عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا) لمَّا حضَروا -وذكر لهم ذلكَ- أنَّهم (مَا قَالُوا) ذلك (فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَذَّبَنِي، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ) وزاد الكُشمِيهنيُّ: «قط» (فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي) كئِيبًا حزينًا (فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٧ - ٨]). وقرأ الحسن: (لنُخرِجنَّ) بالنون، ونصب (الأعزَّ) على المفعول، و (الأذلَّ) على الحال، أي: لنُخرِجنَّ الأعزَّ ذليلًا، وضعِّف بأنَّ الحال لا تكونُ إلَّا نكرةً، و «الأذلَّ» معرفة، ومنهم من جوَّزها، والجمهورُ جعلوا «أل» مزيدةً على حدِّ: أَرْسَلَها العِرَاكَ (١)، وادخلوا الأوَّل فالأوَّل (فَأَرْسَلَ إِلَيَّ) بالتشديد (رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ) فيما قلتَهُ.
(٣) (باب قَوْلِهِ) ﷿: (﴿ذَلِكَ﴾) أي: سوءَ عملهم (﴿بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾) بسبب أنَّهم آمنوا ظاهرًا (﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾) سرًّا (﴿فَطُبِعَ﴾) خُتِمَ (﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾) بالكفرِ (﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]) حقيقةَ الإيمانِ ولا يعرفونَ صحَّته، وسقط «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
٤٩٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابنِ عُتيبة، مصغَّرًا، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ) بالقاف والظاء المعجمة (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) رأسُ النِّفاق لأصحابه: (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ) من المهاجرينَ، وكان الأنصارُ يواسُونهم لمَّا قدموا المدينةَ
(وَقَالَ أَيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ) أي: إلى آخرِ قوله المحكيِّ في الآية (أَخْبَرْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ) بعد إنكارِ عبد الله ذلك، أو أخبرتُه على لسانِ عمِّي (فَلَامَنِي الأَنْصَارُ) على ذلك (وَحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) أنَّه (مَا قَالَ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى المَنْزِلِ) مهمُومًا حزينًا (فَنِمْتُ، فَدَعَانِي) أي: فطلبني (رَسُولُ اللهِ ﷺ) ولأبي ذرٍّ: «فأتاني رسولُ الله ﷺ» (١) (فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ صَدَّقَكَ، وَنَزَلَ) قولَه تعالى: (﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا﴾ الاية [المنافقون: ٧]).
(وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو يحيى بنُ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ فيما وصلَهُ النَّسائيُّ: (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بنِ مهران (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابنِ مرَّة (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن (عَنْ زَيْدٍ) هو ابنُ أرقم ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
(٣ م) (بابُ) قوله ﷿: (﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾) لحسنِ منظرهِم، كما يأتي (﴿وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾) لفصاحتِهم (﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾) جملةٌ مستأنفةٌ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ تقديره: هم كأنَّهم (٢)، أو في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضَّمير في ﴿قَوْلِهِمْ﴾ أي: تسمع لما يقولونَهُ مشبَّهين بأخشابٍ منصوبةٍ مسنَّدة إلى الحائطِ في كونِهم أشباحًا خاليةً عن العلمِ والنَّظر (﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ﴾) تصاحُ واقعةً (﴿عَلَيْهِمْ ة﴾) لما في قلوبِهم من الرُّعب، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هو المفعولُ الثَّاني للحُسبان، وقوله: (﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾) جملةٌ مُستأنفةٌ، أخبرَ اللهُ عنهم بذلك (﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾) فلا تأمنْهُم على سرِّك؛ لأنَّهم عيونٌ لأعدائكَ ينقلونَ إليهم أسراركَ (﴿قَاتَلَهُمُ اللهُ﴾) أهلَكهم (﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]) أي: كيف يُصرفون عن الإيمانِ بعد قيامِ البُرهان؟ وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿كَأَنَّهُمْ﴾ … » إلى آخره، وقال: «الآيةَ» بعد قوله: ﴿لِقَوْلِهِمْ﴾ وسقط لغيرهِ لفظ «باب».
(بابٌ: {وَإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسَامُهُمْ وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسِبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ الله أَنى يُؤْفَكُونَ} (المُنَافِقُونَ: ٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَإِذا رَأَيْتهمْ} الْآيَة ... وَهِي قَوْله يأفكون. سَاقهَا الْأَكْثَرُونَ. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {وَإِذا رَأَيْتهمْ} إِلَى قَوْله: تسمع لقَولهم) الْآيَة قَوْله
{إِذا رَأَيْتهمْ} أَي: الْمُنَافِقين: تعجبك أجسامهم لِاسْتِوَاء خلقهَا وَحسن صورها وَطول قامتها، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَ عبد الله بن أبي رجلا جسيما صَحِيحا صبيحا ذلق اللِّسَان، وَقوم من الْمُنَافِقين فِي صفته وهم رُؤَسَاء الْمَدِينَة كَانُوا يحْضرُون مجْلِس النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيستندون فِيهِ وَلَهُم جهارة المناظر وفصاحة الألسن وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن حضر يعْجبُونَ بهَا كلهم، فَإِذا قَالُوا سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقَولهم: قَالَ الله تَعَالَى: {وَإِن يَقُولُوا نسْمع لقَولهم كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة} أشباح بِلَا أَرْوَاح وأجسام بِلَا أَحْلَام شبهوا فِي استنادهم وَمَا هم إِلَّا أجر أم خَالِيَة عَن الْإِيمَان، وَالْخَيْر بالخشب المسندة إِلَى الْحَائِط لِأَن الْخشب إِذا انْتفع بِهِ كَانَ فِي سقف أَو جِدَار أَو غَيرهمَا من مظان الِانْتِفَاع، وَمَا دَامَ متروكا فَارغًا غير منتفع بِهِ أسْند إِلَى الْحَائِط فشبهوا بِهِ فِي عدم الِانْتِفَاع. وَقيل: يجوز أَن يُرَاد بالخشب المسندة الْأَصْنَام المنحونة من الْخشب المسندة إِلَى الْحِيطَان، شبهوا بهَا فِي حسن صورهم وَقلة جدواهم. قَوْله: (يحسبون) ، أَي: من خبثهمْ وَسُوء ظنهم، وَقلة يقينهم كل صَيْحَة وَاقعَة عَلَيْهِم وضارة لَهُم، قَالَ مقَاتل: إِن نَادَى مُنَادِي فِي الْعَسْكَر أَو انفلتت دَابَّة أَو نشدت ضَالَّة ظنُّوا أَنهم يرادون لما فِي قُلُوبهم من الرعب. قَوْله: (هم الْعَدو) ، مُبْتَدأ وَخبر أَي: الكاملون فِي الْعَدَاوَة. قَوْله: (فَاحْذَرْهُمْ) ، أَي: فَلَا تَأْمَنهُمْ وَلَا تغتر بظاهرهم. قَوْله: (قَاتلهم الله) دَعَا عَلَيْهِم باللعن والخزي. قَوْله: (أَنى يؤفكون) أَي: كَيفَ يصرفون عَن الْحق، تَعَجبا من جهلهم وضلالهم.
٣٩٧ - (حَدثنَا عَمْرو بن خَالِد حَدثنَا زُهَيْر بن مُعَاوِيَة حَدثنَا أَبُو إِسْحَاق. قَالَ سَمِعت زيد بن أَرقم: قَالَ خرجنَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سفر أصَاب النَّاس فِيهِ شدَّة فَقَالَ عبد الله بن أبي لأَصْحَابه لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا من حوله وَقَالَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَأتيت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَخْبَرته فَأرْسل إِلَى عبد الله بن أبي فَسَأَلَهُ فاجتهد يَمِينه مَا فعل قَالُوا كذب زيد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَوَقع فِي نَفسِي مِمَّا قَالُوا شدَّة حَتَّى أنزل الله عز وَجل تصديقي فِي إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ فَدَعَاهُمْ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليَسْتَغْفِر لَهُم فلووا رُؤْسهمْ. وَقَوله خشب مُسندَة قَالَ كَانُوا رجَالًا أجمل شَيْء) هَذَا أَيْضا طَرِيق آخر فِي حَدِيث زيد بن أَرقم أخرجه عَن عَمْرو بن خَالِد الْجَزرِي عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَق عَمْرو السبيعِي قَوْله " شدَّة " أَي من جِهَة قلَّة الزَّاد قَوْله " فَأتيت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَأَخْبَرته " قَالَ الْكرْمَانِي قَالَ فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم فَذكرت لِعَمِّي فَذكره للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَعْنِي بَينهمَا تناف ثمَّ أجَاب أَن الْإِخْبَار أَعم من أَن يكون بِنَفسِهِ أَو بالواسطة قلت الْإِخْبَار هُنَا لَا يدل على الْعُمُوم مَعَ قَوْله فَأتيت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقد ذكرنَا الْجَواب عَن هَذَا عَن قريب قَوْله " فاجتهد يَمِينه " أَي بذل وَسعه فِي الْيَمين وَبَالغ فِيهَا قَوْله " مَا فعل " أَي مَا قَالَ أطلق الْفِعْل على القَوْل لِأَن الْفِعْل يعم الْأَفْعَال والأقوال قَوْله " كذب زيد رَسُول الله " بِالتَّخْفِيفِ قَوْله " فلووا بِالتَّشْدِيدِ " أَي حركوا وقرىء بِالتَّخْفِيفِ أَيْضا قَوْله " خشب مُسندَة " تَفْسِير لقَوْله تعجبك أجسامهم وَوَقع هَذَا فِي نفس الحَدِيث وَلَيْسَ مدرجا وَأخرجه أَبُو نعيم من وَجه آخر عَن عَمْرو بن خَالِد شيخ البُخَارِيّ فِيهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَة وخشب بِضَمَّتَيْنِ فِي قِرَاءَة الْجُمْهُور وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ وَالْأَعْمَش بِإِسْكَان الشين قَوْله " قَالَ كَانُوا رجَالًا أجمل شَيْء " أَي قَالَ الله تَعَالَى كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة مَعَ أَنهم كَانُوا رجَالًا من أجمل النَّاس وَأَحْسَنهمْ وَقد ذكرنَا وَجه الشّبَه فِيهِ عَن قريب -