الآية ٢٠ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٢٠ من سورة الرعد

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) وليسوا كالمنافقين الذين إذا عاهد أحدهم غدر ، وإذا خاصم فجر ، وإذا حدث كذب ، وإذا ائتمن خان .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنما يتعظ ويعتبر بآيات الله أولو الألباب، الذين يوفون بوصية الله التي أوصاهم بها (3) (ولا ينقضون الميثاق) ، ولا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه إلى خلافه, فيعملوا بغير ما أمرهم به، ويخالفوا إلى ما نهى عنه .

* * * وقد بينا معنى " العهد " و " الميثاق " فيما مضى بشواهده, فأغنى عن إعادته في هذا الموضع .

(4) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20330- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا هشام, عن عمرو, عن سعيد, عن قتادة قال: (إنما يتذكر أولو الألباب) ، فبيَّن من هم, فقال: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) ، فعليكم بوفاء العهد, ولا تنقضوا هذا الميثاق, فإن الله تعالى قد نهى وقدَّم فيه أشد التَّقْدمة, (5) فذكره في بضع وعشرين موضعًا نصيحةً لكم وتقدِمَةً إليكم، وحجة عليكم, وإنما يعظُمُ الأمر بما عظَّمه الله به عند أهل الفهم والعقل, فعظِّموا ما عظم الله.

قال قتادة: وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: " لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له " .

------------------- الهوامش : (3) انظر تفسير" الإيفاء" فيما سلف من فهارس اللغة ( وفى ) .

(4) انظر تفسير" العهد" فيما سلف 14 : 141 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

وتفسير" الميثاق" فيما سلف ص : 208 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(5) " قدم فيه أشد التقدمة" ، أي : أمرهم به أمرًا شديدًا ، ونهاهم عن مخالفته ، وقد سلف شرحها في الخبر رقم : 4914 / ج 5 : 9 ، تعليق : 3 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : الذين يوفون بعهد الله هذا من صفة ذوي الألباب ، أي إنما يتذكر أولو الألباب الموفون بعهد الله .

والعهد اسم للجنس ; أي بجميع عهود الله ، وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده ; ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض ، وتجنب جميع المعاصي .

وقوله : ولا ينقضون الميثاق يحتمل أن يريد به جنس المواثيق ، أي إذا عقدوا في طاعة الله عهدا لم ينقضوه .

قال قتادة : تقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية ; ويحتمل أن يشير إلى ميثاق بعينه ، هو الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب أبيهم آدم .

وقال القفال : هو ما ركب في عقولهم من دلائل التوحيد والنبوات .الثانية : روى أبو داود وغيره عن عوف بن مالك قال : كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال : ألا تبايعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا : قد بايعناك حتى قالها ثلاثا ; فبسطنا أيدينا فبايعناه ، فقال قائل : يا رسول الله !

إنا قد بايعناك فعلى ماذا [ ص: 269 ] نبايعك ؟

قال : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتطيعوا - وأسر كلمة خفية - قال : لا تسألوا الناس شيئا .

قال : ولقد كان بعض أولئك النفر يسقط - سوطه فما يسأل أحدا أن يناوله إياه .

قال ابن العربي : من أعظم المواثيق في الذكر ألا يسأل سواه ; فقد كان أبو حمزة الخراساني من كبار العباد سمع أن أناسا بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يسألوا أحدا شيئا ، الحديث ; فقال أبو حمزة : رب !

إن هؤلاء عاهدوا نبيك إذ رأوه ، وأنا أعاهدك ألا أسأل أحدا شيئا ; قال : فخرج حاجا من الشام يريد مكة فبينما هو يمشي في الطريق من الليل إذ بقي عن أصحابه لعذر ثم أتبعهم ، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية الطريق ; فلما حل في قعره قال : أستغيث لعل أحدا يسمعني .

ثم قال : إن الذي عاهدته يراني ويسمعني ، والله !

لا تكلمت بحرف للبشر ، ثم لم يلبث إلا يسيرا إذ مر بذلك البئر نفر ، فلما رأوه على حاشية الطريق قالوا : إنه لينبغي سد هذا البئر ; ثم قطعوا خشبا ونصبوها على فم البئر وغطوها بالتراب ; فلما رأى ذلك أبو حمزة قال : هذه مهلكة ، ثم أراد أن يستغيث بهم ، ثم قال : والله !

لا أخرج منها أبدا ; ثم رجع إلى نفسه فقال : أليس قد عاهدت من يراك ؟

فسكت وتوكل ، ثم استند في قعر البئر مفكرا في أمره ، فإذا بالتراب يقع عليه ; والخشب يرفع عنه ، وسمع في أثناء ذلك من يقول : هات يدك !

قال : فأعطيته يدي فأقلني في مرة واحدة إلى فم البئر ; فخرجت فلم أر أحدا ; فسمعت هاتفا يقول : كيف رأيت ثمرة التوكل ; وأنشد :نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى فأغنيتني بالعلم منك عن الكشف تلطفت في أمري فأبديت شاهديإلى غائبي واللطف يدرك باللطف تراءيت لي بالعلم حتى كأنماتخبرني بالغيب أنك في كف أراني وبي من هيبتي لك وحشةفتؤنسني باللطف منك وبالعطف وتحيي محبا أنت في الحب حتفهوذا عجب كيف الحياة مع الحتفقال ابن العربي : هذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على التمام والكمال ، فاقتدوا به إن شاء الله تهتدوا .

قال أبو الفرج الجوزي : سكوت هذا الرجل في هذا المقام على التوكل [ ص: 270 ] بزعمه إعانة على نفسه ، وذلك لا يحل ; ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحالة ; كما لم يخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التوكل بإخفائه الخروج من مكة ، واستئجاره دليلا ، واستكتامه ذلك الأمر ، واستتاره في الغار ، وقوله لسراقة : اخف عنا .

فالتوكل الممدوح لا ينال بفعل محظور ; وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه ، وبيان ذلك أن الله تعالى قد خلق للآدمي آلة يدفع عنه بها الضرر ، وآلة يجتلب بها النفع ، فإذا عطلها مدعيا للتوكل كان ذلك جهلا بالتوكل ، وردا لحكمة التواضع ; لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على الله تعالى ، وليس من ضرورته قطع الأسباب ; ولو أن إنسانا جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار ; قاله سفيان الثوري وغيره ، لأنه قد دل على طريقة السلامة ، فإذا تقاعد عنها أعان على نفسه .

وقال أبو الفرج : ولا التفات إلى قول أبي حمزة : " فجاء أسد فأخرجني " فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله اتفاقا وقد يكون لطفا من الله تعالى بالعبد الجاهل ، ولا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به ، إنما ينكر فعله الذي هو كسبه ، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة لله تعالى عنده ، وقد أمره بحفظها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فإن سألت عن وصفهم، فلا تجد أحسن من وصف الله لهم بقوله: { الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ } الذي عهده إليهم والذي عاهدهم عليه من القيام بحقوقه كاملة موفرة، فالوفاء بها توفيتها حقها من التتميم لها، والنصح فيها { و } من تمام الوفاء بها أنهم { لَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ } أي: العهد الذي عاهدوا عليه الله، فدخل في ذلك جميع المواثيق والعهود والأيمان والنذور، التي يعقدها العباد.

فلا يكون العبد من أولي الألباب الذين لهم الثواب العظيم، إلا بأدائها كاملة، وعدم نقضها وبخسها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين يوفون بعهد الله ) بما أمرهم الله تعالى به وفرضه عليهم فلا يخالفونه ( ولا ينقضون الميثاق ) وقيل : أراد العهد الذي أخذه على ذرية آدم عليه السلام حين أخرجهم من صلبه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين يوفون بعهد الله» المأخوذ عليهم وهم في عالم الذر أو كل عهد «ولا ينقضون الميثاق» بترك الأيمان أو الفرائض.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هل الذي يعلم أن ما جاءك -أيها الرسول- من عند الله هو الحق فيؤمن به، كالأعمى عن الحق الذي لم يؤمن؟

إنما يتعظ أصحاب العقول السليمة الذين يوفون بعهد الله الذي أمرهم به، ولا ينكثون العهد المؤكد الذي عاهدوا الله عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدح - سبحانه - أصحاب هذه العقول السليمة ، بجملة من الخصال الكريمة فقال : ( الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق ) .وعهد الله : فرائضه وأوامره ونواهيه .

والوفاء بها : يتأتى باتباع ما أمر به - سبحانه - باجتناب ما نهى عنه .وينقضون : من النقض ، بمعنى الفسخ والحل لما كان مركبا أو موصولا .والميثاق : العهد الموثق باليمين ، للتقوية والتأكيد .أى : إنما يتذكر أولوا الألباب ، الذين من صفاتهم أنهم يوقنون بعهد الله - تعالى - ، بأن يؤدوا كل ما كلفهم بأدائه ، ويجتنبوا كل ما أمرهم باجتنابه ولا ينقضون شيئا من العهود والمواثيق التى التزموا بها .

وصدر - سبحانه - صفات أولى الألباب ، بصفة الوفاء بعهد الله ، وعدم النقض للمواثيق ، لأن هذه الصفة تدل على كمال الإِيمان ، وصدق العزيمة ، وصفاء النفس .وأضاف - سبحانه - العهد إلى ذاته ، للتشريف وللتحريض على الوفاء به .وجملة ( وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق ) تعميم بعد تخصيص ، لتشمل عهودهم مع الله - تعالى - ومع غيره من عباده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية هل هي متعلقة بما قبلها أم لا؟

فيه قولان: القول الأول: إنها متعلقة بما قبلها، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: أنه يجوز أن يكون قوله: ﴿ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله ﴾ صفة لأولي الألباب.

والثاني: أن يكون ذلك صفةً لقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الحق  ﴾ .

والقول الثاني: أن يكون قوله: ﴿ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله ﴾ مبتدأ: ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ عقبى الدار ﴾ خبره كقوله: ﴿ والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله...

أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللعنة  ﴾ واعلم أن هذه الآية من أولها إلى آخرها جملة واحدة: شرط وجزاء، وشرطها مشتمل على قيود، وجزاؤها يشتمل أيضاً على قيود.

أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة: القيد الأول: قوله: ﴿ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذي عاهدهم عليه حين كانوا في صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم: ﴿ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى ﴾ والثاني: أن المراد بعهد الله كل أمر قام الدليل على صحته وهو من وجهين: أحدهما: الأشياء التي أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة لا تقبل النسخ والتغيير.

والآخر: التي أقام الله عليها الدلائل السمعية وبين لهم تلك الأحكام، والحاصل أنه دخل تحت قوله: ﴿ يُوفُونَ بِعَهْدِ الله ﴾ كل ما قام الدليل عليه.

ويصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة والدلالة على ذلك أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به، إذا ثبت بالدليل وجوبه لا بمجرد اليمين ولذلك ربما يلزمه أن يحدث نفسه إذا كان ذلك خيراً له فلا عهد أوكد من إلزام الله تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع.

ولا يكون العبد موفياً للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء كما أن الحالف على أشياء كثيرة لا يكون باراً في يمينه إلا إذا فعل الكل، ويدخل فيه الاتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن كل المنهيات ويدخل فيه الوفاء بالعقود في المعاملات، ويدخل فيه أداء الأمانات، وهذا القول هو المختار الصحيح في تأويل الآية.

القيد الثاني: قوله: ﴿ وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق ﴾ وفيه أقوال: القول الأول: وهو قول الأكثرين إن هذا الكلام قريب من الوفاء بالعهد، فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق والعهد، وهذا مثل أن يقول: إنه لما وجب وجوده، لزم أن يمتنع عدمه، فهذان المفهومان متغايران إلا أنهما متلازمان، فكذلك الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ينقض الميثاق.

واعلم أن الوفاء بالعهد من أجل مراتب السعادة.

قال عليه السلام: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له».

والآيات الواردة في هذا الباب كثيرة في القرآن.

والقول الثاني: أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه، فالحاصل: أن قوله: ﴿ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله ﴾ إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء.

وقوله: ﴿ وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق ﴾ إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختياره نفسه: كالنذر بالطاعات والخيرات.

والقول الثالث: أن المراد بالوفاء بالعهد: عهد الربوبية والعبودية، والمراد بالميثاق: المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره.

واعلم أن الوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع، قال عليه السلام: «من عاهد الله فغدر، كانت فيه خصلة من النفاق».

وعنه عليه السلام: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيام، ومن كنت خصمه خصمته.

رجل أعطى عهداً ثم غدر، ورجل استأجر أجيراً استوفى عمله وظلمه أجره، ورجل باع حراً فاسترق الحر وأكل ثمنه».

وقيل: كان بين معاوية وملك الروم عهد فأراد أن يذهب إليهم وينقض العهد فإذا رجل على فرس يقول: وفاء بالعهد لا غدر.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا ينبذن إليهم عهده ولا يحلها حتى ينقضي الأمد وينبذ إليهم على سواء».

قال من هذا؟

قالوا: عمرو بن عيينة فرجع معاوية.

القيد الثالث: ﴿ والذين يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ وهاهنا سؤال: وهو أن الوفاء بالعهد وترك نقض الميثاق اشتمل على وجوب الإتيان بجميع المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات فما الفائدة في ذكر هذه القيود المذكورة بعدهما؟

والجواب من وجهين: الأول: أنه ذكر لئلا يظن ظان أن ذلك فيما بينه وبين الله تعالى فلا جرم أفرد ما بينه وبين العباد بالذكر.

والثاني: أنه تأكيد.

إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في تفسيره وجوهاً: الأول: أن المراد منه صلة الرحم قال عليه السلام: «ثلاث يأتين يوم القيامة لها ذلق الرحم تقول: أي رب قطعت، والأمانة تقول: أي رب تركت، والنعمة تقول: أي رب كفرت».

والقول الثاني: أن المراد صلة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته في الجهاد.

والقول الثالث: رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرحم وصلة القرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان كما قال: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ  ﴾ ويدخل في هذه الصلة امدادهم بإيصال الخيرات ودفع الآفات بقدر الإمكان وعيادة المريض وشهود الجنائز وإفشاء السلام على الناس والتبسم في وجوههم وكف الأذى عنهم ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة والدجاجة، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟

قالوا: من خراسان.

فقال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أن العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين، وأقول حاصل الكلام: أن قوله: ﴿ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق ﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: ﴿ والذين يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله.

القيد الرابع: قوله: ﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ والمعنى: أنه وإن أتى بكل ما قدر عليه في تعظيم أمر الله، وفي الشفقة على خلق الله إلا أنه لابد وأن تكون الخشية من الله والخوف منه مستولياً على قلبه وهذه الخشية نوعان: أحدهما: أن يكون خائفاً من أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته وطاعاته، بحيث يوجب فساد العبادة أو يوجب نقصان ثوابها.

والثاني: وهو خوف الجلال وذلك لأن العبد إذا حضر عند السلطان المهيب القاهر فإنه وإن كان في غير طاعته إلا أنه لا يزول عن قلبه مهابة الجلالة والرفعة والعظمة.

القيد الخامس: قوله: ﴿ وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ ﴾ اعلم أن القيد الرابع إشارة إلى الخشية من الله وهذا القيد الخامس إشارة إلى الخوف والخشية وسوء الحساب، وهذا يدل على أن المراد من الخشية من الله ما ذكرناه من خوف الجلال والمهابة والعظمة وإلا لزم التكرار.

القيد السادس: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِمْ ﴾ فيدخل فيه الصبر على فعل العبادات والصبر على ثقل الأمراض والمضار، والغموم والأحزان، والصبر على ترك المشتهيات وبالجملة الصبر على ترك المعاصي وعلى أداء الطاعات.

ثم إن الإنسان قد يقدم على الصبر لوجوه: أحدها: أن يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على تحمل النوازل.

وثانيها: أن يصبر لئلا يعاب بسبب الجزع.

وثالثها: أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء.

ورابعها: أن يصبر لعلمه بأن لا فائدة في الجزع فالإنسان إذا أتى بالصبر لأحد هذه الوجوه لم يكن ذلك داخلاً في كمال النفس وسعادة القلب، أما إذا صبر على البلاء لعلمه بأن ذلك البلاء قسمة حكم بها القسام العلام المنزه عن العيب والباطل والسفه، بل لابد أن تكون تلك القسمة مشتملة على حكمة بالغة ومصلحة راجحة ورضي بذلك، لأنه تصرف المالك في ملكه ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملكه أو يصبر لأنه صار مستغرقاً في مشاهدة المبلى فكان استغراقه في تجلي نور المبلى أذهله على التألم بالبلاء وهذا أعلى مقامات الصديقين، فهذه الوجوه الثلاثة هي التي يصدق عليها أنه صبر ابتغاء وجه ربه ومعناه أنه صبر لمجرد ثوابه، وطلب رضا الله تعالى.

واعلم أن قوله: ﴿ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِمْ ﴾ فيه دقيقة، وهي أن العاشق إذا ضربه معشوقه، فربما نظر العاشق لذلك الضارب وفرح به فقوله: ﴿ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِمْ ﴾ محمول على هذا المجاز، يعني كما أن العاشق يرضى بذلك الضرب لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه، فكذلك العبد يصبر على البلاء والمحنة، ويرضى به لاستغراقه في معرفة نور الحق وهذه دقيقة لطيفة.

القيد السابع: قوله: ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ .

واعلم أن الصلاة والزكاة وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى إلا أنه تعالى أفردها بالذكر تنبيهاً على كونها أشرف من سائر العبادات وقد سبق في هذا الكتاب تفسير إقامة الصلاة ولا يمتنع إدخال النوافل فيه أيضاً.

القيد الثامن: قوله تعالى: ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلاَنِيَةً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الحسن: المراد الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أداؤها سراً وإن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في العلانية.

وقيل السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الأمام، وقال آخرون: بل المراد الزكاة الواجبة والصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع فقوله: ﴿ سِرّا ﴾ يرجع إلى التطوع وقوله: ﴿ علانية ﴾ يرجع إلى الزكاة الواجبة.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة إنه تعالى رغب في الانفاق من كل ما كان رزقاً، وذلك يدل على أنه لا رزق إلا الحلال إذ لو كان الحرام رزقاً لكان قد رغب تعالى في إنفاق الحرام وأنه لا يجوز.

القيد التاسع: قوله: ﴿ وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة ﴾ وفيه وجهان: الأول: أنهم إذا أتوا بمعصية درؤها ودفعوها بالتوبة كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها والثاني: أن المراد أنهم لا يقابلون الشر بالشر بل يقابلون الشر بالخير كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  ﴾ وعن ابن عمر رضي الله عنهما ليس الوصول من وصل ثم وصل تلك المجازاة لكنه من قطع ثم وصل وعطف على من لم يصله، وليس الحليم من ظلم ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج، لكن الحليم من قدر ثم عفا.

وعن الحسن: هم الذين إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا، ويروى أن شقيق بن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متنكراً، فقال من أين أنت؟

فقال: من بلخ، فقال: وهل تعرف شقيقاً قال نعم، فقال: كيف طريقة أصحابه؟

فقال: إذا منعوا صبروا وإن أعطوا شكروا، فقال عبد الله: طريقة كلابنا هكذا.

فقال: وكيف ينبغي أن يكون فقال الكاملون: هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.

واعلم أن جملة هذه القيود التسعة هي القيود المذكورة في الشرط.

أما القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة: القيد الأول: قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عقبى الدار ﴾ أي عاقبة الدار وهي الجنة، لأنها هي التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها.

قال الواحدي: العقبى كالعاقبة، ويجوز أن تكون مصدراً كالشورى والقربى والرجعى، وقد يجيء مثل هذا أيضاً على فَعلى كالنجوى والدعوى، وعلى فِعلى كالذكرى والضيزى، ويجوز أن يكون اسماً وهو هاهنا مصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى: أولئك لهم أن تعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.

القيد الثاني: قوله: ﴿ جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الزجاج: جنات عدن بدل من عقبى والكلام في جنات عدن ذكرناه مستقصى عند قوله تعالى: ﴿ ومساكن طَيّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ  ﴾ وذكرنا هناك مذهب المفسرين، ومذهب أهل اللغة.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يَدْخُلُونَهَا ﴾ بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله والباقون بفتح الياء وضم الخاء على إسناد الدخول إليهم.

القيد الثالث: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وأزواجهم وَذُرّيَّاتِهِمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن علية (صلح) بضم اللام قال صاحب الكشاف: والفتح أفصح.

المسألة الثانية: قال الزجاج: موضع من رفع لأجل العطف على الواو في قوله: ﴿ يَدْخُلُونَهَا ﴾ ويجوز أن يكون نصباً كما تقول قد دخلوا وزيداً أي مع زيد.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ ﴾ قولان: الأول: قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم وقال الزجاج: بين تعالى أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة.

قال الواحدي: والصحيح ما قال ابن عباس، لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به، إذ كل من كان مصلحاً في عمله فهو يدخل الجنة.

واعلم أن هذه الحجة ضعيفة، لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سروراً وبهجة فإذا بشر الله المكلف بأنه إذا دخل الجنة فإنه يحضر معه آباؤه وأزواجه وأولاده فلا شك أنه يعظم سرور المكلف بذلك وتقوى بهجته به، ويقال: إن من أعظم موجبات سروره هم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكرون الله على الخلاص منها والفوز بالجنة ولذلك قال تعالى في صفة أهل الجنة إنهم يقولون: ﴿ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يَٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ  بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ  ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وأزواجهم ﴾ ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، وما روي عن سودة أنه لما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك، كالدليل على ما ذكرناه.

القيد الرابع: قوله: ﴿ والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصاريعها من ذهب يدخلون عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم: ﴿ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ على أمر الله.

وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: ونعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.

واعلم أن دخول الملائكة إن حملناه على الوجه الأول فهو مرتبة عظيمة، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد، ويجتمعون بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم على أحسن وجه، ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والإكرام عند الدخول عليهم يكرمونهم بالتحية والسلام ويبشرونهم بقوله: ﴿ فَنِعْمَ عقبى الدار ﴾ ولا شك أن هذا غير ما يذكره المتكلمون من أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي قبور الشهداء رأس كل حول فيقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار والخلفاء الأربعة هكذا كانوا يفعلون، وأما إن حملناه على الوجه الثاني فتفسير الآية أن الملائكة طوائف، منهم روحانيون ومنهم كروبيون.

فالعبد إذا راض نفسه بأنواع الرياضات كالصبر والشكر والمراقبة والمحاسبة، ولكل مرتبة من هذه المراتب جوهر قدسي وروح علوي يختص بتلك الصفة مزيد اختصاص؛ فعند الموت إذا أشرقت تلك الجواهر القدسية تجلت فيها من كل روح من الأرواح السماوية ما يناسبها من الصفة المخصوصة بها فيفيض عليها من ملائكة الصبر كمالات مخصوصة نفسانية لا تظهر إلا في مقام الصبر، ومن ملائكة الشكر، كمالات روحانية لا تتجلى إلا في مقام الشكر وهكذا القول في جميع المراتب.

المسألة الثانية: تمسك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر فقال: إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل التحية والإكرام والتعظيم فكانوا به أجل مرتبة من البشر ولو كانوا أقل مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجباً علو درجاتهم وشرف مراتبهم، ألا ترى أن من عاد من سفره إلى بيته فإذا قيل في معرض كمال مرتبته أنه يزوره الأمير والوزير والقاضي والمفتي، فهذا يدل على أن درجة ذلك المزور أقل وأدنى من درجات الزائرين فكذلك هاهنا.

المسألة الثالثة: قال الزجاج: هاهنا محذوف تقديره الملائكة يدخلون عليهم من كل باب ويقولون سلام عليكم فأضمر القول هاهنا لأن في الكلام دليلاً عليه، وأما قوله: ﴿ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بالسلام.

والمعنى أنه إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات، وترك المحرمات.

والثاني: أنه متعلق بمحذوف، والتقدير: أن هذه الكرامات التي ترونها، وهذه الخيرات التي تشاهدونها إنما حصلت بواسطة ذلك الصبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله ﴾ مبتدأ.

و ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عقبى الدار ﴾ خبره كقوله: والذين ينقضون عهد الله أولئك لهم اللعنة.

ويجوز أن يكون صفة لأولي الألباب، والأوّل أوجه.

وعهد الله: ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى ﴾ [الأعراف: 172] ﴿ وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق ﴾ ولا ينقضون كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه: من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، تعميم بعد تخصيص ﴿ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ من الأرحام والقرابات، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان ﴿ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10] بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم، والذب عنهم، والشفقة عليهم، والنصيحة لهم، وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم.

ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر، وكل ما تعلق منهم بسبب، حتى الهرة والدجاجة.

وعن الفضيل بن عياض أنّ جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟

قالوا: من أهل خراسان.

قال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنّ العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين ﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ أي يخشون وعيده كله ﴿ وَيَخَافُونَ ﴾ خصوصاً ﴿ سُوء الحِسَابِ ﴾ فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ﴿ صَبَرُواْ ﴾ مطلق فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف ﴿ ابتغاء وَجْهِ ﴾ الله، لا ليقال: ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع ولئلا يشمت به الأعداء كقوله: وَتَجَلُّدِي لِلشّامِتِينَ أُرِيِهمُ ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا مردّ فيه للفائت، كقوله: مَا أنْ جَزعْتُ وَلاَ هَلَعْ ** تُ وَلاَ يَرُدُّ بُكاي زَنْدَا وكل عمل له وجوه يعمل عليها، فعلى المؤمن أن ينوي منها ما به كان حسناً عند الله، وإلا لم يستحق به ثواباً، وكان فعلا كلا فعل ﴿ مّمّا رزقناهم ﴾ من الحلال؛ لأنّ الحرام لا يكون رزقاً ولا يسند إلى الله ﴿ سِرّا وَعَلاَنِيَةً ﴾ يتناول النوافل، لأنها في السر أفضل والفرائض، لوجوب المجاهرة بها نفياً للتهمة ﴿ وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة ﴾ ويدفعونها عن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيء غيرهم.

وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا.

وعن ابن كيسان: إذا أذنبوا تابوا.

وقيل: إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة، لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها و ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ بدل من عقبى الدار.

وقرئ ﴿ فنعم ﴾ بفتح النون.

والأصل: نعم فمن كسر النون فلنقل كسرة العين إليها، ومن فتح فقد سكن العين ولم ينقل وقرئ: ﴿ يدخلونها ﴾ على البناء للمفعول.

وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ صلُح ﴾ بضم اللام، والفتح أفصح، أعلم أنّ الأنساب لا تنفع إذا تجردت من الأعمال الصالحة.

وآباؤهم جمع أبوي كل واحد منهم، فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ في موضع الحال، لأنّ المعنى: قائلين سلام عليكم أو مسلمين، فإن قلت: بم تعلق قوله ﴿ بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ ؟

قلت: بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم، يعنون هذا الثواب بسبب صبركم، أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه هذه الملاذ والنعم والمعنى: لئن تعبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعة، كقوله: بِمَا قَدْ أرَى فِيهَا أوَانِسَ بُدَّنَا وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» ويجوز أن يتعلق بسلام، أي نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ فَيَسْتَجِيبُ.

﴿ كَمَن هو أعْمى ﴾ عَمى القَلْبِ لا يَسْتَبْصِرُ فَيَسْتَجِيبُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ تَقَعَ شُبْهَةٌ في تَشابُهِهِما بَعْدَ ما ضُرِبَ مِنَ المَثَلِ.

﴿ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ ﴾ ذَوُو العُقُولِ المُبَرَّأةِ عَنْ مُشايَعَةِ الألِفِ ومُعارَضَةِ الوَهْمِ.

﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ حِينَ قالُوا بَلى، أوْ ما عَهِدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِ.

﴿ وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ ما وثَّقُوهُ مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العِبادِ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين يوفون بعهد الله} مبتدأ والخبر أولئك لهم عقبى الدار كقوله والذين ينقضون عهد الله أولئك لهم اللعنة وقيل هو صفة لأولي الألباب والأول أوجه وعهد الله ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى

{وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق} ما أوثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد تعميم بعد تخصيص

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ بِما عَقَدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى حِينَ قالُوا: بَلى أوْ بِما عَهِدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِ مِنَ الأحْكامِ فالمُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الأُمَمِ وإضافَةُ العَهْدِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ومِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ عَلى الثّانِي وإذا أُرِيدَ بِالعَهْدِ ما عَقَدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ يَوْمَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ كانَتِ الإضافَةُ مُطْلَقًا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ وهو الظّاهِرُ كَما في البَحْرِ وحُكِيَ حَمْلُ العَهْدِ عَلى عَهْدِ ﴿ ألَسْتُ ﴾ عَنْ قَتادَةَ وحَمْلُهُ عَلى ما عُهِدَ في الكُتُبِ عَنْ بَعْضِهِمْ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ حَمْلُهُ عَلى ما عُهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ وعَنِ القَفّالِ حَمْلُهُ عَلى ما في جِبِلَّتِهِمْ وقَوْلِهِمْ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ واسْتُظْهِرَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ ﴿ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ .

(20) .

ما وثَّقُوا مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ تَعالى والأحْكامِ والنُّذُورِ وما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ كالعُقُودِ وما ضاهاها وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِن صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَأْكِيدٌ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّ العَهْدَ هو المِيثاقُ ويَلْزَمُ مِن إيفاءِ العَهْدِ انْتِفاءُ نَقْضِهِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بِالجُمْلَةِ الأوْلى يُوفُونَ بِجَمِيعِ عُهُودِ اللَّهِ تَعالى وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى اللَّهُ تَعالى بِها عَبِيدَهُ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ التِزامُ جَمِيعِ الفُرُوضِ وتَجَنُّبُ جَمِيعِ المَعاصِي والمُرادُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ أنَّهم إذا عَقَدُوا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ.

اهَـ.

وعَلَيْهِ فَحَدِيثُ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لا يَتَأتّى كَما لا يَخْفى وقَدْ تَقَدَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى عِبادِهِ في نَقْضِ المِيثاقِ ونَهى عَنْهُ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً مِن كِتابِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ومِن أعْظَمِ المَواثِيقِ عَلى ما قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ أنْ لا يَسْألَ العَبْدُ سِوى مَوْلاهُ جَلَّ شَأْنُهُ.

وفِي قِصَّةِ أبِي حَمْزَةَ الخُراسانِيِّ ما يَشْهَدُ لِعِظَمِ شَأْنِهِ فَقَدْ عاهَدَ رَبَّهُ أنْ لا يَسْألَ أحَدًا سِواهُ فاتَّفَقَ أنْ وقَعَ في بِئْرٍ فَلَمْ يَسْألْ أحَدًا مِنَ النّاسِ المارِّينَ عَلَيْهِ إخْراجَهُ مِنها حَتّى جاءَ مَن أخْرَجَهُ بِغَيْرِ سُؤالٍ ولَمْ يُرَ مَن أخْرَجَهُ فَهَتَفَ بِهِ هاتِفٌ كَيْفَ رَأيْتَ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ فَيَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِهِ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ عَلى ما قالَ أيْضًا وقَدْ أنْكَرَ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِعْلَ هَذا الرَّجُلِ وبَيَّنَ خَطَأهُ وأنَّ التَّوَكُّلَ لا يُنافِي الِاسْتِغاثَةَ في تِلْكَ الحالِ وذَكَرَ أنَّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ وغَيْرَهُ قالُوا: لَوْ أنَّ إنْسانًا جاعَ فَلَمْ يَسْألْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ ولا يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ لَطَفَ بِأبِي حَمْزَةَ الجاهِلِ نَعَمْ لا يَنْبَغِي الِاسْتِغاثَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النّاسُ اليَوْمَ مَعَ أهْلِ القُبُورِ الَّذِينَ يَتَخَيَّلُونَ فِيهِمْ ما يَتَخَيَّلُونَ فَآهًا ثُمَّ آهًا مِمّا يَفْعَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: يعلم أن القرآن الذي أنزل من الله تعالى هو الحق كَمَنْ هُوَ أَعْمى يعني: كمن هو لا يعلم.

ويقال: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أن ما ذكر من المثل حق كمن لا يعلم.

وهذا كقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 26] يعني: المثل.

ويقال: أَفَمَنْ يَعْلَمُ يقول: أفمن يرغب في الحق أي يعلم، أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق كَمَنْ هُوَ أَعْمى يعني: كمن لا يرغب فيه ثم قال: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: يتعظ بما أنزل إليك من القرآن ذوو العقول من الناس، وهم المؤمنون.

ثم وصفهم فقال تعالى: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ يعني: العهد الذي بينهم وبين الله تعالى، والعهد الذي بينهم وبين الناس وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ يعني: الميثاق الذي أخذ عليهم يوم الميثاق.

ويقال: يعني: الميثاق الذي أخذ على أهل الكتاب في كتابهم.

قوله: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يعني: يصلون الأرحام ولا يقطعونها، وقال: يعني: الإيمان بجميع الأنبياء وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني: يمتنعون عما نهاهم الله تعالى عنه، والخشية من الله: الامتناع عن المحرمات والمعاصي وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ يعني: شدّة الحساب.

قوله: وَالَّذِينَ صَبَرُوا يعني: صبروا عن المعاصي، وصبروا عن أداء الفرائض، وصبروا على المصائب والشدائد، وصبروا على أذى الكفار والمنافقين ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ يعني: صبروا على ما ذكر ابتغاء مرضاة الله تعالى وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموها بركوعها وسجودها في مواقيتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ يعني: من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني: يتصدقون في الأحوال كلها، ظاهراً وباطناً.

ويقال: مرة يتصدقون سراً مخافة الرياء، ومرة يتصدقون علانية لكي يقتدى بهم.

ويقال: يتصدقون صدقة التطوع في السر، ويتصدّقون صدقة الفريضة في العلانية وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ يقول: يدفعون بالكلام الحسن السيئة.

يعني: الكلام القبيح، فهذا كله صفة ذوي الألباب، وهم الذين استجابوا لربهم.

ثم بيّن ثوابهم ومرجعهم في الآخرة فقال: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ يعني: هؤلاء لهم الجنة، وهم المهاجرون والأنصار، ومن كان في مثل حالهم إلى يوم القيامة.

ثم قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ يعني: ومن آمن وأطاع الله تعالى مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ يدخلون أيضاً جنات عدن وهذا كقوله: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: 21] وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ويسلمون عليهم، ويقولون لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ على أمر الله تعالى وطاعته فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ يعني: نعم العاقبة الجنة.

فقد بيّن حال الذين استجابوا لربهم، والذين يعلمون أن الذى أُنزِلَ إليك هو الحق.

ثم بيّن حال الذين لم يستجيبوا له، وهم الذين ينقضون الميثاق، فقال تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ يعني: من بعد تأكيده وتغليظه، يعني: بعد إقرارهم بالتوحيد يوم الميثاق وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يعني: الأرحام.

ويقال: الإيمان بالنبيّين وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالدعاء إلى عِبادة غير الله تعالى أي عبادة الأوثان م أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللعنة يعني: يلعنهم في الدنيا والآخرة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ يعني: سوء المرجع.

ويقال: لَهُمُ اللَّعْنَةُ.

يعني: هم مطرودون من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة، وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ يعني: عذاب النار في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عن واوٍ، وقيل: أصل.

انتهى.

وقوله: مَا يَنْفَعُ النَّاسَ: يريد الخالِصَ من الماء ومِنْ تلك الأحجار.

وقوله سبحانه: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى: ابتداء كلام، والْحُسْنى:

الجنة.

وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا: هم الكفرة، وسُوءُ الْحِسابِ: هو التقصِّي على المحاسَب، وأَلاَّ يقع في حسابِهِ من التجاوُزِ شَيْءٌ قاله شَهْرُ بن حوشب والنّخعيّ وفرقد السبخيّ وغيرهم «١» .

أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)

وقوله سبحانه: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ...

المعنى: أسواءٌ مَنْ هداه اللَّه، فَعَلِمَ صدْقَ نبوَّتك، وآمن بك كمن هو أعمَى البصيرةِ باقٍ على كُفْره روي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في حمزةَ بْنِ عَبْدِ المطَّلب، وأَبِي جَهْل، وهي بَعْدَ هذا مثَالٌ في جميع العالم، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ: «إِنما» في هذه الآية: حاصرة، أي: إِنما يتذكَّر، فيؤمن ويراقب اللَّه مَنْ له لُبٌّ، ثم أخذ في وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...

الآية: قال الثعلبيُّ: قال عبد اللَّهِ بنُ المبارَكِ: هذه ثمانِ خِلاَلٍ مسيِّرةٌ إِلى ثمانيةِ أبوابِ الجنةِ «٢» ، وقال أبو بَكْرٍ الوَرَّاقُ: هذه ثمانِ جُسُورٍ، فمن أراد القربة مِنَ اللَّه عَبَرَهَا.

انتهى.

وباقي الآية ألفاظها واضحَة، وأنوارها لِذَوِي البصائر لائحة.

وَيَدْرَؤُنَ: يدفعون.

قال الغَزَالِيُّ: لما ذَكَرَ هذه الآيةَ: والذي آثر غُرُورَ الدنيا على نعيمِ الآخرةِ، فليس من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ : " في هَذا العَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ.

والثّانِي: ما أمَرَهم بِهِ وفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ.

وفي الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، عَزَّ وجَلَّ، أنْ يُوصَلَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ قَدْ نَسَبْناها إلى قائِلِها في أوَّلِ سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٧)، وقَدْ ذَكَرْنا سُوءَ الحِسابِ آنِفًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا  ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ دَعاهُمُ اللهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ دِينِهِ.

و"الحُسْنى": هي الجَنَّةُ، ويَدْخُلُ في هَذا النَصْرُ في الدُنْيا ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ وكُلُّ ما يَخْتَصُّ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِن نِعَمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ﴾ هُمُ: الكَفَرَةُ.

و ﴿ سُوءَ الحِسابِ ﴾ هو التَقَصِّي عَلى المُحاسِبِ، وأنْ لا يَقَعَ في حِسابِهِ مِنَ التَجاوُزِ.

قالَهُ حَوْشَبٌ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ، وَفَرْقَدٌ السَبْخِيُّ وغَيْرُهُ.

و"المَأْوى)" حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْكُنُ، و"المِهادُ" ما يُفْتَرَشُ ويُلْبَسُ بِالجُلُوسِ والرُقادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، والمَعْنى: أيَسْتَوِي مَن هَداهُ اللهُ تَعالى فَآمَنَ بِكَ وعَلِمَ صِدْقَ نُبُوَّتِكَ ومَن لَمْ يَهْتَدِ ولا رُزِقَ بَصِيرَةً فَبَقِيَ عَلى كُفْرِهِ؟

فَمَثَّلَ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ بِالعَمى، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ، وهي -بَعْدَ هَذا- مِثالٌ في جَمِيعِ العالَمِ.

و"إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، أيْ: إنَّما يَتَذَكَّرُ فَيُؤْمِنُ ويُراقِبُ اللهَ مَن لَهُ لُبٌّ وتَحْصِيلٌ.

ثُمَّ أخَذَ تَبارَكَ وتَعالى في وصْفِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسَّرَهم لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ اسْمُ لِلْجِنْسِ، أيْ بِجَمِيعِ عُهُودِهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهُ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الألْفاظِ التِزامُ جَمِيعِ الفُرُوضِ وتَجَنُّبُ جَمِيعِ المَعاصِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ جِنْسَ المَواثِيقِ، أيْ: إذا عَقَدُوا في طاعَةِ اللهِ عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ، قالَ قَتادَةُ: وتَقَدَّمَ اللهُ إلى عِبادِهِ في نَقْضِ المِيثاقِ ونَهى عنهُ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى مِيثاقٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ وقْتَ مَسْحِهِ عَلى ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ.

ووَصْلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ظاهِرَهُ في القَراباتِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الطاعاتِ، وسُوءُ الحِسابِ هو أنْ يَتَقَصّى، ولا تَقَعُ فِيهِ مُسامَحَةٌ ولا تَغَمُّدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون الّذين يوفون الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق * والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة أولئك لَهُمْ عقبى الدار * جنات } ابتداء كلام فهو استئناف ابتدائي جاء لمناسبة ما أفادت الجملة التي قبلها من إنكار الاستواء بين فريقين.

ولذلك ذكر في هذه الجمل حال فريقين في المحامد والمساوي ليظهر أن نفي التسوية بينهما في الجملة السابقة ذلك النفي المرادَ به تفضيل أحد الفريقين على الآخر هو نفي مُؤيد بالحجة، وبذلك يصير موقع هذه الجملة مفيداً تعليلاً لنفي التسوية المقصود منه تفضيل المؤمنين على المشركين، فيكون قوله: ﴿ الذين يوفون ﴾ مسنداً إليه وكذلك ما عطف عليه.

وجُملة ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ مسنداً.

واجتلاب اسم الإشارة ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما بعد اسم الإشارة من أجْل الأوصاف التي قبل اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في أول سورة البقرة (5).

ونظير هذه الجملة قوله تعالى: ﴿ الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شرّ مكاناً وأضل سبيلا ﴾ [سورة الفرقان: 34] من قوله: ﴿ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ﴾ [سورة الفرقان: 33].

وقد ظهر بهذه الجملة كلها وبموقعها تفضيل الذين يعلمون أن ما أنزل حق بما لهم من صفات الكمال الموجبة للفضل في الدنيا وحسن المصير في الآخرة وبما لأضدادهم من ضد ذلك في قوله: ﴿ والذين ينقضون عهد الله ﴾ إلى قوله: ﴿ ولهم سوء الدار ﴾ [سورة الرعد: 25].

والوفاء بالعهد: أن يحقّق المرء ما عاهد على أن يعمله.

ومعنى العهد: الوعد الموثّق بإظهار العزم على تحقيقه من يمين أو تأكيد.

ويجوز أن يكون الذين يوفون بعهد الله } نعتاً لقوله: ﴿ أولوا الألباب ﴾ وتكون جملة ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ نعتاً ثانياً.

والإتيان باسم الإشارة للغرض المذكور آنفاً.

وعهد الله مصدر مضاف لمفعوله، أي ما عاهدوا الله على فعله، أو من إضافة المصدر إلى فاعله، أي ما عهد الله به إليهم.

وعلى كلا الوَجهين فالمراد به الإيمان الذي أخذه الله على الخلق المشار إليه بقوله: ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني ﴾ [سورة يس: 60 61]، وذلك عهد الله لهم بأن يعبدوه ولا يعبدوا غيره، فحصل العهد باعتبار إضافته إلى مفعوله وإلى فاعله.

وذلك أمر أودعه الله في فطرة البشر فنشأ عليه أصلهم وتقلّده ذريته، واستمر اعترافهم لله بأنه خالقهم.

وذلك من آثار عهد الله.

وطرأ عليهم بعد ذلك تحريف عهدهم فأخذوا يتناسون وتشتبه الأمور على بعضهم فطرأ عليهم الإشراك لتفريطهم النظر في دلائل التوحيد، ولأنه بذلك العهد قد أودع الله في فطرة العقول السليمة دلائل الوحدانية لمن تأمل وأسلم للدليل، ولكن المشركين أعرضوا وكابروا ذلك العهد القائم في الفطرة، فلا جرم أن كان الإشراك إبطالاً للعهد ونقضاً له، ولذلك عطفت جملة ولا ينقضون الميثاق } على جملة ﴿ يوفون بعهد الله ﴾ .

والتعريف في ﴿ الميثاق ﴾ يحمل على تعريف الجنس فيستغرق جميع المواثيق وبذلك يكون أعم من عهد الله فيشمل المواثيق الحاصلة بين الناس من عهود وأيمان.

وباعتبار هذا العموم حصلت مغايرة ما بينه وبين عهد الله.

وتلك هي مسوغة عطف ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ على ﴿ يوفون بعهد اللَّه ﴾ مع حصول التأكيد لمعنى الأولى بنفي ضدها، وتعريضاً بالمشركين لاتصافهم بضد ذلك الكمال، فعطفُ التأكيد باعتبار المغايرة بالعموم والخصوص.

والميثاق والعهد مترادفان.

والإيفاء ونفي النقض متحداً المعنى.

وابتدئ من الصفات بهذه الخصلة لأنها تنبئ عن الإيمان والإيمان أصل الخيرات وطريقها، ولذلك عطف على ﴿ يوفون بعهد الله ﴾ قوله: ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تحذيراً من كل ما فيه نقضه.

وهذه الصلات صفات لأولي الألباب فعطفها من باب عطف الصفات للموصوف الواحد، وليس من عطف الأصناف.

وذلك مِثل العطف في قول الشاعر الذي أنشده الفراء في معاني القرآن: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم فالمعنى: الذين يتصفون بمضمون كل صلة من هذه الصلات كلما عرض مقتض لاتّصافهم بها بحيث إذا وجد المقتضي ولم يتصفوا بمقتضاه كانوا غير متصفين بتلك الفضائل، فمنها ما يستلزم الاتصاف بالضد، ومنها ما لا يسْتلزم إلا التفريط في الفضل.

وأعيد اسم الموصول هذا وما عطف عليه من الأسماء الموصولة، للدلالة على أنها صلاتها خصال عظيمة تقتضي الاهتمام بذكر من اتصف بها، ولدفع توهم أن عقبى الدار لا تتحقق لهم إلا إذا جمعوا كل هذه الصفات.

فالمراد ب ﴿ الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ ما يصدق على الفريق الذين يوفون بعهد الله.

ومناسبة عطفه أنّ وصْلَ ما أمر الله به أن يوصل أثر من آثار الوفاء بعهد الله وهو عهد الطاعة الداخل في قوله: ﴿ وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ﴾ في سورة يس (61).

والوصل: ضم شيء لشيء.

وضده القطع.

ويطلق مجازاً على القُرب وضده الهجر.

واشتهر مجازاً أيضاً في الإحسان والإكرام ومنه قولهم، صلة الرحم، أي الإحسان لأجل الرحم، أي لأجل القرابة الآتية من الأرحام مباشرة أو بواسط، وذلك النسب الجائي من الأمهات.

وأطلقت على قرابة النسب من جانب الآباء أيضاً لأنها لا تخلو غالباً من اشتراك في الأمهات ولو بَعِدْنَ.

وما أمر الله به أن يوصل} عام في جميع الأواصر والعلائق التي أمر الله بالمودة والإحسان لأصحابها.

فمنها آصرة الإيمان، ومنها آصرة القرابة وهي صلة الرحم.

وقد اتفق المفسرون على أنها مراد الله هنا، وقد تقدم مثله عند قوله تعالى: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ في سورة البقرة (26، 27).

وإنما أطنب في التعبير عنها بطريقة اسم الموصول ما أمر الله به أن يوصل} لما في الصلة من التعريض بأن واصلها آتتٍ بما يرضي الله لينتقل من ذلك إلى التعريض بالمشركين الذين قطعوا أواصر القرابة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن معه من المؤمنين وأساءوا إليهم في كل حال وكتبوا صحيفة القطيعة مع بني هاشم.

وفيها الثناء على المؤمنين بأنهم يصلون الأرحام ولم يقطعوا أرحام قومهم المشركين إلا عندما حاربوهم وناووهم.

وقوله: ﴿ أن يوصل ﴾ بدل من ضمير ﴿ به ﴾ ، أي ما أمر الله بوصله.

وجيء بهذا النظم لزيادة تقرير المقصود وهو الأرحام بعد تقريره بالموصولية.

والخشية: خوف بتعظيم المخوف منه وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ﴾ في سورة البقرة (45).

وتطلق على مطلق الخوف.

والخوف: ظن وقوع المضرة من شيء.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إلا أن يخافا ألاّ يقيما حدود الله ﴾ في سورة البقرة (229).

وسوء الحساب} ما يحفّ به مما يسوء المحاسَب، وقد تقدم آنفاً، أي يخافون وقوعه عليهم فيتركون العمل السيّء.

وجاءت الصلات ﴿ الذين يوفون ﴾ و ﴿ الذين يصلون ﴾ وما عطف عليهما بصيغة المضارع في تلك الأفعال الخمسة لإفادة التجدد كناية عن الاستمرار.

وجاءت صلة ﴿ والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ﴾ وما عطف عليها وهو ﴿ وأقاموا الصلاة وأنفقوا ﴾ بصيغة المضيّ لإفادة تحقق هذه الأفعال الثلاثة لهم وتمكنها من أنفسهم تنويهاً بها لأنها أصول لفضائل الأعمال.

فأما الصبر فلأنه ملاك استقامة الأعمال ومصدرها فإذا تخلق به المؤمن صدرت عنها لحسنات والفضائل بسهولة، ولذلك قال تعالى: ﴿ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ [سورة العصر: 2 3].

وأما الصلاة فلأنها عماد الدين وفيها ما في الصبر من الخاصية لقوله تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ وقوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ [سورة البقرة: 45].

وأما الإنفاق فأصله الزكاة، وهي مقارنة للصلاة كلما ذكرت، ولها الحظ الأوفى من اعتناء الدين بها، ومنها النفقات والعطايا كلها، وهي أهم الأعمال، لأن بذل المال يشق على النفوس فكان له من الأهمية ما جعله ثانياً للصلاة.

ثم أعيد أسلوب التعبير بالمضارع في المعطوف على الصلة وهو قوله: ويدرءون بالحسنة السيئة} لاقتضاء المقام إفادة التجدد إيماء إلى أن تجدد هذا الدرء ما يُحرص عليه لأن الناس عرضة للسيئات على تفاوت، فوُصف لهم دواء ذلك بأن يدعوا السيّئات بالحسنات.

والقول في عطف ﴿ والذين صبروا ﴾ وفي إعادة اسم الموصول كالقول في ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ .

والصبر: من المحامد.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر ﴾ في سورة البقرة (45).

والمراد الصبر على مشاق أفعال الخير ونصر الدين.

وابتغاء وجه ربهم } مفعول لأجله ل ﴿ صبروا ﴾ .

والابتغاء: الطلب.

ومعنى ابتغاء وجه الله ابتغاء رضاه كأنه فعل فعلاً يطلبُ به إقباله عند لقائه، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ في آخر سورة البقرة (272).

والمعنى أنهم صبروا لأجل أن الصبر مأمور به من الله لا لغرض آخر كالرياء ليقال ما أصبره على الشدائد ولاتّقاء شماتة الأعداء.

والسر والعلانية تقدم وجه ذكرهما في قوله تعالى: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴾ أواخر سورة البقرة (274).

والدرء: الدفع والطرد.

وهو هنا مستعار لإزالة أثر الشيء فيكون بعد حصول المدفُوع وقبلَ حصوله بأن يُعِدّ ما يمنع حصوله، فيصدق ذلك بأن يُتبع السيّئة إذا صدرت منه بفعل الحسنات فإن ذلك كطرد السيئة.

قال النبي: يا معاذ اتّق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمْحُها.

وخاصة فيما بينه وبين ربه.

ويصدق بأن لا يقابل من فعل معه سيّئة بمثله بل يقابل ذلك بالإحسان، قال تعالى: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾ [سورة فصلت: 34] بأن يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه وذلك فيما بين الأفراد وكذلك بين الجماعات إذ لم يفض إلى استمرار الضر.

قال تعالى في ذلك: ﴿ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ﴾ [سورة الأنفال: 3].

ويصدق بالعدول عن فعل السيئة بعد العزم فإن ذلك العدول حسنة دَرَأت السيّئة المعزوم عليه.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: من همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة.

فقد جمع يدرءون } جميعَ هذه المعاني ولهذا لم يعقب بما يقتضي أن المراد معاملة المُسيء بالإحسان كما أُتبع في قوله: ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن ﴾ في سورة فصلت (34).

وكما في قوله ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ﴾ في سورة المؤمنون (96).

وجملة أولئك لهم عقبى الدار } خبر عن ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ .

ودل اسم الإشارة على أن المشار إليهم جديرون بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة لأجل ما وصف به المشار إليهم من الأوصاف، كما في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في أول سورة البقرة (5).

ولهم عقبى الدار} جملة خبراً عن اسم الإشارة.

وقدم المجرور على المبتدأ للدلالة على القصر، أي لهم عقبى الدار لا للمتصفين بإضداد صفاتهم، فهو قصر إضافي.

والعقبى: العاقبة، وهي الشيء الذي يعقُب، أي يقع عقب شيء آخر.

وقد اشتهر استعمالها في آخرة الخير، قال تعالى: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ [سورة القصص: 83].

ولذلك وقعت هنا في مقابلة ضدها في قوله: ﴿ ولهم سوء الدار ﴾ [سورة غافر: 52].

وأما قوله: ﴿ وعقبى الكافرين النار ﴾ [سورة الرعد: 35] فهو مشاكلة كما سيأتي في آخر السورة عند قوله: ﴿ وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ﴾ [سورة الرعد: 42].

وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى: ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ في سورة القصص (37) فقد زدته بياناً.

وإضافتها إلى الدار} من إضفة الصفة إلى الموصوف.

والمعنى: لهم الدار العاقبة، أي الحسنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الرَّحِمُ الَّتِي أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِها.

﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ في قَطْعِها ﴿ وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ في المُعاقَبَةِ عَلَيْها، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: صِلَةُ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: الإيمانُ بِالنَّبِيِّينَ والكُتُبِ كُلِّها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَصِلُوا الإيمانَ بِالعَمَلِ.

﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ فِيما أمَرَهم بِوَصْلِهِ.

﴿ وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ في تَرْكِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَدْفَعُونَ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: يَدْفَعُونَ الفُحْشَ بِالسَّلامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: يَدْفَعُونَ الظُّلْمَ بِالعَفْوِ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

الخامِسُ: يَدْفَعُونَ سَفَهَ الجاهِلِ بِالحِلْمِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

السّادِسُ: يَدْفَعُونَ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

السّابِعُ: يَدْفَعُونَ المَعْصِيَةَ بِالطّاعَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بِما صَبَرْتُمْ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: بِما صَبَرْتُمْ عَلى الفَقْرِ في الدُّنْيا، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.

الثّالِثُ: بِما صَبَرْتُمْ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو مَأْثُورٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

الرّابِعُ: بِما صَبَرْتُمْ عَنْ فُضُولِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ.

السّادِسُ: بِما صَبَرْتُمْ عَمّا تُحِبُّونَهُ حِينَ فَقَدْتُمُوهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: بِما صَبَرْتُمْ عَلى عَدَمِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ.

﴿ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَنِعْمَ عُقْبى الجَنَّةِ عَنِ الدُّنْيا، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.

الثّانِي: فَنِعْمَ عُقْبى الجَنَّةِ مِنَ النّارِ، وهو مَأْثُورٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ﴾ فعليكم بالوفاء بالعهد ولا تنقضوا الميثاق، فإن الله قد نهى عنه وقدم فيه أشد التقدمة، وذكره في بضع وعشرين آية، نصيحة لكم وتقدمة إليكم وحجة عليكم، وإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل وأهل العلم بالله، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول في خطبته «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» .

وأخرج الخطيب وابن عساكر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن البر والصلة، ليخففان سوء العذاب يوم القيامة» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ يعني، من إيمان بالنبيين وبالكتب كلها ﴿ ويخشون ربهم ﴾ يعني، يخافون في قطيعة ما أمر الله به أن يوصل.

﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ يعني شدة الحساب.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول: «اتقوا الله وصلوا الأرحام، فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة» وذكر لنا أن رجلاً من خثعم، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقال: «أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟

قال: نعم.

قال: فأي الأعمال أحب إلى الله؟

قال: الايمان بالله.

قال: ثم ماذا؟

قال: صلة الرحم» وكان عبد الله بن عمرو يقول: إن الحليم ليس من ظلم ثم حلم، حتى إذا هيجه قوم اهتاج، ولكن الحليم من قدر ثم عفا، وإن الوصول ليس من وصل ثم وصل، فتلك مجازاة، ولكن الوصول من قطع ثم وصل وعطف على من لا يصله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جرير في قوله: ﴿ ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لم تمش إلى ذي رحمك برجلك، ولم تعطه من مالك، فقد قطعته» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاق ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (١) "زاد المسير" 4/ 324، القرطبي 9/ 307.

(٢) يعني ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ ﴾ تقرير.

والمعنى أسواء من آمن ومن لم يؤمن، والأعمى هنا من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم: «وقيل: إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأبي جهل لعنه الله» ﴿ والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ القرابات وغيرها ﴿ وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة ﴾ قيل يدفعون الشرك بقول لا إله إلا الله، وقيل: يدفعون من أساء إليهم بالتي هي أحسن، والأظهر يفعلون الحسنات فيدرؤن بها السيئات كقوله: ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ﴾ [هود: 114]، وقيل: إن هذه الآية نزلت في الأنصار، ثم هي عامة في كل مؤمن اتصف بهذه الصفات ﴿ عقبى الدار ﴾ يعني الجنة، ويحتمل أن يريد بالدار: الآخرة وأضاف العقبى إليها لأنها فيها، ويحتمل أن يريد بالدار الدنيا، وأضاف العقبى إليها لأنها عاقبتها ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ بدل من عقبى الدار، أو خبر ابتداء مضمر تفسيراً لعقبى الدار ﴿ وَمَنْ صَلَحَ ﴾ أي من كان صالحاً ﴿ سلام عَلَيْكُم ﴾ أي يقولون لهم: سلام عليكم ﴿ بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ يتعلق بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم ويجوز أن يتعلق بسلام أي ليسلم عليكم بما صبرتم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.

﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.

الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.

﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.

التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.

وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.

وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.

ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.

وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.

وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.

فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.

وعن الحسن.

خلق الله ليس بملك.

وعن النبي  : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .

وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.

وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.

وعن علي  : سبحان من سبحت له.

وكان رسول الله  يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .

وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ .

قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.

والمطر بكاؤهم.

أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه  جعل له أعواناً.

قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.

وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.

قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.

ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.

ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله  فقال رجل من أصحابه.

يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.

فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.

فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.

فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.

قال تجعل لي الأمر بعدك.

قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.

قال: لا.

قال: فماذا تجعل لي؟

قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.

قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟

وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.

فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي  ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله  فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.

فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟

ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.

قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .

ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.

وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.

أبو عبيدة: شديد العقوبة.

الحسن: شديد النقمة.

وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه  يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.

وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي  في الكافرين حين دعا عليهما.

وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.

وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.

﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.

﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.

والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.

وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.

ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.

ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.

وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض  ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.

كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.

وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.

وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.

ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".

واعلم أنه  ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة  ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.

وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض  ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.

وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله  أعلم بمراده.

ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟

فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.

والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.

وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.

ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.

قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله  منزه عن ذلك.

وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله  وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.

ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.

وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.

قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.

وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.

ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.

قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.

والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.

ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.

وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.

ثم قال  إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.

أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين  ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.

﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.

ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.

يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.

وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه  أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.

ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.

ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.

وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.

وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.

وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.

وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.

وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.

وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.

﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.

ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.

ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم  ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.

وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.

وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال  : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.

وقيل: هو مؤازة النبي  ومعاونته ونصرته في الجهاد.

وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.

وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.

وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .

﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.

وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.

﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .

﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.

قال  لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.

وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.

يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟

قال: من بلخ.

فقال: وهل تعرف شقيقاً؟

فقال: نعم.

فقال: كيف طريقة أصحابه؟

فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.

وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله  أن تكون مرجع أهلها.

والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.

قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.

وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.

قال الواحدي: والأول أصح لأن الله  جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.

ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.

والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.

وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله  بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.

قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.

وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.

وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.

وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.

ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.

والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.

وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.

وروي عن النبي  أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.

وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.

وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.

قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.

والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.

وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.

وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.

وقيل: المراد أنه  أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.

والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه  واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.

و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".

والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.

عن ابن عباس: فرح وقرة عين.

الضحاك: غبطة لهم.

قتادة: حسنى لهم.

الأصم: خير وكرامة.

الزجاج: عيش طيب.

والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.

وقيل: طوبى شجرة في الجنة.

حكى الأصم أن أصلها في دار النبي  وفي دار كل مؤمن منها غصن.

روي عن رسول الله  أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.

التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.

ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.

معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.

آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.

﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.

﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.

وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل  ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي  ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي  وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال  : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: أجابوا ربهم فيما دعاهم إليه، وإنما دعاهم إلى السبب الذي يوجب لهم دار السلام وهي الجنة بقوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ دعاهم إلى دار السلام ومكن لهم من الإجابة له والرد، فمن أجابه فيما دعاه كان له دار السلام]، والحسنى الذي ذكر، ومن رد دعاءه كان له النار ودار الهوان؛ فأيهما اختار، فله الموعود الذي وعد؛ إن اختار إجابته إلى ما دعاه؛ فله النعيم الدائم الذي وعد ودار السلام؛ وإن اختار الرد وترك الإجابة، فله ما وعد من العذاب الدائم والهوان.

والأمثال التي ذكر أنها ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ هو هكذا للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وكذلك ما ذكر من القرآن أنه هدى ورحمة للمؤمنين، وأمّا على أهل الكفر؛ فهو عمى وضلال.

وكذلك قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ وأمّا قلوب الكفرة فما ذكر: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ و ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً  ﴾ وأمثاله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ .

أي: ضِعْفه معه؛ لافتدوا به، يذكر هذا - والله أعلم - أن الذي كان يمنعهم عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه - رغبتهم في هذه الدنيا؛ وميلهم إليها؛ يتمنون - لما يحل فيهم من العذاب والشدائد - أن يكون لهم ما في الأرض جميعاً أن يفتدوا به.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

أي: يحاسبون حساباً يسوءهم؛ لأن حسناتهم التي عملوها وطمعوا الإنتفاع بها - لم تنفعهم بل صارت كالسراب الذي ذكر: ﴿ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً  ﴾ ولم يتجاوز عن سيئاتهم ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ أي: الذي يأوون إليه؛ هو جهنم وبئس المهاد؛ لما يسوءهم ذلك والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: من يعلم الحق حقّاً كمن هو يعمى عنه ولا يعلم؟

أو من يعلم الحقّ أنه حق؛ كمن يعلمه باطلاً؟

ليسا بسواء؛ كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

[أي] إنما يتذكر - بالتذكير أولو الألباب وذوو العقول؛ الذين ينتفعون بعقولهم ولُبّهم.

ثم بين من هم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل عهد الله عهد خلقه؛ يوفون بما في خلقتهم [من العهد]؛ إذ في خلقة كل أحد - دلالة وحدانيته، وشهادة ألوهيته؛ فوفوا ذلك العهد.

ويحتمل: عهد الله ما جرى على ألسن الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...

﴾ الآية [آل عمران: 81] ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [آل عمران: 187].

﴿ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ ﴾ .

العهد والميثاق واحد، وسمي العهد ميثاقاً؛ لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن الاشتغال بغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ الصلات التي أمر الله بها أن توصل على جهات ومراتب: أما ما بينه وبين المؤمنين: ألاَّ يحب لهم إلا ما يحب ولا يصحبهم إلا بما يحب هو أن يصحب، وأما فيما بينه وبين محارمه: أن يؤوي ويحفظ الحقوق التي جعل الله لبعضهم على بعض؛ ولا يضيعها.

وأما فيما بينه وبين الرسل: فهو أن من حقهم أن يوصل الإيمان بالنبيين جميعاً؛ والكتب كلها.

هذا والله أعلم الصلة التي أمر الله أن يوصل بها.

﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ إما في التقصير فيما أمر أن يوصل، وإما بالتفريط في ذلك، وترك الصلة.

﴿ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ﴾ أي: شدة الحساب؛ حين لم تنفعهم حسناتهم؛ ولا يتجاوز عن شيء من سيئاتهم؛ فذلك يسوءهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبر: هو كف النفس وحبسها عما تهواه؛ على ما تكره ويثقل عليها.

ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجذع في المصائب، وعلى أداء ما افترض الله عليهم وأمرهم بها، أو كفوا أنفسهم وحبسوها عن المعاصي، يكون الصبر على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.

والله أعلم.

[وقوله: ﴿ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين.

يحتمل: ابتغاء رضوان الله.

ويحتمل: ابتغاء وجه يكون لهم عند الله]، وهو المنزلة والرفعة، ولذلك سمي الرفيع وذو المنزلة: وجيهاً كقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ  ﴾ أي: ذو منزلة ورفعة في الدنيا والآخرة.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ  ﴾ أي: ثمَّ الجهة التي أمر الله أن يتوجه إليها، فعلى ذلك هذا ﴿ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم؛ أو ابتغاء رضوان الله ومرضاته والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

أي: داموا على إقامتها؛ ليس أنهم أقاموا مرة ثم تركوها؛ ولكن داموا على إقامتها، وعلى ذلك قوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ  ﴾ أي: دوموا على إقامتها.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: جعلوها قائمة أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .

يحتمل كل نفقة: الصدقة والزكاة وما ينفق على عياله وولده، ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ أي: ينفق في كل وقت؛ سرّاً من الناس وعلانية منهم أي: ينفق على جهل من الناس؛ وعلى علم منهم؛ ينفقون على كل حال؛ لا يمنعهم علم الناس بذلك عن الإنفاق، بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ .

أي: يدفعون بالحسنة السيئة، ثم يحتمل وجهين: أحدهما: يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم؛ كقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ...

﴾ الآية [فصلت: 34].

والثاني: يدرءون الإساءة التي كانت لهم إليهم بالخير إليهم والمعروف، ولا يكافئون بالسيئ السيئ؛ وبالشر الشر؛ ولكن يدفعون بالخير.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ أي: إذا سُفه عليهم حلموا، والسفه سيئة؛ والحلم حسنة.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .

أي: عقبى أولئك الذين صبروا؛ على ما ذكر؛ من وفاء العهد والصلة التي أمروا بها أن يصلوا؛ والصبر على أداء ما أمر به وافترض عليهم؛ والانتهاء عما نهى عنه - الدار التي دعاهم إليها بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ .

والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ أي: عقبى حسناتهم دار الجنة، وأولئك لهم عقبى هذه الدار الجنة، أو عاقبتهم دار الجنة.

ثم نَعَتَ تلك الدار؛ فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ .

عدن: قال أهل التأويل: عدن: هو بطان الجنة؛ وهو وسطها، وقال بعضهم: عدن هو الإقامة؛ أي: جنات يقيمون فيها؛ يقال: عدن: أي: أقام.

وقوله: - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ .

فإن قيل: كيف خص بالذكر الآباء والأزواج والذرية؛ وهم قد دخلوا في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ فما معنى تخصيصهم بالذكر؟

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أنهم أسلموا؛ فاخترموا؛ أي: ماتوا كما أسلموا؛ ولم يكن لهم مما ذكر من الخيرات والحسنات؛ فأخبر أن هؤلاء [يدخلونها - أيضا -] ويلحقون بأولئك.

والثاني: لم يبلغوا الدرجة التي بلغ أولئك؛ فأخبر - عز وجل - أنه يبلغهم درجة أولئك ويلحقهم به؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...

﴾ الآية [الطور: 21] يضم بعضهم إلى بعض في الآخرة كما كانوا في الدنيا، يضم كل ذي قرين في الدنيا قرينه إليه في الآخرة.

وفي قوله: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ ﴾ وما ذكر دلالة أن صلاح غيره وإن قرب منه لا ينفعه؛ حتى يكون في نفسه صلاح، حيث قال: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر؛ وهو ما قال لنوح: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  ﴾ دل هذا أن صلاح والده أو قريبه لا يجدي له نفعاً في الآخرة والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ .

هذا يحتمل أن يكون لمقامهم ومنازلهم أبواب؛ فيدخل عليهم من كل باب ملك.

والثاني: يحتمل أن [يكون] يأتي كل ملك بتحفة [غير التحفة] التي أتى بها الآخر على اختلاف خيراتهم وقدر أعمالهم.

﴿ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ أي: من كل نوع من التحف.

وفيه وجهان: أحدهما: أن الملائكة يكونون خدم أهل الجنة، وفي ذلك تفضيل [البشر] عليهم.

أو أن يكون على حق المصاحبة؛ لما أحبوا هم أهل الخير من البشر في الدنيا؛ لخيرهم؛ فجعل الله بينهم الرفقة، والصحبة في الآخرة والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ كقوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله أولئك لهم عقبى الدار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ العهد قد ذكرناه في غير موضع، وكذلك النقض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

كل حرف من هذه الحروف يقتضي معنى الحرف الآخر؛ إذا نقضوا العهد، والميثاق: قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل؛ وسعوا في الأرض بالفساد، وإذا قطعوا ما أمر الله به أن يوصل: نقضوا العهد؛ وسعوا في الأرض بالفساد؛ إلا أن يقال: إن نقض العهد يكون بالاعتقاد؛ وذلك يكون [بينهم وبين ربهم]، وكذلك قطع ما أمر الله به أن يوصل إذا كان الأمر الذي أمر به صلة الإيمان بالنبيين والكتب جميعاً؛ فإن كان صلة الأرحام؛ فهو فعل؛ والسعي في الأرض بالفساد فعل أيضاً؛ من زناً أو سرقة أو قطع الطريق، وغير ذلك من المعاصي [ما كان، فهو الإفساد في الأرض والله أعلم.

والإفساد في الأرض يحتمل: منعهم الناس [من] الإيمان به وتصديقه أو غيره من المعاصي] أو قطع الطريق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ يحتمل ما أمر الله به أن يوصل: ما ذكرنا من وصل الإيمان ببعض الرسل بالكل وبجميع الكتب، ويحتمل: صلة الأرحام التي فرض عليهم صلتهم؛ قطعوا ذلك.

أو أمرهم أن يصلوا أعمالهم بما اعتقدوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .

اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والإبعاد؛ كأنهم طردوا وأبعدوا عن رحمة الله في الآخرة، أو طردوا وأبعدوا من هداية الله وإرشاده في الدنيا.

﴿ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .

قد ذكرنا أنهم دعوا إلى دار؛ وحذروا عن دار: دعوا إلى دار السلام؛ فإن أجابوا فلهم الحسنى؛ على ما ذكر، وحذروا عن دار الهوان؛ [فإن لم يحذروا فلهم] دار السوء والهوان.

أو سماها سوء الدار؛ لما يسوء مقامهم فيها، أو ذكر لأهل النار سوء الدار مقابل ما ذكر لأهل الجنة: حسن المآب وحسن الثواب والحسنى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين استجابوا لله هم الذين يوفون بما عاهدوا الله عليه أو عاهدوا عليه عباده، ولا ينكثون العهود الموثقة مع الله، أو مع غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.1rKwo"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 14 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.6 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الحمد لله