الآية ١٠٦ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٠٦ من سورة يونس

وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًۭا مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 48 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٦ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تدع ، يا محمد ، من دون معبودك وخالقك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام.

يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفًا ضرَّها، فإنها لا تنفع ولا تضر ، " فإن فعلت " ، ذلك ، فدعوتها من دون الله ، (فإنك إذًا من الظالمين ) ، يقول: من المشركين بالله، الظالمي أنفُسِهم .

(26) ------------------------ الهوامش: (26) في المطبوعة والمخطوطة : " الظالم لنفسه " ، والسياق لا يليق به هذا ، وظني أنه سهو من الناسخ ، فلذلك أبدلت به ما أثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وكذلك قوله ولا تدع أي لا تعبد من دون الله ما لا ينفعك إن عبدته ولا يضرك إن عصيته .فإن فعلت أي عبدت غير الله فإنك إذا من الظالمين أي الواضعين العبادة في غير موضعها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ْ} وهذا وصف لكل مخلوق، أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع الضار، هو الله تعالى.

{ فَإِنْ فَعَلْتَ ْ} بأن دعوت من دون الله، ما لا ينفعك ولا يضرك { فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ْ} أي: الضارين أنفسهم بإهلاكها، وهذا الظلم هو الشرك كما قال تعالى: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ْ} فإذا كان خير الخلق، لو دعا مع الله غيره، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره؟!!

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا تدع ) ولا تعبد ، ( من دون الله ما لا ينفعك ) إن أطعته ، ( ولا يضرك ) إن عصيته ، ( فإن فعلت ) فعبدت غير الله ، ( فإنك إذا من الظالمين ) الضارين لأنفسهم الواضعين للعبادة في غير موضعها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تدع» تعبد «من دون الله ما لا ينفعك» إن عبدته «ولا يضرك» إن لم تعبده «فإن فعلت» ذلك فرضا «فإنك إذًا من الظالمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تَدْعُ -أيها الرسول- من دون الله شيئًا من الأوثان والأصنام؛ لأنها لا تنفع ولا تضرُّ، فإن فعَلْت ذلك ودعوتها من دون الله فإنك إذًا من المشركين بالله، الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعصية.

وهذا وإن كان خطابًا للرسول صلى الله عليه وسلَّم فإنه موجَّه لعموم الأمة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تأكيدا آخر فقال : ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ ) .أى : ولا تدع من دون الله فى أى وقت من الأوقات ( مَا لاَ يَنفَعُكَ ) إذا دعوته لدفع مكروه أو جلب محبوب ( وَلاَ يَضُرُّكَ ) إذا تركته وأهملته .( فَإِن فَعَلْتَ ) شيئا مما نهيناك عنه ( فَإِنَّكَ إِذاً ) تكون ( مِّنَ الظالمين ) الذين ظلموا أنفسهم بإيرادها مورد المهالك ، لإشراكها مع الله - تعالى - آلهة أخرى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات، أمر رسوله بإظهار دينه وبإظهار المباينة عن المشركين، لكي تزول الشكوك والشبهات في أمره وتخرج عبادة الله من طريقة السر إلى الإظهار فقال: ﴿ قُلْ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكّ مّن دِينِى ﴾ واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن هؤلاء الكفار ما كانوا يعرفون دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الخبر إنهم كانوا يقولون فيه قد صبأ وهو صابئ فأمر الله تعالى أن يبين لهم أنه على دين إبراهيم حنيفاً مسلماً لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا لِلَّهِ حَنِيفًا  ﴾ ولقوله: ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض حَنِيفاً  ﴾ ولقوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ  ﴾ والمعنى: أنكم إن كنتم لا تعرفون ديني فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل ثم ذكر فيه أموراً.

فالقيد الأول: قوله: ﴿ فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ وإنما وجب تقديم هذا النفي لما ذكرنا أن إزالة النقوش الفاسدة عن اللوح لابد وأن تكون مقدمة على إثبات النقوش الصحيحة في ذلك اللوح، وإنما وجب هذا النفي لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن حصلت له غاية الجلال والإكرام، وأما الأوثان فإنها أحجار والإنسان أشرف حالاً منها، وكيف يليق بالأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس.

القيد الثاني: قوله: ﴿ ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ ﴾ والمقصود أنه لما بين أنه يجب ترك عبادة غير الله، بين أنه يجب الاشتغال بعبادة الله.

فإن قيل: ما الحكمة في ذكر المعبود الحق في هذا المقام بهذه الصفة وهي قوله: ﴿ الذى يتوفاكم ﴾ .

قلنا فيه وجوه: الأول: يحتمل أن يكون المراد أني أعبد الله الذي خلقكم أولاً ثم يتوفاكم ثانياً ثم يعيدكم ثالثاً، وهذه المراتب الثلاثة قد قررناها في القرآن مراراً وأطواراً فهاهنا اكتفى بذكر التوفي منها لكونه منبهاً على البواقي.

الثاني: أن الموت أشد الأشياء مهابة، فنخص هذا الوصف بالذكر في هذا المقام، ليكون أقوى في الزجر والردع.

الثالث: أنهم لما استعجلوا نزول العذاب قال تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ  ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فهذه الآية تدل على أنه تعالى يهلك أولئك الكفار ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم فلما كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم قال هاهنا: ﴿ ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ ﴾ وهو إشارة إلى ما قرره وبينه في تلك الآية كأنه يقول: أعبد ذلك الذي وعدني بإهلاكهم وبإبقائي.

والقيد الثالث: من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ واعلم أنه لما ذكر العبادة وهي من جنس أعمال الجوارح انتقل منها إلى الإيمان والمعرفة، وهذا يدل على أنه ما لم يصر الظاهر مزيناً بالأعمال الصالحة، فإنه لا يحصل في القلب نور الإيمان والمعرفة.

والقيد الرابع: قوله: ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الواو في قوله: ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ حرف عطف وفي المعطوف عليه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ ﴾ قائم مقام قوله وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ الثاني: أن قوله: ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ ﴾ بإقامة الوجه، فصار التقدير وأمرت بأن أكون من المؤمنين وبإقامة الوجه للدين حنيفاً.

المسألة الثانية: إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية إلى طلب الدين، لأن من يريد أن ينظر إلى شيء نظراً بالاستقصاء، فإنه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه لا بالقليل ولا بالكثير، لأنه لو صرفه عنه، ولو بالقليل فقد بطلت تلك المقابلة، وإذا بطلت تلك المقابلة، فقد اختل الأبصار، فلهذا السبب حسن جعل إقامة الوجه للدين كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين، وقوله: ﴿ حَنِيفاً ﴾ أي مائلاً إليه ميلاً كلياً معرضاً عما سواه إعراضاً كلياً، وحاصل هذا الكلام هو الإخلاص التام، وترك الالتفات إلى غيره، فقوله أولاً: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ إشارة إلى تحصيل أصل الإيمان، وقوله: ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا ﴾ إشارة إلى الاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه.

والقيد الخامس: قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ﴾ .

واعلم أنه لا يمكن أن يكون هذا نهياً عن عبادة الأوثان، لأن ذلك صار مذكوراً بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو أن من عرف مولاه، فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركاً، وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي.

والقيد السادس: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ ﴾ والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاد الحق، وإذا كان كذلك فما سوى الحق فلا وجود له إلا إيجاد الحق، وعلى هذا التقدير فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا الحق، فكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك، فلا حكم إلا لله ولا رجوع في الدارين إلا إلى الله.

ثم قال في آخر الآية: ﴿ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظالمين ﴾ يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما سوى الحق معزولاً عن التصرف، كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعاً للشيء في غير موضعه فيكون ظلماً.

فإن قيل: فطلب الشبع من الأكل والري من الشرب هل يقدح في ذلك الإخلاص؟

قلنا: لا لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد الله وتكوينه، وطلب الانتفاع بشيء خلقه الله للانتفاع به لا يكون منافياً للرجوع بالكلية إلى الله، إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الحق وهالكة بأنفسها وباقية بإبقاء الحق، فحينئذ يرى ما سوى الحق عدماً محضاً بحسب أنفسها ويرى نور وجوده وفيض إحسانه عالياً علي الكل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإِن فَعَلْتَ ﴾ معناه: فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرّك، فكني عنه بالفعل إيجازاً ﴿ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظالمين ﴾ إذاً جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدّر، كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان.

وجعل من الظالمين؛ لأنه لا ظلم أعظم من الشرك، ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ ﴾ بِنَفْسِهِ إنْ دَعَوْتَهُ أوْ خَذَلْتَهُ.

﴿ فَإنْ فَعَلْتَ ﴾ فَإنْ دَعْوَتَهُ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ وجَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ عَنْ تَبَعَةِ الدُّعاءِ.

﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ وإنْ يُصِبْكَ بِهِ.

﴿ فَلا كاشِفَ لَهُ ﴾ يَرْفَعُهُ.

﴿ إلا هُوَ ﴾ إلّا اللَّهُ.

﴿ وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ ﴾ فَلا دافِعَ.

﴿ لِفَضْلِهِ ﴾ الَّذِي أرادَكَ بِهِ ولَعَلَّهُ ذَكَرَ الإرادَةَ مَعَ الخَيْرِ والمَسَّ مَعَ الضُّرِّ مَعَ تَلازُمِ الأمْرَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ وأنَّ الضُّرَّ إنَّما مَسَّهم لا بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ووُضِعَ الفَضْلُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ بِما يُرِيدُ بِهِمْ مِنَ الخَيْرِ لا اسْتِحْقاقَ لَهم عَلَيْهِ، ولَمْ يُسْتَثْنَ لِأنَّ مُرادَ اللَّهِ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ.

﴿ يُصِيبُ بِهِ ﴾ بِالخَيْرِ.

﴿ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ فَتَعَرَّضُوا لِرَحْمَتِهِ بِالطّاعَةِ ولا تَيْأسُوا مِن غُفْرانِهِ بِالمَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولا تدع من دون الله ما لا يَنفَعُكَ} إن دعوته {وَلاَ يَضُرُّكَ} إن خذلته {فَإِن فَعَلْتَ} فإن دعوت من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فكنى عنه بالفعل إيجازاً {فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظالمين} إذا جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأنه لا ظلم أعظم من الشرك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ما لا يَنْفَعُكَ بِنَفْسِهِ إذا دَعَوْتَهُ بِدَفْعِ مَكْرُوهٍ أوْ جَلْبِ مَحْبُوبٍ ولا يَضُرُّكَ إذا تَرَكْتَهُ بِسَلْبِ المَحْبُوبِ دَفْعًا أوْ رَفْعًا أوْ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ والجُمْلَةُ قِيلَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ قَبْلَها واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَطْفَها عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ يا أيُّها النّاسُ ﴾ فَهي غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ الأمْرِ لِأنَّ ما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ مُتَّسِقَةٌ لا يُمْكِنُ فَصْلُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ ولا وجْهَ لِإدْراجِ الكُلِّ تَحْتَ الأمْرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ فِعْلُ الإيحاءِ في ﴿ وأنْ أقِمْ ﴾ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ وصاحِبُ الفَرائِدِ لا مانِعَ مِنَ العَطْفِ كَما هو الظّاهِرُ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ المَعْطُوفَةِ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى وإدْراجِ جَمِيعِ المُتَّسِقاتِ تَحْتَ الإيحاءِ وقَدْ يُرَجَّحُ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ بِأنَّهُ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ مِنَ العَطْفِ عَلى البَعِيدِ وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الإيحاءِ والعَطْفِ كَما قِيلَ والأمْرُ السّابِقُ بِمَعْنى الوَحْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأُوحِيَ إلى أنْ أكُونَ إلَخْ والِانْدِراجُ حِينَئِذٍ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وهو كَما تَرى ولا أظُنُّكَ تَقْبَلُهُ ﴿فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ 106﴾ أيْ مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ والفِعْلُ كِنايَةٌ عَنِ الدُّعاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ دَعَوْتَ ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، وكَنّى عَنْ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ تَنْوِيهًا لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَنْبِيهًا عَلى رِفْعَةِ مَكانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ولَوْ في ضِمْنِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ والكَلامُ في فائِدَةِ نَحْوِ النَّهْيِ المَذْكُورِ قَدْ مَرَّ آنِفًا وجَوابُ الشَّرْطِ عَلى ما في النَّهْيِ جُمْلَةُ ﴿ فَإنَّكَ ﴾ وخَبَرُها أعْنِي ﴿ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ وتَوَسَّطَتْ ﴿ إذًا ﴾ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ مَعَ أنَّ رُتْبَتَها بَعْدَ الخَبَرِ رِعايَةٌ لِلْفاصِلَةِ وفي الكَشّافِ أنَّ ﴿ إذًا ﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ وجَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ تَبِعَةِ عِبادَةِ الأوْثانِ فَجُعِلَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنَّهُ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ وهَذِهِ عِبارَةُ النَّحْوِيِّينَ وفُسِّرَتْ كَما قالَ الشِّهابُ: بِأنَّ المُرادَ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَنْ شَرْطٍ مُحَقِّقٍ أوْ مُقَدَّرٍ وجَوابٌ عَنْ كَلامٍ مُحَقَّقٍ أوْ مُقَدَّرٍ وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في جَمْعِ الجَوامِعِ بَعْدَ أنْ بَيْنَ أنَّ إذا الظَّرْفِيَّةَ قَدْ يُحْذَفُ جُزْءُ الجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَتْ هي إلَيْها أوْ كُلُّها فَيُعَوَّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ وتُكْسَرُ لِلسّاكِنَيْنِ لا لِلْإعْرابِ خِلافًا لِلْأخْفَشِ وقَدْ تُفْتَحُ أنَّ شَيْخَهُ الكافِيجِيَّ ألْحَقَ بِها (إذَنْ)ثُمَّ قالَ في شَرْحِهِ هَمْعَ الهَوامِعِ: وقَدْ أشَرْتُ بِقَوْلِي: وألْحَقَ شَيْخُنا بِها في ذَلِكَ (إذَنْ) إلى مَسْألَةٍ غَرِيبَةٍ قَلَّ مَن تَعَرَّضَ لَها وذَلِكَ أنِّي سَمِعْتُ شَيْخَنا عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ لَيْسَتْ(إذَنْ) هَذِهِ الكَلِمَةَ المَعْهُودَةَ وإنَّما هي إذا الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَتْ جُمْلَتُها الَّتِي يُضافُ إلَيْها وعُوِّضَ عَنْها التَّنْوِينُ كَما في يَوْمَئِذٍ وكُنْتُ أسْتَحْسِنُ هَذا جِدًّا وأظُنُّ أنَّ الشَّيْخَ لا سَلَفَ لَهُ في ذَلِكَ حَتّى رَأيْتُ بَعْضَ المُتَأخِّرِينَ جَنَحَ إلى ما جَنَحَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وقَدْ أوْسَعْتُ الكَلامَ في ذَلِكَ في حاشِيَةِ المُغْنِي انْتَهى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرَها كالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها وما ذَكَرَهُ مِمّا يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ ولا أرى فِيهِ بَأْسًا ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتَّبِعُوهُ فَلْيُحْمَلْ ما في الآيَةِ عَلَيْهِ وكانَ كَثِيرًا ما يَخْطِرُ لِي ذَلِكَ إلّا أنِّي لَمْ أكُدْ أُقْدِمُ عَلى إثْباتِهِ حَتّى رَأيْتُهُ لِغَيْرِي مِمَّنْ لا يُنْكِرُ فَضْلَهُ فَأُثْبِتُهُ حامِدًا لِلَّهِ تَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة، وذلك حين دعوه إلى دين آبائهم، فقال: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي الإسلام، وترجون أن أرجع إلى دينكم، وأترك هذا الدين فلا أفعل ذلك، وهو قوله: فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة، ويقال: معناه، إن كنتم فى شك من ديني، فأنا مستيقن في دينكم ومعبودكم أنهما باطلان، فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.

وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ يعني: أوحده وأطيعه الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ يعني: يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: مع المؤمنين على دينهم، ولا أرجع عن ذلك.

قوله تعالى: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ يعني: أن الله تعالى، قال لي في القرآن: أن أخلص عملك ودينك لِلدِّينِ حَنِيفاً يعني: استقم على التوحيد مخلصاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أو يقال: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين.

إلى هاهنا أمر النبيّ  أن يقول ذلك للكفار، وقد تمّ الكلام إلى هذا الموضع.

ثم قال الله تعالى للنبي  بهذا أمرتك وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً يعني: وأمرتك أن تخلص عملك ودينك لِلدّينِ حَنِيفاً يعني: استقم على ذلك مستقيما.

والحنف في اللغة: هو الميل والإقبال على شيء لا يرجع عنه أبداً، لهذا سُمِّيَ الرجل أحنف، إذا كان أصابع رجليه مائلاً بعضها إلى بعض.

ثم قال تعالى: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: لا تعبد غير الله مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ يعني: ما لا ينفعك إن عبدته، ولا يضرك إن عصيته، وتركتَ عبادته، فَإِنْ فَعَلْتَ ذلك، يعني: فإن عبدت غير الله فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ يعني: الضّارّين أنفسهم.

قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ يعني: إنْ يصبك الله بشدة أو بلاء فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، يعني: لا دافع لذلك الضر إلا هو.

يعني: لا تقدر الأصنام على دفع الضر عنك وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ يعني: إن يُصِبْكَ بسعة في الرزق وصحة في الجسم، فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يعني: لا مانع لعطائه.

يُصِيبُ بِهِ يعني: بالفضل مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ من كان أهلاً لذلك.

وَهُوَ الْغَفُورُ لذنوب المؤمنين، الرَّحِيمُ بهم.

فأعلم الله تعالى أنه كاشف الضر، ومعطي الفضل في الدنيا، وهو الغفور في الآخرة، للمؤمنين، الرحيم بقبول حسناتهم.

قال الفقيه  ، حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا شيخ بصري عن الحسن، أنه قال: قال عامر بن قيس: ما أبالي ما أصابني من الدنيا وما فاتني منها، بعد ثلاث آيات ذكرهن الله تعالى في كتابه قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ وقوله: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر: 2] وقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: 6] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ...

الآية، مخاطبةٌ عامَّة للناس أجمعين إِلى يوم القيامة.

وقوله: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ...

الآية: الوجْهُ في هذه الآية بمعنى المَنْحَى والمَقْصِد، أي: اجعل طريقك واعتمالك للدِّين والشرْعِ.

وقوله تعالى: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ ...

الآية، قد تقدَّم أن ما كان من هذا النوع، فالخطاب فيه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمرادُ غيره.

وقوله سبحانه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ...

الآية: مقصودُ هذه الآية أن الحَوْل والقُوَّة للَّهِ، والضر لفظ جامعٌ لكلِّ ما يكرهه الإِنسان.

وقوله: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ لفظ تامّ العموم.

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ: هذه مخاطبةٌ لجميع الكفّار ومستمرّة مدى الدهر، والْحَقُّ: هو القرآن والشرْعُ الذي جاء به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: منسوخَةٌ بالقتَالِ.

وقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.

قوله: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ: وعد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأنْ يغلبهم، كما وقع، وهذا الصبرُ منْسُوخٌ أيضاً بالقتالِ، وصلَّى اللَّه على سيدنا ومولاَنَا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها النّاسُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ﴿ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ﴾ الإسْلامِ ﴿ فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ وهي الأصْنامُ ﴿ وَلَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي ﴾ يَقْدِرُ أنْ يُمِيتَكم.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: لا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَشُكُّوا في دِينِي، لِأنِّي أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يُمِيتُ ويَنْفَعُ ويَضُرُّ، ولا تُسْتَنْكَرُ عِبادَةُ مَن يَفْعَلُ هَذا، وإنَّما يَنْبَغِي لَكم أنْ تَشُكُّوا وتُنْكِرُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " الَّذِي خَلَقَكم " ؟

فالجَوابُ: أنَّ هَذا يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدَهم، لِأنَّ مِيعادَ عَذابِهِمُ الوَفاةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ ﴾ المَعْنى: وأُمِرْتُ أنْ أقِمْ وجْهَكَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أخْلِصْ عَمَلَكَ.

والثّانِي: اسْتَقِمْ بِإقْبالِكَ عَلى ما أُمِرْتَ بِهِ بِوَجْهِكَ.

وَفِي المُرادِ بِالحَنِيفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُتَّبِعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: المُخْلِصُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: المُسْتَقِيمُ، قالَهُ القُرَظِيُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ﴾ إنْ دَعَوْتَهُ ﴿ وَلا يَضُرُّكَ ﴾ إنْ تَرَكْتَ عِبادَتَهُ.

" والظّالِمُ " الَّذِي يَضَعُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِن الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ المَعْنى: قِيلَ لِي: كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ، ثُمَّ جاءَتِ العِبارَةُ بِهَذا التَرْتِيبِ، والوَجْهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى المَنحى والمَقْصِدِ، أيِ:اجْعَلْ طَرِيقَكَ واعْتِمادَكَ لِلدِّينِ والشَرْعِ، و"حَنِيفًا" مَعْناهُ: مُسْتَقِيمًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الحَنَفُ: الِاسْتِقامَةُ، وجَعَلَ تَسْمِيَةَ المُعْوَجِّ القَدَمِ أحْنَفَ عَلى وجْهِ التَفاؤُلِ.

ومَن قالَ: "الحَنَفُ: المَيْلُ" جَعَلَ "حَنِيفًا" هاهُنا: مائِلًا عن حالِ الكَفَرَةِ وطَرِيقِهِمْ، و"حَنِيفًا" نَصْبٌ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَدْعُ ﴾ مَعْناهُ: قِيلَ لِي: ولا تَدْعُ، فَهو عَطْفٌ عَلى "أقِمْ"، وهَذا الأمْرُ والمُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ  إذا كانَتْ هَكَذا فَأحْرى أنْ يَتَحَرَّزَ مِن ذَلِكَ غَيْرُهُ، "وَما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ" هو الأصْنامُ والأوثانُ، والظالِمُ: الَّذِي يَضَعُ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ ﴾ الآيَةُ، مَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ لِلَّهِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ لِلنّاسِ بِما يُحِسُّونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ، والضُرُّ لَفْظٌ جامِعٌ لِكُلِّ ما يَكْرَهُهُ الإنْسانُ كانَ ذَلِكَ في مالِهِ أو في بَدَنِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُظْهِرَةٌ فَسادَ حالِ الأصْنامِ، لَكِنَّ كُلَّ مُمَيِّزٍ أدْنى مَيْزٍ يَعْرِفُ يَقِينًا أنَّها لا تَكْشِفُ ضُرًّا ولا تَجْلِبُ نَفْعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾ لَفْظٌ تامُّ العُمُومِ، وخَصَّصَ النَبِيُّ  الفِقْهَ بِالذِكْرِ في قَوْلِهِ: « "مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِينِ"»، وهو عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لِلَفْقِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ تَرْجِيَةٌ وبَسْطٌ ووَعْدٌ ما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ [يونس: 105].

ولم يؤكد الفعل بنون التوكيد؛ لئلا يمنع وجودها من حذف حرف العلة بأن حذفه تخفيف وفصاحة، ولأن النهي لما اقترن بما يومئ إلى التعليل كان فيه غنية عن تأكيده لأن الموصول في قوله: ﴿ ما لا يَنفعك ولا يضرك ﴾ يومئ إلى وجه النهي عن دعائك، إذ دعاء أمثالها لا يقصده العاقل.

و ﴿ من دون الله ﴾ اعتراض بين فعل ﴿ تدع ﴾ ومفعوله، وهو إدماج للحث على دعائه الله.

وتفريع ﴿ فإن فعلت ﴾ على النهيين للإشارة إلى أنه لا معذرة لمن يأتي ما نهي عنه بعد أن أكد نهيه وبينت علته، فمن فعله فقد ظلم نفسه واعتدى على حق ربه.

وأكّد الكون من الظالمين على ذلك التقدير ب (إنّ) لزيادة التحذير، وأُتي ب (إذن) للإشارة إلى سؤال مقدر كأن سائلاً سأل: فإن فعلت فماذا يكون؟.

وفي قوله: ﴿ من الظالمين ﴾ من تأكيدٍ مثل ما تقدم في قوله: ﴿ من المشركين ﴾ [يونس: 105] ونظائره.

والمقصود من هذا الفرض تنبيه الناس على فظاعة عظم هذا الفعل حتى لو فعله أشرف المخلوقين لكان من الظالمين، على حد قوله تعالى: ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ [الزمر: 65].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾ أيِ اسْتَقِمْ بِإقْبالِ وجْهِكَ عَلى ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الدِّينِ حَنِيفًا، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالوَجْهِ النَّفْسَ.

وَ ﴿ حَنِيفًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ حاجًّا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ وعَطِيَّةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: مُتَّبَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: مُسْتَقِيمًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الرّابِعُ: مُخْلِصًا، قالَهُ عَطاءٌ.

الخامِسُ: مُؤْمِنًا بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ، قالَهُ أبُو قِلابَةَ قالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: حَمِدْتُ اللَّهَ حِينَ هَدى فُؤادِي مِنَ الإشْراكِ لِلدِّينِ الحَنِيفِ السّادِسُ: سابِقًا إلى الطّاعَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَفِ في الرِّجْلَيْنِ وهو أنْ تَسْبِقَ إحْداهُما الأُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويجعل الرجس ﴾ قال: السخط.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ويجعل الرجس ﴾ قال: الرجس الشيطان، والرجس العذاب.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ وما تغني الآيات والنذر عن قوم ﴾ يقول: عند قوم لا يؤمنون نسخت قوله: ﴿ حكمة بالغة فما تغني النذر ﴾ [ القمر: 5] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ﴾ قال: وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع في قوله: ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ قال: خوّفهم الله عذابه ونقمته وعقوبته، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا فقال: ﴿ ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ الآية، الدعاء يكون على وجهين: أحدهما: النداء كقولك: يا زيد، ويا عمرو، وعلى هذا، معنى: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي: لا تدعه إلهًا، لا تقل لما دون الله: يا إله، كما يدعو المشركون أوثانهم آلهة.

والثاني: الدعاء إلى أمر (١) وقوله تعالى: ﴿ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ﴾ أي: شيئًا ما؛ لأنه لا يتحقق النفع والضر إلا من الله تعالى، ولا تدع من دون الله شيئًا.

وقال بعض أهل المعاني: ما لا ينفعك ولا يضرك نفع الإله وضره (٢) ﴿ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ﴾ -وهو إن نَفَع وضرَّ لم تجز عبادته- لأنه أخسر للصفقة، وأبعد من الشبهة، عبادةُ ما (٣) ﴿ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد بذلك مخاطبة لجميع من بعث إليه.

(١) في (م): (أحد)، وهو خطأ.

(٢) لم أقف عليه (٣) في (ى): (من).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ انظروا ﴾ أمرٌ بالاعتبار والنظر في آيات الله ﴿ وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني: من قضى الله عليه أنه لا يؤمن، وما نافية أو استفهامية يراد بها النفي ﴿ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ ﴾ الآية: تهديد ﴿ حَقّاً عَلَيْنَا ﴾ اعتراض بين العامل ومعموله وهما كذلك، وننج المؤمنين ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ الوجه هنا بمعنى القصد والدين ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ منسوخ بالقتال، وكذلك قوله: ﴿ واصبر حتى يَحْكُمَ الله ﴾ وعد بالنصر والظهور على الكفار.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وأنا ﴾ مثل ﴿ أنشانا ﴾ و ﴿ نجعل ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بالياء التحتانية.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: نصر وروح ويزيد.

﴿ ننجي المؤمنين ﴾ من الإنجاء أيضاً: علي وسهل ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالتشديد فيهما.

الوقوف: ﴿ الطيبات ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الفاء ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ الممترين ﴾ ه لا للعطف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لا لتعلق لو بما قبلها ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ يونس ﴾ ط ﴿ حين ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط أي وهو يجعل ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط للفصل بينالاستخبار والإخبار.

﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ من المنتظرين ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على ﴿ آمنوا ﴾ والتقدير ننجي المؤمنين إنجاء كذلك و ﴿ حقا علينا ﴾ اعتراض.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوفاكم ﴾ ج لاحتمال أن يراد وقد أمرت ﴿ المؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ حنيفاً ﴾ ج للعطف مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ولا يضرك ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين ﴿ لفضله ﴾ ط ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للعطف مع النفي ﴿ بوكيل ﴾ ه ط ﴿ يحكم الله ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ﴿ ولقد بوأنا ﴾ أي أسكناهم مسكن صدق أو إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدراً، والعرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ويوجد فيه فيكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً.

والمراد ببني إسرائيل إما اليهود الذين كانوا في زمن موسى  فمبوّأ الصدق الشام ومصر وما يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت ﴿ فما اختلفوا ﴾ في دنيهم وما تشعبوا فيه شعباً وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما اليهود المعاصرون لرسول الله  ، وإلى هذا ذهب جم غفير من المفسرين.

عن ابن عباس:هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطباً وتمراً ليس في غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو القرآن النازل على محمد  فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون.

وبالجملة فالله  يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار التكليف ليست دار القضاء.

ولما بيّن كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ والشك في اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة.

والشاك يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول في الظاهر والمراد أمته كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والدليل عليه قوله بعيد ذلك ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ ولأنه لو كان شاكاً في شأنه لكان غيره بالشك أولى.

ويمكن أن يقال: الخطاب للرسول  حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بوقوع الشرط ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول.

وقد يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين.

وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك قال  عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق.

وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.

وقيل: "إن" نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقيناً.

وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك.

ومن المسؤول منه قال المحققون: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم.

ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم محمد  فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل.

والظاهر أن المقصود من السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد  لقوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ وقيل: السؤال راجع إلى قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .

ثم إنه  لما بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ ثم إن فرق المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين مخاطباً في الظاهر لنبيه قائلاً ﴿ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ﴾ الآية.

والمراد فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين والتصديق ما فيه.

ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء وعباداً ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم ألبتة.

أما الأولون فأشار إليهم بقوله: ﴿ إن الذين حقت ﴾ الآية.

وقد مر مثله في هذه السورة.

وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد.

وقالت الأشاعرة: كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مراراً كثيرة.

وأما الآخرون فذلك قوله: ﴿ فلولا كانت ﴾ أي فهلا حصلت ﴿ قرية ﴾ واحدة ﴿ آمنت ﴾ تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معانية العذاب ﴿ فنفعها إيمانها ﴾ لوقوعه في وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار ﴿ إلا قوم يونس ﴾ هو استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها.

وقيل: إن "لولا" في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.

يروى أن يونس  بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة.

وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.

وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده.

وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم.

وعن الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.

ثم بيّن أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه  ما أراد إيمان الكل.

وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر.

وأجيب بأن الكلام في الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام.

ثم ذكر أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق  وتعالى فقال: ﴿ أفأنت تكره ﴾ فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده.

فحمل المعتزلة هذا الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان.

وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ﴾ أي الكفر والفسق ﴿ على الذين لا يعقلون ﴾ وفسر المعتزلة الإذن بمنح الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس بالنفس المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر.

واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ وما كان لنفس ﴾ على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر.

وإذا كان أصل الشرع - وهو الإيمان بإذن الله - فما ترتب عليه أولى.

أجابت المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف.

ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ أي شيء فيهما من الآيات والعبر.

ثم ذكر أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حكم الله عليه في الأزل بالشقاء فقال: ﴿ وما تغني ﴾ يحتمل أن تكون "ما" نافية أي لا تفيد هذه ﴿ الآيات والنذر ﴾ وهي جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان.

وأن تكون} استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟

ثم قال: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ والمراد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل الكفار المعاصرون للرسول  فقال  ﴿ قل فانتظروا ﴾ وفيه تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ الآية.

قالت المعتزلة: ﴿ حقاً علينا ﴾ المراد به الوجوب والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين.

وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.

ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي.

وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه.

ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: ﴿ وأمرت أن أكون ﴾ أي بأن أكون ﴿ من المؤمنين ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأن أقم وجهك ﴾ ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم.

قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال، ومعنى ﴿ أقم وجهك ﴾ استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً.

و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ﴿ الدين ﴾ أو من الوجه.

قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه.

ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ﴾ أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار.

و "إذا" جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في غير موضعه.

ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: ﴿ وإن يمسسك الله ﴾ الآية.

وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام.

قال الواحدي: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهمابالآخر.

وأقول في تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه  بالذات والشر بالعرض.

ثم ختم السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية والضلال فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ الآية.

وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه كما مر في سورة الأنعام ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه  ﴾ الآية.

وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة، فمن اختار الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على نفسه.

يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه.

ثم أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.

ولبعضهم في الصبر: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر التأويل: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل ﴾ يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون النفس لأنها من البنات لا من البنين ﴿ مبوأ صدق ﴾ منزلاً علياً في العالم النوراني ﴿ وزقناهم من الطيبات ﴾ من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح مستوٍ على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي  : فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردوداً.

وبوجه آخر ﴿ مبوأ صدق ﴾ بين الأصبعين من أصابع الرحمن ﴿ فما اختلفوا ﴾ حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة والشقاء ﴿ فإن كنت في شك ﴾ خلق الإنسان ضعيفاً، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي  من خصوصية ﴿ إنما أنا بشر مثلكم  ﴾ يرتع في هذه الرياض وباختصاص ﴿ يوحي إلي  ﴾ يسقى بكساسات المناولات من تلك الحياض.

فشك عند سكره أنها من شهود التلوين أو من كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن ﴾ بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ممترياً ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل.

﴿ إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ من أنه كل ميسر لما خلق له ﴿ قل فانتظروا ﴾ ظهور ما قدر لكم ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفاً طاهراً عن لوث الالتفات إلى ما سواه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾ .

قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾ : الذي أدين به، أو [إن] كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه.

﴿ فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أي: إذا شككتم في ديني الذي أدعوكم إليه كنتم شاكين في دينكم الذي أنتم عليه، فتركتم ديني الذي أنا عليه بالشك، [ثم تدعونني إلى دينكم الذي أنتم عليه بالشك، يذكر سفههم بتركهم إجابتهم بالشك ودعائهم إياه بالشك إلى دينهم لأن الشك] يوجب الوقف في الأشياء، ولا يوجب الدعاء إليه إنما يوجب الدعاء إليه بطلان غيره لا الشك، هذا - والله أعلم - محتمل وهو يخرج على وجهين أيضاً: أحدهما: على الإضمار، والآخر على المنابذة، والإضمار ما ذكرنا: إن كنتم في شك من ديني الذي أدين به [وأدعوكم إليه فإني لا أشك فيه، هذا وجه الإضمار، ووجه المنابذة: يقول إن كنتم في شك مما أعبد وأدين به] فلا تعبدون ذلك ولا تدينون به، فأنا لا أعبد ما تعبدون ولا أدين ما تدينون؛ وهو كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ﴾ : والتوفي هو [النهاية والغاية] في الإضرار، وما تعبدون من الأصنام دونه لا يملكون توفيكم ولا الإضرار بكم إن لم تعبدوها، يذكر سفههم ويلزمهم الحجة أن الذي يتوفاهم هو المستحق للعبادة لا الأصنام التي تعبدونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : يشبه أن يكون قوله: ﴿ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ من المرسلين؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فعلى ذلك هذا.

ويحتمل الإيمان نفسه على ما نهي أن يكون من المشركين أو الشاكين؛ فعلى ذلك أمر أن يكون من المؤمنين المخلصين له المسلمين أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ أي: أمرت أن أقيم نفسي لله خالصة سالمة لا أشرك فيها غيره ولا أجعل لسواه فيها نصيباً، أو أن يقول: إني أمرت أن أقيم نفسي على ما عليها شهادة خلقتها؛ إذ خلقة كل نفس تشهد على وحدانية الله وألوهيته، أو يقول: أقم وجه أمرك لما تدين به وتقيم عليه.

﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : هذا ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ ﴾ : إن أطعته وأجبته، ﴿ وَلاَ يَضُرُّكَ ﴾ : إن تركت إجابته وطاعته.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل لا تعبد من دون الله ما لا يملك جر المنفعة.

ويحتمل الدعاء نفسه، أي: لا تدعوا من دون الله إلهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : [ذكر هاهنا] الظلم إن فعل ما ذكر والمراد منه الشرك، وذكر في قصة آدم وحواء: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ ، وقد قرباها ولم يكونا مشركين إنما كانا عصاة؛ ليعلم أن ليس في الموافقة في الأسماء موافقة في الحقائق والمعاني إنما يكون الموافقة في الحقائق في موافقة الأسباب؛ لذلك كان ما ذكروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾ : فيه الرجاء والطمع إلى من دونه؛ إذ أخبر أنه لا يوجد ذلك من عند غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ ﴾ : أخبر أنه إن أراد خيراً وفضلا فلا راد لذلك الفضل، والخير، والإيمان من أعظم الخيرات وأفضلها، فإذا [أراده لإنسان] كان لا يملك أحد دفع ما أراد ولا رده؛ دل أنه إذا أراد الإيمان لأحد كان مؤمنا، فهو ينقض على المعتزلة حيث قالوا: إنه أراد الإيمان للخلق كلهم.

لكنهم لم يؤمنوا؛ إذ أخبر أنه إذا أراد به خيراً فلا راد [لذلك الفضل]، وهم يقولون: بل يملك العبد رد ما أراد له ودفعه، وبالله العصمة.

وفيه أن ليس على الله فعل [لهم] - أعني فعل الخير - لأنه سماه فضلا، والفضل هو فعل ما ليس عليه، وهو المفهوم في الناس أن ما عليهم من الفعل لا يسمونه فضلا إنما يسمون الفضل ما ليس عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ : يصيب به من يشاء من الفضل والخير أو من الشر، وفيه دلالة تخصيص بعض على بعض حيث قال: ﴿ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : لا يعجل بالعقوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ : قيل: الحق محمد  وقيل: الحق: القرآن الذي أنزل عليه، وأمكن أن يكون الحق هو الدين الذي كان يدعوهم رسول الله إليه؛ لأنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي  ﴾ فيشبه أن يكون الحق هو الدين الذي شكوا فيه، أي: قد جاءكم ما يزيل عنكم ذلك الشك إن لم تكابروا لما أقام عليهم الحجج والبراهين.

ويحتمل الحق محمداً  على ما ذكره بعض أهل التأويل وكان رسول الله في أول نشوئه إلى آخره آية.

ويحتمل الحق القرآن على ما ذكره بعضهم وهو ما ذكر.

﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ ، سماه بأسماء مختلفة سماه حقّاً وسماه نورا وشفاء ورحمة وهدى ونحوه، وفيه كل ما ذكر من تأمله وتفكر فيه وتمسك به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ أي: من اهتدى فإنما منفعة اهتدائه له في الدنيا والآخرة، ومن ضل فإنما يرجع ضرر ضلالته إليه وخيانته عليه، أي: ما يأمر وينهى ليس يأمر وينهى لمنفعة تحصل له أو لحاجة نفسه إنما يأمر وينهى لمنفعة الخلق ولحاجتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أي: بمسلط.

قال بعض أهل التأويل: هو منسوخ، نسخته آية القتال، لكنه لا يحتمل لأنه وإن كان مأمورا بالقتال فهو ليس بوكيل ولا بمسلط على حفظ أعمالهم، إنما عليه التبليغ؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل القرآن وغيره من الوحي غير القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ﴾ أي: اصبر على أذاهم لأنهم كانوا يؤذونه ويقولون فيه بما لا يليق به، يقول: اصبر على أذاهم ولا تعجل [عليهم] بالعقوبة حتى يحكم الله عليهم بالعقوبة وقت عقوبته وهو خير الحاكمين، أو اصبر على تكذيبهم إياك حتى يحكم الله بينك وبين مكذبيك وهو خير الحاكمين، أو اصبر على تبيلغ الرسالة والقيام لما أمرت به، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تَدْعُ -أيها الرسول- من دون الله من الأوثان والأصنام وغيرها ما لا يملك نفعًا فينفعك، ولا ضرًّا فيضرك، فإن عَبَدتَّها فإنك إذن من الظالمين المعتدين على حق الله وحق أنفسهم.

من فوائد الآيات الإيمان هو السبب في رفعة صاحبه إلى الدرجات العلى والتمتع في الحياة الدنيا.

ليس في مقدور أحد حمل أحد على الإيمان؛ لأن هذا عائد لمشيئة الله وحده.

لا تنفع الآيات والنذر من أصر على الكفر وداوم عليه.

وجوب الاستقامة على الدين الحق، والبعد كل البعد عن الشرك والأديان الباطلة.

<div class="verse-tafsir" id="91.B2R08"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله