الآية ٣ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٣ من سورة يونس

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه ، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام - قيل : كهذه الأيام ، وقيل : كل يوم كألف سنة مما تعدون .

كما سيأتي بيانه [ إن شاء الله تعالى ] ثم استوى على العرش ، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا حجاج بن حمزة ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال : سمعت سعدا الطائي يقول : العرش ياقوتة حمراء .

وقال وهب بن منبه : خلقه الله من نوره .

وهذا غريب .

( يدبر الأمر ) أي : يدبر أمر الخلائق ، ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) [ سبأ : 3 ] ، ولا يشغله شأن عن شأن ، ولا تغلظه المسائل ، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير ، في الجبال والبحار والعمران والقفار ، ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] .

( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [ الأنعام : 59 ] .

وقال الدراوردي ، عن سعد بن إسحاق بن كعب [ بن عجرة ] أنه قال حين نزلت هذه الآية : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) لقيهم ركب عظيم [ لا يرون إلا أنهم ] من العرب ، فقالوا لهم : من أنتم ؟

قالوا .

من الجن ، خرجنا من المدينة ، أخرجتنا هذه الآية .

رواه ابن أبي حاتم .

[ وقوله ] ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) كقوله تعالى : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) [ البقرة : 255 ] وكقوله تعالى : ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) [ النجم : 26 ] وقوله : ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) [ سبأ : 23 ] .

وقوله : ( ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون ) أي : أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ، ( أفلا تذكرون ) أي : أيها المشركون في أمركم ، تعبدون مع الله غيره ، وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق ، كقوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) [ الزخرف : 87 ] ، وقوله : ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ) [ المؤمنون : 86 - 87 ] ، وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (3) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: إن ربكم الذي له عبادة كل شيء، ولا تنبغي العبادة إلا له، هو الذي خلق السماوات السبع والأرضين السبع في ستة أيام، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهيرٍ، ثم استوى على عرشه مدبرًا للأمور ، وقاضيًا في خلقه ما أحبّ، لا يضادُّه في قضائه أحدٌ، ولا يتعقب تدبيره مُتَعَقِّبٌ، ولا يدخل أموره خلل.

(18) ، ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) ، يقول : لا يشفع عنده شافع يوم القيامة في أحد ، إلا من بعد أن يأذن في الشفاعة (19) " ، ( ذلكم الله ربكم ) ، يقول جل جلاله : هذا الذي هذه صفته ، سيِّدكم ومولاكم ، لا من لا يسمع ولا يبصر ولا يدبِّر ولا يقضي من الآلهة والأوثان ، ( فاعبدوه ) ، يقول : فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته ، وأخلصوا له العبادة ، وأفردوا له الألوهية والربوبية ، بالذلة منكم له ، دون أوثانكم وسائر ما تشركون معه في العبادة ، ( أفلا تذكرون) ، يقول : أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الآيات والحجج ، (20) فتنيبون إلى الإذعان بتوحيدِ ربكم وإفراده بالعبادة، وتخلعون الأنداد وتبرؤون منها؟

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17543- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( يدبر الأمر )، قال: يقضيه وحدَه.

17544- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ( يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه )، قال: يقضيه وحده.

17545- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( يدبر الأمر ) قال: يقضيه وحده.

17546-.

.

.

.

قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

17547- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

------------------- الهوامش : (18) انظر تفسير " الاستواء " فيما سلف 1 : 428 - 431 / 12 : 483 ، وتفسير " العرش " فيما سلف 12 : 482 / 14 : 587 .

(19) انظر تفسير " الشفاعة " فيما سلف 12 : 481 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " الإذن " فيما سلف 14 : 112 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(20) انظر تفسير " التذكر " فيما سلف 12 : 493 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرونقوله تعالى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش تقدم في الأعراف .يدبر الأمر قال مجاهد : يقضيه ويقدره وحده .

ابن عباس : لا يشركه في تدبير خلقه أحد .

وقيل : يبعث بالأمر .

وقيل : ينزل به .

وقيل : يأمر به ويمضيه ; والمعنى متقارب .

فجبريل للوحي ، وميكائيل للقطر ، وإسرافيل للصور ، وعزرائيل للقبض .

[ ص: 224 ] وحقيقته تنزيل الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها ، واشتقاقه من الدبر .

والأمر اسم لجنس الأمور .ما من شفيع في موضع رفع ، والمعنى ما شفيعإلا من بعد إذنه وقد تقدم في " البقرة " معنى الشفاعة .

فلا يشفع أحد نبي ولا غيره إلا بإذنه سبحانه ، وهذا رد على الكفار في قولهم فيما عبدوه من دون الله : هؤلاء شفعاؤنا عند الله فأعلمهم الله أن أحدا لا يشفع لأحد إلا بإذنه ، فكيف بشفاعة أصنام لا تعقل .قوله تعالى ذلكم الله ربكم فاعبدوه أي ذلكم الذي فعل هذه الأشياء من خلق السماوات والأرض هو ربكم لا رب لكم غيره .

فاعبدوه أي وحدوه وأخلصوا له العبادة .

أفلا تذكرون أي أنها مخلوقاته فتستدلوا بها عليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى مبينا لربوبيته وإلهيته وعظمته‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السموات وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏}‏ مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية، ولأنه رفيق في أفعاله‏.‏ ومن جملة حكمته فيها، أنه خلقها بالحق وللحق، ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة‏.‏ ‏{‏ثُمَّ‏}‏ بعد خلق السماوات والأرض ‏{‏اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ‏}‏ استواء يليق بعظمته‏.‏ ‏{‏يُدَبِّرُ الْأَمْرَ‏}‏ في العالم العلوي والسفلي من الإماتة والإحياء، وإنزال الأرزاق، ومداولة الأيام بين الناس، وكشف الضر عن المضرورين، وإجابة سؤال السائلين‏.‏ فأنواع التدابير نازلة منه وصاعدة إليه، وجميع الخلق مذعنون لعزه خاضعون لعظمته وسلطانه‏.‏ ‏{‏مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ‏}‏ فلا يقدم أحد منهم على الشفاعة، ولو كان أفضل الخلق، حتى يأذن الله ولا يأذن، إلا لمن ارتضى، ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له‏.‏ ‏{‏ذَلِكُمْ‏}‏ الذي هذا شأنه ‏{‏اللَّهُ رَبُّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ هو الله الذي له وصف الإلهية الجامعة لصفات الكمال، ووصف الربوبية الجامع لصفات الأفعال‏.‏ ‏{‏فَاعْبُدُوهُ‏}‏ أي‏:‏ أفردوه بجميع ما تقدرون عليه من أنواع العبودية، ‏{‏أَفَلَا تَذَكَّرُونَ‏}‏ الأدلة الدالة على أنه وحده المعبود المحمود، ذو الجلال والإكرام‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ) يقضيه وحده ، ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) معناه : أن الشفعاء لا يشفعون إلا بإذنه ، وهذا رد على النضر بن الحارث فإنه كان يقول : إذا كان يوم القيامة تشفعني اللات والعزى .

قوله تعالى : ( ذلكم الله ربكم ) يعني : الذي فعل هذه الأشياء ربكم لا رب لكم غيره ، ( فاعبدوه أفلا تذكرون ) تتعظون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام» من أيام الدنيا، أي في قدرها، لأنه لم يكن ثَم شمس ولا قمر، ولو شاء لخلقهن في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت «ثم استوى على العرش» استواءً يليق به «يدبر الأمر» بين الخلائق «ما من» صلة «شفيع» يشفع لأحد «إلا من بعد إذنه» رد لقولهم إن الأصنام تشفع لهم «ذلكم» الخالق المدبر «الله ربكم فاعبدوه» وحدوه «أفلا تذَّكرون» بإدغام التاء في الأصل في الذال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن ربكم الله الذي أوجد السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى -أي علا وارتفع- على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، يدبر أمور خلقه، لا يضادُّه في قضائه أحد، ولا يشفع عنده شافع يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن له بالشفاعة، فاعبدوا الله ربكم المتصف بهذه الصفات، وأخلصوا له العبادة.

أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الآيات والحجج؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ساق - سبحانه - من مظاهر قدرته ، ما يبطل تعجبهم فقال - تعالى - :( إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات .

.

.

)قال الإِمام الرازي ما ملخصه : " اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة ثم إنه - تعالى - أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد ألبتة فى أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم وينذرهم .

.

كان هذا الجواب إنما يتم بإثبات أمرين :أحدهما : إثبات أن لهذا العالم إلها قاهرا قادرا ، نافذ الحكم بالأمر والنهي .والثاني : إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما .فلا جرم أنه - سبحانه - ذكر فى هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين .أما الأول : وهو إثبات الألوهية فبقوله - تعالى : ( إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض .

.

.

) .وأما الثاني : فهو إثبات المعاد والحشر والنشر بقوله : ( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً .

.

.

) .فثبت أن هذا الترتيب فى غاية الحسن .

ونهاية الكمال .والمعنى : إن ربكم ومالك أمركم - الذى عجبتم من أن يرسل إليكم رسولا منكم هو الذى الذي خلق السموات والأرض فى مقدار ستة أيام أى أوقات .فالمراد من اليوم معناه اللغوي وهو مطلق الوقت .وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن تلك الأيام من أيام الآخرة التى يوم منها كألف سنة مما تعدون .قال الآلوسى : " وقيل هى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام ، لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة فى مثل تلك المدة اليسيرة ، ولأنه تعريف لنا بما نعرفه " .وقال بعض العلماء : " ولا ندخل فى تحديد هذه الأيام الستة ، فهي لم تذكر هنا لنتجه إلى تحديد مداها ونوعها ، وإنما ذكرت لبيان حكمة التدبير والتقدير فى الخلق حسب مقتضيات الغاية من هذا الخلق ، وتهيئته لبلوغ هذه الغاية .وعلى أية حال فالأيام الستة غيب من غيب الله ، الذى لا مصرد لإدراكه إلا هذا المصدر ، فعلينا أن نقف عنده ولا نتعداه ، والمقصود بذكرها هو الإِشارة إلى حكمة التقدير والتدبير والنظام الذى يسير مع الكون من بدئه إلى منتهاه " .وقال سعيد بن جبير : كان الله قادرا على أن يخلق السموات والأرض فى لمحة ولحظة .ولكنه - سبحانه - خلقهن فى ستة أيام ، لكي يعلم عباده التثبت والتأني فى الأمور .وقوله : ( ثُمَّ استوى عَلَى العرش ) معطوف على ما قبله ، لتأكيد مزيد قدرته وعظمته - سبحانه - .والاستواء من معانيه اللغوية الاستقرار ، ومنه قوله - تعالى - ( واستوت عَلَى الجودي ) أي : استقرت ، ومن معانيه - أيضاً - الاستيلاء والقهر والسلطان ، ومنه قول الشاعر :قد استوى بشر على العراق أي : استولى عليه .وعرش الله - كما قال الراغب - مما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم وليس كما تذهب إليه أوهام العامة ، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له - تعالى الله عن ذلك - لا محمولا " .وقد ذكر العرش فى القرآن الكريم فى إحدى وعشرين آية .

وذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات .أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة الله - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عمالا يليق به فيجب الإِيمان بها كام وردت وتفويض العلم بحقيقتها إلى الله - تعالى - .فعن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها قالت فى تفسر قوله - تعالى ( الرحمن عَلَى العرش استوى ) الكيف غير معقول ، والاستواء مجهول ، والإِقرار به من الإِيمان ، والجحود به كفر .وقال الإِمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإِيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .وقال محمد بن الحسن : اتفق الفقهاء جميعا على الإِيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه .وقال الإِمام الرازي : " إن هذا المذهب هو الذى نقول به ونختاره ونعتمد عليه " .وذهب بعض علماء الخلف إلى وجوب صرف هذه الصفة وأمثالها عن الظاهر لاستحالة حملها على ما يفيده ظاهر اللفظ ، لأنه - سبحانه - مخالف للحوادث ، ووجوب حملها على ما يليق به - سبحانه - .وعليه فإن الاستواء هنا : كناية عن القهر والعظمة والغلبة والسلطان وقوله : ( يُدَبِّرُ الأمر ) استنئاف مسوق لتقرير عظمته - سبحانه - ولبيان حكمة استوائه على العرش .والتدبير معناه : النظر فى أدبار الأموار وعواقبها لتقع على الوجه المحمود .والمراد به هنا : ما يتعلق بأمور المخلوقات كلها من إنس وجن وغير ذلك من مخلوقاته التى لا تعد ولا تحصى .أى أنه سبحانه يدبر أمر مخلوقاته تدبيرا حكيما ، حسبما تقتضيه إرادته وعبر بالمضارع فى قوله : ( يدبر ) للإِشارة إلى تجدد التدبير واستمراره ، إذ أنه - سبحانه - لا يهمل شئون خلقه .وقوله : ( مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) استئناف آخر مسوق لبيان تفرده فى تدبيره وأحكامه .والشفيع مأخوذ من الشفيع وهو ضم الشيء إلى مثله ، وأكثر ما يستعمل فى انضمام من هو أعلى منزلة إلى من هو أدنى منه لإِعانته على ما يريده .والاستثناء هنا مفرغ من أعم الأوقات والأحوال .

أي : ما من شفيع يستطيع أن يشفع لغيره فى جميع الأوقات والأحوال إلا بعد إذنه - سبحانه - .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) وقوله - سبحانه - : ( وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فى السماوات لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى ) واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - ( ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه ) يعود إلى ذات الله - تعالى - الموصوفة بتلك الصفات الجليلة .أى : ذلك الموصوف بالخلق والتدبير والتصرف فى شئون خلقه وفق مشيئته ، هو الله ربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة ولا تشركوا معه أحدا فى ذلك .ثم ختم - سبحانه - الآية بالأمر بالتذكر فقال : ( أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) أي : أتعلمون أن الله - تعالى - هو خالقكم وهو القادر على كل شيء ، ومع ذلك تستبعدون أن يكون الرسول نبيكم - صلى الله عليه وسلم - : وإيثار ( تَذَكَّرُونَ ) على تفكرون للإِيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم الذى لا يفتقر إلى عمق فى التفكير والبحث والتأمل .

إذ أن مظاهر قدرة الله وعظمته نراها واضحة جلية فى الأنفس والآفاق .وبذلك نرى الآية الكريمة قد ساقت ألوانا من مظاهر قدرة الله - تعالى - وبالغ حكمته ، ونفاذ أحكامه حتى يخلص له الناس العبادة والطاعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة، ثم إنه تعالى أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد ألبتة في أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولاً يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب، وعلى الأعمال الباطلة الفاسدة بالعقاب، كان هذا الجواب إنما يتم ويكمل بإثبات أمرين: أحدهما: إثبات أن لهذا العالم إلهاً قاهراً قادراً نافذاً الحكم بالأمر والنهي والتكليف.

والثاني: إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما، فلا جرم أنه سبحانه ذكر في هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين.

أما الأول: وهو إثبات الإلهية، فبقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ .

وأما الثاني: وهو إثبات المعاد والحشر والنشر.

فبقوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّا  ﴾ فثبت أن هذا الترتيب في غاية الحسن، ونهاية الكمال.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في هذا الكتاب، وفي الكتب العقلية أن الدليل الدال على وجود الصانع تعالى، إما الامكان وإما الحدوث وكلاهما إما في الذوات وإما في الصفات، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجود الصانع أربعة، وهي إمكان الذوات، وإمكان الصفات، وحدوث الذوات، وحدوث الصفات.

وهذه الأربعة معتبرة تارة في العالم العلوي وهو عالم السموات والكواكب، وتارة في العالم السفلي، والأغلب من الدلائل المذكورة في الكتب الإلهية التمسك بإمكان الصفات وحدوثها تارة في أحوال العالم العلوي، وتارة في أحوال العالم السفلي، والمذكور في هذا الموضع هو التمسك بإمكان الأجرام العلوية في مقاديرها وصفاتها، وتقريره من وجوه: الأول: أن أجرام الأفلاك لا شك أنها مركبة من الأجزاء التي لا تتجزى، ومتى كان الأمر كذلك كانت لا محالة محتاجة إلى الخالق والمقدر.

أما بيان المقام الأول: فهو أن أجرام الأفلاك لا شك أنها قابلة للقسمة الوهمية، وقد دللنا في الكتب العقلية على أن كل ما كان قابلاً للقسمة الوهمية، فإنه يكون مركباً من الأجزاء والأبعاض.

ودللنا على أن الذي تقوله الفلاسفة من أن الجسم قابل للقسمة، ولكنه يكون في نفسه شيئاً واحداً كلام فاسد باطل.

فثبت بما ذكرنا أن أجرام الأفلاك مركبة من الأجزاء التي لا تتجزى، وإذا ثبت هذا وجب افتقارها إلى خالق ومقدر، وذلك لأنها لما تركبت فقد وقع بعض تلك الأجزاء في داخل ذلك الجرم، وبعضها حصلت على سطحها، وتلك الأجزاء متساوية في الطبع والماهية والحقيقة، والفلاسفة أقروا لنا بصحة هذه المقدمة حيث قالوا إنها بسائط، ويمتنع كونها مركبة من أجزاء مختلفة الطبائع.

وإذا ثبت هذا فنقول: حصول بعضها في الداخل، وحصول بعضها في الخارج، أمر ممكن الحصول جائز الثبوت، يجوز أن ينقلب الظاهر باطناً، والباطن ظاهراً.

وإذا كان الأمر كذلك وجب افتقار هذه الأجزاء حال تركيبها إلى مدبر وقاهر، يخصص بعضها بالداخل وبعضها بالخارج فدل هذا على أن الأفلاك مفتقرة في تركيبها وأشكالها وصفاتها إلى مدبر قدير عليم حكيم.

الوجه الثاني: في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله القادر أن نقول: حركات هذه الأفلاك لها بداية، ومتى كان الأمر كذلك افتقرت هذه الأفلاك في حركاتها إلى محرك ومدبر قاهر.

أما المقام الأول: فالدليل على صحته أن الحركة عبارة عن التغير من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها، والأزل ينافي المسبوقية بالغير، فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالاً، فثبت أن لحركات الأفلاك أولاً، وإذا ثبت هذا وجب أن يقال: هذه الأجرام الفلكية كانت معدومة في الأزل وإن كانت موجودة، لكنها كانت واقفة وساكنة.

وما كانت متحركة، وعلى التقديرين: فلحركاتها أول وبداية.

وأما المقام الثاني: وهو أنه لما كان الأمر كذلك وجب افتقارها إلى مدبر قاهر، فالدليل عليه أن ابتداء هذه الأجرام بالحركة ذلك الوقت المعين دون ما قبله ودون ما بعده، لابد وأن يكون لتخصيص مخصص، وترجيح مرجح.

وذلك المرجح يمتنع أن يكون موجباً بالذات، وإلا لحصلت تلك الحركة قبل ذلك الوقت لأجل أن موجب تلك الحركة كان حاصلاً قبل ذلك الوقت، ولما بطل هذا، ثبت أن ذلك المرجح قادر مختار وهو المطلوب.

الوجه الثالث: في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله المختار، وهو أن أجزاء الفلك حاصلة فيه لا في الفلك الآخر، وأجزاء الفلك الآخر حاصلة فيه لا في الفلك الأول.

فاختصاص كل واحد منها بتلك الأجزاء أمر ممكن، ولا بد له من مرجح، ويعود التقرير الأول فيه.

فهذا تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أن كلمة ﴿ الذى ﴾ كلمة وضعت للإشارة إلى شيء مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة، كما إذا قيل لك من زيد؟

فتقول: الذي أبوه منطلق، فهذا التعريف إنما يحسن لو كان كون أبيه منطلقاً، أمراً معلوماً عند السامع، فهنا لما قال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ فهذا إنما يحسن لو كان كونه سبحانه وتعالى خالقاً للسموات والأرض في ستة أيام، أمراً معلوماً عند السامع، والعرب ما كانوا عالمين بذلك، فكيف يحسن هذا التعريف؟

وجوابه أن يقال: هذا الكلام مشهور عند اليهود والنصارى، لأنه مذكور في أول ما يزعمون أنه هو التوراة.

ولما كان ذلك مشهوراً عندهم والعرب كانوا يخالطونهم، فالظاهر أنهم أيضاً سمعوه منهم، فلهذا السبب حسن هذا التعريف.

السؤال الثاني: ما الفائدة في بيان الأيام التي خلقها الله فيها؟

والجواب: أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر.

والدليل عليه أن العالم مركب من الأجزاء التي لا تتجزى، والجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إيجاده إلا دفعة، لأنا لو فرضنا أن إيجاده إنما يحصل في زمان، فذلك الزمان منقسم لا محالة من آنات متعاقبة، فهل حصل شيء من ذلك الإيجاد في الآن الأول أو لم يحصل، فإن لم يحصل منه شيء في الآن الأول فهو خارج عن مدة الإيجاد، وإن حصل في ذلك الآن إيجاد شيء وحصل في الآن الثاني إيجاد شيء آخر، فهما إن كانا جزأين من ذلك الجزء الذي لا يتجزى، فحينئذ يكون الجزء الذي لا يتجزى متجزئاً.

وهو محال.

وإن كان شيئاً آخر، فحينئذ يكون إيجاد الجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إلا في آن واحد دفعة واحدة، وكذا القول في إيجاد جميع الأجزاء.

فثبت أنه تعالى قادر على إيجاد جميع العالم دفعة واحدة، ولا شك أيضاً أنه تعالى قادر على إيجاده وتكوينه على التدريج.

وإذا ثبت هذا فنقول هاهنا مذهبان: الأول: قول أصحابنا وهو أنه يحسن منه كلما أراد، ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح، وعلى هذا القول يسقط قول من يقول: لم خلق العالم في ستة أيام وما خلقه في لحظة واحدة؟

لأنا نقول كل شيء صنعه ولا علة لصنعه فلا يعلل شيء من أحكامه ولا شيء من أفعاله بعلة، فسقط هذا السؤال.

الثاني: قول المعتزلة وهو أنهم يقولون يجب أن تكون أفعاله تعالى مشتملة على المصلحة والحكمة.

فعند هذا قال القاضي: لا يبعد أن يكون خلق الله تعالى السموات والأرض في هذه المدة المخصوصة، أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين.

ثم قال القاضي: فإن قيل: فمن المعتبر وما وجه الاعتبار؟

ثم أجاب وقال: أما المعتبر فهو أنه لابد من مكلف أو غير مكلف من الحيوان خلقه الله تعالى قبل خلقه للسموات والأرضين، أو معهما، وإلا لكان خلقهما عبثاً.

فإن قيل: فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد؟!

قلنا: إنه تعالى لا يخاف الفوت، فلا يجوز أن يقدم خلق ما لا ينتفع به أحد، لأجل حيوان سيحدث بعد ذلك، وإنما يصح منا ذلك في مقدمات الأمور لأنا نخشى الفوت، ونخاف العجز والقصور.

قال: وإذا ثبت هذا فقد صح ما روي في الخبر أن خلق الملائكة كان سابقاً على خلق السموات والأرض.

فإن قيل: أولئك الملائكة لابد لهم من مكان، فقبل خلق السموات والأرض لا مكان، فكيف يمكن وجودهم بلا مكان؟

قلنا: الذي يقدر على تسكين العرش والسموات والأرض في أمكنتها كيف يعجز عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته؟

وأما وجه الاعتبار في ذلك فهو أنه لما حصل هناك معتبر، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما يشاهده حالاً بعد حال أقوى.

والدليل عليه: أن ما يحدث على هذا الوجه، فإنه يدل على أنه صادر من فاعل حكيم.

وأما المخلوق دفعة واحدة فإنه لا يدل على ذلك.

والسؤال الثالث: فهل هذه الأيام كأيام الدنيا أو كما روي عن ابن عباس أنه قال: إنها ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون؟

والجواب: قال القاضي: الظاهر في ذلك أنه تعريف لعباده مدة خلقه لهما، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفاً، إلا والمدة هذه الأيام المعلومة.

ولقائل أن يقول: لما وقع التعريف بالأيام المذكورة في التوراة والإنجيل، وكان المذكور هناك أيام الآخرة لا أيام الدنيا، لم يكن ذلك قادحاً في صحة التعريف.

السؤال الرابع: هذه الأيام إنما تتقدر بحسب طلوع الشمس وغروبها، وهذا المعنى مفقود قبل خلقها، فكيف يعقل هذا التعريف؟

والجواب التعريف يحصل بما أنه لو وقع حدوث السموات والأرض في مدة، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمس وقمر، لكانت تلك المدة مساوية لستة أيام: ولقائل أن يقول: فهذا يقتضي حصول مدة قبل خلق العالم، يحصل فيها حدوث العالم، وذلك يوجب قدم المدة.

وجوابه: أن تلك المدة غير موجودة بل هي مفروضة موهومة، والدليل عليه أن تلك المدة المعينة حادثة، وحدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى، وإلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محال، فكل ما يقولون في حدوث المدة فنحن نقوله في حدوث العالم.

السؤال الخامس: أن اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته، وقد يراد به النهار وحده.

فالمراد بهذه الآية أيهما.

والجواب: الغالب في اللغة أنه يراد باليوم.

اليوم بليلته.

المسألة الثانية: أما قوله: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ ففيه مباحث: الأول: أن هذا يوهم كونه تعالى مستقراً على العرش والكلام المستقصى فيه مذكور في أول سورة طه، ولكنا نكتفي هاهنا بعبارة وجيزة.

فنقول: هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الاستواء على العرش معناه كونه معتمداً عليه مستقراً عليه، بحيث لولا العرش لسقط ونزل، كما أنا إذا قلنا إن فلاناً مستو على سريره.

فإنه يفهم منه هذا هذا المعنى.

إلا أن إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجاً إلى العرش، وإنه لولا العرش لسقط ونزل، وذلك محال، لأن المسلمين أطبقوا على أن الله تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له، ولا يقول أحد أن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له.

والثاني: أن قوله: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستوياً عليه، وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال، وكل من كان متغيراً كان محدثاً، وذلك بالاتفاق باطل.

الثالث: أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطرباً متحركاً، وكل ذلك من صفات المحدثات.

الرابع: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض لأن كلمة (ثُمَّ) تقتضي التراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنياً عن العرش، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة.

فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنياً عن العرش، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقراً على العرش.

فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله تعالى.

المسألة الثالثة: اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسماً عظيماً هو العرش.

إذا ثبت هذا فنقول: العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره؟

فيه قولان: القول الأول: وهو الذي اختاره أبو مسلم الإصفهاني، أنه ليس المراد منه ذلك، بل المراد من قوله: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ أنه لما خلق السموات والأرض سطحها ورفع سمكها، فإن كل بناء فإنه يسمى عرشاً، وبانيه يسمى عارشاً، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ  ﴾ أي يبنون، وقال في صفة القرية ﴿ فَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا  ﴾ والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها، وقال: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء  ﴾ أي بناؤه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة، فالباني يبني البناء متباعداً عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ينهدم، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته، والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَٰمِ مَا تَرْكَبُونَ  لِتَسْتَوُۥا عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ  ﴾ قال أبو مسلم: فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه.

فنقول: وجب حمل اللفظ عليه، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد، والعرش الذي في السماء ليس كذلك، وأما أجرام السموات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزاً صواباً حسناً.

ثم قال: ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ إشارة إلى تخليق ذواتها، وقوله: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ يكون إشارة إلى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَىٰهَا  رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا  ﴾ فذكر أولاً أنه بناها، ثم ذكر ثانياً أنه رفع سمكها فسواها.

وكذلك هاهنا.

ذكر بقوله: ﴿ خَلَقَ * السموات والأرض ﴾ أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها.

والقول الثاني: وهو القول المشهور لجمهور المفسرين: أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية: الجسم العظيم الذي في السماء، وهؤلاء قالوا إن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السموات والأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء  ﴾ وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السموات والأرضين.

بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر.

وهو أن يكون المراد: ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش.

والقول الثالث: أن المراد من العرش الملك، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه فقوله: ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش ﴾ المراد أنه تعالى لما خلق السموات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات.

والحاصل أن العرش عبارة عن الملك، وملك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السموات والأرض، لا جرم صح إدخال حرف ﴿ ثُمَّ ﴾ الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش والله أعلم بمراده.

المسألة الرابعة: أما قوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر ﴾ معناه أنه يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله، الناظر في أدبار الأمور وعواقبها، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.

والمراد من ﴿ الأمر ﴾ الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض.

فإن قيل: ما موقع هذه الجملة؟

قلنا: قد دل بكونه خالقاً للسموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستوياً على العرش، على نهاية العظمة وغاية الجلالة.

ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولاحادث من الحوادث، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه، فيصير ذلك دليلاً على نهاية القدرة والحكمة والعلم والإحاطة التدبير، وأنه سبحانه مبدع جميع الممكنات، وإليه تنتهي الحاجات.

وأما قوله تعالى: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ ففيه قولان: القول الأول: وهو المشهور أن المراد منه أن تدبيره للأشياء وصنعه لها، لا يكون بشفاعة شفيع وتدبير مدبر.

ولا يستجرئ أحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه، لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب، فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.

فإن قيل: كيف يليق ذكر الشفيع بصفة مبدئية الخلق، وإنما يليق ذكره بأحوال القيامة؟

والجواب من وجوه: الوجه الأول: ما ذكره الزجاج: وهو أن الكفار الذين كانوا مخاطبين بهذه الآية كانوا يقولون: إن الأصنام شفعاؤنا عند الله، فالمراد منه الرد عليهم في هذا القول وهو كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن  ﴾ .

والوجه الثاني: وهو يمكن أن يقال إنه تعالى لما بين كونه إلهاً للعالم مستقلاً بالتصرف فيه من غير شريك ولا منازع، بين أمر المبدأ بقوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر ﴾ وبين حال المعاد بقوله: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ .

والوجه الثالث: يمكن أيضاً أن يقال إنه تعالى وضع تدبير الأمور في أول خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من رعاية المصالح، مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في طلب تحصيل المصالح، فدل هذا على أن إله العالم ناظر لعباده محسن إليهم مريد للخير والرأفة بهم، ولا حاجة في كونه سبحانه كذلك إلى حضور شفيع يشفع فيه.

والقول الثاني: في تفسير هذا الشفيع ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، فقال: الشفيع هاهنا هو الثاني، وهو مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر، كما يقال الزوج والفرد، فمعنى الآية خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه، ثم خلق الملائكة والجن والبشر، وهو المراد من قوله: ﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ أي لم يحدث أحد ولم يدخل في الوجود، إلا من بعد أن قال له: كن، حتى كان وحصل.

واعلم أنه تعالى لما بين هذه الدلائل وشرح هذه الأحوال، ختمها بعد ذلك بقوله: ﴿ ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه ﴾ مبيناً بذلك أن العبادة لا تصلح إلا له، ومنبهاً على أنه سبحانه هو المستحق لجميع العبادات لأجل أنه هو المنعم بجميع النعم التي ذكرها ووصفها.

ثم قال بعده: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ دالاً بذلك على وجوب التفكر في تلك الدلائل القاهرة الباهرة، وذلك يدل على أن التفكر في مخلوقات الله تعالى والاستدلال بها على جلالته وعزته وعظمته، أعلى المراتب وأكمل الدرجات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُدَبِّرُ ﴾ يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعل المتحري للصواب الناظر في أدبار الأمور وعواقبها، لئلا يلقاه ما يكره آخراً.

و ﴿ الامر ﴾ أمر الخلق كله وأمر ملكوت السموات والأرض والعرش.

فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟

قلت: قد دلّ بالجملة قبلها على عظمة شأنه وملكه بخلق السموات والأرض، مع بسطتها واتساعها في وقت يسير، وبالاستواء على العرش، وأتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره، وكذلك قوله: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ دليل على العزة والكبرياء، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن ﴾ [النبأ: 38] و ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة، أي ذلك العظيم الموصوف بما وصف به هو ربكم، وهو الذي يستحق منكم العبادة ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان، فضلاً عن جماد لا يضرّ ولا ينفع ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ فإن أدنى التفكر والنظر ينبهكم على الخطأ فيما أنتم عليه ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ أي لا ترجعون في العاقبة إلاّ إليه فاستعدوا للقائه ﴿ وَعَدَ الله ﴾ مصدر مؤكد لقوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ و ﴿ حَقًّا ﴾ مصدر مؤكد لقوله: ﴿ وَعَدَ الله ﴾ .

﴿ إنَّهُ يبدؤ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه، وهو أنّ الغرض ومقتضى الحكمة بابتداء الخلق وإعادته هو جزاء المكلفين على أعمالهم.

وقرئ: ﴿ أنه يبدؤ الخلق ﴾ بمعنى لأنه.

أو هو منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله: أي وعد الله وعداً بدأ الخلق ثم إعادته.

والمعنى: إعادة الخلق بعد بدئه.

وقرئ: ﴿ وعد الله ﴾ ، على لفظ الفعل.

ويبدئ، من أبدأ.

ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً، أي حقّ حقاً بدأ الحلق، كقوله: أَحَقّاً عِبَادَ اللَّهِ أَنّ لَسْتُ جَائِيا ** وَلاَ ذَاهِباً إلاّ عَلَيَّ رَقِيبُ وقرئ: ﴿ حق أنه يبدؤ الخلق ﴾ كقولك: حق أنّ زيداً منطلق ﴿ بالقسط ﴾ بالعدل، وهو متعلق بيجزى.

والمعنى: ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم.

أو بقسطهم وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا حين آمنوا وعملوا صالحاً، لأنّ الشرك ظلم.

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] والعصاة: ظلاّم أنفسهم، وهذا أوجه، لمقابلة قوله: ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ الَّتِي هي أُصُولُ المُمْكِناتِ.

﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ يُقَدِّرُ أمْرَ الكائِناتِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وسَبَقَتْ بِهِ كَلِمَتُهُ ويُهَيِّئُ بِتَحْرِيكِهِ أسْبابَها ويَنْزِلُها مِنهُ، والتَّدْبِيرُ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ لِتَجِيءَ مَحْمُودَةَ العاقِبَةِ.

﴿ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِهِ وعِزِّ جَلالِهِ، ورَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وفِيهِ إثْباتُ الشَّفاعَةِ لِمَن أُذِنَ لَهُ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ ﴾ أيِ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ.

﴿ رَبَّكُمُ ﴾ لا غَيْرَ إذْ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ وحِّدُوهُ بِالعِبادَةِ.

﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ تَتَفَكَّرُونَ أدْنى تَفَكُّرٍ فَيُنَبِّهُكم عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلرُّبُوبِيَّةِ والعِبادَةِ لا ما تَعْبُدُونَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أي استولى فقد يقدس الديان عن المكان والمعبود عن الحدود {يُدَبّرُ} يقضي ويقدر على مقتضى الحكمة {الأمر} أي أمر الخلق كله وأمر ملكوت السموات والأرض والعرش ولما ذكر ما يدل على عظمته وملكه من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش أتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة وأنه لا يخرج أمر من الأمور عن قضائه وتقديره وكذلك قوله {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} دليل على عزته وكبريائه {ذلكم} العظيم الموصوف بما وصف به {الله رَبُّكُمُ} وهو الذي يستحق العبادة {فاعبدوه} وجدوه ولا تشركوا به بعض خلقه من إنسان أو ملك فضلاً عن جماد لا يضر ولا ينفع {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أفلا تتدبرون فتستدلون بوجود المصالح والمنافع على وجود المصلح النافع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ رَبَّكُمُ ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِإظْهارِ بُطْلانِ تَعَجُّبِهِمُ المَذْكُورِ وما تَبِعَهُ مِن تِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ غَبَّ الإشارَةِ إلَيْهِ بِالإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وحَقَّقَ فِيهِ حَقِّيَّةَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ وصِحَّةُ ما أنْكَرُوهُ بِالتَّنْبِيهِ الإجْمالِيِّ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن شُئُونِ الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ وأحْوالِ التَّكْوِينِ والتَّدْبِيرِ ويُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها بِأدْنى تَذْكِيرٍ لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ غَيْرُ ما آيَةٍ في الكِتابِ الكَرِيمِ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى ما هو الظّاهِرُ أيْ أنَّ رَبَّكم ومالِكَ أمْرِكِمُ الَّذِي تَعْجَبُونَ مِن أنْ يُرْسِلَ إلَيْكم رَجُلًا مِنكم بِالإنْذارِ والتَّبْشِيرِ وتَعُدُّونَ ما أوْحى إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ سِحْرًا هو ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ أيْ أوْقاتٍ فالمُرادُ مِنَ اليَوْمِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وهو مُطْلَقُ الوَقْتِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ تِلْكَ الأيّامَ مِن أيّامِ الآخِرَةِ الَّتِي يَوْمٌ مِنها كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ وقِيلَ: هي مِقْدارُ سِتَّةِ أيّامٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ بِخَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ في مِثْلِ تِلْكَ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ ولِأنَّهُ تَعْرِيفٌ لَنا بِما نَعْرِفُهُ ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِاليَوْمِ اليَوْمُ المَعْرُوفُ لِأنَّهُ كَما قِيلَ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأرْضِ وهو مِمّا لا يُتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ حِينَ لا أرْضَ ولا سَماءَ واليَوْمَ بِهَذا المَعْنى يُسَمّى النَّهارَ المُفْرَدَ ويُطْلَقُ اليَوْمُ أيْضًا عَلى مَجْمُوعِ ذَلِكَ النَّهارِ ولَيْلَتِهِ ومِقْدارُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ مُمْكِنُ الإرادَةِ هُنا أيْضًا وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأكابِرِ بِأنَّ المُرادَ بِالسَّماواتِ ما عَدا المُحَدَّدَ وأنَّ اليَوْمَ هُنا عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةِ دَوْرَةٍ تامَّةٍ لَهُ ولا يَخْفى أنَّ اليَوْمَ اللُّغَوِيَّ يَتَناوَلُ هَذا أيْضًا إلّا أنَّ إرادَتَهُ كَإرادَةِ مِقْدارِ مَجْمُوعِ النَّهارِ ولَيْلَتِهِ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ ولَيْسَ ذَلِكَ أمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ النَّقْلِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِهِ يَدُورُ عَلى كَوْنِ المُحَدَّدِ مُتَحَرِّكًا بِالحَرَكَةِ الوَضْعِيَّةِ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى النَّقْلِ أيْضًا وكَذا يَدُورُ عَلى كَوْنِ المُحَدَّدِ خارِجًا عَنِ السَّماواتِ المَخْلُوقَةِ في الأيّامِ السِّتِّ لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ إذِ الآياتُ والأخْبارُ شاهِدَةٌ بِالخُرُوجِ كَما لا يَخْفى وفي خَلْقِها مُدْرَجًا مَعَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إبْداعِها في طَرْفَةِ عَيْنٍ اعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ وحَثٌّ لَهم عَلى التَّأنِّي في الأحْوالِ والأطْوارِ وفِيهِ أيْضًا عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِيارِ وأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ما يَسْتَدْعِيهِ عَلّامُ الغُيُوبِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ودَقَّتْ حِكْمَتُهُ وقِيلَ إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلٍّ مِن خَلْقِ مَوادِّ السَّماواتِ وصُوَرِها ورَبْطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وخَلْقِ مادَّةِ الأرْضِ وصُورَتِها ورَبْطِ إحْداهُما بِالأُخْرى وقْتًا فَلِذا صارَتِ الأوْقاتُ سِتًّا وفِيهِ تَأمُّلٌ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الدُّخانِ تَحْقِيقُ هَذا المَطْلَبِ عَلى وجْهٍ يَنْكَشِفُ بِهِ الغُبارُ عَنْ بَصائِرِ النّاظِرِينَ وإيثارُ جَمْعِ السَّماواتِ لِما هو المَشْهُورُ مِنَ الإيذانِ بِأنَّها أجْرامٌ مُخْتَلِفَةُ الطِّباعِ مُتَبايِنَةُ الآثارِ والأحْكامِ وتَقْدِيمُها عَلى الأرْضِ إمّا لِأنَّها أعْظَمُ مِنها خَلْقًا أوْ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى الفاعِلِ والأرْضَ جارِيَةٌ مَجْرى القابِلِ عَلى ما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلَيْها في آيَةِ طه لِكَوْنِها أقْرَبَ إلى الحِسِّ وأظْهَرَ عِنْدَهُ وسَيَأْتِي أيْضًا تَحْقِيقُهُ هُناكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ وكَفُّ الكَيْفِ مَشْلُولَةٌ وقِيلَ: الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ مَجازٌ عَنِ المُلْكِ والسُّلْطانِ مُتَفَرِّعٌ عَنِ الكِنايَةِ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ القُعُودُ عَلى السَّرِيرِ يُقالُ: اسْتَوى فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ ويُرادُ مِنهُ مُلْكٌ وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ أصْلًا وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِواءَ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ وأرْجَعُوهُ إلى صِفَةِ القُدْرَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِنَ التَّشابُهِ ولِلنّاسِ فِيهِ مَذاهِبُ وما أشَرْنا إلَيْهِ هو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ سَلَفِ الأُمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وقَدْ صَرَّحَ بَعْضٌ أنَّ الِاسْتِواءَ صِفَةٌ غَيْرُ الثَّمانِيَةِ لا يَعْلَمُ ما هي إلّا مَن هي لَهُ والعَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإدْراكِ إدْراكٌ واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ الخَلَفِ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المُلْكُ والسُّلْطانُ وذَكَرَهُ لِبَيانِ جَلالَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ بَيانِ عَظَمَةِ شَأْنِهِ وسِعَةِ قُدْرَتِهِ بِما مَرَّ مِن خَلْقِ هاتِيكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حِكْمَةِ اسْتِوائِهِ جَلَّ وعَلا عَلى العَرْشِ وتَقْرِيرِ عَظَمَتِهِ والتَّدْبِيرُ في اللُّغَةِ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِتَقَعَ عَلى الوَجْهِ المَحْمُودِ والمُرادُ بِهِ هُنا التَّقْدِيرُ الجارِي عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والوَجْهِ الأتَمِّ الأكْمَلِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى يَقْضِي الأمْرَ والمُرادُ بِالأمْرِ أمْرُ الكائِناتِ عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها حَتّى العَرْشُ فَألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ أيْ يُقَدِّرُ أمْرَ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى الوَجْهِ الفائِقِ والنَّمَطِ اللّائِقِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ وتَسْتَدْعِيهِ الحِكْمَةُ ويَدْخُلُ فِيما ذُكِرَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ دُخُولًا ظاهِرًا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى يُدَبِّرُ ذَلِكَ عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ ويُهَيِّئُ أسْبابَهُ بِسَبَبِ تَحْرِيكِ العَرْشِ وهو فَلَكُ الأفْلاكِ عِنْدَهم وبِحَرَكَتِهِ يُحَرَّكُ غَيْرُهُ مِنَ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ وغَيْرِها لِقُوَّةِ نَفْسِهِ وقِيلَ: لِأنَّ الكُلَّ في جَوْفِهِ فَيَلْزَمُ مِن حَرَكَتِهِ حَرَكَتُهُ لُزُومُ حَرَكَةِ المَظْرُوفِ لِحَرَكَةِ الظَّرْفِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الظَّرْفَ مَكانٌ طَبِيعِيٌّ لِلْمَظْرُوفِ وإلّا فَفِيهِ نَظَرٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا الزَّعْمِ عَلى ما فِيهِ مِمّا لا يَقْبَلُهُ المُحْدَثُونَ وسَلَفُ الأُمَّةِ إذْ لا يَشْهَدُ لَهُ الكِتابُ ولا السُّنَّةُ وحِينَئِذٍ فَلا يُفْتى بِهِ وإنْ حَكَمَ القاضِي، وجُوِّزَ في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبَ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ اسْتَوى ﴾ وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ وعَلى كُلِّ حالٍ فَإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّدْبِيرِ واسْتِمْرارِهِ مِنهُ تَعالى وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ بَيانٌ لِاسْتِبْدادِهِ تَعالى في التَّدْبِيرِ والتَّقْدِيرِ ونَفْيٍ لِلشَّفاعَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِ الشَّفِيعِ بِمِنِ الِاسْتِغْراقِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الشَّفاعَةِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: التَّقْدِيرُ ما مِن شَفاعَةٍ لِشَفِيعٍ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ تَقْرِيرٍ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أيْ ما مِن شَفِيعٍ يَشْفَعُ لِأحَدٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا بَعْدَ إذْنِهِ تَعالى المَبْنِيِّ عَلى الحِكْمَةِ الباهِرَةِ وذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِ الشَّفِيعِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ والمَشْفُوعِ لَهُ مِمَّنْ يَلِيقُ بِالشَّفاعَةِ وذَهَبَ القاضِي إلى أنَّ فِيهِ رَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ تامٍّ لِأنَّهم لَمّا ادَّعَوْا شَفاعَتَها فَقَدْ يَدَّعُونَ الإذْنَ لَها فَكَيْفَ يَتِمُّ هَذا الرَّدُّ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّهم لا يُؤْذَنُ لَهم وما قِيلَ: إنَّها دَعْوى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ واحْتِمالُها غَيْرُ مُجْدٍ لا فائِدَةَ فِيهِ إلّا أنْ يُقالَ: مُرادُهُ أنَّ الأصْنامَ لا تُدْرِكُ ولا تَنْطِقُ فَكَوْنُها لَيْسَ مِن شَأْنِها أنْ يُؤْذَنَ لَها بَدِيهِيٌّ وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والمُبالَغَةِ في التَّذْكِيرِ ولِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ والإشارَةُ إلى الذّاتِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ لِاسْتِحْقاقِ ما أُخْبِرَ بِهِ عَنْهُ وهو اللَّهُ ورَبُّكم فَإنَّهُما خَبَرانِ لِذَلِكم وحَيْثُ كانَ وجْهُ ثُبُوتِ ذَلِكَ لَهُ ما ذُكِرَ مِمّا لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ اقْتَضى انْحِصارَهُ فِيهِ وأفادَ أنْ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ نَعْتًا لِاسْمِ الإشارَةِ و(رَبُّكُمْ) خَبَرُهُ وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ و(رَبُّكُمْ) بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ ولا يَخْلُو الكَلامُ مِن إفادَةِ الِانْحِصارِ وإذا فُرِّعَ الأمْرُ المَذْكُورُ عَلى ذَلِكَ أفادَ الأمْرَ بِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ أيْ فاعْبُدُوهُ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ أنْ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِن مَلَكٍ أوْ نَبِيٍّ فَضْلًا عَنْ جَمادٍ لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولَيْسَ الدّاعِي لِهَذا الحَمْلِ أنَّ أصْلَ العِبادَةِ ثابِتٌ لَهم فَيُحْمَلُ الأمْرُ بِها عَلى ذَلِكَ لِيُفِيدَ لِما قِيلَ: مِن أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ ولا عِبادَةَ مَعَ الشِّرْكِ (أفَلا يَتَذَكَّرُونَ ) أيْ أتَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ كَما فُصِّلَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ذَلِكَ حَتّى تَقِفُوا عَلى فَسادِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَتَرْتَدِعُوا عَنْهُ وتَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ وإيثارُ (تَذَكَّرُونَ) عَلى تَفَكَّرُونَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ الأمْرِ وأنَّهُ كالمَعْلُومِ الَّذِي لا يَفْتَقِرُ إلى فِكْرٍ تامٍّ ونَظَرٍ كامِلٍ بَلْ إلى مُجَرَّدِ التِفاتِ وإخْطارٍ بِالبالِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وقد ذكرناه.

ثم قال: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، يعني: يقضي القضاء وينظر في تدبير الخلق.

وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن ابن سابط قال: مدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل.

أما جبريل، فعلى الرياح والوحي والجنود.

وأما ميكائيل، فعلى النبات والمطر.

وأما ملك الموت، فعلى الأنفس.

وأما إسرافيل، فينزل إليهم بما يؤمرون.

مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ، لأن الكفار كانوا يعبدون الأصنام ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله، وبعضهم كانوا يعبدون الملائكة، فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة لأحد إلاَّ بإذن الله ويقال: مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ يعني: لا يشفع أحد لأحد يوم القيامة من الملائكة ولا من المرسلين، إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ في الشفاعة لهم.

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي يفعل هذا من خلق السموات والارض، وتدبير الخلق، هو ربكم وخالقكم، فَاعْبُدُوهُ فدل أولاً على وحدانيته وتدبيره، ثم أمرهم بالتوحيد والطاعة فقال: فَاعْبُدُوهُ، يعني: وحدوه وأطيعوه.

أَفَلا تَذَكَّرُونَ، يعني: أفلا تتعظون بالقرآن؟

ويقال: أفلا تتعظون بأن لا تعبدوا من لا يملك شيئاً، وتعبدون من يملك الدنيا وما فيها؟

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تَذَكَّرُونَ بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، لأن أصله تتذكرون فأدغم إحدى التاءين في الذال وأقيم التشديد مقامه.

ثم خوفهم فقال: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، يعني: مرجع الخلائق كلهم يوم القيامة.

وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، يعني: البعث كائناً وصدقاً.

وقال الزجاج: وَعْدَ اللَّهِ صار نصباً على معنى وعدكم الله وعداً، لأن قوله إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ معناه: الوعد بالرجوع إليه.

إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قال أهل اللغة: الياء صلة ومعناه: إنه بدأ الخلق ثم يعيده، يعني: خلق الخلق في الدنيا ثم يحييهم بعد الموت يوم القيامة، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: لكي يثبت الذين آمنوا بالبعث بعد الموت، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ يعني: عملوا الطاعات بالعدل وقال الضحاك: يعني: الذين قاموا بالعدل وأقاموا على توحيده، يعطيهم من رياض الجنة حتى يرضوا.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: ويجزي الذين كفروا.

ثم بينّ جزاءهم، فقال تعالى: لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ، يعني: ماءً حاراً قد انتهى حره، وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ يعني: يجحدون بالرسالة والكتاب.

ثم ذكَّرهم النعم، لكي يستحيوا منه ولا يعبدوا غيره، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً بالنهار وَالْقَمَرَ نُوراً بالليل، ويقال: جعل الشمس ضياء مع الحر، والقمر نوراً بلا حر، وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ يعني: جعل الليل والنهار منازل يزيد أحدهما وينقص الآخر، ولا يجاوزان المقدار الذي قدره.

ويقال قَدَّرَهُ يعني: القمر مَنازِلَ كل ليلة بمنزلة من النجوم، وهي ثمانية وعشرون منزلاً في كل شهر.

وهذا كقوله وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس: 39] لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ يعني: لتعلموا بالقمر حساب السنين والشهور، كقوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة: 189] .

ثم قال: مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ، يعني: لتعلموا عدد السنين والحساب، ولتعتبروا وتعلموا أن له خالقاً ومدبراً وهو قادر على أن يحيي الموتى.

ثم قال: يُفَصِّلُ الْآياتِ، يعني: يبيِّن العلامات، يعني: علامة وحدانيته لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، يعني: لمن كان له عقل وذهن وتمييز.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص يُفَصِّلُ الْآياتِ بالياء، وقرأ الباقون بالنون، ومعناهما قريب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بالآية ومن هذه اللفظة قَوْلُ حَسَّان رضي اللَّه عنه «١» : [الطويل]

لَنَا القَدَمُ العُلْيَا إِلَيْكَ وَخَلْفَنَا ...

لأَوَّلِنَا في طَاعَةِ اللَّهِ تَابعُ «٢»

ومن هذه اللفظة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ» «٣» أيْ ما قَدَّمَ لها، هذا على أن الجبَّار اسم اللَّه تعالى، و «الصِّدْق» هنا بمعنى الصَّلاح، وقال البخاريُّ: قال زَيْدُ بن أسْلَمَ: قَدَمَ صِدْقٍ محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٤» .

انتهى.

وقولهم: إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ: إِنما هو بسبب أَنَّه فَرَّق بذلك كلمتهم، وحَالَ بين القريب وقريبه فأشبه ذلك ما يفعله السّاحر في ظنّهم القاصر فسمّوه ساحرا.

وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ...

الآية: هذا ابتداء دعاءٍ إِلَى عبادة اللَّه عزَّ وجلَّ وتوحيدِهِ، وذَكَرَ بعضُ الناس أَنَّ الحكمة في خَلْقِ اللَّه تعالَى هذه الأشياءَ في مُدَّة محدودةٍ ممتدَّة، وفي القُدْرة أنْ يقول لها: كُنْ فَتَكُون، إِنما هي لِيُعَلِّمَ عباده التُّؤَدة والتماهُلَ في الأمور، قال ع «٥» : وهذا مما لا يُوصَلُ إِلى تعليله، وعلى هذا هي الأجْنَةُ في البُطُون، وخَلْقُ الثمار، وغير ذلك، واللَّه عزَّ وجلَّ قد جَعَلَ لكلِّ شيء قَدْراً، وهو أعلم بوجه الحكمة في ذلك.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ مُحَمَّدًا  أنْكَرَتِ الكُفّارُ ذَلِكَ، وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والمُرادُ بِالنّاسِ هاهُنا: أهْلُ مَكَّةَ، والمُرادُ بِالرَّجُلِ: مُحَمَّدٌ  .

ومَعْنى " مِنهم ": يَعْرِفُونَ نَسَبَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، فَأمّا الألِفُ فَهي لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ والِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ في كَوْنِهِمْ عَجِبُوا مِن إرْسالِ مُحَمَّدٍ، مَحْذُوفٌ هاهُنا، وهو مُبَيَّنٌ في قَوْلِهِ: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ  ﴾ أيْ: فَكَما وضَّحَ لَكم هَذا التَّفاضُلَ بِالمُشاهَدَةِ، فَلا تُنْكِرُوا تَفْضِيلَ اللَّهِ مَن شاءَ بِالنُّبُوَّةِ؛ وإنَّما حَذْفَهُ هاهُنا اعْتِمادًا عَلى ما بَيَّنَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ.

قالَ: وقِيلَ: إنَّما عَجِبُوا مِن ذِكْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، لِأنَّ الإنْذارَ والتَّبْشِيرَ يَتَّصِلانِ بِهِما، فَكانَ جَوابُهم في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ .

وَفِي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الثَّوابُ الحَسَنُ بِما قَدَّمُوا مِن أعْمالِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَنْهُ أبُو صالِحٍ قالَ: عَمَلٌ صالِحٌ يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ما سَبَقَ لَهم مِنَ السَّعادَةِ في الذِّكْرِ الأوَّلِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سابِقَةُ صِدْقٍ.

والثّالِثُ: شَفِيعُ صِدْقٍ، وهو مُحَمَّدٌ  يَشْفَعُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: سَلَفُ صِدْقٍ تَقَدَّمُوهم بِالإيمانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والخامِسُ: مَقامُ صِدْقٍ لا زَوالَ عَنْهُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والسّادِسُ: أنَّ قَدَمَ الصِّدْقِ: المَنزِلَةُ الرَّفِيعَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ والسّابِعُ: أنَّ القَدَمَ هاهُنا: مُصِيبَةُ المُسْلِمِينَ بِنَبِيِّهِمْ  وما يَلْحَقُهم مِن ثَوابِ اللَّهِ عِنْدَ أسَفِهِمْ عَلى فَقْدِهِ ومَحَبَّتِهِمْ لِمُشاهَدَتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ آثَرَ القَدَمَ هاهُنا عَلى اليَدِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ اليَدَ في مَوْضِعِ الإحْسانِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ القَدَمَ ذُكِرَتْ هاهُنا لِلتَّقَدُّمِ، لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِتَقَدُّمِ السّاعِي عَلى قَدَمَيْهِ، والعَرَبُ تَجْعَلُها كِنايَةً عَنِ العَمَلِ الَّذِي يُتَقَدَّمُ فِيهِ ولا يَقَعُ فِيهِ تَأخُّرٌ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ النّاسُ أنَّها مَعَ الحَسَبِ العادِيِّ طَمَّتْ عَلى البَحْرِ فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ إضافَةِ القَدَمِ إلى الصِّدْقِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ مَدْحٌ لِلْقَدَمِ وكُلُّ شَيْءٍ أضَفْتَهُ إلى الصِّدْقِ، فَقَدْ مَدَحْتَهُ؛ ومِثْلُهُ: ﴿ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ  ﴾ .

وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم، فَلَمّا أتاهُمُ الوَحْيُ " قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لَساحِرٌ " بِألِفٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " لَسِحْرٌ " بِغَيْرِ ألِفٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ ﴾ فَمَن قالَ: ساحِرٌ، أرادَ الرَّجُلَ؛ ومَن قالَ: سِحْرٌ، أرادَ الَّذِي أُوحِيَ، سِحْرٌ، أيِ: الَّذِي تَقُولُونَ أنْتُمْ فِيهِ: إنَّهُ وحْيٌ، سِحْرٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا أنْذَرَهم بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ، أخْبَرَهم أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في (الأعْرافِ ٥٤) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يَقْضِيهِ.

وقالَ غَيْرُهُ يَأْمُرُ بِهِ ويُمْضِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَشْفَعُ أحَدٌ إلّا أنْ يَأْذَنَ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَجْرِ لِلشَّفِيعِ ذِكْرٌ قَبْلَ هَذا، ولَكِنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا كانُوا يَقُولُونَ: الأصْنامُ شُفَعاؤُنا.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا ثانِيَ مَعَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّفْعِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أحَدٌ، ثُمَّ خَلَقَ الأشْياءَ.

فَقَوْلُهُ: " إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ " أيْ: مِن بَعْدِ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ فَكانَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْبُدُوهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وحِّدُوهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فاعْبُدُوهُ وحْدَهُ.

وقَوْلُهُ: " تَذَكَّرُونَ " مَعْناهُ: تَتَّعِظُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبَّكُمُ فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ دُعاءٍ إلى عِبادَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وإعْلامٍ بِصِفاتِهِ، والخِطابُ بِها لِجَمِيعِ الناسِ، و ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ﴾ هو عَلى ما تَقَرَّرَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الأرْضَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَخَلَقَها ثُمَّ دَحى الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ قِيلَ: هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ -وَهُوَ الصَوابُ-: بَلْ مِن أيّامِ الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في التَقْدِيرِ، لِأنَّ الشَمْسَ وجَرْيَها لَمْ يَتَقَدَّمْ حِينَئِذٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ  في خَلْقِ اللهِ المَخْلُوقاتِ: "إنَّ اللهَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ كَذا ويَوْمَ كَذا كَذا" إنَّما هو عَلى أنْ نُقَدِّرَ ذَلِكَ الزَمانَ ونَعْكِسَ إلَيْهِ التَجْرِبَةَ مِن حِينِ ابْتَدَأ تَرْتِيبُ اليَوْمِ واللَيْلَةِ.

والمَشْهُورُ أنَّ اللهَ ابْتَدَأ بِالخَلْقِ يَوْمَ الأحَدِ، ووَقَعَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في كَتابِ مُسْلِمٍ، وفي الدَلائِلِ أنَّ البُداءَةَ وقَعَتْ يَوْمَ السَبْتِ، وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في مُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ مُمْتَدَّةٍ وفي القُدْرَةِ أنْ يَقُولَ كُنْ فَيَكُونُ إنَّما هو لِيُعَلِّمَ عِبادَهُ التُؤَدَةَ والتَماهُلَ في الأُمُورِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِمّا لا يُوصَلُ تَعْلِيلُهُ، وعَلى هَذا هي الأجِنَّةُ في البُطُونِ وخَلْقُ الثِمارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، واللهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا وهو أعْلَمُ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في ﴿ المص  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأمْرَ" اسْمَ الجِنْسِ مِنَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأمْرَ الَّذِي هو مَصْدَرُ أمَرَ يَأْمُرُ أمْرًا، وتَدْبِيرُهُ لا إلَهَ إلّا هو إنَّما هو الإنْفاذُ لِأنَّهُ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ مَعْناهُ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ رَدٌّ عَلى العَرَبِ في اعْتِقادِها أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَها، وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إشارَةٌ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ هَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ فاعْبُدُوهُ، ثُمَّ قَرَّرَهم عَلى هَذِهِ الآياتِ والعِبَرِ فَقالَ: ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ: فَيَكُونُ التَذَكُّرُ سَبَبًا لِلِاهْتِداءِ.

واخْتِصارُ القَوْلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ أنْ يَكُونَ اسْتَوى بِقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ / وإمّا أنْ يَكُونَ "اسْتَوى" بِمَعْنى اسْتَوْلى إنْ صَحَّتِ اللَفْظَةُ في اللِسانِ، فَقَدْ قِيلَ في قَوْلِ الشاعِرِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ إنَّهُ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ وإمّا أنْ يَكُونَ فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتَوى.

واسْتِيعابُ القَوْلِ قَدْ تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ الآيَةُ آيَةُ إنْباءٍ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وهي مِنَ الأُمُورِ الَّتِي جَوَّزَها العَقْلُ وأثْبَتَ وُقُوعَها الشَرْعُ.

وقَوْلُهُ: "جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "مَرْجِعُكُمْ"، "وَعْدَ اللهِ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "حَقًّا"، وقالَ أبُو الفَتْحِ: "حَقًّا" نَعْتٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّهُ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، والأعْمَشُ، وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، ومَوْضِعُها النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ: أُحِقُّ أنَّهُ، وقالَ الفَرّاءُ: مَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى تَقْدِيرِ: يَحِقُّ أنَّهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "أنَّهُ" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَعْدَ اللهِ ﴾ ، قالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ، أيْ: فَمَن في قُدْرَتِهِ هَذا فَهو غَنِيٌّ عن إخْلافِ الوَعْدِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَهُ: وعَدَ اللهُ حَقًّا أنَّهُ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو "وَعْدَ" لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَآذَنَ ذَلِكَ بِتَمامِهِ وقَطَعَ عَمَلَهُ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "حَقٌّ" بِالرَفْعِ، فَهو ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "أنَّهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ يَبْدَأُ الخَلْقَ ﴾ يُرِيدُ النَشْأةَ الأُولى، والإعادَةُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "يُبْدِئُ الخَلْقَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِ، وقَوْلُهُ: "لِيَجْزِيَ" هي لامُ كَيْ، والمَعْنى أنَّ الإعادَةَ إنَّما هي لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: "بِالقِسْطِ" أيْ بِالعَدْلِ في رَحْمَتِهِمْ وحُسْنِ جَزائِهِمْ، وقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ابْتِداءٌ، والحَمِيمُ: الحارُّ المُسَخَّنُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ومِنهُ الحُمامُ والحُمَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ المُرَقَّشِ: في كُلِّ يَوْمٍ لَها مِقْطَرَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وكِباءٌ مُعَدَّةٌ وحَمِيمُ وحَمِيمُ النارِ -فِيما ذُكِرَ عن رَسُولِ اللهِ  - إذا أدْناهُ الكافِرُ مِن فِيهِ تَساقَطَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وهو كَما وصَفَهُ اللهُ تَعالى: ﴿ يَشْوِي الوُجُوهَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية.

وإنما أوقع هنا لأن أقوى شيء بَعثَ المشركين على ادعاء أن ما جاء به النبي سحر هو أنه أبطل الشركاء لله في الإلهية ونفاها عن آلهتهم التي أشركوا بها فقالوا: ﴿ أجعل الآلهةَ إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ﴾ [ص: 5] فلا جرم أن أعقب إنكار إحالتهم ذلك بإقامة الدليل على ثبوته.

والخطاب للمشركين، ولذلك أكد الخبر بحرف التوكيد، وأوقع عقبه ﴿ أفلا تذكرون ﴾ [يونس: 2]، فهو التفات من الغيبة في قوله: ﴿ أكَانَ للناس عجباً وقوله قال الكافرون ﴾ .

وقد مضى القول في نظير صدر هذه الآية في سورة الأعراف إلى قوله: ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ .

وقوله: ﴿ الله ﴾ خبر ﴿ إن ﴾ ، كما دل عليه قوله بعده: ﴿ ذالكم الله ربكم فاعبدوه ﴾ .

وجملة ﴿ يدبر الأمر ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة، أو خبر ثان عن ﴿ ربكم ﴾ .

والتدبير: النظر في عواقب المقدرات وعوائقها لقصد إيقاعها تامة فيما تقصد له محمودةَ العاقبة.

والغاية من التدبير الإيجاد والعملُ على وفق ما دُبر.

وتدبير الله الأمور عبارة عن تمام العلم بما يخلقها عليه، لأن لفظ التدبير هو أوفى الألفاظ اللغوية بتقريب إتقان الخلق.

والأمر: جنس يعم جميع الشؤون والأحوال في العالم.

وتقدم في قوله ﴿ وقلَّبوا لك الأمور ﴾ في سورة [براءة: 48].

وفي إجراء هذه الصفات على الله تعالى تعريض بالرد على المشركين إذ جعلوا لأنفسهم آلهة لا تخلق ولا تعلم؛ كما قال تعالى: ﴿ لا يخلُقون شيئاً وهم يخلقون ﴾ [النحل: 20].

ولذلك حسن وقع جملة ﴿ ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ عقب جملة: ﴿ الذي خلق ﴾ بتمامها، لأن المشركين جعلوا آلهتهم شفعاء فإذا أنذروا بغضب الله يقولون: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18]، أي حُماتنا من غضبه.

فبعد أن وُصف الإله الحق بما هو منتف عن آلهتهم نُفِي عن آلهتهم وصْف الشفاعة عند الله وحماية المغضوب عليهم منه.

وأكد النفي ب ﴿ من ﴾ التي تقع بعد حرف النفي لتأكيد النفي وانتفاء الوصف عن جميع أفراد الجنس الذي دخلت (من) على اسمه بحيث لم تبق لآلهتهم خصوصية.

وزيادة ﴿ إلاّ مِنْ بعد إذنه ﴾ احتراس لإثبات شفاعة محمَّد صلى الله عليه وسلم بإذن الله، قال تعالى: ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ [الأنبياء: 28].

والمقصود من ذلك نفي الشفاعة لآلهتهم من حيث إنهم شركاء لله في الإلهية، فشفاعتهم عنده نافذة كشفاعة الند عند نده.

والشفاعة تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ﴾ في سورة [البقرة: 48].

وكذلك الشفيع تقدم عند قوله: ﴿ فهل لنا من شفعاء ﴾ في سورة [الأعراف: 53].

وموقع جملة: ما من شفيع } مثل موقع جمله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ .

وجملة: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ ابتدائية فذلكةٌ للجمل التي قبلها ونتيجة لها، وهي معترضة بين تلك الجمل وبين الجملة المفرعَة عليها، وهي جملة: ﴿ فاعبدوه ﴾ ، وتأكيد لمضمون الجملة الأصلية وهي جملة: ﴿ إن ربكم الله ﴾ .

والإتيان في صدرها باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز، لأنهم امتروا في صفة الإلهية وضلوا فيها ضلالاً مبيناً، فكانوا أحرياء بالإيقاظ بطريق اسم الإشارة، وللتنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيذكر بعد اسم الإشارة من حيث إنه اتصف بتلك الأوصاف التي أشير إليه من أجلها، فإن خالق العوالم بغاية الإتقان والمقدرة ومالك أمرها ومدبر شؤونها والمتصرفَ المطلق مستحقٌ للعبادة نظير الإشارة في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] بعد قوله: ﴿ للمتقين الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله: هم يوقنون ﴾ [البقرة: 2 4].

وفُرّع على كونه ربهم أن أمروا بعبادته، والمفرَّعُ هو المقصود من الجملة وما قبله مؤكد لجملة: ﴿ إن ربكم الله ﴾ تأكيداً بفذلكة وتحصيل.

والتقديرُ: إن ربكم الله إلى قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ، كقوله: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحُوا ﴾ [يونس: 58] إذ وقع قوله (فبذلك) تأكيداً لجملة بفضل الله وبرحمته.

وأوقع بعده الفرع وهو (فليفرحوا).

والتقدير: قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا بذلك.

والمقصود من العبادة العبادة الحق التي لا يشرك معه فيها غيره، بقرينة تفريع الأمر بها على الصفات المنفرد بها الله دون معبوداتهم.

وجملة: ﴿ أفلا تذَّكَّرون ﴾ ابتدائية للتقريع.

وهو غرض جديد، فلذلك لم تعطف، فالاستفهام إنكار لانتفاء تذكرهم إذْ أشركوا معه غيره ولم يتذكروا في أنه المنفرد بخلق العوالم وبملكها وبتدبير أحوالها.

والتذكُّر: التأمل.

وهو بهذه الصيغة لا يطلق إلا على ذكر العقل لمعقولاته، أي حركته في معلوماته، فهو قريب من التفكر؛ إلا أن التذكر لما كان مشتقاً من مادة الذكر التي هي في الأصل جريَان اللفظ على اللسان، والتي يعبر بها أيضاً عن خطور المعلوم في الذهن بعد سهوه وغيبته عنه كان مشعراً بأنه حركة الذهن في معلومات متقررة فيه من قبل.

فلذلك أوثر هنا دون ﴿ لعلكم تتفكرون ﴾ [البقرة: 219] للإشارة إلى أن الاستدلال على وحدانية الله تعالى قد تقررَ في النفوس بالفطرة، وبما تقدم لهم من الدعوة والأدلة فيكفي في الاستدلال مجرد إخطار هذه الأدلة في البال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَقْضِيهِ وحْدَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَأْمُرُ بِهِ ويُمْضِيهِ.

﴿ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما مِن شَفِيعٍ يُشَفَّعُ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في الشَّفاعَةِ.

الثّانِي: ما مِن أحَدٍ يَتَكَلَّمُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: لا ثانِيَ مَعَهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي هو الزَّوْجُ لِأنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وهو واحِدٌ فَرْدٌ لا حَيَّ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ المَلائِكَةَ والبَشَرَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ أمْرِهِ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ فَكانَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُنْشِئُهُ ثُمَّ يُفْنِيهِ.

الثّانِي: ما قالَهُ مُجاهِدٌ: يُحْيِيهِ ثُمَّ يُمِيتُهُ ثُمَّ يُبِيدُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ قال: يقضيه وحده.

وفي قوله: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ قال: يحييه ثم يميته ثم يحييه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ مفسَّر في سورة الأعراف [54].

وقوله تعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ ، معنى التدبير: تنزيل الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها، قال ابن عباس: يخلق ما يكون (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ ، قال أبو إسحاق: الذي اقتضى ذكر الشفيع أنهم كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وقد ذكر الله هذا عنهم في هذه السورة في قوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ  ﴾ [يونس:18] الآية، فأيسهم الله عن ذلك بقوله: ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ (٣) قال الكلبي: ما من شفيع من الملائكة والنبيين (٤) (٥) (١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 538، وبمعناه القرطبي في "تفسيره" 8/ 308.

(٢) "تفسيره" 137 ب.

(٣) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 6 بتصرف.

(٤) ساقط من (ى).

(٥) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 538، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 208، عن الكلبي، عن ابن عباس بنحوه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله ﴾ تعريف بالله وصفاته ليعبدوه ولا يشركوا به، وفيه ردّ على من أنكر النبوة كأنه يقول: إنما أدعوكم إلى عبادة ربكم الذي خلق السموات والأرض فكيف تنكرون ذلك وهو الحق المبين ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ أي ما يشفع إليه أحد إلا بعد أن يأذن هو له في الشفاعة، وفي هذا ردّ على المشركين الذين يزعمون أن الأصنام تشفع لهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.

يزيد.

﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.

الباقون بالنون.

﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.

﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.

﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.

ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.

وقيل: لا رب غيري.

وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.

وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.

وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.

ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.

واعلم أنه  لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم  ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.

ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد  بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً  ﴾ .

وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى  ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد  في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.

و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.

وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.

ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله  المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.

وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.

ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.

قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.

وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.

والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.

وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد  .

أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.

ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي  ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.

ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.

وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.

ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.

والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.

والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.

قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.

ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.

ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.

قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.

ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.

ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.

وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.

ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون  ﴾ يعني أنه  لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.

ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.

ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.

وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.

وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.

والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.

وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟

واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه  خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.

هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله  كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.

فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟

ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟

سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟

فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.

ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.

ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.

فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟

قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.

ومنها أنه  خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.

وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.

فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟

قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.

ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله  علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.

ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.

ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.

ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.

ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟

ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟

ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.

وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله  برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.

ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.

وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.

والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.

والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.

ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.

ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟

ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.

فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.

وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.

ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.

وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.

فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله  أعلم بحقائق الأمور.

ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".

وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.

والضياء أقوى من النور.

ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله  : { ﴿ يسألونك عن الأهلة  ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.

ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.

وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.

ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.

وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله  : ﴿ إن عدة الشهور  ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.

وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.

ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض  ﴾ .

ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء  ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".

وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.

قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.

ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله  : ﴿ وهم من الساعة مشفقون  ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.

وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله  : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.

ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله  : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم  ﴾ وقوله  : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.

والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .

وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.

فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.

قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.

والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.

وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.

ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.

﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله  ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.

وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.

قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.

وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.

وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون  ﴾ أي ما يتمنونه.

وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله  عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.

وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.

قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.

قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.

وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله  قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".

التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد  كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.

والثانية من الحق لنبيه  إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.

وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.

والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد  لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.

إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.

﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.

ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.

جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.

وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ  ﴾ : إن القوم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، ويتخذون الأحبار والرهبان أربابا من دون الله؛ يقول: إن ربكم الله الذي يستحق العبادة والألوهية هو الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض لا الذي تعبدونه.

وقوله: ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ ﴾ : قد تقدم ذكره في صدر الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ : وهو - أيضاً - على الأول: إن الذي يستحق صرف العبادة إليه وتوجيه الشكر إليه هو الذي يدبر الأمر في مصالح الخلق في جر المنافع إليهم ودفع المضار عنهم، لا الذين لا يملكون المنافع إلى أنفسهم أو دفع المضار عنهم، فضلا [عن] أن يملكوا أجرها إلى من يعبدهم أو دفع المضار عنهم.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ أي يقضيه، والتدبير والقضاء واحد.

وقال بعضهم: ﴿ يُدَبِّرُ ﴾ : يقدر، وهو ما ذكرنا التدبير والتقدير سواء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ : الشفيع هو ذو المنزلة والقدر عند الذي يشفع إليه، لا أحد في الشاهد يشفع لآخر إلى آخر إلا بعد أن يكون الشفيع عند الذي يشفع إليه ذا منزلة وقدر، فإذا كان كذلك فمع ذلك أيضاً لا يشفع إلا من بعد ما أذن له بالشفاعة لمن جاء بالتوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ يقول: ذلكم الذي يستحق العبادة هو ربكم، الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض ودبر أموركم، فاعبدوه ولا تعبدوا الذي لا يملك شيئاً من ذلك.

﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنه هو المستحق للعبادة، وهو المستوجب للشكر، لا الذين تعبدون أنتم.

أو أن يقول: أفلا تذكرون أن الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض هو ربكم، وهو مدبر أمور الخلائق في مصالحهم ما يرجع إلى مصالحهم في دنياهم ودينهم، لا الذي يعبدون من دون الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ : إليه مرجع الخلائق كلهم في جميع الأوقات، لكنه خص ذلك اليوم بالمرجع إليه لما أن الخلائق كلهم يعلمون يومئذ أنهم راجعون إليه؛ وكذلك قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ هم بارزون له في الدنيا والآخرة، لكنهم يومئذ يعرفون ويقرون بالبروز له.

وكذلك: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ  ﴾ الملك لله في الدنيا والآخرة وفي الأوقات جميعا، لكنه خص ذلك اليوم لما لا ينازع في الملك في ذلك اليوم، [ويقرون بالملك له في ذلك اليوم] وفي الدنيا من قد نازع في ملكه.

هذا - والله أعلم - وجه التخصيص لذلك اليوم بالملك، وإن كان الملك في الدارين جميعاً فعلى ذلك المرجع، أو سمى البعث رجوعاً إليه، لما المقصود من إنشائه البعث، فسماه بذلك لما ذكرنا؛ لأنه لو لم يكن المقصود من إنشائه إياهم سوى الإنشاء والإفناء، كان خلقه إياهم عبثاً وباطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً ﴾ .

يحتمل ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً ﴾ : البعث الذي ذكر أنه يبدأ الخلق ثم يعيده.

ويحتمل ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً ﴾ من الثواب والعقاب في الآخرة؛ الثواب للمحسن منهم والعقاب للمسيء.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أي: عرفتم أنه هو الذي يراكم والخلق جميعاً، فكذلك هو يعيدكم بعد إفنائكم؛ إذ بدء الشيء على غير مثال أشد عندكم من إعادته على مثال؛ كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ ، أي: إعادة الشيء أهون عندكم من بدئه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

قيل: بالعدل، لكن ما يجزيهم، إنما يجزيهم إفضالاً وإحساناً لا استيجاباً واستحقاقاً.

ثم يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ وجوهاً: أحدها: أنه يجزي المحسنين جزاء الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، ويفصل بين [العدو والولي] في الآخرة في الجزاء، ويجعل للولي علامة وأثراً يعرف بهما من العدو؛ إذ لم يفصل في الدنيا بين الأولياء والأعداء في الرزق وما يساق إليهم من النعيم، ولا يجعل علامة يعرف بها الولي من العدو وجعل في الآخرة ذلك حتى يعرف هذا من هذا، فهذا العدل الذي ذكرنا يشبه أن يكون هو ذلك.

ويحتمل ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ الوزن، أي: يجزيهم بالوزن على تعديل النوع بالنوع لا على القدر، أي: يحزي بالحسنة قدراً لا يزيد على ذلك، ولكن يجزي للخير خيراً وللحسنة حسنة وللسيئة سيئة.

ويحتمل قوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ بالعدل، أي: يجزي الذين عملوا بالعدل لم يجوروا فيه ولا جاوزوا الحد الذي حد لهم، ولكن عملوا بالعدل فيه، ويشبه أن يكون على تقديم العدل ليجزي الذين آمنوا بالعدل، أي: لا يعذبهم في النار إذا آمنوا، ثم الذين عملوا الصالحات يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، والله أعلم بالصواب ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ ﴾ أي: يجزيهم في الآخرة بما أقسطوا في الدنيا وعدلوا، فيكون القسط على هذا التأويل نعتاً لهم.

وإن كان ما ذكر من القسط راجعاً إلى الله ووصفاً له فهو يخرج على وجوه: أحدها: يجزي فريقاً من المؤمنين بالعدل، يجزي لإحسانهم جزاء الإحسان، [ولإساءتهم جزاء الإساءة؛ فيكون جزاء بالعدل، ويجزي فريقاً آخر منهم بالفضل والإحسان: يجزي بحسناتهم جزاء الحسنة،] ويكفر عن سيئاتهم؛ وهو كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ الآية [الأحقاف: 16]، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ...

﴾ الآية [النساء: 48، 116].

والثاني: يجزيهم بالفضل؛ إذ العدل هو وضع الشيء موضعه، أي: يضع الفضل في أهله لا يضعه في غير أهله، ووضع الفضل في أهل الإيمان عدل، إذ هم أهل له - والله أعلم - وهو كقوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ  ﴾ .

والثالث: العدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل لا العدل الذي هو ضد الجور؛ كقوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ الآية [النساء: 129]، لا يحتمل أن يقول: لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء في العدل الذي هو ضد الجور [لأن] في مثل هذا يستطيعون أن يعدلوا بينهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ بالعدل الذي هو مقابل الإحسان وهو الفضل؛ إذ للفضل درجات، وأصله أن جزاء الآخرة كله إفضال وإحسان وإنعام لا استحقاق واستيجاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴾ .

قيل: الحميم: [هو] الشراب الذي انتهى حره غايته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً ﴾ ذكر في الشمس الضياء وفي القمر النور فهو - والله أعلم - لأن الليل مظلم يظهر نور القمر فيه ويغلب على ظلمة الليل ويقهرها، وأما النهار فهو مبصر على ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ جعل فيه النور، فلو جعل الشمس في النور خاصة، لكان لا يظهر نور الشمس ولا غلب نورها على نور النهار، ويغلبه ويقهره ليظهر المنافع التي [جعل فيها ولو كان نوراً مثله لم يظهر نور هذا من هذا ولم يوصل إلى المنافع التي] جعلت فيها للخلق، وهو ما ذكر أنه مد الظل، وأخبر أنه لو شاء لجعله ساكناً ولو كان ساكناً ممتدّاً على ما جعل بقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ  ﴾ لكان لا يعرف الظل، ثم أخبر أنه جعل الشمس دليلا عليه ليعرف بها الظل، فتنسخ الشمس ذلك [الظل] الممدود شيئاً بعد شيء، فصارت الشمس بها يعرف الظل وبها يظهر فضل ذلك الضياء الذي في الشمس كان به يعرف نورها من نور النهار وبه يوصل إلى منافع الشمس، ولو كان نوراً لكان لا يعرف ولا يظهر؛ إذ لا يغلب أحدهما صاحبه - والله أعلم - ولا يعرف آية الشمس من آية النهار، ثم جعل آية الشمس غالبة على جميع الآيات حتى لا تبصر النجوم بالنهار أصلا والقمر وإن كان نوره يرى بجلاء، فإن نور الشمس قد يغلبه ويقهره حتى لا يظهر أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ .

يشبه أن يكون التقدير الذي ذكر لهما جميعاً ويعرف الحساب وعدد السنين لهما جميعاً، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (وقدرهما منازل)، وجائز أن يكون جعل الشمس بالذي يعرف بها أوقات الصلوات والأزمنة من الشتاء والصيف لا يعرف ذلك بالقمر، وجعل في القمر معرفة الشهور والسنين، وفي الشمس معرفة أوقات الصلوات والأزمنة، لا يعرف بها الشهور والسنون إلا بعد جهد؛ وبالقمر لا تعرف أوقات الصلوات والأزمنة، جعل الله  في الشمس منفعتين: منفعة التقلب ومعرفة الأزمنة، ومعرفة نضج الأشياء وينعها، وفي القمر منفعتين أيضاً: أحدهما: معرفة حساب الأيام والشهور والسنين، ومعرفة نضج الإنزال والأشياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ ليس أن يعرف هذا بهما ولا يعرف غيره، بل يعرف ما ذكر وأشياء كثيرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم والكيساني: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ما خلق الله ذلك إلا وقد جعل فيه دلالة معرفته.

وقال قائلون: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: ما خلق الله ذلك إلا وقد جعل فيه [دلالة معرفة] الشهادة له على الخلق، وهي شهادة الوحدانية والألوهية.

وقال بعضهم: ما خلق الله ذلك إلا بالأمر الكائن لا محالة وهو البعث.

ويحتمل قوله: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالحكمة، لم يخلق ذلك عبثاً باطلا؛ وهو كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً  ﴾ ولكن بحكمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل: نبين أو نصرفها لقوم ينتفعون بعلمهم، إنما ذكر الآيات فيما ذكر لقوم يعقلون ولقوم يتفكرون ولقوم يفقهون الآيات التي ينتفعون بها ويعقلون الشيء، إنما يكون للشيء الذي ينتفع به لا للذي لا ينتفع به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ .

إن في اختلاف الليل والنهار آية البعث ودلالة تدبير صانعهما، أما دلالة البعث فيه أن كل واحد منهما إذا جاء ذهب الآخر وفني حتى لا يبقى له الأثر، ثم يتجددان ويحدثان على ذلك أمرهما، ويتلف كل واحد منهما صاحبه حتى لا يبقى له الأثر، فمن قدر على ما ذكرنا قدر على بعثهم وإنشائهم بعد الموت بعدما صاروا تراباً، وأما دلالة التدبير فهو جريانهما [وسيرهما] على سنن واحد وتقدير واحد من غير تغيير يقع فيهما أو تفاوت أو نقصان يقع فيهما أو زيادة وإن كان أحدهما يدخل في الآخر، دل على ما ذكرنا أنهما يجريان ويختلفان على شيء واحد وجريان واحد؛ أن فيهما تدبيراً غير ذاتي وعلماً أزليّاً وأنه واحد؛ إذ لو كان التدبير فيهما لعدد لكانا مختلفين ولا يجريان على قدر واحد من غير تفاوت فيهما أو نقصان أو زيادة، دل أنه واحد، وبالله التوفيق.

وفي ذلك دلالة وحدانية منشئهما وخالقهما؛ لأنه أنشأهما وبينهما من البعد ما بينهما من البعد، وجعل منافع أحدهما متصلة بمنافع الآخر على بعد ما بينهما، دل أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد منع كل منهم فعله عن الوصول بالآخر على ما هو فعل ملوك الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ .

مخالفة الله ويتقون جميع الشرور والمساوي.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن ربكم -أيها المتعجبون- هو الله الَّذي خلق السماوات على عظمها، والأرض على اتساعها في ستة أيام، ثم علا وارتفع على العرش، فكيف تعجبون من إرساله رجلا من جنسكم؟!

وهو وحده الَّذي يقضي ويقدر في ملكه الواسع، وما لأحد أن يشفع لديه في شيء إلا بعد إذنه ورضاه عن الشافع، ذلكم المتصف بهذه الصفات هو الله ربكم، فأخلصوا له العبادة وحده، أفلا تتعظون بكل هذه البراهين والحجج على وحدانيته؟

فمن كان له أدنى اتعاظ علم ذلك، وآمن به.

<div class="verse-tafsir" id="91.14QB6"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
أستغفر الله