الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٤
الحديث رقم ٥١٤ من كتاب «أبواب سترة المصلي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من قال لا يقطع الصلاة شيء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥١٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٠٥) (بابُ مَنْ قَالَ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ) أي: من فعل غير المصلِّي.
٥١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) ولأبي ذَرٍّ زيادة (١): «ابن غياثٍ» بالمُثلَّثة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ، ولابن عساكر: «عن إبراهيم» (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ) أُمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ) ﵂.
(قَالَ الأَعْمَشُ) بسنده السَّابق: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُسْلِمٌ) هو ابن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّه قال: (ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا) أي: الَّذي (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) فقالوا: يقطعها (الكَلْبُ وَالحِمَارُ وَالمَرْأَةُ) و «الموصول» مُبتدَأُ، و «الكلب» خبره، وتاليه (٣) عطفٌ عليه
(فَقَالَتْ) عائشة ﵂: (شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلَابِ!) قال ابن مالكٍ: المشهور تعدية «شبَّه» إلى مُشبَّهٍ ومُشبَّهٍ به بدون باءٍ لقول (١) امرئ القيس:
فشبَّهتُهُم في الآلِ (٢) لمَّا تَكَمَّشوا (٣) … حدائقَ دَوْمٍ، أو (٤) سفينًا مُقَيَّرا
وقد كان بعض المعجبين (٥) بآرائهم يخطِّئ سيبويه وغيره من أئمَّة العربيَّة في قولهم: شبَّه كذا بكذا، ويزعم أنَّه لحنٌ، وليس زعمه صحيحًا، بل سقوط الباء وثبوتها جائزان (٦)، وإن كان سقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازمٌ في عُرف العلماء، وفي طريق عُبَيْد الله عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: «بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار» [خ¦٥١٩] وأرادت بخطابها ذلك ابن أختها عروة، أو أبا هريرة ﵁، فعند مسلمٍ من آدابه (٧) من رواية عروة بن الزُّبير قال (٨): قالت عائشة ﵂: «ما يقطع الصَّلاة؟ قال: قلت: المرأة والحمار … » الحديثَ، وعند ابن عبد البرِّ من رواية القاسم قال: «بلغ عائشة أنَّ أبا هريرة ﵄ يقول: إنَّ المرأة تقطع الصَّلاة»، فإن قلت: كيف أنكرت على من ذكر المرأة مع (٩) الحمار والكلب فيما يقطع الصَّلاة، وهي قد روت الحديث عن
النَّبيِّ ﷺ كما رواه الإمام أحمد بلفظ: «لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ إلَّا الحمار والكافر والكلب والمرأة»، فقالت عائشة: يا رسول الله، لقد قُرِنَّا بذوات سوءٍ؟! أُجيب بأنَّها لم تنكر ورود الحديث، ولم تكن (١) تكذِّب أبا هريرة، وإنَّما أنكرت كون الحكم باقيًا هكذا، فلعلَّها كانت ترى نسخه ولذا قالت ﵂: (وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (ﷺ يُصَلِّي، وَإِنِّي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وأنا» (عَلَى السَّرِيرِ -بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ- مُضْطَجِعَةٌ) بالرَّفع خبرٌ لقولها: «وأنا» المبتدأ المُقدَّر، وعلى هذا التَّقدير تكون هذه الجملة حاليَّةً، وفي روايةٍ بالنَّصب حالٌ من عائشة، والوجهان في «اليونينيَّة»، وصُحِّح على النَّصب، ورُقِمَ على الكلمة علامة أبي ذَرٍّ (فَتَبْدُو) أي: تظهر (لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ) مستقبلةً رسول الله ﷺ (فَأُوذِيَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَنْسَلُّ) بالرَّفع عطفًا على «فأكره» أي: فأمضي بتأنٍّ وتدريجٍ (مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) ﷺ وإذا كانت المرأة لا تقطع الصَّلاة مع أنَّ النُّفوس جُبِلَت على الاشتغال بها فغيرها من الكلب والحمار وغيرهما كذلك، بل أَوْلى. نعم رأى القطع بالثَّلاثة قومٌ لحديث أبي ذَرٍّ عند «مسلمٍ»: «يقطع الصَّلاة المرأة والحمار والكلب الأسود» وكذا حديث أبي داود وابن ماجه، وفيه تقييد المرأة بالحائض، وأباه مالكٌ والشَّافعيُّ والأكثرون، وقال الإمام أحمد: يقطعها الكلب الأسود لنصِّ الحديث وعدم المعارض، وفي قلبي من المرأة والحمار شيء لوجود المعارض، وهو صلاته ﵊ إلى أزواجه، ومن رأى القطع بها علَّل بأنَّ الجميع في معنى الشَّيطان: الكلبُ بنصِّ حديث أبي ذَرٍّ المذكور، والمرأةُ من جهة أنَّها تقبل في صورة شيطانٍ وتدبر كذلك، وأنَّها من حبائله، والحمار لِما جاء من اختصاص الشَّيطان به في قصَّة نوح ﵊
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَن يكون ظهر الْمَرْأَة إِلَى الْمُصَلِّي فَمَا وَجه دلَالَة الحَدِيث عَلَيْهِ؟ ثمَّ أجَاب بقوله لَا نسلم ذَلِك الِاقْتِضَاء، وَلَئِن سلمنَا فَالسنة للنائم التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة، وَالْغَالِب من حَال عَائِشَة أَنَّهَا لَا تتركها.
٥٠١ - (بابُ منْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء وَمَعْنَاهُ من فعل غير الْمُصَلِّي.
٤١٥ - ح دّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدّثنا الأَعْمَشُ قَالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَد عنْ عائِشَةَ قَالَ الأَعْمَشُ وحدّثني مُسْلِمٌ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ ذُكِرَ عِنْدَها مَا يَقُطَعُ الصَّلَاةَ الكَلْبُ والحِمَارُ وَالمَرْأةُ فقالَتْ شَبَهْتُمُونا بالحُمُرِ والكِلابِ وااِ لَقَدْ رَأيْتُ النبيَّ يُصَلِّي وإنّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ فَتَبُدُو لِي الحَاجَةُ فأكْرَهُ أنْ أجْلِسَ فأُوذِيَ النبيَّ فَأنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ.
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على أَن الصَّلَاة لَا يقطعهَا شَيْء، بَيَان ذَلِك أَن عَائِشَة أنْكرت على من ذكر عِنْدهَا أَن الصَّلَاة يقطعهَا الْكَلْب وَالْحمار وَالْمَرْأَة بِكَوْنِهَا كَانَت على السرير بَين النَّبِي وَبَين الْقبْلَة وَهِي مُضْطَجِعَة، وَلم يَجْعَل النَّبِي ذَلِك قطعا لصلاته، فَهَذِهِ الْحَالة أقوى من الْمُرُور، فَإِذا لم تقطع فِي هَذِه فَفِي الْمُرُور بِالطَّرِيقِ الأولى، ثمَّ الْمُرُور عَام من أَي حَيَوَان كَانَ، لِأَن الشَّارِع جعل كل مَا بَين يَدي الْمُصَلِّي شَيْطَانا، وَذَلِكَ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، أخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله قَالَ: (إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدعن أحدا يمر بَين يَدَيْهِ، وليدرأه مَا اسْتَطَاعَ فَإِن أبي فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) . وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل بني آدم وَغَيرهم، وَلم يَجْعَل نفس الْمُرُور قَاطعا، وَإِنَّمَا ذمّ الْمَار حَيْثُ جعله شَيْطَانا من بَاب التَّشْبِيه.
ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة قد ذكرُوا كلهم، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ، وَمُسلم هُوَ أَبُو الضُّحَى، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: إسنادان: أَحدهمَا: عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَالْآخر: عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله، وَقَالَ الْاعمش: حَدثنِي مُسلم، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا إِمَّا تَعْلِيق وَإِمَّا دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الأول، وَهَذَا تَحْويل سَوَاء كَانَ بِكَلِمَة (ح) كَمَا فِي بعض النّسخ، أَو لم يكن. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الْأَعْمَش، وَهُوَ مقول حَفْص بن غياث وَلَيْسَ بتعليق. قلت: أَرَادَ بِهِ الرَّد على الْكرْمَانِي وَلَيْسَ لَهُ وَجه، لِأَنَّهُ ذكر التَّعْلِيق بِالنّظرِ إِلَى ظَاهر الصُّورَة، وَذكر أَيْضا أَنه دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الأول. وَهَذَا الحَدِيث قد تكَرر ذكره مطولا ومختصراً بِوُجُوه شَتَّى وطرق مُخْتَلفَة، ذكر فِي بَاب الصَّلَاة على الْفراش، وَفِي بَاب الصَّلَاة على السرير، وَفِي بَاب اسْتِقْبَال الرجل الرجل فِي الصَّلَاة، وَفِي بَاب الصَّلَاة خلف النَّائِم، وَفِي بَاب التَّطَوُّع خلف الْمَرْأَة، وَفِي هَذَا الْبَاب فِي موضِعين.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله: (ذكر عِنْدهَا) أَي: إِنَّه ذكر عِنْد عَائِشَة. قَوْله: (مَا يقطع) ، كلمة: مَا، مَوْصُولَة، وَيجوز فِيهِ وَجْهَان: الأول: أَن تكون مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: الْكَلْب، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول مَا لم يسم فَاعله، وَهُوَ قَوْله: ذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول. الْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون: مَا، مفعول مَا لم يسم فَاعله، وَيكون قَوْله: الْكَلْب، بَدَلا مِنْهُ. قَوْله: (وَأَنا على السرير بَينه وَبَين الْقبْلَة مُضْطَجِعَة) ، ثَلَاثَة أَخْبَار مترادفة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ أَيْضا: أَو خبران وَحَال، أَو: حالان وَخبر، وَفِي بَعْضهَا مُضْطَجِعَة بِالنّصب، فالأولان خبران، أَو أَحدهمَا حَال وَالْآخر خبر. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ أَن قَوْله: وَأَنا على السرير، جملَة اسمية وَقعت حَالا من عَائِشَة، وَكَذَا: بَينه وَبَين الْقبْلَة، حَال. وَقَوله: مُضْطَجِعَة، بِالرَّفْع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأَنا مُضْطَجِعَة. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ تكون هَذِه الْجُمْلَة أَيْضا حَالا، وَيجوز أَن يكون: مُضْطَجِعَة، بِالرَّفْع خَبرا لقَوْله: وَأَنا أَي: وَالْحَال أَنا مُضْطَجِعَة
على السرير، فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير مُبْتَدأ. وَأما وَجه النصب فِي: مُضْطَجِعَة، فعلى أَنه حَال من: عَائِشَة، أَيْضا، ثمَّ يجوز أَن يكون هَذَانِ الحالان مترادفين، وَيجوز أَن يَكُونَا متداخلين. قَوْله: (شبهتمونا بالحمر وَالْكلاب) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (لقد جعلتمونا كلاباً) ، وَهِي فِي اسْتِقْبَال الرجل وَهُوَ يُصَلِّي، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قَالَت: عدلتمونا بالكلاب والحمر) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: (لقد شبهتمونا بالحمير وَالْكلاب) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (لقد عدلتمونا بالكلاب وَالْحمير) . وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من سبع طرق صِحَاح، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور: (قَالَت عَائِشَة: ياأهل الْعرَاق قد عدلتمونا) . الحَدِيث، وَقد أخرج أهل الْعرَاق حَدِيثا عَن أبي ذَر أخرجه مُسلم، وَقَالَ: حدّثنا ابْن أبي شيبَة، قَالَ: حدّثنا إِسْمَاعِيل بن علية وحَدثني زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ: حدّثنا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن يُونُس عَن حميد بن عبد ابْن الصَّامِت عَن أبي ذَر، قَالَ رَسُول ا: (إِذا قَامَ أحدكُم يُصَلِّي فَإِنَّهُ يستره إِذا كَانَ بَين يَدَيْهِ مثل آخِرَة الرحل، فَإِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ مثل آخِرَة الرحل فَإِنَّهُ يقطع صلَاته الْحمار وَالْمَرْأَة وَالْكَلب الْأسود. قلت: يَا أَبَا ذَر: مَا بَال الْكَلْب الْأسود من الْكَلْب الْأَحْمَر وَمن الْكَلْب الْأَصْفَر؟ قَالَ: يَا ابْن أخي، سَأَلت رَسُول الله كَمَا سَأَلتنِي، فَقَالَ: الْكَلْب الْأسود شَيْطَان) .
وَأخرجه الْأَرْبَعَة أَيْضا مطولا ومختصراً، وَقيد الْكَلْب فِي رِوَايَته بالأسود، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، قَالَ: (يقطع الصَّلَاة الْكَلْب الْأسود وَالْمَرْأَة الْحَائِض) . وَقيد الْمَرْأَة فِي رِوَايَته بالحائض. قَوْله: (فتبدو لي الْحَاجة) أَي: تظهر، وَفِي (مُسْند) السراج: (فَيكون لي حَاجَة) . قَوْله: (فأكره أَن أَجْلِس) أَي: مُسْتَقْبل رَسُول ا، وَذكر فِي بَاب الصَّلَاة على السرير: (فأكره أَن أسنحه) . وَفِي بَاب اسْتِقْبَال الرجل: (فأكره أَن أستقبله) ، وَالْمَقْصُود من ذَلِك كُله وَاحِد، لَكِن باخْتلَاف المقامات اخْتلف الْعبارَات. قَوْله: (فأوذي) بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع وفاعله الضَّمِير فِيهِ: (وَالنَّبِيّ) بِالنّصب مَفْعُوله، وَفِي النَّسَائِيّ: من طَرِيق شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن الْأسود عَن عَائِشَة فِي هَذَا الحَدِيث: (فأكره أَن أقوم فَأمر بَين يَدَيْهِ) . قَوْله: (فأنسل) بِالرَّفْع عطفا على قَوْله: (فأكره) ، وَلَيْسَ بِالنّصب عطفا على: (فأوذي) . وَمعنى: (فأنسل) : أَي: أمضي بتأن وتدريج. وَقد ذكرنَا مرّة وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فأنسل انسلالاً) . وَكَذَا فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ: دلّ حَدِيث عَائِشَة على أَن مُرُور بني آدم بَين يَدي الْمُصَلِّي لَا يقطع الصَّلَاة، وَكَذَلِكَ دلّ حَدِيث أم سَلمَة ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث، فَأخْرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث أم سَلمَة عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة، قَالَت: (كَانَ يفرش لي حِيَال مصلى رَسُول ا، كَانَ يُصَلِّي وَأَنا حياله) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) نَحوه، غير أَن فِي لَفظه: (حِيَال مَسْجِد رَسُول ا) ، أَي: تِلْقَاء وَجهه. وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا حَدِيث مَيْمُونَة: عَن عبد الله بن شَدَّاد، قَالَ: حَدَّثتنِي خَالَتِي مَيْمُونَة بنت الْحَارِث، قَالَت: (كَانَ فِرَاشِي حِيَال مصلى رَسُول ا، فَرُبمَا وَقع ثَوْبه عَليّ وَهُوَ يُصَلِّي) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد، وَلَفظه: (كَانَ رَسُول الله يُصَلِّي وَأَنا حذاءه، وَأَنا حَائِض، وَرُبمَا أصابني ثَوْبه إِذا سجد وَكَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة) . قَوْله: (مصلى رَسُول ا) ، بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ الْموضع الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فِي بَيته، وَهُوَ مَسْجده الَّذِي عينه للصَّلَاة فِيهِ، و: الْخمْرَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: حَصِير صَغِير يعْمل من سعف النّخل وينسج بالسيور والخيوط، وَهِي على قدرهَا مَا يوضع عَلَيْهَا الْوَجْه وَالْأنف، فَإِذا كَبرت عَن ذَلِك تسمى حَصِيرا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فقد تَوَاتَرَتْ هَذِه الْآثَار عَن رَسُول الله بِمَا يدل على أَن بني آدم لَا يقطعون الصَّلَاة، وَقد جعل مل مَا بَين يَدي الْمُصَلِّي فِي حَدِيث ابْن عمر وَأبي سعيد شَيْطَانا، وَأخْبر أَبُو ذَر: أَن الْكَلْب الْأسود إِنَّمَا يقطع الصَّلَاة لِأَنَّهُ شَيْطَان، فَكَانَت الْعلَّة الَّتِي جعلت لقطع الصَّلَاة قد جعلت فِي بني آدم أَيْضا، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنهم لَا يقطعون الصَّلَاة، فَدلَّ على أَن كل مار بَين يَدي الْمُصَلِّي، مِمَّا سوى بني آدم، كَذَلِك أَيْضا لَا يقطع الصَّلَاة، وَالدَّلِيل على صِحَة مَا ذكرنَا أَن ابْن عمر، مَعَ رِوَايَته مَا ذكرنَا عَنهُ من قَوْله، قد وري عَنهُ من بعده مَا حدّثنا يُونُس، قَالَ: حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم، قَالَ: قيل لِابْنِ عمر: إِن عبد ابْن عَيَّاش بن ربيعَة، يَقُول: يقطع الصَّلَاة الْكَلْب وَالْحمار، فَقَالَ ابْن عمر: لَا يقطع صَلَاة الْمُسلم شَيْء وَقد دلّ هَذَا على ثُبُوت نسخ مَا كَانَ سَمعه من رَسُول الله حَتَّى صَار مَا قَالَ بِهِ من ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم، وَتعقب على كَلَام الطَّحَاوِيّ بِأَن النّسخ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا إِذا علم التَّارِيخ وَتعذر الْجمع والتاريخ هُنَا لم يتَحَقَّق وَالْجمع لم يتَعَذَّر (قلت) لَا نسلم -
ذَلِك، لِأَن مثل ابْن عمر، بَعْدَمَا روى أَن الْمُرُور يقطع، قَالَ: لَا يقطع صَلَاة الْمُسلم شَيْء، فَلَو لم يثبت عِنْده نسخ ذَلِك لم يقل بِمَا قَالَ من عدم الْقطع، وَمن الدَّلِيل على ذَلِك أَن ابْن عَبَّاس، الَّذِي هُوَ أحد رُوَاة الْقطع، وري أَنه حمله على الْكَرَاهَة.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روى سماك عَن عِكْرِمَة، قيل لِابْنِ عَبَّاس: أتقطع الصَّلَاة الْمَرْأَة وَالْكَلب وَالْحمار؟ فَقَالَ: {إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ} (فاطر: ٠١) فَمَا يقطع هَذَا، وَلَكِن يكره. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد روى عَن نفر من أَصْحَاب رَسُول ا: أَن مُرُور بني آدم وَغَيرهم بَين يَدي الْمُصَلِّي لَا يقطع الصَّلَاة، ثمَّ أخرج عَن سعيد بن الْمسيب بِإِسْنَاد صَحِيح أَن عليا وَعُثْمَان، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، قَالَا: (لَا يقطع صَلَاة الْمُسلم شَيْء وادرؤا مَا اسْتَطَعْتُم) . وَأخرجه أَيْضا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن ابْن الْمسيب عَن عَليّ وَعُثْمَان، قَالَا: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء فادرؤوهم عَنْكُم مَا اسْتَطَعْتُم) . وَأخرج الطَّحَاوِيّ: عَن كَعْب بن عبد اعن حُذَيْفَة بن الْيَمَان يَقُول: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء) . وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَليّ، رَضِي اعنه، مَرْفُوعا: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء إلَاّ الْحَدث) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقَائِلُونَ بِقطع بمرورهم، من أَيْن قَالُوا بِهِ؟ قلت: إِمَّا باجتهادهم، وَلَفظ: شبهتمونا، يدل عَلَيْهِ، إِذْ نسبت التَّشْبِيه إِلَيْهِم، وَإِمَّا بِمَا ثَبت عِنْدهم من قَول النَّبِي.
قلت: هَذَا السُّؤَال سُؤال من لم يقف على الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الْقطع، وَأحد شقي الْجَواب غير موجه لِأَنَّهُ لَا مجَال للإجتهاد عِنْد وجوب النُّصُوص. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن الرَّسُول بِهِ فلِمَ لَا يحكم بِالْقطعِ؟ قلت: إِمَّا لِأَنَّهَا رجحت خَبَرهَا على خبرهم من جِهَة أَنَّهَا صَاحِبَة الْوَاقِعَة، وَمن جِهَة أُخْرَى، أَو لِأَنَّهَا أولت الْقطع بِقطع الْخُشُوع ومواطأة الْقلب اللِّسَان فِي التِّلَاوَة، لَا قطع أصل الصَّلَاة، أَو جعلت حَدِيثهَا وَحَدِيث ابْن عَبَّاس مُرُور الْحمار الأتان ناسخين لَهُ، وَكَذَا حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ حَيْثُ قَالَ: (فليدفعه وفليقاتله) ، من غير حكم بِانْقِطَاع الصَّلَاة بذلك. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يعكس بِأَن يَجْعَل الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة مَنْسُوخَة؟ قلت: للإحتراز عَن كَثْرَة النّسخ، إِذْ نسخ حَدِيث وَاحِد أَهْون من نسخ ثَلَاثَة، أَو لِأَنَّهَا كَانَت عارفة بالتاريخ وَتَأَخر عَنهُ.
٥١٥٤٦١ - ح دّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا يَعْقُوبُ بنُ بْرَاهِيمَ قَالَ حدّثني ابنُ أخِي ابنِ شِهَابٍ أنَّهُ سأَلَ عَمَّهُ عَن الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شِيءٌ فقالَ لَا يَقْطَعُهَا شَيءٌ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النبيّ قالَتْ لَقَدْ كانَ رسولُ الله يَقُومُ فَيُصلِّي منَ اللَّيْلِ وَإِنِّي لِمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أهْلِهِ. .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة صَرِيحَة من قَول الزُّهْرِيّ.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن أبراهيم الْحَنْظَلِي الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، هَذِه رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره وَقع إِسْحَاق غير مَنْسُوب، وَزعم أَبُو نعيم أَنه: إِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج، وَجزم ابْن السكن بِأَنَّهُ: ابْن رَاهْوَيْةِ، وَقَالَ: كل مَا فِي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن رَاهْوَيْةِ. وَقَالَ الكلاباذي: إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم. وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَكِلَاهُمَا يرويان عَن يَعْقُوب. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَقد مر. الثَّالِث: ابْن أخي ابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن عبد ابْن مُسلم، تقدم فِي بَاب إِذا لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة. الرَّابِع: عَمه، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السُّؤَال وَالْقَوْل. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه، وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا إِسْحَاق فَإِنَّهُ مروزي.
ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (لَا يقطعهَا) ، أَي: لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء، وَهَذَا عَام مَخْصُوص بالأمور الثَّلَاثَة الَّتِي وَقع النزاع فِيهَا، لِأَن القواطع فِي الصَّلَاة كَثِيرَة مثل القَوْل الْكثير وَغَيرهمَا، وَمَا من عَام إلَاّ وَقد خص إلَاّ: {وَا بِكُل شَيْء عليم} (الْبَقَرَة: ١٣٢، ٢٨٢ النِّسَاء: ٦٧١ الْمَائِدَة: ٧٩ الْأَنْفَال: ٥٧ التَّوْبَة: ٥١١ النُّور: ٥٣، ٤٦ العنكبوت: ٢٦ الحجرات: ٦١ المجادلة: ٠٧ التغابن: ١١) وَنَحْوه. قَوْله: (أَخْبرنِي) ، من تَتِمَّة مقول ابْن شهَاب. قَوْله: (وَإِنِّي لمعترضة) ، جملَة اسمية مُؤَكدَة: بِأَن، وللام فِي مَوضِع النصب على الْحَال.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٠٥) (بابُ مَنْ قَالَ: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ) أي: من فعل غير المصلِّي.
٥١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) ولأبي ذَرٍّ زيادة (١): «ابن غياثٍ» بالمُثلَّثة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ، ولابن عساكر: «عن إبراهيم» (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ) أُمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ) ﵂.
(قَالَ الأَعْمَشُ) بسنده السَّابق: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُسْلِمٌ) هو ابن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنَّه قال: (ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا) أي: الَّذي (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) فقالوا: يقطعها (الكَلْبُ وَالحِمَارُ وَالمَرْأَةُ) و «الموصول» مُبتدَأُ، و «الكلب» خبره، وتاليه (٣) عطفٌ عليه
(فَقَالَتْ) عائشة ﵂: (شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلَابِ!) قال ابن مالكٍ: المشهور تعدية «شبَّه» إلى مُشبَّهٍ ومُشبَّهٍ به بدون باءٍ لقول (١) امرئ القيس:
فشبَّهتُهُم في الآلِ (٢) لمَّا تَكَمَّشوا (٣) … حدائقَ دَوْمٍ، أو (٤) سفينًا مُقَيَّرا
وقد كان بعض المعجبين (٥) بآرائهم يخطِّئ سيبويه وغيره من أئمَّة العربيَّة في قولهم: شبَّه كذا بكذا، ويزعم أنَّه لحنٌ، وليس زعمه صحيحًا، بل سقوط الباء وثبوتها جائزان (٦)، وإن كان سقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازمٌ في عُرف العلماء، وفي طريق عُبَيْد الله عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: «بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار» [خ¦٥١٩] وأرادت بخطابها ذلك ابن أختها عروة، أو أبا هريرة ﵁، فعند مسلمٍ من آدابه (٧) من رواية عروة بن الزُّبير قال (٨): قالت عائشة ﵂: «ما يقطع الصَّلاة؟ قال: قلت: المرأة والحمار … » الحديثَ، وعند ابن عبد البرِّ من رواية القاسم قال: «بلغ عائشة أنَّ أبا هريرة ﵄ يقول: إنَّ المرأة تقطع الصَّلاة»، فإن قلت: كيف أنكرت على من ذكر المرأة مع (٩) الحمار والكلب فيما يقطع الصَّلاة، وهي قد روت الحديث عن
النَّبيِّ ﷺ كما رواه الإمام أحمد بلفظ: «لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ إلَّا الحمار والكافر والكلب والمرأة»، فقالت عائشة: يا رسول الله، لقد قُرِنَّا بذوات سوءٍ؟! أُجيب بأنَّها لم تنكر ورود الحديث، ولم تكن (١) تكذِّب أبا هريرة، وإنَّما أنكرت كون الحكم باقيًا هكذا، فلعلَّها كانت ترى نسخه ولذا قالت ﵂: (وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (ﷺ يُصَلِّي، وَإِنِّي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وأنا» (عَلَى السَّرِيرِ -بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ- مُضْطَجِعَةٌ) بالرَّفع خبرٌ لقولها: «وأنا» المبتدأ المُقدَّر، وعلى هذا التَّقدير تكون هذه الجملة حاليَّةً، وفي روايةٍ بالنَّصب حالٌ من عائشة، والوجهان في «اليونينيَّة»، وصُحِّح على النَّصب، ورُقِمَ على الكلمة علامة أبي ذَرٍّ (فَتَبْدُو) أي: تظهر (لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ) مستقبلةً رسول الله ﷺ (فَأُوذِيَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَنْسَلُّ) بالرَّفع عطفًا على «فأكره» أي: فأمضي بتأنٍّ وتدريجٍ (مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) ﷺ وإذا كانت المرأة لا تقطع الصَّلاة مع أنَّ النُّفوس جُبِلَت على الاشتغال بها فغيرها من الكلب والحمار وغيرهما كذلك، بل أَوْلى. نعم رأى القطع بالثَّلاثة قومٌ لحديث أبي ذَرٍّ عند «مسلمٍ»: «يقطع الصَّلاة المرأة والحمار والكلب الأسود» وكذا حديث أبي داود وابن ماجه، وفيه تقييد المرأة بالحائض، وأباه مالكٌ والشَّافعيُّ والأكثرون، وقال الإمام أحمد: يقطعها الكلب الأسود لنصِّ الحديث وعدم المعارض، وفي قلبي من المرأة والحمار شيء لوجود المعارض، وهو صلاته ﵊ إلى أزواجه، ومن رأى القطع بها علَّل بأنَّ الجميع في معنى الشَّيطان: الكلبُ بنصِّ حديث أبي ذَرٍّ المذكور، والمرأةُ من جهة أنَّها تقبل في صورة شيطانٍ وتدبر كذلك، وأنَّها من حبائله، والحمار لِما جاء من اختصاص الشَّيطان به في قصَّة نوح ﵊
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَن يكون ظهر الْمَرْأَة إِلَى الْمُصَلِّي فَمَا وَجه دلَالَة الحَدِيث عَلَيْهِ؟ ثمَّ أجَاب بقوله لَا نسلم ذَلِك الِاقْتِضَاء، وَلَئِن سلمنَا فَالسنة للنائم التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة، وَالْغَالِب من حَال عَائِشَة أَنَّهَا لَا تتركها.
٥٠١ - (بابُ منْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء وَمَعْنَاهُ من فعل غير الْمُصَلِّي.
٤١٥ - ح دّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدّثنا الأَعْمَشُ قَالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَد عنْ عائِشَةَ قَالَ الأَعْمَشُ وحدّثني مُسْلِمٌ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ ذُكِرَ عِنْدَها مَا يَقُطَعُ الصَّلَاةَ الكَلْبُ والحِمَارُ وَالمَرْأةُ فقالَتْ شَبَهْتُمُونا بالحُمُرِ والكِلابِ وااِ لَقَدْ رَأيْتُ النبيَّ يُصَلِّي وإنّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ فَتَبُدُو لِي الحَاجَةُ فأكْرَهُ أنْ أجْلِسَ فأُوذِيَ النبيَّ فَأنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ.
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على أَن الصَّلَاة لَا يقطعهَا شَيْء، بَيَان ذَلِك أَن عَائِشَة أنْكرت على من ذكر عِنْدهَا أَن الصَّلَاة يقطعهَا الْكَلْب وَالْحمار وَالْمَرْأَة بِكَوْنِهَا كَانَت على السرير بَين النَّبِي وَبَين الْقبْلَة وَهِي مُضْطَجِعَة، وَلم يَجْعَل النَّبِي ذَلِك قطعا لصلاته، فَهَذِهِ الْحَالة أقوى من الْمُرُور، فَإِذا لم تقطع فِي هَذِه فَفِي الْمُرُور بِالطَّرِيقِ الأولى، ثمَّ الْمُرُور عَام من أَي حَيَوَان كَانَ، لِأَن الشَّارِع جعل كل مَا بَين يَدي الْمُصَلِّي شَيْطَانا، وَذَلِكَ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، أخرجه مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأَبُو دَاوُد عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله قَالَ: (إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يدعن أحدا يمر بَين يَدَيْهِ، وليدرأه مَا اسْتَطَاعَ فَإِن أبي فليقاتله فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) . وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل بني آدم وَغَيرهم، وَلم يَجْعَل نفس الْمُرُور قَاطعا، وَإِنَّمَا ذمّ الْمَار حَيْثُ جعله شَيْطَانا من بَاب التَّشْبِيه.
ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة قد ذكرُوا كلهم، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَالْأسود هُوَ ابْن يزِيد النَّخعِيّ، وَمُسلم هُوَ أَبُو الضُّحَى، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: إسنادان: أَحدهمَا: عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَالْآخر: عَن الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله، وَقَالَ الْاعمش: حَدثنِي مُسلم، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا إِمَّا تَعْلِيق وَإِمَّا دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الأول، وَهَذَا تَحْويل سَوَاء كَانَ بِكَلِمَة (ح) كَمَا فِي بعض النّسخ، أَو لم يكن. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ الْأَعْمَش، وَهُوَ مقول حَفْص بن غياث وَلَيْسَ بتعليق. قلت: أَرَادَ بِهِ الرَّد على الْكرْمَانِي وَلَيْسَ لَهُ وَجه، لِأَنَّهُ ذكر التَّعْلِيق بِالنّظرِ إِلَى ظَاهر الصُّورَة، وَذكر أَيْضا أَنه دَاخل تَحت الْإِسْنَاد الأول. وَهَذَا الحَدِيث قد تكَرر ذكره مطولا ومختصراً بِوُجُوه شَتَّى وطرق مُخْتَلفَة، ذكر فِي بَاب الصَّلَاة على الْفراش، وَفِي بَاب الصَّلَاة على السرير، وَفِي بَاب اسْتِقْبَال الرجل الرجل فِي الصَّلَاة، وَفِي بَاب الصَّلَاة خلف النَّائِم، وَفِي بَاب التَّطَوُّع خلف الْمَرْأَة، وَفِي هَذَا الْبَاب فِي موضِعين.
ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه) قَوْله: (ذكر عِنْدهَا) أَي: إِنَّه ذكر عِنْد عَائِشَة. قَوْله: (مَا يقطع) ، كلمة: مَا، مَوْصُولَة، وَيجوز فِيهِ وَجْهَان: الأول: أَن تكون مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: الْكَلْب، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول مَا لم يسم فَاعله، وَهُوَ قَوْله: ذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول. الْوَجْه الثَّانِي: أَن يكون: مَا، مفعول مَا لم يسم فَاعله، وَيكون قَوْله: الْكَلْب، بَدَلا مِنْهُ. قَوْله: (وَأَنا على السرير بَينه وَبَين الْقبْلَة مُضْطَجِعَة) ، ثَلَاثَة أَخْبَار مترادفة، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ أَيْضا: أَو خبران وَحَال، أَو: حالان وَخبر، وَفِي بَعْضهَا مُضْطَجِعَة بِالنّصب، فالأولان خبران، أَو أَحدهمَا حَال وَالْآخر خبر. قلت: التَّحْقِيق فِيهِ أَن قَوْله: وَأَنا على السرير، جملَة اسمية وَقعت حَالا من عَائِشَة، وَكَذَا: بَينه وَبَين الْقبْلَة، حَال. وَقَوله: مُضْطَجِعَة، بِالرَّفْع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: وَأَنا مُضْطَجِعَة. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ تكون هَذِه الْجُمْلَة أَيْضا حَالا، وَيجوز أَن يكون: مُضْطَجِعَة، بِالرَّفْع خَبرا لقَوْله: وَأَنا أَي: وَالْحَال أَنا مُضْطَجِعَة
على السرير، فعلى هَذَا لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير مُبْتَدأ. وَأما وَجه النصب فِي: مُضْطَجِعَة، فعلى أَنه حَال من: عَائِشَة، أَيْضا، ثمَّ يجوز أَن يكون هَذَانِ الحالان مترادفين، وَيجوز أَن يَكُونَا متداخلين. قَوْله: (شبهتمونا بالحمر وَالْكلاب) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (لقد جعلتمونا كلاباً) ، وَهِي فِي اسْتِقْبَال الرجل وَهُوَ يُصَلِّي، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قَالَت: عدلتمونا بالكلاب والحمر) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ: (لقد شبهتمونا بالحمير وَالْكلاب) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (لقد عدلتمونا بالكلاب وَالْحمير) . وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من سبع طرق صِحَاح، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور: (قَالَت عَائِشَة: ياأهل الْعرَاق قد عدلتمونا) . الحَدِيث، وَقد أخرج أهل الْعرَاق حَدِيثا عَن أبي ذَر أخرجه مُسلم، وَقَالَ: حدّثنا ابْن أبي شيبَة، قَالَ: حدّثنا إِسْمَاعِيل بن علية وحَدثني زُهَيْر بن حَرْب، قَالَ: حدّثنا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن يُونُس عَن حميد بن عبد ابْن الصَّامِت عَن أبي ذَر، قَالَ رَسُول ا: (إِذا قَامَ أحدكُم يُصَلِّي فَإِنَّهُ يستره إِذا كَانَ بَين يَدَيْهِ مثل آخِرَة الرحل، فَإِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ مثل آخِرَة الرحل فَإِنَّهُ يقطع صلَاته الْحمار وَالْمَرْأَة وَالْكَلب الْأسود. قلت: يَا أَبَا ذَر: مَا بَال الْكَلْب الْأسود من الْكَلْب الْأَحْمَر وَمن الْكَلْب الْأَصْفَر؟ قَالَ: يَا ابْن أخي، سَأَلت رَسُول الله كَمَا سَأَلتنِي، فَقَالَ: الْكَلْب الْأسود شَيْطَان) .
وَأخرجه الْأَرْبَعَة أَيْضا مطولا ومختصراً، وَقيد الْكَلْب فِي رِوَايَته بالأسود، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، قَالَ: (يقطع الصَّلَاة الْكَلْب الْأسود وَالْمَرْأَة الْحَائِض) . وَقيد الْمَرْأَة فِي رِوَايَته بالحائض. قَوْله: (فتبدو لي الْحَاجة) أَي: تظهر، وَفِي (مُسْند) السراج: (فَيكون لي حَاجَة) . قَوْله: (فأكره أَن أَجْلِس) أَي: مُسْتَقْبل رَسُول ا، وَذكر فِي بَاب الصَّلَاة على السرير: (فأكره أَن أسنحه) . وَفِي بَاب اسْتِقْبَال الرجل: (فأكره أَن أستقبله) ، وَالْمَقْصُود من ذَلِك كُله وَاحِد، لَكِن باخْتلَاف المقامات اخْتلف الْعبارَات. قَوْله: (فأوذي) بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع وفاعله الضَّمِير فِيهِ: (وَالنَّبِيّ) بِالنّصب مَفْعُوله، وَفِي النَّسَائِيّ: من طَرِيق شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن الْأسود عَن عَائِشَة فِي هَذَا الحَدِيث: (فأكره أَن أقوم فَأمر بَين يَدَيْهِ) . قَوْله: (فأنسل) بِالرَّفْع عطفا على قَوْله: (فأكره) ، وَلَيْسَ بِالنّصب عطفا على: (فأوذي) . وَمعنى: (فأنسل) : أَي: أمضي بتأن وتدريج. وَقد ذكرنَا مرّة وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (فأنسل انسلالاً) . وَكَذَا فِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الطَّحَاوِيّ: دلّ حَدِيث عَائِشَة على أَن مُرُور بني آدم بَين يَدي الْمُصَلِّي لَا يقطع الصَّلَاة، وَكَذَلِكَ دلّ حَدِيث أم سَلمَة ومَيْمُونَة بنت الْحَارِث، فَأخْرج الطَّحَاوِيّ حَدِيث أم سَلمَة عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة عَن أم سَلمَة، قَالَت: (كَانَ يفرش لي حِيَال مصلى رَسُول ا، كَانَ يُصَلِّي وَأَنا حياله) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) نَحوه، غير أَن فِي لَفظه: (حِيَال مَسْجِد رَسُول ا) ، أَي: تِلْقَاء وَجهه. وَأخرج الطَّحَاوِيّ أَيْضا حَدِيث مَيْمُونَة: عَن عبد الله بن شَدَّاد، قَالَ: حَدَّثتنِي خَالَتِي مَيْمُونَة بنت الْحَارِث، قَالَت: (كَانَ فِرَاشِي حِيَال مصلى رَسُول ا، فَرُبمَا وَقع ثَوْبه عَليّ وَهُوَ يُصَلِّي) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد، وَلَفظه: (كَانَ رَسُول الله يُصَلِّي وَأَنا حذاءه، وَأَنا حَائِض، وَرُبمَا أصابني ثَوْبه إِذا سجد وَكَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة) . قَوْله: (مصلى رَسُول ا) ، بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ الْموضع الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فِي بَيته، وَهُوَ مَسْجده الَّذِي عينه للصَّلَاة فِيهِ، و: الْخمْرَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: حَصِير صَغِير يعْمل من سعف النّخل وينسج بالسيور والخيوط، وَهِي على قدرهَا مَا يوضع عَلَيْهَا الْوَجْه وَالْأنف، فَإِذا كَبرت عَن ذَلِك تسمى حَصِيرا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فقد تَوَاتَرَتْ هَذِه الْآثَار عَن رَسُول الله بِمَا يدل على أَن بني آدم لَا يقطعون الصَّلَاة، وَقد جعل مل مَا بَين يَدي الْمُصَلِّي فِي حَدِيث ابْن عمر وَأبي سعيد شَيْطَانا، وَأخْبر أَبُو ذَر: أَن الْكَلْب الْأسود إِنَّمَا يقطع الصَّلَاة لِأَنَّهُ شَيْطَان، فَكَانَت الْعلَّة الَّتِي جعلت لقطع الصَّلَاة قد جعلت فِي بني آدم أَيْضا، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنهم لَا يقطعون الصَّلَاة، فَدلَّ على أَن كل مار بَين يَدي الْمُصَلِّي، مِمَّا سوى بني آدم، كَذَلِك أَيْضا لَا يقطع الصَّلَاة، وَالدَّلِيل على صِحَة مَا ذكرنَا أَن ابْن عمر، مَعَ رِوَايَته مَا ذكرنَا عَنهُ من قَوْله، قد وري عَنهُ من بعده مَا حدّثنا يُونُس، قَالَ: حدّثنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم، قَالَ: قيل لِابْنِ عمر: إِن عبد ابْن عَيَّاش بن ربيعَة، يَقُول: يقطع الصَّلَاة الْكَلْب وَالْحمار، فَقَالَ ابْن عمر: لَا يقطع صَلَاة الْمُسلم شَيْء وَقد دلّ هَذَا على ثُبُوت نسخ مَا كَانَ سَمعه من رَسُول الله حَتَّى صَار مَا قَالَ بِهِ من ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم، وَتعقب على كَلَام الطَّحَاوِيّ بِأَن النّسخ لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا إِذا علم التَّارِيخ وَتعذر الْجمع والتاريخ هُنَا لم يتَحَقَّق وَالْجمع لم يتَعَذَّر (قلت) لَا نسلم -
ذَلِك، لِأَن مثل ابْن عمر، بَعْدَمَا روى أَن الْمُرُور يقطع، قَالَ: لَا يقطع صَلَاة الْمُسلم شَيْء، فَلَو لم يثبت عِنْده نسخ ذَلِك لم يقل بِمَا قَالَ من عدم الْقطع، وَمن الدَّلِيل على ذَلِك أَن ابْن عَبَّاس، الَّذِي هُوَ أحد رُوَاة الْقطع، وري أَنه حمله على الْكَرَاهَة.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: روى سماك عَن عِكْرِمَة، قيل لِابْنِ عَبَّاس: أتقطع الصَّلَاة الْمَرْأَة وَالْكَلب وَالْحمار؟ فَقَالَ: {إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ} (فاطر: ٠١) فَمَا يقطع هَذَا، وَلَكِن يكره. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد روى عَن نفر من أَصْحَاب رَسُول ا: أَن مُرُور بني آدم وَغَيرهم بَين يَدي الْمُصَلِّي لَا يقطع الصَّلَاة، ثمَّ أخرج عَن سعيد بن الْمسيب بِإِسْنَاد صَحِيح أَن عليا وَعُثْمَان، رَضِي اتعالى عَنْهُمَا، قَالَا: (لَا يقطع صَلَاة الْمُسلم شَيْء وادرؤا مَا اسْتَطَعْتُم) . وَأخرجه أَيْضا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن ابْن الْمسيب عَن عَليّ وَعُثْمَان، قَالَا: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء فادرؤوهم عَنْكُم مَا اسْتَطَعْتُم) . وَأخرج الطَّحَاوِيّ: عَن كَعْب بن عبد اعن حُذَيْفَة بن الْيَمَان يَقُول: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء) . وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَليّ، رَضِي اعنه، مَرْفُوعا: (لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء إلَاّ الْحَدث) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْقَائِلُونَ بِقطع بمرورهم، من أَيْن قَالُوا بِهِ؟ قلت: إِمَّا باجتهادهم، وَلَفظ: شبهتمونا، يدل عَلَيْهِ، إِذْ نسبت التَّشْبِيه إِلَيْهِم، وَإِمَّا بِمَا ثَبت عِنْدهم من قَول النَّبِي.
قلت: هَذَا السُّؤَال سُؤال من لم يقف على الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الْقطع، وَأحد شقي الْجَواب غير موجه لِأَنَّهُ لَا مجَال للإجتهاد عِنْد وجوب النُّصُوص. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن الرَّسُول بِهِ فلِمَ لَا يحكم بِالْقطعِ؟ قلت: إِمَّا لِأَنَّهَا رجحت خَبَرهَا على خبرهم من جِهَة أَنَّهَا صَاحِبَة الْوَاقِعَة، وَمن جِهَة أُخْرَى، أَو لِأَنَّهَا أولت الْقطع بِقطع الْخُشُوع ومواطأة الْقلب اللِّسَان فِي التِّلَاوَة، لَا قطع أصل الصَّلَاة، أَو جعلت حَدِيثهَا وَحَدِيث ابْن عَبَّاس مُرُور الْحمار الأتان ناسخين لَهُ، وَكَذَا حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ حَيْثُ قَالَ: (فليدفعه وفليقاتله) ، من غير حكم بِانْقِطَاع الصَّلَاة بذلك. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يعكس بِأَن يَجْعَل الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة مَنْسُوخَة؟ قلت: للإحتراز عَن كَثْرَة النّسخ، إِذْ نسخ حَدِيث وَاحِد أَهْون من نسخ ثَلَاثَة، أَو لِأَنَّهَا كَانَت عارفة بالتاريخ وَتَأَخر عَنهُ.
٥١٥٤٦١ - ح دّثنا إسْحَاقُ قَالَ أخبرنَا يَعْقُوبُ بنُ بْرَاهِيمَ قَالَ حدّثني ابنُ أخِي ابنِ شِهَابٍ أنَّهُ سأَلَ عَمَّهُ عَن الصَّلَاةِ يَقْطَعُهَا شِيءٌ فقالَ لَا يَقْطَعُهَا شَيءٌ أَخْبرنِي عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ زَوْجَ النبيّ قالَتْ لَقَدْ كانَ رسولُ الله يَقُومُ فَيُصلِّي منَ اللَّيْلِ وَإِنِّي لِمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أهْلِهِ. .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة صَرِيحَة من قَول الزُّهْرِيّ.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن أبراهيم الْحَنْظَلِي الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، هَذِه رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره وَقع إِسْحَاق غير مَنْسُوب، وَزعم أَبُو نعيم أَنه: إِسْحَاق بن مَنْصُور الكوسج، وَجزم ابْن السكن بِأَنَّهُ: ابْن رَاهْوَيْةِ، وَقَالَ: كل مَا فِي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن رَاهْوَيْةِ. وَقَالَ الكلاباذي: إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم. وَإِسْحَاق بن مَنْصُور وَكِلَاهُمَا يرويان عَن يَعْقُوب. الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَقد مر. الثَّالِث: ابْن أخي ابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن عبد ابْن مُسلم، تقدم فِي بَاب إِذا لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة. الرَّابِع: عَمه، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير. السَّادِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: الْإِخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: السُّؤَال وَالْقَوْل. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن عَمه، وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون مَا خلا إِسْحَاق فَإِنَّهُ مروزي.
ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (لَا يقطعهَا) ، أَي: لَا يقطع الصَّلَاة شَيْء، وَهَذَا عَام مَخْصُوص بالأمور الثَّلَاثَة الَّتِي وَقع النزاع فِيهَا، لِأَن القواطع فِي الصَّلَاة كَثِيرَة مثل القَوْل الْكثير وَغَيرهمَا، وَمَا من عَام إلَاّ وَقد خص إلَاّ: {وَا بِكُل شَيْء عليم} (الْبَقَرَة: ١٣٢، ٢٨٢ النِّسَاء: ٦٧١ الْمَائِدَة: ٧٩ الْأَنْفَال: ٥٧ التَّوْبَة: ٥١١ النُّور: ٥٣، ٤٦ العنكبوت: ٢٦ الحجرات: ٦١ المجادلة: ٠٧ التغابن: ١١) وَنَحْوه. قَوْله: (أَخْبرنِي) ، من تَتِمَّة مقول ابْن شهَاب. قَوْله: (وَإِنِّي لمعترضة) ، جملَة اسمية مُؤَكدَة: بِأَن، وللام فِي مَوضِع النصب على الْحَال.