الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > تفسير سورة الصافات
تفسيرُ سورةِ الصافات كاملةً من تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) (عبد الرحمن الثعالبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 50 دقيقة قراءةتفسير سورة «الصافّات»
وهي مكّيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عز وجل: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا الآية، أقْسَمَ تعالى في هذه الآية بأشْيَاءَ مِنْ مخلوقاتِه، قالَ ابنُ مسعودٍ وغيرُه: «الصافات» هي الملائكة تَصُفُّ في السماءِ في عبادة الله عز وجل «١» .
وقالت فرقة: المرادُ: صفوفُ بني آدم في القتال في سبيل اللَّهِ، قال ع «٢» :
واللفظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُمَّ هذه المذكوراتِ كلَّها، قال مجاهد: «وَالزاجِرات» هي الملائكة تَزْجُرُ السحابَ وغير ذلك من مخلوقاتِ اللَّه تعالى «٣» ، وقال قتادة: «الزاجرات» هي آيات القرآن «٤» ، وفَالتَّالِياتِ ذِكْراً معناه: القارئات، قال مجاهد: أراد الملائكة التي تتلو ذكره «٥» ،
وقال قتادة: أراد بني آدم الذين يَتْلُونَ كُتُبَهُ المنزلةَ وتسبيحَه وتكبيرَه ونحوَ ذلك «١» ، والمُقْسَمُ عليه: قولهُ: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ.
وقوله: مارِدٍ قال العراقيُّ: مَارِدٌ سُخِطَ عَلَيْهِ، وهكذا مَرِيدٍ [الحج: ٣] انتهى وهَذَا لَفْظُهُ، والمَلأ الأعلى: أهلُ السَّمَاءِ الدنيا فما فوقها، وسُمِّيَ الكُلُّ منهم أعلى بالإضَافَةِ إلى ملإ الأرْضِ الذي هو أسفلُ، والضمير في يَسَّمَّعُونَ للشياطين، وقرأ حمزة، وعاصم في رواية حفص: «لا يَسَّمَّعُونَ» ، - بشد السين والميم «٢» ، بمعنى: لا يَتَسَمَّعُونَ، فينتفي على قراءة الجمهورِ سَمَاعُهُمْ، وإن كانوا يستمعون وهو المعنى الصحيحُ، ويعْضُدُه قولهُ تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: ٢١٢] وَيُقْذَفُونَ معناه: يُرْجَمُونَ، والدَّحُورُ: الإصْغار والإهانَةُ، لأن الدَّحْرَ هو الدَّفْعُ بِعُنْفٍ، وقال البخاريّ: وَيُقْذَفُونَ يرمون «٣» ودُحُوراً مُطْرَدِين، وقال ابن عباسٍ: «مدحوراً» مَطْرُوداً «٤» ، انتهى، والوَاصِبُ: الدائم قاله مجاهد وغيره «٥» ، وقال أبو صالح: الواصبُ:
المُوجِعُ «٦» ، ومنه الوَصَبُ، والمعنى: هذه الحالُ هي الغالبةُ على جميع الشياطين إلا مَنْ شَذَّ فَخَطَفَ خَبَراً أو نَبَأً، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ فأحرقَه، والثَّاقِبُ، النافِذُ بضوئه وشعاعِه المنير قاله قتادة وغيره «٧» .
وقوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا أي: فلا يُمْكِنُهُمْ أن يقولوا إلا أنَّ خَلْقَ مَنْ سواهُم من الأمَمِ والملائِكَة، والجنِّ والسَّمواتِ والأرضِ والمشارِق والمغارِبِ وغير ذلك- هو أشَدُّ مِنْ هؤلاءِ المخاطَبِينَ، وبأن الضمير/ في خَلَقْنا يرادُ به ما تقدم ذكره، قال مجاهد وقتادة وغيرهما: ويُؤَيِّدُه ما في مصحف ابن مسعود «أُمْ مَنْ عَدَدْنَا» «١» وكذلك قرأَ الأَعْمَشُ «٢» .
وقوله تعالى: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ أي: خلقُ أصلِهم وهو آدم ع، واللاّزِبُ: اللازمُ: يَلْزَمُ ما جاورَهُ ويَلْصَقُ به، وهُوَ الصَّلْصَالُ، بَلْ عَجِبْتَ يا محمدُ مِنْ إعْرَاضِهِم عن الحق، وقرأ حمزةُ والكسائي «بل عَجِبْتُ» - بضمِ التاء- «٣» وذلك على أن يكونَ تَعَالَى هو المُتَعَجِّبُ ومعنَى ذَلِكَ مِن اللَّه تعالى: أنه صفة فعل، ونحوه قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«يَعْجَبُ اللَّهُ مِنَ الشّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ» فإنَّما هِي عِبَارَةٌ عَمَّا يُظْهِرُهُ اللَّه- تعالى- في جِانِبِ المُتَعَجَّبِ مِنْهُ من التعظيمِ أو التحقير حَتَّى يصيرَ الناسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنه، قال الثعلبي: قال الحسينُ بن الفضل: التعجبُ من اللَّهِ إنكارُ الشيء، وتعظيمهُ وهو لغة العرب، انتهى.
وقوله: وَيَسْخَرُونَ أي: وهمْ يَسْخَرُونَ من نبوّتك.
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)
وقوله: وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ يريدُ بالآية: العلامةَ والدلالة، ورُوِيَ أنَّها نزلتْ في رُكَانة وَهُوَ رَجُلٌ من المشركينَ من أهل مكة لقيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في جَبَلٍ خَالٍ وهُوَ يرعى غَنَماً له وكانَ أقوى أهْلِ زَمانِه، فقال له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَا رُكَانَةُ أَرَأَيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أَتُؤْمِنُ بِي؟ قال: نعم، فصرعه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثَلاَثاً، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْ دُعَاءِ شجرة وإقبالها،
ونَحْوَ ذَلك مما اخْتَلَفَتْ فيه ألفاظُ الحديثِ، فَلَمَّا فَرَغَ ذلكَ لَم يُؤْمِنْ، وجاءَ إلى مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا بني هَاشِمٍ، سَاخِرُوا بِصَاحِبِكُمْ أَهْلَ الأرضِ، فنزلَتْ هذه الآية فيه وفي نظرائه، ويَسْتَسْخِرُونَ قال مجاهد وقتادة: معناه: يَسْخَرُونَ «١» ، ثم أمر تعالى نبيَّه أن يُجِيبَ تَقْرِيرَهُمْ واستفهامهم عَنِ البَعْثِ ب نَعَمْ، وأن يزيدَهُمْ في الجواب، أنَّهُمْ معَ البعث في صَغَارٍ وذلَّةٍ واستكانةٍ، والدَّاخِرُ: الصَّاغِرُ الذليلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بيانهُ غيرَ ما مَرَّةٍ، والزَّجْرَةُ الواحدةُ: هِيَ نَفْخَةُ البَعْثِ، قال العراقيّ: الزّجرة: الصّيحة بانتهار، انتهى. والدِّينِ:
الجزاءُ، وأجمَع المفسِّرُونَ على أن قولَه تعالى: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ لَيْسَ هو من قولِ الكَفَرَةِ وإنما المعنى: يُقَالُ لهُم.
وقوله: وَأَزْواجَهُمْ معناه: أنوَاعُهُم وضُرَباؤهم قاله عمر وابن عبّاس وقتادة «٢» ، ومعهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ آدَمِيٍّ رَضِيَ بذلكَ، ومن صَنَمٍ وَوَثَنٍ توبيخاً لهم وإظهاراً لِسُوءِ حالهم، وقال الحسنُ: أَزْواجَهُمْ نساؤهم المشركاتُ: وقاله ابن عباس أيضاً «٣» .
وقوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ معناه: قَدِّمُوهم واحملوهم على طريق الجحيم، ثم يأمر اللَّهُ تعالى بوقوفهم- على جِهَةِ التَّوْبِيخِ لهم- والسؤال، قال جمهور المفسرين: يُسْأَلُونَ عن أعمالهم ويُوقَفُونَ على قُبْحِها، وقد تقدَّم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ ... » الحديثَ، قال ع «٤» : ويَحْتَمِلُ عندي أنْ يكونَ المعنى على نحوِ ما فسّره تعالى بقوله: ما لَكُمْ لا
تَناصَرُونَ أي: إنهم مسؤولون عن امْتِنَاعِهم عن التَّنَاصُرِ وهذا على جهة التَّوْبِيخِ، وقرأ خلق «١» «لا تَتَنَاصَرُونَ» . ت: قال عِيَاضٌ في «المدارك» : كان أبو إسْحَاقَ الجبنياني ظَاهِرَ الحُزْنِ، كثيرَ الدَّمْعَةِ يَسْرُدُ الصِّيَامَ، قال ولده أبو الطاهِر: قال لي أبي: إن إنساناً بقي في آية سنةً لَمْ يَتَجَاوَزْهَا، وهي قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ فقلتُ له: أَنْتَ هُوَ؟
فَسَكَتَ، فعلمتُ أَنَّه/ هو، وكانَ إذا دَخَلَ في الصَّلاَةِ: لَوْ سَقَطَ البيتُ الذي هو فيه، ما التَفَتَ، إقبالاً على صَلاَتِهِ، واشتغالا بمناجَاة ربِّهِ، وكانَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَضْيِيقاً على نَفْسِهِ ثم عَلى أَهْلِه، وكان يأكلُ البَقْلَ البَرِّيَّ والجَرَادَ إذا وَجَدَهُ ويَطْحَنُ قُوتَهُ بِيَدِهِ شَعِيراً، ثُم يَجْعَلُهُ بِنُخَالَتِهِ دَقِيقاً في قِدْرٍ مع مَا وَجَدَ مِنْ بَقْلٍ بَرِّيٍّ وَغيرِه، حتى إِنّه رُبَّما رَمَى بِشَيْءٍ مِنْهُ لِكَلْبٍ أَو هِرٍّ فَلا يَأْكُلُهُ، وكانَ لِبَاسُهُ يَجْمَعُهُ من خرق المزابل ويرقّعه، وَكَانَ يَتَوَطَّأُ الرَّمْلَ، وَفي الشِّتَاءِ يَأْخُذُ قِفَافَ المَعَاصِرِ المُلْقَاةِ على المَزَابِلِ يجعلُها تَحْتَهُ، قال وَلَدُهُ أبو الطَّاهِرِ: وكنَّا إذا بَقِينَا بلا شَيْءٍ نَقْتَاتُهُ، كُنْتُ أَسْمَعُهُ في اللَّيْل يَقُولُ: [البسيط]
مَالِي تِلاَدٌ ولاَ استطرفت مِنْ نَشَب ... وَمَا أُؤمِّلُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ أَحَدٍ
إنَّ الْقُنُوعَ بِحَمْدِ اللَّهِ يَمْنَعُنِي ... مِنَ التَّعَرُّضِ للمَنَّانَةِ النكد
انتهى.
وقوله تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ هذه الجماعَةُ التي يقْبِلُ بعضُها على بعضٍ هي جِنٌّ وإنْسٌ قاله قتادة «٢» ، وتَسَاؤُلُهم هو على معنى التَّقْرِيعِ واللَّوْمِ والتَّسَخُّطِ، والقائلون: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا إما أنْ يكونَ الإنْسُ يقولونها للشياطينِ وهذا قول مجاهد وابن زيد «٣» ، وإما أنْ يكونَ ضَعَفَةُ الإنْسِ يقولُونَهَا لِلكبراءِ والقادةِ، واضطرب
المُتَأَوِّلُونَ في معنى قولهم: عَنِ الْيَمِينِ فعبَّر ابنُ زيد وغيرُه عنه بطريقِ الجَنَّةِ «١» ، ونحو هذا من العباراتِ التي هي تفسيرٌ بالمعنى، ولا يختصُّ بنَفْسِ اللَّفْظَةِ، والذي يخصُّها مَعَانٍ:
منها أن يريدَ باليمين: القوةَ. أي: تحملونَنَا على طريقِ الضَّلاَلَةِ بقوةٍ، ومنها أن يريدَ باليمينِ. اليُمْنَ، أي: تأتوننا من جِهَة النصائِح والعملِ الذي يُتَيَمَّنُ به، ومن المعاني التي تحتملها الآيةُ أن يريدوا: أنكم كُنتم تجيئُونَنَا من جهة الشَّهَوَاتِ، وأكثرُ ما يَتَمكَّنُ هذا التأويلُ مع إغواء الشياطين، وقيلَ: المعنى تَحْلِفونَ لنا، فاليمينُ على هذا: القَسَمُ، وقد ذَهَبَ بعضُ العلماءِ في ذكرِ إبليسَ جهاتِ بني آدم في قوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [الأعراف: ١٧] إلى ما ذكرناه من جهةِ الشهوات. ثم أخْبَرَ تعالى عن قول الجِنّ المجيبينَ لهؤلاءِ بقولهم: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، أي: ليس الأمْرُ كما ذكرتمْ بل كانَ لكمُ اكتسابُ الكُفْرِ وما كانَ لنَا عليكم حُجَّةٌ، وبنحو هذا فَسَّرَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ قولُ الجِنِّ إلى غاوِينَ «٢» . ثم أخْبَرَ تعالى بأنهم جميعاً في العذابِ مشتركون، وأنَّ هذا فعلُه بأهل الجُرْم والكفر.
وقوله سبحانه: إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... الآية، قُلْتُ: جاء في فضل «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» أحاديثُ كثيرةٌ فمنها ما رواه أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: قَالَ موسى: يَا رَبِّ علِّمْنِي شَيْئاً أَذْكُرُكَ بِهِ، وأدْعُوكَ بِهِ، قال: قُلْ يَا مُوسَى: «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» قال: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا، قَالَ: قُلْ: «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» قَالَ: إنَّمَا أُرِيدُ شَيْئاً تَخُصُّنِي بِهِ، قَالَ: يَا موسى، لَوْ أَنَّ السموات السَّبْعَ والأَرْضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، و «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» في كِفَّةٍ- مَالَتْ بِهِنَّ «لاَ إله إلاَّ اللَّهُ» «٣» - رواه النسائي وابن حبّان في
«صحيحه» ، واللفظ لابن حبّان، وعنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «وقول لاَ إله إلاَّ اللَّهُ/ لاَ تَتْرُكُ ذَنْبَاً وَلاَ يُشْبِهُهَا عَمَلٌ» «١» ، رواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» وقال صحيحٌ الإسنَاد، انتهى من «السّلاح» ، والطائفة التي قالت: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ هي قريشٌ وإشارتهم بالشاعر إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بقوله: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ الذينَ تَقَدَّمُوهُ، ثم أَخْبَرَ تعالى مخاطبا لهم بقوله: إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ الآية.
وقوله تعالى: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناءٌ مُنْقَطِعٌ وهؤلاءِ المؤمنون.
وقوله: مَعْلُومٌ معناه: عندهُمْ.
وقوله: بَيْضاءَ يَحْتَملُ أَنْ يعودَ على الكأسِ، ويحتملُ أنْ يعودَ على الخَمْرِ، وهو أظهرُ، قال الحسنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أَشَدُّ بياضاً مِنَ اللَّبَنِ «٢» ، وفي قراءة ابن مسعود «٣» :
«صفراء» فهذا وصفُ الخمرِ وحدَها، والغَوْلُ: اسمٌ عامٌّ في الأذى، وقال ابن عباس وغيره: الغَوْلُ: وَجَعٌ في البطْنِ «٤» ، وقال قتادةُ هو صُدَاعٌ في الرأس «٥» ويُنْزَفُونَ من
قولك: نُزِفَ الرَّجُلُ إذا سَكِرَ، وبإذْهابِ العَقْلِ فَسَّره ابن عباس «١» ، وقرأ حمزة والكسائي «يُنْزِفُونَ» بكسر الزاي «٢» من «أنزف» وله معنيان:
[أحدهما: سَكِر.
والثاني: نَفِدَ شَرَابُه.
وهذا كله منفيّ عن أهل الجنّة.
وقاصِراتُ الطَّرْفِ] «٣» قال ابن عباس وغيره معناه على أزواجهن «٤» ، أي: لا ينظرن إلى غيرهم، وعِينٌ: جَمْعُ «عَيْنَاءَ» ، وهي الكَبِيرةُ العَيْنينِ في جَمَالٍ.
وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ قال ابن جبير والسُّدِّيُّ: شَبَّه ألوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الداخليِّ، وهو المكنونُ «٥» ، أي المَصُونُ، ورجَّحَه الطبريُّ «٦» ، وقال الجمهور: شَبَّه أَلْوَانَهُنَّ بَلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ من النَّعَامِ، وهو بياضٌ قَدْ خالَطَتْهُ صُفْرَةٌ حسنة، ومَكْنُونٌ أي:
بالريش، وقال ابن عباس فيما حَكَى الطبريّ: «البيض المكنون» أراد به الجوهر
المَصُونَ «١» ، قال ع «٢» : وهذا يَرُدُّهُ لَفْظُ الآيةِ، فلا يَصِحُّ عَنِ ابن عباس.
وقوله تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ ... الآية، هذا التَّساؤُلُ الذي بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ هو تساؤُلُ رَاحَةٍ وَتَنَعُّمٍ يَتَذَاكَرُونَ أمُورَهُمْ في الجَنَّةِ وأمْرَ الدنيا وحالَ الطَّاعَةِ والإيمَانِ فيها، ثم أخْبَرَ تعالى عَنْ قَوْلِ قائِلٍ منهم في قِصَّتِهِ، وهو مثالٌ لِكُلِّ مَنْ لَهُ قَرِينُ سَوْءٍ، فَيُعْطِي هَذَا المثالُ التَّحَفُّظَ مِنْ قُرَنَاءِ السوءِ، قال الثعلبيُّ: قوله:
إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال مجاهد: كان شَيْطَاناً «٣» ، انتهى، وقال ابنُ عباس وغيره: كان هذانِ منَ البَشَرِ مُؤمِنٌ وكَافِرٌ «٤» ، وقال فُرَاتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ البَهْرَانِيُّ في قَصَصِ هَذَيْنِ: إنَّهُمَا كَانَا شَرِيكَيْنِ بثمانيةِ آلاف دينارٍ، فكَانَ أحدُهُمَا مَشْغُولاً بِعِبَادةِ اللَّهِ، وكان الآخرُ كافراً مُقْبِلاً على مَالِهِ، فَحَلَّ الشَّرِكَةَ مع المؤمِنِ وَبقيَ وَحْدَه لِتَقْصِيرِ المؤمِنِ في التِّجَارَةِ، وجَعَلَ الكَافِرُ كُلَّمَا اشْتَرَى شَيْئاً من دَارٍ أو جَاريةٍ أو بستانٍ ونحوِهِ، عرضه عَلى المؤمِنِ وفَخَرَ عليه، فَيَمْضِي المؤمِنُ عندَ ذلكَ، وَيَتَصَدَّقُ بنحوِ ذلك لِيَشْتَرِي بِه من اللَّهِ تعالى في الجَنَّةِ، فكانَ مِنْ أمرِهمَا في الآخِرَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هذه «٥» الآية، وحكى السُّهَيْلِيُّ أن هذين الرجلَيْنِ هما المذكورانِ في قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ... الآية [الكهف: ٣٢] انتهى، و «مدينون» معناه: مجاوزون محاسبون قاله ابن عبّاس وغيره «٦» .
وقوله تعالى: قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ الآية، / في الكلامِ حَذْفٌ، تقديرُه: فقالَ لِهذَا الرجلُ حاضِرُوهُ مِنَ الملائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هذا في جَهَنَّمَ يُعَذَّبُ فقال عند ذلك: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ يخَاطِبُ ب «أَنْتُم» الملائكةَ أو رفقاءَه في الجنةِ أو خَدَمَتَهُ وَكُلَّ هذا حَكَى المَهْدَوِيُّ، وقَرَأ أبو عمرو في رواية حُسَيْنٍ «مُطْلِعُونَ» بسكون الطاء وفتح النون «١» ، وقرِىء شاذًّا «مُطْلِعُونِ» - بسكون الطاء وكسر النون «٢» -، قال ابن عباس وغيره: سَواءِ الْجَحِيمِ وَسَطُه «٣» ، فقال له المؤمِنُ عند ذلك: تَاللَّهِ، إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ أي: لَتُهْلِكُنِي بإغْوائِكَ، والرَّدَى: الهلاكُ، وقولُ المؤمِنِ: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلى قوله: بِمُعَذَّبِينَ يحتملُ أن تكونَ مخاطبةً لِرُفَقَائِهِ في الجَنَّةِ، لمَّا رأى مَا نَزَلَ بِقَرِينِهِ، ونَظَرَ إلى حالِه في الجنَّةِ وحالِ رُفَقَائِهِ قَدَّرَ النعمةَ قَدْرَهَا، فَقَالَ لهم على جهة التوقيفِ على النِّعْمَةِ: أفما نحن بميِّتين ولا معذَّبين، ويجيء على هذا التأويل قوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
إلى قوله:
الْعامِلُونَ مُتَّصِلاً بكَلاَمِهِ خِطَاباً لرفقائهِ، ويحتمل قوله: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ أن تكون
مخاطبةً لقرينِه على جهة التوبيخ، كأنَّه يقول: أين الذي كنتَ تقولُ من أنَّا نموتُ وَلَيْسَ بَعْدَ الموتِ عِقَابٌ ولا عَذَابٌ، ويكونُ قولُه تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إلى قوله:
الْعامِلُونَ يحتمل أنْ يَكُونَ من خِطَابِ المُؤْمِنِ لقرينهِ وإليه ذَهَبَ قتادة «١» ، ويحتملُ أنْ يَكُونَ من خِطَابِ اللَّه- تعالى- لمحمَّد ع وأُمَّتِه، ويُقَوِّي هذَا قَوْلُهُ: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ وهُوَ حَضٌّ عَلى العَمَلِ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بدار عمل.
أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)
وقولُهُ تعالى: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ المرادُ بالآية: تقريرُ قريشٍ والكفارِ، قال ع «٢» : وفي بعض البلادِ الجَدْبَةِ المجاورةِ للصَّحَارَى- شجرةٌ مُرَّةٌ مَسْمُومَةٌ لَهَا لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ أَحَدٍ تَوَرَّمَ وَمَاتَ مِنْهُ في أغلب الأمْرِ تُسَمَّى شجَرَةَ الزَّقُّومِ، والتَّزَقُّمُ في كَلاَمِ العَرَب: البَلْعُ عَلَى شِدَّةٍ وَجَهْدٍ.
وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قال قتادة ومجاهد والسُّدِّيُّ: يريد أبا جهل ونظراءه «٣» ، وقد تقدم بيان ذلك.
وقوله تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ اخْتَلَفَ في معناه فقالت فرقة: شَبَّهَ طَلْعَها بثَمَرِ شَجَرَةٍ مَعْرُوفَةٍ يقالُ لَها «رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ» ، وهي بناحِيَةِ اليَمَنِ، يقال لها: «الأَسْتَنُ» ، وقالت فرقة: شَبَّهَ برُؤُوسِ صِنْفٍ منَ الحيَّاتِ يُقَالُ لها «الشَّياطِين» ، وهي ذواتُ أعْرَافٍ، وقالت فرقة: شَبَّه بما اسْتَقَر في النُّفُوسِ مِنْ كَرَاهَةِ رؤوس الشياطين وقُبْحِهَا وإنْ كانَتْ لاَ تُرَى لأن الناسَ إذا وصفوا شَيْئاً بِغَايَةِ القُبْحِ قَالوا: كأنَّه شَيْطَانٌ ونَحوُ هذا قولُ امرئ القيس: [الطويل] .
أَيَقْتُلُنِي وَالمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ «١»
فإنَّما شَبَّه بما استقر في النفوس من هيئتها، والشَّوْبُ: المِزَاجُ والخَلْطُ قاله ابن عباس وقتادة «٢» ، والحميم: السُّخْنُ جِدًّا مِن الماء ونحوِهِ، فيريد به هاهنا شَرَابَهُمْ الذي هو طِينةُ الخَبَالِ صَدِيدُهُمْ وَمَا يَنْماعُ مِنْهُمْ هذا قولُ جماعةٍ من المفسرين.
وقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ كقوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: ٤٤] وقوله سبحانه: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ... الآية، تمثيل لقريش ويُهْرَعُونَ معناه: يُسْرِعُونَ قاله قتادة وغيره «٣» ، وهذا تَكَسُّبُهُمْ للكفر وحرصهم عليه.
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)
وقوله تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يَقْتَضِي الإخبارَ بأنه عذَّبَهُمْ ولذلك حَسُنَ الاستثناءُ في قوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ونِداءُ نُوحٍ تَضَمَّنَ أشْياءَ كطَلبِ النصرة والدعاءِ على قومِه وغيرِ ذلك، قال أبو حيان «٤» : وقوله: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ جَوابُ قَسَمٍ كقوله: [من الطويل]
يمينا لنعم السّيّدان وجدتما «٥» ... ............... ................
والمخصوصُ بالمَدْحِ محذوفٌ، أي: فَلنِعْمَ المجيبُونَ نَحْنُ، انتهى.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ قال ابن عبَّاسٍ وقتادة: أهْلُ الأرضِ كلُّهُمْ من ذريةِ نوحٍ «١» ، وقالت فرقة: إنَّ اللَّه تعالى أَبْقَى ذريةَ نُوحٍ وَمَدَّ نَسْلَه، وليسَ الأمْرُ بأَنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا انْحَصَرُوا إلى نَسْلِهِ، بَلْ في الأُمَمِ مَنْ لاَ يَرْجِعُ إليْه، والأول أشْهَرُ عَنْ عُلَماءِ الأمَّة، وقالوا: نوحٌ هو آدم الأصغر، قال السُّهَيْلِيُّ: ذُكِرَ عَنْ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال في قوله- عز وجل-: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ: [إنَّهم] سامٌ وحَامٌ ويافثُ «٢» ، انتهى.
وقوله تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ معناهُ: ثناءً حسَناً جَميلاً باقياً آخِرَ الدّهر قاله ابن عبّاس وغيره «٣» ، وسَلامٌ رفعٌ بالابتداء مُسْتَأنف، سَلَّمَ اللَّهُ به عليه لِيَقْتَدِيَ بذلك البَشَرُ. ت: قال أبو عُمَرَ في «التمهيد» : قال سعيد- يعني: ابن عبد الرحمن الجُمَحِيَّ-: بلَغَني أنه مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ لَمْ تَلْدَغْهُ عَقْرَبٌ، ذَكَرَ هذا عندَ قولِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للأسْلَمِيِّ الذي لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ: «أمَا لَوْ أَنَّكَ قُلْتَ حِينَ أمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ إنْ شاء الله» «٤» ، قال أبو
عُمَرَ: وَرَوَى [ابنُ وَهْبٍ] «١» هذَا الحديثَ عَنْ مالكٍ يَعْني: حديثَ: «أعوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ» بإسْنَادِهِ مِثْلَ ما في «المُوطَّإ» ، إلا أنَّه قال في آخره: «لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ» «٢» انتهى.
وقوله تعالى: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ قال جماعة من العلماء: إنَّ الغَرَقَ عَمَّ جميعَ النَّاسِ، وأسْنَدُوا في ذلك أحَادِيثَ، قَالُوا: وَلَمْ يَكُنِ الناسُ حينئذٍ بهذهِ الكَثْرَةِ لأنَّ عَهْدَ آدم كانَ قريباً، وكانتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جميعَهم، لِطُولِ المدَّةِ واللَّبْثِ فِيهم، فَتَمادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَلَمْ يَقْبَلُوا مَا دَعَاهُمْ إليه من عبادةِ الرحمن فلذلكَ أغْرَقَ اللَّهُ جميعَهُمْ.
وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ قال ابنُ عبَّاسٍ وغيره: الضميرُ عائِدٌ على نوحٍ «١» ، والمعنى: في الدينِ والتَّوْحيدِ، وقَال الطبريُّ وغيره عن الفَرَّاءِ: الضميرُ عائِدٌ عَلى محمدٍ، والإشَارَةُ إليه.
وقوله: أَإِفْكاً استفهام بمعنى التقرير، أي: أكذبا ومحالا، آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ.
وقوله: فَما ظَنُّكُمْ تَوْبِيخٌ وتحذير وتوعّد.
وقوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إليه فدعوا إبراهيم ع إلى الخروجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حينَئِذٍ، واعتَذَرَ بِالسُّقْمِ، وأرادَ البَقَاءَ لِيُخَالِفَهُمْ إلى الأصْنَامِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُّجُومِ كانَ عندَهم مَنْظُوراً فِيه مُسْتَعْمَلاً فأوْهَمَهُم هو من تلكَ الجهة، قالت فرقة: وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ من المعاريض الجائزة.
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥)
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)
وقوله تعالى: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ «راغ» معناه: مَالَ.
وقوله: أَلا تَأْكُلُونَ هو على جِهَةِ الاسْتِهْزَاءِ بِعَبَدَةِ تلكَ الأصْنَامِ، ثم مَالَ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى ضَرْبِ/ تلك الأصْنامِ بِفَأْسٍ حَتَّى جَعَلَها جُذَاذاً، واخْتُلِفَ في معنى قوله: بِالْيَمِينِ فقال ابن عَبَّاس: أراد يمنى يَدَيْهِ «٢» ، وَقِيلَ: أرادَ بِقُوَّتِه لأنَّه كانَ يَجْمَعُ يَدَيْهِ مَعاً بِالفَأْسِ، وقيل: أراد باليمينِ، القَسَمَ في قوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: ٥٧] ، والضميرُ
في «أقبلوا» لكفّار قومه ويَزِفُّونَ معناه: يُسْرَعُونَ، واختلف المتأَوِّلُونَ في قوله: وَما تَعْمَلُونَ فَمَذْهَبُ جماعةٍ من المفسرين: أن «ما» مصدرية، والمعنى: أنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وأَعْمَالَكُمْ، وهذه الآيةُ عندهُمْ قَاعِدَةٌ في خَلْقِ اللَّهِ تعالى أفْعَالَ العِبَادِ وهو مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ «١» ، وقالت فرقة: «ما» بمعنى: الّذي، و «البنيان» قيل: كان في موضع إيقاد النار،
وقيل: بَلْ كَان لِلْمَنْجَنِيقِ الذي رُمِي عَنْه، والله أعلم.
وقوله: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ... الآية، قالتْ فرقة: كان قولُهُ هذا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النَّارِ، وأنَّه أَشَارَ بِذَهَابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِنْ [أَرْضِ] «١» بَابِلَ حَيْثُ كَانَتْ مملكةُ نُمْرُودَ، فَخَرَجَ إلى الشَّامِ، وقالت فِرْقَةٌ: قال هذه المقالةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ فِي النَّارِ وإنما أراد لِقَاءَ اللَّهِ لأنَّه ظَنَّ أنَّ النَّارَ سَيَمُوتُ فِيها، وقال: سَيَهْدِينِ أي: إلى الجَنَّةِ نَحَا إلى هذَا المعنى قتادةُ «٢» ، قال ع «٣» : وللعارفينَ بهذَا الذَّهَابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجَاجٌ في الصَّفَاءِ، وهُو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في إِنِّي ذاهِبٌ وحْدَهُ، والتأويلُ الأولُ أظْهِرَ في نَمَطِ الآيةِ، بما يأتي بَعْدُ لأنَّ الهدايةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُّعَاءُ في الوَلَدِ كذلك، ولاَ يَصِحُّ مَعَ ذَهَابِ المَوْتِ، وباقي الآيةِ تَقَدَّمَ قَصَصُهَا، وأَنَّ الراجحَ أنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إسْمَاعِيلُ، وذَكَرَ الطبريُّ «٤» أنَّ ابن عباس قال:
الذبيحُ، إِسماعيل «٥» ، وتَزْعُمُ اليهودُ أنَّهُ إسْحَاقُ، وكَذَبَتِ اليهُودُ، وذُكِرَ أيضاً أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العزيزِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَجُلاً يهوديًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، فَقَال: الذَّبِيحُ هُوَ إسْمَاعِيلُ «٦» ، وإن اليهودَ لَتَعْلَمُ ذلكَ، ولكنهمْ يحسدونكم معشر العرب: أن تكون هذه
الآيَاتُ وَالْفَضْلُ وَاللَّهِ في أَبِيكُمْ، والسَّعْيُ في هذه الآيةِ: العَمَلُ والعبادةُ والمَعُونَةُ، قاله ابن عَبَّاسٍ «١» وغيرُهُ، وقال قتادةُ: السَعْيُ على القَدَمِ يريدُ سَعْيَاً مُتَمَكِّنِاً «٢» ، وهذا في المعنى نَحْوُ الأوَّلِ.
وقوله: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ ... الآية، يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ رأى ذلِكَ بِعَيْنِهِ ورُؤيا الأنبياءِ وَحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقتُ الامْتِثَالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّه أُمِرَ في نومِه بِذَبْحِهِ، فَعبَّر عَنْ ذلكَ بقوله: إِنِّي أَرى أي: أرى ما يوجبُ أنْ أذْبَحَكَ، قال ابن العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» :
واعلم أن رُؤيا الأنبياءِ وَحْيٌ فَمَا أُلْقِيَ إليهم، ونَفَثَ بهِ المَلَكُ في رُوعِهِمْ، وضَرَبَ المثَلَ لَه عَلَيْهِم- فَهُو حَقٌّ ولذلكَ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا كُنْتُ أَظُنُّ أنَّهُ يُنْزلُ فِيَّ قُرْآنٌ يتلى، ولكني رَجَوْتُ أنْ يرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا حقيقةَ الرُّؤيا، وأن البَارِيَ- تعالى- يَضْرِبُهَا مثَلاً للناسِ، فمنها أسماءٌ وكُنًى، ومنها رُؤْيَا تَخْرُج بِصِفَتِهَا، ومنها رُؤيا تَخْرُجُ بتأويلٍ، وهُوَ كُنْيَتُهَا. ولما اسْتَسْلَمَ إبراهيمُ وولدُه إسماعيلُ- عليهما السلام- لقضاءِ اللَّهِ، أُعْطِيَ إبراهيمُ ذَبِيحاً فِدَاءً، وقيل له: هذا فداءُ وَلَدِكَ، فامْتَثِلْ فِيه مَا رَأَيْتَ فإنَّه حقيقةُ مَا خاطبناك/ فيه، وهُو كِنَايَةٌ لاَ اسم، وجَعَلَهُ مُصَدِّقاً للرؤيا بمبادَرةِ الامْتِثَال، انتهى.
وقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما أي: أسلما أنفسهمَا، واستسلما لله- عز وجل-، وقَرَأ ابن عبَّاس وجماعة: «سَلَّمَا» «١» ، والمعنى فَوَّضَا إليه في قضائه وقَدَرِهِ- سبحانه-، فأسْلَم إبراهيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الابْنُ نَفْسَهُ، قال بعْضُ البَصْرِيين «٢» : جوابُ «لما» محذوفٌ تقديره:
فلما أسْلَمَا وَتَلَّهُ للجبينِ، أُجْزِلَ أجْرُهُما، ونحوُ هذا مِمَّا يَقْتَضِيهِ المعنى، وَتَلَّهُ معناه:
وَضَعَه بقوَّةٍ ومنْه الحديثُ في القدح: فتلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في يده «٣» ، أي: وضعه بقوّة، ولِلْجَبِينِ معناه: لتلك الجهةِ وعليها، كما يقولون في المثل: [الطويل]
............... .. ... وخرّ صريعا لليدين وللفم
وكما تقول: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، والجَبِينانِ: ما اكتنف الجبهة من هاهنا، ومن هاهنا، و «أن» من قوله: أَنْ يا إِبْراهِيمُ مفسّرة لا موضع لها من الإعراب، وصَدَّقْتَ الرُّؤْيا يحتملُ أنْ يريدَ بقَلْبِكَ أو بِعَمَلِكَ، و «الرؤيا» اسمٌ لِمَا يرى مِن قِبَلِ اللَّهِ- تعالى-، والمَنَامُ والحُلْمُ: اسمٌ لما يرى منْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ ومنه الحديث الصحيح: «الرُّؤْيَا من الله، والحلم من الشيطان» ، والْبَلاءُ: الاخْتِبَارُ، والذَّبْحُ العظيمُ» في قول الجمهور: كَبْشٌ أبْيَضُ أعْيَنُ، وَجَدَهُ وَرَاءَهُ مَرْبُوطاً بسَمُرَةٍ، وأَهْلُ السُّنَّةِ على أَنَّ هذه الْقِصَّةَ نُسِخَ فيها العَزْمُ على الْفِعْلِ خلافاً للمعتزلة، قال أحمد بن نصر الداوديّ: وإنْ نَسَخَ اللَّهُ آيةً قَبْلَ العَمَلِ بِهَا فإنَّما يَنْسَخُها بَعْدَ اعْتِقَادِ قَبُولِها وهُوَ عَمَلٌ انتهى من تفسيره عند قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ [البقرة: ١٠٦] ، قال ع «١» : ولا خلافَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ أَمَرَّ الشَّفْرَةَ على حَلْقِ ابنه فَلَمْ تَقْطَعْ، والجمهورُ أَنَّ أمْرَ الذَّبْحِ كانَ بِمِنًى، وقال الشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْرَاهِيمَ مُعَلَّقَتَيْنِ في الكَعْبَةِ «٢» ، وروى عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يَا فَاطِمَةُ، قُومِي لاٌّضْحِيَتِكِ، فاشهديها فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إنَّ صَلاَتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَه وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ» قال عِمْرَانُ: قلت: يا رسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَال:
«لاَ، بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» رواه الحاكم في «المستدرك» «٣» انتهى من «السِّلاَح» .
وقوله تعالى: وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ توعُّد لمنْ كَفَرَ من اليهودِ بمحمَّد ع، والْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ: هو التوراةُ، قال قتادة وابن مَسْعُود: إلياس: هو إدريس- عليه
السلام- «١» ، وقالت فرقة: هو مِنْ وَلَدِ هَارُونَ، وقرأ نافِعُ وابن عامِر: «على آلِ يَاسِينَ» ، وقرأ الباقون: «على إلْيَاسِينَ» - بألفٍ مكسورةٍ ولامٍ ساكنةٍ «٢» -، فَوُجِّهَتِ الأولى على أنها بمعنى: «أهْل» ، و «ياسِينُ» : اسمُ لإلياسَ، وقيل: هو اسم لمحمّد ع، ووُجِّهَتِ الثانيةُ على أَنَّها جَمْعُ «إلْيَاسِيٍّ» ، وقرأ ابن مسعود والأعمش: «وإنَّ إِدْرِيسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ، وَسَلاَمٌ على إدْرِيسِينَ» ، قال السُّهيليُّ: قال ابن جِنِّيْ: العربُ تتلاعبُ بالأسماءِ الأعجميةِ تلاعباً ف «ياسين» ، و «إلياسُ» ، و «اليَاسِينُ» شيءٌ واحدٌ، انتهى.
ت: وحكى الثعلبيُّ هنا حكايةً عَنْ عَبْدِ العزيزِ بْنِ أبي رواد، عن رجلٍ لَقِي إلياسَ في أيَّام مَرْوانَ بن الحَكَمِ، وأخبَرَهُ بعَدَدِ الأبْدَالِ وعَن الخَضِرِ في حكايةٍ طويلةٍ لا ينبغي إنكارُ مثلها فأولياءُ اللَّهِ يُكاشَفُونَ بِعَجَائِبَ، فلا يُحْرَمُ الإنْسَانُ التَّصْدِيقَ بِهَا، جعلنا الله من زمرة أوليائه، انتهى.
إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)
وقوله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا معناه: أتعبُدُون، قَال الحسن والضَّحَّاك وابن زيد: بَعْلٌ:
اسمُ صَنَمٍ: كانَ لَهُمْ، ويقال له: بَعْلَبَك «٣» ، وذكر ابنُ إسحاقٍ عن فرقة: أنّ بعلا بعد اسْمُ امرأةٍ كَانَتْ أَتَتْهُمْ بضلالةٍ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «اللَّهَ ربَّكم وربَّ آبائكم» «٤» كلُّ ذلك
بالنَّصبِ بَدَلاً مِن قوله: أَحْسَنَ الْخالِقِينَ وقرأ الباقونَ كلَّ ذلكَ بالرفعِ على القَطْعِ والاستئناف، والضميرُ في فَكَذَّبُوهُ عائِدٌ على قومِ إلياسَ، ولَمُحْضَرُونَ معناه:
مَجْمُوعُونَ لعذابِ اللَّهِ.
وقوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ
مخاطبةٌ لقريشٍ، ثم وبَّخَهُمْ بقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ.
وقوله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ ...
الآية/ هو يونُسُ بن متّى صلّى الله عليه وسلّم، وهُو مِنْ بنِي إسرائيل.
وقوله تعالى: إِذْ أَبَقَ ...
الآية، وذلك أنه لما أخْبَرَ قَوْمَهُ بِوقْتِ مجيءِ العذَابِ، وغَابَ عَنْهُمْ، ثم إنَّ قَوْمَهُ لَما رَأَوْا مَخَايِلَ العَذَابِ أنابُوا إلى اللَّهِ، فَقبلَ تَوْبَتَهُمْ، فلَمّا مَضَى وقتُ العَذَابِ، وَلَمْ يُصِبْهُمْ، قال يونسُ: لا أرْجِعُ إليهمْ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، ورُوِي أنَّه كَانَ في سيرَتِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا الكَذَّابَ فَأَبقَ إلى الْفُلْكِ، أيْ: أَرَادَ الهُرُوبَ، ودَخَلَ في البَحْرِ، وعبَّر عَنْ هُرُوبِهِ بالإباقِ مِنْ حَيْثُ [إنَّه] فَرَّ عَنْ غَيْرِ إذْنِ مولاهُ، فَرُوِيَ عَنِ ابنِ مسعودٍ أنه لمَّا حَصَلَ في السفينةِ، وأبْعَدَتْ في البحرِ، رَكَدَتْ وَلَمْ تَجْرِ وغيرُها من السُّفُن يجري يميناً وشِمالاً، فقال أهلها إنَّ فينا لصاحب ذنب وبه يحسبنا اللَّهُ تعالى، فقالُوا: لِنَقْتَرِعْ، فأَخَذُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْماً، واقترعوا، فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلى يونُسَ، ثَلاَثَ مراتٍ، فَطَرَحَ حينَئِذٍ نَفْسَهُ، والْتَقَمَهُ الحُوتُ «١» ، ورُوي أَنَّ اللَّهَ تعالى أَوْحَى إلى الحوتِ أَني لَمْ أَجْعَلْ يُونُسَ لَكَ رِزْقاً، وإنما جَعَلْتُ بَطْنَكَ لَه حِرْزاً وسِجْناً، فهذا معنى فَساهَمَ.
والمدحض: المغلوب في محاجّة أو مساهمة، وعبارة ابنِ العَرَبِيِّ في «الأحكام» «٢» : «وأوْحَى اللَّه تعالى إلى الحُوتِ: إنا لَمْ نَجْعَلْ يونُسَ لَكَ رِزْقاً، وإنما جعلنا بَطْنَكَ له مَسْجِداً» الحديثَ، انتهى، ولَفْظَةُ «مَسْجِدٍ» : أَحْسَنُ من السِّجْنِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عَبداً لَزِمَ الأَدَبَ لا سِيَّمَا مَعَ أنْبِيَائِهِ وأَصْفِيائِه، وال «مُلِيمُ» : الّذِي أتَى مَا يلام عليه
وبذلك فسّر مجاهد وابن زيد «١» .
وقوله سبحانه: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ قيل: المرادُ: القائلينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ في بَطْنِ الحُوتِ قاله ابن جُرَيْجٍ «٢» ، وقالتْ فِرْقَةٌ: بَلِ التَّسْبِيحُ هنا الصَّلاَةُ، قال ابن عبَّاس وغَيْره: صَلاَتُهُ في وَقْتِ الرِّخَاءِ نَفَعَتْهُ في وَقْتِ الشِّدَّةِ «٣» وقال هذا جماعةٌ من العلماءِ، وقال الضَّحَّاك بن قَيْسٍ على مِنْبَرِهِ: اذْكُرُوا اللَّه عباد اللَّه في الرَّخَاءِ يَذْكُرْكُمْ في الشِّدَّةِ، إن يونس كان عبد للَّهِ ذَاكِراً له، فَلَمَّا أصابَتْهُ الشِّدَّةُ نَفَعُه ذلك، قالَ اللَّهُ- عزَّ وجلَّ-:
فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وإن فرعونَ كانَ طَاغِياً بَاغِياً فَلَمَّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ، قَال: آمَنْتُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذلكَ، فاذكروا اللَّهَ في الرَّخَاءِ يَذْكُرْكُمْ في الشِّدَّةِ «٤» ، وقال ابن جُبَيْرٍ: الإشارَةُ بقولهِ: مِنَ الْمُسَبِّحِينَ إلى قوله: لاَّ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «٥» [الأنبياء: ٨٧] .
فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)
وقوله سبحانه: فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ ... الآية، «العَرَاءُ» : الأرْضُ الفيحاءُ التي لاَ شَجَرَ فيها ولاَ مَعْلَمَ، قال ابن عبّاس وغيره في قوله: وَهُوَ سَقِيمٌ: إنَّه كالطفلِ المَنْفُوسِ، بُضْعَةُ لَحْمٍ «٦» ، وقال بعضهم كاللَّحْمِ النَّيْءِ، إلاَّ أنَّه لَمْ يَنْقُصْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ، فأنْعَشَهُ اللَّهُ في ظِلِّ اليَقْطِينَةِ بِلَبَنِ أُرْوِيَّةٍ [كَانَتْ تُغَادِيه وتُراوِحُهُ، وقيل: بلْ كَانَ يتغذى من اليَقْطِينَةِ،
ويجدُ منها ألوانَ الطَّعَامِ وأنواعَ] «١» شهواتِه، قال ابن عبَّاس وأبو هريرة وعمرو بن مَيمُونٍ:
اليقطين: القَرْعُ خَاصَّة «٢» ، وقيل، كُلُّ مَا لاَ يَقُومُ على ساقٍ كَالبَقُولِ والقَرْعِ والبطِّيخِ ونحوِه مما يَمُوتُ من عَامِهِ، ومشهورُ اللَّغَةِ أنَّ اليقطينَ هو القَرْعُ، فَنَبَتَ لَحْمُ يونُسَ- عليه السلام- وصَحَّ، وحَسُنَ لَوْنُهُ، لأنَّ وَرَقَ القَرْعِ أنْفَعُ شيءٍ لِمَنْ تَسَلَّخَ جِلْدُهُ، وهُوَ يَجْمَعُ خِصَالاً حميدةً، بَرْدُ الظِّلِّ [ولِينُ] المَلْمَسِ، وأنَّ الذُّبَابَ لاَ يقربُها، حكى النَّقَّاشُ أن مَاءَ وَرَقِ القَرْعِ إذا رُشَّ به مَكانٌ، لَمْ يَقْرَبْهُ ذُبَابٌ، ورُوِيَ أنَّهُ كان يوماً نائِماً، فأيْبَسَ اللَّهُ تِلْكَ اليَقْطِينَةَ، وقيل: بَعَث عَلَيها الأَرَضَةَ فَقَطَعَتْ وَرَقَها، فانْتَبَهَ يُونُسُ لِحَرِّ الشَّمْسِ، فَعَزَّ عَلَيْه شَأنُها، وجَزِعَ لَه فأوحَى اللَّهُ إلَيْهِ: يا يونُسُ، جَزِعْتَ لِيُبْسِ الْيَقْطِينَةِ، وَلَمْ تَجْزَعَ لإهْلاكِ مِائَةِ ألفٍ أو يَزِيدُونَ تَابُوا فتبت عليهم.
وقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال الجمهور: إنَّ هذه الرسالةَ هي رِسالتهُ الأولى ذكرَها اللَّهُ في آخر القَصَصِ، وقال قَتَادَةُ وغيره: هذه رسالةٌ أُخْرَى بَعْدَ أنْ نُبِذَ بالعراء، وهي إلى أهل «نينوى» من ناحِية المَوْصِلِ «٣» ، وقرأ الجمهور «٤» : «أو يزيدون» فقال ابن عباس: «أو» بمعنى «بل» «٥» ورُوِي عَنْه أنه «٦» قرأ: «بل يزيدون» / وقالت فرقة: «أو» هنا بمعنى الواو، وقرأ جعفر بن محمد «٧» : «ويزيدون» وقال المبرّد، وكثير من
البَصْرِيِّين: قوله: أَوْ يَزِيدُونَ المعنى: على نَظَرِ البَشَرِ وحَزْرِهم، أي: من رآهم قال:
مائة ألف أو يزيدون، وروى أُبَيُّ بنِ كَعْبٍ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُمْ كانوا مائةً وعشرينَ ألفاً.
ت: وعبارة أحمد بن نَصْرٍ الدَّاوودِيُّ: وعن أبي بن كعب قال: سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الزيادتين: الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] ، وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال يزيدون عشرين ألفاً، وأحسبه قال: الحسنى: الجنة، «والزيادة» النظرُ إلى وجه الله- عز وجل «١» -، انتهى، وفي قوله: فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ مثالٌ لقريشٍ إنْ آمنوا، ومنْ هنا حَسُنَ انتقالُ القَوْلِ والمحاوَرَةِ إلَيْهِم بقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ فإنما يعود على ضميرِهم، على ما في المعنى من ذِكْرِهِمْ، والاستفتاءُ: السؤال وهو هنا بمعنى التَّقريعِ والتَّوْبيخِ في جعلهمُ البَنَاتِ للَّه، تعالى اللَّهُ عَنْ قولِهمْ، ثم أخبر [اللَّهُ] تعالى عن فرقةٍ منهم بلغَ بِها الإفْكُ والكَذِبُ إلى أَنْ قالتْ: ولدَ اللَّهُ الملائكةَ لأَنَّه نَكَحَ في سَرَوَاتِ الجِنِّ، تعالَى اللَّهُ عن قولهِم، وهذه فرقةٌ، مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ فيما رُوِيَ، وقرأ الجمهور «٢» : «أَصْطَفَى البَنَاتِ» بهمزةِ الاسْتفهامِ عَلَى جهةِ التَّقْرِيعِ «٣» والتوبيخِ.
وقوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً الجِنَّةُ هنا: قيل: همُ الملائِكَةُ: لأنها مُسْتَجِنَّةٌ، أي: مُسْتَتِرَةٌ، وقيل: الجِنَّةُ همُ الشياطينُ، والضميرُ في جَعَلُوا لفِرْقَةٍ من كفارِ قريشٍ والعَرَبِ، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي: سَتَحْضُرُ أَمْرَ اللَّهِ وثوابَه وعقابَه، ثم نَزَّهَ- تعالى- نفسَه عما يصِفُهُ الكفرةُ، ومِنْ هَذا استثنى عبادَه المُخْلَصِينَ لأنّهُمْ يَصِفُونَهُ بِصِفَاتِهِ العُلاَ، وقالت فرقة: اسْتَثْنَاهُمْ من قوله: لَمُحْضَرُونَ وعبارة الثعلبي:
وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ: أي: الملائكة أنَّ قائِلي هذه المقالةِ مِنَ الكفرةِ لَمُحْضَرُونَ في النَّارِ، وقيل للحسابِ، والأولُ أوْلَى لأنَّ الإحْضَارَ متَى جَاء في هذه الصُّورة عُنِيَ بهِ العذابُ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنَّهُمْ ناجُونَ مِنَ النَّار، انتهى، وفي البخاريِّ لَمُحْضَرُونَ أي: سيُحْضَرُونَ للحساب، انتهى.
وقوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ بمعنى: قل لهم يا محمد، إنَّكم وأصنَامَكم مَا أَنْتُم بمضلِّينَ أَحَداً بسبَبِها وَعَلْيهَا إلاَّ مَنْ قَدْ سَبَقَ عليه القضاءُ فإنَّه يَصْلَى الجَحِيمَ في الآخرةِ ولَيْسَ لَكُمْ إضْلالُ مَنْ هَدَى اللَّهُ تعالى، وقالت فرقة: عَلَيْهِ بمعنى: «به» والفَاتِنُ: المُضِلُّ في هذا الموضعِ وكذلك فسَّره ابن عَباس وغيره «١» ، وحذفت اليَاءُ مِنْ صالِ للإضَافةِ.
ثم حكى- سبحانه- قولَ الملائِكَةِ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وهذا يؤيِّدُ أَن الجِنَّةَ أرادَ بِها الملائِكةَ، وتقديرُ الكلامَ وما منا ملك، وروت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَّ السَّمَاءَ مَا فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ وَاقِفٌ يُصَلِّي» ، وَعَنِ ابن مسعود وغيره نحوه «٢» .
والصَّافُّونَ معناه: الواقفون صفوفا، والْمُسَبِّحُونَ، يحتملُ أن يرِيدَ بِه الصَّلاَة، ويحتملُ أنْ يريدَ قَولَ: سبحَان اللَّهِ، قال الزَّهْرَاوِيُّ: قيل: إن المسْلِمِينَ إنما اصْطَفُّوا في الصلاةِ مُذْ نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ، ولا يصطفُّ أحَدٌ من أهلِ المِلَلِ غَيْرُ المسلِمينَ، ثمَّ ذكرَ تعالى مَقَالَةَ بَعْضِ الكفارِ، قال قتادةُ وغيرُه: فإنهم قبل نبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قالوا: لو كَانَ لَنَا كتابٌ أو جاءَنا رسولٌ، لَكُنا عِبَادَ اللَّهِ المخْلَصِينَ، فلما جَاءهم محمّد كفروا به، فسوف
يَعْلَمُون «١» ، وهذا وَعِيدٌ مَحْضٌ، ثم آنَسَ تعالى نبيَّه وأولياءَه بأنَّ القَضَاء قد سَبَق، والكلمةُ قَدْ حَقَّتْ بأنَّ رُسُلَهُ سبحانه هم المنصُورُونَ، على من نَاوَأَهُمْ، وجُنْدُ اللَّهِ همُ الغزاةُ.
وقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أمْرٌ لنبيِّهِ بالمُوَادَعَةِ، ووعد جميل، وحَتَّى حِينٍ قيل هو يومُ بَدْرٍ، وقِيل: يومُ القيامةِ.
وقولهُ تعالى: وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ وَعْدٌ للنّبي صلّى الله عليه وسلّم وَوَعِيدٌ لهُمْ، ثم وبَّخهم على استعجالِ العذَابِ فَإِذا نَزَلَ أي: العذابُ، بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ والساحةُ الفِنَاء، وسُوءُ الصباح: أيضاً مستعملٌ في وُرُودِ «٢» الغَارَاتِ، قلْتُ: ومنه قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لَمَّا أَشْرَفَ على خَيْبَرَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ، فَسَاءَ صباح المنذرين» «٣» انتهى،
وقَرَأَ ابن مسعود: «فَبِئْسَ صَبَاحٌ» «١» ، والعزة في قولهِ: رَبِّ الْعِزَّةِ هي العزة المَخْلُوقَةُ الكائِنَةُ للأنبياءِ والمؤمِنينَ وكذلك قال الفقهاءُ مِنْ أجْلِ أنَّها مَرْبُوبَةٌ قال محمدُ بن سُحْنُونَ وغيره: مَنْ حَلَفَ بعزَّةِ اللَّهِ، فَإنْ كَانَ أرادَ صِفَتَهُ الذَّاتِيَّةَ، فَهِي يَمينٌ، وإنْ كَانَ أَرَادَ عِزَّتَهُ الَّتِي خَلَقَ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَهي الَّتِي في قَوْلِه: رَبِّ الْعِزَّةِ فَلَيْسَتْ بَيَمِينٍ، ورُوِيَ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «إذا سَلَّمْتُمْ عَليّ، فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ فإنَّما أَنَا أحَدُهُمْ» «٢» صلَّى اللَّه عَلَيْهِ وعلى آله وعلى جميع النبيّين وسلّم.