الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٦٢
الحديث رقم ٦٠٦٢ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أثنى على أخيه بما يعلم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٠٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ :
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أنه رأى في منامه سحابةً تقطر السمن والعسل، والناس يأخذون منها بأكفهم، فمنهم الآخذ كثيرًا ومنهم الآخذ قليلًا، وإذا حبل واصل من الأرض إلى السماء، فأراك يا رسول الله أخذتَ به فعلوت، ثم أخذ بالحبل رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وُصل الحبل مرة أخرى، أي: فعلا به. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله أفديك بأبي، وأقسم عليك أن تتركني أفسرها له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: فسرها، فقال أبو بكر: السحابة هي الإسلام، وذلك لأن السحابة تظل الإنسان وتحميه من الأذى وينعمه بالمطر بإذن الله، وكذلك الإسلام يحمي المؤمن من الأذى والهلاك، وينعم به في الدنيا والآخرة. ثم قال: وأما الذي يقطر من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تقطر، فمن الناس من يستكثر من أخذ القرآن ومنهم المقل، وأما الحبل الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه يارسول الله تأخذ به فيرفعك الله به، ثم يأخد به رجل من بعدك فيعلو به، وكان هذا الرجل هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ لأنه يقوم بالحق بعده صلى الله عليه وسلم في أمته، ثم يأخذ بالحبل رجل آخر، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر، وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به، وهو إشارة إلى قتل عثمان ووصل الخلافة لعلي رضي الله عنهما أو الفتن التي تقع لعثمان ثم يوصل فيعلو، ثم قال أبو بكر: أخبرني يا رسول الله هل أصبت في تعبير هذه الرؤيا أم أخطأت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: أصبت في بعضها وأخطأت في بعضها. قيل: إنه أخطأ لكونه عبر السمن والعسل بالقرآن فقط، وهما شيئان كان من حقه أن يعبرهما بالقرآن والسنة؛ لأنها بيان للكتاب المنزل عليه، وبهما تتم الأحكام كتمام اللذة بهما. وقيل: وجه الخطأ أن الصواب في التعبير أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو السحابة، والسمن والعسل القرآن والسنة، وقيل: يحتمل أن يكون السمن والعسل العلم والعمل وقيل الفهم والحفظ. وقيل: الأولى السكوت عن بيان ما أخطأ فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سكت عن ذلك. ثم أقسم أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره بالذي أخطأ فيه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تُقْسِم» أي: لا تكرر قسمك؛ لأن أبا بكر كان قد أقسم. قيل: إنما لم يبر النبي صلى الله عليه وسلم قسم أبي بكر؛ لأن إبرار القسم مخصوص بما إذا لم يكن هناك مفسدة ولا مشقة ظاهرة، ولعل المفسدة في ذلك ما علمه من انقطاع الحبل بعثمان وهو قتله وتلك الحروب والفتن المريبة فكره ذكرها خوف انتشارها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا هَذَا وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاسْتَعْمَلَهُ الْمِقْدَادُ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَالثَّانِي الْخَيْبَةُ وَالْحِرْمَانُ كَقَوْلِهِمْ لِمَنْ رَجَعَ خَائِبًا رَجَعَ وَكَفُّهُ مَمْلُوءَةٌ تُرَابًا. وَالثَّالِثُ قُالُوا لَهُ بِفِيكَ التُّرَابُ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ لِمَنْ تَرَكهُ قَوْلَهُ. وَالرَّابِعُ أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَمْدُوحِ كَأَنْ يَأْخُذَ تُرَابًا فَيَبْذُرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ مَصِيرَهُ إِلَيْهِ فَلَا يَطْغَى بِالْمَدْحِ الَّذِي سَمِعَهُ.
وَالْخَامِسُ الْمُرَادُ بِحَثْوِ التُّرَابِ فِي وَجْهِ الْمَادِحِ إِعْطَاؤُهُ مَا طُلِبَ لِأَنَّ كُلَّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابٌ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْبَيْضَاوِيُّ وَقَالَ: شَبَّهَ الْإِعْطَاءَ بِالْحَثْيِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْشِيحِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّقْلِيلِ وَالِاسْتِهَانَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ دَفْعُهُ عَنْهُ وَقَطْعُ لِسَانِهِ عَنْ عِرْضِهِ بِمَا يُرْضِيهِ مِنَ الرَّضْخِ، وَالدَّافِعُ قَدْ يَدْفَعُ خَصْمَهُ بِحَثْيِ التُّرَابِ عَلَى وَجْهِهِ اسْتِهَانَةً بِهِ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ فَوَرَدَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحُ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ، وَإِلَى لَفْظِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ رَمَزَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مُطَوَّلًا، وَفِيهِ: وَإِيَّاكُمْ وَالْمَدْحَ فَإِنَّهُ مِنَ الذَّبْحِ، وَأَمَّا مَا مُدِحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ أَرْشَدَ مَادِحِيهِ إِلَى مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ: لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ ضَبَطَ الْعُلَمَاءُ الْمُبَالَغَةَ الْجَائِزَةَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ الْمَمْنُوعَةِ بِأَنَّ الْجَائِزَةَ يَصْحَبُهَا شَرْطٌ أَوْ تَقْرِيبٌ، وَالْمَمْنُوعَةُ بِخِلَافِهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنِ الْمَعْصُومِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَيْدٍ كَالْأَلْفَاظِ الَّتِي وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا بَعْضَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ لِابْنِ عَمْرٍو: نِعْمَ الْعَبْدُ عَبْدُ اللَّهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: آفَةُ الْمَدْحِ فِي الْمَادِحِ أَنَّهُ قَدْ يَكْذِبُ وَقَدْ يُرَائِي الْمَمْدُوحَ بِمَدْحِهِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: إِذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، وَقَدْ يَقُولُ مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ مِمَّا لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ: فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ إِنَّهُ وَرِعٌ وَمُتَّقٍ وَزَاهِدٌ، بِخِلَافِ
مَا لَوْ قَالَ: رَأَيْتُهُ يُصَلِّي أَوْ يَحُجَّ أَوْ يُزَكِّي فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ تَبْقَى الْآفَةُ عَلَى الْمَمْدُوحِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ الْمَدْحُ كِبْرًا أَوْ إِعْجَابًا أَوْ يَكِلُهُ عَلَى مَا شَهَرَهُ بِهِ الْمَادِحُ فَيَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَسْتَمِرُّ فِي الْعَمَلِ غَالِبًا هُوَ الَّذِي يَعُدُّ نَفْسَهُ مُقَصِّرًا، فَإِنْ سَلِمَ الْمَدْحُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَرُبَّمَا كَانَ مُسْتَحَبًّا، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ لَمْ يَضُرَّهُ الْمَدْحُ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِذَا مُدِحَ الرَّجُلُ فِي وَجْهِهِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا تُؤَاخِذنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ.
٥٥ - بَاب مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَعْلَمُ
وَقَالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.
٦٠٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِي الْإِزَارِ مَا ذَكَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ، قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَعْلَمُ) أَيْ فَهُوَ جَائِزٌ وَمُسْتَثْنًى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالضَّابِطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَدْحِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأَرْضِ: إنَّه مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) بالتَّخفيف. واستُشكل الحصرُ بما ثبت من أنَّه ﷺ بشَّر العشرة بذلك، كما هو معروفٌ. وأُجيب بأنَّ سعدًا لم يسمعْ ذلك منه ﷺ.
٦٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحب «المغازي» (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِي الإِزَارِ مَا ذَكَرَ) حيث قال: «من جرَّ ثوبَهُ خيلاءَ لم ينظرِ الله إليهِ» [خ¦٣٦٦٥] (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ إِزَارِي يَسقطُ) أي: يسترخِي (مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ) بكسر الشين المعجمة وفتح القاف مشددة (قَالَ) ﷺ: (إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ) أي: لست ممَّن يصنعْه خُيلاء، فمدحهُ ﷺ بما فيه، والصِّدِّيق بلا ريب يُؤمن منه الإعجابُ والكِبْر، ولا يدخل ذلك في المنع كما لا يخفى، فيجوز الثَّناء على الإنسانِ بما فيه من الفضل على وجهِ الإعلام ليُقتدى به (١) فيه.
والحديث مرَّ في «اللِّباس» [خ¦٥٧٨٤].
(٥٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾) بالتَّسوية في الحقوقِ فيما بينكم وترك الظُّلم وإيصالِ كلِّ ذي حقٍّ إلى (٢) حقِّه (﴿وَالإِحْسَانِ﴾) إلى من أساء إليكم، أو الفرضُ والنَّدب؛ لأن الفرض لا بدَّ من أن يقع فيه تفريطٌ فيجبره النَّدب (٣) (﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾) وإعطاء ذي
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الشَّهَادَات: بَاب مَا يكره من الإطناب فِي الْمَدْح.
قَوْله: (ويطريه) من الإطراء وَهُوَ مُجَاوزَة الْحَد. قَوْله: (أَو قطعْتُمْ) شكّ من الرَّاوِي وَقطع الظّهْر مجَاز عَن الإهلاك، يَعْنِي: أوقعتموه فِي الْإِعْجَاب بِنَفسِهِ الْمُوجب لهلاك دينه.
١٠٦١ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ خالِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ رجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأثْنى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْراً، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقُ صاحِبِكَ، يَقُولُهُ مِرَاراً: إنَّ كانَ أحَدُكُمْ مادِحاً لَا مَحالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِن كَانَ يُرَى أنَّهُ كَذلِكَ وَحَسِيبُهُ الله وَلَا يُزَكِّي عَلَى الله أحَداً.
وَقَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خالِدٍ: وَيْلَكَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء، وَأَبُو بكرَة هُوَ نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء ابْن الْحَارِث الثَّقَفِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات عَن مُحَمَّد بن سَلام فِي: بَاب إِذا زكى رجل رجلا كَفاهُ.
قَوْله: (ذكر) بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: (وَيحك) كلمة ترحم وتوجع يُقَال لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا، وَقد يُقَال بِمَعْنى الْمَدْح والتعجب، وَهِي مَنْصُوبَة على الْمصدر، وَقد ترفع وتضاف، فَيُقَال: وَيْح زيد ويحاً لَهُ وويح لَهُ. قَوْله: (قطعت عنق صَاحبك) قطع الْعُنُق اسْتِعَارَة من قطع الْعُنُق الَّذِي هُوَ الْقَتْل لاشْتِرَاكهمَا فِي الْهَلَاك لَكِن هَذَا الْهَلَاك فِي الدّين وَذَاكَ من جِهَة الدُّنْيَا. قَوْله: (لَا محَالة) بِفَتْح الْمِيم أَي: لَا بُد وَالْمِيم زَائِدَة. قَوْله: (إِن كَانَ يُرى) بِضَم الْيَاء أَي: يظنّ، وَوَقع فِي رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع: إِن كَانَ يعلم ذَلِك، وَكَذَا فِي رِوَايَة وهيب. قَوْله: (وحسيبه الله) بِفَتْح الْحَاء وَكسر السِّين الْمُهْملَة يَعْنِي: يحاسبه على عمله الَّذِي يعلم بِحَقِيقَة حَاله وَهِي جملَة اعتراضية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هِيَ من تَتِمَّة القَوْل، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة حَال من فَاعل. (فَلْيقل) . وعَلى الله فِيهِ معنى الْوُجُوب وَالْقطع، وَالْمعْنَى: فَلْيقل: أَحسب فلَانا كَيْت وَكَيْت إِن كَانَ يحْسب ذَلِك، وَالله يعلم سره فِيمَا فعل فَهُوَ يجازيه، وَلَا يقل: أتيقن أَنه محسن وَالله شَاهد عَلَيْهِ، على الْجَزْم، وَأَن الله يجب عَلَيْهِ أَن يفعل بِهِ كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (وَلَا يُزكي) على صِيغَة الْمَعْلُوم. و: (أحدا) مَنْصُوب بِهِ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَالضَّمِير فِي: يُزكي، للمخاطب وَعَن أبي ذَر عَن المستملى والسرخسي على صِيغَة الْمَجْهُول: وَاحِد، بِالرَّفْع وَمَعْنَاهُ: لَا يقطع على عَاقِبَة أحد وَلَا على مَا فِي ضَمِيره لِأَن ذَلِك مغيب عَنهُ. قَوْله: (وَلَا يُزكي) خبر مَعْنَاهُ النَّهْي أَي لَا يُزكي أحدا.
قَوْله: (وَقَالَ وهيب) مصغر وهب بن خَالِد الْبَصْرِيّ (عَن خَالِدا) لحذاء بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور فِيمَا سَيَأْتِي. قَوْله: (وَيلك) مَوضِع وَيحك، وَكلمَة: وَيلك، كلمة حزن وهلاك، وَقيل: وَيْح وويل بِمَعْنى وَاحِد، وَتَعْلِيق وهيب هَذَا يَأْتِي مَوْصُولا فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي قَول الرجل: وَيلك.
٥٥ - (بابُ مَنْ أثْنَى عَلَى أخِيهِ بِما يَعْلَمُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ثَنَاء من أثنى على أَخِيه أَي: صَاحبه بِمَا يعلم فِيهِ وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يطري وَلَا يزِيد على مَا يعلم.
وَقَالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقولُ لأحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأرْضِ: إنَّهُ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ إلَاّ لِعَبْدِ الله بنِ سَلَامٍ.
أَي: قَالَ سعد بن أبي وَقاص، هَذَا التَّعْلِيق قد مضى مَوْصُولا فِي مَنَاقِب عبد الله بن سَلام، قيل: عبد الله بن سَلام من المبشرين فَلَا ينحصرون فِي الْعشْرَة. وَأجِيب: بِأَن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يَنْفِي الزَّائِد، أَو المُرَاد بِالْعشرَةِ الَّذين بشروا بهَا دفْعَة وَاحِدَة، وَإِلَّا فالحسن وَالْحُسَيْن وأمهما وَأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالِاتِّفَاقِ من أهل الْجنَّة، قيل: مَفْهُوم التَّرْكِيب أَنه منحصر فِي عبد الله فَقَط. وَأجِيب بِأَن غَايَته أَن سعد لم يسمع ذَلِك مِنْهُ، أَو لم يقل لأحد غَيره حَال الْمَشْي على الأَرْض.
٦٠٦٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ حدّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِينَ ذَكَرَ فِي الإزَارِ مَا ذَكَرَ قَالَ أبُو بَكرٍ: يَا رسولَ الله! إنَّ إزَاري يَسْقُطُ مِنْ أحَدِ شقَّيْهِ. قَالَ: إنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّك لست مِنْهُم) لِأَن فِيهِ مدح أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، بِمَا يعلم مِنْهُ.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين ذكر فِي الْإِزَار وَهُوَ قَوْله: (من جرَّ ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) مر فِي أول كتاب اللبَاس. قَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله! إِن إزَارِي يسْقط أحد شقيه، يَعْنِي: يسترخي، وَيُشبه جَرّه، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّك لست مِنْهُم، أَي: من الَّذين يجرونَ ثِيَابهمْ خُيَلَاء. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي أول كتاب اللبَاس: إِنَّك لست مِمَّن يصنعه خُيَلَاء، وَهَذَا فِيهِ مدح لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ، بِمَا يُعلمهُ مِنْهُ.
وَفِيه من الْفِقْه: أَنه يجوز الثَّنَاء على النَّاس بِمَا فيهم على وَجه الْإِعْلَام بصفاتهم ليعرف لَهُم سابقتهم وتقدمهم فِي الْفضل فينزلوا مَنَازِلهمْ ويقدموا على من لَا يساويهم ويقتدي بهم فِي الْخَيْر، أَلا ترى كَيفَ شهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للعشرة بِالْجنَّةِ؟ وَقَالَ للصديق، كل النَّاس قَالُوا لي: كذبت، وَقَالَ لي أَبُو بكر: صدقت. وروى معمر عَن قَتَادَة عَن ابْن قلَابَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أرْحم أمتِي أَبُو بكر وَأَقْوَاهُمْ فِي دين الله عمر، وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان، وأقضاهم عَليّ، وَأمين أمتِي أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، وَأعلم أمتِي بالحلال معَاذ بن جبل وأقرؤهم أبيّ وأفرضهم زيد رَضِي الله عَنْهُم.
٥٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {إنَّ الله يَأمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَارِ والمُنْكَر والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تذكَّرُونَ} (النَّحْل: ٩٠) وقَوْلِهِ: {إنَّما بَغْيُكُمْ عَلَى أنْفُسِكُمْ} (يُونُس: ٢٣) {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله} .)
أَشَارَ البُخَارِيّ بإيراد هَذِه الْآيَات إِلَى وجوب ترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر يدل عَلَيْهِ قَوْله: وَالْإِحْسَان. أَي: إِلَى الْمُسِيء وَترك معاقبته على إساءته وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي: {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} الْآيَة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ سيقت إِلَى: {تذكرُونَ} .
ثمَّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أَقْوَال: الأول: أَن المُرَاد بِالْعَدْلِ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالْإِحْسَان أَدَاء الْفَرَائِض، قَالَه ابْن عَبَّاس. الثَّانِي: الْعدْل الْفَرَائِض، وَالْإِحْسَان النَّافِلَة. الثَّالِث: الْعدْل اسْتِوَاء السريرة وَالْعَلَانِيَة، وَالْإِحْسَان أَن تكون السريرة أفضل من الْعَلَانِيَة، قَالَه ابْن عُيَيْنَة. الرَّابِع: الْعدْل خلع الأنداد، وَالْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ. الْخَامِس: الْعدْل الْعِبَادَة، وَالْإِحْسَان الْخُشُوع فِيهَا. السَّادِس: الْعدْل الْإِنْصَاف، وَالْإِحْسَان التفضل. السَّابِع: الْعدْل امْتِثَال المأمورات، وَالْإِحْسَان اجْتِنَاب المنهيات. الثَّامِن: الْعدْل فِي الْأَفْعَال، وَالْإِحْسَان فِي الْأَقْوَال. التَّاسِع: الْعدْل بذل الْحق، وَالْإِحْسَان ترك الظُّلم. الْعَاشِر: الْعدْل الْبَذْل، وَالْإِحْسَان الْعَفو. قَوْله: {وايتاء ذِي الْقُرْبَى} أَي: صلَة الرَّحِم، قَوْله: {وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر} يَعْنِي عَن كل فعل وَقَول قَبِيح، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الزِّنَا وَالْبَغي، قيل: هُوَ الْكبر وَالظُّلم، وَقيل: التَّعَدِّي ومجاوزة الْحَد. قَوْله: {تذكرُونَ} أَصله: تتذكرون، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
قَوْله: {إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم} قَالَ ابْن عُيَيْنَة: المُرَاد بهَا أَن الْبَغي تعجل عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا لصَاحبه، يُقَال: للبغي مصرعة. قَوْله: ثمَّ بغى عَلَيْهِ لينصرنه الله كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة. والأصيلي على وفْق التِّلَاوَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي، وَوَقع للباقين: وَمن بغي عَلَيْهِ، وَهُوَ خلاف مَا وَقع عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ سبق قلم إِمَّا من المُصَنّف وَإِمَّا مِمَّن بعده. قلت: الظَّاهِر أَنه من النَّاسِخ وَاسْتمرّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة غير هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، ثمَّ إِن الله عز وَجل ضمن نصْرَة من بغي عَلَيْهِ وَالْأولَى لمن بغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على مَا ضمن من نَصره، ويقابل ذَلِك بِالْعَفو عَمَّن بغي عَلَيْهِ، وَقد كَانَ الانتقام فِيهِ لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النَّحْل: ١٢٦) لَكِن الصفح عَنهُ أولى عملا بقوله: {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} (الشورى: ٤٣) وَقد أخْبرت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ لَا ينْتَقم لنَفسِهِ وَيَعْفُو عَمَّن ظلمه.
وَتَرْكِ إثارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ
وَترك، مجرور عطفا على قَوْله: قَول الله تَعَالَى، أَي: وَفِي بَيَان وجوب ترك إثارة الشَّرّ أَي: تهييجه على مُسلم أَو كَافِر، وَحَال الْمُسلم يَقْتَضِي إطفاء الشَّرّ عَن النَّاس أَجْمَعِينَ.
٦٠٦٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيان حدّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله
عَنْهَا، قالَتْ: مَكُثَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا وَكَذا يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَأتِي أهْلَهُ وَلَا يَأْتِي، قالَتْ عائِشةُ، قالَتْ عائِشَةُ: فَقَالَ لِي ذاتَ يَوْمٍ: يَا عائِشَةُ {إنَّ الله أفْتانِي فِي أمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أتانِي رَجُلانِ فَجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رِجْلَيَّ والآخرُ عِنْدَ رَأسي، فَقَالَ الَّذِي عندَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأسِي: مَا بالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُوراً. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ أعْصَمَ. قَالَ: وفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئرِ ذَرْوانَ، فَجاءَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأُخْرِجَ. قالَتْ عائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله} فَهَلَاّ تَعْنِي: تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أمَّا الله فَقَدْ شَفانِي، وأمَّا أَنا فأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلَى الناسِ شَرًّا. قالَتْ: ولَبِيدُ بنُ أعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين الْآيَات الْمَذْكُورَة أَن الله لما نهى عَن الْبَغي وَأعلم أَن ضَرَر الْبَغي يرجع إِلَى الْبَاغِي وَضمن النُّصْرَة لمن بُغي عَلَيْهِ كَانَ حق من بُغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على إحسانه إِلَيْهِ بِأَن يعْفُو عَمَّن بغى عَلَيْهِ. أَلا يُرى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَيفَ ابْتُلِيَ بِالسحرِ وَلم يُعَاقب ساحره مَعَ قدرته على ذَلِك، وَأما وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْأُخْرَى وَهِي قَوْله: (وَترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر) هُوَ من قَوْله: (وَأما أَنا فأكره أَن أثير على النَّاس شرا) .
والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير ابْن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطِّبّ فِي: بَاب السحر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى، وَنَذْكُر بعض شَيْء.
قَوْله: (فيخيل إِلَيْهِ أَنه يَأْتِي أَهله) أَي: يخيل إِلَيْهِ أَنه يُبَاشر أَهله وَلم يكن ثمَّة مُبَاشرَة. قَوْله: (ذَات يَوْم) أَي: يَوْمًا، وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. قَوْله: (فِي أَمر) أَي: فِي أَمر التخيل. قَوْله: (رجلَانِ) هما الْملكَانِ بِصُورَة الرجلَيْن. قَوْله: (رجْلي) مُفْرد أَو مثنى. قَوْله: (مطبوب) فسره بقوله: أَي: (مسحور) وَهَذَا التَّفْسِير مدرج فِي الْخَبَر. قَوْله: (وَمن طببه؟) أَي: نسحره. قَوْله: (وفيم؟) أَي: فِي أَي شَيْء؟ قَوْله: (فِي جف) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء وَهُوَ وعَاء طلع النّخل وَيُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (ومشاقة) بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وبالقاف، وَهِي مَا يغزل من الْكَتَّان. قَوْله: (راعوفة) بِفَتْح الرَّاء وَضم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَهِي حجر فِي أَسْفَل الْبِئْر. قَوْله: (ذروان) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالواو وَالنُّون وَهُوَ بُسْتَان فِيهِ بِئْر بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (أريتها) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: (رُؤُوس الشَّيَاطِين) مثل فِي استقباح الصُّورَة أَي: أَنَّهَا وحشية المنظر سمجة الشكل. قَوْله: (نقاعة) بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْقَاف وتشديدها مَاء ينفع فِيهِ الْحِنَّاء. قَوْله: (فَأخْرج) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أخرج من تَحت الرعوفة. قَوْله: (تنشرت) تَفْسِير قَوْله: (فَهَلا) وَهُوَ أَيْضا مدرج فِي الْخَبَر، وتنشرت على وزن تفعلت. قَالَ الْجَوْهَرِي: التنشر من النشرة بِضَم النُّون وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَهِي كالرقية فَإِذا نشر المسموم فَكَأَنَّمَا نشط من عقال، أَي: يذهب عَنهُ سَرِيعا. وَفِي الحَدِيث: (لَعَلَّ طِبًّا أَصَابَهُ؟) يَعْنِي سحرًا. ثمَّ نشره {قل أعوذ بِرَبّ النَّاس} أَي: رقاه، وَكَذَا قَالَه الْقَزاز: وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ هلا اغْتَسَلت ورقيت؟ قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَظَاهر الحَدِيث أَن تنشرت أظهرت السحر، توضحه الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته؟) وَرُوِيَ أَنه سُئِلَ عَن النشرة فَقَالَ: هِيَ من عمل الشَّيْطَان، وَقَالَ الْحسن: النشرة من السحر وَهُوَ ضرب من الرقي والعلاج يعالج بِهِ من كَانَ يظنّ أَن بِهِ شَيْئا من الْجِنّ. وَقَالَ عِيَاض: النشرة نوع من التطبب بالاغتسال على هيأة مَخْصُوصَة بالتجربة لَا يحيلها الْقيَاس الظني، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَازهَا، وَقيل: من قَالَ: إِن تنشرت مَأْخُوذ من النشر أَو من نشر الشَّيْء وَهُوَ إِظْهَاره كَيفَ يجمع بَين قَوْلهَا: فَأخْرج؟ وَبَين قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته) ؟ . وَأجِيب: بِأَن الْإِخْرَاج الْوَاقِع كَانَ لأصل السحر، والاستخراج
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا هَذَا وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاسْتَعْمَلَهُ الْمِقْدَادُ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَالثَّانِي الْخَيْبَةُ وَالْحِرْمَانُ كَقَوْلِهِمْ لِمَنْ رَجَعَ خَائِبًا رَجَعَ وَكَفُّهُ مَمْلُوءَةٌ تُرَابًا. وَالثَّالِثُ قُالُوا لَهُ بِفِيكَ التُّرَابُ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ لِمَنْ تَرَكهُ قَوْلَهُ. وَالرَّابِعُ أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَمْدُوحِ كَأَنْ يَأْخُذَ تُرَابًا فَيَبْذُرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتَذَكَّرُ بِذَلِكَ مَصِيرَهُ إِلَيْهِ فَلَا يَطْغَى بِالْمَدْحِ الَّذِي سَمِعَهُ.
وَالْخَامِسُ الْمُرَادُ بِحَثْوِ التُّرَابِ فِي وَجْهِ الْمَادِحِ إِعْطَاؤُهُ مَا طُلِبَ لِأَنَّ كُلَّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابٌ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْبَيْضَاوِيُّ وَقَالَ: شَبَّهَ الْإِعْطَاءَ بِالْحَثْيِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْشِيحِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّقْلِيلِ وَالِاسْتِهَانَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ دَفْعُهُ عَنْهُ وَقَطْعُ لِسَانِهِ عَنْ عِرْضِهِ بِمَا يُرْضِيهِ مِنَ الرَّضْخِ، وَالدَّافِعُ قَدْ يَدْفَعُ خَصْمَهُ بِحَثْيِ التُّرَابِ عَلَى وَجْهِهِ اسْتِهَانَةً بِهِ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ فَوَرَدَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحُ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ، وَإِلَى لَفْظِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ رَمَزَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مُطَوَّلًا، وَفِيهِ: وَإِيَّاكُمْ وَالْمَدْحَ فَإِنَّهُ مِنَ الذَّبْحِ، وَأَمَّا مَا مُدِحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَدْ أَرْشَدَ مَادِحِيهِ إِلَى مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ: لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ ضَبَطَ الْعُلَمَاءُ الْمُبَالَغَةَ الْجَائِزَةَ مِنَ الْمُبَالَغَةِ الْمَمْنُوعَةِ بِأَنَّ الْجَائِزَةَ يَصْحَبُهَا شَرْطٌ أَوْ تَقْرِيبٌ، وَالْمَمْنُوعَةُ بِخِلَافِهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنِ الْمَعْصُومِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَيْدٍ كَالْأَلْفَاظِ الَّتِي وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا بَعْضَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ لِابْنِ عَمْرٍو: نِعْمَ الْعَبْدُ عَبْدُ اللَّهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: آفَةُ الْمَدْحِ فِي الْمَادِحِ أَنَّهُ قَدْ يَكْذِبُ وَقَدْ يُرَائِي الْمَمْدُوحَ بِمَدْحِهِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: إِذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ، وَقَدْ يَقُولُ مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ مِمَّا لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ: فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ إِنَّهُ وَرِعٌ وَمُتَّقٍ وَزَاهِدٌ، بِخِلَافِ
مَا لَوْ قَالَ: رَأَيْتُهُ يُصَلِّي أَوْ يَحُجَّ أَوْ يُزَكِّي فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاطِّلَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ تَبْقَى الْآفَةُ عَلَى الْمَمْدُوحِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ الْمَدْحُ كِبْرًا أَوْ إِعْجَابًا أَوْ يَكِلُهُ عَلَى مَا شَهَرَهُ بِهِ الْمَادِحُ فَيَفْتُرُ عَنِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَسْتَمِرُّ فِي الْعَمَلِ غَالِبًا هُوَ الَّذِي يَعُدُّ نَفْسَهُ مُقَصِّرًا، فَإِنْ سَلِمَ الْمَدْحُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَرُبَّمَا كَانَ مُسْتَحَبًّا، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ لَمْ يَضُرَّهُ الْمَدْحُ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِذَا مُدِحَ الرَّجُلُ فِي وَجْهِهِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا تُؤَاخِذنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ.
٥٥ - بَاب مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَعْلَمُ
وَقَالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.
٦٠٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِي الْإِزَارِ مَا ذَكَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ، قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَعْلَمُ) أَيْ فَهُوَ جَائِزٌ وَمُسْتَثْنًى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالضَّابِطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَدْحِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأَرْضِ: إنَّه مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ) بالتَّخفيف. واستُشكل الحصرُ بما ثبت من أنَّه ﷺ بشَّر العشرة بذلك، كما هو معروفٌ. وأُجيب بأنَّ سعدًا لم يسمعْ ذلك منه ﷺ.
٦٠٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحب «المغازي» (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِي الإِزَارِ مَا ذَكَرَ) حيث قال: «من جرَّ ثوبَهُ خيلاءَ لم ينظرِ الله إليهِ» [خ¦٣٦٦٥] (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ إِزَارِي يَسقطُ) أي: يسترخِي (مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ) بكسر الشين المعجمة وفتح القاف مشددة (قَالَ) ﷺ: (إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ) أي: لست ممَّن يصنعْه خُيلاء، فمدحهُ ﷺ بما فيه، والصِّدِّيق بلا ريب يُؤمن منه الإعجابُ والكِبْر، ولا يدخل ذلك في المنع كما لا يخفى، فيجوز الثَّناء على الإنسانِ بما فيه من الفضل على وجهِ الإعلام ليُقتدى به (١) فيه.
والحديث مرَّ في «اللِّباس» [خ¦٥٧٨٤].
(٥٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾) بالتَّسوية في الحقوقِ فيما بينكم وترك الظُّلم وإيصالِ كلِّ ذي حقٍّ إلى (٢) حقِّه (﴿وَالإِحْسَانِ﴾) إلى من أساء إليكم، أو الفرضُ والنَّدب؛ لأن الفرض لا بدَّ من أن يقع فيه تفريطٌ فيجبره النَّدب (٣) (﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾) وإعطاء ذي
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الشَّهَادَات: بَاب مَا يكره من الإطناب فِي الْمَدْح.
قَوْله: (ويطريه) من الإطراء وَهُوَ مُجَاوزَة الْحَد. قَوْله: (أَو قطعْتُمْ) شكّ من الرَّاوِي وَقطع الظّهْر مجَاز عَن الإهلاك، يَعْنِي: أوقعتموه فِي الْإِعْجَاب بِنَفسِهِ الْمُوجب لهلاك دينه.
١٠٦١ - حدَّثنا آدَمُ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ خالِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ رجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأثْنى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْراً، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقُ صاحِبِكَ، يَقُولُهُ مِرَاراً: إنَّ كانَ أحَدُكُمْ مادِحاً لَا مَحالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسِبُ كَذَا وَكَذَا، إِن كَانَ يُرَى أنَّهُ كَذلِكَ وَحَسِيبُهُ الله وَلَا يُزَكِّي عَلَى الله أحَداً.
وَقَالَ وُهَيْبٌ عَنْ خالِدٍ: وَيْلَكَ. (انْظُر الحَدِيث ٢٦٦٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا فِي الحَدِيث السَّابِق. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وخَالِد هُوَ ابْن مهْرَان الْحذاء، وَأَبُو بكرَة هُوَ نفيع بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء ابْن الْحَارِث الثَّقَفِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الشَّهَادَات عَن مُحَمَّد بن سَلام فِي: بَاب إِذا زكى رجل رجلا كَفاهُ.
قَوْله: (ذكر) بِلَفْظ الْمَجْهُول. قَوْله: (وَيحك) كلمة ترحم وتوجع يُقَال لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا، وَقد يُقَال بِمَعْنى الْمَدْح والتعجب، وَهِي مَنْصُوبَة على الْمصدر، وَقد ترفع وتضاف، فَيُقَال: وَيْح زيد ويحاً لَهُ وويح لَهُ. قَوْله: (قطعت عنق صَاحبك) قطع الْعُنُق اسْتِعَارَة من قطع الْعُنُق الَّذِي هُوَ الْقَتْل لاشْتِرَاكهمَا فِي الْهَلَاك لَكِن هَذَا الْهَلَاك فِي الدّين وَذَاكَ من جِهَة الدُّنْيَا. قَوْله: (لَا محَالة) بِفَتْح الْمِيم أَي: لَا بُد وَالْمِيم زَائِدَة. قَوْله: (إِن كَانَ يُرى) بِضَم الْيَاء أَي: يظنّ، وَوَقع فِي رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع: إِن كَانَ يعلم ذَلِك، وَكَذَا فِي رِوَايَة وهيب. قَوْله: (وحسيبه الله) بِفَتْح الْحَاء وَكسر السِّين الْمُهْملَة يَعْنِي: يحاسبه على عمله الَّذِي يعلم بِحَقِيقَة حَاله وَهِي جملَة اعتراضية. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: هِيَ من تَتِمَّة القَوْل، وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة حَال من فَاعل. (فَلْيقل) . وعَلى الله فِيهِ معنى الْوُجُوب وَالْقطع، وَالْمعْنَى: فَلْيقل: أَحسب فلَانا كَيْت وَكَيْت إِن كَانَ يحْسب ذَلِك، وَالله يعلم سره فِيمَا فعل فَهُوَ يجازيه، وَلَا يقل: أتيقن أَنه محسن وَالله شَاهد عَلَيْهِ، على الْجَزْم، وَأَن الله يجب عَلَيْهِ أَن يفعل بِهِ كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (وَلَا يُزكي) على صِيغَة الْمَعْلُوم. و: (أحدا) مَنْصُوب بِهِ فِي رِوَايَة الْكشميهني وَالضَّمِير فِي: يُزكي، للمخاطب وَعَن أبي ذَر عَن المستملى والسرخسي على صِيغَة الْمَجْهُول: وَاحِد، بِالرَّفْع وَمَعْنَاهُ: لَا يقطع على عَاقِبَة أحد وَلَا على مَا فِي ضَمِيره لِأَن ذَلِك مغيب عَنهُ. قَوْله: (وَلَا يُزكي) خبر مَعْنَاهُ النَّهْي أَي لَا يُزكي أحدا.
قَوْله: (وَقَالَ وهيب) مصغر وهب بن خَالِد الْبَصْرِيّ (عَن خَالِدا) لحذاء بِسَنَدِهِ الْمَذْكُور فِيمَا سَيَأْتِي. قَوْله: (وَيلك) مَوضِع وَيحك، وَكلمَة: وَيلك، كلمة حزن وهلاك، وَقيل: وَيْح وويل بِمَعْنى وَاحِد، وَتَعْلِيق وهيب هَذَا يَأْتِي مَوْصُولا فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي قَول الرجل: وَيلك.
٥٥ - (بابُ مَنْ أثْنَى عَلَى أخِيهِ بِما يَعْلَمُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز ثَنَاء من أثنى على أَخِيه أَي: صَاحبه بِمَا يعلم فِيهِ وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يطري وَلَا يزِيد على مَا يعلم.
وَقَالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقولُ لأحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأرْضِ: إنَّهُ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ إلَاّ لِعَبْدِ الله بنِ سَلَامٍ.
أَي: قَالَ سعد بن أبي وَقاص، هَذَا التَّعْلِيق قد مضى مَوْصُولا فِي مَنَاقِب عبد الله بن سَلام، قيل: عبد الله بن سَلام من المبشرين فَلَا ينحصرون فِي الْعشْرَة. وَأجِيب: بِأَن التَّخْصِيص بِالْعدَدِ لَا يَنْفِي الزَّائِد، أَو المُرَاد بِالْعشرَةِ الَّذين بشروا بهَا دفْعَة وَاحِدَة، وَإِلَّا فالحسن وَالْحُسَيْن وأمهما وَأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالِاتِّفَاقِ من أهل الْجنَّة، قيل: مَفْهُوم التَّرْكِيب أَنه منحصر فِي عبد الله فَقَط. وَأجِيب بِأَن غَايَته أَن سعد لم يسمع ذَلِك مِنْهُ، أَو لم يقل لأحد غَيره حَال الْمَشْي على الأَرْض.
٦٠٦٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا سُفْيانُ حدّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عَنْ سالِمٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِينَ ذَكَرَ فِي الإزَارِ مَا ذَكَرَ قَالَ أبُو بَكرٍ: يَا رسولَ الله! إنَّ إزَاري يَسْقُطُ مِنْ أحَدِ شقَّيْهِ. قَالَ: إنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّك لست مِنْهُم) لِأَن فِيهِ مدح أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، بِمَا يعلم مِنْهُ.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين ذكر فِي الْإِزَار وَهُوَ قَوْله: (من جرَّ ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) مر فِي أول كتاب اللبَاس. قَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله! إِن إزَارِي يسْقط أحد شقيه، يَعْنِي: يسترخي، وَيُشبه جَرّه، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّك لست مِنْهُم، أَي: من الَّذين يجرونَ ثِيَابهمْ خُيَلَاء. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي أول كتاب اللبَاس: إِنَّك لست مِمَّن يصنعه خُيَلَاء، وَهَذَا فِيهِ مدح لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ، بِمَا يُعلمهُ مِنْهُ.
وَفِيه من الْفِقْه: أَنه يجوز الثَّنَاء على النَّاس بِمَا فيهم على وَجه الْإِعْلَام بصفاتهم ليعرف لَهُم سابقتهم وتقدمهم فِي الْفضل فينزلوا مَنَازِلهمْ ويقدموا على من لَا يساويهم ويقتدي بهم فِي الْخَيْر، أَلا ترى كَيفَ شهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للعشرة بِالْجنَّةِ؟ وَقَالَ للصديق، كل النَّاس قَالُوا لي: كذبت، وَقَالَ لي أَبُو بكر: صدقت. وروى معمر عَن قَتَادَة عَن ابْن قلَابَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أرْحم أمتِي أَبُو بكر وَأَقْوَاهُمْ فِي دين الله عمر، وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان، وأقضاهم عَليّ، وَأمين أمتِي أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، وَأعلم أمتِي بالحلال معَاذ بن جبل وأقرؤهم أبيّ وأفرضهم زيد رَضِي الله عَنْهُم.
٥٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {إنَّ الله يَأمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَارِ والمُنْكَر والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تذكَّرُونَ} (النَّحْل: ٩٠) وقَوْلِهِ: {إنَّما بَغْيُكُمْ عَلَى أنْفُسِكُمْ} (يُونُس: ٢٣) {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله} .)
أَشَارَ البُخَارِيّ بإيراد هَذِه الْآيَات إِلَى وجوب ترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر يدل عَلَيْهِ قَوْله: وَالْإِحْسَان. أَي: إِلَى الْمُسِيء وَترك معاقبته على إساءته وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي: {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} الْآيَة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ سيقت إِلَى: {تذكرُونَ} .
ثمَّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أَقْوَال: الأول: أَن المُرَاد بِالْعَدْلِ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالْإِحْسَان أَدَاء الْفَرَائِض، قَالَه ابْن عَبَّاس. الثَّانِي: الْعدْل الْفَرَائِض، وَالْإِحْسَان النَّافِلَة. الثَّالِث: الْعدْل اسْتِوَاء السريرة وَالْعَلَانِيَة، وَالْإِحْسَان أَن تكون السريرة أفضل من الْعَلَانِيَة، قَالَه ابْن عُيَيْنَة. الرَّابِع: الْعدْل خلع الأنداد، وَالْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ. الْخَامِس: الْعدْل الْعِبَادَة، وَالْإِحْسَان الْخُشُوع فِيهَا. السَّادِس: الْعدْل الْإِنْصَاف، وَالْإِحْسَان التفضل. السَّابِع: الْعدْل امْتِثَال المأمورات، وَالْإِحْسَان اجْتِنَاب المنهيات. الثَّامِن: الْعدْل فِي الْأَفْعَال، وَالْإِحْسَان فِي الْأَقْوَال. التَّاسِع: الْعدْل بذل الْحق، وَالْإِحْسَان ترك الظُّلم. الْعَاشِر: الْعدْل الْبَذْل، وَالْإِحْسَان الْعَفو. قَوْله: {وايتاء ذِي الْقُرْبَى} أَي: صلَة الرَّحِم، قَوْله: {وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر} يَعْنِي عَن كل فعل وَقَول قَبِيح، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الزِّنَا وَالْبَغي، قيل: هُوَ الْكبر وَالظُّلم، وَقيل: التَّعَدِّي ومجاوزة الْحَد. قَوْله: {تذكرُونَ} أَصله: تتذكرون، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
قَوْله: {إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم} قَالَ ابْن عُيَيْنَة: المُرَاد بهَا أَن الْبَغي تعجل عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا لصَاحبه، يُقَال: للبغي مصرعة. قَوْله: ثمَّ بغى عَلَيْهِ لينصرنه الله كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة. والأصيلي على وفْق التِّلَاوَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي، وَوَقع للباقين: وَمن بغي عَلَيْهِ، وَهُوَ خلاف مَا وَقع عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ سبق قلم إِمَّا من المُصَنّف وَإِمَّا مِمَّن بعده. قلت: الظَّاهِر أَنه من النَّاسِخ وَاسْتمرّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة غير هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، ثمَّ إِن الله عز وَجل ضمن نصْرَة من بغي عَلَيْهِ وَالْأولَى لمن بغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على مَا ضمن من نَصره، ويقابل ذَلِك بِالْعَفو عَمَّن بغي عَلَيْهِ، وَقد كَانَ الانتقام فِيهِ لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النَّحْل: ١٢٦) لَكِن الصفح عَنهُ أولى عملا بقوله: {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} (الشورى: ٤٣) وَقد أخْبرت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ لَا ينْتَقم لنَفسِهِ وَيَعْفُو عَمَّن ظلمه.
وَتَرْكِ إثارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ
وَترك، مجرور عطفا على قَوْله: قَول الله تَعَالَى، أَي: وَفِي بَيَان وجوب ترك إثارة الشَّرّ أَي: تهييجه على مُسلم أَو كَافِر، وَحَال الْمُسلم يَقْتَضِي إطفاء الشَّرّ عَن النَّاس أَجْمَعِينَ.
٦٠٦٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيان حدّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله
عَنْهَا، قالَتْ: مَكُثَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا وَكَذا يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَأتِي أهْلَهُ وَلَا يَأْتِي، قالَتْ عائِشةُ، قالَتْ عائِشَةُ: فَقَالَ لِي ذاتَ يَوْمٍ: يَا عائِشَةُ {إنَّ الله أفْتانِي فِي أمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أتانِي رَجُلانِ فَجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رِجْلَيَّ والآخرُ عِنْدَ رَأسي، فَقَالَ الَّذِي عندَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأسِي: مَا بالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُوراً. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ أعْصَمَ. قَالَ: وفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئرِ ذَرْوانَ، فَجاءَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأُخْرِجَ. قالَتْ عائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله} فَهَلَاّ تَعْنِي: تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أمَّا الله فَقَدْ شَفانِي، وأمَّا أَنا فأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلَى الناسِ شَرًّا. قالَتْ: ولَبِيدُ بنُ أعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين الْآيَات الْمَذْكُورَة أَن الله لما نهى عَن الْبَغي وَأعلم أَن ضَرَر الْبَغي يرجع إِلَى الْبَاغِي وَضمن النُّصْرَة لمن بُغي عَلَيْهِ كَانَ حق من بُغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على إحسانه إِلَيْهِ بِأَن يعْفُو عَمَّن بغى عَلَيْهِ. أَلا يُرى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَيفَ ابْتُلِيَ بِالسحرِ وَلم يُعَاقب ساحره مَعَ قدرته على ذَلِك، وَأما وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْأُخْرَى وَهِي قَوْله: (وَترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر) هُوَ من قَوْله: (وَأما أَنا فأكره أَن أثير على النَّاس شرا) .
والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير ابْن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطِّبّ فِي: بَاب السحر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى، وَنَذْكُر بعض شَيْء.
قَوْله: (فيخيل إِلَيْهِ أَنه يَأْتِي أَهله) أَي: يخيل إِلَيْهِ أَنه يُبَاشر أَهله وَلم يكن ثمَّة مُبَاشرَة. قَوْله: (ذَات يَوْم) أَي: يَوْمًا، وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. قَوْله: (فِي أَمر) أَي: فِي أَمر التخيل. قَوْله: (رجلَانِ) هما الْملكَانِ بِصُورَة الرجلَيْن. قَوْله: (رجْلي) مُفْرد أَو مثنى. قَوْله: (مطبوب) فسره بقوله: أَي: (مسحور) وَهَذَا التَّفْسِير مدرج فِي الْخَبَر. قَوْله: (وَمن طببه؟) أَي: نسحره. قَوْله: (وفيم؟) أَي: فِي أَي شَيْء؟ قَوْله: (فِي جف) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء وَهُوَ وعَاء طلع النّخل وَيُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (ومشاقة) بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وبالقاف، وَهِي مَا يغزل من الْكَتَّان. قَوْله: (راعوفة) بِفَتْح الرَّاء وَضم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَهِي حجر فِي أَسْفَل الْبِئْر. قَوْله: (ذروان) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالواو وَالنُّون وَهُوَ بُسْتَان فِيهِ بِئْر بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (أريتها) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: (رُؤُوس الشَّيَاطِين) مثل فِي استقباح الصُّورَة أَي: أَنَّهَا وحشية المنظر سمجة الشكل. قَوْله: (نقاعة) بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْقَاف وتشديدها مَاء ينفع فِيهِ الْحِنَّاء. قَوْله: (فَأخْرج) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أخرج من تَحت الرعوفة. قَوْله: (تنشرت) تَفْسِير قَوْله: (فَهَلا) وَهُوَ أَيْضا مدرج فِي الْخَبَر، وتنشرت على وزن تفعلت. قَالَ الْجَوْهَرِي: التنشر من النشرة بِضَم النُّون وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَهِي كالرقية فَإِذا نشر المسموم فَكَأَنَّمَا نشط من عقال، أَي: يذهب عَنهُ سَرِيعا. وَفِي الحَدِيث: (لَعَلَّ طِبًّا أَصَابَهُ؟) يَعْنِي سحرًا. ثمَّ نشره {قل أعوذ بِرَبّ النَّاس} أَي: رقاه، وَكَذَا قَالَه الْقَزاز: وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ هلا اغْتَسَلت ورقيت؟ قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَظَاهر الحَدِيث أَن تنشرت أظهرت السحر، توضحه الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته؟) وَرُوِيَ أَنه سُئِلَ عَن النشرة فَقَالَ: هِيَ من عمل الشَّيْطَان، وَقَالَ الْحسن: النشرة من السحر وَهُوَ ضرب من الرقي والعلاج يعالج بِهِ من كَانَ يظنّ أَن بِهِ شَيْئا من الْجِنّ. وَقَالَ عِيَاض: النشرة نوع من التطبب بالاغتسال على هيأة مَخْصُوصَة بالتجربة لَا يحيلها الْقيَاس الظني، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَازهَا، وَقيل: من قَالَ: إِن تنشرت مَأْخُوذ من النشر أَو من نشر الشَّيْء وَهُوَ إِظْهَاره كَيفَ يجمع بَين قَوْلهَا: فَأخْرج؟ وَبَين قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته) ؟ . وَأجِيب: بِأَن الْإِخْرَاج الْوَاقِع كَانَ لأصل السحر، والاستخراج