تفسير الآية ١٠٢ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٠٢ من سورة يونس

فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ١٠٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠٢ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠٢ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ) أي : فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم ، ( قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، محذِّرًا مشركي قومه من حلول عاجل نقمه بساحتهم نحوَ الذي حلَّ بنظرائهم من قبلهم من سائر الأمم الخالية من قبلهم ، السالكة في تكذيب رسل الله وجحود توحيد ربِّهم سبيلَهم: فهل ينتظر ، يا محمد ، هؤلاء المشركون من قومك المكذِّبون بما جئتهم به من عند الله، إلا يومًا يعاينون فيه من عذاب الله مثل أيام أسلافهم الذي كانوا على مثل الذي هم عليه من الشرك والتكذيب ، الذين مضوا قبلهم فخَلَوْا من قوم نوح وعاد وثمود؟

قل لهم ، يا محمد، إن كانوا ذلك ينتظرون: فانتظروا عقابَ الله إياكم ، ونـزول سخطه بكم، إني من المنتظرين هلاككم وبوارَكم بالعقوبة التي تحلُّ بكم من الله.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 17912- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتاده،قوله: (فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم) ، يقول: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح وعادٍ وثمود.

17913- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: (فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) ، قال: خوَّفهم عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمرٌ أنجى الله رسله والذين آمنوا معه، فقال الله: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ .

* * *

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين[ ص: 292 ] قوله تعالى فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم الأيام هنا بمعنى الوقائع ; يقال : فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم .

قال قتادة : يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم .

والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما ; كقوله تعالى : وذكرهم بأيام الله .

وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام .

قل فانتظروا أي تربصوا ; وهذا تهديد ووعيد .

إني معكم من المنتظرين أي المتربصين لموعد ربي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ْ} أي: فهل ينتظر هؤلاء الذين لا يؤمنون بآيات الله، بعد وضوحها، { إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ْ} أي: من الهلاك والعقاب، فإنهم صنعوا كصنيعهم وسنة الله جارية في الأولين والآخرين.

{ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ْ} فستعلمون من تكون له العاقبة الحسنة، والنجاة في الدنيا والآخرة، وليست إلا للرسل وأتباعهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فهل ينتظرون ) يعني : مشركي مكة ، ( إلا مثل أيام الذين خلوا ) مضوا ، ( من قبلهم ) من مكذبي الأمم ، قال قتادة : يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود .

والعرب تسمى العذاب أياما ، والنعيم أياما ، كقوله : " وذكرهم بأيام الله " ( إبراهيم - 5 ) ، وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام ، ( قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فهل» فما «ينتظرون» بتكذيبك «إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم» من الأمم أي مثل وقائعهم من العذاب «قل فانتظروا» ذلك «إني معكم من المنتظرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فهل ينتظر هؤلاء إلا يومًا يعاينون فيه عذاب الله مثل أيام أسلافهم المكذبين الذين مَضَوا قبلهم؟

قل لهم -أيها الرسول-: فانتظروا عقاب الله إني معكم من المنتظرين عقابكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - للمكذبين برسوله - صلى الله عليه وسلم - تهديدا يخلع قلوبهم فقال : ( فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين ) .قال القرطبي : " الأيام هنا بمعنى الوقائع ، يقال فلان عالم بأيام العرب أى بوقائعهم قال قتادة : يعنى وقائع الله فى قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ، والعرب تسمى العذاب أياما والنعم أياما ، كقوله - تعالى - ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله ) وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام " .والمعنى : إذا كان الأمر كما قصصنا عليك من إثابتنا للمؤمنين ، وجعل الرجس على الذين لا يعقلون ، فهل ينتظر هؤلاء المكذبين لدعوتك ، إلا العذاب الذي نزل بالمكذبين لدعوة الرسل من قبلك؟

فالاستفهام للتهكم والتقريع .وقوله : ( قُلْ فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين ) أمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم بأن يستمر فى تهديدهم ووعيدهم .أى : قل - يا محمد - لهؤلاء الجاحدين للحق الذى جئت به : إذاً فانتظر العذاب الذى نزل بالسابقين من أمثالكم ، وإنى معكم من المنتظرين لوعد ربي لى ، ولوعيده لكم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة ﴿ قُلِ انظروا ﴾ بكسر اللام لالتقاء الساكنين والأصل فيه الكسر، والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة إلى اللام.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات السالفة أن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته، أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض.

فقال: ﴿ قُلِ انظروا مَاذَا فِي السموات والأرض ﴾ .

واعلم أن هذا يدل على مطلوبين: الأول: أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بالتدبر في الدلائل كما قال عليه الصلاة والسلام: «تفكروا في الخلق ولاتتفكروا في الخالق».

والثاني: وهو أن الدلائل إما أن تكون من عالم السموات أو من عالم الأرض، أما الدلائل السماوية، فهي حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب، وما يختص به كل واحد منها من المنافع والفوائد، وأما الدلائل الأرضية، فهي النظر في أحوال العناصر العلوية، وفي أحوال المعادن وأحوال النبات وأحوال الإنسان خاصة، ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها.

ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد.

ولا شك أن الله سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد، فلهذا السبب ذكر قوله: ﴿ قُلِ انظروا مَاذَا فِي السموات والأرض ﴾ ولم يذكر التفصيل، فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية، حتى أن العاقل يتنبه لأقسامها وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية، ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بين بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى عليه في الأزل بالشقاء والضلال، فقال: ﴿ وَمَا تُغْنِى الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال النحويون: ﴿ مَا ﴾ في هذا الموضع تحتمل وجهين: الأول: أن تكون نفياً بمعنى أن هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من حكم الله عليه بأنه لا يؤمن، كقولك: ما يغني عنك المال إذا لم تنفق.

والثاني: أن تكون استفهاماً كقولك: أي شيء يغني عنهم، وهو استفهام بمعنى الإنكار.

المسألة الثانية: الآيات هي الدلائل، والنذر الرسل المنذرون أو الإنذارات.

المسألة الثالثة: قرئ ﴿ وَمَا يُغْنِى ﴾ بالياء من تحت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَاذَا فِي السموات والأرض ﴾ من الآيات والعبر ﴿ وَمَا تُغْنِى الآيات والنذر ﴾ والرسل المنذرون.

أو الإنذارات ﴿ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ لا يتوقع إيمانهم، وهم الذين لا يعقلون وقرئ: وما يغني بالياء، و (ما) نافية، أو استفهامية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ ﴾ بِاللَّهِ.

﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ إلّا بِإرادَتِهِ وألْطافِهِ وتَوْفِيقِهِ فَلا تُجْهِدْ نَفْسَكَ في هُداها فَإنَّهُ إلى اللَّهِ.

﴿ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ ﴾ العَذابَ أوِ الخِذْلانَ فَإنَّهُ سَبَبُهُ.

وقُرِئَ بِالزّايِ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « ونَجْعَلُ» بِالنُّونِ.

﴿ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ لا يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ، أوْ لا يَعْقِلُونَ دَلائِلَهُ وأحْكامَهُ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الطَّبْعِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ: ﴿ قُلِ انْظُرُوا ﴾ أيْ تَفَكَّرُوا.

﴿ ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِن عَجائِبِ صُنْعِهِ لِتَدُلَّكم عَلى وحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وماذا إنْ جُعِلَتِ اسْتِفْهامِيَّةً عَلَّقَتِ ﴿ انْظُرُوا ﴾ عَنِ العَمَلِ.

﴿ وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ وحُكْمِهِ وما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ} يعني وقائع الله فيهم كما يقال أيام العرب لوقائعها {قُلْ فانتظروا إِنَّى مَعَكُمْ مّنَ المنتظرين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ ﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَأْمُورُونَ بِالنَّظَرِ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ وأشْرافِهِمْ ﴿ إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ أيْ مِثْلَ وقائِعِهِمْ ونُزُولِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ إذْ لا يَسْتَحِقُّونَ غَيْرَ ذَلِكَ وجاءَ اسْتِعْمالُ الأيّامِ في الوَقائِعِ كَقَوْلِهِمْ: أيّامُ العَرَبِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالزَّمانِ عَما وقَعَ فِيهِ كَما يُقالُ: المَغْرِبُ لِلصَّلاةِ الواقِعَةِ فِيهِ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ المُشْرِكُونَ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَوْا جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ والإيماءِ بِأنَّهم سَيَخْلُونَ كَما خَلَوْا ﴿ قُلْ ﴾ تَهْدِيدًا لَهم ﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ ذَلِكَ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ 102﴾ إيّاهُ فَمُتَعَلِّقُ الِانْتِظارِ واحِدٌ بِالذّاتِ وهو الظّاهِرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُخْتَلِفًا بِالذّاتِ مُتَّحِدًا بِالجِنْسِ أيْ فانْتَظِرُوا إهْلاكِي إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظَرِينَ هَلاكَكُمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً يعني: وفَّقهم لذلك وهداهم.

ويقال: في الآية مضمر، ومعناه: ولو شاء ربك أن يؤمنوا، لآمنوا كلهم جميعاً.

أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ يعني: الكفار حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ويقال: هو عمه أبو طالب.

ولها وجه آخر: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لأراهم علامة ليضطروا إلى الإيمان، كما فعل بقوم يونس، ولكن لم يفعل ذلك لأن الدنيا دار ابتلاء ومحنة.

ثم قال تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بإرادة الله تعالى وتوفيقه وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ يعني: الكفر عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ يعني: يترك حلاوة الكفر في قلوب الذين لا يرغبون في الإيمان.

ويقال: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ يعني: الإثم.

ويقال: الرِّجْسَ يعني: العذاب.

قرأ عاصم، في رواية أبي بكر: وَنَجْعَلُ الرجس بالنون، وقرأ الباقون: بالياء.

ثم أخبر أنه لا عذر لمن تخلّف عن الإيمان، لأنه قد بيّن العلامات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويحتمل اللفظ أن يريد ب مِمَّا أَنْزَلْنا/ جميعَ الشرع.

ت: وهذا التأويلُ عندي أُبَيْنُ إِذَا لُخِّص، وإِن كان قد استبعده ع «١» :

ويكون المراد ب مِمَّا أَنْزَلْنا: مَا ذكره سبحانه من قصصهم، وذِكْرِ صفته عليه السلام، وذكْرِ أنبيائهم وصِفَتِهم وسيرهم وسائِرِ أخبارهم الموافِقَةِ لِمَا في كتبهم المنزَّلة على أنبيائهم كالتوراة والإِنجيل والزَّبُور والصُّحُف، وتكون هذه الآية تَنْظُر إِلى قوله سبحانه: مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ...

[يوسف: ١١١] ، فتأمَّله، واللَّه أعلم.

وأما قوله: هذا قولُ أهْل التأويل قاطبةً، فليس كذلكَ، وقد تكلَّم صاحب «الشفا» على الآية، فأحْسَنَ، ولفظهُ: واختلف في معنى الآية، فقيلَ: المرادُ: قل يا محمّد للشاكّ:

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ...

الآية، قالوا: وفي السورة نَفْسِهَا ما دلَّ على هذا التأويل، وهو قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ...

الآية [يونس: ١٠٤] ، ثم قال عياضٌ: وقيل: إِن هذا الشكّ: الذي أمر غير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بسؤالِ الذين يقرؤون الكتاب عنه، إِنما هو في ما قصَّهُ اللَّه تعالى من أخبار الأمم، لا فيما دعا إِلَيْه من التوحيد والشريعة.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ...

الآية: مما خوطب به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد سواه.

قال ع «٢» : ولهذا فائِدةٌ ليست في مخاطبة الناس به، وذلك شدَّة التخويفِ لأنه إذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُحَذَّرُ مِنْ مثل هذا، فغيره من النَّاسِ أَوْلَى أَن يحذَّر ويتقى على نفسه.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ: أي: حقَّ عليهم في الأزل وخلقهم لعذابه لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ إِلا في الوقت الذي لا يَنْفَعهم فيه الإِيمان كما صنع فرعون وأشباهه، وذلك وقتُ المُعَايَنَةِ.

فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)

وقوله سبحانه: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ...

الآية: وفي مصحف أُبيٍّ وابنِ «١» مسعودٍ: «فَهَلاَّ» ، والمعنى فيهما واحدٌ، وأصل «لولا» التحضيضُ، أو الدلالةُ علَى مَنْعِ أَمرٍ لوجودِ غيرِهِ، ومعنى الآية: فَهَلاَّ آمَنَ أهْلُ قريةٍ، وهم على مَهَلٍ لم يتلبَّس العذابُ بهم، فيكون الإِيمان نافعاً لهم في هذا الحال، ثم استثنى قومَ يُونُسَ، فهو بحَسَب اللفظ استثناء منقطعٌ، وهو بحسب المعنَى متَّصلٌ لأن تقديره: ما آمن أهْلُ قريةٍ إِلا قَوْمَ يُونُسَ، وروي في قصَّة قوم يونُسَ: أن القوم لَمَّا كَفَروا، أي: تمادَوْا على كفرهم، أوحَى اللَّه تعالى إِليه أَنْ أَنذِرْهم بالعذاب لثالثة، فَفَعَلَ، فقالوا: هو رَجُلٌ لا يَكْذِب، فارقبوه فَإِن أَقام بَيْنَ أَظْهُرِكم، فلا عليكم، وإِن ارتحل عنكم، فهو نزولُ العَذَابِ لا شَكَّ فيه، فلَمَّا كان الليلُ، تزوَّد يُونُسُ، وخَرَجَ عنهم، فأصبحوا فَلَمْ يجدُوهُ، فتابوا ودَعُوا اللَّه، وآمنُوا، ولَبِسُوا المُسُوحَ، وفَرَّقوا بين الأُمَّهات والأولادِ من النَّاسِ والبهائمِ، وكان العذَابُ فيما رُوِيَ عن ابن عباس:

علَى ثُلُثَيْ مِيلٍ منهم «٢» ، وروي: على مِيلٍ «٣» ، وقال ابن جبير «٤» : غشيهمُ العذابُ كما يَغْشَى الثوبُ القَبْرَ، فرفَع اللَّه عنهم العذابَ، فلمَا مضَتِ الثالثة، وعَلِمَ يونُسُ أن العذاب لم يَنْزِلْ بهم، قال: كَيْفَ أنصَرِفُ، وقد وجَدُوني في كَذِبٍ، فذهب مغاضباً كما ذكر اللَّه سبحانه في غير هذه الآية، وذهب «٥» الطبريُّ إِلى أَنَّ قوم يونُسَ خُصُّوا من بين الأُمَمِ بِأَنْ تِيبَ عليهم مِنْ بَعْد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسِّرين، وليس كذلك، والمعاينةُ التي لا تَنْفَعُ التوبةُ معها هي تلبُّس العذاب أو الموتِ بشَخْصِ الإِنسانِ، كقصَّة فرعون، وأمَّا قوم يونس فلم يَصِلُوا هذا الحَدِّ.

ت: وما قاله الطبريُّ عندي أبْيَنُ، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ: يريد: إِلى آجالهم المقدَّرة في الأزل، وروي أن قوم يونس/ كانوا ب «نِينَوَى» من أرض المَوْصِلِ.

وقوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ: المعنى: أفأنت تكره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِي يَسْألُونَكَ الآياتِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ انْظُرُوا بِالتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ ماذا في السَّمَواتِ والأرْضِ مِنَ الآياتِ والعِبَرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ونَفاذِ قَدْرْتِهِ كالشَّمْسِ، والقَمَرِ، والنُّجُومِ، والجِبالِ، والشَّجَرِ، وكُلُّ هَذا يَقْتَضِي خالِقًا مُدَبِّرًا.

﴿ وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ الناسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللهِ ويَجْعَلُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُذُرُ عن قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ المَعْنى: إنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ إنَّما كانَ جَمِيعُهُ بِقَضاءِ اللهِ عَلَيْهِمْ ومَشِيئَتِهِ فِيهِمْ، ولَوْ شاءَ اللهُ لَكانَ الجَمِيعُ مُؤْمِنًا، فَلا تَأْسَفْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى كُفْرِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِكَ، وادْعُ ولا عَلَيْكَ، فالأمْرُ مَحْتُومٌ، أفَتُرِيدُ أنْتَ أنْ تُكْرِهُ الناسَ بِإدْخالِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ وتَضْطَرُّهم إلى ذَلِكَ واللهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ شاءَ غَيْرَهُ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَأْوِيلُ الآيَةُ عَلَيْهِ مُحْكَمَةٌ، أيِ:ادْعُ وقاتِلْ مَن خالَفَكَ، وإيمانُ مَن آمَنَ مَصْرُوفٌ إلى المَشِيئَةِ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَأنْتَ تُكْرِهُ الناسَ بِالقِتالِ حَتّى يَدْخُلُوا في الإيمانِ؟

وزَعَمَتْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدْرِ الإسْلامِ وأنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والآيَةُ -عَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ- رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّهم جَمِيعًا ﴾ تَأْكِيدٌ وهو مِن فَصِيحِ الكَلامِ، و"جَمِيعًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ الآيَةُ، رَدٌّ إلى اللهِ تَعالى، وأنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ في إيمانِ مَن يُؤْمِنُ لِلَّهِ، وكَوْنُ الرِجْسِ عَلى الكُفّارِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَنَجْعَلُ الرِجْسَ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَيَجْعَلُ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَيَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ"، والرِجْسُ يَكُونُ بِمَعْنى العَذابِ كالرِجْزِ، ويَكُونُ في مَعْنى القَذَرِ والنَجاسَةِ كالرِكْسِ، ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ هَنا وغَيْرُهُ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى العَذابِ، و ﴿ لا يَعْقِلُونَ ﴾ يُرِيدُ: آياتِ اللهِ وحُجَجَ الشَرْعِ.

ومَعْنى الإذْنِ في هَذِهِ الآيَةِ: الإرادَةُ والتَقْدِيرُ لِذَلِكَ، فَهو العِلْمُ والتَمْكِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ لِلْكُفّارِ بِالِاعْتِبارِ والنَظَرِ في المَصْنُوعاتِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ السَماواتِ وأفْلاكِها وكَواكِبِها وسَحابِها ونَحْوِ ذَلِكَ، والأرْضِ ونَباتِها ومَعادِنِها وغَيْرِ ذَلِكَ، المَعْنى: انْظُرُوا في ذَلِكَ بِالواجِبِ فَهو يُنَبِّهُكم إلى المَعْرِفَةِ بِاللهِ والإيمانِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والعامَّةُ بِالبَصْرَةِ: "قُلِ انْظُرُوا" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ: "قُلُ انْظُرُوا" بِضَمِّ اللامِ، ثُمَّ أعْلَمَ في آخِرِ الآيَةِ أنَّ النَظَرَ في الآياتِ والسَماعَ مِنَ "النُذُرِ" وهُمُ الأنْبِياءُ لا يُغْنِي إلّا بِمَشِيئَةِ اللهِ، وأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ لِقَوْمٍ قَدْ قَضى اللهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، ويَجُوزُ أنْ تُعَدَّ اسْتِفْهامًا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ الَّذِي في ضِمْنِهِ نَفْيُ وُقُوعِ الغِناءِ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- تَوْبِيخٌ لِحاضِرِي رَسُولِ اللهِ  مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ الآياتُ والنُذُرُ ﴾ حَصْرُ طَرِيقَيِ تَعْرِيفِ اللهِ تَعالى عِبادَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "وَما" في قَوْلِهِ: ﴿ وَما تُغْنِي ﴾ مَفْعُولَةً بِقَوْلِهِ: ﴿ انْظُرُوا ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ماذا ﴾ ، أيْ: تَأمَّلُوا قَدْرَ غِناءِ الآياتِ والنُذُرِ عَنِ الكُفّارِ إذا قَبِلُوا ذَلِكَ كَفِعْلِ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ فَإنَّهُ يَرْفَعُ العَذابَ في الدُنْيا والآخِرَةِ، ويُنْجِي مِن الهَلَكاتِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَجَوُّزُ اللَفْظِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما هو في قَوْلِهِ: ( لا يُؤْمِنُونَ ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ناشئ عن قوله: ﴿ ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس ﴾ [يونس: 99] الخ.

قسّم الناس إلى قسمين: مؤمنين وكافرين، أي فادعهم إلى النظر في دلائل الوحدانية والإرشاد إلى تحصيل أسباب الإيمان ودفع غشاوات الكفر، وذلك بالإرشاد إلى النظر والاستدلال بما هو حول الإنسان من أحوال الموجودات وتصاريفها الدالة على الوحدانية، مثل أجرام الكواكب، وتقادير مسيرها، وأحوال النور والظلمة والرياح والسحاب والمطر، وكذلك البحار والجبال.

وافتتحت الجملة ب ﴿ قل ﴾ للاهتمام بمضمونها.

وقد عمم ما في السماوات والأرض لتتوجه كلّ نفس إلى ما هو أقرب إليها وأيسر استدلالاً عليه لديها.

والنظر: هنا مستعمل فيما يصلح للنظر القلبي والنظر البصري، ولذلك عدل عن إعماله عمل أحد الفعلين لكيلا يتمحض له، فَجيءَ بعده بالاستفهام المعلّق لكلا الفعلين بحيث أصبح حمل النظر على كليهما على حد السواء فصار صالحاً للمعنيين الحقيقي والمجازي، وذلك من مقاصد القرآن.

و ﴿ ماذا ﴾ بمعنى ما الذي، و(ما) استفهام، و(ذا) أصله اسم إشارة، وهو إذا وقع بعد (ما) قَام مقام اسم موصول.

و ﴿ في السماوات والأرض ﴾ قائم مقام صلة الموصول.

وأصل وضع التركيب: مَا هذا في السماوات والأرض، أي ما المشار إليه حال كونه في السماوات والأرض، فكثر استعماله حتى صار في معنى: ما الذي.

والمقصود: انظروا ما يدلكم على جواب هذا الاستفهام، فكل شيء له حالة فهو مراد بالنظر العقلي بتركيبه في صورة مفعولين، نحو: انظروا الشمس طالعة، وانظروا السحاب ممطراً، وهكذا، وكل شيء هو في ذاته آية فهو مراد بالنظر البصري نحو: انظروا إنبات الأرض بعد جدبها فهو آية على وقوع البعث.

ف (ذا) لما قام مقام اسم الموصول صار من صيغ العموم تشمل جميع الأجرام وأعراضها الدالة على وحدانية الله وحكمته، وأخص ذلك التأمل في خُلق النبي صلى الله عليه وسلم ونشأة دعوته، والنظر فيما جاء به.

فكل ذلك دلائل على كماله وصدقه.

وقد طوي في الكلام جواب الأمر لوقوع الأمر عقب أسباب الإيمان، فالتقدير: انظروا تَرَوا آيات مُوصّلة إلى الإيمان.

وجملة: ﴿ وما تغني الآيات ﴾ معترضة ذيلت بها جملة: ﴿ انظروا ماذا في السماوات والأرض ﴾ فيجوز أن تكون متممة لمقول القول مما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم ويجوز أن تكون استئناف كلام من الله تعالى.

والمعنى أبلغهم ما أمرت بتبليغه إليهم وليست تغني الآيات عن قوم لا يؤمنون، أي الذين جعل الله نفوسهم لا تؤمن، ولما كان قوله: ﴿ انظروا ماذا في السماوات والأرض ﴾ مفيداً أن ذلك آيات كما تقدم حَسُن وقع التعبير عنها بالآيات هنا، فمعنى ﴿ وما تغني الآيات ﴾ : وما يغني ما في السماوات والأرض عن قوم لا يؤمنون، فكان التعبير بالآيات كالإظهار في مقام الإضمار.

وزيدت (النذر) فعطفت على الآيات لزيادة التعميم في هذه الجملة حتى تكون أوسع دلالة من التي قبلها لتكون كالتذييل لها، وذلك أن القرآن جاء للناس بالاستدلال وبالتخويف ثم سجل على هذا الفريق بأنه لا تنجع فيه الآيات والأدلة ولا النذر والمخوفات.

ولفظ ﴿ قوم لا يؤمنون ﴾ يفيد أن انتفاء الإيمان عنهم وصف عرفوا به وأنه مستقر من نفوسهم، لأن اجتلاب لفظ ﴿ قوم ﴾ هنا مع صحة حلول غيره محله يشير إلى أن الوصف المذكور بعده من مقومات قوميتهم لأنه صار من خصائصهم، بخلاف ما لو قيل: عمن لا يؤمنون.

ألا ترى إلى قول العنبري: قومٌ إذا الشرُّ أبدى ناجذيه لهم *** طاروا إليه زَرافات ووُحدانا أي قوم هذه سجيتهم.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ إلى قوله: ﴿ لآياتتٍ لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164).

وتقدم في هذه السورة غير مرة آنفاً.

وهو هنا أبدع لأنه عدل به عن الإضمار.

وهذا من بدائع الإعجاز هنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها ﴾ والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُ القَرْيَةِ.

﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ وهم أهْلُ نَيْنَوى مِن بِلادِ المَوْصِلِ فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهم بِالعَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالُوا: انْظُرُوا يُونُسَ فَإنْ خَرَجَ عَنّا فَوَعِيدُهُ حَقٌّ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهم تَحَقَّقُوهُ فَفَزِعُوا إلى شَيْخٍ مِنهم فَقالَ: تُوبُوا وادْعُوا وقُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيُّ، ويا حَيُّ يا مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها، وخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ تائِبِينَ داعِينَ فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ العَذابُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم تابُوا قَبْلَ أنْ يَرَوُا العَذابَ فَلِذَلِكَ قَبِلَ تَوْبَتَهم، ولَوْ رَأوْهُ لَمْ يَقْبَلْها كَما لَمْ يَقْبَلْ مِن فِرْعَوْنَ إيمانَهُ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِقَبُولِ التَّوْبَةِ بَعْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، قالَ قَتادَةُ: كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَ أنْ تَدَلّى عَلَيْهِمْ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مَيْلٌ.

﴿ وَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إلى أجَلِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إلى أنْ يُصَيِّرَهم إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الحَذَرَ لا يَرُدُّ القَدَرَ، وإنَّ الدُّعاءَ يَرُدُّ القَدَرَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ ﴾ قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ يَوْمُ عاشُوراءَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: بلغني أن في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ فهلا كانت قرية آمنت ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ يقول: فما كانت قرية آمنت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه قال: كل ما في القرآن فلولا فهو فهلا إلا في حرفين في يونس ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ والآخر ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم ﴾ [ هود: 116] .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ قال: فلم تكن قرية آمنت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلولا كانت قرية آمنت...

﴾ الآية.

يقول: لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس عليه السلام فاستثنى الله قوم يونس، وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فلما فقدوا نبيهم عليه السلام قذف الله تعالى في قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح، وأخرجوا المواشي، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجوا إلى الله أربعين صباحاً، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت...

﴾ الآية.

قال: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإِيمان إذا نزل بها بأس الله.

إلا قرية: يونس.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «في قوله: ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا ﴾ قال: لما دعوا» .

وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الحذر لا يرد القدر وإن الدعاء يرد القدر، وذلك في كتاب الله: ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الدعاء ليرد القضاء وقد نزل من السماء، اقرأوا إن شئتم ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ﴾ فدعوا صرف عنهم العذاب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يونس دعا قومه فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب فقال: إنه يأتيكم يوم كذا وكذا.

ثم خرج عنهم- وكانت الأنبياء عليهم السلام إذا وعدت قومها العذاب خرجت- فلما أظلهم العذاب خرجوا ففرقوا بين المرأة وولدها، وبين السخلة وأولادها، وخرجوا يعجبون إلى الله علم الله منهم الصدق فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر، فمر به رجل فقال: ما فعل قوم يونس؟

فحدثه بما صنعوا فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم.

وانطلق مغاضباً يعني مراغماً» .

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن العذاب كان هبط على قوم يونس حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم.

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر بالثوب إذا أدخل فيه صاحبه، وأمطرت السماء دماً.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا ﴾ قال: بلغنا أنهم خرجوا فنزلوا على تل وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فدعوا الله أربعين ليلة حتى تاب عليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: تيب على قوم يونس عليه السلام يوم عاشوراء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: بعث يونس عليه السلام إلى قرية يقال لها على شاطئ دجلة.

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الخلد رضي الله عنه قال: لما غشي قوم يونس عليه السلام العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له: ما ترى؟

قال: قولوا يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموت، ويا حي لا إله إلا أنت.

فقالوا فكشف عنهم العذاب.

وأخرج ابن النجار عن عائشة رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينجي حذر من قدر، وأن الدعاء يدفع من البلاء، وقد قال الله في كتابه ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دعا يونس على قومه أوحى الله إليه أن العذاب مصبحهم.

فقالوا: ما كذب يونس وليصحبنا العذاب، فتعالوا حتى نخرج سخال كل شيء فنجعلها مع أولادنا فلعل الله أن يرحمهم.

فأخرجوا النساء معهن الولدان، وأخرجوا الإِبل معها فصلانها، وأخرجوا البقر معها عجاجيلها، وأخرجوا الغنم معها سخالها فجعلوه إمامهم، وأقبل العذاب فلما أن رأوه جأروا إلى الله ودعوا، وبكى النساء والولدان، ورغت الإِبل وفصلانها، وخارت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، فرحمهم الله فصرف عنهم العذاب إلى جبال آمد، فهم يعذبون حتى الساعة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ الآية، ذكرنا في سورة البقرة والأنعام معنى هذا الاستفهام عند قوله: ﴿ فَهَلْ يَنْظِرُونَ  ﴾ ، [الأنعام: 158]، وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ﴾ يعني: إلا أيامًا مثل أيام الأمم الماضية المكذبة في وقوع العذاب والحسرة [حين لا تنفع الندامة، ولا يحتاج إلى ذكر العذاب والحسرة] (١) (٢) وقائع في مُضَر تسعة ...

وفي وائل كانت العاشرة (٣) فقال: تسعة، وكان ينبغي أن يقول: تسع، ولكنه ذهب إلى الأيام (٤) (٥) وقال ابن الأنباري: العرب تكني بالأيام عن الحروب والشرور، يقال: قتل فلان يوم صفين، يعنون في حرب صفين؛ يدل على ذلك أن الحرب كانت بصفين في أيام كثيرة، فتوحيد اليوم بمعنى الحرب والوقعة، وأنشد: شهدت الحروب فشيبنني ...

ولم أر يومًا كيوم الجمل (٦) أراد حربًا كحرب الجمل، وقد تذكر العرب الأيام وهي تقصد بها قصد السرور والنعم، وبكلى (٧) ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾ (٨) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 175 - 176، والثعلبي 7/ 31 أ، والبغوي 4/ 154، والزمخشري 2/ 255، والقول مروي عن قتادة، انظر: "الدر المنثور" 3/ 574.

(٣) لم أهتد لقائله، وانظره بلا نسبة في: المصدر التالي، وفي "لسان العرب" (يوم) 8/ 4975، و"الأشباه والنظائر" 5/ 236، 257، و"الإنصاف" 2/ 769، و"الدرر اللوامع" 6/ 169، و"مجالس ثعلب" 2/ 490، و"بدائع الفوائد" 3/ 235، و"همع الهوامع" 3/ 254.

(٤) اهـ.

كلام ابن السكيت، انظر: "تهذيب اللغة" (يوم) 4/ 1991.

(٥) المصدر السابق ص 647.

(٦) لم أقف عليه، ويوم الجمل معركة وقعت بين الإمام علي -  - من جهة والزبير وطلحة وعائشة -  م- من جهة أخرى سنة 36 هـ.

انظر المصدر السابق 7/ 230.

(٧) هكذا في (ح) و (ز) و (ى)، وفي (م): (بكل).

ومعلوم أن (كلا) و (كلتا) لا يعربان إعراب المثنى إلا إذا أضيفا إلى مضمر فإن أضيفا إلى ظاهر لزمتهما الألف.

انظر: "أوضح المسالك" 1/ 36.

(٨) انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 200، والبغوي 4/ 335، وانظر قول ابن الأنباري مختصراً في "زاد المسير" 4/ 69.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الهمزة للإنكار أي أتريد أنت أن تكره الناس في إدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك، وليس ذلك إليك إنما هو بيد الله، وقيل: المعنى أفأنت تكره الناس بالقتال حتى يؤمنوا أو كان هذا في صدر الإسلام قبل الأمر بالجهاد ثم نسخت بالسيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.

الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الآخرون بالهمز.

﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.

﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.

الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بالفتح.

﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.

والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.

﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد  وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.

﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".

ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة  ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه  ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.

ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.

ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى  أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.

وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.

ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.

وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.

فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.

وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.

ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.

والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.

وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون  ﴾ واعلم أنه  قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.

ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.

وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.

وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.

ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.

ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.

وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.

ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.

وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.

ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.

﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.

﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي  ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا  ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.

أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم  ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟

ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.

قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.

وأيضاً فالنبي  إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.

وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.

ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.

ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".

أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.

قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.

فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.

فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.

يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.

فيقول له: من الرجل؟

ولو قال: من رجل؟

لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.

ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.

ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.

وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.

وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.

وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.

ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.

والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.

﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.

والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.

ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.

وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.

﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.

واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع  ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله  في أيام نبينا  بعد الهجرة.

ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.

ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.

وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.

وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.

وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.

ثم خص موسى  بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا  على طريقة الالتفات والاعتراض.

ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.

ثم إن موسى  لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.

عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.

قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى  قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه  تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.

ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.

والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله  : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً  ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.

وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.

كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.

سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".

سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.

ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.

أما قوله  : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .

﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.

قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.

﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.

يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.

والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.

الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.

الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.

الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.

الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.

السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله  وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.

السابع يروى أن جبريل  أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.

أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.

وقيل: إنه قول الله  والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.

وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله  : ﴿ وتعاونوا  ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.

وكيف يليق به  أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.

ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول  ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.

قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.

وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.

قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.

وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.

وقيل: ببدنك أي بدرعك.

قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.

عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى  .

وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله  أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.

وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه  أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.

وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .

التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.

و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".

وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.

﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.

﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.

واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.

﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.

﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.

والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.

وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ هو قوله - عز وجل -: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ هذا يكون في الختم من يختم به يعني بالكفر فقد حقت كلمة ربك لأملأن جهنم، أو ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ...

﴾ الآية [الأعراف: 37]، أو كلمة ربك ما ذكر: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم ربك بأحوالهم، أي: من كان علمه أنه لا يؤمن فلا يؤمن وقت اختياره الكفر؛ كقوله: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ  ﴾ [أي: من يضلل الله فلا هادي له] وقت اختيارهم الكفر؛ وكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ وقت اختيارهم الظلم ونحو ذلك، فالتأويل الأول يرجع إلى الختم به، والثاني: إلى وقت من ثبت عليه علم ربه أنه لا يؤمن إلى وقت أنه لا يؤمن في ذلك الوقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ ﴾ قيل: في الدنيا إيمان دفع العذاب ويحتمل في الدنيا، وقد ذكرنا هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ...

﴾ الآية، أي: لم تكن القرى آمنت عند معاينة البأس إيمانا نفعها إلا إيمان قوم يونس، فإنهم آمنوا إيمان حقيقة وعلم الله صدقهم من إيمانهم فنفعهم إيمانهم، هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن سائر القرى كان إيمانها عند إقبال العذاب إليهم ووقوعه عليهم، فلم ينفعهم [إيمانهم] إلا قوم يونس، [فإن إيمانهم إنما كان لتخويف العذاب فينفعهم.

والثاني: يحتمل أن يكون قوم يونس] كان نزول العذاب بهم على التخيير والتمكين إن قبلوا الإيمان أمنوا دفع العذاب عنهم، وإن لم يقبلوا نزل بهم.

والثالث: [إنما] كان إيمان سائر القرى بعدما عاينوا مقامهم في النار فآمنوا، فيكون إيمانهم إيمان اضطرار، وقوم يونس آمنوا قبل أن يعاينوا ذلك، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ بعد وقوع العذاب والبأس، ﴿ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ فإنهم آمنوا إذ عاينوا العذاب قبل أن يقع بهم، وإيمان فرعون وقومه إنما كان بعدما غرقوا وبعدما خرجت أنفسهم من أيديهم فلم يقبل، وإيمان قوم يونس كان قبل أن يقع العذاب بهم وأنفسهم في أيديهم بعد فقبل، وهو ما ذكر عز وجل: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ...

﴾ الآية [الأعراف: 171]، آمنوا بعدما عاينوا قبل أن يقع بهم وسائر الأمم الخالية كان منهم الإيمان بعد وقوع العذاب بهم من نحو عاد وثمود وأمثاله، وأصله ما ذكرنا آنفاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قوله: ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمْ ﴾ : بحلول العذاب بهم، ﴿ عَذَابَ ٱلخِزْيِ ﴾ : هو العذاب الفاضح وإلا الخزي هو العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ : قالت المعتزلة: [قوله]: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ مشيئة القهر والقسر، لو شاء لأجبرهم وقهرهم جميعاً فيؤمنوا وإلا فقد شاء أن يؤمنوا مشيئة الاختيار لكنهم لم يؤمنوا، واستدلوا على ذلك بقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .

فيقال لهم: إن مشيئة الاختيار هي الظاهرة عندكم ومشيئة الجبر والقهر غائبة، فإذا وجد منه مشيئة الاختيار فلم يؤمنوا ولم تنفذ مشيئته فيهم كيف يصدق هو في الإخبار عن المشيئة التي [هي غائبة] أنها لو كانت لآمنوا هذا فاسد على قولهم.

وبعد فإن المشيئة لو كانت مشيئة القهر لكانوا مؤمنين بتلك المشيئة وهي خلقة؛ لأن كل كافر مؤمن بخلقته؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانية الله، فإذا كانوا مؤمنين بالخلقة ثم ذكر أنه لو شاء لآمنوا دل أنه لم يرد به مشيئة القهر ولكنه أراد مشيئة الاختيار، وتأويله عندنا هو أن عند الله  لطف لو أعطاهم كلهم لآمنوا جميعاً، لكنه إذ علم أنهم لا يؤمنون لم يعطهم وهو التوفيق والعصمة، لكنه إذ علم منهم أنهم لا يؤمنون شاء ألا يؤمنوا، ثم لا يحتمل أن يتحقق الإيمان بالجبر والقهر؛ لأنه عمل القلب والجبر والإكراه مما لا يعمل على القلب، فهو وإن تكلم بكلام الإيمان فلا يكون مؤمنا حتى يؤمن بالقلب، فيكون التأويل على قولهم: ولو شاء ربك فلا يؤمنوا، فهذا متناقض فاسد.

وبعد فإن الإيمان لا يكون في حال الإكراه والإجبار؛ لأن الإكراه يزيل الفعل عن المكره كأن لا فعل له في الحكم.

وقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فإن قيل: أليس قال الله - عز وجل -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ أي: حتى يسلموا وذلك إكراه، وقال [رسول الله  ]: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" فذلك إكراه، فكيف يجمع بين الآيتين؟!

قيل لوجهين: أحدهما: ما ذكر أن هذه السورة مكية، وقوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ مدنية، فيحتمل قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: لا تكرههم ثم أمر بالقتال بالمدينة والحرب والإكراه عليه.

والثاني: يجوز أن يجمع بين الآيتين، وهو أن يكون قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ أي: تقاتلونهم حتى يقولوا قول إسلام ويتكلموا بكلام الإيمان، دليله ما روي: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، والقول: بلا لا إله إلا الله على غير حقيقة ذلك في القلب ليس بإيمان، وفي هذه الآية حتى يكونوا مؤمنين وبالإكراه لا يكونون مؤمنين حقيقة؛ لأنه عمل القلب والإكراه مما لا يعمل عليه، والله أعلم.

وتأويل قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ ﴾ أي: لا تملك أن تكرههم، وكان رسول الله  لشدة حرصه ورغبته في إيمانهم كاد أن يكرههم على الإيمان إشفاقاً عليهم؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: بمشيئة الله، وقيل: بعلم الله، وقيل: بأمر الله وبإرادته وهو ما ذكرنا لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله وإرادته في ذلك، ولا يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ سوى المشيئة وإلارادة؛ لأنه كم من مأمور بالإيمان لم يؤمن، فلم يحتمل الأمر ولا يحتمل الإباحة لأنه لا يباح ترك الإيمان في حال وأصله ما ذكرنا؛ أنه لا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجز فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ قيل: الإثم على الذين لا يعقلون، وقيل: ويجعل العذاب على الذين لا يعقلون، أي: لا يستعملون عقولهم حتى يعقلوا، أو على الذين لا ينتفعون بعقولهم.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا ﴾ أي: لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها عند نزول العذاب إلا قوم يونس.

وقال بعضهم: فهلا كانت آمنت إذا رأت بأسنا، فكانت مثل قوم يونس، فإنهم آمنوا حين رأوا العذاب، وأصله ما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يكون الله  يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له يسألهم ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجزه فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: وما كان لنفس في علم الله أنها لا تؤمن فتؤمن، أي: لا تؤمن نفس في علم الله أنها لا تؤمن إنما يؤمن من في علم الله أنه يؤمن، وأما من في علم الله أنه لا يؤمن فلا يؤمن.

وقيل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ ﴾ أي: لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله، أي: إذا آمنت إنما تؤمن بمشيئة الله ما يفعل إنما يفعل بمشيئة الله؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بأمر الله، فمعناه إذا آمنت إنما تؤمن بأمره لا تؤمن بغير أمره فالأول أقرب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: يجعل جزاء الرجس، أي: جزاء الكفر على الذين لا يعقلون، أي: الذين لا ينتفعون بعقولهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فهل ينتظر هؤلاء المكذبون إلا مثل الوقائع التي أوقعها الله على الأمم المكذبة السابقة؟!

قل -أيها الرسول- لهم: انتظروا عذاب الله، إني معكم من المنتظرين لوعد ربي.

<div class="verse-tafsir" id="91.DXxmd"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد