تفسير الآية ٢٧ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٢٧ من سورة الرعد

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ٢٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٧ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن قيل المشركين : ( لولا ) أي : هلا ( أنزل عليه آية من ربه ) كما قالوا : ( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) [ الأنبياء : 5 ] وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة ، وإن الله قادر على إجابة ما سألوا .

وفي الحديث : أن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهبا ، وأن يجري لهم ينبوعا ، وأن يزيح الجبال من حول مكة فيصير مكانها مروج وبساتين : إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك ، فإن كفروا فإني أعذبهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة ، فقال : " بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة " ; ولهذا قال لرسوله : ( قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ) أي : هو المضل والهادي ، سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا ، أو لم يجبهم إلى سؤالهم; فإن الهداية والإضلال ليس منوطا بذلك ولا عدمه ، كما قال : ( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) [ يونس : 101 ] وقال ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] وقال ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) [ الأنعام : 111 ] ; ولهذا قال : ( قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ) أي : ويهدي من أناب إلى الله ، ورجع إليه ، واستعان به ، وتضرع لديه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويقول لك يا محمد، مشركو قومك: هلا أنـزل عليك آية من ربك, إمّا ملك يكون معك نذيرًا, أو يُلْقَى إليك كنـز؟

فقل: إن الله يضل منكم من يشاء أيها القوم، فيخذله عن تصديقي والإيمان بما جئته به من عند ربي(ويَهدي إليه من أناب), فرجع إلى التوبة من كفره والإيمان به, فيوفقه لاتباعي وتصديقي على ما جئته به من عند ربه، وليس ضلالُ من يضلّ منكم بأن لم ينـزل علي آية من ربّي ولا هداية من يهتدي منكم بأنَّها أنـزلت عليّ, وإنما ذلك بيَدِ الله, يوفّق من يشاء منكم للإيمان ويخذل من يشاء منكم فلا يؤمن .

* * * وقد بينت معنى " الإنابة "، في غير موضع من كتابنا هذا بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

(32) * * * 20357- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (ويهدي إليه من أناب) : أي من تاب وأقبل .

--------------------- الهوامش : (32) انظر تفسير" الإنابة" فيما سلف 15 : 406 ، 454 .

ولقد نسي أبو جعفر رحمه الله ، فإنه لم يذكر" الإنابة" في غير هذين الموضعين القريبين ، ولم يذكر في تفسيرهما شيئًا من الشواهد ، وكأنه لما أوغل في التفسير ، وكان قد أعد له العدة ، شبه عليه الأمر ، وظن أن الذي سيأتي مرارًا ، مضى قبل ذلك مرارًا ، فقال من ذلك ما قال هنا ، وقد مر مثله وأشرت إليه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أنابقوله تعالى : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه بين في مواضع أن اقتراح الآيات على الرسل جهل ، بعد أن رأوا آية واحدة تدل على الصدق ، والقائل ، عبد الله بن أبي أمية وأصحابه حين طالبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالآيات .قل إن الله - عز وجل - يضل من يشاء أي كما أضلكم بعد ما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها يضلكم عند نزول غيرها .ويهدي إليه من أناب أي من رجع .

والهاء في إليه للحق ، أو للإسلام ، أو لله - عز وجل - ; على تقدير : ويهدي إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه .

وقيل : هي للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن الذين كفروا بآيات الله يتعنتون على رسول الله، ويقترحون ويقولون: { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } وبزعمهم أنها لو جاءت لآمنوا فأجابهم الله بقوله: { قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } أي: طلب رضوانه، فليست الهداية والضلال بأيديهم حتى يجعلوا ذلك متوقفا على الآيات، ومع ذلك فهم كاذبون، { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون } ولا يلزم أن يأتي الرسول بالآية التي يعينونها ويقترحونها، بل إذا جاءهم بآية تبين ما جاء به من الحق، كفى ذلك وحصل المقصود، وكان أنفع لهم من طلبهم الآيات التي يعينونها، فإنها لو جاءتهم طبق ما اقترحوا فلم يؤمنوا بها لعاجلهم العذاب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويقول الذين كفروا ) من أهل مكة ( لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ) [ أي : يهدي إليه من يشاء بالإنابة .

وقيل : يرشد إلى دينه من يرجع إليه بقلبه ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويقول الذين كفروا» من أهل مكة «لولا» هلا «أنزل عليه» على محمد «آية من ربه» كالعصا واليد والناقة «قل» لهم «إن الله يضل من يشاء» إضلاله فلا تغني عنه الآيات شيئا «ويهدي» يرشد «إليه» إلى دينه «من أناب» رجع إليه، ويبدل مِن مَن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويقول الكفار عنادًا: هلا أُنزل على محمد معجزة محسوسة كمعجزة موسى وعيسى.

قل لهم: إن الله يضل مَن يشاء من المعاندين عن الهداية ولا تنفعه المعجزات، ويهدي إلى دينه الحق مَن رجع إليه وطلب رضوانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المطالب المعنتة التى طلبها الكافرون من النبى - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها ، ومدح المؤمنين لاطمئنان قلوبهم إلى سلامة دينهم من كل نقص ، وأيأسهم من إيمان أعدائهم لاستيلاء العناد والجحود على قلوبهم ، فقال - تعالى - :( وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ .

.

.

) .قوله - سبحانه - ( وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ) حكاية لما طلبه مشركو مكة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التعنت والطغيان .

ومرادهم بالآية : آية كونية كإحياء الموتى وإزاحة الجبال من أماكنها " لولا " هنا : حرف تحضيض بمعنى هلا .أى : ويقول الكافرون على سبيل العناد والجحود ، هلا أنزل على هذا الرسول آية كونية تدل على صدقه ، كأن يحيى لنا موتانا ، أو أن يحول لنا جبل الصفا ذهبا .

.وكأنهم يرون أن القرآن الذى نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - لا يكفى - فى زعمهم - أن يكون آية ومعجزة شاهدة على صدقه .وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بقوله : ( قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ) .أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التعجب من أحوالهم ومن شدة ضلالهم : إن الله - تعالى - يضل عن طريق الحق من يريد إضلاله ، لاستحباب هذا الضال العمى على الهدى ، ويهدى إلى صراطه المستقيم ، من أناب إليه - سبحانه - ورجع إلى الحق الذى جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقلب سليم ، وعقل متفتح لمعرفة الصواب والرشاد .فالجملة الكريمة تعجيب من أقوالهم الباطلة ، ومن غفلتهم عن الآيات الباهرة التى أعطاها الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسها القرآن الكريم الذى هو آية الآيات ، وحض لهم على الإِقلاع عما هم عليه من العنو والعناد .والإِنابة : الرجوع إلى الشئ بعد تردد ، فقد جرت عادة كثيرة من النفوس البشرية أن يعرض عليها الحق فتتردد فى قبوله فى أول الأمر ، ثم تعود إلى قبوله واعتناقه بعد قيام الدلائل على صحته وسلامته من الفساد .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قولهم ( لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ) قوله ( قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ .

.

.

) ؟قلت : هو كلام يجرى مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة والمتكاثرة التى أوتيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يؤتها نبى قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية .

فإذا جحدوها ولم يهتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط ، كان موضعاً للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم ، إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة فى الكفر ، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية ( ويهدي إِلَيْهِ مَنْ ) كان على خلاف صفتكم ( أَنَابَ ) أقبل إلى الحق وحقيقته دخل فى نوبة الخير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ اعلم أن الكفار قالوا: يا محمد إن كنت رسولاً فأتنا بآية ومعجزة قاهرة ظاهرة مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

فأجاب عن هذا السؤال بقوله: ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه: أحدها: كأنه تعالى يقول: إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة، ولكن الإضلال والهداية من الله، فأضلكم عن تلك الآيات القاهرة الباهرة، وهدى أقواماً آخرين إليها، حتى عرفوا بها صدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة، وإذا كان كذلك فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات.

وثانيها: أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل، فلما طلبوا بعدها آيات أخرى كان موضعاً للتعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم ﴿ إن الله يضل من يشاء ﴾ من كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة على الكفر فلا سبيل إلى اهتدائكم وإن أنزلت كل آية ﴿ ويهدي ﴾ من كان على خلاف صفتكم.

وثالثها: أنهم لما طلبوا سائر الآيات والمعجزات فكأنه قيل لهم لا فائدة في ظهور الآيات والمعجزات، فإن الإضلال والهداية من الله فلو حصلت الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية فإنه لم يحصل الانتفاع بها ولو حصلت آية واحدة فقط وحصلت الهداية من الله فإنه يحصل الانتفاع بها فلا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات.

ورابعها: قال أبو علي الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن رحمته وثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب: ﴿ ويهدي إليه من أناب ﴾ أي يهدي إلى جنته من تاب وآمن قال وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث أنه عقبه بقوله: ﴿ من أناب ﴾ أي تاب والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب، لأنه يستحقه على إيمانه، وذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب، لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا.

هذا تمام كلام أبي علي وقوله: (أناب) أي أقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله يَبْسُطُ الرزق ﴾ أي الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره، وهو الذي بسط رزق أهل مكة ووسعه عليهم ﴿ وَفَرِحُواْ ﴾ بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لافرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة، وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم الآخرة ليس إلا شيئاً نزرا يتمتع به كعجالة الراكب، وهو ما يتعجله من تميرات أو شربة سويق أو نحو ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ يُوَسِّعُهُ ويُضَيِّقُهُ.

﴿ وَفَرِحُوا ﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ.

﴿ بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِما بُسِطَ لَهم في الدُّنْيا.

﴿ وَما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ ﴾ أيْ في جَنْبِ الآخِرَةِ.

﴿ إلا مَتاعٌ ﴾ إلّا مُتْعَةٌ لا تَدُومُ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ وزادِ الرّاعِي، والمَعْنى أنَّهم أشِرُوا بِما نالُوا مِنَ الدُّنْيا ولَمْ يَصْرِفُوهُ فِيما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ نَعِيمَ الآخِرَةِ واغْتَرُّوا بِما هو في جَنْبِهِ نَزْرٌ قَلِيلُ النَّفْعِ سَرِيعُ الزَّوالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه اية مّن رَّبّهِ} أي الآية المقترحة {قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء} باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} ويرشد إلى دينه من رجع إليه بقلبه

الرعد (٢٨ _ ٣١)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ وأصْحابُهُ وإيثارُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلى الإضْمارِ مَعَ ظُهُورِ إرادَتِهِمْ عَقِيبَ ذِكْرِ فَرَحِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ ضَمِيرَ ( فَرِحُوا ) لَهم لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فِيما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ في أقْصى مَراتِبِ المُكابَرَةِ والعِنادِ كَأنَّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الآياتِ العِظامِ الباهِرَةِ لَيْسَتْ عِنْدَهم بِآيَةٍ حَتّى اقْتَرَحُوا ما لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الآياتِ كَسُقُوطِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ كِسْفًا وسَيْرِ الأخْشَبَيْنِ وجَعْلِ البِطاحِ مَحارِثَ ومُفْتَرَسًا كالأُرْدُنِ وإحْياءِ قُصَيٍّ لَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالُهُ مَشِيئَةٌ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها وهو كَلامُ جارٍ مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ وذَلِكَ أنَّ الآياتِ الباهِرَةَ المُتَكاثِرَةَ الَّتِي أُوتِيَها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُؤْتَها نَبِيٌّ قَبْلَهُ وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً فَإذا جَحَدُوها ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها كانَ ذَلِكَ مَوْضِعًا لِلتَّعَجُّبِ والإنْكارِ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ: ما أعْظَمَ عِنادَكم وما أشَدَّ تَصْمِيمَكم عَلى الكُفْرِ ونَحْوِهِ إلّا أنَّهُ وضَعَ هَذا مَوْضِعَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُتَعَجِّبَ مِنهُ يَقُولُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ ﴾ ..

إلَخْ أيْ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ فِيمَن يَشاءُ الضَّلالَ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى تَحْصِيلِهِ ويَدَعُهُ مُنْهَمِكًا فِيهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَنْجَحُ فِيهِ اللُّطْفُ ولا يَنْفَعُهُ الإرْشادُ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ كَمَن كانَ عَلى صِفَتِكم في المُكابَرَةِ والعِنادِ وشَدَّةِ الشَّكِيمَةِ والغُلُوِّ في الفَسادِ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاهْتِداءِ ولَوْ جاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ.

﴿ ويَهْدِي إلَيْهِ ﴾ أيْ إلى جانِبِهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ إلى دِينِهِ وشَرْعِهِ سُبْحانَهُ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلَيْهِ لا دَلالَةَ مُطْلَقَةً إلى ما يُوصِلُ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمُهْتَدِينَ وفِيهِ مِن تَشْرِيفِهِمْ ما لا يُوصَفُ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿ مَن أنابَ ﴾ .

(27) .

أيْ أقْبَلَ إلى الحَقِّ وتَأمَّلَ في تَضاعِيفِ ما نَزَلَ مِن دَلائِلِهِ الواضِحَةِ وحَقِيقَةُ الإنابَةِ الرُّجُوعُ إلى نَوْبَةِ الخَيْرِ وإيثارُها في الصِّلَةِ عَلى إيرادِ المَشِيئَةِ كَما في الصِّلَةِ الأُولى عَلى ما قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الدّاعِي إلى الهِدايَةِ بَلْ إلى مَشِيئَتِها والإشْعارِ بِما دَعا إلى المَشِيئَةِ الأُولى مِنَ المُكابَرَةِ وفِيهِ حَثٌّ لِلْكَفَرَةِ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلْإيماءِ إلى اسْتِدْعاءِ الهِدايَةِ السّابِقَةِ كَما أنَّ إيثارَ صِيغَةِ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ المَشِيئَةِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ مُكابَرَتِهِمْ والآيَةُ صَرِيحَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في نِسْبَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وأوَّلَها المُعْتَزِلَةُ فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المَعْنى يُضِلُّ مَن يَشاءُ عَنْ ثَوابِهِ ورَحْمَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ عَلى كُفْرِهِ فَلَسْتُمْ مِمَّنْ يُجِيبُهُ اللَّهُ تَعالى إلى ما يَسْألُ لِاسْتِحْقاقِكُمُ العَذابَ والضَّلالَ عَنِ الثَّوابِ ويَهْدِي إلى جَنَّتِهِ مَن تابَ وآمَنَ ثُمَّ قالَ: وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ الهُدى هو الثَّوابُ مِن حَيْثُ عُلِّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن أنابَ ﴾ والهُدى الَّذِي يَفْعَلُهُ سُبْحانَهُ بِالمُؤْمِنِ هو الثَّوابُ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عَلى إيمانِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ عَنِ الثَّوابِ لا عَنِ الدِّينِ بِالكُفْرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن خالَفَنا.

اهَـ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني: يوسع الرزق لمن يشاء من عباده، وَيَقْدِرُ يعني: يقتر في الرزق.

يعني: يختار للغني الغنى، وللفقير الفقر في رزق الله تعالى، لأنه يعلم أن صلاحه فيه.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «إن الله تعالى خلق الخلق، وهو بهم عليم، فجعل الغنى لبعضهم صلاحاً، وجعل الفقر لبعضهم صلاحاً، فذلك الخيار للفريقين» وقال الحسن البصري: ما أحد من الناس يبسط الله له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه، - وما أمسكها الله من عبد فلم يظن أنه خير له فيها، إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه (١) ثم قال: وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا يقول: استأثروا الحياة الدنيا عَلَى الاخرة وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ يعني: الدنيا بمنزلة الأواني التي لا تبقى مثل السكرجة والزجاجة، وأشباه كل ذلك التي يتمتع بها ثم يذهب، فكذلك هذه الدنيا تذهب وتفنى.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ كَمَثَلِ ماء يجعل أحدكم إصبعه فِي اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجعُ» .

وقال مجاهد: إِلَّا مَتاعٌ أي: قليل ذاهب، وهكذا قال مقاتل.

(١) ما بين معقوفتين ساقط في النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عن واوٍ، وقيل: أصل.

انتهى.

وقوله: مَا يَنْفَعُ النَّاسَ: يريد الخالِصَ من الماء ومِنْ تلك الأحجار.

وقوله سبحانه: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى: ابتداء كلام، والْحُسْنى:

الجنة.

وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا: هم الكفرة، وسُوءُ الْحِسابِ: هو التقصِّي على المحاسَب، وأَلاَّ يقع في حسابِهِ من التجاوُزِ شَيْءٌ قاله شَهْرُ بن حوشب والنّخعيّ وفرقد السبخيّ وغيرهم «١» .

أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)

وقوله سبحانه: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ...

المعنى: أسواءٌ مَنْ هداه اللَّه، فَعَلِمَ صدْقَ نبوَّتك، وآمن بك كمن هو أعمَى البصيرةِ باقٍ على كُفْره روي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في حمزةَ بْنِ عَبْدِ المطَّلب، وأَبِي جَهْل، وهي بَعْدَ هذا مثَالٌ في جميع العالم، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ: «إِنما» في هذه الآية: حاصرة، أي: إِنما يتذكَّر، فيؤمن ويراقب اللَّه مَنْ له لُبٌّ، ثم أخذ في وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...

الآية: قال الثعلبيُّ: قال عبد اللَّهِ بنُ المبارَكِ: هذه ثمانِ خِلاَلٍ مسيِّرةٌ إِلى ثمانيةِ أبوابِ الجنةِ «٢» ، وقال أبو بَكْرٍ الوَرَّاقُ: هذه ثمانِ جُسُورٍ، فمن أراد القربة مِنَ اللَّه عَبَرَهَا.

انتهى.

وباقي الآية ألفاظها واضحَة، وأنوارها لِذَوِي البصائر لائحة.

وَيَدْرَؤُنَ: يدفعون.

قال الغَزَالِيُّ: لما ذَكَرَ هذه الآيةَ: والذي آثر غُرُورَ الدنيا على نعيمِ الآخرةِ، فليس من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ  مِثْلَ آياتِ الأنْبِياءِ.

﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ: يَرُدُّهُ عَنِ الهُدى كَما رَدَّكم بَعْدَما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ وحَرَمَكُمُ الِاسْتِدْلالَ بِها.

﴿ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ ﴾ أيْ: رَجَعَ إلى الحَقِّ، وإنَّما يَرْجِعُ إلى الحَقِّ مَن شاءَ اللَّهُ رُجُوعَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ويَهْدِي مَن يَشاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدارِ ﴾ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدارِ ﴾ الصَبْرُ لِوَجْهِ اللهِ يَدْخُلُ في الرَزايا والأسْقامِ والعِباداتِ، وعَنِ الشَهَواتِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

وَ"ابْتِغاءَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، و"الوَجْهُ" في هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرُهُ الجِهَةُ الَّتِي تُقْصَدُ عِنْدَهُ تَعالى بِالحَسَناتِ لِتَقَعَ عَلَيْها المَثُوبَةُ، وهَذا كَما تَقُولُ: خَرَجَ الجَيْشُ لِوَجْهِ كَذا، وهَذا أظْهَرُ ما فِيهِ، مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ، و"إقامَةُ الصَلاةِ" هي الإتْيانُ بِها عَلى كَمالِها، والصَلاةُ هُنا هي المَفْرُوضَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْفَقُوا" يُرِيدُ بِهِ مُواساةَ المُحْتاجِ، و"السِرُّ" هو فِيما أُنْفِقَ تَطَوُّعًا، و العَلانِيَةُ فِيما أُنْفِقَ مِنَ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، لِأنَّ التَطَوُّعَ كُلَّهُ الأفْضَلُ فِيهِ التَكَتُّمُ.

وقَوْلُهُ ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ ﴾ أيْ: ويَدْفَعُونَ مَن رَأوا مِنهُ مَكْرُوهًا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وقِيلَ: يَدْفَعُونَ بِقَوْلِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" شِرْكَهُمْ، وقِيلَ: يَدْفَعُونَ بِالسَلامِ غَوائِلَ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالجُمْلَةِ لا يُكافِئُونَ الشَرَّ بِالشَرِّ، وهَذا بِخِلافِ خُلُقِ الجاهِلِيَّةِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأنْصارِ ثُمَّ هي عامَّةٌ -بَعْدَ ذَلِكَ- في كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عُقْبى دارِ الدُنْيا، ثُمَّ فَسَّرَ "العُقْبى" بِقَوْلِهِ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ إذِ العُقْبى تَعُمُّ حالَةَ الخَيْرِ وحالَةَ الشَرِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عُقْبى دارِ الآخِرَةِ لِدارِ الدُنْيا، أيِ: العُقْبى الجَنَّةُ في الدارِ الآخِرَةِ هي لَهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنّاتُ عَدْنٍ"، وقَرَأ النَخَعِيُّ: "جَنَّةُ عَدْنٍ يُدْخَلُونَها" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، و"جَنّاتُ" بَدَلٌ مِن "عُقْبى" وتَفْسِيرٌ لَها.

و"عَدْنٍ" هي مَدِينَةُ الجَنَّةِ ووَسَطُها، ومِنها "جَنّاتُ الإقامَةِ"، مِن "عَدَنَ في المَكانِ" إذا أقامَ فِيهِ طَوِيلًا، ومِنهُ المَعادِنُ، وجَنّاتُ عَدْنٍ يُقالُ: هي سَكَنُ الأنْبِياءِ والشُهَداءِ والعُلَماءِ فَقَطْ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ، ويُرْوى أنَّ لَها خَمْسَةَ آلافِ بابٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن صَلَحَ ﴾ أيْ: مَن عَمِلَ صالَحًا وآمَنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ: أيْ مَن صَلَحَ لِذَلِكَ بِقَدَرِ اللهِ تَعالى وسابِقِ عِلْمِهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ في صِفَةِ دُخُولِ المَلائِكَةِ أحادِيثَ لَمْ نُطَوِّلْ بِها لِضَعْفِ أسانِيدِها، والمَعْنى: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، فَحَذَفَ "يَقُولُونَ" تَخْفِيفًا وإيجازًا لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: هَذا بِما صَبَرْتُمْ، والمَعْنى في ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَنِعْمَ" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ أيْ: أنْ أُعْقِبُوا الجَنَّةَ مِن جَهَنَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ مَبْنِيٌّ عَلى حَدِيثٍ ورَدَ وهُوَ: « "أنَّ كُلَّ رَجُلٍ في الجَنَّةِ فَقَدْ كانَ لَهُ مَقْعَدٌ مَعْرُوفٌ في النارِ فَصَرَفَهُ اللهُ عنهُ إلى النَعِيمِ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ، ويُقالُ لَهُ: هَذا مَكانُ مَقْعَدِكَ فَبَدَّلَكَ اللهُ مِنهُ الجَنَّةَ بِإيمانِكَ وطاعَتِكَ وصَبْرِكَ"».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف غرض على غرض وقصةٍ على قصة.

والمناسبة ذكر فرحهم بحياتهم الدنيا وقد اغتروا بما هم عليه من الرزق فسألوا تعجيل الضرّ في قولهم: ﴿ اللّهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [سورة الأنفال: 32].

وهذه الجملة تكرير لنظيرتها السابقة ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ﴾ [سورة الرعد: 7].

فأعيدت تلك الجملة إعادةَ الخطيب كلمةً من خطبته ليأتي بما بقي عليه في ذلك الغرض بعد أن يفصل بما اقتضى المقام الفصل به ثم يتفرغ إلى ما تركه من قبل، فإنه بعد أن بَينتْ الآيات السابقة أنّ الله قادر على أن يعجل لهم العذاب ولكن حكمته اقتضت عدم التنازل ليتحدى عبيده فتبين ذلك كله كمال التبيين.

وكل ذلك لاحق بقوله: وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا تراباً إنا لفي خلق جديد [سورة الرعد: 5]، وعود إلى المهم من غرض التنويه بآية القرآن ودلالته على صدق الرسول، ولهذا أطيل الكلام على هدي القرآن عقب هذه الجملة.

ولذلك تعين أن موقع جملة إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} موقع الخبر المستعمل في تعجيب الرسول عليه الصلاة والسلام من شدة ضلالهم بحيث يوقن من شاهد حالهم أن الضلال والاهتداء بيد الله وأنهم لولا أنهم جبلوا من خلقة عقولهم على اتباع الضلال لكانوا مُهتدين لأن أسباب الهداية واضحة.

وتحت هذا التعجيب معان أخرى: أحدها: أن آيات صدق النبي صلى الله عليه وسلم واضحة لولا أن عقولهم لم تدركها لفساد إدراكهم.

الثاني: أن الآيات الواضحة الحسية قد جاءت لأمم أخرى فرأوها ولم يؤمنوا، كما قال تعالى: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ﴾ [سورة الإسراء: 59].

الثالث: } أن لعدم إيمانهم أسباباً خفية يعلمها الله قد أبهمت بالتعليق على المشيئة في قوله: ﴿ يضل من يشاء ﴾ منها ما يُومئ إليه قوله في مقابلة ﴿ ويهدي إليه من أناب ﴾ .

وذلك أنهم تكبروا وأعرضوا حين سمعوا الدعوة إلى التوحيد فلم يتأملوا، وقد ألقيت إليهم الأدلة القاطعة فأعرضوا عنها ولو أنابوا وأذعنوا لهداهم الله ولكنهم نفروا.

وبهذا يظهر موقع ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجيب به عن قولهم: ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ بأن يقول: ﴿ إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ ، وأن ذلك تعريض بأنهم ممن شاء الله أن يكونوا ضالين وبأن حالهم مثار تعجب.

والإنابة: حقيقتها الرجوع.

وأطلقت هنا على الاعتراف بالحق عند ظهور دلائله لأن النفس تنفر من الحق ابتداء ثم ترجع إليه، فالإنابة هنا ضد النفور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا مَتاعٌ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ قَلِيلٌ ذاهِبٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: زادُ الرّاعِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: وما جُعِلَتِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعًا يُتَزَوَّدُ مِنها إلى الآخِرَةِ مِنَ التَّقْوى والعَمَلِ الصّالِحِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: قال لي عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه-: لا تؤاخين قاطع رحم؛ فإني سمعت الله لعنهم في سورتين: في سورة الرعد وسورة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ولهم سوء الدار ﴾ قال: سوء العاقبة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن سابط رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ﴾ قال: كان الرجل يخرج في الزمان الأول في إبله أو غنمه، فيقول لأهله: متعوني.

فيمتعونه، فلقلة الخبز أو التمر.

فهذا مثل ضربه الله للدنيا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا متاع ﴾ قال: قليل ذاهب.

وأخرج الترمذي والحاكم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا رسول الله، لو اتخذنا لك.

فقال: ما لي وللدنيا!...

ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ الآية، قال المفسرون (١)  بالآيات، قال أهل المعاني: إنهم لم يستدلوا فيُعملوا مدلول الآيات التي بها، فلم يعتدوا بها، وقالوا هذا القول جهلًا منهم.

وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾ قال ابن عباس (٢) ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ أي رجع إلى الحق، قاله الزجاج (٣) ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ (٤) (١) الطبري 13/ 144، والثعلبي 7/ 134 أ، و"زاد المسير" 4/ 326، والقرطبي 9/ 315، و"البحر المحيط" 5/ 388.

(٢) "تنوير المقباس" 158، و"زاد المسير" 4/ 326، والقرطبي 9/ 315.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 147.

(٤) يونس: 25، إبراهيم: 4، النحل: 93، فاطر: 8، المدثر: 31.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله ﴾ إلى آخر الآية أوصاف مضافة كما تقدم وقيل: إنها في الخوارج، والأظهر أنها في الكفار ﴿ سواء الدار ﴾ يحتمل أن يراد بها الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: أجابوا ربهم فيما دعاهم إليه، وإنما دعاهم إلى السبب الذي يوجب لهم دار السلام وهي الجنة بقوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ دعاهم إلى دار السلام ومكن لهم من الإجابة له والرد، فمن أجابه فيما دعاه كان له دار السلام]، والحسنى الذي ذكر، ومن رد دعاءه كان له النار ودار الهوان؛ فأيهما اختار، فله الموعود الذي وعد؛ إن اختار إجابته إلى ما دعاه؛ فله النعيم الدائم الذي وعد ودار السلام؛ وإن اختار الرد وترك الإجابة، فله ما وعد من العذاب الدائم والهوان.

والأمثال التي ذكر أنها ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ هو هكذا للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وكذلك ما ذكر من القرآن أنه هدى ورحمة للمؤمنين، وأمّا على أهل الكفر؛ فهو عمى وضلال.

وكذلك قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ  ﴾ وأمّا قلوب الكفرة فما ذكر: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ و ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً  ﴾ وأمثاله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ .

أي: ضِعْفه معه؛ لافتدوا به، يذكر هذا - والله أعلم - أن الذي كان يمنعهم عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه - رغبتهم في هذه الدنيا؛ وميلهم إليها؛ يتمنون - لما يحل فيهم من العذاب والشدائد - أن يكون لهم ما في الأرض جميعاً أن يفتدوا به.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

أي: يحاسبون حساباً يسوءهم؛ لأن حسناتهم التي عملوها وطمعوا الإنتفاع بها - لم تنفعهم بل صارت كالسراب الذي ذكر: ﴿ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً  ﴾ ولم يتجاوز عن سيئاتهم ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ أي: الذي يأوون إليه؛ هو جهنم وبئس المهاد؛ لما يسوءهم ذلك والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: من يعلم الحق حقّاً كمن هو يعمى عنه ولا يعلم؟

أو من يعلم الحقّ أنه حق؛ كمن يعلمه باطلاً؟

ليسا بسواء؛ كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

[أي] إنما يتذكر - بالتذكير أولو الألباب وذوو العقول؛ الذين ينتفعون بعقولهم ولُبّهم.

ثم بين من هم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل عهد الله عهد خلقه؛ يوفون بما في خلقتهم [من العهد]؛ إذ في خلقة كل أحد - دلالة وحدانيته، وشهادة ألوهيته؛ فوفوا ذلك العهد.

ويحتمل: عهد الله ما جرى على ألسن الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...

﴾ الآية [آل عمران: 81] ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [آل عمران: 187].

﴿ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ ﴾ .

العهد والميثاق واحد، وسمي العهد ميثاقاً؛ لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن الاشتغال بغيره.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ الصلات التي أمر الله بها أن توصل على جهات ومراتب: أما ما بينه وبين المؤمنين: ألاَّ يحب لهم إلا ما يحب ولا يصحبهم إلا بما يحب هو أن يصحب، وأما فيما بينه وبين محارمه: أن يؤوي ويحفظ الحقوق التي جعل الله لبعضهم على بعض؛ ولا يضيعها.

وأما فيما بينه وبين الرسل: فهو أن من حقهم أن يوصل الإيمان بالنبيين جميعاً؛ والكتب كلها.

هذا والله أعلم الصلة التي أمر الله أن يوصل بها.

﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ إما في التقصير فيما أمر أن يوصل، وإما بالتفريط في ذلك، وترك الصلة.

﴿ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ﴾ أي: شدة الحساب؛ حين لم تنفعهم حسناتهم؛ ولا يتجاوز عن شيء من سيئاتهم؛ فذلك يسوءهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبر: هو كف النفس وحبسها عما تهواه؛ على ما تكره ويثقل عليها.

ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجذع في المصائب، وعلى أداء ما افترض الله عليهم وأمرهم بها، أو كفوا أنفسهم وحبسوها عن المعاصي، يكون الصبر على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.

والله أعلم.

[وقوله: ﴿ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين.

يحتمل: ابتغاء رضوان الله.

ويحتمل: ابتغاء وجه يكون لهم عند الله]، وهو المنزلة والرفعة، ولذلك سمي الرفيع وذو المنزلة: وجيهاً كقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ  ﴾ أي: ذو منزلة ورفعة في الدنيا والآخرة.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ  ﴾ أي: ثمَّ الجهة التي أمر الله أن يتوجه إليها، فعلى ذلك هذا ﴿ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم؛ أو ابتغاء رضوان الله ومرضاته والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

أي: داموا على إقامتها؛ ليس أنهم أقاموا مرة ثم تركوها؛ ولكن داموا على إقامتها، وعلى ذلك قوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ  ﴾ أي: دوموا على إقامتها.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: جعلوها قائمة أبداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .

يحتمل كل نفقة: الصدقة والزكاة وما ينفق على عياله وولده، ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ أي: ينفق في كل وقت؛ سرّاً من الناس وعلانية منهم أي: ينفق على جهل من الناس؛ وعلى علم منهم؛ ينفقون على كل حال؛ لا يمنعهم علم الناس بذلك عن الإنفاق، بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ .

أي: يدفعون بالحسنة السيئة، ثم يحتمل وجهين: أحدهما: يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم؛ كقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ...

﴾ الآية [فصلت: 34].

والثاني: يدرءون الإساءة التي كانت لهم إليهم بالخير إليهم والمعروف، ولا يكافئون بالسيئ السيئ؛ وبالشر الشر؛ ولكن يدفعون بالخير.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ أي: إذا سُفه عليهم حلموا، والسفه سيئة؛ والحلم حسنة.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .

أي: عقبى أولئك الذين صبروا؛ على ما ذكر؛ من وفاء العهد والصلة التي أمروا بها أن يصلوا؛ والصبر على أداء ما أمر به وافترض عليهم؛ والانتهاء عما نهى عنه - الدار التي دعاهم إليها بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ .

والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ أي: عقبى حسناتهم دار الجنة، وأولئك لهم عقبى هذه الدار الجنة، أو عاقبتهم دار الجنة.

ثم نَعَتَ تلك الدار؛ فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ .

عدن: قال أهل التأويل: عدن: هو بطان الجنة؛ وهو وسطها، وقال بعضهم: عدن هو الإقامة؛ أي: جنات يقيمون فيها؛ يقال: عدن: أي: أقام.

وقوله: - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ .

فإن قيل: كيف خص بالذكر الآباء والأزواج والذرية؛ وهم قد دخلوا في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ فما معنى تخصيصهم بالذكر؟

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أنهم أسلموا؛ فاخترموا؛ أي: ماتوا كما أسلموا؛ ولم يكن لهم مما ذكر من الخيرات والحسنات؛ فأخبر أن هؤلاء [يدخلونها - أيضا -] ويلحقون بأولئك.

والثاني: لم يبلغوا الدرجة التي بلغ أولئك؛ فأخبر - عز وجل - أنه يبلغهم درجة أولئك ويلحقهم به؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...

﴾ الآية [الطور: 21] يضم بعضهم إلى بعض في الآخرة كما كانوا في الدنيا، يضم كل ذي قرين في الدنيا قرينه إليه في الآخرة.

وفي قوله: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ ﴾ وما ذكر دلالة أن صلاح غيره وإن قرب منه لا ينفعه؛ حتى يكون في نفسه صلاح، حيث قال: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر؛ وهو ما قال لنوح: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  ﴾ دل هذا أن صلاح والده أو قريبه لا يجدي له نفعاً في الآخرة والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ .

هذا يحتمل أن يكون لمقامهم ومنازلهم أبواب؛ فيدخل عليهم من كل باب ملك.

والثاني: يحتمل أن [يكون] يأتي كل ملك بتحفة [غير التحفة] التي أتى بها الآخر على اختلاف خيراتهم وقدر أعمالهم.

﴿ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ أي: من كل نوع من التحف.

وفيه وجهان: أحدهما: أن الملائكة يكونون خدم أهل الجنة، وفي ذلك تفضيل [البشر] عليهم.

أو أن يكون على حق المصاحبة؛ لما أحبوا هم أهل الخير من البشر في الدنيا؛ لخيرهم؛ فجعل الله بينهم الرفقة، والصحبة في الآخرة والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ كقوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله أولئك لهم عقبى الدار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ العهد قد ذكرناه في غير موضع، وكذلك النقض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

كل حرف من هذه الحروف يقتضي معنى الحرف الآخر؛ إذا نقضوا العهد، والميثاق: قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل؛ وسعوا في الأرض بالفساد، وإذا قطعوا ما أمر الله به أن يوصل: نقضوا العهد؛ وسعوا في الأرض بالفساد؛ إلا أن يقال: إن نقض العهد يكون بالاعتقاد؛ وذلك يكون [بينهم وبين ربهم]، وكذلك قطع ما أمر الله به أن يوصل إذا كان الأمر الذي أمر به صلة الإيمان بالنبيين والكتب جميعاً؛ فإن كان صلة الأرحام؛ فهو فعل؛ والسعي في الأرض بالفساد فعل أيضاً؛ من زناً أو سرقة أو قطع الطريق، وغير ذلك من المعاصي [ما كان، فهو الإفساد في الأرض والله أعلم.

والإفساد في الأرض يحتمل: منعهم الناس [من] الإيمان به وتصديقه أو غيره من المعاصي] أو قطع الطريق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ يحتمل ما أمر الله به أن يوصل: ما ذكرنا من وصل الإيمان ببعض الرسل بالكل وبجميع الكتب، ويحتمل: صلة الأرحام التي فرض عليهم صلتهم؛ قطعوا ذلك.

أو أمرهم أن يصلوا أعمالهم بما اعتقدوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .

اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والإبعاد؛ كأنهم طردوا وأبعدوا عن رحمة الله في الآخرة، أو طردوا وأبعدوا من هداية الله وإرشاده في الدنيا.

﴿ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .

قد ذكرنا أنهم دعوا إلى دار؛ وحذروا عن دار: دعوا إلى دار السلام؛ فإن أجابوا فلهم الحسنى؛ على ما ذكر، وحذروا عن دار الهوان؛ [فإن لم يحذروا فلهم] دار السوء والهوان.

أو سماها سوء الدار؛ لما يسوء مقامهم فيها، أو ذكر لأهل النار سوء الدار مقابل ما ذكر لأهل الجنة: حسن المآب وحسن الثواب والحسنى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقول الذين كفروا بالله وبآياته: هلَّا أنزل على محمد آية حسّيّة من ربه تدل على صدقه، فنؤمن به، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المقترحين: إن الله يضل من يشاء بعدله، ويهدي إليه من رجع إليه بالتوبة بفضله، وليست الهداية بأيديهم حتى يربطوها بإنزال الآيات.

<div class="verse-tafsir" id="91.X98my"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله