الآية ٧١ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٧١ من سورة النحل

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧١ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧١ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يبين تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء ، وهم يعترفون أنها عبيد له ، كما كانوا يقولون في تلبياتهم في حجهم : " لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك " .

فقال تعالى منكرا عليهم : إنكم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيده له في الإلهية والتعظيم ، كما قال في الآية الأخرى : ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) الآية [ الروم : 28 ] .

قال العوفي ، عن ابن عباس في هذه الآية : يقول : لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني ، فذلك قوله : ( أفبنعمة الله يجحدون ) وقال في الرواية الأخرى عنه : فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم .

وقال مجاهد في هذه الآية : هذا مثل للآلهة الباطلة .

وقال قتادة : هذا مثل ضربه الله ، فهل منكم من أحد شارك مملوكه في زوجته وفي فراشه ، فتعدلون بالله خلقه وعباده ؟

فإن لم ترض لنفسك هذا ، فالله أحق أن ينزه منك .

وقوله : ( أفبنعمة الله يجحدون ) أي : أنهم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، فجحدوا نعمته وأشركوا معه غيره .

وعن الحسن البصري قال : كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هذه الرسالة إلى أبي موسى الأشعري : واقنع برزقك من الدنيا ، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق ، بل يبتلي به كلا ، فيبتلي من بسط له كيف شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله .

رواه ابن أبي حاتم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: والله أيها الناس فضّل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا، فما الذين فضَّلهم الله على غيرهم بما رزقهم ( بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) يقول: بمشركي مماليكِهم فيما رزقهم من الأموال والأزواج.( فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) يقول: حتى يستووا هم في ذلك وعبيدهم، يقول تعالى ذكره: فهم لا يرضَون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواء، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني ، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى ذكره للمشركين بالله.

وقيل: إنما عنى بذلك الذين قالوا: إن المسيح ابن الله من النصارى.

وقوله ( أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) يقول تعالى ذكره: أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا يجحدون بإشراكهم غير الله من خلقه في ، سلطانه ومُلكه؟

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) يقول: لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟

فذلك قوله ( أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: هذه الآية في شأن عيسى ابن مريم، يعني بذلك نفسه، إنما عيسى عبد، فيقول الله: والله ما تشركون عبيدكم في الذي لكم فتكونوا أنتم وهم سواء، فكيف ترضَون لي بما لا ترضون لأنفسكم .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن ، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) قال: مثل آلهة الباطل مع الله تعالى ذكره.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) وهذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد شارك مملوكه في زوجته وفي فراشه فتعدلون بالله خلقه وعباده ، فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحقّ أن ينـزه منه من نفسك، ولا تعدل بالله أحدا من عباده وخلقه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) قال: هذا الذي فضل في المال والولد، لا يشرك عبده في ماله وزوجته ، يقول: قد رضيت بذلك لله ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكا في ملكه وخلقه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدونقوله تعالى : والله فضل بعضكم على بعض في الرزق أي جعل منكم غنيا وحرا وعبدا .فما الذين فضلوا أي في الرزق .برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق شيئا حتى يستوي المملوك والمالك في المال .

وهذا مثل ضربه الله لعبدة الأصنام ، أي إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء فكيف تجعلون عبيدي معي سواء ; فلما لم يكن يشركهم عبيدهم في أموالهم لم يجز لهم أن يشاركوا الله - تعالى - في عبادة غيره من الأوثان والأنصاب وغيرهما مما عبد ; كالملائكة والأنبياء وهم عبيده وخلقه .

حكى معناه الطبري ، وقاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم .

وعن ابن عباس أيضا أنها نزلت في نصارى نجران حين قالوا عيسى ابن الله فقال الله لهم فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق حتى يكون المولى والعبد في المال شرعا سواء ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم فتجعلون لي ولدا من عبيدي .

ونظيرها ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء [ ص: 129 ] على ما يأتي .

ودل هذا على أن العبد لا يملك ، على ما يأتي آنفا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا من أدلة توحيده وقبح الشرك به، يقول تعالى: كما أنكم مشتركون بأنكم مخلوقون مرزوقون إلا أنه تعالى { فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ } فجعل منكم أحرارا لهم مال وثروة، ومنكم أرقاء لهم لا يملكون شيئا من الدنيا، فكما أن سادتهم الذين فضلهم الله عليهم بالرزق ليسوا { بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ } ويرون هذا من الأمور الممتنعة، فكذلك من أشركتم بها مع الله، فإنها عبيد ليس لها من الملك مثقال ذرة، فكيف تجعلونها شركاء لله تعالى؟!

هل هذا إلا من أعظم الظلم والجحود لنعم الله؟\" ولهذا قال: { أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } فلو أقروا بالنعمة ونسبوها إلى من أولاها، لما أشركوا به أحدا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) بسط عن واحد ، وضيق على الآخر ، وقلل وكثر .

( فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ) من العبيد ، ( فهم فيه سواء ) أي : حتى يستووا هم وعبيدهم في ذلك .

يقول الله تعالى : لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقهم الله سواء ، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني .

يلزم به الحجة على المشركين .

قال قتادة : هذا مثل ضربه الله عز وجل ، فهل منكم أحد يشركه مملوكه في زوجته وفراشه وماله؟

أفتعدلون بالله خلقه وعباده؟

( أفبنعمة الله يجحدون ) بالإشراك به ، وقرأ أبو بكر بالتاء لقوله " والله فضل بعضكم على بعض في الرزق " ، والآخرون بالياء لقوله : " فهم فيه سواء " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والله فضل بعضكم على بعض في الرزق» فمنكم غني وفقير ومالك ومملوك «فما الذين فضلوا» أي الموالي «برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم» أي بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها شركة بينهم وبين مماليكهم «فهم» أي المماليك والموالي «فيه سواء» شركاء المعنى ليس لهم شركاء من مماليكهم في أموالهم فكيف يجعلون بعض مماليك الله شركاء له «أفبنعمة الله يجحدون» يكفرون حيث يجعلون له شركاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله فَضَّل بعضكم على بعض فيما أعطاكم في الدنيا من الرزق، فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم مالك ومنكم مملوك، فلا يعطي المالكون مملوكيهم مما أعطاهم الله ما يصيرون به شركاء لهم متساوين معهم في المال، فإذا لم يرضوا بذلك لأنفسهم، فلماذا رضوا أن يجعلوا لله شركاء من عبيده؟

إن هذا لَمن أعظم الظلم والجحود لِنعم الله عز وجل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن خلق الإِنسان ، وتقلبه فى أطوار عمره ، إلى الحديث عن التفاوت بين الناس فى أرزاقهم ، فقال - تعالى - : ( والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق .

.

.

) فجعل منكم الغنى والفقير ، والمالك والمملوك ، والقوى والضعيف ، وغير ذلك من ألوان التفاوت بين الناس ، لحكمة هو يعلمها - سبحانه - .ثم بين - سبحانه - موقف المفضلين فى الرزق من غيرهم فقال : ( فَمَا الذين فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ .

.

) .أى : فليس الذين فضلهم الله - تعالى - فى الرزق على غيرهم ( برادى ) أى : بمانحى وباذلى ( رزقهم ) الذى رزقهم الله إياه على مماليكهم أو خدمهم الذين هم إخوة لهم فى الإنسانية ( فهم ) أى الأغنياء الذين فضلوا فى الرزق ومماليكهم وخدمهم ( فيه ) أى : فى هذا الرزق ( سواء ) من حيث إنى أنا الرازق للجميع .فالجملة الكريمة يجوز أن تكون دعوة من الله - تعالى - للذين فضلوا على غيرهم فى الرزق ، بأن ينفقوا على مماليكهم وخدمهم ، لأن ما ينفقونه عليهم هو رزق أجراه الله للفقراء على أيدى الأغنياء .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآية : أى : جعلكم متفاوتين فى الرزق ، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم ، وإخوانكم ، فكان ينبغى أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم ، حتى تتساووا فى الملبس والمطعم ، " كما يحكى عن أبى ذر أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " إنما هم إخوانكم ، فاكسوهم مما تلبسون ، وأطعموهم مما تطعمون " فما رؤى عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه ، وإزاره إزاره من غير تفاوت " .ويجوز أن تكون الآية الكريمة توبيخا للذين يشركون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة .

فيكون المعنى : لقد فضل الله - تعالى - بعضكم على بعض فى الرزق - أيها الناس - ، ومع ذلك فالمشاهد الغالب بينهم ، أن الاغنياء لا يردون أموالهم على خدمهم وعبيدهم بحيث يتساوون معهم فى الرزق ، وإذا ردوا عليهم شيئا ، فإنما هو شئ قليل يسير يدل على بخلهم وحرصهم .

.

مع أنى أنا الرازق للجميع .وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله عند تفسيره للآية : " يبين - تعالى - للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من شركاء وهم يعترفون بأنهم عبيد له ، كما كانوا يقولون فى تلبيتهم فى حجهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، فقال - تعالى - منكرا عليهم : أنتم لاترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى - بمساواة عبيد له فى الإلهية والتعظيم ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى( ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ .

.

) وقال العوفى عن ابن عباس فى هذه الآية يقول : لم يكونوا ليشركوا عبيدهم فى أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون معى عبيدى فى سلطانى .

.

" .وهذا المعنى الثانى هو الأقرب إلى سياق آيات السورة الكريمة ، لأن السورة الكريمة مكية ، ومن أهدافها الأساسية دعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله - عز وجل - ، ونبذ الإِشراك والمشركين ، وإقامة الأدلة المتنوعة على بطلان كل عبادة لغير الله - تعالى - .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ ) .والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع ، والفاء معطوفة على مقدر أى : أيشركون به - سبحانه - فيجحدون نعمه ، وينكرونها ، ويغمطونها حقها ، مع أنه - تعالى - هو الذى وهبهم هذه النعم ، وهو الذى منحهم ما منحهم من أرزاق؟!!

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا اعتبار حال أخرى من أحوال الإنسان، وذلك أنا نرى أكيس الناس وأكثرهم عقلاً وفهماً يفنى عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يتيسر له ذلك، ونرى أجهل الخلق وأقلهم عقلاً وفهماً تنفتح عليه أبواب الدنيا، وكل شيء خطر بباله ودار في خياله فإنه يحصل له في الحال، ولو كان السبب جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال، فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيباً، وأن الأجهل الأخس أوفر نصيباً، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام، كما قال تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا  ﴾ وقال الشافعي رحمه الله تعالى: ومن الدليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والاسم القبيح، وهذا بحر لا ساحل له وقد كنت مصاحباً لبعض الملوك في بعض الأسفار، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه، وكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه، وما كان يمكنه ركوب واحد منها، وربما حضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده، وما كان يمكنه تناول شيء منها، وكان الواحد منا صحيح المزاج قوي البنية كامل القوة، وما كان يجد ملء بطنه طعاماً، فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال، إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة، وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه منه.

أما قوله: ﴿ فَمَا الذين فُضِّلُواْ بِرَآدّى رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أيمانهم ﴾ ففيه قولان: القول الأول: أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة من أن السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى، والمعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعاً فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق، وانما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم وحاصل القول فيه أن المقصود منه بيان أن الرازق هو الله تعالى وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق للعبد والمولى هو الله تعالى، وتحقيق القول أنه ربما كان العبد أكمل عقلاً وأقوى جسماً وأكثر وقوفاً على المصالح والمفاسد من المولى، وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد وعزة ذلك المولى من الله تعالى كما قال: ﴿ تُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء  ﴾ .

والقول الثاني: أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكاً لله تعالى، ثم على هذا القول ففيه وجهان: الأول: أن يكون هذا رداً على عبدة الأوثان والأصنام، كأنه قيل: إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه، فلما لم تجعلوا عبيدكم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية، والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: إن عيسى ابن مريم ابن الله، فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء، فكيف جعلتم عبدي ولداً لي وشريكاً في الإلهية؟

ثم قال تعالى: ﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ معنى الفاء في قوله: ﴿ فَهُمْ ﴾ حتى، والمعنى: فما الذين فضلوا بجاعلي رزقهم لعبيدهم، حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك.

ثم قال: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ يَجْحَدُونَ ﴾ بالتاء على الخطاب لقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ وَفَضَّلَ بَعْضُكُمْ ﴾ والباقون بالياء لقوله: ﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقرب الخبر عنه، وأيضاً فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين، والمسلمون لا يخاطبون بجحد نعمة الله تعالى.

المسألة الثانية: لا شبهة في أن المراد من قوله: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ ﴾ الإنكار على المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة عليهم.

فإن قيل: كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام؟

قلنا: فيه وجهان: الوجه الأول: أنه لما كان المعطي لكل الخيرات هو الله تعالى فمن أثبت لله شريكاً فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات فكان جاحداً لكونها من عند الله تعالى، وأيضاً فإن أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من الله تعالى.

والوجه الثاني: قال الزجاج: المراد أنه تعالى لما قرر هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل، كان ذلك إنعاماً عظيماً منه على الخلق، فعند هذا قال: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ الله ﴾ في تقريره هذه البيانات وإيضاح هذه البينات ﴿ يَجْحَدُونَ ﴾ .

المسألة الثالثة: الباء في قوله: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ الله ﴾ يجوز أن تكون زائدة لأن الجحود لا يعدى بالباء كما تقول: خذ الخطام وبالخطام، وتعلقت زيداً وبزيد، ويجوز أن يراد بالجحود الكفر فعدي بالباء لكونه بمعنى الكفر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي: جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم، كما يحكي عن أبي ذرّ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون» فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ ﴾ فجعل ذلك من جملة جحود النعمة.

وقيل: هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء، فقال لهم: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء.

وقيل المعنى أنّ الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعاً، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق.

فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم.

وقرئ: ﴿ يجحدون ﴾ ، بالتاء والياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ ﴾ فَمِنكم غَنِيٌّ ومِنكم فَقِيرٌ، ومِنكم مَوالٍ يَتَوَلَّوْنَ رِزْقَهم ورِزْقَ غَيْرِهِمْ ومِنكم مَمالِيكُ حالُهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ.

﴿ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ ﴾ بِمُعْطِي رِزْقِهِمْ.

﴿ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ عَلى مَمالِيكِهِمْ فَإنَّ ما يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في أيْدِيهِمْ.

﴿ فَهم فِيهِ سَواءٌ ﴾ فالمَوالِي والمَمالِيكُ سَواءٌ في أنَّ اللَّهَ رَزَقَهم، فالجُمْلَةُ لازِمَةٌ لِلْجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ أوْ مُقَرِّرَةٌ لَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واقِعَةً مَوْقِعَ الجَوابِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَيَسْتَوُوا في الرِّزْقِ، عَلى أنَّهُ رَدٌّ وإنْكارٌ عَلى المُشْرِكِينَ فَإنَّهم يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ في الأُلُوهِيَّةِ ولا يَرْضَوْنَ أنْ يُشارِكَهم عَبِيدُهم فِيما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيُساوِرُهم فِيهِ.

﴿ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ حَيْثُ يَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكاءَ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُضافَ إلَيْهِمْ بَعْضُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَجْحَدُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ حَيْثُ أنْكَرُوا أمْثالَ هَذِهِ الحُجَجِ بَعْدَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإيضاحِها، والباءُ لِتَضَمُّنِ الجُحُودِ مَعْنى الكُفْرِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « تَجْحَدُونَ» بِالتّاءِ لِقَوْلِهِ: ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ و ﴿ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِى الرزق} أي جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم {فَمَا الذين فُضِّلُواْ} في الرزق يعني الملاك {بِرَآدِّي} بمعطي {رِزْقِهِمْ على مَا مَلَكَتْ أيمانهم} فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الملبس والمطعم {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} جملة اسمية وقعت في موضع جملة فعلية في موضع النصب لأنه جواب النفي بالفاء وتقديره فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم في الرزق وهو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء فقال لهم أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تجعلونهم فيه شركاء ولا ترضون ذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء {أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ} وبالتاء أبو بكر فجعل ذلك من جملة جحود النعمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ ﴾ أيْ جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ فِيهِ فَأعْطاكم مِنهُ أفْضَلَ مِمّا أعْطى مَمالِيكَكم ﴿ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا ﴾ فِيهِ عَلى غَيْرِهِمْ وهُمُ المُلّاكُ ﴿ بِرادِّي ﴾ أيْ بِمُعْطِي ﴿ رِزْقِهِمْ ﴾ الَّذِي رَزَقَهم إيّاهُ ﴿ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ عَلى مَمالِيكِهِمُ الَّذِينَ هم شُرَكاؤُهم في المَخْلُوقِيَّةِ والمَرْزُوقِيَّةِ ﴿ فَهُمْ ﴾ أيِ المُلّاكُ الَّذِينَ فُضِّلُوا والمَمالِيكُ ﴿ فِيهِ ﴾ أيْ في الرِّزْقِ ﴿ سَواءٌ ﴾ لا تَفاضُلَ بَيْنَهُمْ، والجُمْلَةُ اسْمِيَّةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ فِعْلٍ مَنصُوبٍ في جَوابِ النَّفْيِ أيْ لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ فَيَسْتَوُوا فِيهِ ويَشْتَرِكُوا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في تَأْوِيلِ فِعْلٍ مَرْفُوعٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (بِرادِّي) أيْ لا يَرُدُّونَهُ عَلَيْهِمْ فَلا يَسْتَوُونَ، والمُرادُ بِذَلِكَ تَوْبِيخُ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ وتَقْرِيعُهم والتَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ قُبْحِ فِعْلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لا تَرْضَوْنَ بِشَرِكَةِ عَبِيدِكم لَكم بِشَيْءٍ لا يَخْتَصُّ بِكم بَلْ يَعُمُّكم وإيّاهم مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي هم أُسْوَةٌ لَكم في اسْتِحْقاقِهِ وهم أمْثالُكم في البَشَرِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ فَما بالُكم تُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما لا يَلِيقُ إلّا بِهِ جَلَّ وعَلا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ الخاصَّةِ بِذاتِهِ تَعالى لِذاتِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي هو بِمَعْزِلٍ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، وهو عَلى ما صَرَّحَ بِهِ جَماعَةٌ عَلى شاكِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ  ﴾ يَعْنُونَ بِذَلِكَ أنَّهُ مَثَلٌ ضُرِبَ لِكَمالِ قَباحَةِ ما فَعَلُوهُ، وفي قَوْلِهِ ﴿ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ قَرِينَةٌ- كَما قِيلَ- عَلى ذَلِكَ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ ﴾ عَلى مُقَدَّرٍ وهي داخِلَةٌ في الحَقِيقَةِ عَلى الفِعْلِ أعْنِي (يَجْحَدُونَ) ولِتَضَمُّنِ الجُحُودِ مَعْنى الكُفْرِ جِيءَ بِالباءِ في مَعْمُولِهِ المُقَدَّمِ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ أوْ لِإبْهامِ الِاخْتِصاصِ مُبالَغَةً أوْ لِرِعايَةِ رُءُوسِ الآيِ، والمُرادُ بِالنِّعْمَةِ قِيلَ: الرِّزْقُ وقِيلَ ولَعَلَّهُ الأوْلى: ما يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ مِنَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ أيْ يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى فَيَجْحَدُونَ نِعْمَتَهُ تَعالى حَيْثُ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الإشْراكِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُضِيفُوا ما أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِنَ النِّعَمِ إلى شُرَكائِهِمْ ويَجْحَدُوا كَوْنَهم مِن عِنْدِهِ جَلَّ وعَلا، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى ما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ مِن إقامَةِ الحُجَجِ وإيضاحِ السُّبُلِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا نِعْمَةَ أجْلُّ مَن ذَلِكَ، فَمَعْنى جُحُودِهِمْ ذَلِكَ إنْكارُهُ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْهِ، وصِيغَةُ الغِيبَةِ لِرِعايَةِ (فَما الَّذِينَ) وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ «تَجْحَدُونَ» بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ رِعايَةً لِبَعْضِكُمْ، هَذا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَ بَعْضًا عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ وأنَّ المُفَضَّلِينَ لا يَرُدُّونَ مِن رِزْقِهِمْ عَلى مَن دُونَهم شَيْئًا وإنَّما أنا رازِقُهم فالمالِكُ والمَمْلُوكُ في أصْلِ الرِّزْقِ سَواءٌ وإنْ تَفاوَتا كَمًّا وكَيْفًا، والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الإعْجابِ والمَنِّ اللَّذَيْنِ هُما مُقَدِّمَتا الكُفْرانِ.

والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ أيْضًا أيْ أيَعْجَبُونَ ويَمُنُّونَ فَيَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ألا يَفْهَمُونَ فَيَجْحَدُونَ واخْتارَ في الكَشّافِ أنَّ المَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَكم مُتَفاوِتِينَ في الرِّزْقِ فَرَزَقَكم أفْضَلَ مِمّا رَزَقَ مَمالِيكَكم وهم بَشَرٌ مِثْلُكم وإخْوانُكم وكانَ يَنْبَغِي أنْ تَرُدُّوا فَضْلَ ما رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ حَتّى تُساوُوا في المَلْبَسِ والمَطْعَمِ كَمًّا يُحْكى عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: ««إنَّما هم إخْوانُكم فاكْسُوهم مِمّا تَلْبَسُونَ وأطْعِمُوهم مِمّا تَطْعَمُونَ»».

فَمًا رُئِيَ عَبْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ورِداؤُهُ رِداؤُهُ وإزارُهُ إزارُهُ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، وحاصِلُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَكم عَلى أمْثالِكم فَكانَ عَلَيْكم أنْ تَرُدُّوا مِن ذَلِكَ الفَضْلِ عَلَيْهِمْ شُكْرًا لِنِعْمَتِهِ تَعالى لِتَكُونُوا سَواءً في ذَلِكَ الفَضْلِ ويَبْقى لَكم فَضْلُ الإفْضالِ والتَّفَضُّلِ.

فالآيَةُ حَثٌّ عَلى حُسْنِ المِلْكَةِ وأدْمَجَ أنَّهم وعَبِيدَهم مَرْبُوبُونَ بِنِعْمَتِهِ تَعالى ذَلِكَ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ فِيها لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِكُفْرانِهِمْ نِعَمَهُ سُبْحانَهُ السَّوابِغَ إلى أنْ جَعَلُوا لَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْدادًا لا تَمِلِكُ لِنَفْسِها ضَرًّا ولا نَفْعًا فَعَبَدُوها عِبادَتَهُ تَعالى أوْ أشَدَّ وأسَدَّ، وفي ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، والعَطْفُ فِيهِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْضًا كَألا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَيَجْحَدُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ أي: يقبض أرواحكم وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي: إلى أسفل العمر، وهو الهرم لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً أي: صار بحال لا يعلم ما علم من قبل.

ويقال: لكيلا يعقل من بعد عقله الأول شيئاً.

ويقال: إن الهرم اسوأ العمر وشره.

وقوله: لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ أي: حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئاً، لشدة هرمه، بعد ما كان يعلم الأمور قبل الهرم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكم قَدِيرٌ على تحويلكم.

ويقال: معناه وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ يعني: أنه يحولكم من حال إلى حال تكرهونه، ولا يقدر معبودكم أن يمنعني من تغيير ذلك، والله عليم قدير على ذلك.

قوله عز وجل: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ أي: فضّل الموالي على العبيد في المال فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي: الموالي لا يرضون بدفع المال إلى المماليك فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أي: لا ترضون أن يكون عبيدكم معكم شركاء في أموالكم، فكيف ترضون لله تعالى أن تصفوا له شريكاً في ملكه وصفاته، وتصفوا له ولداً من عباده؟

وقال قتادة: هو الذي فضل في المال والولد لا يشرك عبيده في ماله، فقد رضيتم بذلك لله تعالى ولم ترضوا به لأنفسكم.

وقال مجاهد: ضرب الله مثلاً للآلهة الباطلة مع الله تعالى.

ويقال: نزلت الآية في وفد نجران حين قالوا في عيسى ما قالوا.

ثم قال تعالى: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ يقول: بوحدانية الله تعالى تكفرون وترضون له ما لا ترضون لأنفسكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وائتوني بعَسَلٍ فإن اللَّه تعالى يقول: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ وائتوني بزيت فإن اللَّه تعالى يقولُ: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ [النور: ٣٥] فجاءوه بذلك كلِّه فخَلَطَهُ جميعاً، ثم شَرِبَهُ، فَبّرأَ انتهى.

وقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وأرذلُ العَمَر الذي تَفْسُدُ فيه الحواسُّ، ويختلُّ العَقْل، وخص ذلك بالرذيَلةِ، وإن كانَتْ حالة الطُّفُولة كذَلِكَ مِنْ حيثُ كانَتْ هذه لا رَجَاءَ معها، وقال بعضُ الناس: أول أرذَلِ العُمُرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سنةً، روي ذلك عن علي «١» رضي الله عنه.

قال ع «٢» : وهذا في الأغْلَبِ، وهذا لا ينحصرُ إِلى مدَّة معيَّنة، وإِنما هو بحَسَبِ إِنسانٍ إِنسانٍ، ورُبَّ مَنْ يكون ابْنَ خمسينَ سنَةً، وهو في أرذلِ عمره، وربَّ ابن تسعينَ ليس في أرذَلِ عمره، واللامُ في لِكَيْ يشبه أنْ تكون لامَ الصيرورةِ، والمعنى: ليصير أمره بعْدَ العِلْم بالأشياء إلى ألاَّ يعلم شيئاً، وهذه عبارة عن قلَّة علمه، لا أنه لا يعلم شيئا البتّة.

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ إِخبار يُرَادُ به العِبْرة وإِنما هي قاعدةٌ بني المثل عليها، والمَثَل هو أن المفضَّلين لا يصحُّ منهم أن يساهموا مماليكهم فيما أُعْطُوا حتى تستوي أحوالُهم، فإِذا كان هذا في البَشَر، فكيف تنسبون أيها الكَفَرةُ إلى اللَّه أنَّه يسمح بأنْ يشرك في الألوهيَّة الأوثانَ والأصْنَامَ وغيرها ممَّا عُبدَ مِنْ دونه، وهم خَلْقُه ومِلْكُه، هذا تأويلُ الطبريِّ، وحكاه عن ابن عباس «٣» قال المفسِّرون:

هذه الآية كقوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ ﴾ يَعْنِي: فَضَّلَ السّادَةَ عَلى المَمالِيكِ ﴿ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا ﴾ يَعْنِي: السّادَةَ ﴿ بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ فَعَبَّرَتْ " ما " عَنْ " مَن " لِأنَّهُ مَوْضِعُ إبْهامٍ، تَقُولُ: ما في الدّارِ ؟

فَيَقُولُ المُخاطَبُ: رَجُلانِ أوْ ثَلاثَةٌ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ المَوْلى لا يَرُدُّ عَلى ما مَلَكَتْ يَمِينُهُ مِن مالِهِ حَتّى يَكُونَ المَوْلى والمَمْلُوكُ في المالِ سَواءً، وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ، والأصْنامَ مِلْكًا لَهُ، يَقُولُ: إذا لَمْ يَكُنْ عَبِيدُكم مَعَكم في المُلْكِ سَواءً، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ عَبِيدِي مَعِي سَواءً، وتَرْضَوْنَ لِي ما تَأْنَفُونَ لِأنْفُسِكم مِنهُ ؟!

ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمْ يَكُونُوا أشْرَكُوا عَبِيدَهم في أمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ، فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ عَبِيدِي مَعِي في سُلْطانِي.

وَرَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ حِينَ قالُوا: عِيسى ابْنُ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تَجْحَدُونَ " بِالتّاءِ.

وفي هَذِهِ النِّعْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حُجَّتُهُ وهِدايَتُهُ.

والثّانِي: فَضْلُهُ ورِزْقُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِن الطَيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَتِ اللهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِبارِ في إيجادِنا بَعْدَ العَدَمِ وإماتَتِنا بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِمَن يُنَكِّسُ مِنَ الناسِ لِأنَّهم مَوْضِعُ عِبْرَةٍ، و ﴿ أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ : آخِرُهُ الَّذِي تَفْسَدُ فِيهِ الحَواسُّ ويَخْتَلُّ النُطْقُ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالرَذِيلَةِ -وَإنَّ كانَتْ حالَةُ الطُفُولِيَّةِ كَذَلِكَ- مِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ لِأرْجاءٍ مَعَها، والطُفُولَةُ إنَّما هي بُداءَةُ والرَجاءُ مَعَها مُتَمَكِّنٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: أوَّلُ أرْذَلِ العُمْرِ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، رُوِيَ ذَلِكَ عن عَلِيٍّ رَضْيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا في الأغْلَبِ، وهو لا يَنْحَصِرُ إلى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما هو بِحَسَبِ إنْسانٍ إنْسانٍ.

والمَعْنى: ومِنكم مَن يَرْتَدُّ إلى أرْذَلِ عُمْرِهِ، ورُبَّ مَن يَكُونُ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً وهو في أرْذَلِ عُمْرِهِ، ورُبَّ ابْنِ مِائَةٍ أوَ تِسْعِينَ لَيْسَ في أرْذَلِ عُمْرِهِ، واللامُ في "لِكَيْلا" يُشَبِهَ أنْ يَكُونَ لامَ صَيْرُورَةٍ، ولَيْسَ بِبَيِّنٍ، والمَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ بَعْدَ العِلْمِ بِالأشْياءِ إلى ألّا يَعْلَمَ شَيْئًا، وهَذِهِ عِبارَةٌ عن قِلَّةِ عِلْمِهِ، لا أنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا البَتَّةَ، ولَمْ تَحُلْ "لا" بَيْنَ كَيْ ومَعْمُولِها لِتَصَرُّفِها، وأنَّها قَدْ تَكُونُ زائِدَةً.

ثُمَّ قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى عِلْمَهُ وقُدْرَتَهُ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ، ولا تُحِيلُها الحَوادِثُ، ولا تَتَغَيَّرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِزْقِ ﴾ إخْبارٌ يُرادُ بِهِ العِبْرَةُ، وإنَّما هي قاعِدَةُ بُنِيَ المَثَلُ عَلَيْها، والمَثَلَ هو أنَّ المُفَضَّلَيْنِ لا يَصِحُّ مِنهم أنْ يُساهِمُوا مَمالِيكَهم فِيما أعْطَوْا حَتّى تَسْتَوِيَ أحْوالُهُمْ، فَإذا كانَ هَذا في اليَسِيرِ فَكَيْفَ تَنْسُبُونَ أنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ إلى اللهِ تَعالى أنَّهُ يَسْمَحُ بِأنْ يُشْرَكَ في أُلُوهِيَّتِهِ الأوثانُ والأنْصابُ وهم خَلْقُهُ، وغَيْرُ هَذا مِمّا عُبِدَ كالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ وهم عَبِيدُهُ وخَلْقُهُ؟

هَذا تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ، وحَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وحُكِيَ عنهُ أنَّ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى جَحْدِهِمْ نِعْمَةَ اللهِ في تَنْبِيهِهِ لَهم عَلى مَثْلِ هَذا مِن مُواطِنِ النَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "يَجْحَدُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأها أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْرَجُ -بِخِلافٍ عنهُ-، وهي عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، قالَ قَتادَةُ: لا يَكُونُ الجَحْدُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ آيَةُ تَعْدِيدِ نِعَمٍ، و"الأزْواجُ": الزَوْجاتُ، ولا يَتَرَتَّبُ في هَذِهِ الآيَةِ الأنْواعُ ولا غَيْرُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ خَلْقَهُ حَوّاءَ مِن نَفْسِ آدَمَ وجِسْمِهِ، فَمِن حَيْثُ كانا مُبْتَدَأ الجَمِيعِ ساغَ حَمْلَ أمْرِهِما عَلى الجَمِيعِ حَتّى صارَ الأمْرُ كَأنَّ النِساءَ خُلِقْنَ مِن أنْفُسِ الرِجالِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةُ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: مِن نَوْعِكم وعَلى خِلْقَتِكُمْ، كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ ﴾ ظاهِرٌ في تَعْدِيدِ النِعْمَةِ في الأبْناءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: "وَحَفَدَةً" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَفَدَةُ: أولادُ البَنِينَ، وقالَ الحَسَنُ: هم بَنُوكَ وبَنُو بَنِيكَ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الضُحى، وإبْراهِيمُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الحَفَدَةُ: الأصْهارُ، وهم قُرابَةُ الزَوْجَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَفَدَةُ: الأنْصارُ والأعْوانُ والخَدَمُ، وحَكى الزَجاجُ أنَّ الحِفْدَةَ البَناتُ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، قالَ الزَهْراوِيُّ: لِأنَّهُنَّ خَدَمُ الأبَوَيْنِ، ولِأنَّ لَفْظَةَ "البَنِينَ" لا تَدُلُّ عَلَيْهِنَّ، ألا تَرى أنَّهُنَّ لَيْسَ في قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا  ﴾ ، وإنَّما الزِينَةُ في الذُكُورِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الحَفَدَةُ: أولادُ زَوْجَةِ الرَجُلِ مِن غَيْرِهِ، ولا خِلافَ أنَّ مَعْنى "الحَفْدُ" هو الخِدْمَةُ والبِرُّ والمَشْيُ في الطاعَةِ مُسْرِعًا، ومِنهُ في القُنُوتِ: "وَإلَيْكَ نَسْعى ونُحْفِدُ"، والحَفَدانُ: خَبَبٌ فَوْقَ المَشْيِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو جَمِيلُ بْنُ مُعَمَّرٍ: حَفَدَ الوَلائِدُ بَيْنَهُنَّ وأُسْلِمَتْ ∗∗∗ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرُ: كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نُوقًا يَمانِيَةً ∗∗∗ ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الفِرَقُ الَّتِي ذَكَرْتُ أقْوالَها إنَّما بَنَتْ عَلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ جُعَلَ لَهُ مِن أزْواجِهِ بَنِينَ وحِفْدَةٍ، وهَذا إنَّما هو في الغالِبِ وعُظْمِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مِن أزْواجِكُمْ ﴾ إنَّما هو عَلى العُمُومِ والِاشْتِراكِ، أيْ: مِن أزْواجِ البَشَرِ جَعَلَ اللهُ لَهُمُ البَنِينَ، ومِنهم جَعَلَ الخِدْمَةِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةً فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُ حَفَدَةً وحَصَّلَ تِلْكَ النِعْمَةَ، وأُولَئِكَ الحَفَدَةُ هم مِنَ الأزْواجِ، وهَكَذا تَتَرَتَّبُ النِعْمَةُ الَّتِي تَشْمَلُ جَمِيعَ العالَمِ، وتَسْتَقِيمُ لَفْظَةُ "الحَفَدَةُ" عَلى مَجْراها في اللُغَةِ، إذِ البَشَرُ بِجُمْلَتِهِمْ لا يَسْتَغْنِي أحَدٌ مِنهم عن حَفَدَةٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَفَدَةُ هُمُ البَنُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَسْتَقِيمُ عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً صِفَةً لَهُمْ، كَما لَوْ قالَ: جَعَلْنا لَهم بَنِينَ وأعْوانًا، أيْ: وهم لَهم أعْوانٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: وهم حَفَدَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَيِّباتِ ﴾ يُرِيدُ:المُلَّذَ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَطِيبُ لِمَن يُرْزَقُها، ولا يَقْتَصِرُ هُنا عَلى الحَلالِ؛ لِأنَّهم كُفّارٌ لا يَكْتَسِبُونَ بِشَرْعٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: "إنِ الرِزْقَ إنَّما يَكُونُ الحَلالُ فَقَطْ"، ولَهم تَعَلُّقُ في لَفْظَةِ "مِن" إذْ هي لِلتَّبْعِيضِ، فَيَقُولُونَ: لَيْسَ الرِزْقُ المُعَدِّدُ عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ ما بِأيْدِيهِمْ إلّا ما كانَ حَلالًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُؤَمِّنُونَ"، وتَجِيءُ الآيَةُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- تَوْقِيفًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هم يَكْفُرُونَ ﴾ إخْبارًا مُجَرَّدًا عنهُمْ، وحُكْمًا عَلَيْهِمْ لا تَوْفِيقًا، وقَدْ يُحْتَمَلُ التَوْقِيفُ أيْضًا عَلى قِلَّةِ اطِّرادٍ في القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا من الاستدلال على أن التّصرف القاهر لله تعالى.

وذلك أنه أعقب الاستدلال بالإحياء والإماتة وما بينهما من هرم بالاستدلال بالرّزق.

ولما كان الرّزق حاصلاً لكل موجود بُني الاستدلال على التّفاوت فيه بخلاف الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾ [سورة النحل: 70].

ووجه الاستدلال به على التصرّف القاهر أن الرزق حاصل لِجميع الخلق وأن تفاضل الناس فيه غير جار على رغباتهم ولا على استحقاقهم؛ فقد تجد أكيس الناس وأجودهم عقلاً وفهماً مقتّراً عليه في الرزق، وبضدّه ترى أجهل الناس وأقلّهم تدبيراً موسّعاً عليه في الرزق، وكلا الرجلين قد حصل له ما حصل قهراً عليه، فالمقتّر عليه لا يدري أسباب التّقتير، والموسّع عليه لا يدري أسباب تيسير رزقه، ذلك لأن الأسباب كثيرة متوالدة ومتسلسلة ومتوغّلة في الخفاء حتى يُظن أن أسباب الأمرين مفقودة وما هي بمفقودة ولكنها غير محاط بها.

ومما ينسب إلى الشافعي: ومن الدّليل على القضاء وكونه *** بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق ولذلك أسند التفضيل في الرزق إلى الله تعالى لأن أسبابه خارجة عن إحاطة عقول البشر، والحكيم لا يستفزّه ذلك بعكس قول ابن الراوندي: كم عاقل عاقل أعيَت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة *** وصيّر العالم النّحرير زنديقا وهذا الحكم دلّ على ضعف قائله في حقيقة العلم فكيف بالنّحريرية.

وتفيد وراء الاستدلال معنى الامتنان لاقتضائها حصول الرزق للجميع.

فجملة والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} مقدمة للدّليل ومنّة من المنن لأن التفضيل في الرزق يقتضي الإنعام بأصل الرزق.

وليست الجملة مناط الاستدلال، إنما الاستدلال في التمثيل من قوله تعالى: ﴿ فما الذين فضلوا برادي رزقهم ﴾ الآية.

والقول في جعل المسند إليه اسم الجلالة وبناء المسند الفعلي عليه كالقول في قوله تعالى: ﴿ والله خلقكم ثم يتوفاكم ﴾ [سورة النحل: 70].

والمعنى: الله لا غيره رزقكم جميعاً وفضّل بعضكم على بعض في الرزق ولا يسعكم إلا الإقرار بذلك له.

وقد تمّ الاستدلال عند قوله تعالى: ﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ بطريقة الإيجاز، كما قيل: لمحة دالة.

وفرع على هذه الجملة تفريع بالفاء على وجه الإدماج قولُه تعالى: ﴿ فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ﴾ .

وهو إدماج جاء على وجه التمثيل لتبيان ضلال أهل الشرك حين سَوّوا بعض المخلوقات بالخالق فأشركوها في الإلهية فساداً في تفكيرهم.

وذلك مثل ما كانوا يقولون في تلبية الحجّ (لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك).

فمثل بطلان عقيدة الإشراك بالله بعضَ مخلوقاته بحالة أهل النّعمة المرزوقين، لأنهم لا يرضون أن يُشركوا عبيدهم معهم في فضل رزقهم فكيف يسوّون بالله عبيده في صفته العظمى وهي الإلهيّة.

ورشاقة هذا الاستدلال أن الحالتين المشبّهتين والمشبّه بهما حالتا مولى وعبد، كما قال تعالى: ﴿ ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ﴾ [سورة الروم: 28].

والغرض من التمثيل تشنيع مقالتهم واستحالة صدقها بحسب العرف، ثم زيادة التشنيع بأنهم رضوا لله ما يرضونه لأنفسهم، كقوله تعالى: ﴿ ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ﴾ إلى قوله: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ [سورة النحل: 57، 60].

وقرينة التمثيل والمقصد منه دلالة المقام.

وقوله تعالى: ﴿ فما الذين فضلوا ﴾ نفيٌ.

و(ما) نافية، والباء في ﴿ برادي رزقهم ﴾ الباءُ التي تزاد في خبر النفي ب (ما) و(ليس).

والرادّ: المعطي.

كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم «والخُمُس مردود عليكم» أي فما هم بمعطين رزقهم لعبيدهم إعطاء مشاطرة بحيث يسوّونهم بهم، أي فما ذلك بواقع.

وإسناد الملك إلى اليمين مجاز عقلي، لأن اليمين سبب وَهمِي للمِلك، لأن سبب الملك إما أسر وهو أثر للقتال بالسيف الذي تمسكه اليد اليمنى، وإما شراء ودفع الثمن يكون باليد اليمنى عرفاً، فهي سبب وهَمي ناشئ عن العادة.

وفرعت جملة ﴿ فهم فيه سواء ﴾ على جملة ﴿ فما الذين فضلوا برادي رزقهم ﴾ ، أي لا يشاطرون عبيدهم رزقهم فيستووا فيه، أي لا يقع ذلك فيقع هذا.

فموقع هذه الجملة الإسميّة شبيه بموقع الفعل بعد فاء السببية في جواب النفي.

وأما جملة ﴿ أفبنعمة الله يجحدون ﴾ فصالحة لأن تكون مفرّعة على جملة ﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ باعتبار ما تضمّنته من الامتنان، أي تفضّل الله عليكم جميعاً بالرزق أفبنعمة الله تجحدون، استفهاماً مستعملاً في التوبيخ، حيث أشركوا مع الذي أنعم عليهم آلهة لا حظّ لها في الإنعام عليهم.

(وذلك جحود النعمة كقوله تعالى: ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ﴾ [سورة العنكبوت: 17].

وتكون جملة ﴿ فما الذين فضلوا ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ معترضة بين الجملتين.

وعلى هذا الوجه يكون في ﴿ يجحدون ﴾ على قراءة الجمهور بالتحتية التفات من الخطاب إلى الغيبة.

ونكتته أنهم لما كان المقصود من الاستدلال المشركين فكانوا موضع التوبيخ ناسب أن يعرض عن خطابهم وينالهم المقصود من التوبيخ بالتعريض كقول: أبى لك كسب الحمد رأي مقصّر *** ونفس أضاق الله بالخير باعها إذا هي حثّته على الخير مرّة *** عصاها وإن همّت بشر أطاعها ثم صرّح بما وقع التعريض به بقوله: ﴿ أفبنعمة الله يجحدون ﴾ .

وقرأ أبو بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب ﴿ تجحدون ﴾ بالمثناة الفوقية على مقتضى الظاهر ويكون الاستفهام مستعملاً في التحذير.

وتصلح جملة ﴿ أفبنعمة الله يجحدون ﴾ أن تكون مفرّعة على جملة ﴿ فما الذين فضلوا برادي رزقهم ﴾ ، فيكون التوبيخ متوجّهاً إلى فريق من المشركين وهم الذين فضلوا بالرزق وهم أولو السّعة منهم وسادتهم وقد كانوا أشدّ كفراً بالدين وتألّباً على المسلمين، أي أيجحد الذين فضلوا بنعمة الله إذْ أفاض عليهم النّعمة فيكونوا أشد إشراكاً به، كقوله تعالى: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهّلهم قليلا ﴾ [سورة المزمل: 11].

وعلى هذا الوجه يكون قوله تعالى: ﴿ يجحدون ﴾ في قراءة الجمهور بالتحتية جارياً على مقتضى الظاهر.

وفي قراءة أبي بكر عن عاصم بالمثناة الفوقية التفاتاً من الغيبة إلى خطابهم إقبالاً عليهم بالخطاب لإدخال الروع في نفوسهم.

وقد عُدّي فعل ﴿ يجحدون ﴾ بالباء لتضمّنه معنى يكفرون، وتكون الباء لتوكيد تعلّق الفعل بالمفعول مثل ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [سورة المائدة: 6].

وتقديم بنعمة الله على متعلّقه وهو ﴿ يجحدون ﴾ للرعاية على الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أغْنى وأفْقَرَ، ووَسَّعَ وضَيَّقَ.

الثّانِي: في القَناعَةِ والرَّغْبَةِ.

الثّالِثُ: في العِلْمِ والجَهْلِ.

قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: أجَلُّ ما رُزِقَ الإنْسانُ مَعْرِفَةٌ تَدُلُّهُ عَلى رَبِّهِ، وعَقْلٌ يَدُلُّهُ عَلى رُشْدِهِ.

وَفي التَّفْضِيلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَضَّلَ السّادَةَ عَلى العَبِيدِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ومَن يَرى أنَّ التَّفْضِيلَ في المالِ.

الثّانِي: أنَّهُ فَضَّلَ الأحْرارَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

﴿ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَبِيدَهم لَمّا لَمْ يُشْرِكُوهم في أمْوالِهِمْ لَمْ يَجُزْ لَهم أنْ يُشارِكُوا اللَّهَ تَعالى في مُلْكِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ.

الثّانِي: أنَّهم وعَبِيدَهم سَواءٌ في أنَّ اللَّهَ تَعالى رَزَقَ جَمِيعَهم، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رِزْقِ عَبْدِهِ إلّا أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ كَما لا يَقْدِرُ أنْ يَرْزُقَ نَفْسَهُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ورِزْقِهِ يُنْكِرُونَ.

الثّانِي: بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن حُجَجِهِ وهِدايَتِهِ يَضِلُّونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ الآية.

يقول: لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم، وكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني؟.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال: هذا مثل الآلهة الباطل مع الله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ الآية.

قال: هذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد يشارك مملوكه في زوجته وفي فراشه؟!

أفتعدلون بالله خلقه وعباده؟

فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحق أن تبرئه من ذلك، ولا تعدل بالله أحداً من عباده وخلقه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء الخراساني في الآية.

قال: هذا مثل ضربه الله في شأن الآلهة، فقال كيف تعدلون بي عبادي، ولا تعدلون عبيدكم بأنفسكم، وتردون ما فضلتم به عليهم فتكونون أنتم وهم في الرزق سواء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، اقنع برزقك في الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق، بلاء يبتلى به كلا، فيبتلي به من بسط له، كيف شكره فيه، وشكره لله أداؤه الحق الذي افترض عليه مما رزقه وخوله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ في الرِّزْقِ ﴾ : كَثَّر وقَلَّلَ، وبَسَطَ وقَبَضَ، ووَسَّعَ وضَيَّقَ، ﴿ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا ﴾ : في الرزق وأُعطوا الفضْل، ﴿ بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ ، يقول: لا يردّ المولى على ما ملكت يمينه مما رُزق شيئًا حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء.

قال أبو إسحاق: أي قد فَضَّلَ اللهُ المُلاَّكَ على ممالِيكِهِم، فجعلَ المملوك لا يقدر على مِلْكٍ من مَوْلَاه، وأعلم أن المالكَ ليس يَرُدُّ على مملوكه من فضل ماله حتى يستوي حالهما في الملك (١) ﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ﴾ حتى (٢) ﴿ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا ﴾ : بجاعلي رزقهم لعبيدهم حتى يكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك، فقدله: ﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ﴾ صفة لما تَقَدَّمه من الخبر لا جوابٌ له؛ ولو كان جوابًا له لكان قد أوجب أن يكون المولى والعبيد في ذلك سواء، وهو عز وجل إنما أراد أنهم لا يستوون في الملك، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ  ﴾ بمعنى: حتى أنتم فيه سواء إليّ، هل يشاركونكم في أموالكم حتى تكونوا أنتم وهم فيه سواء.

وهذا الذي ذكرنا هو قول جميع المفسرين في هذه الآية؛ قال مجاهد: هذا مَثَلُ آلهة الباطل مع الله (٣) وقال السدي: يقول: فكما لا يرد أحدهم على مملوكه مما رزقه الله حتى يكون مثله، فلذلك لا أكون أنا وهذا الصنم الذي هو من خلقي ومما ملكت سواءً فيما خلقت (٤) وقال قتادة: يقول: هذا الذي فُضِّل في المال والولد لا يشرك عبدَه في ماله وزوجته، يقول: قد رضيتَ بذلك لله ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكًا في خلقه وملكه (٥) وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: عيسى ابن مريم ابن الله (٦) قال الفراء: فهذا مثل ضربه الله للذين قالوا: إن عيسى ابنه، فقال: أنتم لا تُشركون عبيدكم فيما ملكتم، فتكونون سواءً فيه، فكيف جعلتم عَبْدَه شريكًا له تعالى (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ قرأه العامة: يجحدون بالياء (١٠) (١١) وذكر الزجاج في هذا وجهين، أحدهما: أفبِأنْ أَنْعَمَ اللهُ عليكم اتَّخَذْتُم النِّعَمَ لتجحدوا وتشركوا به الأصنام؛ فعلى هذا النعمة بمعنى الإنعام.

والثاني: قال أفبما أنعم الله به عليكم بأن بَيَّنَ لكم ما تحتاجون إليه تجحدون (١٢) ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ ﴾ يجوز أن تكون زيادة [[انظر: التعليق على دعوى الزيادة في القرآن، عند آية [10]، من سورة إبراهيم.]]؛ لأن الجحود لا يُعدَّى بالباء، وهذا قول المفضَّل كما يقول: خذ الخطام وبالخطام، وتعلقت زيدًا وبه (١٣) (١٤) (١٥) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 212، بنصه تقريبًا.

(٢) أشار المرادي إلى أن الفاء قد تأتي بمعنى (حتى) عند بعض النحويين؛ كما في قوله ﴿ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ  ﴾ لكنه ضعف هذا القول، معتبرًا الفاء هنا عاطفة.

"الجنى الداني" ص 77، وهذا القول الذي ذكره صاحب النظم قول جيد، وقد إنفرد به، فلم أجده في كتب إعراب القرآن، وقد ذكر المنتجب في "الفريد في إعراب القرآن" 3/ 239، عند قوله تعالى: ﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ﴾ ثلاثة أقوال: أن الجملة من المبتدأ والخبر جملة اسمية واقعة في موضع جملة فعلية، ومحلها النصب على جواب النفي بالفاء، والتقدير: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا مع عبيدهم، أو على الحال على تقدير زيادة الفاء.

أن محلها الرفع، إما على الاستئناف، أي هم سواء في أني رزقت الجميع، أو على العطف على موضع برادي، على تقدير: فما الذين فضلوا يردون رزقهم على ما ملكت أيمانهم فما يستوون.

أنه على إضمار ألف الاستفهام، أي: أفهم فيه سواء؟

على سبيل التوبيخ والتقريع، ومعناه النفي: أي ليسوا مستوين فيه.

(٣) "تفسير مجاهد" ص 349، بنصه، وأخرجه الطبري 14/ 143 بنصه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 636، و"الدر المنثور" 4/ 233، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 358) بنصه، والطبري 14/ 143 بنصه، ومن طريق آخر بمعناه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنحوه، وورد بمعناه في "تفسير الجصاص" 3/ 185، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 86، و"تفسير الثعلبي" 2/ 159 ب، والطوسي 6/ 406، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 31، و"تفسير القرطبي" 10/ 141، والخازن 3/ 126، وأبي حيان 5/ 514، وابن كثير 2/ 636، و"الدر المنثور" 4/ 233، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٦) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 160 أ، بنصه بلا إسناد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 468، بنصه، و"تفسير القرطبي" 10/ 141، بنصه، وورد بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، ولم أجده في أسباب النزول، ولم يورده المؤلف في أسباب النزول، كما أنه ورد بدون إسناد، فلا يثبت.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 110، بنصه.

(٨) (أنتم): ساقطة من (ش).

(٩) ما بين القوسين ساقط من (ع)، وهو أشبه بكلام معترض، ويستقيم الكلام بدونه، بل بدونه أوضح.

(١٠) انظر: "السبعة" ص 374، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 358، و"علل القراءات" 1/ 308، و"الحجة للقراء" 5/ 76، و"المبسوط في القراءات" ص 225، و"شرح الهداية" 2/ 381، و"التيسير" ص 138.

(١١) انظر: المصادر السابقة.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 212، بنصه.

(١٣) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 80، بنصه بلا نسبة.

(١٤) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 242، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 3/ 77، و"تفسير البيضاوي" 3/ 187، وأبي السعود 5/ 127.

(١٥) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 80، بنصه دون عزو للواحدي.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق ﴾ الآية في معناها قولان: أحدهما أنها احتجاج على الوحدانية، وكأنه يقول أنتم لا تسوّون بين أنفسكم وبين مماليككم في الرزق، ولا تجعلونهم شركاء لكم، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي، والآخر: أنها عتاب وذم لمن لا يحسن إلى مملوكه حتى يرد ما رزقه الله عليه كما جاء في الحديث: «أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون» والأول أرجح ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ ﴾ الجحد هنا على المعنى الأول إشارة إلى الإشراك بالله، وعبادة غيره، وعلى المعنى الثاني إشارة إلى جنس المماليك فيما يجب لهم من الإنفاق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾ فإن قيل لنا أي منة له علينا في ذكر خلقنا ثم توفيه إيانا ورده لنا إلى الحال التي ذكر وهو حال الجهل حتى لا نعلم شيئاً.

قيل ذكر هذا - والله أعلم - يحتمل وجوهاً: أحدها: يذكرهم أنه هو الذي خلقكم، ثم هو يتوفاكم، ثم هو يملك ردكم إلى الحال التي لا تعلمون شيئاً، وفي ملكه وسلطانه تتقلبون، فكيف عبدتم الأصنام والأوثان التي لا يملكون شيئاً من ذلك وأشركتموها في ألوهيته وعبادته، أو يذكر هذا أنه خلقكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يتوفاكم بعد ما أحياكم، ثم يردكم إلى الحال التي لا تعقلون شيئاً بعدما جعلكم عقلاء علماء، فمن يملك هذا ويقدر على هذا، يقدر على الإحياء بعد الموت والبعث بعد الفناء.

أو يذكر هذا؛ ليعلموا أنه لم يكن المقصود بخلقهم الفناء خاصة، لكن لأمر آخر قصد بخلقهم، وهو ما ذكر فيما تقدم من أنواع النعم وتسخير ما ذكر من الأشياء لهم ليعلموا أن المقصود في خلقهم لم يكن الفناء خاصة؛ إذ لو كان الفناء خاصة لم يحتج إلى ما خلق لهم من الأغذية والنعم التي أنشأ لهم والأشياء التي سخرها لهم.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ﴾ وكنتم نطفاً أمواتاً فأحياكم، ثم يتوفاكم أطفالا وشيوخاً، ومنكم من يعمر إلى أرذل العمر، يقول: يرده بعد قوة وعلم وتدبير الأمور إلى الخرف والجهل بعد العلم ليبين لخلقه أن العمر والرزق ليس بهما ربي وقوي؛ لأنهما ثابتان ثم يبلى ويفنى بهما ويرجع إلى الجهل، ولكن بلطف من الله وتدبير منه، لا بالأغذية، والله أعلم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ ﴾ بما دبر في خلقه مما يدركون به قدرة خالقهم، وتصريفه الأمور، وبما يكونون به حكماء وعلماء أن الذي دبرها حكيم قدير على ما شاء، والحكمة فيما ذكر من تفريق الآجال ليكونوا أبداً خائفين راجين؛ لأنه لو كانت آجالهم واحدة يأمنون ويتعاطون المعاصي على أمن، لما يعلمون وقت نزول الموت بهم.

والثاني: ليعلموا أن التدبير في أنفسهم وملكهم لغيرهم لا لهم؛ لأن التدبير والأمر لو كان إليهم لكان كل منهم يختار من الحال ما هو أقوى وآكد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: [يذكر] هذا مقابل ما أشركوا خلقه وعباده في ألوهيته [وعبادته]، يقول: فضل الله بعضكم على بعض في الرزق والأموال حتى بلغوا السادة والموالي فلا ترضون أن يكون عبيدكم ومماليككم شركاء في ملككم وأموالكم، فكيف ترضون لله أن يكون عبيده ومماليكه شركاء، إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل.

وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ ﴾ أغنى بعضكم، وأفقر بعضاً، وجعل منكم أحراراً وعبيداً ﴿ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ ﴾ بالغنى والتمليك ﴿ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ من عبيدهم ﴿ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ إذ يستوي المولى وعبده فيما ملكت يمينه، يقول: فليس أحد منكم يرضى أن يكون عبده بمنزلته فيما يملك سواء، فإذا رأيتم أنتم ذلك نقصا بكم لو فعلتم، فكيف زعمتم أن الله أشرك بينه وبين أحجار حتى أشركتم ما ملككم الله بينه وبين الأوثان في العبادة وفيما آتاكم من رزق، فقلتم: هذا لله، وهذا لشركائنا ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ يقول أنعم الله عليهم بأنفسهم وأرزاقهم وأموالهم وأولادهم، فأشركوا غير الله فيها، وجحدوا نعمة الله عليهم [بها عصوا]، وبها كفروا، ثم ألزمهم النظر في الفضل الذي ذكر أنه فضل بعضهم على بعض إلى عين الفضل الذي كان من الله، لا إلى الأسباب التي اكتسبوها، ليعلموا أنهم لم ينالوا تلك الفضائل باستحقاق منهم، ولكن إنما نالوا بفضل منه ورحمة، فيكون ذلك دليلا لهم فيما أنكروا من أفضال الله، واختصاصه بعضهم بالرسالة والنبوة، وإن كانوا جميعاً من بشر، ومن جنس واحد على ما فضل بعضهم على بعض في الرزق، والسعة، والملك، والحرية والسلطان، وإن كانوا جميعاً في الجنس واحد، فإذا لم تنكروا هذا النوع من الفضل والاختصاص لبعض على بعض، فكيف أنكرتم ذلك الفضل والاختصاص بالرسالة ممن فضله ورحمته، فلذلك قال - والله أعلم -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ  ﴾ أخبر أنه برحمته وفضله ينال ما ينال من الرسالة وغيرها، لا بالاستحقاق والاستيجاب كان منهم، أو أن يذكر سفههم بأنهم يأنفون أن يشركوا عبيدهم ومماليكهم في ملكهم وأموالهم ولهم بهم منافع من الخدمة والإعانة في الأمور، فما بالهم يشركون أحجاراً وخشبا، لا منفعة لأحد منهما في ألوهية الله وربوبيته وفي عبادته: ﴿ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ على تأويل النبوة أبفضل الله وبرحمته يجحدون أنه لا يفضل بعضا على بعض بالرسالة، أو يجحدون ما آتاهم الله من النعم، فيصرفون نعمه إلى غيره، وهي الأصنام التي عبدوها، فقالوا: هذا لشركائنا، أو يصرفون شكر نعمه إلى غيره، وهي الأوثان التي عبدوها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ قال الحسن وغيره: الحفدة: الخدم والمماليك، فهو على التقديم، على تأويل هؤلاء، يقول: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وخدماً من جنسكم؛ لأنه ذكر فيما تقدم: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ...

﴾ الآية، يذكرهم نعمه وفضله الذي ذكر أنه جعل لكم من جنسكم أزواجاً وخدماً تحت أيديهم، يستمتعون بالأزواج، ويستخدمون الخدم والمماليك، وهم من جنسهم وجوهرهم، يذكرهم فضله ومننه عليهم.

أو يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً...

 ﴾ الآية، كانوا يأنفون عن البنات، ويدفنونهن أحياء إذا ولدن أنفا منهن، يقول - والله أعلم -: كيف تأنفون منهن وقد جعل لكم من البنات أزواجاً تستمتعون بهن حتى لا تصبروا عنهن، وكذلك جعل لكم من البنات والبنين الذين ترغب أنفسكم فيهم ما لولا البنات لم تكن لكم الأزواج التي تستمتعون بهن، ولم يكن لكم البنون الذين ترغبون فيهم، والأنصار والأعوان والخدم الذين ترغبون فيهم، يبين ويذكر تناقضهم في الأنفة منهن يأنفون منهن، ومن البنات يكون ما يرغبون فيهم؛ فهذا يدل أن النساء يصرن كالملك للأزواج، ويصرن تحت أيديهم في حق ملك الاستمتاع، كالمماليك في حق ملك الرقاب، ثم جعل - عز وجل - التناسل في الخلق على التفاريق، وتقلبهم من حال إلى حال، وتنقلهم أبداً كذلك ليكون أذكر لتدبيره، وأنظر في آياته ودلالاته، ولو شاء لأنشأ الخلق كله بمرة واحدة، وأفناهم بدفعة واحدة، وكذلك ما جعل لهم من الأرزاق وأنواع النبات، لو شاء لأخرج لهم ذلك كله بمرة واحدة في وقت واحد، لكنه أنشأ لهم بالتفاريق ليذكرهم النظر في آياته وتدبيره، ليكون ذلك لهم أدعى إلى المرغوب، وأحذر للمرهوب، وكذلك ماردد من الأنباء والقصص، والمواعيد، وذكر الجنة والنار في القرآن في غير موضع ليبعثهم ويحثهم على النظر في آياته وتدبيره، ويرغبهم في كل وقت في المرغوب، ويحذرهم عن المحذور والمرهوب، ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ونحوه، ذكر الأنفس في [هذا] كله، ثم لم يفهم أهل الخطاب من هذا كله معنى واحداً وشيئاً واحداً، وإن كان في حق اللسان واللغة واحدا لكنهم فهموا في كل غير ما فهموا في آخر، فهذا يدل أنه لا يفهم الحكمة والمعنى في الخطاب بحق ظاهر اللسان واللغة، ولكن بدليل الحكمة المجعولة في الخطاب، ومن اعتقد في الخطاب الظاهر حسم باب طلب الحكمة [فيه] والمعنى؛ لأنه يجعل المراد منه الظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ هو ما ذكرنا، وحفدة اختلف فيه، قال بعضهم: الحفدة: الخدم والمماليك.

وقال بعضهم: الحفدة: ولد الولد.

وقال ابن مسعود  : الحفدة: الأختان وروي عنه أنه قال: الحفدة: الأصهار فالأصهار والأختان عنده واحد، وقيل: الحفدة: الأعوان والأنصار [يذكرهم التناقض فيما يأنفون من البنات أن كيف يأنفون عنهن ومنهن يكون لكم الأعوان والأنصار] والأختان في أمر الدنيا.

وقال أبو عوسجة: الحفدة: بنو البنين، وقال أيضاً: الحفدة: الأعوان، والحافد: المجتهد في العبادة وفي العمل، يقول: حفد يحفد، أي: خدم واجتهد، وقوله: وإليك نسعى ونحفد، أي: نجتهد.

وقال القتبي: الحفدة: الخدم والأعوان، يقال: هم بنون وخدم.

وقال: أصل الحفد: مداركة الخطو والإسراع في المشي، وإنما يفعل ذلك الخدم، فقيل لهم: حفدة، واحدها: حافد.

وقال: ومنه يقال في دعاء الوتر: وإليك نسعى ونحفد.

وقال أبو عبيد: وأصل الحفد: العمل.

وقال: ومنه الحرف في القنوت: نحفد، أي: نعمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ قال بعضهم: الطيبات: الحلالات.

وقال بعضهم: الطيبات: أي: كل ما طاب ولان ولطف، ورزق غيركم من الدواب والبهائم كل ما خشن، وخبث يذكرهم مننه عليهم ونعمه [عليهم] ليستأدي بذلك شكره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال بعضهم: أبالشيطان يصدّقون، ويجيبونه إلى ما دعاهم من الأنفة من البنات، وبنعمة الله هم يكفرون، أي: هذه البنات لكم نعمة، فكيف تكفرونها، وقال: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: أبالشيطان إلى ما دعاكم وبنعمة الله أي: بمحمد يكفرون، أو بالإسلام، أو بالقرآن.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ يقول: تقرون بأنكم عبيد لأحجار وتذلون لها وتعبدونها، ﴿ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ يقول: وبما أنعم الله عليكم في أنفسكم وما خولكم ورزقكم تكفرون به، وكان الشكر أولى بكم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله -سبحانه وتعالى- فضل بعضكم على بعض فيما منحكم من الرزق، فجعل منكم الغني والفقير، والسيد والمَسُود، فليس الذين فضلهم الله في الرزق برادِّي ما أعطاهم الله على عبيدهم حتى يكونوا شركاء بالسوية معهم في الملك، فكيف يرضون لله شركاءء من عبيده، ولا يرضون لأنفسهم أن يكون لهم شركاء من عبيدهم يستوون معهم؛ فأي ظلم هذا، وأي جحود لنعم الله أعظم من هذا؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.gZ1Xm"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل