْ صَلَّى علَيْهَا ثُمَّ رجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ فإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، من حَيْثُ أَن مُبَاشرَة الْعَمَل الَّذِي فِيهِ الثَّوَاب قدر قيراطين، والقيراط مثل جبل أحد، شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَرَأَيْت من ذكر من الشُّرَّاح وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، قد تعلق بقوله: إِيمَانًا واحتساباً. وَهَذَا لَا وَجه لَهُ.

فان المُرَاد من معنى الْإِيمَان هَهُنَا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، مَعْنَاهُ: مُصدقا بِأَنَّهُ حق وَطَاعَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَفِي قَوْله: واحتساباً مُسْتَوفى فِي بَاب قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: احْمَد بن عبد الله بن عَليّ بن سُوَيْد بن منجوف، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضم الْجِيم وَفِي آخِره فَاء، وَمَعْنَاهُ: الموسع، ونسبته إِلَيْهِ، وكنيته أَبُو بكر السدُوسِي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ وابو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، بن عبَادَة بن الْعَلَاء بن حسان بن عمر بن مرْثَد الْبَصْرِيّ، قَالَ الْخَطِيب: كَانَ كثير الحَدِيث، وصنف الْكتب فِي السّنَن وَالْأَحْكَام وَالتَّفْسِير، وَكَانَ ثِقَة. قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: نظرت لروح بن عبَادَة فِي أَكثر من مائَة الف حَدِيث، كتبت مِنْهَا عشرَة آلَاف. وَقَالَ يحيى بن معِين: لَا بَأْس بِهِ صَدُوق، توفّي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عَوْف، بِالْفَاءِ، ابْن أبي جميلَة بندويه، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالنُّون الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة المضمومة وواو سَاكِنة وياء آخر الْحُرُوف مَفْتُوحَة، وَغلط من قَالَ بِوَزْن: رَاهَوَيْه، وَقيل: اسْمه بنده أَي: العَبْد، يعرف بالأعرابى، وَلم يكن أَعْرَابِيًا، وَإِنَّمَا قيل لفصاحته، الْعَبْدي الهجري الْبَصْرِيّ، سمع جمعا من كبار التَّابِعين مِنْهُم الْحسن، وَعنهُ الْأَعْلَام: الثَّوْريّ وَشعْبَة وَغَيرهمَا، وثقته مجمع عَلَيْهَا، ولد سنة تسع وَخمسين، وَمَات سنة سِتّ وَقيل: سنة سبع واربعين وَمِائَة، وَنسب إِلَى التَّشَيُّع، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقد مر ذكره. الْخَامِس: مُحَمَّد بن سِيرِين أَبُو بكر الْأنْصَارِيّ، مَوْلَاهُم، الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْجَلِيل، أَخُو أنس ومعبد وَيحيى وَحَفْصَة وكريمة أَوْلَاد سِيرِين، وَسِيرِين مولى أنس من سبي عين التَّمْر، وَإِذا أطلق إِبْنِ سِيرِين فَهُوَ: مُحَمَّد هَذَا، وَهَؤُلَاء السِّتَّة كلهم تابعيون، وَذكر أَبُو عَليّ الْحَافِظ خَالِدا بدل كَرِيمَة، قَالَ: واكبرهم معبد، وأصغرهم حَفْصَة. قلت: وَفِي أَوْلَاد سِيرِين أَيْضا: عمْرَة وَسَوْدَة. قَالَ ابْن سعد: أمهَا أم ولد كَانَت لأنس، وَذكر بَعضهم من أَوْلَاده أَيْضا: أشعب، فَهَؤُلَاءِ عشرَة. كَاتب أنس، رَضِي الله عَنهُ، سِيرِين على عشْرين ألف دِرْهَم، فأداها وَعتق، وَأم مُحَمَّد وأخوته صَفِيَّة مولاة الصّديق، طيبها ثَلَاث من أَزوَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَدَعَوْنَ لَهَا وَحضر أملاكها ثَلَاثَة عشر بَدْرِيًّا مِنْهُم: أبي بن كَعْب يَدْعُو وهم يُؤمنُونَ، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، قَالَ هِشَام بن حسان: أدْرك ثَلَاثِينَ صحابياً، ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ أكبر من أَخِيه أنس، وَعنهُ خلق من التَّابِعين: الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَأَيوب، مَاتَ سنة عشر وَمِائَة بعد الْحسن بِمِائَة يَوْم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: ابو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون مَا خلا أَبَا هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. وَمِنْهَا: أَن البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، قرن فِيهِ بَين الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين لما أسلفنا أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة عِنْد الْجُمْهُور، فقرنه بِمُحَمد بن سِيرِين لِأَنَّهُ سمع مِنْهُ، فالاعتماد عَلَيْهِ، وعَلى قَول من يَقُول: إِن الْحسن سمع مِنْهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا سمعا هَذَا الحَدِيث من أبي هُرَيْرَة مُجْتَمعين، وَإِمَّا ان يَكُونَا سمعا مِنْهُ مفترقين، وَإِنَّمَا أوردهُ البُخَارِيّ كَمَا سمع، وَقد وَقع لَهُ نَظِير هَذَا فِي قصَّة مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيثا من طَرِيق روح بن عبَادَة بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرج أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَنْهُمَا، عَن أبي هُرَيْرَة حَدِيثا آخر، واعتماده فِي كل ذَلِك على ابْن سِيرِين، لِأَن الْحسن، وَإِن صَحَّ سَمَاعه عَن أبي هُرَيْرَة، فَإِنَّهُ كثير الْإِرْسَال فَلَا تحمل عنعنته على السماع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: لم يَصح سَماع الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة، أَقُول: فعلى هَذَا التَّقْدِير يكون لفظ: عَن أبي هُرَيْرَة، مُتَعَلقا بِمُحَمد فَقَط، أَو يكون مُرْسلا. قلت: قَوْله: أَو يكون مُرْسلا، إِن أَرَادَ بِهِ أَن الحَدِيث يكون مُرْسلا، فَلَا يَصح، وَإِن أَرَادَ بِهِ الْإِرْسَال من جِهَة الْحسن فَلهُ وَجه على تَقْدِير عدم سَمَاعه من أبي هُرَيْرَة.

بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سَلام عَن اسحاق الْأَزْرَق، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، كِلَاهُمَا عَن عَوْف عَن مُحَمَّد بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (اتبع) ، بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: تبع، بِدُونِ الْألف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، يُقَال: تبِعت الشَّيْء تبعا وتباعة، بِفَتْح التَّاء، وَتبع وَاتبع وَاتبع وَاحِد، وَقيل: اتبعهُ: لحقه وَمَشى خَلفه، وَاتبعهُ: حذا

حذوه. وَفِي (الْعباب) : تبِعت الْقَوْم بِالْكَسْرِ اتبعهم تبعا وتباعة، بِالْفَتْح: إِذا مشيت خَلفهم، أَو مروا بك فمضيت مَعَهم، وَاتَّبَعت الْقَوْم مثل تبعتهم إِذا كَانُوا قد سبقوك فلحقتهم، وَاتَّبَعت أَيْضا غَيْرِي وَقَوله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن وَجُنُوده} (يُونُس: ٩٠) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي لحقهم أَو كَاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فَاتبعهُ الشَّيْطَان} (الْأَعْرَاف: ١٧٥) اي: لحقه، وَقَالَ الْفراء: يُقَال تبعه وَاتبعهُ. لحقه والحقه، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَأتبعهُ شهَاب ثاقب} (الصافات: ١٠) وَقَوله تَعَالَى: {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: ٨٥) و {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: ٨٥) بِقطع الْهمزَة فِي قِرَاءَة أهل الشَّام والكوفة، كل ذَلِك: لحق. وَقَالَ الْأَزْهَرِي فِي قَوْله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده} (يُونُس: ٩٠) أَرَادَ: اتبعهم إيَّاهُم. قَوْله: (ايماناً واحتساباً) قد مر الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي قيام لَيْلَة الْقدر. قَوْله: (يرجع) ، من الرُّجُوع لَا من الرجع. قَوْله: (قِيرَاط) ، أَصله: قراط، بتَشْديد الرَّاء بِدَلِيل جمعه على قراريط، فأبدل من إِحْدَى الرائين يَاء، كَمَا فِي الدِّينَار أَصله: دنار، بِدَلِيل جمعه على دَنَانِير، والقيراط فِي اللُّغَة: نصف دانق. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: القيراط جُزْء من أَجزَاء الدِّينَار، وَهُوَ نصف عشرَة فِي أَكثر الْبِلَاد، وَأهل الشَّام يجعلونه جزأ من أَرْبَعَة وَعشْرين جزأ، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ بعض الشَّيْء، وَفِي (الْعباب) : وزن القيراط يخْتَلف باخْتلَاف الْبِلَاد، فَهُوَ عِنْد أهل مَكَّة: ربع سدس الدِّينَار، وَعند أهل الْعرَاق: نصف عشر الدِّينَار. انْتهى. وَعند الْفُقَهَاء: القيراط جُزْء من عشْرين جزأ من الدِّينَار، وكل قِيرَاط ثَلَاث حبات، فَيكون الدِّينَار سِتِّينَ حَبَّة، وكل حَبَّة أَربع أرزات، فَيكون مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين أرزة. وَيُقَال: القيراط طسوجتان، والطسوجة حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ذرتان، والذرة فتيلتان. وَقد أَرَادَ الشَّارِع من القيراط هَهُنَا قدر جبل أحد، وَالْمَقْصُود أَن القيراط: مِقْدَار من الثَّوَاب مَعْلُوم عِنْد الله تَعَالَى وَهَذَا الحَدِيث يدل على عظم مِقْدَاره فِي هَذَا الْمَوْضُوع، وَلَا يلْزم من هَذَا أَن يكون هَذَا هُوَ القيراط الْمَذْكُور فِيمَن اقتنى كَلْبا إلَاّ كلب صيد أَو زرع أَو مَاشِيَة نقص من أجره كل يَوْم قِيرَاط. بل يجوز أَن يكون أقل مِنْهُ أَو أَكثر. قلت: بل الظَّاهِر أَن القيراط فِي الْأجر اعظم من القيراط الْمَذْكُور فِي نقص الْأجر، لِأَنَّهُ من قبيل الْمَطْلُوب تَركه. وَالْأول من قبيل الْمَطْلُوب فعله، وَهُوَ الصَّلَاة على الْجِنَازَة وَحُضُور دَفنهَا، وَقد رَأينَا عَادَة الشَّرْع تَعْظِيم الْحَسَنَات وتضعيفها دون السَّيِّئَات، كرماً مِنْهُ تَعَالَى وَرَحْمَة، ولطفاً. وَالْحَاصِل أَن القيراط: اسْم لمقدار من الثَّوَاب يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير، وَبَين فِي هَذَا الحَدِيث أَنه مثل أحد، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: القيراط أعظم من أحد. ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ. وفى رِوَايَة للْحَاكِم من حَدِيث أبي بن كَعْب مَرْفُوعا: (وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَهو فِي الْمِيزَان أثقل من أحد) . وَفِي اسناده: الْحجَّاج بن ارطأة، وَفِيه مقَال. وَفِي السّنَن الصِّحَاح المأثورة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من أُوذِنَ بِجنَازَة فَأتى أَهلهَا فعزاهم كتب الله لَهُ قيراطاً، فان شيعها كتب الله لَهُ قيراطين، فَإِن صلى عَلَيْهَا كتب الله لَهُ ثَلَاثَة قراريط، فَإِن شهد دَفنهَا كتب الله لَهُ أَرْبَعَة قراريط، القيراط مثل أحد) . قَوْله: (مثل أحد) بِضَمَّتَيْنِ: وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي بِجنب الْمَدِينَة على نَحْو ميلين مِنْهَا، وَهُوَ فِي شمال الْمَدِينَة، وَسمي بِهَذَا الإسم لتوحده وانقطاعه عَن جبال أُخْرَى هُنَالك. وَفِي الحَدِيث من طَرِيق أبي عِيسَى بن جبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أحد يحبنا ونحبه، وَهُوَ على بَاب الْجنَّة. قَالَ: وعير يبغضنا ونبغضه، وَهُوَ على بَاب من أَبْوَاب النَّار) . قَالَ السُّهيْلي: وَفِي أحد قبر هَارُون، عَلَيْهِ السَّلَام، أخي مُوسَى الكليم، وَفِيه قُبض، وثمة واراه مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَا قد مرا بِأحد حاجين أَو معتمرين.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وَمُحَمّد) بِالْجَرِّ، عطف على الْحسن. قَوْله: (من اتبع) كلمة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، و: اتبع، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل: (وجنازة مُسلم) كَلَام إضافي مَفْعُوله، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على الْحَال بِمَعْنى: مُؤمنا ومحتسباً، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب: تطوع قيام رَمَضَان من الْإِيمَان. قَوْله: (وَكَانَ مَعَه) أَي: مَعَ الْمُسلم، هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَكَانَ مَعهَا، أَي مَعَ الْجِنَازَة، وَهَذِه الْجُمْلَة عطف على قَوْله: اتبع. قَوْله: (حَتَّى يُصلي عَلَيْهَا) على صِيغَة الْمَعْلُوم، بِكَسْر اللَّام، وَالضَّمِير فِي: يُصَلِّي، يرجع إِلَى: من، وَفِي: عَلَيْهَا، إِلَى: الْجِنَازَة. ويروى بِفَتْح اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: عَلَيْهَا، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَكَذَلِكَ رُوِيَ (ويفرغ من دَفنهَا) على الْوَجْهَيْنِ، و: حَتَّى، هَذِه للغاية، وَأَن الناصبة بعْدهَا مضمرة، وَقَوله: يُصَلِّي ويفرغ، منصوبان بهَا. قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي قَوْله: من، وَإِنَّمَا دخلت الْفَاء لتَضَمّنه معنى الشَّرْط، كَمَا ذكرنَا. وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة، فَإِن قلت: مَا مَحل قَوْله: من الْأجر؟ قلت: حَال من قَوْله: (بقيراطين) ، وَفِي الْحَقِيقَة هِيَ صفة وَلكنهَا لما قدمت صَارَت حَالا. وَالْبَاء فِي: بقيراطين، تتَعَلَّق بقوله: يرجع. قَوْله: (كل قِيرَاط) كَلَام إضافي

مُبْتَدأ. وَقَوله: (مثل أحد) أَيْضا كَلَام إضافي خَبره. وَاحِد منصرف لِأَنَّهُ علم الْمُذكر. قَوْله: (وَمن صلى) مثل قَوْله: (من اتبع جَنَازَة مُسلم) . وَقَوله: (ثمَّ رَجَعَ) عطف على: صلى. قَوْله: (قبل ان تدفن) نصب على الظّرْف، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: قبل الدّفن. وَقَوله: (فانه) خبر الْمُبْتَدَأ، كَمَا فِي الأول. قَوْله: (من الاجر) حَال من قَوْله: (بقيراط) .

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقيراطين) حُصُول القيراطن هَهُنَا مُقَيّد بِثَلَاثَة أَشْيَاء. الأول: الِاتِّبَاع، وَالثَّانِي: الصَّلَاة عَلَيْهِ. وَالثَّالِث: حُضُور الدّفن. فَإِن قلت: لَو اتبع حَتَّى دفنت وَلم يصل عَلَيْهَا هَل لَهُ القيراطان؟ قلت: لَا، إِذْ المُرَاد أَن يُصَلِّي هُوَ أَيْضا، جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ وحملاً للمطلق على الْمُقَيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اعْلَم أَن الصَّلَاة يحصل بهَا قِيرَاط إِذا انْفَرَدت، فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهَا الِاتِّبَاع حَتَّى الْفَرَاغ حصل لَهُ قِيرَاط ثَان، فَلِمَنْ صلى وَحضر الدّفن القيراطان، وَلمن اقْتصر على الصَّلَاة قِيرَاط وَاحِد، وَلَا يُقَال: يحصل بِالصَّلَاةِ مَعَ الدّفن ثَلَاثَة قراريط، كَمَا يتوهمه بَعضهم من ظَاهر بعض الْأَحَادِيث، وَلِأَن هَذَا النَّوْع صَرِيح، والْحَدِيث الْمُطلق والمحتمل مَحْمُول عَلَيْهِ، وَأما الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط وَمن تبعها حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان) فَمَعْنَاه: فَلهُ تَمام قيراطين بالمجموع. وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: {ائنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الارض فى يَوْمَيْنِ} (فصلت: ٩) إِلَى قَوْله: {فى اربعة أَيَّام} (فصلت: ١٠) ثمَّ قَالَ: {فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ} قَالَ: وَأما الدّفن فَفِيهِ وَجْهَان: الصَّحِيح: أَنه تَسْوِيَة الْقَبْر بالتمام، وَالثَّانِي: انه نصب اللَّبن عَلَيْهِ، وان لم يهل عَلَيْهِ التُّرَاب. قَالَ: ثمَّ فِي الحَدِيث تَنْبِيه على مَسْأَلَة أُخْرَى، وَهُوَ: ان القيراط الثَّانِي مُقَيّد بِمن اتبعها، وَكَانَ مَعهَا فى جميح الطَّرِيق حَتَّى تدفن، فَلَو صلى وَذهب إِلَى الْقَبْر وَحده، وَمكث حَتَّى جَاءَت الْجِنَازَة وَحضر الدّفن لم يحصل لَهُ القيراط الثَّانِي، وَكَذَا لَو حضر الدّفن وَلم يصل، أَو اتبعها وَلم يصل فَلَيْسَ فِي الحَدِيث حُصُول القيراط لَهُ، وَإِنَّمَا حصل القيراط لمن تبعها بعد الصَّلَاة، لكنه لَهُ أجر فِي الْجُمْلَة، وَعَن أَشهب: أَنه كره اتِّبَاع الْجِنَازَة وَالرُّجُوع قبل الصَّلَاة، وَحكى ابْن عبد الحكم عَن مَالك: أَنه لَا ينْصَرف بعد الدّفن إلَاّ بِالْإِذْنِ وَإِطْلَاق هَذَا الحَدِيث وَغَيره يُخَالِفهُ.

استنباط الاحكام: الاول: فِيهِ الْحَث على الصَّلَاة على الْمَيِّت وَاتِّبَاع جنَازَته وَحُضُور دَفنه، وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: حض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على التواصل فِي الْحَيَاة بقوله: (صل من قَطعك وَأعْطِ من حَرمك) . (وَلَا تقاطعوا وَلَا تدابروا) وعَلى التواصل بعد الْمَوْت بِالصَّلَاةِ والتشييع إِلَى الْقَبْر وَالدُّعَاء لَهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن الثَّوَاب الْمَذْكُور إِنَّمَا يحصل لمن تبعها إِيمَانًا واحتساباً، فَإِن حُضُورهَا على ثَلَاثَة أَقسَام: احتسابا ومكافأة ومخافة. والاول: هُوَ الَّذِي يجازى عَلَيْهِ الْأجر ويحط الْوزر، وَالثَّانِي: لَا يعد ذَلِك فِي حَقه. وَالثَّالِث: الله اعْلَم بِمَا فِيهِ. الثَّالِث: فِيهِ وجوب الصَّلَاة على الْمَيِّت وَدَفنه وَهُوَ إِجْمَاع. الرَّابِع: فِيهِ الحض على الِاجْتِمَاع لَهما والتنبيه على عظم ثوابهما، وَهِي مِمَّا خصت بِهِ هَذِه الامة. الْخَامِس: فِيهِ حجَّة ظَاهِرَة للحنفية فِي ان الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل من الْمَشْي أمامها، بِظَاهِر قَوْله: (من اتبع) ، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا. وَقَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ: وَذهب قوم إِلَى التَّوسعَة فِي ذَلِك وأنهما سَوَاء، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي مُصعب من أَصْحَاب مَالك. وَقَالَ بَعضهم: وَقد تمسك بِهَذَا اللَّفْظ من زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَال: تبعه إِذا مَشى خَلفه، أَو إِذا مر بِهِ فَمشى مَعَه، وَكَذَلِكَ: اتبعهُ بِالتَّشْدِيدِ. قلت: هَذَا الْقَائِل نفى حجَّة هَؤُلَاءِ بِمَا هُوَ حجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فسر لفظ تبع بمعنيين: أَحدهمَا: حجَّة لمن زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَالْآخر: لَيْسَ بِحجَّة عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ حجَّة لخصمه. فَافْهَم. ثمَّ الرّكُوب وَرَاء الْجِنَازَة لَا بَأْس بِهِ، وَالْمَشْي أفضل. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: لَا فرق عندنَا بَين الرَّاكِب والماشي، يَعْنِي فِي الْمَشْي أمامها خلافًا للثوري حَيْثُ قَالَ: إِن الرَّاكِب يكون خلفهَا، وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند، وَكَأَنَّهُ قلد الْخطابِيّ، فَإِنَّهُ كَذَا ادّعى، وَفِيه حَدِيث صَححهُ الْحَاكِم على شَرط البُخَارِيّ من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَقَالَ بِهِ من الْمَالِكِيَّة أَيْضا ابو مُصعب.

سُؤال: لم كَانَ الْجَزَاء بالقيراط دون غَيره؟ الْجَواب: إِنَّه أقل مُقَابل عَادَة. آخر: لِمَ خص بِأحد؟ الْجَواب: لِأَنَّهُ أعظم جبال الْمَدِينَة، والشارع كَانَ يُحِبهُ، وَهُوَ أَيْضا يُحِبهُ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.

تابَعَهُ عُثْمانُ المُؤَذِّنُ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنْ مُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْوَهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله