الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٤٨ من سورة النمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٨ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورءوسهم الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلالة والكفر وتكذيب صالح ، وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة ، وهموا بقتل صالح أيضا ، بأن يبيتوه في أهله ليلا فيقتلوه غيلة ، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه : إنهم ما علموا بشيء من أمره ، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به ، من أنهم لم يشاهدوا ذلك ، فقال تعالى : ( وكان في المدينة ) أي : مدينة ثمود ، ( تسعة رهط ) أي : تسعة نفر ، ( يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود ; لأنهم كانوا كبراء فيهم ورؤساءهم .
قال العوفي ، عن ابن عباس : هؤلاء هم الذين عقروا الناقة ، أي : الذي صدر ذلك عن آرائهم ومشورتهم - قبحهم الله ولعنهم - وقد فعل ذلك .
وقال السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس : كان أسماء هؤلاء التسعة : دعمي ، ودعيم ، وهرما ، وهريم ، وداب ، وصواب ، ورياب ، ومسطع ، وقدار بن سالف عاقر الناقة ، أي : الذي باشر ذلك بيده .
قال الله تعالى : ( فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ) [ القمر : 29 ] ، وقال تعالى ( إذ انبعث أشقاها ) [ الشمس : 12 ] .
وقال عبد الرزاق : أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني ، سمعت عطاء - هو ابن أبي رباح - يقول : ( وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) قال : كانوا يقرضون الدراهم ، يعني : أنهم كانوا يأخذون منها ، وكأنهم كانوا يتعاملون بها عددا ، كما كان العرب يتعاملون .
وقال الإمام مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب أنه قال : قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض .
وفي الحديث - الذي رواه أبو داود وغيره - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس .
والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة ، كان من صفاتهم الإفساد في الأرض بكل طريق يقدرون عليها ، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة وغير ذلك .
يقول تعالى ذكره: وكان في مدينة صالح, وهي حِجر ثمود, تسعة أنفس يفسدون في الأرض ولا يصلحون, وكان إفسادهم في الأرض، كفرهم بالله, ومعصيتهم إياه, وإنما خصّ الله جلّ ثناؤه هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم كانوا يفسدون في الأرض, ولا يصلحون, وإن كان أهل الكفر كلهم في الأرض مفسدين, لأن هؤلاء التسعة هم الذين سعوا فيما بلغنا في عقر الناقة, وتعاونوا عليه, وتحالفوا على قتل صالح من بين قوم ثمود.وقد ذكرنا قصصهم وأخبارهم فيما مضى من كتابنا هذا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (تِسْعَةُ رَهْطٍ ) قال: من قوم صالح.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) هم الذين عقروا الناقة, وقالوا حين عقروها: نبيت صالحا وأهله فنقتلهم, ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا, وما لنا به علم, فدمرهم الله أجمعين.
قوله تعالى : وكان في المدينة أي في مدينة صالح وهي الحجر تسعة رهط أي تسعة رجال من أبناء أشرافهم .
قال الضحاك .
كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة ، وكانوا يفسدون في الأرض ويأمرون بالفساد ، فجلسوا عند صخرة عظيمة فقلبها الله عليهم .
وقال عطاء بن أبي رباح : بلغني أنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم ، وذلك من الفساد في الأرض ; وقاله سعيد بن المسيب .
وقيل : فسادهم أنهم يتبعون عورات الناس ولا يسترون عليهم .
وقيل غير هذا .
واللازم من الآية ما قاله الضحاك وغيره أنهم كانوا من أوجه القوم وأقناهم وأغناهم ، وكانوا أهل كفر ومعاص جمة ; وجملة أمرهم أنهم يفسدون ولا يصلحون .
والرهط اسم للجماعة ; فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم رهط .
والجمع أرهط وأراهط .
قال :[ ص: 200 ]يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحواوهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب ( قدار ) عاقر الناقة ; ذكره ابن عطية .قلت : واختلف في أسمائهم ; فقال الغزنوي : وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع وأسلم ودسما وذهيم وذعما وذعيم وقتال وصداق .
ابن إسحاق : رأسهم قدار بن سالف ومصدع بن مهرج ، فاتبعهم سبعة ; هم بلع بن ميلع ودعير بن غنم وذؤاب بن مهرج وأربعة لم تعرف أسماؤهم .
وذكر الزمخشري أسماءهم عن وهب بن منبه : الهذيل بن عبد رب ، غنم بن غنم ، رياب بن مهرج ، مصدع بن مهرج ، عمير بن كردبة ، عاصم بن مخرمة ، سبيط بن صدقة ، سمعان بن صفي ، قدار بن سالف ; وهم الذين سعوا في عقر الناقة ، وكانوا عتاة قوم صالح ، وكانوا من أبناء أشرافهم .
السهيلي : ذكر النقاش التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، وسماهم بأسمائهم ، وذلك لا ينضبط برواية ; غير أني أذكره على وجه الاجتهاد والتخمين ، ولكن نذكره على ما وجدناه في كتاب محمد بن حبيب ، وهم : مصدع بن دهر .
ويقال دهم ، وقدار بن سالف ، وهريم وصواب ورياب وداب ودعما وهرما ودعين بن عمير .قلت : وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن ابن عباس فقال : هم دعما ودعيم وهرما وهريم وداب وصواب ورياب ومسطح وقدار ، وكانوا بأرض الحجر وهي أرض الشام .
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ التي فيها صالح الجامعة لمعظم قومه تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ أي: وصفهم الإفساد في الأرض، ولا لهم قصد ولا فعل بالإصلاح قد استعدوا لمعاداة صالح والطعن في دينه ودعوة قومهم إلى ذلك كما قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ
قوله تعالى : ( وكان في المدينة ) يعني : مدينة ثمود ، وهي الحجر ، ( تسعة رهط ) من أبناء أشرافهم ، ( يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) وهم الذين اتفقوا على عقر الناقة ، وهم غواة قوم صالح ، ورأسهم قدار بن سالف ، وهو الذي تولى عقرها ، كانوا يعملون بالمعاصي .
«وكان في المدينة» مدينة ثمود «تسعة رهط» أي رجال «يفسدون في الأرض» بالمعاصي منها قرضهم الدنانير والدراهم «ولا يصلحون» بالطاعة.
وكان في مدينة صالح -وهي "الحِجْر" الواقعة في شمال غرب جزيرة العرب- تسعة رجال، شأنهم الإفساد في الأرض، الذي لا يخالطه شيء من الصلاح.
ولكن هذا النصح الحكيم الذى وجهه صالح إلى المكذبين من قومه ، لم يجد أذنا صاغية منهم ، بل قابله زعماؤهم بالتكبر وبالإصرار على التخلص من صالح - عليه السلام - ومن أهله ، وقد حكى القرآن ذلك فى قوله - تعالى - : ( وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) .والمراد بالمدينة : مدينة قوم صالح - عليه السلام - وهى الحِجْر - بكسر الحاء وإسكان الجيم - .قال الجمل : قوله : " تسعة رهط " أى تسعة أشخاص ، وبهذا الاعتبار وقع تمييزاً للتسعة ، لا باعتبار لفظه ، وهم الذين سعوا فى عقر الناقة ، وباشره منهم قدار بن سالف ، وكانوا من أبناء أشراف قوم صالح ، والإضافة بيانية .
أى : تسعة رهط .
وفى الصباح : الرهط دون العشرة من الرجال ، ليس فيهم امرأة .ووصفهم بأنهم يفسدون فى الأرض ولا يصلحون .
للإشارة إلى أن نفوسهم قد تمحضت للفساد وللإفساد ، ولا مكان فيها للصلاح وللإصلاح .
القصة الثالثة: قصة صالح عليه السلام: قرئ ﴿ أَنِ اعبدوا الله ﴾ بالضم على إتباع النون الباء.
أما قوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ ﴾ ففيه قولان: أحدهما: المراد فريق مؤمن وفريق كافر الثاني: المراد قوم صالح قبل أن يؤمن منهم أحد.
أما قوله: ﴿ يَخْتَصِمُونَ ﴾ فالمعنى أن الذين آمنوا إنما آمنوا لأنهم نظروا في حجته فعرفوا صحتها، وإذا كان كذلك فلابد وأن يكون خصماً لمن لم يقبلها، وإذا كان هذا الاختصام في باب الدين دل ذلك على أن الجدال في باب الدين حق وفيه إبطال التقليد.
أما قوله: ﴿ قَالَ ياقوم لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة ﴾ ففيه بحثان: الأول: في تفسير استعجال السيئة قبل الحسنة وجهان: أحدهما: أن الذين كذبوا صالحاً عليه السلام لما لم ينفعهم الحجاج توعدهم صالح عليه السلام بالعذاب فقالوا: ﴿ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ﴾ على وجه الاستهزاء، فعنده قال صالح: ﴿ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة ﴾ والمراد أن الله تعالى قد مكنكم من التوصل إلى رحمة الله تعالى وثوابه، فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه وثانيهما: أنهم كانوا يقولون لجهلهم إن العقوبة التي يعدها صالح إن وقعت على زعمه أتينا حينئذ واستغفرنا فحينئذ يقبل الله توبتنا ويدفع العذاب عنا، فخاطبهم صالح على حسب اعتقادهم، وقال هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر.
البحث الثاني: أن المراد بالسيئة العقاب وبالحسنة الثواب، فأما وصف العذاب بأنه سيئة فهو مجاز وسبب هذا التجويز، إما لأن العقاب من لوازمه أو لأنه يشبهه في كونه مكروهاً، وأما وصف الرحمة بأنها حسنة فمنهم من قال إنه حقيقة ومنهم من قال إنه مجاز والأول أقرب، ثم إن صالحاً عليه السلام لما قرر هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد، وهو قولهم: ﴿ اطيرنا بِكَ ﴾ أي تشاءمنا بك لأن الذي يصيبنا من شدة وقحط فهو بشؤمك وبشؤم من معك.
قال صاحب الكشاف كان الرجل يخرج مسافراً فيمر بطائر فيزجره فإن مر سانحاً تيمن وإن مر بارحاً تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان للخير والشر وهو قدر الله وقسمته، فأجاب صالح عليه السلام بقوله: ﴿ طَائِرُكُمْ عِندَ الله ﴾ أي السبب الذي منه يجيء خيركم وشركم عند الله وهو قضاؤه وقدره إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم وقيل بل المراد إن جزاء الطيرة منكم عند الله وهو العقاب، والأقرب الوجه الأول لأن القوم أشاروا إلى الأمر الحاصل فيجب في جوابه أن يكون فيه لا في غيره، ثم بين أهذا جهل منهم بقوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ فيحتمل أن غيرهم دعاهم إلى هذا القول، ويحتمل أن يكون المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته، ثم إنه سبحانه قال: ﴿ وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرض ﴾ والأقرب أن يكون المراد تسعة جمع إذ الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد لاختلاف صفتهم وأحوالهم لا لاختلاف السبب، فبين تعالى أنهم يفسدون في الأرض ولا يمزجون ذلك الفساد بشيء من الصلاح، فلهذا قال: ﴿ يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ ﴾ ثم بين تعالى أن من جملة ذلك ما هموا به من أمر صالح عليه السلام.
أما قوله: ﴿ تَقَاسَمُواْ بالله ﴾ فيحتمل أن يكون أمراً أو خبراً في محل الحال بإضمار قد، أي قالوا متقاسمين، والبيات متابعة العدو ليلاً.
أما قوله: ﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ﴾ يعني لو اتهمنا قومه حلفنا لهم أنا لم نحضر.
وقرئ (مهلك) بفتح الميم واللام وكسرها من هلك ومهلك بضم الميم من أهلك، ويحتمل المصدر والمكان والزمان، ثم إنه سبحانه قال: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ وقد اختلفوا في مكر الله تعالى على وجوه: أحدها: أن مكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة، روي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه، ومن أهله قبل الثلاث فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله تعالى صخرة فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فهلكوا وهلك الباقون بالصيحة.
وثانيها: جاؤا بالليل شاهرين سيوفهم وقد أرسل الله تعالى الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة، يرون الأحجار ولا يرون رامياً.
وثالثها: أن الله تعالى أخبر صالحاً بمكرهم فتحرز عنهم فذاك مكر الله تعالى في حقهم.
أما قوله: ﴿ أَنَّا دمرناهم ﴾ استئناف، ومن قرأ بالفتح رفعه بدلاً من العاقبة أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هي تدمرهم أو نصبه على معنى لأنا أو على أنه خبر كان أي كان عاقبة مكرهم الدمار.
أما قوله: ﴿ خَاوِيَةٍ ﴾ فهو حال عمل فيها ما دل عليه تلك، وقرأ عيسى بن عمر (خاوية) بالرفع على خبر المبتدأ المحذوف، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المدينة ﴾ الحجر.
وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل: تسعة أنفس.
والفرق بين الرهط والنفر: أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.
والنفر من الثلاثة إلى التسعة وأسماؤهم عن وهب: الهذيل بن عبد رب.
غنم بن غنم.
رباب بن مهرج.
مصدع بن مهرج.
عمير بن كردبة.
عاصم بن مخرمة.
سبيط بن صدقة.
سمعان بن صيفي.
قدار بن سالف: وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح عليه السلام، وكانوا من أبناء أشرافهم ﴿ وَلاَ يُصْلِحُونَ ﴾ يعني أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح ﴿ تَقَاسَمُواْ ﴾ يحتمل أن يكون أمراً وخبراً في محل الحال بإضمار قد، أي: قالوا متقاسمين: وقرئ: ﴿ تقسموا ﴾ وقرئ: ﴿ لتبيتنه ﴾ ، بالتاء والياء والنون، فتقاسموا- مع النون والتاء- يصح فيه الوجهان.
ومع الياء لا يصح إلا أن يكون خبراً.
والتقاسم، والتقسم: كالتظاهر، والتظهر: التحالف.
والبَيَات: مباغتة العدو ليلاً.
وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر، وقرئ: ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام وكسرها من هلك.
ومهلك بضم الميم من أهلك.
ويحتمل المصدر والزمان والمكان، فإن قلت: كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟
قلت كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين ثم قالوا: ما شهدنا مهلك أهله؛ فذكروا أحدهما: كانوا صادقين، لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم.
ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتفصون بها عن الكذب.
﴿ مَكْرِهِمْ ﴾ : ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله.
ومكر الله: إهلاكهم من حيث لا يشعرون.
شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة.
روي أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فقالوا: زعم صالح عليه السلام أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث.
فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث الله صخرة من الهِضَبّ حيالهم، فبادروا، فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب.
فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً منهم في مكانه، ونجى صالحاً ومن معه.
وقيل: جاءوا بالليل شاهري سيوفهم، وقد أرسل الله الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة: يرون الحجارة ولا يرون رامياً ﴿ أَنَّا دمرناهم ﴾ استئناف.
ومن قرأ بالفتح رفعه بدلاً من العاقبة، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هي تدميرهم.
أو نصبه على معنى: لأنا.
أو على أنه خبر كان، أي: كان عاقبة مكرهم الدمار ﴿ خَاوِيَةً ﴾ حال عمل فيها ما دل عليه تلك.
وقرأ عيسى بن عمر: ﴿ خاوية ﴾ بالرفع على خبر المبتدإ المحذوف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ تِسْعَةُ أنْفُسٍ، وإنَّما وقَعَ تَمْيِيزًا لِلتِّسْعَةِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّفَرِ أنَّهُ مِنَ الثَّلاثَةِ أوِ السَّبْعَةِ إلى العَشَرَةِ، والنَّفَرُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ.
﴿ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ ﴾ أيْ شَأْنُهُمُ الإفْسادُ الخالِصُ عَنْ شَوْبِ الصَّلاحِ.
﴿ قالُوا ﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
﴿ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ أمْرٌ مَقُولٌ أوْ خَبَرٌ وقَعَ بَدَلًا أوْ حالًا بِإضْمارِ قَدْ.
﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ﴾ لَنُباغِتَنَّ صالِحًا وأهْلَهُ لَيْلًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ تَقاسَمُوا خَبَرٌ.
﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ ﴾ فِيهِ القِراءاتُ الثَّلاثُ.
﴿ لِوَلِيِّهِ ﴾ لِوَلِيِّ دَمِهِ.
﴿ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ﴾ فَضْلًا أنْ تَوَلَّيْنا إهْلاكَهم، وهو يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والزَّمانَ والمَكانَ وكَذا ( مَهْلِكَ ) في قِراءَةِ حَفْصٍ فَإنَّ مَفْعِلًا قَدْ جاءَ مَصْدَرًا كَمَرْجِعٍ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالفَتْحِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا.
﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ ونَحْلِفُ إنّا لَصادِقُونَ، أوْ والحالُ إنّا لَصادِقُونَ فِيما ذَكَرْنا لِأنَّ الشّاهِدَ لِلشَّيْءِ غَيْرُ المُباشِرِ لَهُ عُرْفًا، أوْ لِأنّا ما شَهِدْنا مُهْلِكَهم وحْدَهُ بَلْ مَهْلِكَهُ ومَهْلِكَهم كَقَوْلِكَ ما رَأيْتُ ثَمَّةَ رَجُلًا بَلْ رَجُلَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَكَانَ فِى المدينة} مدينة ثمود وهي الحجر {تِسْعَةُ رَهْطٍ} هو جمع لا واحد له ولذا جاز تمييز التسعة به فكأنه قيل تسعة أنفس وهو من الثلاثة إلى العشر وعن أبي دؤاد رأسهم قدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا أبناء أشرافهم {يُفْسِدُونَ فِى الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ} يعني أن شأنهم الإفساد البحت لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح وعن الحسن يظلمون الناس ولا يمنعون الظالمين من الظلم وعن ابن عطاء يتبعون معايب الناس ولا يسترون عوراتهم
﴿ وكانَ في المَدِينَةِ ﴾ أيْ: مَدِينَةِ ثَمُودَ وقَرْيَتِهِمْ، وهي الحِجْرُ ﴿ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ هو اسْمُ جَمْعٍ يُطْلَقُ عَلى العِصابَةِ دُونَ العَشَرَةِ - كَما قالَ الرّاغِبُ - وفي الكَشّافِ: هو مِنَ الثَّلاثَةِ أوْ مِنَ السَّبْعَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: بَلْ يُقالُ إلى الأرْبَعِينَ ولَيْسَ بِمَقْبُولٍ، وأصْلُهُ - عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكِرْمانِيِّ - مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ، وقَدْ أُضِيفَ العَدَدُ إلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوازِ إضافَتِهِ إلى اسْمِ الجَمْعِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ، وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَّلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمِيعِ لِلْقَلِيلِ كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ؛ إجْراءً لَهُ مَجْرى جَمْعِ القِلَّةِ، أوْ لِلْكَثِيرِ أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، بَلْ إذا أُرِيدَ تَمْيِيزُهُ بِهِ جِيءَ بِهِ مَقْرُونًا بِـ(مِن) كَـ(خَمْسَةٌ مِنَ القَوْمِ) وقالَ تَعالى: ﴿ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾ وهو قَوْلُ المازِنِيِّ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ إضافَةَ تِسْعَةٍ إلى رَهْطٍ هاهُنا بِاعْتِبارِ أنَّ رَهْطًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جَمْعٍ لِلْقَلِيلِ في حُكْمِ أشْخاصٍ ونَحْوِهِ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ، وهي يُضافُ إلَيْها العَدَدُ كَـ(تِسْعَةُ أشْخاصٍ) و(تِسْعُ أنْفُسٍ) وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ وُقُوعَ رَهْطٍ تَمْيِيزًا لِتِسْعَةٍ بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أشْخاصٍ، وقِيلَ: أيْ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ، وتَأْنِيثُ العَدَدِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ (رَهْطٍ) وهو مُذَكَّرٌ، فَلَيْسَ ذاكَ مِن غَيْرِ الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ: (ثَلاثَةُ أنْفُسٍ وثَلاثُ ذَوْدٍ) نَعَمْ، تَقْدِيرُ ما تَقَدَّمَ أسْلَمُ مِنَ المُناقَشَةِ، وأمّا ما قِيلَ: أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ فَفِيهِ الغَفْلَةُ عَمّا أشَرْنا إلَيْهِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الرَّهْطَ بِمَعْنى الشَّخْصِ أوْ بِمَعْنى النَّفْسِ، بَلْ إنَّ التِّسْعَةَ مِنَ الأشْخاصِ أوْ مِنَ الأنْفُسِ هي الرَّهْطُ، فَلَيْسَ المَعْدُودُ بِالتِّسْعَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الرَّهْطُ مِنَ الجَماعَةِ لِيَكُونَ هُناكَ تِسْعُ جَماعاتٍ لا تِسْعَةُ أفْرادٍ.
وقالَ الإمامُ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةُ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ النِّسَبِ، اهـ.
وقِيلَ: كانَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ رُؤَساءَ، مَعَ كُلٍّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ، ولِذا قِيلَ: (تِسْعَةُ رَهْطٍ) وأسْماؤُهم - عَنْ وهْبٍ -: الهُذَيْلُ بْنُ عَبْدِ رَبٍّ، وغَنْمُ بْنُ غَنْمٍ، ودِبابُ بْنُ مِهْرَجٍ، وعُمَيْرُ بْنُ كُرْدِيَةَ، وعاصِمُ بْنُ مَخْزَمَةَ، وسُبَيْطُ بْنُ صَدَقَةَ، وسَمْعانُ بْنُ صَفِيٍّ، وقِدارُ بْنُ سالِفٍ، وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في عَقْرِ النّاقَةِ، وكانُوا عُتاةَ قَوْمِ صالِحٍ، ومِن أبْناءِ أشْرافِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أسْماءَهُمْ: دَعْمِيٌّ، ودُعَيْمٌ، وهَرَمِيٌّ، وهُرَيْمٌ، ودَوابٌ، وصَوابٌ، ودِيابٌ، ومِسْطَحٌ، وقِدارٌ وهو الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ.
﴿ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ - لا في المَدِينَةِ فَقَطْ - إفْسادًا بَحْتًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يُصْلِحُونَ ﴾ أيْ: لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِنَ الإصْلاحِ، أوْ لا يُصْلِحُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، والمُرادُ أنَّ عادَتَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ ذَلِكَ الإفْسادُ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُضارِعُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(رَهْطٍ) أوْ لِـ(تِسْعَةُ).
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني: أمرهم بأن يعبدوا الله ويطيعوه ويوحدوه فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ مؤمنون وكافرون، فإذا قوم صالح مؤمن وكافر يختصمون، يقول كل فريق: الحق معي، وقد ذكرنا خصومتهم في سورة الأعراف وهي قوله: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [الأعراف: 75] الآية وطلبت الفرقة الكافرة على تصديق صالح العذاب، قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ، يعني: بالعذاب قَبْلَ الْحَسَنَةِ، يعني: العافية.
ويقال: التوبة، وهو قولهم: يا صالح إن كان ما أتيت به حقاً، فأتنا بما تعدنا من العذاب.
ثم قال: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ يعني: هلّا تسألون الله المغفرة، ويقال هلا تؤمنون وتوحّدون الله تعالى وترجعون من الشرك لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، يعني: لكي ترحموا، فلا تعذبوا.
قوله عز وجل: قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وأصله: تطيرنا بك يعني: تشاءمنا بك.
وَبِمَنْ مَعَكَ، وذلك أنه قد أصابهم القحط بتكذيبهم إياه.
فقالوا: هذا الذي أصابنا بشؤمك وشؤم أصحابك قالَ: لهم صالح طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، يعني: ما أصابكم فمن الله.
ويقال: هذا الذي يصيبكم هو مكتوب عند الله، ويقال: خيركم وشركم ورخاؤكم وشدتكم من عند الله عليكم بفعلكم.
ويقال: عقوبتكم عند الله بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ، أي: تبتلون بذنوبكم ويقال: تختبرون بالخير والشر، وأصل الفتنة: هي الاختبار.
ويقال: فتنت الذهب بالنار، لتنظر إلى جودته.
قوله عز وجل: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ، يعني: في قرية صالح ، وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ، كانوا أغنياء قوم صالح يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ، يعني: يعملون بالمعاصي في أرض قريتهم، وَلا يُصْلِحُونَ أي لا يطيعون الله تعالى فيها، ولا يتوبون من المعصية، ولا يأمرون بها.
فسأل قوم صالح منه ناقة، فصارت الناقة بلية لهم، فكانت تأتي مراعيهم فتأكل جميع ما فيها، فتنفر منها دوابهم، وتشرب ماء بئرهم العذب الذي يشربون منه، فجعلوا نيابة للشرب فتشرب ذلك اليوم الماء كله، وتسقيهم اللبن حتى يرووا.
فجاء هؤلاء التسعة وفيهم قذار بن سالف عاقر الناقة، وكان ابن زانية أحمر أزرق، ومصدع بن دهر وكانا قد قعدا لها، فلما مرت بهما رماها مصدع بسهم ثم قال: يا قذار اضرب، فضرب عرقوبها فعقروها، ثم سلخوها، واقتسموا لحمها، فأوعدهم الله الهلاك، وبيّن لهم العلامة بتغيير ألوانهم، فاجتمع التسعة وقالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ، يعني: تحالفوا بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ، قرأ حمزة والكسائي بالتاءين وضم التاء الثاني وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ، بالتاء وقرأ الباقون بالنون، ونصب التاء، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ بالنون ونصب اللام.
فمن قرأ بالنون جعل تَقاسَمُوا خبراً، فكأنهم قالوا: متقاسمين فيما بينهم، لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ أي: لنقتلنه وعياله.
ويقال: وَأَهْلَهُ يعني: ومن آمن معه، ومن قرأ بالتاء، فمعناه: جعل تَقاسَمُوا أمراً، فكان أمر بعضهم بعضاً.
وقال بعضهم لبعض: تحالفوا لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ، يعني: لولي صالح إن سألونا فنقول مَا شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ يعني: لهلاك أهله وقومه.
ويقال: ما حضرنا عند هلاك أهله، وَإِنَّا لَصادِقُونَ يعني: إنا لصادقون بما نقول لكم.
ويقال: معناه إنا لصادقون عندهم، فيصدقوننا إذا خرجنا من بيوتنا.
ويقال: إِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا.
<div class="verse-tafsir"
سليمانَ عليه السلام تَزَوَّجَهَا عند ذلك، وأسكنها الشام قاله الضحاك «١» .
وقيل: تزوجَها وردَّها إلى ملكها باليمنِ وكان يأتيها على الريح كلَّ شَهْرٍ مَرَّةً، فوَلَدَتْ له غلاماً سمَّاه داودَ مات في حياته.
ورُوِيَ أن سليمانَ لما أراد زوالَ شَعْرِ ساقَيْهَا أمر الجنَّ بالتَّلَطُّفِ في زوالِه، فصنَعوا النُّورَةَ «٢» ولم تَكُنْ قَبْلٌ، وصنعوا الحمّام.
وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...
الآية، تمثيل لقريش، وفَرِيقانِ: يريد بهما مَنْ آمنَ بصالِح.
وَمَنْ كفَر به.
واختصامهُم هُو تنازُعُهم.
وقد ذكر تعالى ذلك في سورة الأعراف، ثم إن صالحاً- عليه السلام- ترفّق بقومه ووقفهم على خطئهم في استعجالهم العذابَ قبل الرحمة.
أو المعصيةَ لله قبل الطاعة، ثم أجابوه بقولهم: اطَّيَّرْنا بِكَ أي: تشاءمنا بك.
تِسْعَةُ رَهْطٍ هُمْ رجالٌ كانوا من أوجُهِ القوْمَ وأعْتَاهُمْ وهم أصحاب قدار، والمدينةُ مُجْتَمَعُ ثمودَ وقَرْيَتِهُم.
وقوله تعالى: تَقاسَمُوا.
قال الجمهور: هو فعل أمر، أشَار بعضُهم على بعضٍ بأن يَتحَالَفُوا على هذا الفعل بصالح، وحكَى الطبريُّ «٣» أَنه يجوز أن يكونَ تقاسموا فِعْلاً ماضِياً في موضعِ الحالِ، كأنه قال: متقاسِمينَ أو متحالفِين بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهلَه، وتؤيِّدِه «٤» قراءةُ عبد الله: «ولا يصلحون تقاسموا» بإسقاطِ «قالوا» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ في المَدِينَةِ ﴾ وهي الحِجْرُ الَّتِي نَزَلَها صالِحٌ ﴿ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ: في أرْضِ الحِجْرِ، وفَسادُهم: كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، وكانُوا يَسْفِكُونَ الدِّماءَ ويَثِبُونَ عَلى الأمْوالِ والفُرُوجِ، وهم الَّذِينَ عَمِلُوا في قَتْلِ النّاقَةِ.
ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالا: كانَ فَسادُهم كَسْرَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، ﴿ قالُوا ﴾ فِيما بَيْنَهم ﴿ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ: احْلِفُوا بِاللَّهِ ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ ﴾ أيْ: لَنَقْتُلَنَّ صالِحًا ﴿ وَأهْلَهُ ﴾ لَيْلًا ﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " لَتُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَتَقَولَنَّ " بِالتّاءِ فِيهِما.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وَأبُو رَجاءٍ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: " لَيُبَيِّتْنَهُ " بِياءٍ وتاءٍ مَرْفُوعَتَيْنِ " ثُمَّ لَيَقُولَنَّ " بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وقافٍ مَرْفُوعَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ ولامٍ مَرْفُوعَةٍ ﴿ لِوَلِيِّهِ ﴾ أيْ: لِوَلِيِّ دَمِهِ إنْ سَألَنا عَنْهُ ﴿ ما شَهِدْنا ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا ﴿ مَهْلِكَ أهْلِهِ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِضَمِّ المِيمِ؛ وفَتْحِ اللّامِ والمَهْلِكُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإهْلاكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْضِعَ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، يُرِيدُ الهَلاكَ؛ يُقالُ: هَلَكَ يَهْلِكُ مَهْلَكًا.
ورَوى عَنْهُ حَفْصٌ، والمُفَضَّلُ: بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، وهو اسْمُ المَكانِ، عَلى مَعْنى: ما شَهِدْنا مَوْضِعَ هَلاكِهِمْ؛ فَهَذا كانَ مَكْرَهم، فَجازاهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأهْلَكُهم.
وَفِي صِفَةِ إهْلاكِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أتَوْا دارَ صالِحٍ شاهِرِينَ سُيُوفَهم، فَرَمَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ فَقَتَلَتْهم، [قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: رَماهُمُ اللَّهُ بِصَخْرَةٍ فَقَتَلَتْهم، قالَهُ قَتادَةُ] .
والثّالِثُ: أنَّهم دَخَلُوا غارًا يَنْتَظِرُونَ مَجِيءَ صالِحٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً سَدَّتْ بابَ الغارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهم نَزَلُوا في سَفْحِ جَبَلٍ يَنْتَظِرُ بَعْضُهم بَعْضًا لِيَأْتُوا دارَ صالِحٍ، فَجَثَمَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ فَأهْلَكَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّا دَمَّرْناهُمْ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أنّا دَمَّرْناهم " بِفَتْحِ الألِفِ.
وقَرَأ بِكَسْرِها.
فَمَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، ومَن فَتَحَ، فَقالَ أبُو عَلِيٍّ: فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ ﴾ .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى مُبْتَدَإٍ مُضْمَرٍ،كَأنَّهُ قالَ: هو أنّا دَمَّرْناهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ؛ المَعْنى: فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ خاوِيَةً.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ ﴾ ﴿ قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ تِسْعَةُ رِجالٍ كانُوا مِن أوجُهِ القَوْمِ وأقْناهم وأغْناهُمْ، وكانُوا أهْلَ كُفْرٍ ومَعاصٍ جَمَّةٍ، جُمْلَةُ أمْرِهِمْ أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ، قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: بَلَغَنِي أنَّهم كانُوا يَقْرِضُونَ الدَنانِيرَ والدَراهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوَ الأثَرِ المَرْوِيِّ: قِطَعَ الدَنانِيرِ والدَراهِمْ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ، و"المَدِينَةُ": مُجْتَمَعُ ثَمُودٍ وقَرْيَتُهُمْ، و"الرَهْطُ": مِن أسْماءِ الجَمْعِ القَلِيلِ، العَشْرَةُ فَما دُونَها، و"تِسْعَةُ رَهْطٍ" كَما تَقُولُ: تِسْعَةُ رِجالٍ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ كانُوا أصْحابَ قِدارِ بْنِ سالِفٍ: عاقِرُ الناقَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما ذُكِرَ في أسْمائِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "تَقاسَمُوا"، حَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: مُتَقاسِمِينَ، أو مُتَحالِفِينَ بِاللهِ، وكَأنَّ قَوْلَهُمْ: "لَنُبَيِّتَنَّهُ" حَلِفٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَلا يَصْلُحُونَ، تَقاسَمُوا" بِسُقُوطِ "قالُوا"، ويُحْتَمِلُ -وَهُوَ تَأْوِيلُ الجُمْهُورِ- أنْ يَكُونَ "تَقاسَمُوا" فَعْلَ أمْرٍ، أشارَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِأنْ يَتَحالَفُوا عَلى هَذا الفِعْلِ بِصالِحٍ، فَـ "تَقاسَمُوا" هو قَوْلُهم عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
وهَذِهِ الألْفاظُ الدالَّةُ عَلى قَسَمٍ أو جَوابٍ تُجابُ بِاللامِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَسَمٌ ظاهِرٌ، فاللامُ في "لَنُبَيِّتَنَّهُ" جَوابُ ذَلِكَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِنَبِيتُنَّهُ"، "ثُمْ لَنَقُولُنَّ" بِالنُونِ فِيهِما، وقَرَأ الحَسَنُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتاءِ فِيهِما، وبِضَمِّ التاءِ واللامِ عَلى الخِطابِ، أيْ: تَخاطَبُوا بِذَلِكَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى الخَبَرِ، فَهَذا ذَكَرَ اللهُ فِيهِ المَعْنى الَّذِي أرادُوهُ، لا بِحَسَبِ لَفْظِهِمْ.
ورُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ التِسْعَةِ لَمّا كانَ في صَدْرِ الثَلاثَةِ الأيّامِ بَعْدَ عَقْرِ الناقَةِ وقَدْ أخْبَرَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَجِيءِ العَذابِ، اتَّفَقَ هَؤُلاءِ التِسْعَةُ فَتَحالَفُوا عَلى أنْ يَأْتُوا دارَ صالِحٍ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ وأهْلَهُ المُخْتَصِّينَ بِهِ، قالُوا: فَإنْ كانَ كاذِبًا في وعِيدِهِ أوقَعْنا بِهِ ما يَسْتَحِقُّ، وإنْ كانَ صادِقًا كُنّا قَدْ أعْجَلْناهُ قَبْلَنا وشَفَيْنا نُفُوسَنا.
قالَ الراوِي: فَجاؤُوا واخْتَفَوْا لِذَلِكَ في غارٍ قَرِيبٍ مِن دارِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ انْحَدَرَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ سَدَحَتْهم جَمِيعًا، ورُوِيَ أنَّهُ طَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الغارُ فَهَلَكُوا فِيهِ حِينَ هَلَكَ قَوْمُهُمْ، وكُلُّ فَرِيقٍ لا يَعْلَمُ بِما جَرى عَلى الآخَرِ، وكانُوا قَدْ بَنَوْا عَلى جُحُودِ الأمْرِ مِن قُرابَةِ صالِحٍ الَّذِينَ يُمْكِنُ أنْ يَغْضَبُوا لَهُ، فَهَذا مَكْرُهم.
والمَكْرُ نَحْوَ الخَدِيعَةِ، وسَمّى اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عُقُوبَتَهم بِاسْمِ ذَنْبِهِمْ، وهَذا مَهِيعٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُهْلَكٌ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ عاصِمْ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ بِفَتْحِهِما، ورُوِيَ عنهُ فَتْحُ المِيمِ وكَسْرُ اللامِ.
و"العاقِبَةُ" حالٌ تَقْتَضِيها البَدْأةُ وتُؤَدِّي إلَيْها، ويَعْنِي بِالأهْلِ كُلَّ مِن آمَنَ مَعَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "إنّا دَمَّرْناهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أنا دَمَّرْناهُمْ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وابْنِ أبِي إسْحاقٍ، فَـ "كانَ" -عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ في الألْفِ- تامَّةٌ، وإنْ قُدِّرَتْ ناقِصَةٌ فَخَبَرُها مَحْذُوفٌ، أو يَكُونُ الخَبَرُ "كَيْفَ" مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ صَدْرَ الكَلامِ لَها، ولا يَعْمَلُ -عَلى هَذا- "انْظُرْ" في "كَيْفَ"، لَكِنْ يَعْمَلُ في مَوْضِعِ الجُمْلَةِ كُلِّها، وهي عَلى قِراءَةِ فَتْحِ الألْفِ ناقِصَةٌ، وخَبَرُها "أنّا"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ "كَيْفَ"، ويَكُونُ "أنّا" بَدَلًا مِنَ "العاقِبَةِ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "كانَ" تامَّةٌ "وَأنّا" بَدَلًا مِنَ "العاقِبَةِ"، ووَقَعَ تَقْدِيرُ السُؤالِ بِـ "كَيْفَ" عن جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهُمْ ﴾ ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ: "أنْ دَمَّرْناهُمْ"، فَهَذِهِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الفَتْحِ في "أنّا".
<div class="verse-tafsir"
عطف جزء القصة على جزء منها.
و ﴿ المدينة ﴾ : هي حِجْر ثمود بكسر الحاء وسكون الجيم المعروف مكانُها اليوم بديار ثمود ومدائن صالح، وهي بقايا تلك المدينة من أطلال وبيوت منحوتة في الجبال.
وهي بين المدينة المنورة وتبوك في طريق الشام وقد مرّ بها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في مسيرهم في غزوة تبوك ورأوا فيها آباراً نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب والوضوء منها إلا بئراً واحدة أمرهم بالشرب والوضوء بها وقال: " إنها البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح " والرهط: العدد من الناس حوالي العشرة وهو مِثل النَفر.
وإضافة تسعة إليه من إضافة الجزء إلى اسم الكل على التوسع وهو إضافة كثيرة في الكلام العربي مثل: خمس ذود.
واختلف أيمة النحو في القياس عليها، ومذهب سيبويه والأخفش أنها سماعية.
وكان هؤلاء الرهط من عتاة القوم، واختلف في أسمائهم على روايات هي من أوضاع القصّاصين ولم يثبت في ذلك ما يعتمد.
واشتهر أن الذي عقر الناقة اسمه «قُدَار» بضم القاف وتخفيف الدال، وقد تشاءم بعض الناس بعدد التسعة بسبب قصة ثمود وهو من التشاؤم المنهي عنه.
و ﴿ الأرض ﴾ : أرض ثمود فالتعريف للعهد.
وعطف ﴿ لا يصلحون ﴾ على ﴿ يفسدون ﴾ احتراس للدلالة على أنهم تمحّضوا للإفساد ولم يكونوا ممن خلطوا إفساداً بإصلاح.
وجملة: ﴿ قالوا ﴾ صفة ل ﴿ تسعة ﴾ ، أو خبر ثان ل ﴿ كان ﴾ ، أو هو الخبر ل ﴿ كان ﴾ .
وفي ﴿ المدينة ﴾ متعلق ب ﴿ كان ﴾ ظرفاً لغواً ولا يحسن جعل الجملة استئنافاً لأنها المقصود من القصة والمعنى: قَال بعضهم لبعض.
و ﴿ تقاسموا ﴾ فعل أمر، أي قال بعضهم: تقاسموا، أي ابتدأ بعضهم فقال: تقاسموا.
وهو يريد شمول نفسه إذ لا يأمرهم بذلك إلا وهو يريد المشاركة معهم في المقسم عليه كما دل عليه قوله: ﴿ لنبيتنه ﴾ .
فلما قال ذلك بعضهم توافقوا عليه وأعادوه فصار جميعهم قائلاً ذلك فلذلك أسند القول إلى التسعة.
والقَسَم بالله يدل على أنهم كانوا يعترفون بالله ولكنهم يشركون به الآلهة كما تقدم في قصصهم فيما مرّ من السور.
و ﴿ لنُبَيّتَنّهُ ﴾ جواب القسم، والضمير عائد إلى صالح.
والتبييت والبيات: مباغتة العدوّ ليلاً.
وعكسه التصبيح: الغارة في الصباح، وكان شأن الغارات عند العرب أن تكون في الصباح، ولذلك يقول مَن ينذر قوماً بحلول العدوّ: «يَا صبَاحَاهُ»، فالتبييت لا يكون إلا لقصد غدْر.
والمعنى: أنهم يغيرون على بيته ليلاً فيقتلونه وأهلَه غدْراً من حيث لا يُعرف قاتله ثم ينكرون أن يكونوا هم قتلوهم ولا شهدوا مقتلهم.
والمُهلك: مصدر ميمي من أهلك الرباعي، أي شهدنا إهلاك من أهلكهم.
وقولهم: ﴿ وإنا لصادقون ﴾ هو من جملة ما هيَّأوا أن يقولوه فهو عطف على ﴿ ما شهدنا مهلك ﴾ أي ونؤكد إنّا لصادقون.
ولم يذكروا أنهم يحلفون على أنهم صادقون.
وقرأ الجمهور: ﴿ لنُبيّتنَّه ﴾ بنون الجماعة وفتح التاء التي قبل نون التوكيد.
وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أوله وبضم التاء الأصلية قبل نون التوكيد.
وذلك على تقدير: أمر بعضهم لبعض.
وهكذا قرأ الجمهور ﴿ لنقولَنَّ ﴾ بنون الجماعة في أوله وفتح اللام.
وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب وبضم اللام.
وقرأ الجمهور: ﴿ مُهْلَك ﴾ بضم الميم وفتح اللام وهو مصدر الإهلاك أو مكانُه أو زمانه.
وقرأه حفص بفتح الميم وكسر اللام ويحتمل المصدر والمكان والزمان.
وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وفتح اللام فهو مصدر لا غير.
ووليُّ صالح هم أقرب القوم له إذا راموا الأخذ بثأره.
وهذا الجزء من قصة ثمود لم يذكر في غير هذه السورة.
وأحسب أن سبب ذكره أن نزول هذه السورة كان في وقتتٍ تآمرَ فيه المشركون على الإيقاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو التآمر الذي حكاه الله في قوله: ﴿ وإذ يمكُرُ بك الذين كفروا ليُثْبِتُوك أو يَقْتُلُوك أو يُخْرِجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ﴾ [الأنفال: 30]؛ فضرب الله لهم مثلاً بتآمر الرهط من قوم صالح عليه ومكرِهم وكيف كان عاقبة مكرهم، ولذلك ترى بين الآيتين تشابهاً وترى تكرير ذكر مكرهم ومكر الله بهم، وذكر أن في قصتهم آية لقوم يعلمون.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ الرَّهْطُ الجَمْعُ لا واحِدَ لَهُ يَعْنِي مِن ثَمُودَ قَوْمِ صالِحٍ وهم عاقِرُو النّاقَةِ، وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أسامِيَهم فَقالَ: هم زَعْجِي وزَعِيمٌ وهَرَمِيٌّ ودارٌ وصَوابٌ ورَبابٌ ومِسْطَحٌ وقَدارُ، وكانُوا بِأرْضِ الحِجْرِ وهي أرْضُ الشّامِ، وكانُوا فُسّاقًا مِن أشْرافِ قَوْمِهِمْ.
﴿ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُفْسِدُونَ بِالكُفْرِ ولا يُصْلِحُونَ بِالإيمانِ.
الثّانِي: يُفْسِدُونَ بِالمُنْكَرِ ولا يُصْلِحُونَ بِالمَعْرُوفِ.
الثّالِثُ: يُفْسِدُونَ بِالمَعاصِي ولا يُصْلِحُونَ بِالطّاعَةِ.
الرّابِعُ: يُفْسِدُونَ بِكَسْرِ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ ولا يُصْلِحُونَ بِتَرْكِها صِحاحًا، قالَهُ ابْنُ المُسَيِّبِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الخامِسُ: أنَّهم كانُوا يَتَتَبَّعُونَ عَوْراتِ النِّساءِ ولا يَسْتُرُونَ عَلَيْهِنَّ.
قَوْلُهُ: ﴿ قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ تَحالَفُوا بِاللَّهِ.
﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ﴾ أيْ لَنَقْتُلَنَّهُ وأهْلَهُ لَيْلًا، والبَياتُ قَتْلُ اللَّيْلِ.
﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ﴾ أيْ لِرَهْطٍ صالِحٍ.
﴿ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ﴾ أيْ قَتْلَهُ، وقَتْلَ أهْلِهِ، ولا عَلِمْنا ذَلِكَ.
﴿ وَإنّا لَصادِقُونَ ﴾ في إنْكارِنا لِقَتْلِهِ.
﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا ﴾ وهو ما هَمُّوا بِهِ مِن قَتْلِ صالِحٍ.
﴿ وَمَكَرْنا مَكْرًا ﴾ وهو أنْ رَماهُمُ اللَّهُ بِصَخْرَةٍ فَأهْلَكَهم.
﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ بِمَكْرِنا وقَدْ عَلِمْنا بِمَكْرِهِمْ.
وَفي مَكْرِهِمْ ومَكْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ الكَلْبِيُّ، وهم لا يَشْعُرُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى صالِحٍ لِيَحْفَظُوهُ مِن قَوْمِهِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَرَمَوْا كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِحَجَرٍ حَتّى قَتَلُوهم جَمِيعًا، وسَلِمَ صالِحٌ مِن مَكْرِهِمْ.
الثّانِي: قالَهُ الضَّحّاكُ، أنَّهم مَكَرُوا بِأنْ أظْهَرُوا سَفَرًا وخَرَجُوا فاسْتَتَرُوا في غارٍ لِيَعُودُوا في اللَّيْلِ فَيَقْتُلُوهُ، فَألْقى اللَّهُ صَخْرَةً عَلى بابِ الغارِ حَتّى سَدَّهُ وكانَ هَذا مَكْرَ اللَّهِ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا هم فريقان يختصمون ﴾ قال: مؤمن، وكافر، قولهم صالح مرسل من ربه.
وقولهم ليس بمرسل.
وفي قوله: ﴿ لم تستعجلون بالسيئة ﴾ قال: العذاب ﴿ قبل الحسنة ﴾ قال: الرحمة.
وفي قوله: ﴿ قالوا اطيرنا بك ﴾ قال: تشاءمنا.
وفي قوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: من قوم صالح.
وفي قوله: ﴿ تقاسموا بالله ﴾ قال: تحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى أهلكوا وقومهم أجمعين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا هم فريقان يختصمون ﴾ قال: إن القوم بين مصدق ومكذب.
مصدق بالحق ونازل عنده، ومكذب بالحق تاركه.
في ذلك كانت خصومة القوم ﴿ قالوا اطيرنا بك ﴾ قال: قالوا: ما أصبنا من شر فإنما هو من قبلك ومن قبل من معك قال: ﴿ طائركم عند الله ﴾ يقول: علم أعمالكم عند الله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ قال: تبتلون بطاعة الله ومعصيته ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: من قوم صالح ﴿ قالوا: تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ﴾ قال: توافقوا على أن يأخذوه ليلاً فيقتلوه قال: ذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح- يعني مسرعين- ليقتلوه بعث الله عليهم صخرة فأخمدتهم ﴿ ثم لنقولن لوليه ﴾ يعنون رهط صالح ﴿ ومكروا مكراً ﴾ قال: مكرهم الذي مكروا بصالح ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ قال: مكر الله الذي مكر بهم: رماهم بصخرة فأهمدتهم ﴿ فانظر كيف كان ﴾ مكرهم قال: شر والله ﴿ كان عاقبة مكرهم ﴾ أن دمرهم الله وقومهم أجمعين ثم صيرهم إلى النار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ طائركم ﴾ قال: مصائبكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: كان أسماؤهم زعمي، وزعيم، وهرمي، وهريم، وداب، وهواب، ورياب، وسيطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: وهم الذين عقروا الناقة وقالوا حين عقروها تبيتن صالحاً وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح ما شهدنا من هذا شيئاً، وما لنا به علم فدمرهم الله أجمعين.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رياح ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ﴾ قال: كانوا يقرضون الدراهم.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد المدينة التي كان فيها صالح وهي: الحِجْر (١) ﴿ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ ذكرنا الكلام في تفسير الرهط عند قوله: ﴿ أَرَهْطِي ﴾ ﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ ﴾ (٢) يا بؤسَ للحرب التي ...
وضعتْ أراهطَ فاستراحوا (٣) (٤) ﴿ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ والمراد به تسعة رجل، وليس المراد به: رهط تسعة، على أن يجمع الرهط فيبلغوا خمسين أو قدره.
قال ابن عباس: كانوا تسعة من أشرافهم، وهم غواة قوم صالح (٥) ﴿ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ يعملون فيها بالمعاصي ﴿ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾ لا يطيعون الله.
قاله مقاتل (٦) (٧) (١) "تفسير مقاتل" 60 ب.
وأخرجه ابن جرير 19/ 172، عن ابن عباس، ومجاهد.
و"تفسير الثعلبي" 8/ 1132.
الحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى، بين المدينة والشام، وهي بيوت منحوتة في الجبال، وفيها البئر التي كانت تردها الناقة.
"معجم البلدان" 2/ 255، و"مراصد الإطلاع" 1/ 381.
وفي "معجم المعالم الجغرافية" 93: الحجر: رأس وادي القرى، وأهاه اليوم: قبيلة عنزة، وبه زراعة حسنة، وأهم ما هنالك عجائب آثار ثمود، وتبعد عن مدينة العلا 22 كم، شمالاً، والعُلا على 322 كم، على سكة الحديد، شمال المدينة النبوية، وأصبح وادي القرى يسمى: وادي العلا.
(٢) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال أبو عبيد عن أبي زيد: النفر والرهط: ما دون العشرة من الرجال.
وقال أبو العباس: المعشر والنفر والقوم والرهط معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهذا للرجال دون النساء.
وقال الليث: الرهط عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة.
(٣) أنشده الأزهري، 6/ 176، ولم ينسبه.
وأنشده سيبويه مستدلًا به على إقحام اللام بين المضاف والمضاف إليه، الكتاب 2/ 207، ولم ينسبه.
وكذا ابن جني، "الخصائص" 3/ 106، وفي الحاشية: هو سعد بن مالك البكري، والبيت من قصيدة له فى الحرب التي نشبت بين بكر وتغلب لمقتل كليب بن تغلب، وهو فيها == يحضّض على الحرب، ويعرّض بالحارث بن عباد البكري الذي كان اعتزل الحرب، وقوله: وضعت، أي: حطت قومًا بالقعود عنها، وأسقطتهم عن مرتبة الشرف فاستراحوا وآثروا السلامة كالنساء، ولم يعانوا أخطار المجد والسيادة.
وعن ابن جني، ذكره البغدادي، "الخزانة" 11/ 141، ولم ينسبه.
(٤) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 650.
و"تهذيب اللغة" 6/ 174 (رهط)، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 214.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2900، وفيه ذكر أسمائهم، وذكر أسماءهم مقاتل 60 ب، والثعلبي 8/ 132 أ، وهو مما لا دليل عليه.
وقال الزجاج 4/ 123: هؤلاء عتاة قوم صالح.
(٦) "تفسير مقاتل" 60 ب.
(٧) في "تنوير المقباس" 319: لا يأمرون بالصلاح ولا يعملون به.
قال مالك بن دينار: فكم اليوم في كل قبيلة من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
تفسير ابن أبي حاتم 9/ 2900.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَانَ فِي المدينة ﴾ يعني مدينة ثمود ﴿ يُفْسِدُونَ فِي الأرض ﴾ قيل: إنهم كانوا يقرضون الدنانير والدارهم ولفظ الفساد أعم من ذلك ﴿ تَقَاسَمُواْ بالله ﴾ أي حلفوا بالله، وقيل: إنه فعل ماض وذلك ضعيف، والصحيح أنه فعل أمر قاله بعضهم لبعض، وتعاقدوا عليه ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ أي لنقتلنه وأهله بالليل، وهذا هو الفعل الذي تحالفوا عليه ﴿ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ﴾ أي نتبرأ من دمه إن طلبنا به وليه، ومهلك يحتمل أن يكون اسم مصدر أو زمان أو مكان، فإن قيل: إن قولهم: ﴿ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ﴾ يقتضي التبري من دم أهله، دون التبري من دمه، فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنهم رادوا ما شهدنا مهلكه ومهلك أهله، وحذف مهلكه لدلالة قولهم ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ﴾ ، والثاني أن أهل الإنسان قد يراد به هو وهم لقوله: ﴿ وأغرقنا آل فرعون ﴾ يعني فرعون وقومه، الثالث: أنهم قالوا مهلك أهله خاصة ليكونوا صادقين، فإنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معاً، وأرادوا التعريض في كلامهم لئلا يكذبوا.
﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ يحتمل أن يكون قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ مغالطة مع اعتقادهم أنهم كاذبون، ويحتمل أنهم قصدوا وجهاً من التعريض ليخرجوا به عن الكذب وقد ذكرناه في الجواب الثالث عن مهلك أهله، وهو أنهم قصدوا أن يقتلوا صالحاً وأهله معاً، ثم يقولون: ما شهدنا مهلك أهله وحدهم وإنا لصادقون في ذلك بل يعنون أنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معاً، وعلى ذلك حمله الزمخشري.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لتنبيه ﴾ على الجمع المخاطب وهكذا ﴿ لتقولن ﴾ : حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالنون فيهما على التكلم ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل.
وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.
الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان ﴿ أنا دمرناهم ﴾ و ﴿ أن الناس ﴾ بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس ﴿ أئنكم ﴾ مذكور في "الأنعام" ﴿ يشكرون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ أءله ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ يذكرون ﴾ بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام.
الآخرون بتاء الخطاب ﴿ بل أدرك ﴾ بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل ﴿ بل ادّرك ﴾ بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني.
الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.
الوقوف: ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ الحسنة ﴾ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.
﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ تفتنون ﴾ ه ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ مكرهم ﴾ ط لمن قرأ.
"إنا" بكسر الألف على الاستئناف.
﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ النساء ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ قريتكم ﴾ ج لاحتمال تقدير لام التعليل ﴿ يتطهرون ﴾ ه ﴿ إلا أمرأته ﴾ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة ﴿ في الغابرين ﴾ ه ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ اصطفى ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقول ﴿ بهجة ﴾ ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ القتال ﴾ ط ﴿ عزيزاً ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ فريقاً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ تطؤها ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ ضعفين ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ج للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تطهيراً ﴾ ه لوقوع العوارض بين المعطوفين ﴿ والحكمة ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من أمرهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ الناس ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ تخشاه ﴾ ط ﴿ منهن وطراً ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ له ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ لا ﴿ مقدوراً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ وصف أو بدل ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ النبيين ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام.
والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.
والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع.
قال في الكشاف: قوله ﴿ لمن كان ﴾ بدل من قوله ﴿ لكم ﴾ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة.
والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف.
وقوله ﴿ يرجو الله واليوم الآخر ﴾ كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً.
وقوله ﴿ وذكر ﴾ معطوف على ﴿ كان ﴾ وفيه أن المقتدي برسول الله هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد.
ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الخطب أو البلاء.
عن ابن عباس: كان النبي قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع.
﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ في كل وعد ﴿ وما زادهم إلا إيماناً ﴾ بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم.
والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً.
وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر.
قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين.
ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما.
قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.
يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله.
وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً.
من قرأ ﴿ أنا دمرناهم ﴾ بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض.
وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ موافقة لما بعده ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ ﴿ وأمطرنا ﴾ وكله على "أفعل".
وقال في "حم السجدة" ﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.
القصة الخامسة قصة لوط ﴿ و ﴾ انتصب ﴿ لوطاً ﴾ بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و ﴿ يبصرون ﴾ إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.
أو الخطاب في قوله ﴿ تجهلون ﴾ تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" ﴿ قل الحمد لله ﴾ قيل: هو خطاب للوط أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب.
وقيل: أمر لنبينا بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة.
ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن.
قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله ﴿ الله خير أمّا يشركون ﴾ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه.
قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.
عن رسول الله أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.
ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: ﴿ أمن خلق السموات ﴾ وإنما قال ههنا ﴿ وأنزل لكم ﴾ واقتصر في إبراهيم على قوله ﴿ وأنزل ﴾ لأن لفظة ﴿ لكم ﴾ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول.
ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي.
والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة.
والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به.
وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت.
ومعنى ﴿ أءله مع الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.
قال في الكشاف: قوله ﴿ بل هم ﴾ بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم.
قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات.
ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك.
وقوله ﴿ يعدلون ﴾ من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.
ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها.
والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها.
والحاجز البرزخ كما في "الفرقان".
ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم.
والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله ، وإنه افتعال من الضر.
وعن ابن عباس: هو المجهود.
وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة.
وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره.
والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله ﴿ ويكشف السوء ﴾ كالبيان لقوله ﴿ يجيب المضطر ﴾ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام".
وقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم.
ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك.
والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات.
واعلم أن الله ذكر قوله ﴿ أءله مع الله ﴾ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ ثم بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ثم بقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ ثم بقوله ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾ ثم ﴿ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان.
قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر.
وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب.
قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس.
قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس.
وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً.
وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً.
وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.
وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب.
ومن هنا قال : "بئس خطيب القوم أنت" .
لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.
والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة.
عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره.
قال المفسرون: سال المشركون رسول الله عن وقت الساعة فنزلت.
وأيان بمعنى متى.
إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال ﴿ بل ادّارك ﴾ أي تدارك.
ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم.
ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك.
وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول.
ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم.
وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض.
وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا.
وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف.
قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.
التأويل: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر.
والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية.
وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿ تسعة رهط ﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿ يفسدون ﴾ في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ تقاسموا ﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق .
ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ ومكروا مكراً ﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أن صلاحهم في هلاكهم.
فمن قتلته فأنا ديته ﴿ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها ﴿ فتلك بيوتهم ﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿ بما ظلموا ﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها.
ولوط الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ تميزون الخير من الشر.
وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿ أخرجوا ﴾ الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿ إلا امرأته ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ وأمطرنا ﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿ قل الحمد لله وسلام ﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿ على عباده ﴾ ﴿ أمن خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿ فأنبتنا به حدائق ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿ أءله مع الله ﴾ من الهوى ﴿ أمن جعل ﴾ أرض النفس ﴿ قراراُ ﴾ في الجسد ﴿ وجعل خلالها أنهاراً ﴾ من دواعي البشرية ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ من القوى والحواس ﴿ وجعل بين ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ حاجزاً ﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿ أءله مع الله ﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ ويجعلكم ﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿ أمن يهديكم في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا.
وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿ من يبدأ الخلق ﴾ بالوجود المجازي ﴿ ثم يعيده ﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ ومن يرزقكم ﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿ أءله مع الله ﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ : يحتمل هذا: لقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، وأمرناه أن يقول لهم: اعبدوا الله.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ بالرسالة، أي: أرسلناه ليدعوهم إلى عبادة الله.
وقوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ﴾ : يحتمل: وحدوا الله.
ويحتمل العبادة نفسها: أن اعبدوا الله ولا تشركوا غيره فيها، ولا تشركوا في تسمية الألوهية غيره، ولكن وحدوه، فكيفما كان ففيه أمر بالتوحيد له في العبادة والألوهية له.
وقوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾ : مؤمن بصالح ومكذب به، ولم يبين فيم كانت خصومتهم؟
وبَيْنَ مَنْ كانت في هذه الآية؟
لكنه بين في آية أخرى وفسر وهو ما قال: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ ، هذه الخصومة التي ذكر في قوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾ بين الرؤساء من المؤمنين بصالح، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ أي: لم تستعجلون العذاب قبل الرحمة، واستعجالهم العذاب والسيئة ذكر في آية أخرى وهو قوله: ﴿ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ ، فذلك استعجالهم السيئة قبل الحسنة.
وقوله: ﴿ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ أي: لولا توحدون الله ولا تشركوا غيره في العبادة وتسمية الإلهية؛ لكي يرحمكم، وفيه إطماع لهم لو آمنوا وتابوا عنه لرحمهم؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
وقوله: ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ﴾ أي: تشاءمنا منك وبمن معك، لم يزل الكفرة يقولون لرسل الله - عليهم السلام - ولمن آمن منهم: اطيرنا بكم، إذا أصابتهم الشدة والبلاء يتطيرون بهم ويتشاءمون، ويقولون: إنما أصابنا هذا بشؤمكم، وإذا أصابهم رخاء وسعة فقالوا: هذا لنا بنا ومن أنفسنا، وهو ما قال موسى حيث قال: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ ﴾ الآية [الأعراف: 131]؛ وكذلك قال أهل مكة لرسول الله حيث قال: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ﴾ ، كانوا يتطيرون برسول الله ويتشاءمون بما يصيبهم من الشدة، وما ينزل بهم من البلاء، فأخبر الله رسوله، وأمره أن يقول لهم: ﴿ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ أي: الرخاء والشدة من عند الله ينزل، وهو باعث ذلك لا أنا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما ينزل بكم ويصيبكم من الشدة والرخاء إنما ينزل من عند الله لا بنا ولا بكم.
أو يقال: ما ينزل بكم من العذاب في الآخرة إنما يصيب بتكذيبكم إياي في الدنيا.
أو أن يقال: طائركم عند الله، أي: جزاء طيرتكم عند الله، هو يجزيكم بها بعذاب الدنيا والآخرة.
﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ ابتداء: مرة بالشدّة ومرة بالرخاء، لا بما تكسبون من الأعمال.
وجائز أن قوله: ﴿ تُفْتَنُونَ ﴾ بالعذاب بما تكسبون من الأعمال في الدنيا، أي: تعذبون بها.
قال أبو عوسجة: ﴿ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: الله أعلم بطائركم وما تطيرتم به.
وقال القتبي: ﴿ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ليس ذلك بي وإنما هو من الله، وهو ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ : قال بعضهم: الرهط: إنما يقال من ثلاثة إلى تسعة، وإذا نقص عن ذلك أو زاد يقال: رجال.
وقال أبو عوسجة: الرهط: النفر، وأراهط ورهوط جمع.
ثم يحتمل الرهط وجهين: أحدهما: ﴿ تِسْعَةُ رَهْطٍ ﴾ أي: تسعة نفر من الأتباع وغيره يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
والثاني: تسعة رهط لا تسعة نفر من الرؤساء، ولكل أحد منهم رهط من الأتباع يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
جائز أن هذا إخبار من الله أنهم يفسدون أبداً في الأرض ولا يؤمنون أبداً.
وجائز أن يكون إخبارا عن حالهم، أي: يعملون الفساد والمعاصي ولا يصلحون، أي: لا يسعون بالصلاح.
وقال ابن عباس: إن هؤلاء التسعة كانوا من أبناء أشرافهم، وكانوا بالحِجر، وكانوا فساقا، فقال بعضهم لبعض: لنقتلن صالحاً وأهله، ثم لنقولن لوليه - أي: لقومه من ورثته -: ما قتلناه.
وقوله: ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ﴾ : فتحالفوا على ذلك، فأتوا صالحا ليلا فدخلوا عليه بأسيافهم ليقتلوه، وعند صالح ملائكة جاءوا من الله يحرسونه، فقتلوا الرهط في دار صالح بالحجارة؛ فذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً ﴾ : بصالح وأهله، ﴿ وَمَكَرْنَا مَكْراً ﴾ أي: أهلكناهم، ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : أنهم يهلكون.
وقال بعضهم: هؤلاء التسعة الرهط تواثقوا أنهم يبيتون صالحاً ويقتلونه وأهله بعدما عقروا الناقة، وقالوا فيما بينهم: فإن خوصمنا في ذلك لنقولن ولنقسمن: ما شهدنا مهلك أهله، أي: ما حضرنا في هلاكهم؛ على هذا التأويل يكون على التقديم والتأخير.
وقال بعضهم: هؤلاء التسعة كانوا شرار قومه، خرجوا بخمر إلى بعض المغار ليشربوها، ثم ليبيتوا على صالح وأهله، فشربوا هنالك فانهدم بهم الصخرة وعذبوا فيه؛ فذلك قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ : بقتل صالح وهلاكه؛ ﴿ مَكْراً وَمَكَرْنَا ﴾ بهم حيث أهلكناهم، ﴿ مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .
والمكر: هو الأخذ بغتة.
وقوله: ﴿ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً ﴾ أي: جزيناهم جزاء مكرهم.
ثم اختلف في قراءة ﴿ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ ﴾ بالنون؛ فذلك قول بعضهم لبعض.
وقرأه بعضهم بالتاء: ﴿ لتبيتنه وأهله ثم لتقولن ﴾ ؛ فذلك قول الرؤساء للأتباع.
ومن قرأ بالياء يجعله خبراً عن الله لهم.
وقوله: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ ﴾ أي: لم نسكن فيها أحداً، ولكن تركناها خالية كذلك.
وقال بعضهم: ﴿ خَاوِيَةً ﴾ أي: خربة بما ظلموا كقوله: ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ أي: ساقطة خربة، وقد كان ذلك كله: منها ما جعل لغيرهم مسكناً إذا أهلكهم من نحو ما أورث بني إسرائيل ديار القبط وأموالهم، وأنزلهم فيها، ومنها: ما تركها كذلك خالية بعد ما أهلك أهلها وخربها وتركها كذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً ﴾ أي: في هلاك من ذكر لآية ولعبرة يعتبرون.
﴿ وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ مخالفة الله، ومخالفة أمره ونهيه.
<div class="verse-tafsir"
كان في مدينة الحِجْر تسعة رجال يفسدون في الأرض بالكفر والمعاصي، ولا يصلحون فيها بالإيمان والعمل الصالح.
<div class="verse-tafsir" id="91.DnKQR"