«مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧

الحديث رقم ٤٧ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب اتباع الجنائز من الإيمان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان…

«مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ؛ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ.»

تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ.

سند حديث: ٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ…

٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا كَانَ وَاللَّهِ، فَقُصِّرَتِ اللَّامَانِ. وَاسْتَنْكَرَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا وَقَالَ: إِنَّهُ يَجْزِمُ الثِّقَةَ بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ. وَغَفَلَ الْقَرَافِيُّ فَادَّعَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ: وَأَبِيهِ لَمْ تَصِحَّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ الْجَوَابَ فَعَدَلَ إِلَى رَدِّ الْخَبَرِ، وهو صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلَانِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَّ قَوْلُهُ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْدُقْ فِيمَا الْتَزَمَ لَا يُفْلِحُ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمَنْهِيَّاتِ؟ أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ فَرَائِضِ النَّهْيِ، وهو عَجِيبٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ السَّائِلَ ضِمَامٌ، وَأَقْدَمَ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ وَفَدَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ الْمَنْهِيَّاتِ وَاقِعًا قَبْلَ ذَلِكَ.

وَالصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: فَأَخْبَرَهُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا فَلَاحُهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا بِأَنْ لَا يَزِيدَ فَكَيْفَ يَصِحُّ؟ أَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُفْلِحًا ; لِأَنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ فَفَلَاحُهُ بِالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِبِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أَقَرَّهُ عَلَى حَلِفِهِ وَقَدْ وَرَدَ النَّكِيرُ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ بِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى غَيْرِ تَارِكِ الْفَرَائِضِ، فَهُوَ مُفْلِحٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ فَلَاحًا مِنْهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّصْدِيقِ وَالْقَبُولِ، أَيْ: قَبِلْتُ كَلَامَكَ قَبُولًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّؤَالِ، وَلَا نُقْصَانَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَبُولِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ تَتَعَلَّقُ بِالْإِبْلَاغِ ; لِأَنَّهُ كَانَ وَافِدَ قَوْمِهِ لِيَتَعَلَّمَ وَيُعَلِّمَهُمْ. قُلْتُ: وَالِاحْتِمَالَانِ مَرْدُودَانِ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، فَإِنَّ نَصَّهَا: لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا:. وَقِيل: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ أَيْ: لَا أُغَيِّرُ صِفَةَ الْفَرْضِ كَمَنْ يَنْقُصُ الظُّهْرَ مَثَلًا رَكْعَةً أَوْ يَزِيدُ الْمَغْرِبَ، قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَيْضًا لَفْظُ التَّطَوُّعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٥ - بَاب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنْ الْإِيمَانِ

٤٧ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قال: حدثنا رَوْحٌ قال: حدثنا عَوْفٌ، عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قال: حدثنا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ نَحْوَهُ

[الحديث ٤٧ - طرفاه في: ١٣٢٥، ١٣٢٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ) خَتَمَ الْمُصَنِّفُ مُعْظَمَ التَّرَاجِمِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ آخِرُ أَحْوَالِ الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا أَخَّرَ تَرْجَمَةَ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنَ الْإِيمَانِ لِمَعْنًى سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي نَظَائِرِهِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (الْمَنْجُوفِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْوَاوِ السَّاكِنَةِ فَاءٌ نِسْبَةً إِلَى جَدِّ جَدِّهِ مَنْجُوفٍ السَّدُوسِيِّ، وهو بَصْرِيٌّ، وَكَذَا بَاقِي رِجَالِ الْإِسْنَادِ غَيْرَ الصَّحَابِيِّ. وَرَوْحٌ بِفَتْحِ

الرَّاءِ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، وَعَوْفٌ هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ، الْأَعْرَابِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِفَصَاحَتِهِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَهْلٍ، وَاسْمُ أَبِيهِ بَنْدَوَيْهِ - بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ - بِوَزْنِ رَاهْوَيْهِ، وَالْحَسَنُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وهو مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْحَسَنِ، فَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ حَدَّثَا بِهِ عَوْفًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ وَإِمَّا مُتَفَرِّقَيْنِ، فَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ فَسَمَاعُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ، وَأَمَّا الْحَسَنُ فَمُخْتَلَفٌ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى نَفْيِهِ وَتَوْهِيمِ مَنْ أَثْبَتَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ فَلَا تُحْمَلُ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَمِعَ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا فِي قِصَّةِ مُوسَى، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِيهَا حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا آخَرَ، وَاعْتِمَادُهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَنِ اتَّبَعَ) هُوَ بِالتَّشْدِيدِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ تَبِعَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا اللَّفْظِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: تَبِعَهُ إِذَا مَشَى خَلْفَهُ أَوْ إِذَا مَرَّ بِهِ فَمَشَى مَعَهُ، وَكَذَلِكَ اتَّبَعَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وهو افْتَعَلَ مِنْهُ، فَإِذَا هُوَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُرَادَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ ابْنِ حِبَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمَشْيِ أَمَامَهَا، وَأَمَّا أَتْبَعَهُ بِالْإِسْكَانِ فَهُوَ بِمَعْنَى لَحِقَهُ إِذَا كَانَ سَبَقَهُ، وَلَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَةُ هُنَا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْمُسْلِمِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: مَعَهَا أَيْ: مَعَ الْجِنَازَةِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يُصَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْصُلُ الْمَوْعُودُ بِهِ إِلَّا لِمَنْ تُوجَدُ مِنْهُ الصَّلَاةُ، وَعَلَى الثَّانِي قَدْ يُقَالُ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، أَمَّا إِذَا قَصَدَ الصَّلَاةَ وَحَالَ دُونِهُ مَانِعٌ فَالظَّاهِرُ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَيُفْرَغُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ، وَقَدْ أَثْبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ بِمَجْمُوعِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ دُونَ الدَّفْنِ يَحْصُلُ بِهَا قِيرَاطٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْمَجْمُوعِ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَبَاحِثِهِ وَفَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ) أَيْ: رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ الْهَيْثَمِ، وهو مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ أَعْلَى بِدَرَجَةٍ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْمَوْصُولَ عَنْ رَوْحٍ لِكَوْنِهِ أَشَدَّ إِتْقَانًا مِنْهُ، وَنَبَّهَ بِرِوَايَةِ عُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي هَذَا السَّنَدِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْحَسَنَ، فَكَأَنَّ عَوْفًا كَانَ رُبَّمَا ذَكَرَهُ وَرُبَّمَا حَذَفَهُ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ الْمَنْجُوفِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مَرَّةً بِإِسْقَاطِ الْحَسَنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَمُتَابَعَةُ عُثْمَانَ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنِ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ أَبِي عَوَانَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ. . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَفْظُهُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ رَوْحٍ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: وَكَانَ مَعَهَا، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا فَلَزِمَهَا، وَفِي قَوْلِهِ: وَيُفْرَغُ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا وَتُدْفَنُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَلَهُ قِيرَاطٌ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ. وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ قَالَ الْمُصَنِّفُ نَحْوَهُ، وهو بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: بِمَعْنَاهُ.

٣٦ - بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ، وهو لَا يَشْعُرُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أجاب النَّوويُّ: بأنَّه أثبتَ له الفلاحَ لأنَّه أتى بما عليه، وليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ على ذلك لا يكون مفلحًا؛ لأنَّه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أَوْلى.

وفي هذا الحديث: أنَّ السَّفر والارتحال لتعلُّم العلم مشروعٌ، وجواز الحلف من غير استحلافٍ ولا ضرورةٍ، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وتسلسلٌ بالأقارب؛ لأنَّ إسماعيل يرويه (١) عن خاله عن عمِّه عن أبيه، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٨٩١] وفي «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داودَ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيها وفي «الصَّوم».

(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، و «اتِّباع» بتشديد التَّاء المكسورة، و «الجَنائز» جمع جَِنازةٍ؛ بفتح الجيم وكسرها: المَيت، أو بالفتح: للميت، وبالكسر: للنَّعش، أو عكسه، أو بالكسر: النَّعش وعليه الميت.

٤٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ) نسبةً إلى جدِّ أبيه مَنْجُوفٍ؛ بفتح الميم وسكون النُّون وضمِّ الجيم وفي آخره فاءٌ؛ ومعناه: الموسع، المُتوفَّى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وبالحاء المُهمَلَتين، ابن عبادة بن العلاء البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء؛ ابن أبي جميلةَ

بَنْدُوْيه؛ بفتح المُوحَّدة وبالنُّون السَّاكنة والدَّال المُهمَلة المضمومة والواو السَّاكنة والمُثنَّاة التَّحتيِّة، العبديُّ الهجريُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ أو سبعٍ وأربعين ومئةٍ، ونُسِبَ إلى التَّشيُّع (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (وَمُحَمَّدٍ) بالجرِّ عطفًا على «الحسن»، وللأَصيِليِّ: «ومحمَّدٌ» بالرَّفع؛ هو ابن سيرين، أبو بكرٍ الأنصاريُّ مولاهم البصريُّ، التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة عشرٍ ومئةٍ بعد الحسن بمئةٍ وعشرين يومًا، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) والجمهور على أنَّ الحسن لم يسمع من أبي هريرة (١) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنِ اتَّبَعَ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «تبِع» بغير ألفٍ وكسر المُوحَّدة (جَنَازَةَ مُسْلِمٍ) حال كون ذلك (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) أي: مؤمنا محتسبًا، لا مكافأةً ومخافةً (وَكَانَ مَعَهُ) أي: مع المسلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «معها» أي: الجنازة (حَتَّى يُصَلَّى) بفتح اللَّام في «اليونينيَّة» فقط، وفي «هامشها» (٢) بكسرها (عَلَيْهَا وَيَُفْرَُغَ مِنْ دَفْنِهَا) بالبناء للفاعل في الفعلين، أو بالبناء للمفعول، والجارُّ والمجرور فيهما هو النَّائب عن الفاعل، وللأَصيليِّ: «يصلِّ» بحذف الياء وكسر اللَّام (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ) مُثنَّى قيراطٍ؛ وهو اسمٌ لمقدارٍ من الثَّواب يقع على القليل والكثير، بيَّنه بقوله: (كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ) جبل (أُحُدٍ) بضمَّتين بالمدينة، سُمِّي به لتوحُّده وانقطاعه عن جبالٍ أخرى هناك، فحصول القيراطين مُقيَّدٌ بالصَّلاة والاتِّباع في جميع الطَّريق مع الدَّفن؛ وهو: تسوية القبر بالتَّمام، أو نصب اللَّبِنِ عليه، والأوَّل أصحُّ عندنا، ويحتمل حصول القيراط بكلٍّ منهما، لكن بتفاوت (٣) القيراط، ولا يُقَال: يحصل القيراطان بالدَّفن من غير صلاةٍ؛ عملًا بظاهر رواية فتح لام «يُصلَّى (٤)» لأنَّ المُرَاد فِعلُهما معًا؛ جمعًا بين الرِّوايتين

وحملًا للمُطلَق على المُقيَّد (وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ) بنصب «قبلَ» على الظَّرفيَّة، و «أن»: مصدريَّةٌ، أي: قبل الدَّفن (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) من الأجر، فلو صلَّى وذهب إلى القبر وحده ثمَّ حضر الدَّفن لم يحصل له القيراط الثَّاني، كذا قاله النَّوويُّ، وليس في الحديث ما يقتضي ذلك إلَّا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوقٌ بحصول القيراط بشهود الدَّفن وحده كان مُقدَّمًا، ويُجمَع حينئذٍ بتفاوت القيراط، ولو صلَّى ولم يُشيِّع رجع بالقيراط؛ لأنَّ كلَّ ما قبل الصَّلاة وسيلةٌ إليها، لكن يكون قِيراطُ مَنْ صلَّى دونَ قِيراطِ مَنْ شيَّع مثلًا وصلَّى، وفي «مسلمٍ»: «أصغرهما (١) مثل أُحُدٍ»، وهو يدلُّ على أنَّ القراريط تتفاوت، وفي رواية مسلمٍ أيضًا: «من صلَّى على جنازةٍ ولم يتَّبعها فله قيراطٌ»، لكن يحتمل أن يكون المُرَاد بـ «الاتِّباع» هنا ما بعد الصَّلاة، ولو تبعها ولم يصلِّ ولم يحضر الدَّفن فلا شيءَ له، بل حُكِيَ عن أَشْهَبَ كراهتُه، وسيأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٢٣] بحول الله وقوَّته.

وفي الحديث: الحثُّ على صلاة الجنازة واتِّباعها، وحضور الدَّفن، والاجتماع لها، ورجاله كلُّهم بصريُّون غير أبي هريرة، واشتمل على التَّحديث والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الإيمان» و «الجنائز».

(تَابَعَهُ) أي: تابع روحًا في الرِّواية عن عوفٍ (عُثْمَانُ) بن الهيثم بن جَهْمٍ البصريُّ (المُؤَذِّنُ) بجامعها، المُتوفَّى لإحدى عَشْرَةَ ليلةً خلت من رجب سنة عشرين ومئتين، وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله -أي: البخاريُّ-: تابعه عثمان المؤذِّن» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين، ولم يروه عن الحسن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ) بالنَّصب، أي: بمعنى ما سبق لا بلفظه، وهذه المُتابَعة وصلها أبو نعيمٍ في «مُستخرَجه».

(٣٦) هذا (بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ) على صيغة المعلوم من «باب عَلِم يعلَم» (عَمَلُهُ) أي: من حَبْطِ عمله وهو ثوابه الموعود به (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) به، جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، لا يُقَال: إنَّ ما قاله المؤلِّف يقوِّي مذهب الإحباطيَّة؛ لأنَّ مذهبهم إحباط الأعمال بالسَّيِّئات وإذهابها جملةً، فحكموا على العاصي بحكم الكافر؛ لأنَّ مُرَاد المؤلِّف إحباطُ ثواب ذلك العمل فقط لأنَّه لا يُثَاب إلَّا على ما أخلص فيه، وقال النَّوويُّ: المُرَاد بـ «الحبط»: نقصانُ الإيمان، وإبطال بعض العبادات لا الكفر. انتهى. ولفظة: «مِنْ» ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، وهي مقدَّرةٌ عند سقوطها لأنَّ المعنى عليها، وهذا الباب وضعه المؤلِّف ردًّا على المرجئة القائلين: بأنَّ الإيمان هو التَّصديق بالقلب فقط، المُطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن شريكٍ (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب؛ بكسر الراء، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وتسعين: (مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا) بفتح المُعجَمة، أي: يكذِّبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي، وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان يَعِظُ، وفي روايةٍ للأربعة: «مكذِّبًا» بكسر الذَّال، وهي رواية الأكثر كما قاله الحافظ ابن حجرٍ؛ ومعناه: أنَّه مع وعظه للنَّاس لم يبلغ غاية العمل، وقد ذمَّ الله تعالى مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المُنْكر وقصَّر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. وقال البيضاويُّ في آية ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤]: إنَّها ناعيةٌ على من يَعِظُ غيرَه ولا يَعِظُ نفسَه سوءَ صنيعِه

وخُبْثَ نفسِه، وأنَّ فعلَه فعلُ الجاهل بالشَّرع، أو الأحمق الخالي عن العقل، فإنَّ الجامع بينهما تأبى عنه شَكِيمته، والمُرَاد بها: حثُّ الواعظ على تزكية النَّفس، والإقبال عليها بالتَّكميل، لِيقومَ فيقيمَ غيره (١)، لا منع الفاسق من الوعظ، فإنَّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر. انتهى.

وهذا التَّعليق المذكور وصله المصنِّف في «تاريخه» عن أبي نعيمٍ، وأحمدُ ابن حنبل في «الزُّهد» عن ابن مهديٍّ، كلاهما عن سفيانَ الثَّوريِّ، عن أبي حيَّان التَّيميِّ، عن إبراهيم المذكور.

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، عَبد الله -بفتح العين- ابن عُبيد الله -بضمِّها- القرشيُّ التَّيميُّ المكيُّ الأحول المؤذِّن القاضي لابن الزُّبير، المُتوفَّى سنة سَبْعَ عشْرةَ ومئةٍ: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) وفي نسخةٍ: «رسول الله» () أجلُّهم عائشة، وأختها أسماء، وأمُّ سلمة، والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمِسْوَرُ بن مَخْرَمة (كُلُّهُمْ يَخَافُ) أي: يخشى (النِّفَاقَ) في الأعمال (عَلَى نَفْسِهِ) لأنَّه قد يعرض للمؤمن في عمله ما يشوبه ممَّا يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنَّما ذلك على سبيل المُبالغَة منهم في الورع والتَّقوى، رضي الله عنَّا بهم، أو قالوا ذلك لكون أعمارهم طالت حتَّى رأَوْا مِنَ التَّغيير ما لم يعهدوه مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسُّكوت (مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ:

إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) عليهما الصلاة والسلام، أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لأنَّهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر، وقد روى معنى هذا الأثرِ الطَّبرانيُّ في «الأوسط» مرفوعًا من حديث عائشة بإسنادٍ ضعيفٍ، وفي هذا الأثر إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ ممَّا وصله جعفر الفريابيُّ في «كتاب صفة المنافق» له من طرقٍ: (مَا خَافَهُ) أي: النِّفاق، وفي نسخةٍ: «عن الحسن أنَّه قال: ما خافه» وفي روايةٍ: «وما خافه» (إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ) بفتح الهمزة وكسر الميم (إِلَّا مُنَافِقٌ) جعل النَّوويُّ الضَّميرَ في «خافه» و «أمنه» لله تعالى، وتبعه جماعةٌ على ذلك، لكنَّ سياق الحسن البصريِّ المرويَّ عند الفريابيِّ حيث قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا جعفر بن سليمان عن المعلَّى بن زيادٍ: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلَّا هو: ما مضى مُؤمن قطُّ ولا (١) بقي إلَّا وهو من النفاق مُشفِقٌ، ولا مضى منافقٌ قطُّ ولا بقي إلَّا وهو من النِّفاق آمنٌ، وهو عند أحمد بلفظ: والله ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلَّا وهو يخاف النِّفاق، ولا أمنه إلَّا منافقٌ. يُعيِّن إرادة المؤلف الأوَّل، وأتى بـ «يُذكر» الدالة على التمريض مع صحَّة هذا الأثر؛ لأنَّ عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى، لا أنَّه ضعيفٌ.

ثم عطف المؤلِّف على خوف المؤمن قوله: (وَمَا يُحْذَرُ) بضم أوله وفتح ثالثه المعجم مع التخفيف. وقال الحافظ ابن حجر: بتشديده، أي: وباب ما يُحذَّر (مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَّقَاتُلِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ) وفي رواية أبوي ذر والوقت: «على النِّفاق» بدل «التَّقاتل»، والأولى هي المناسبة لحديث الباب؛ حيث قال فيه -كما سيأتي إن شاء الله تعالى-: «وقتاله كفرٌ» [خ¦٤٨]

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لما فِيهِ من تَعْظِيمه الْمَخْلُوق، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح عِنْد الْعلمَاء. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف مُضَاف تَقْدِيره: وَرب أَبِيه، فاضمر ذَلِك فِيهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يضمر بل يذهب فِيهِ، وَسمعت بعض مَشَايِخنَا يُجيب بجوابين آخَرين: أَحدهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون الحَدِيث: أَفْلح وَالله، فقصر الْكَاتِب اللامين فَصَارَت: وَأَبِيهِ، وَالْآخر: خُصُوصِيَّة ذَلِك بالشارع دون غَيره، وَهَذِه دَعْوَى لَا برهَان عَلَيْهَا. وَأغْرب الْقَرَافِيّ حَيْثُ قَالَ: هَذِه اللَّفْظَة وَهِي: وابيه، اخْتلف فِي صِحَّتهَا، فَإِنَّهَا لَيست فِي الْمُوَطَّأ، وَإِنَّمَا فِيهَا افلح إِن صدق، وَهَذَا عَجِيب، فَالزِّيَادَة ثَابِتَة لَا شكّ فِي صِحَّتهَا وَلَا مرية.

٣٥ - (بابُ اتِّبَاعُ الْجَنائِزِ مِنَ الإِيمَان)

أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَيجوز ترك التَّنْوِين بإضافته إِلَى الْجُمْلَة، اعني: قَوْله اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان، فَقَوله: (اتِّبَاع الْجَنَائِز) كَلَام أضافي مُبْتَدأ. وَقَوله: (من الْإِيمَان) خَبره اي: اتِّبَاع الْجَنَائِز شُعْبَة من شعب الْإِيمَان، وَاتِّبَاع بتَشْديد التَّاء مصدر اتبع من بَاب الافتعال، والجنائز جمع جَنَازَة، بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة والمكسورة، وَالْكَسْر أفْصح، وَقيل بِالْفَتْح للْمَيت، وبالكسر للنعش، وَعَلِيهِ الْمَيِّت. وَقيل: عَكسه مُشْتَقَّة من جنز، اذا ستر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ، والعامة تَقول بِالْفَتْح، وَالْمعْنَى: للْمَيت على السرير وَإِذا لم يكن عَلَيْهِ الْمَيِّت فَهُوَ سَرِير ونعش، وَفِي (الْعباب) لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: السرير؛ والجنازة، بِالْفَتْح: الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن السّكيت وَابْن قُتَيْبَة: يُقَال: الْجِنَازَة والجنازة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَيِّت نَفسه، قَالَ: والعوام يتوهمون أَنه السرير. وَقَالَ النَّضر: الْجِنَازَة: السرير مَعَ الرجل جَمِيعًا. وَقَالَ الْخَلِيل: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: خشب الشرجع، وَقد جرى فِي أَفْوَاه النَّاس الْجِنَازَة بِالْفَتْح، والنحارير يُنكرُونَ ذَلِك. وَقَالَ غَيره: إِذا لم يكن عَلَيْهِ ميت فَهُوَ سَرِير أَو نعش، وكل شَيْء ثقل على قوم واغتموا بِهِ فَهُوَ جَنَازَة. وَقَالَ ابْن عباد: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَرِيض، وَطعن فلَان فِي جنَازَته، وَرمى فِي جنَازَته إِذا مَاتَ. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: جنزت الشَّيْء أجنزه جنزاً إِذا سترته، وَزعم قوم أَن مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة. قَالَ: وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّته. وَقَالَ اللَّيْث: جنز الشَّيْء إِذا جمع، وَقيل: مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة، لِأَن الثِّيَاب تجمع على الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: إِن النوار لما احتضرت أوصت أَن يُصَلِّي عَلَيْهَا الْحسن الْبَصْرِيّ، فاخبر الْحسن بذلك فَقَالَ: إِذا جنزتموها فآذنوني. قَالَ: فاسترككنا هَذِه الْكَلِمَة من الْحسن يَوْمئِذٍ، يَعْنِي: التجنيز. فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: الانسان لَهُ حالتان: حَالَة الْحَيَاة وَحَالَة الْمَمَات، فالمذكور فِي الْبَاب الأول هُوَ أَرْكَان الدّين الَّتِي يحصل الثَّوَاب بإقامتها بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِدُونِ وَاسِطَة، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الثَّوَاب الَّذِي يحصل بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِوَاسِطَة الْأَمْوَات. وَقَالَ بَعضهم: ختم المُصَنّف التراجم الَّتِي وَقعت لَهُ من شعب الْإِيمَان بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، لِأَن ذَلِك آخر أَحْوَال الدُّنْيَا. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ بَقِي من الْأَبْوَاب المترجمة بشعب الْإِيمَان بَاب: أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، وَهُوَ مَذْكُور بعد أَرْبَعَة أَبْوَاب من هَذَا الْبَاب، وَكَيف يَصح أَن يُقَال ختم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة التراجم الْمَذْكُورَة؟ فان قلت: مَا وَجه قَوْله فِي الْبَاب السَّابِق: بَاب الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَفِي هَذَا الْبَاب: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان؟ قلت: رَاعى الْمُنَاسبَة والمطابقة فيهمَا، فَإِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول لفظ: الاسلام، حَيْثُ قَالَ: (فَإِذا هُوَ يسْأَل عَن الْإِسْلَام) وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب لفظ الْإِيمَان، حَيْثُ قَالَ: من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا، فترجم الْبَاب على لَفْظَة الْإِيمَان.

٤٧ - حدّثنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ قَالَ حّدثنا رَوْحٌ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ ومُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُريْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَاناً واحْتِساباً وكانَ مَعَهُ حتَّى يُصَلَّى عَلَيْها وُيفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فانَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطْينِ كُلُّ قيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ ومَنْ صَلَّى علَيْهَا ثُمَّ رجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ فإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، من حَيْثُ أَن مُبَاشرَة الْعَمَل الَّذِي فِيهِ الثَّوَاب قدر قيراطين، والقيراط مثل جبل أحد، شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَرَأَيْت من ذكر من الشُّرَّاح وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، قد تعلق بقوله: إِيمَانًا واحتساباً. وَهَذَا لَا وَجه لَهُ.

فان المُرَاد من معنى الْإِيمَان هَهُنَا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، مَعْنَاهُ: مُصدقا بِأَنَّهُ حق وَطَاعَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَفِي قَوْله: واحتساباً مُسْتَوفى فِي بَاب قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: احْمَد بن عبد الله بن عَليّ بن سُوَيْد بن منجوف، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضم الْجِيم وَفِي آخِره فَاء، وَمَعْنَاهُ: الموسع، ونسبته إِلَيْهِ، وكنيته أَبُو بكر السدُوسِي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ وابو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، بن عبَادَة بن الْعَلَاء بن حسان بن عمر بن مرْثَد الْبَصْرِيّ، قَالَ الْخَطِيب: كَانَ كثير الحَدِيث، وصنف الْكتب فِي السّنَن وَالْأَحْكَام وَالتَّفْسِير، وَكَانَ ثِقَة. قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: نظرت لروح بن عبَادَة فِي أَكثر من مائَة الف حَدِيث، كتبت مِنْهَا عشرَة آلَاف. وَقَالَ يحيى بن معِين: لَا بَأْس بِهِ صَدُوق، توفّي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عَوْف، بِالْفَاءِ، ابْن أبي جميلَة بندويه، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالنُّون الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة المضمومة وواو سَاكِنة وياء آخر الْحُرُوف مَفْتُوحَة، وَغلط من قَالَ بِوَزْن: رَاهَوَيْه، وَقيل: اسْمه بنده أَي: العَبْد، يعرف بالأعرابى، وَلم يكن أَعْرَابِيًا، وَإِنَّمَا قيل لفصاحته، الْعَبْدي الهجري الْبَصْرِيّ، سمع جمعا من كبار التَّابِعين مِنْهُم الْحسن، وَعنهُ الْأَعْلَام: الثَّوْريّ وَشعْبَة وَغَيرهمَا، وثقته مجمع عَلَيْهَا، ولد سنة تسع وَخمسين، وَمَات سنة سِتّ وَقيل: سنة سبع واربعين وَمِائَة، وَنسب إِلَى التَّشَيُّع، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقد مر ذكره. الْخَامِس: مُحَمَّد بن سِيرِين أَبُو بكر الْأنْصَارِيّ، مَوْلَاهُم، الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْجَلِيل، أَخُو أنس ومعبد وَيحيى وَحَفْصَة وكريمة أَوْلَاد سِيرِين، وَسِيرِين مولى أنس من سبي عين التَّمْر، وَإِذا أطلق إِبْنِ سِيرِين فَهُوَ: مُحَمَّد هَذَا، وَهَؤُلَاء السِّتَّة كلهم تابعيون، وَذكر أَبُو عَليّ الْحَافِظ خَالِدا بدل كَرِيمَة، قَالَ: واكبرهم معبد، وأصغرهم حَفْصَة. قلت: وَفِي أَوْلَاد سِيرِين أَيْضا: عمْرَة وَسَوْدَة. قَالَ ابْن سعد: أمهَا أم ولد كَانَت لأنس، وَذكر بَعضهم من أَوْلَاده أَيْضا: أشعب، فَهَؤُلَاءِ عشرَة. كَاتب أنس، رَضِي الله عَنهُ، سِيرِين على عشْرين ألف دِرْهَم، فأداها وَعتق، وَأم مُحَمَّد وأخوته صَفِيَّة مولاة الصّديق، طيبها ثَلَاث من أَزوَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَدَعَوْنَ لَهَا وَحضر أملاكها ثَلَاثَة عشر بَدْرِيًّا مِنْهُم: أبي بن كَعْب يَدْعُو وهم يُؤمنُونَ، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، قَالَ هِشَام بن حسان: أدْرك ثَلَاثِينَ صحابياً، ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ أكبر من أَخِيه أنس، وَعنهُ خلق من التَّابِعين: الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَأَيوب، مَاتَ سنة عشر وَمِائَة بعد الْحسن بِمِائَة يَوْم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: ابو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون مَا خلا أَبَا هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. وَمِنْهَا: أَن البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، قرن فِيهِ بَين الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين لما أسلفنا أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة عِنْد الْجُمْهُور، فقرنه بِمُحَمد بن سِيرِين لِأَنَّهُ سمع مِنْهُ، فالاعتماد عَلَيْهِ، وعَلى قَول من يَقُول: إِن الْحسن سمع مِنْهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا سمعا هَذَا الحَدِيث من أبي هُرَيْرَة مُجْتَمعين، وَإِمَّا ان يَكُونَا سمعا مِنْهُ مفترقين، وَإِنَّمَا أوردهُ البُخَارِيّ كَمَا سمع، وَقد وَقع لَهُ نَظِير هَذَا فِي قصَّة مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيثا من طَرِيق روح بن عبَادَة بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرج أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَنْهُمَا، عَن أبي هُرَيْرَة حَدِيثا آخر، واعتماده فِي كل ذَلِك على ابْن سِيرِين، لِأَن الْحسن، وَإِن صَحَّ سَمَاعه عَن أبي هُرَيْرَة، فَإِنَّهُ كثير الْإِرْسَال فَلَا تحمل عنعنته على السماع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: لم يَصح سَماع الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة، أَقُول: فعلى هَذَا التَّقْدِير يكون لفظ: عَن أبي هُرَيْرَة، مُتَعَلقا بِمُحَمد فَقَط، أَو يكون مُرْسلا. قلت: قَوْله: أَو يكون مُرْسلا، إِن أَرَادَ بِهِ أَن الحَدِيث يكون مُرْسلا، فَلَا يَصح، وَإِن أَرَادَ بِهِ الْإِرْسَال من جِهَة الْحسن فَلهُ وَجه على تَقْدِير عدم سَمَاعه من أبي هُرَيْرَة.

بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سَلام عَن اسحاق الْأَزْرَق، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، كِلَاهُمَا عَن عَوْف عَن مُحَمَّد بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (اتبع) ، بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: تبع، بِدُونِ الْألف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، يُقَال: تبِعت الشَّيْء تبعا وتباعة، بِفَتْح التَّاء، وَتبع وَاتبع وَاتبع وَاحِد، وَقيل: اتبعهُ: لحقه وَمَشى خَلفه، وَاتبعهُ: حذا

حذوه. وَفِي (الْعباب) : تبِعت الْقَوْم بِالْكَسْرِ اتبعهم تبعا وتباعة، بِالْفَتْح: إِذا مشيت خَلفهم، أَو مروا بك فمضيت مَعَهم، وَاتَّبَعت الْقَوْم مثل تبعتهم إِذا كَانُوا قد سبقوك فلحقتهم، وَاتَّبَعت أَيْضا غَيْرِي وَقَوله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن وَجُنُوده} (يُونُس: ٩٠) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي لحقهم أَو كَاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فَاتبعهُ الشَّيْطَان} (الْأَعْرَاف: ١٧٥) اي: لحقه، وَقَالَ الْفراء: يُقَال تبعه وَاتبعهُ. لحقه والحقه، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَأتبعهُ شهَاب ثاقب} (الصافات: ١٠) وَقَوله تَعَالَى: {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: ٨٥) و {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: ٨٥) بِقطع الْهمزَة فِي قِرَاءَة أهل الشَّام والكوفة، كل ذَلِك: لحق. وَقَالَ الْأَزْهَرِي فِي قَوْله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده} (يُونُس: ٩٠) أَرَادَ: اتبعهم إيَّاهُم. قَوْله: (ايماناً واحتساباً) قد مر الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي قيام لَيْلَة الْقدر. قَوْله: (يرجع) ، من الرُّجُوع لَا من الرجع. قَوْله: (قِيرَاط) ، أَصله: قراط، بتَشْديد الرَّاء بِدَلِيل جمعه على قراريط، فأبدل من إِحْدَى الرائين يَاء، كَمَا فِي الدِّينَار أَصله: دنار، بِدَلِيل جمعه على دَنَانِير، والقيراط فِي اللُّغَة: نصف دانق. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: القيراط جُزْء من أَجزَاء الدِّينَار، وَهُوَ نصف عشرَة فِي أَكثر الْبِلَاد، وَأهل الشَّام يجعلونه جزأ من أَرْبَعَة وَعشْرين جزأ، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ بعض الشَّيْء، وَفِي (الْعباب) : وزن القيراط يخْتَلف باخْتلَاف الْبِلَاد، فَهُوَ عِنْد أهل مَكَّة: ربع سدس الدِّينَار، وَعند أهل الْعرَاق: نصف عشر الدِّينَار. انْتهى. وَعند الْفُقَهَاء: القيراط جُزْء من عشْرين جزأ من الدِّينَار، وكل قِيرَاط ثَلَاث حبات، فَيكون الدِّينَار سِتِّينَ حَبَّة، وكل حَبَّة أَربع أرزات، فَيكون مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين أرزة. وَيُقَال: القيراط طسوجتان، والطسوجة حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ذرتان، والذرة فتيلتان. وَقد أَرَادَ الشَّارِع من القيراط هَهُنَا قدر جبل أحد، وَالْمَقْصُود أَن القيراط: مِقْدَار من الثَّوَاب مَعْلُوم عِنْد الله تَعَالَى وَهَذَا الحَدِيث يدل على عظم مِقْدَاره فِي هَذَا الْمَوْضُوع، وَلَا يلْزم من هَذَا أَن يكون هَذَا هُوَ القيراط الْمَذْكُور فِيمَن اقتنى كَلْبا إلَاّ كلب صيد أَو زرع أَو مَاشِيَة نقص من أجره كل يَوْم قِيرَاط. بل يجوز أَن يكون أقل مِنْهُ أَو أَكثر. قلت: بل الظَّاهِر أَن القيراط فِي الْأجر اعظم من القيراط الْمَذْكُور فِي نقص الْأجر، لِأَنَّهُ من قبيل الْمَطْلُوب تَركه. وَالْأول من قبيل الْمَطْلُوب فعله، وَهُوَ الصَّلَاة على الْجِنَازَة وَحُضُور دَفنهَا، وَقد رَأينَا عَادَة الشَّرْع تَعْظِيم الْحَسَنَات وتضعيفها دون السَّيِّئَات، كرماً مِنْهُ تَعَالَى وَرَحْمَة، ولطفاً. وَالْحَاصِل أَن القيراط: اسْم لمقدار من الثَّوَاب يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير، وَبَين فِي هَذَا الحَدِيث أَنه مثل أحد، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: القيراط أعظم من أحد. ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ. وفى رِوَايَة للْحَاكِم من حَدِيث أبي بن كَعْب مَرْفُوعا: (وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَهو فِي الْمِيزَان أثقل من أحد) . وَفِي اسناده: الْحجَّاج بن ارطأة، وَفِيه مقَال. وَفِي السّنَن الصِّحَاح المأثورة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من أُوذِنَ بِجنَازَة فَأتى أَهلهَا فعزاهم كتب الله لَهُ قيراطاً، فان شيعها كتب الله لَهُ قيراطين، فَإِن صلى عَلَيْهَا كتب الله لَهُ ثَلَاثَة قراريط، فَإِن شهد دَفنهَا كتب الله لَهُ أَرْبَعَة قراريط، القيراط مثل أحد) . قَوْله: (مثل أحد) بِضَمَّتَيْنِ: وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي بِجنب الْمَدِينَة على نَحْو ميلين مِنْهَا، وَهُوَ فِي شمال الْمَدِينَة، وَسمي بِهَذَا الإسم لتوحده وانقطاعه عَن جبال أُخْرَى هُنَالك. وَفِي الحَدِيث من طَرِيق أبي عِيسَى بن جبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أحد يحبنا ونحبه، وَهُوَ على بَاب الْجنَّة. قَالَ: وعير يبغضنا ونبغضه، وَهُوَ على بَاب من أَبْوَاب النَّار) . قَالَ السُّهيْلي: وَفِي أحد قبر هَارُون، عَلَيْهِ السَّلَام، أخي مُوسَى الكليم، وَفِيه قُبض، وثمة واراه مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَا قد مرا بِأحد حاجين أَو معتمرين.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وَمُحَمّد) بِالْجَرِّ، عطف على الْحسن. قَوْله: (من اتبع) كلمة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، و: اتبع، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل: (وجنازة مُسلم) كَلَام إضافي مَفْعُوله، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على الْحَال بِمَعْنى: مُؤمنا ومحتسباً، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب: تطوع قيام رَمَضَان من الْإِيمَان. قَوْله: (وَكَانَ مَعَه) أَي: مَعَ الْمُسلم، هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَكَانَ مَعهَا، أَي مَعَ الْجِنَازَة، وَهَذِه الْجُمْلَة عطف على قَوْله: اتبع. قَوْله: (حَتَّى يُصلي عَلَيْهَا) على صِيغَة الْمَعْلُوم، بِكَسْر اللَّام، وَالضَّمِير فِي: يُصَلِّي، يرجع إِلَى: من، وَفِي: عَلَيْهَا، إِلَى: الْجِنَازَة. ويروى بِفَتْح اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: عَلَيْهَا، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَكَذَلِكَ رُوِيَ (ويفرغ من دَفنهَا) على الْوَجْهَيْنِ، و: حَتَّى، هَذِه للغاية، وَأَن الناصبة بعْدهَا مضمرة، وَقَوله: يُصَلِّي ويفرغ، منصوبان بهَا. قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي قَوْله: من، وَإِنَّمَا دخلت الْفَاء لتَضَمّنه معنى الشَّرْط، كَمَا ذكرنَا. وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة، فَإِن قلت: مَا مَحل قَوْله: من الْأجر؟ قلت: حَال من قَوْله: (بقيراطين) ، وَفِي الْحَقِيقَة هِيَ صفة وَلكنهَا لما قدمت صَارَت حَالا. وَالْبَاء فِي: بقيراطين، تتَعَلَّق بقوله: يرجع. قَوْله: (كل قِيرَاط) كَلَام إضافي

مُبْتَدأ. وَقَوله: (مثل أحد) أَيْضا كَلَام إضافي خَبره. وَاحِد منصرف لِأَنَّهُ علم الْمُذكر. قَوْله: (وَمن صلى) مثل قَوْله: (من اتبع جَنَازَة مُسلم) . وَقَوله: (ثمَّ رَجَعَ) عطف على: صلى. قَوْله: (قبل ان تدفن) نصب على الظّرْف، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: قبل الدّفن. وَقَوله: (فانه) خبر الْمُبْتَدَأ، كَمَا فِي الأول. قَوْله: (من الاجر) حَال من قَوْله: (بقيراط) .

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقيراطين) حُصُول القيراطن هَهُنَا مُقَيّد بِثَلَاثَة أَشْيَاء. الأول: الِاتِّبَاع، وَالثَّانِي: الصَّلَاة عَلَيْهِ. وَالثَّالِث: حُضُور الدّفن. فَإِن قلت: لَو اتبع حَتَّى دفنت وَلم يصل عَلَيْهَا هَل لَهُ القيراطان؟ قلت: لَا، إِذْ المُرَاد أَن يُصَلِّي هُوَ أَيْضا، جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ وحملاً للمطلق على الْمُقَيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اعْلَم أَن الصَّلَاة يحصل بهَا قِيرَاط إِذا انْفَرَدت، فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهَا الِاتِّبَاع حَتَّى الْفَرَاغ حصل لَهُ قِيرَاط ثَان، فَلِمَنْ صلى وَحضر الدّفن القيراطان، وَلمن اقْتصر على الصَّلَاة قِيرَاط وَاحِد، وَلَا يُقَال: يحصل بِالصَّلَاةِ مَعَ الدّفن ثَلَاثَة قراريط، كَمَا يتوهمه بَعضهم من ظَاهر بعض الْأَحَادِيث، وَلِأَن هَذَا النَّوْع صَرِيح، والْحَدِيث الْمُطلق والمحتمل مَحْمُول عَلَيْهِ، وَأما الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط وَمن تبعها حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان) فَمَعْنَاه: فَلهُ تَمام قيراطين بالمجموع. وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: {ائنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الارض فى يَوْمَيْنِ} (فصلت: ٩) إِلَى قَوْله: {فى اربعة أَيَّام} (فصلت: ١٠) ثمَّ قَالَ: {فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ} قَالَ: وَأما الدّفن فَفِيهِ وَجْهَان: الصَّحِيح: أَنه تَسْوِيَة الْقَبْر بالتمام، وَالثَّانِي: انه نصب اللَّبن عَلَيْهِ، وان لم يهل عَلَيْهِ التُّرَاب. قَالَ: ثمَّ فِي الحَدِيث تَنْبِيه على مَسْأَلَة أُخْرَى، وَهُوَ: ان القيراط الثَّانِي مُقَيّد بِمن اتبعها، وَكَانَ مَعهَا فى جميح الطَّرِيق حَتَّى تدفن، فَلَو صلى وَذهب إِلَى الْقَبْر وَحده، وَمكث حَتَّى جَاءَت الْجِنَازَة وَحضر الدّفن لم يحصل لَهُ القيراط الثَّانِي، وَكَذَا لَو حضر الدّفن وَلم يصل، أَو اتبعها وَلم يصل فَلَيْسَ فِي الحَدِيث حُصُول القيراط لَهُ، وَإِنَّمَا حصل القيراط لمن تبعها بعد الصَّلَاة، لكنه لَهُ أجر فِي الْجُمْلَة، وَعَن أَشهب: أَنه كره اتِّبَاع الْجِنَازَة وَالرُّجُوع قبل الصَّلَاة، وَحكى ابْن عبد الحكم عَن مَالك: أَنه لَا ينْصَرف بعد الدّفن إلَاّ بِالْإِذْنِ وَإِطْلَاق هَذَا الحَدِيث وَغَيره يُخَالِفهُ.

استنباط الاحكام: الاول: فِيهِ الْحَث على الصَّلَاة على الْمَيِّت وَاتِّبَاع جنَازَته وَحُضُور دَفنه، وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: حض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على التواصل فِي الْحَيَاة بقوله: (صل من قَطعك وَأعْطِ من حَرمك) . (وَلَا تقاطعوا وَلَا تدابروا) وعَلى التواصل بعد الْمَوْت بِالصَّلَاةِ والتشييع إِلَى الْقَبْر وَالدُّعَاء لَهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن الثَّوَاب الْمَذْكُور إِنَّمَا يحصل لمن تبعها إِيمَانًا واحتساباً، فَإِن حُضُورهَا على ثَلَاثَة أَقسَام: احتسابا ومكافأة ومخافة. والاول: هُوَ الَّذِي يجازى عَلَيْهِ الْأجر ويحط الْوزر، وَالثَّانِي: لَا يعد ذَلِك فِي حَقه. وَالثَّالِث: الله اعْلَم بِمَا فِيهِ. الثَّالِث: فِيهِ وجوب الصَّلَاة على الْمَيِّت وَدَفنه وَهُوَ إِجْمَاع. الرَّابِع: فِيهِ الحض على الِاجْتِمَاع لَهما والتنبيه على عظم ثوابهما، وَهِي مِمَّا خصت بِهِ هَذِه الامة. الْخَامِس: فِيهِ حجَّة ظَاهِرَة للحنفية فِي ان الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل من الْمَشْي أمامها، بِظَاهِر قَوْله: (من اتبع) ، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا. وَقَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ: وَذهب قوم إِلَى التَّوسعَة فِي ذَلِك وأنهما سَوَاء، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي مُصعب من أَصْحَاب مَالك. وَقَالَ بَعضهم: وَقد تمسك بِهَذَا اللَّفْظ من زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَال: تبعه إِذا مَشى خَلفه، أَو إِذا مر بِهِ فَمشى مَعَه، وَكَذَلِكَ: اتبعهُ بِالتَّشْدِيدِ. قلت: هَذَا الْقَائِل نفى حجَّة هَؤُلَاءِ بِمَا هُوَ حجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فسر لفظ تبع بمعنيين: أَحدهمَا: حجَّة لمن زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَالْآخر: لَيْسَ بِحجَّة عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ حجَّة لخصمه. فَافْهَم. ثمَّ الرّكُوب وَرَاء الْجِنَازَة لَا بَأْس بِهِ، وَالْمَشْي أفضل. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: لَا فرق عندنَا بَين الرَّاكِب والماشي، يَعْنِي فِي الْمَشْي أمامها خلافًا للثوري حَيْثُ قَالَ: إِن الرَّاكِب يكون خلفهَا، وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند، وَكَأَنَّهُ قلد الْخطابِيّ، فَإِنَّهُ كَذَا ادّعى، وَفِيه حَدِيث صَححهُ الْحَاكِم على شَرط البُخَارِيّ من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَقَالَ بِهِ من الْمَالِكِيَّة أَيْضا ابو مُصعب.

سُؤال: لم كَانَ الْجَزَاء بالقيراط دون غَيره؟ الْجَواب: إِنَّه أقل مُقَابل عَادَة. آخر: لِمَ خص بِأحد؟ الْجَواب: لِأَنَّهُ أعظم جبال الْمَدِينَة، والشارع كَانَ يُحِبهُ، وَهُوَ أَيْضا يُحِبهُ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.

تابَعَهُ عُثْمانُ المُؤَذِّنُ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنْ مُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْوَهُ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا كَانَ وَاللَّهِ، فَقُصِّرَتِ اللَّامَانِ. وَاسْتَنْكَرَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا وَقَالَ: إِنَّهُ يَجْزِمُ الثِّقَةَ بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ. وَغَفَلَ الْقَرَافِيُّ فَادَّعَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ: وَأَبِيهِ لَمْ تَصِحَّ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِ الْجَوَابَ فَعَدَلَ إِلَى رَدِّ الْخَبَرِ، وهو صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلَانِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَّ قَوْلُهُ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْدُقْ فِيمَا الْتَزَمَ لَا يُفْلِحُ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمَنْهِيَّاتِ؟ أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ فَرَائِضِ النَّهْيِ، وهو عَجِيبٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ السَّائِلَ ضِمَامٌ، وَأَقْدَمَ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ وَفَدَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ الْمَنْهِيَّاتِ وَاقِعًا قَبْلَ ذَلِكَ.

وَالصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: فَأَخْبَرَهُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا فَلَاحُهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا بِأَنْ لَا يَزِيدَ فَكَيْفَ يَصِحُّ؟ أَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِزَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُفْلِحًا ; لِأَنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ فَفَلَاحُهُ بِالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِبِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أَقَرَّهُ عَلَى حَلِفِهِ وَقَدْ وَرَدَ النَّكِيرُ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ بِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى غَيْرِ تَارِكِ الْفَرَائِضِ، فَهُوَ مُفْلِحٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ فَلَاحًا مِنْهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ صَدَرَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّصْدِيقِ وَالْقَبُولِ، أَيْ: قَبِلْتُ كَلَامَكَ قَبُولًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّؤَالِ، وَلَا نُقْصَانَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَبُولِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ تَتَعَلَّقُ بِالْإِبْلَاغِ ; لِأَنَّهُ كَانَ وَافِدَ قَوْمِهِ لِيَتَعَلَّمَ وَيُعَلِّمَهُمْ. قُلْتُ: وَالِاحْتِمَالَانِ مَرْدُودَانِ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، فَإِنَّ نَصَّهَا: لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا:. وَقِيل: مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ أَيْ: لَا أُغَيِّرُ صِفَةَ الْفَرْضِ كَمَنْ يَنْقُصُ الظُّهْرَ مَثَلًا رَكْعَةً أَوْ يَزِيدُ الْمَغْرِبَ، قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَيْضًا لَفْظُ التَّطَوُّعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٥ - بَاب اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنْ الْإِيمَانِ

٤٧ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قال: حدثنا رَوْحٌ قال: حدثنا عَوْفٌ، عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قال: حدثنا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ نَحْوَهُ

[الحديث ٤٧ - طرفاه في: ١٣٢٥، ١٣٢٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الْإِيمَانِ) خَتَمَ الْمُصَنِّفُ مُعْظَمَ التَّرَاجِمِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ آخِرُ أَحْوَالِ الدُّنْيَا. وَإِنَّمَا أَخَّرَ تَرْجَمَةَ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنَ الْإِيمَانِ لِمَعْنًى سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي نَظَائِرِهِ قَبْلُ.

قَوْلُهُ: (الْمَنْجُوفِيُّ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْوَاوِ السَّاكِنَةِ فَاءٌ نِسْبَةً إِلَى جَدِّ جَدِّهِ مَنْجُوفٍ السَّدُوسِيِّ، وهو بَصْرِيٌّ، وَكَذَا بَاقِي رِجَالِ الْإِسْنَادِ غَيْرَ الصَّحَابِيِّ. وَرَوْحٌ بِفَتْحِ

الرَّاءِ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ الْقَيْسِيُّ، وَعَوْفٌ هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ، الْأَعْرَابِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِفَصَاحَتِهِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَهْلٍ، وَاسْمُ أَبِيهِ بَنْدَوَيْهِ - بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ - بِوَزْنِ رَاهْوَيْهِ، وَالْحَسَنُ هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وهو مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْحَسَنِ، فَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ حَدَّثَا بِهِ عَوْفًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِمَّا مُجْتَمِعَيْنِ وَإِمَّا مُتَفَرِّقَيْنِ، فَأَمَّا ابْنُ سِيرِينَ فَسَمَاعُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ، وَأَمَّا الْحَسَنُ فَمُخْتَلَفٌ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى نَفْيِهِ وَتَوْهِيمِ مَنْ أَثْبَتَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ فَلَا تُحْمَلُ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَمِعَ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ هَذَا فِي قِصَّةِ مُوسَى، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِيهَا حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ عَنْهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثًا آخَرَ، وَاعْتِمَادُهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَنِ اتَّبَعَ) هُوَ بِالتَّشْدِيدِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ تَبِعَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا اللَّفْظِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: تَبِعَهُ إِذَا مَشَى خَلْفَهُ أَوْ إِذَا مَرَّ بِهِ فَمَشَى مَعَهُ، وَكَذَلِكَ اتَّبَعَهُ بِالتَّشْدِيدِ، وهو افْتَعَلَ مِنْهُ، فَإِذَا هُوَ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُرَادَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ ابْنِ حِبَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمَشْيِ أَمَامَهَا، وَأَمَّا أَتْبَعَهُ بِالْإِسْكَانِ فَهُوَ بِمَعْنَى لَحِقَهُ إِذَا كَانَ سَبَقَهُ، وَلَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَةُ هُنَا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْمُسْلِمِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: مَعَهَا أَيْ: مَعَ الْجِنَازَةِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يُصَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْصُلُ الْمَوْعُودُ بِهِ إِلَّا لِمَنْ تُوجَدُ مِنْهُ الصَّلَاةُ، وَعَلَى الثَّانِي قَدْ يُقَالُ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، أَمَّا إِذَا قَصَدَ الصَّلَاةَ وَحَالَ دُونِهُ مَانِعٌ فَالظَّاهِرُ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَيُفْرَغُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ، وَقَدْ أَثْبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ إِنَّمَا يَحْصُلَانِ بِمَجْمُوعِ الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ دُونَ الدَّفْنِ يَحْصُلُ بِهَا قِيرَاطٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْمَجْمُوعِ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّةَ مَبَاحِثِهِ وَفَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ) أَيْ: رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ الْهَيْثَمِ، وهو مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ أَعْلَى بِدَرَجَةٍ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْمَوْصُولَ عَنْ رَوْحٍ لِكَوْنِهِ أَشَدَّ إِتْقَانًا مِنْهُ، وَنَبَّهَ بِرِوَايَةِ عُثْمَانَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي هَذَا السَّنَدِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْحَسَنَ، فَكَأَنَّ عَوْفًا كَانَ رُبَّمَا ذَكَرَهُ وَرُبَّمَا حَذَفَهُ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ الْمَنْجُوفِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مَرَّةً بِإِسْقَاطِ الْحَسَنِ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَمُتَابَعَةُ عُثْمَانَ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنِ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ أَبِي عَوَانَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ. . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَفْظُهُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ رَوْحٍ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: وَكَانَ مَعَهَا، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا فَلَزِمَهَا، وَفِي قَوْلِهِ: وَيُفْرَغُ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ بَدَلَهَا وَتُدْفَنُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَلَهُ قِيرَاطٌ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ. وَلِهَذَا الِاخْتِلَافِ فِي اللَّفْظِ قَالَ الْمُصَنِّفُ نَحْوَهُ، وهو بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: بِمَعْنَاهُ.

٣٦ - بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ، وهو لَا يَشْعُرُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ، وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أجاب النَّوويُّ: بأنَّه أثبتَ له الفلاحَ لأنَّه أتى بما عليه، وليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ على ذلك لا يكون مفلحًا؛ لأنَّه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أَوْلى.

وفي هذا الحديث: أنَّ السَّفر والارتحال لتعلُّم العلم مشروعٌ، وجواز الحلف من غير استحلافٍ ولا ضرورةٍ، ورجاله كلُّهم مدنيُّون، وتسلسلٌ بالأقارب؛ لأنَّ إسماعيل يرويه (١) عن خاله عن عمِّه عن أبيه، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٨٩١] وفي «ترك الحيل» [خ¦٦٩٥٦]، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وأبو داودَ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ فيها وفي «الصَّوم».

(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، و «اتِّباع» بتشديد التَّاء المكسورة، و «الجَنائز» جمع جَِنازةٍ؛ بفتح الجيم وكسرها: المَيت، أو بالفتح: للميت، وبالكسر: للنَّعش، أو عكسه، أو بالكسر: النَّعش وعليه الميت.

٤٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ) نسبةً إلى جدِّ أبيه مَنْجُوفٍ؛ بفتح الميم وسكون النُّون وضمِّ الجيم وفي آخره فاءٌ؛ ومعناه: الموسع، المُتوفَّى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وبالحاء المُهمَلَتين، ابن عبادة بن العلاء البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء؛ ابن أبي جميلةَ

بَنْدُوْيه؛ بفتح المُوحَّدة وبالنُّون السَّاكنة والدَّال المُهمَلة المضمومة والواو السَّاكنة والمُثنَّاة التَّحتيِّة، العبديُّ الهجريُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ أو سبعٍ وأربعين ومئةٍ، ونُسِبَ إلى التَّشيُّع (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (وَمُحَمَّدٍ) بالجرِّ عطفًا على «الحسن»، وللأَصيِليِّ: «ومحمَّدٌ» بالرَّفع؛ هو ابن سيرين، أبو بكرٍ الأنصاريُّ مولاهم البصريُّ، التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة عشرٍ ومئةٍ بعد الحسن بمئةٍ وعشرين يومًا، كلاهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) والجمهور على أنَّ الحسن لم يسمع من أبي هريرة (١) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنِ اتَّبَعَ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «تبِع» بغير ألفٍ وكسر المُوحَّدة (جَنَازَةَ مُسْلِمٍ) حال كون ذلك (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) أي: مؤمنا محتسبًا، لا مكافأةً ومخافةً (وَكَانَ مَعَهُ) أي: مع المسلم، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «معها» أي: الجنازة (حَتَّى يُصَلَّى) بفتح اللَّام في «اليونينيَّة» فقط، وفي «هامشها» (٢) بكسرها (عَلَيْهَا وَيَُفْرَُغَ مِنْ دَفْنِهَا) بالبناء للفاعل في الفعلين، أو بالبناء للمفعول، والجارُّ والمجرور فيهما هو النَّائب عن الفاعل، وللأَصيليِّ: «يصلِّ» بحذف الياء وكسر اللَّام (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ) مُثنَّى قيراطٍ؛ وهو اسمٌ لمقدارٍ من الثَّواب يقع على القليل والكثير، بيَّنه بقوله: (كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ) جبل (أُحُدٍ) بضمَّتين بالمدينة، سُمِّي به لتوحُّده وانقطاعه عن جبالٍ أخرى هناك، فحصول القيراطين مُقيَّدٌ بالصَّلاة والاتِّباع في جميع الطَّريق مع الدَّفن؛ وهو: تسوية القبر بالتَّمام، أو نصب اللَّبِنِ عليه، والأوَّل أصحُّ عندنا، ويحتمل حصول القيراط بكلٍّ منهما، لكن بتفاوت (٣) القيراط، ولا يُقَال: يحصل القيراطان بالدَّفن من غير صلاةٍ؛ عملًا بظاهر رواية فتح لام «يُصلَّى (٤)» لأنَّ المُرَاد فِعلُهما معًا؛ جمعًا بين الرِّوايتين

وحملًا للمُطلَق على المُقيَّد (وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ) بنصب «قبلَ» على الظَّرفيَّة، و «أن»: مصدريَّةٌ، أي: قبل الدَّفن (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) من الأجر، فلو صلَّى وذهب إلى القبر وحده ثمَّ حضر الدَّفن لم يحصل له القيراط الثَّاني، كذا قاله النَّوويُّ، وليس في الحديث ما يقتضي ذلك إلَّا بطريق المفهوم، فإن ورد منطوقٌ بحصول القيراط بشهود الدَّفن وحده كان مُقدَّمًا، ويُجمَع حينئذٍ بتفاوت القيراط، ولو صلَّى ولم يُشيِّع رجع بالقيراط؛ لأنَّ كلَّ ما قبل الصَّلاة وسيلةٌ إليها، لكن يكون قِيراطُ مَنْ صلَّى دونَ قِيراطِ مَنْ شيَّع مثلًا وصلَّى، وفي «مسلمٍ»: «أصغرهما (١) مثل أُحُدٍ»، وهو يدلُّ على أنَّ القراريط تتفاوت، وفي رواية مسلمٍ أيضًا: «من صلَّى على جنازةٍ ولم يتَّبعها فله قيراطٌ»، لكن يحتمل أن يكون المُرَاد بـ «الاتِّباع» هنا ما بعد الصَّلاة، ولو تبعها ولم يصلِّ ولم يحضر الدَّفن فلا شيءَ له، بل حُكِيَ عن أَشْهَبَ كراهتُه، وسيأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٢٣] بحول الله وقوَّته.

وفي الحديث: الحثُّ على صلاة الجنازة واتِّباعها، وحضور الدَّفن، والاجتماع لها، ورجاله كلُّهم بصريُّون غير أبي هريرة، واشتمل على التَّحديث والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الإيمان» و «الجنائز».

(تَابَعَهُ) أي: تابع روحًا في الرِّواية عن عوفٍ (عُثْمَانُ) بن الهيثم بن جَهْمٍ البصريُّ (المُؤَذِّنُ) بجامعها، المُتوفَّى لإحدى عَشْرَةَ ليلةً خلت من رجب سنة عشرين ومئتين، وفي رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله -أي: البخاريُّ-: تابعه عثمان المؤذِّن» (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين، ولم يروه عن الحسن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ نَحْوَهُ) بالنَّصب، أي: بمعنى ما سبق لا بلفظه، وهذه المُتابَعة وصلها أبو نعيمٍ في «مُستخرَجه».

(٣٦) هذا (بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ) على صيغة المعلوم من «باب عَلِم يعلَم» (عَمَلُهُ) أي: من حَبْطِ عمله وهو ثوابه الموعود به (وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) به، جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، لا يُقَال: إنَّ ما قاله المؤلِّف يقوِّي مذهب الإحباطيَّة؛ لأنَّ مذهبهم إحباط الأعمال بالسَّيِّئات وإذهابها جملةً، فحكموا على العاصي بحكم الكافر؛ لأنَّ مُرَاد المؤلِّف إحباطُ ثواب ذلك العمل فقط لأنَّه لا يُثَاب إلَّا على ما أخلص فيه، وقال النَّوويُّ: المُرَاد بـ «الحبط»: نقصانُ الإيمان، وإبطال بعض العبادات لا الكفر. انتهى. ولفظة: «مِنْ» ساقطةٌ في رواية ابن عساكر، وهي مقدَّرةٌ عند سقوطها لأنَّ المعنى عليها، وهذا الباب وضعه المؤلِّف ردًّا على المرجئة القائلين: بأنَّ الإيمان هو التَّصديق بالقلب فقط، المُطلقين الإيمان الكامل مع وجود المعصية.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن شريكٍ (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب؛ بكسر الراء، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وتسعين: (مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا) بفتح المُعجَمة، أي: يكذِّبني مَنْ رأى عملي مخالفًا لقولي، وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان يَعِظُ، وفي روايةٍ للأربعة: «مكذِّبًا» بكسر الذَّال، وهي رواية الأكثر كما قاله الحافظ ابن حجرٍ؛ ومعناه: أنَّه مع وعظه للنَّاس لم يبلغ غاية العمل، وقد ذمَّ الله تعالى مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المُنْكر وقصَّر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. وقال البيضاويُّ في آية ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤]: إنَّها ناعيةٌ على من يَعِظُ غيرَه ولا يَعِظُ نفسَه سوءَ صنيعِه

وخُبْثَ نفسِه، وأنَّ فعلَه فعلُ الجاهل بالشَّرع، أو الأحمق الخالي عن العقل، فإنَّ الجامع بينهما تأبى عنه شَكِيمته، والمُرَاد بها: حثُّ الواعظ على تزكية النَّفس، والإقبال عليها بالتَّكميل، لِيقومَ فيقيمَ غيره (١)، لا منع الفاسق من الوعظ، فإنَّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر. انتهى.

وهذا التَّعليق المذكور وصله المصنِّف في «تاريخه» عن أبي نعيمٍ، وأحمدُ ابن حنبل في «الزُّهد» عن ابن مهديٍّ، كلاهما عن سفيانَ الثَّوريِّ، عن أبي حيَّان التَّيميِّ، عن إبراهيم المذكور.

(وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم، عَبد الله -بفتح العين- ابن عُبيد الله -بضمِّها- القرشيُّ التَّيميُّ المكيُّ الأحول المؤذِّن القاضي لابن الزُّبير، المُتوفَّى سنة سَبْعَ عشْرةَ ومئةٍ: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) وفي نسخةٍ: «رسول الله» () أجلُّهم عائشة، وأختها أسماء، وأمُّ سلمة، والعبادلة الأربعة، وعقبة بن الحارث، والمِسْوَرُ بن مَخْرَمة (كُلُّهُمْ يَخَافُ) أي: يخشى (النِّفَاقَ) في الأعمال (عَلَى نَفْسِهِ) لأنَّه قد يعرض للمؤمن في عمله ما يشوبه ممَّا يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم ذلك وقوعه منهم، وإنَّما ذلك على سبيل المُبالغَة منهم في الورع والتَّقوى، رضي الله عنَّا بهم، أو قالوا ذلك لكون أعمارهم طالت حتَّى رأَوْا مِنَ التَّغيير ما لم يعهدوه مع عجزهم عن إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسُّكوت (مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ:

إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) عليهما الصلاة والسلام، أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لأنَّهما معصومان لا يطرأ عليهما ما يطرأ على غيرهما من البشر، وقد روى معنى هذا الأثرِ الطَّبرانيُّ في «الأوسط» مرفوعًا من حديث عائشة بإسنادٍ ضعيفٍ، وفي هذا الأثر إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه (وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ ممَّا وصله جعفر الفريابيُّ في «كتاب صفة المنافق» له من طرقٍ: (مَا خَافَهُ) أي: النِّفاق، وفي نسخةٍ: «عن الحسن أنَّه قال: ما خافه» وفي روايةٍ: «وما خافه» (إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ) بفتح الهمزة وكسر الميم (إِلَّا مُنَافِقٌ) جعل النَّوويُّ الضَّميرَ في «خافه» و «أمنه» لله تعالى، وتبعه جماعةٌ على ذلك، لكنَّ سياق الحسن البصريِّ المرويَّ عند الفريابيِّ حيث قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا جعفر بن سليمان عن المعلَّى بن زيادٍ: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلَّا هو: ما مضى مُؤمن قطُّ ولا (١) بقي إلَّا وهو من النفاق مُشفِقٌ، ولا مضى منافقٌ قطُّ ولا بقي إلَّا وهو من النِّفاق آمنٌ، وهو عند أحمد بلفظ: والله ما مضى مؤمنٌ ولا بقي إلَّا وهو يخاف النِّفاق، ولا أمنه إلَّا منافقٌ. يُعيِّن إرادة المؤلف الأوَّل، وأتى بـ «يُذكر» الدالة على التمريض مع صحَّة هذا الأثر؛ لأنَّ عادته الإتيان بنحو ذلك فيما يختصره من المتون أو يسوقه بالمعنى، لا أنَّه ضعيفٌ.

ثم عطف المؤلِّف على خوف المؤمن قوله: (وَمَا يُحْذَرُ) بضم أوله وفتح ثالثه المعجم مع التخفيف. وقال الحافظ ابن حجر: بتشديده، أي: وباب ما يُحذَّر (مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَّقَاتُلِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ) وفي رواية أبوي ذر والوقت: «على النِّفاق» بدل «التَّقاتل»، والأولى هي المناسبة لحديث الباب؛ حيث قال فيه -كما سيأتي إن شاء الله تعالى-: «وقتاله كفرٌ» [خ¦٤٨]

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لما فِيهِ من تَعْظِيمه الْمَخْلُوق، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح عِنْد الْعلمَاء. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف مُضَاف تَقْدِيره: وَرب أَبِيه، فاضمر ذَلِك فِيهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يضمر بل يذهب فِيهِ، وَسمعت بعض مَشَايِخنَا يُجيب بجوابين آخَرين: أَحدهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون الحَدِيث: أَفْلح وَالله، فقصر الْكَاتِب اللامين فَصَارَت: وَأَبِيهِ، وَالْآخر: خُصُوصِيَّة ذَلِك بالشارع دون غَيره، وَهَذِه دَعْوَى لَا برهَان عَلَيْهَا. وَأغْرب الْقَرَافِيّ حَيْثُ قَالَ: هَذِه اللَّفْظَة وَهِي: وابيه، اخْتلف فِي صِحَّتهَا، فَإِنَّهَا لَيست فِي الْمُوَطَّأ، وَإِنَّمَا فِيهَا افلح إِن صدق، وَهَذَا عَجِيب، فَالزِّيَادَة ثَابِتَة لَا شكّ فِي صِحَّتهَا وَلَا مرية.

٣٥ - (بابُ اتِّبَاعُ الْجَنائِزِ مِنَ الإِيمَان)

أَي: هَذَا بَاب، وَهُوَ منون، وَيجوز ترك التَّنْوِين بإضافته إِلَى الْجُمْلَة، اعني: قَوْله اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان، فَقَوله: (اتِّبَاع الْجَنَائِز) كَلَام أضافي مُبْتَدأ. وَقَوله: (من الْإِيمَان) خَبره اي: اتِّبَاع الْجَنَائِز شُعْبَة من شعب الْإِيمَان، وَاتِّبَاع بتَشْديد التَّاء مصدر اتبع من بَاب الافتعال، والجنائز جمع جَنَازَة، بِالْجِيم الْمَفْتُوحَة والمكسورة، وَالْكَسْر أفْصح، وَقيل بِالْفَتْح للْمَيت، وبالكسر للنعش، وَعَلِيهِ الْمَيِّت. وَقيل: عَكسه مُشْتَقَّة من جنز، اذا ستر، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ، والعامة تَقول بِالْفَتْح، وَالْمعْنَى: للْمَيت على السرير وَإِذا لم يكن عَلَيْهِ الْمَيِّت فَهُوَ سَرِير ونعش، وَفِي (الْعباب) لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: السرير؛ والجنازة، بِالْفَتْح: الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن السّكيت وَابْن قُتَيْبَة: يُقَال: الْجِنَازَة والجنازة، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَيِّت نَفسه، قَالَ: والعوام يتوهمون أَنه السرير. وَقَالَ النَّضر: الْجِنَازَة: السرير مَعَ الرجل جَمِيعًا. وَقَالَ الْخَلِيل: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: خشب الشرجع، وَقد جرى فِي أَفْوَاه النَّاس الْجِنَازَة بِالْفَتْح، والنحارير يُنكرُونَ ذَلِك. وَقَالَ غَيره: إِذا لم يكن عَلَيْهِ ميت فَهُوَ سَرِير أَو نعش، وكل شَيْء ثقل على قوم واغتموا بِهِ فَهُوَ جَنَازَة. وَقَالَ ابْن عباد: الْجِنَازَة، بِالْكَسْرِ: الْمَرِيض، وَطعن فلَان فِي جنَازَته، وَرمى فِي جنَازَته إِذا مَاتَ. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: جنزت الشَّيْء أجنزه جنزاً إِذا سترته، وَزعم قوم أَن مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة. قَالَ: وَلَا أَدْرِي مَا صِحَّته. وَقَالَ اللَّيْث: جنز الشَّيْء إِذا جمع، وَقيل: مِنْهُ اشتقاق الْجِنَازَة، لِأَن الثِّيَاب تجمع على الْمَيِّت. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: إِن النوار لما احتضرت أوصت أَن يُصَلِّي عَلَيْهَا الْحسن الْبَصْرِيّ، فاخبر الْحسن بذلك فَقَالَ: إِذا جنزتموها فآذنوني. قَالَ: فاسترككنا هَذِه الْكَلِمَة من الْحسن يَوْمئِذٍ، يَعْنِي: التجنيز. فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: الانسان لَهُ حالتان: حَالَة الْحَيَاة وَحَالَة الْمَمَات، فالمذكور فِي الْبَاب الأول هُوَ أَرْكَان الدّين الَّتِي يحصل الثَّوَاب بإقامتها بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِدُونِ وَاسِطَة، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ الثَّوَاب الَّذِي يحصل بِمُبَاشَرَة الْأَحْيَاء بِوَاسِطَة الْأَمْوَات. وَقَالَ بَعضهم: ختم المُصَنّف التراجم الَّتِي وَقعت لَهُ من شعب الْإِيمَان بِهَذِهِ التَّرْجَمَة، لِأَن ذَلِك آخر أَحْوَال الدُّنْيَا. قلت: هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَنَّهُ بَقِي من الْأَبْوَاب المترجمة بشعب الْإِيمَان بَاب: أَدَاء الْخمس من الْإِيمَان، وَهُوَ مَذْكُور بعد أَرْبَعَة أَبْوَاب من هَذَا الْبَاب، وَكَيف يَصح أَن يُقَال ختم بِهَذِهِ التَّرْجَمَة التراجم الْمَذْكُورَة؟ فان قلت: مَا وَجه قَوْله فِي الْبَاب السَّابِق: بَاب الزَّكَاة من الْإِسْلَام، وَفِي هَذَا الْبَاب: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان؟ قلت: رَاعى الْمُنَاسبَة والمطابقة فيهمَا، فَإِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول لفظ: الاسلام، حَيْثُ قَالَ: (فَإِذا هُوَ يسْأَل عَن الْإِسْلَام) وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب لفظ الْإِيمَان، حَيْثُ قَالَ: من اتبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا، فترجم الْبَاب على لَفْظَة الْإِيمَان.

٤٧ - حدّثنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ قَالَ حّدثنا رَوْحٌ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ ومُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُريْرَةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَاناً واحْتِساباً وكانَ مَعَهُ حتَّى يُصَلَّى عَلَيْها وُيفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فانَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطْينِ كُلُّ قيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ ومَنْ صَلَّى علَيْهَا ثُمَّ رجَعَ قَبْلَ أنْ تُدْفَنَ فإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، من حَيْثُ أَن مُبَاشرَة الْعَمَل الَّذِي فِيهِ الثَّوَاب قدر قيراطين، والقيراط مثل جبل أحد، شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَرَأَيْت من ذكر من الشُّرَّاح وَجه مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة، قد تعلق بقوله: إِيمَانًا واحتساباً. وَهَذَا لَا وَجه لَهُ.

فان المُرَاد من معنى الْإِيمَان هَهُنَا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، مَعْنَاهُ: مُصدقا بِأَنَّهُ حق وَطَاعَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ، وَفِي قَوْله: واحتساباً مُسْتَوفى فِي بَاب قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان.

بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: احْمَد بن عبد الله بن عَليّ بن سُوَيْد بن منجوف، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَضم الْجِيم وَفِي آخِره فَاء، وَمَعْنَاهُ: الموسع، ونسبته إِلَيْهِ، وكنيته أَبُو بكر السدُوسِي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ وابو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، بن عبَادَة بن الْعَلَاء بن حسان بن عمر بن مرْثَد الْبَصْرِيّ، قَالَ الْخَطِيب: كَانَ كثير الحَدِيث، وصنف الْكتب فِي السّنَن وَالْأَحْكَام وَالتَّفْسِير، وَكَانَ ثِقَة. قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: نظرت لروح بن عبَادَة فِي أَكثر من مائَة الف حَدِيث، كتبت مِنْهَا عشرَة آلَاف. وَقَالَ يحيى بن معِين: لَا بَأْس بِهِ صَدُوق، توفّي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عَوْف، بِالْفَاءِ، ابْن أبي جميلَة بندويه، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالنُّون الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة المضمومة وواو سَاكِنة وياء آخر الْحُرُوف مَفْتُوحَة، وَغلط من قَالَ بِوَزْن: رَاهَوَيْه، وَقيل: اسْمه بنده أَي: العَبْد، يعرف بالأعرابى، وَلم يكن أَعْرَابِيًا، وَإِنَّمَا قيل لفصاحته، الْعَبْدي الهجري الْبَصْرِيّ، سمع جمعا من كبار التَّابِعين مِنْهُم الْحسن، وَعنهُ الْأَعْلَام: الثَّوْريّ وَشعْبَة وَغَيرهمَا، وثقته مجمع عَلَيْهَا، ولد سنة تسع وَخمسين، وَمَات سنة سِتّ وَقيل: سنة سبع واربعين وَمِائَة، وَنسب إِلَى التَّشَيُّع، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقد مر ذكره. الْخَامِس: مُحَمَّد بن سِيرِين أَبُو بكر الْأنْصَارِيّ، مَوْلَاهُم، الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْجَلِيل، أَخُو أنس ومعبد وَيحيى وَحَفْصَة وكريمة أَوْلَاد سِيرِين، وَسِيرِين مولى أنس من سبي عين التَّمْر، وَإِذا أطلق إِبْنِ سِيرِين فَهُوَ: مُحَمَّد هَذَا، وَهَؤُلَاء السِّتَّة كلهم تابعيون، وَذكر أَبُو عَليّ الْحَافِظ خَالِدا بدل كَرِيمَة، قَالَ: واكبرهم معبد، وأصغرهم حَفْصَة. قلت: وَفِي أَوْلَاد سِيرِين أَيْضا: عمْرَة وَسَوْدَة. قَالَ ابْن سعد: أمهَا أم ولد كَانَت لأنس، وَذكر بَعضهم من أَوْلَاده أَيْضا: أشعب، فَهَؤُلَاءِ عشرَة. كَاتب أنس، رَضِي الله عَنهُ، سِيرِين على عشْرين ألف دِرْهَم، فأداها وَعتق، وَأم مُحَمَّد وأخوته صَفِيَّة مولاة الصّديق، طيبها ثَلَاث من أَزوَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَدَعَوْنَ لَهَا وَحضر أملاكها ثَلَاثَة عشر بَدْرِيًّا مِنْهُم: أبي بن كَعْب يَدْعُو وهم يُؤمنُونَ، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، قَالَ هِشَام بن حسان: أدْرك ثَلَاثِينَ صحابياً، ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ أكبر من أَخِيه أنس، وَعنهُ خلق من التَّابِعين: الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَأَيوب، مَاتَ سنة عشر وَمِائَة بعد الْحسن بِمِائَة يَوْم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: ابو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون مَا خلا أَبَا هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ. وَمِنْهَا: أَن البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، قرن فِيهِ بَين الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين لما أسلفنا أَن الْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة عِنْد الْجُمْهُور، فقرنه بِمُحَمد بن سِيرِين لِأَنَّهُ سمع مِنْهُ، فالاعتماد عَلَيْهِ، وعَلى قَول من يَقُول: إِن الْحسن سمع مِنْهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَا سمعا هَذَا الحَدِيث من أبي هُرَيْرَة مُجْتَمعين، وَإِمَّا ان يَكُونَا سمعا مِنْهُ مفترقين، وَإِنَّمَا أوردهُ البُخَارِيّ كَمَا سمع، وَقد وَقع لَهُ نَظِير هَذَا فِي قصَّة مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيثا من طَرِيق روح بن عبَادَة بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرج أَيْضا فِي بَدْء الْخلق عَنْهُمَا، عَن أبي هُرَيْرَة حَدِيثا آخر، واعتماده فِي كل ذَلِك على ابْن سِيرِين، لِأَن الْحسن، وَإِن صَحَّ سَمَاعه عَن أبي هُرَيْرَة، فَإِنَّهُ كثير الْإِرْسَال فَلَا تحمل عنعنته على السماع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالُوا: لم يَصح سَماع الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة، أَقُول: فعلى هَذَا التَّقْدِير يكون لفظ: عَن أبي هُرَيْرَة، مُتَعَلقا بِمُحَمد فَقَط، أَو يكون مُرْسلا. قلت: قَوْله: أَو يكون مُرْسلا، إِن أَرَادَ بِهِ أَن الحَدِيث يكون مُرْسلا، فَلَا يَصح، وَإِن أَرَادَ بِهِ الْإِرْسَال من جِهَة الْحسن فَلهُ وَجه على تَقْدِير عدم سَمَاعه من أبي هُرَيْرَة.

بَيَان من أخرجه غَيره: أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سَلام عَن اسحاق الْأَزْرَق، وَفِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر، كِلَاهُمَا عَن عَوْف عَن مُحَمَّد بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (اتبع) ، بتَشْديد التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق فِي أَكثر الرِّوَايَات، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: تبع، بِدُونِ الْألف وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، يُقَال: تبِعت الشَّيْء تبعا وتباعة، بِفَتْح التَّاء، وَتبع وَاتبع وَاتبع وَاحِد، وَقيل: اتبعهُ: لحقه وَمَشى خَلفه، وَاتبعهُ: حذا

حذوه. وَفِي (الْعباب) : تبِعت الْقَوْم بِالْكَسْرِ اتبعهم تبعا وتباعة، بِالْفَتْح: إِذا مشيت خَلفهم، أَو مروا بك فمضيت مَعَهم، وَاتَّبَعت الْقَوْم مثل تبعتهم إِذا كَانُوا قد سبقوك فلحقتهم، وَاتَّبَعت أَيْضا غَيْرِي وَقَوله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن وَجُنُوده} (يُونُس: ٩٠) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي لحقهم أَو كَاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فَاتبعهُ الشَّيْطَان} (الْأَعْرَاف: ١٧٥) اي: لحقه، وَقَالَ الْفراء: يُقَال تبعه وَاتبعهُ. لحقه والحقه، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَأتبعهُ شهَاب ثاقب} (الصافات: ١٠) وَقَوله تَعَالَى: {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: ٨٥) و {فَاتبع سَببا} (الْكَهْف: ٨٥) بِقطع الْهمزَة فِي قِرَاءَة أهل الشَّام والكوفة، كل ذَلِك: لحق. وَقَالَ الْأَزْهَرِي فِي قَوْله تَعَالَى: {فاتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده} (يُونُس: ٩٠) أَرَادَ: اتبعهم إيَّاهُم. قَوْله: (ايماناً واحتساباً) قد مر الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي قيام لَيْلَة الْقدر. قَوْله: (يرجع) ، من الرُّجُوع لَا من الرجع. قَوْله: (قِيرَاط) ، أَصله: قراط، بتَشْديد الرَّاء بِدَلِيل جمعه على قراريط، فأبدل من إِحْدَى الرائين يَاء، كَمَا فِي الدِّينَار أَصله: دنار، بِدَلِيل جمعه على دَنَانِير، والقيراط فِي اللُّغَة: نصف دانق. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: القيراط جُزْء من أَجزَاء الدِّينَار، وَهُوَ نصف عشرَة فِي أَكثر الْبِلَاد، وَأهل الشَّام يجعلونه جزأ من أَرْبَعَة وَعشْرين جزأ، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ بعض الشَّيْء، وَفِي (الْعباب) : وزن القيراط يخْتَلف باخْتلَاف الْبِلَاد، فَهُوَ عِنْد أهل مَكَّة: ربع سدس الدِّينَار، وَعند أهل الْعرَاق: نصف عشر الدِّينَار. انْتهى. وَعند الْفُقَهَاء: القيراط جُزْء من عشْرين جزأ من الدِّينَار، وكل قِيرَاط ثَلَاث حبات، فَيكون الدِّينَار سِتِّينَ حَبَّة، وكل حَبَّة أَربع أرزات، فَيكون مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين أرزة. وَيُقَال: القيراط طسوجتان، والطسوجة حبتان، والحبة شعيرتان، والشعيرة ذرتان، والذرة فتيلتان. وَقد أَرَادَ الشَّارِع من القيراط هَهُنَا قدر جبل أحد، وَالْمَقْصُود أَن القيراط: مِقْدَار من الثَّوَاب مَعْلُوم عِنْد الله تَعَالَى وَهَذَا الحَدِيث يدل على عظم مِقْدَاره فِي هَذَا الْمَوْضُوع، وَلَا يلْزم من هَذَا أَن يكون هَذَا هُوَ القيراط الْمَذْكُور فِيمَن اقتنى كَلْبا إلَاّ كلب صيد أَو زرع أَو مَاشِيَة نقص من أجره كل يَوْم قِيرَاط. بل يجوز أَن يكون أقل مِنْهُ أَو أَكثر. قلت: بل الظَّاهِر أَن القيراط فِي الْأجر اعظم من القيراط الْمَذْكُور فِي نقص الْأجر، لِأَنَّهُ من قبيل الْمَطْلُوب تَركه. وَالْأول من قبيل الْمَطْلُوب فعله، وَهُوَ الصَّلَاة على الْجِنَازَة وَحُضُور دَفنهَا، وَقد رَأينَا عَادَة الشَّرْع تَعْظِيم الْحَسَنَات وتضعيفها دون السَّيِّئَات، كرماً مِنْهُ تَعَالَى وَرَحْمَة، ولطفاً. وَالْحَاصِل أَن القيراط: اسْم لمقدار من الثَّوَاب يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير، وَبَين فِي هَذَا الحَدِيث أَنه مثل أحد، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم: القيراط أعظم من أحد. ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ. وفى رِوَايَة للْحَاكِم من حَدِيث أبي بن كَعْب مَرْفُوعا: (وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَهو فِي الْمِيزَان أثقل من أحد) . وَفِي اسناده: الْحجَّاج بن ارطأة، وَفِيه مقَال. وَفِي السّنَن الصِّحَاح المأثورة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من أُوذِنَ بِجنَازَة فَأتى أَهلهَا فعزاهم كتب الله لَهُ قيراطاً، فان شيعها كتب الله لَهُ قيراطين، فَإِن صلى عَلَيْهَا كتب الله لَهُ ثَلَاثَة قراريط، فَإِن شهد دَفنهَا كتب الله لَهُ أَرْبَعَة قراريط، القيراط مثل أحد) . قَوْله: (مثل أحد) بِضَمَّتَيْنِ: وَهُوَ الْجَبَل الَّذِي بِجنب الْمَدِينَة على نَحْو ميلين مِنْهَا، وَهُوَ فِي شمال الْمَدِينَة، وَسمي بِهَذَا الإسم لتوحده وانقطاعه عَن جبال أُخْرَى هُنَالك. وَفِي الحَدِيث من طَرِيق أبي عِيسَى بن جبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أحد يحبنا ونحبه، وَهُوَ على بَاب الْجنَّة. قَالَ: وعير يبغضنا ونبغضه، وَهُوَ على بَاب من أَبْوَاب النَّار) . قَالَ السُّهيْلي: وَفِي أحد قبر هَارُون، عَلَيْهِ السَّلَام، أخي مُوسَى الكليم، وَفِيه قُبض، وثمة واراه مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَكَانَا قد مرا بِأحد حاجين أَو معتمرين.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (وَمُحَمّد) بِالْجَرِّ، عطف على الْحسن. قَوْله: (من اتبع) كلمة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط، فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، و: اتبع، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل: (وجنازة مُسلم) كَلَام إضافي مَفْعُوله، وَالْجُمْلَة صلَة الْمَوْصُول. قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على الْحَال بِمَعْنى: مُؤمنا ومحتسباً، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب: تطوع قيام رَمَضَان من الْإِيمَان. قَوْله: (وَكَانَ مَعَه) أَي: مَعَ الْمُسلم، هَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَكَانَ مَعهَا، أَي مَعَ الْجِنَازَة، وَهَذِه الْجُمْلَة عطف على قَوْله: اتبع. قَوْله: (حَتَّى يُصلي عَلَيْهَا) على صِيغَة الْمَعْلُوم، بِكَسْر اللَّام، وَالضَّمِير فِي: يُصَلِّي، يرجع إِلَى: من، وَفِي: عَلَيْهَا، إِلَى: الْجِنَازَة. ويروى بِفَتْح اللَّام على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَوله: عَلَيْهَا، مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. وَكَذَلِكَ رُوِيَ (ويفرغ من دَفنهَا) على الْوَجْهَيْنِ، و: حَتَّى، هَذِه للغاية، وَأَن الناصبة بعْدهَا مضمرة، وَقَوله: يُصَلِّي ويفرغ، منصوبان بهَا. قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر) خبر الْمُبْتَدَأ، أَعنِي قَوْله: من، وَإِنَّمَا دخلت الْفَاء لتَضَمّنه معنى الشَّرْط، كَمَا ذكرنَا. وَكلمَة: من، بَيَانِيَّة، فَإِن قلت: مَا مَحل قَوْله: من الْأجر؟ قلت: حَال من قَوْله: (بقيراطين) ، وَفِي الْحَقِيقَة هِيَ صفة وَلكنهَا لما قدمت صَارَت حَالا. وَالْبَاء فِي: بقيراطين، تتَعَلَّق بقوله: يرجع. قَوْله: (كل قِيرَاط) كَلَام إضافي

مُبْتَدأ. وَقَوله: (مثل أحد) أَيْضا كَلَام إضافي خَبره. وَاحِد منصرف لِأَنَّهُ علم الْمُذكر. قَوْله: (وَمن صلى) مثل قَوْله: (من اتبع جَنَازَة مُسلم) . وَقَوله: (ثمَّ رَجَعَ) عطف على: صلى. قَوْله: (قبل ان تدفن) نصب على الظّرْف، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: قبل الدّفن. وَقَوله: (فانه) خبر الْمُبْتَدَأ، كَمَا فِي الأول. قَوْله: (من الاجر) حَال من قَوْله: (بقيراط) .

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقيراطين) حُصُول القيراطن هَهُنَا مُقَيّد بِثَلَاثَة أَشْيَاء. الأول: الِاتِّبَاع، وَالثَّانِي: الصَّلَاة عَلَيْهِ. وَالثَّالِث: حُضُور الدّفن. فَإِن قلت: لَو اتبع حَتَّى دفنت وَلم يصل عَلَيْهَا هَل لَهُ القيراطان؟ قلت: لَا، إِذْ المُرَاد أَن يُصَلِّي هُوَ أَيْضا، جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ وحملاً للمطلق على الْمُقَيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: اعْلَم أَن الصَّلَاة يحصل بهَا قِيرَاط إِذا انْفَرَدت، فَإِن انْضَمَّ إِلَيْهَا الِاتِّبَاع حَتَّى الْفَرَاغ حصل لَهُ قِيرَاط ثَان، فَلِمَنْ صلى وَحضر الدّفن القيراطان، وَلمن اقْتصر على الصَّلَاة قِيرَاط وَاحِد، وَلَا يُقَال: يحصل بِالصَّلَاةِ مَعَ الدّفن ثَلَاثَة قراريط، كَمَا يتوهمه بَعضهم من ظَاهر بعض الْأَحَادِيث، وَلِأَن هَذَا النَّوْع صَرِيح، والْحَدِيث الْمُطلق والمحتمل مَحْمُول عَلَيْهِ، وَأما الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا: (من صلى على جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط وَمن تبعها حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان) فَمَعْنَاه: فَلهُ تَمام قيراطين بالمجموع. وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى: {ائنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الارض فى يَوْمَيْنِ} (فصلت: ٩) إِلَى قَوْله: {فى اربعة أَيَّام} (فصلت: ١٠) ثمَّ قَالَ: {فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ} قَالَ: وَأما الدّفن فَفِيهِ وَجْهَان: الصَّحِيح: أَنه تَسْوِيَة الْقَبْر بالتمام، وَالثَّانِي: انه نصب اللَّبن عَلَيْهِ، وان لم يهل عَلَيْهِ التُّرَاب. قَالَ: ثمَّ فِي الحَدِيث تَنْبِيه على مَسْأَلَة أُخْرَى، وَهُوَ: ان القيراط الثَّانِي مُقَيّد بِمن اتبعها، وَكَانَ مَعهَا فى جميح الطَّرِيق حَتَّى تدفن، فَلَو صلى وَذهب إِلَى الْقَبْر وَحده، وَمكث حَتَّى جَاءَت الْجِنَازَة وَحضر الدّفن لم يحصل لَهُ القيراط الثَّانِي، وَكَذَا لَو حضر الدّفن وَلم يصل، أَو اتبعها وَلم يصل فَلَيْسَ فِي الحَدِيث حُصُول القيراط لَهُ، وَإِنَّمَا حصل القيراط لمن تبعها بعد الصَّلَاة، لكنه لَهُ أجر فِي الْجُمْلَة، وَعَن أَشهب: أَنه كره اتِّبَاع الْجِنَازَة وَالرُّجُوع قبل الصَّلَاة، وَحكى ابْن عبد الحكم عَن مَالك: أَنه لَا ينْصَرف بعد الدّفن إلَاّ بِالْإِذْنِ وَإِطْلَاق هَذَا الحَدِيث وَغَيره يُخَالِفهُ.

استنباط الاحكام: الاول: فِيهِ الْحَث على الصَّلَاة على الْمَيِّت وَاتِّبَاع جنَازَته وَحُضُور دَفنه، وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد: حض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على التواصل فِي الْحَيَاة بقوله: (صل من قَطعك وَأعْطِ من حَرمك) . (وَلَا تقاطعوا وَلَا تدابروا) وعَلى التواصل بعد الْمَوْت بِالصَّلَاةِ والتشييع إِلَى الْقَبْر وَالدُّعَاء لَهُ. الثَّانِي: فِيهِ أَن الثَّوَاب الْمَذْكُور إِنَّمَا يحصل لمن تبعها إِيمَانًا واحتساباً، فَإِن حُضُورهَا على ثَلَاثَة أَقسَام: احتسابا ومكافأة ومخافة. والاول: هُوَ الَّذِي يجازى عَلَيْهِ الْأجر ويحط الْوزر، وَالثَّانِي: لَا يعد ذَلِك فِي حَقه. وَالثَّالِث: الله اعْلَم بِمَا فِيهِ. الثَّالِث: فِيهِ وجوب الصَّلَاة على الْمَيِّت وَدَفنه وَهُوَ إِجْمَاع. الرَّابِع: فِيهِ الحض على الِاجْتِمَاع لَهما والتنبيه على عظم ثوابهما، وَهِي مِمَّا خصت بِهِ هَذِه الامة. الْخَامِس: فِيهِ حجَّة ظَاهِرَة للحنفية فِي ان الْمَشْي خلف الْجِنَازَة أفضل من الْمَشْي أمامها، بِظَاهِر قَوْله: (من اتبع) ، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا. وَقَول عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ: وَذهب قوم إِلَى التَّوسعَة فِي ذَلِك وأنهما سَوَاء، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَأبي مُصعب من أَصْحَاب مَالك. وَقَالَ بَعضهم: وَقد تمسك بِهَذَا اللَّفْظ من زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَلَا حجَّة فِيهِ، لِأَنَّهُ يُقَال: تبعه إِذا مَشى خَلفه، أَو إِذا مر بِهِ فَمشى مَعَه، وَكَذَلِكَ: اتبعهُ بِالتَّشْدِيدِ. قلت: هَذَا الْقَائِل نفى حجَّة هَؤُلَاءِ بِمَا هُوَ حجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فسر لفظ تبع بمعنيين: أَحدهمَا: حجَّة لمن زعم أَن الْمَشْي خلفهَا أفضل، وَالْآخر: لَيْسَ بِحجَّة عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ حجَّة لخصمه. فَافْهَم. ثمَّ الرّكُوب وَرَاء الْجِنَازَة لَا بَأْس بِهِ، وَالْمَشْي أفضل. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: لَا فرق عندنَا بَين الرَّاكِب والماشي، يَعْنِي فِي الْمَشْي أمامها خلافًا للثوري حَيْثُ قَالَ: إِن الرَّاكِب يكون خلفهَا، وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند، وَكَأَنَّهُ قلد الْخطابِيّ، فَإِنَّهُ كَذَا ادّعى، وَفِيه حَدِيث صَححهُ الْحَاكِم على شَرط البُخَارِيّ من حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة، وَقَالَ بِهِ من الْمَالِكِيَّة أَيْضا ابو مُصعب.

سُؤال: لم كَانَ الْجَزَاء بالقيراط دون غَيره؟ الْجَواب: إِنَّه أقل مُقَابل عَادَة. آخر: لِمَ خص بِأحد؟ الْجَواب: لِأَنَّهُ أعظم جبال الْمَدِينَة، والشارع كَانَ يُحِبهُ، وَهُوَ أَيْضا يُحِبهُ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.

تابَعَهُ عُثْمانُ المُؤَذِّنُ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ عَنْ مُحمَّدٍ عَنْ أَبى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْوَهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله