الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٦٢ من سورة النمل
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٢ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد ، المرجو عند النوازل ، كما قال : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ) [ الإسراء : 67 ] ، وقال تعالى : ( ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ) [ النحل : 53 ] .
وهكذا قال هاهنا : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) أي : من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه ، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه .
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا خالد الحذاء ، عن أبي تميمة الهجيمي ، عن رجل من بلهجيم قال : قلت : يا رسول الله ، إلام تدعو ؟
قال : " أدعو إلى الله وحده ، الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك ، والذي إن أضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك ، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك " .
قال : قلت : أوصني .
قال : " لا تسبن أحدا ، ولا تزهدن في المعروف ، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي ، واتزر إلى نصف الساق ، فإن أبيت فإلى الكعبين .
وإياك وإسبال الإزار ، فإن إسبال الإزار من المخيلة ، [ وإن الله - تبارك تعالى - لا يحب المخيلة ] .
وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر ، فذكر اسم الصحابي فقال : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا يونس - هو ابن عبيد - حدثنا عبيدة الهجيمي عن أبي تميمة الهجيمي ، عن جابر بن سليم الهجيمي قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محتب بشملة ، وقد وقع هدبها على قدميه ، فقلت : أيكم محمد - أو : رسول الله ؟
- فأومأ بيده إلى نفسه ، فقلت : يا رسول الله ، أنا من أهل البادية ، وفي جفاؤهم ، فأوصني .
فقال : " لا تحقرن من المعروف شيئا ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي ، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه ، فإنه يكون لك أجره وعليه وزره .
وإياك وإسبال الإزار ، فإن إسبال الإزار من المخيلة ، وإن الله لا يحب المخيلة ، ولا تسبن أحدا " .
قال : فما سببت بعده أحدا ، ولا شاة ولا بعيرا .
وقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقا ، وعندهما طرف صالح منه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن هاشم حدثنا عبدة بن نوح ، عن عمر بن الحجاج ، عن عبيد الله بن أبي صالح قال : دخل علي طاوس يعودني ، فقلت له : ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن ، فقال : ادع لنفسك ، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه .
وقال وهب بن منبه : قرأت في الكتاب الأول : إن الله يقول : بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات ومن فيهن ، والأرض بمن فيها ، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجا .
ومن لم يعتصم بي فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض ، فأجعله في الهواء ، فأكله إلى نفسه .
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل - حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي - قال هذا الرجل : كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني ، فركب معي ذات مرة رجل ، فمررنا على بعض الطريق ، على طريق غير مسلوكة ، فقال لي : خذ في هذه ، فإنها أقرب .
فقلت : لا خبرة لي فيها ، فقال : بل هي أقرب .
فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق ، وفيه قتلى كثير ، فقال لي : أمسك رأس البغل حتى أنزل .
فنزل وتشمر ، وجمع عليه ثيابه ، وسل سكينا معه وقصدني ، ففررت من بين يديه وتبعني ، فناشدته الله وقلت : خذ البغل بما عليه .
فقال : هو لي ، وإنما أريد قتلك .
فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل ، فاستسلمت بين يديه وقلت : إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين ؟
فقال : [ صل ] وعجل .
فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد ، فبقيت واقفا متحيرا وهو يقول : هيه .
افرغ .
فأجرى الله على لساني قوله تعالى : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) ، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي ، وبيده حربة ، فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده ، فخر صريعا ، فتعلقت بالفارس وقلت : بالله من أنت ؟
فقال : أنا رسول [ الله ] الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، ويكشف السوء .
قال : فأخذت البغل والحمل ورجعت سالما .
وذكر في ترجمة " فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجلية " قالت : هزم الكفار يوما المسلمين في غزاة ، فوقف جواد جيد بصاحبه ، وكان من ذوي اليسار ومن الصلحاء ، فقال للجواد : ما لك ؟
ويلك .
إنما كنت أعدك لمثل هذا اليوم .
فقال له الجواد : وما لي لا أقصر وأنت تكل علوفتي إلى السواس فيظلمونني ولا يطعمونني إلا القليل ؟
فقال : لك علي عهد الله أني لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في حجري .
فجرى الجواد عند ذلك ، ونجى صاحبه ، وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حجره ، واشتهر أمره بين الناس ، وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك ، وبلغ ملك الروم أمره ، فقال : ما تضام بلدة يكون هذا الرجل فيها .
واحتال ليحصله في بلده ، فبعث إليه رجلا من المرتدين عنده ، فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حسنت نيته في الإسلام وقومه ، حتى استوثق ، ثم خرجا يوما يمشيان على جنب الساحل ، وقد واعد شخصا آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره ، فلما اكتنفاه ليأخذاه رفع طرفه إلى السماء وقال : اللهم ، إنه إنما خدعني بك فاكفنيهما بما شئت ، قال : فخرج سبعان إليهما فأخذاهما ، ورجع الرجل سالما .
وقوله تعالى : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) أي : يخلف قرنا لقرن قبلهم وخلفا لسلف ، كما قال تعالى : ( إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) [ الأنعام : 133 ] ، وقال تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) [ الأنعام : 165 ] ، وقال تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) [ البقرة : 30 ] ، أي : قوما يخلف بعضهم بعضا كما قدمنا تقريره .
وهكذا هذه الآية : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) أي : أمة بعد أمة ، وجيلا بعد جيل ، وقوما بعد قوم .
ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد ، ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض ، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين ، كما خلق آدم من تراب .
ولو شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض ولكن لا يميت أحدا حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد ، فكانت تضيق عليهم الأرض وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم ، ويتضرر بعضهم ببعض .
ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة ، ثم يكثرهم غاية الكثرة ، ويذرأهم في الأرض ، ويجعلهم قرونا بعد قرون ، وأمما بعد أمم ، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البرية ، كما قدر ذلك تبارك وتعالى ، وكما أحصاهم وعدهم عدا ، ثم يقيم القيامة ، ويوفي كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله ; ولهذا قال تعالى : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ) أي : يقدر على ذلك ، أو إله مع الله يعبد ، وقد علم أن الله هو المتفرد بفعل ذلك ( قليلا ما تذكرون ) أي : ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ، ويهديهم إلى الصراط المستقيم .
يقول تعالى ذكره: أم ما تُشركون بالله خير, أم الذي يجيب المضطّر إذا دعاه, ويكشف السوء النازل به عنه؟
كما حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: (وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) قال: الضرّ.
وقوله: (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ ) يقول: ويستخلف بعد أمرائكم في الأرض منكم خلفاء أحياء يخلفونهم.
وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) يقول: أإله مع الله سواه يفعل هذه الأشياء بكم, وينعم عليكم هذه النعم؟
وقوله: (قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ) يقول: تَذَكُّرًا قليلا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرا, فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته.
قوله تعالى : أمن يجيب المضطر إذا دعاه قال ابن عباس : هو ذو الضرورة المجهود .
وقال السدي : الذي لا حول له ولا قوة .
وقال ذو النون : هو الذي قطع العلائق عما دون الله .
وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري : هو المفلس .
وقال سهل بن عبد الله : هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدمها .
وجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال : أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر ; قال : إذا فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه .
قال الشاعر :وإني لأدعو الله والأمر ضيق علي فما ينفك أن يتفرجا ورب أخ سدت عليه وجوههأصاب لها لما دعا الله مخرجاالثانية : وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء المضطر : اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت .الثالثة : ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه ، وأخبر بذلك عن نفسه ; والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص وقطع القلب عما سواه ; وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة ، وجد من مؤمن أو كافر ، طائع أو فاجر ; كما قال تعالى : [ ص: 207 ] حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين وقوله : فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم ، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم .
وقال تعالى : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه .
وفي الحديث : ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد على ولده ذكره صاحب الشهاب ; وهو حديث صحيح .
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب وفي كتاب الشهاب : اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام فيقول الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين وهو صحيح أيضا .
وخرج الآجري من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم : فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه ، وإجابة لإخلاصه وإن كان كافرا ، وكذلك إن كان فاجرا في دينه ; ففجور الفاجر وكفر الكافر لا يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده ، فلا يمنعه ما قضى للمضطر من إجابته .
وفسر إجابة دعوة المظلوم بالنصرة على ظالمه بما شاء سبحانه من قهر له ، أو اقتصاص منه ، أو تسليط ظالم آخر عليه يقهره كما قال عز وجل : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا وأكد سرعة إجابتها بقوله : تحمل على الغمام .
ومعناه - والله أعلم - أن الله عز وجل يوكل ملائكته بتلقي دعوة المظلوم وبحملها على الغمام ، فيعرجوا بها إلى السماء ، والسماء قبلة الدعاء ليراها الملائكة كلهم ، فيظهر منه معاونة المظلوم ، وشفاعة منهم له في [ ص: 208 ] إجابة دعوته ، رحمة له .
وفي هذا تحذير من الظلم جملة ، لما فيه من سخط الله ومعصيته ومخالفة أمره ; حيث قال على لسان نبيه في صحيح مسلم وغيره : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا .
.
.
) الحديث .
فالمظلوم مضطر ، ويقرب منه المسافر ; لأنه منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق والحميم ، لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته .
فتصدق ضرورته إلى المولى ، فيخلص إليه في اللجاء ، وهو المجيب للمضطر إذا دعاه ، وكذلك دعوة الوالد على ولده ، لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه وشفقته ، إلا عند تكامل عجزه عنه وصدق ضرورته ; وإياسه عن بر ولده ، مع وجود أذيته ، فيسرع الحق إلى إجابته .
قوله تعالى : ( ويكشف السوء ) أي الضر .
وقال الكلبي : الجور .
ويجعلكم خلفاء الأرض أي سكانها يهلك قوما وينشئ آخرين .
وفي كتاب النقاش : أي ويجعل أولادكم خلفا منكم .
وقال الكلبي : خلفا من الكفار ينزلون أرضهم ، وطاعة الله بعد كفرهم .
أإله مع الله على جهة التوبيخ ; كأنه قال أمع الله ويلكم إله ; ف ( إله ) مرفوع ب ( مع ) .
ويجوز أن يكون مرفوعا بإضمار ( إله مع الله يفعل ذلك فتعبدوه ) والوقف على ( مع الله ) حسن .قليلا ما تذكرون قرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب : ( يذكرون ) بالياء على الخبر ، كقوله : بل أكثرهم لا يعلمون و تعالى الله عما يشركون فأخبر فيما قبلها وبعدها ; واختاره أبو حاتم .
الباقون بالتاء خطابا لقوله : ويجعلكم خلفاء الأرض .
أي: هل يجيب المضطرب الذي أقلقته الكروب وتعسر عليه المطلوب واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده؟
ومن يكشف السوء أي: البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده؟
ومن يجعلكم خلفاء الأرض يمكنكم منها ويمد لكم بالرزق ويوصل إليكم نعمه وتكونون خلفاء من قبلكم كما أنه سيميتكم ويأتي بقوم بعدكم أإله مع الله يفعل هذه الأفعال؟
لا أحد يفعل مع الله شيئا من ذلك حتى بإقراركم أيها المشركون، ولهذا كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه وإزالته، { قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ْ} أي: قليل تذكركم وتدبركم للأمور التي إذا تذكرتموها ادَّكرتم ورجعتم إلى الهدى، ولكن الغفلة والإعراض شامل لكم فلذلك ما أرعويتم ولا اهتديتم.
( أمن يجيب المضطر ) المكروب المجهود ، ( إذا دعاه ويكشف السوء ) الضر ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) سكانها يهلك قرنا وينشئ آخر .
وقيل : يجعل أولادكم خلفاءكم وقيل : جعلكم خلفاء الجن في الأرض .
( أإله مع الله قليلا ما تذكرون ) قرأ أبو عمرو بالياء والآخرون بالتاء .
«أَمَّن يجيب المضطر» المكروب الذي مسه الضر «إذا دعاه ويكشف السوء» عنه وعن غيره «ويجعلكم خلفاء الأرض» الإضافة بمعنى في، أي يخلف كل قرن القرن الذي قبله: «أَإِله مع الله قليلاً ما تذكَّرون» تتعظون بالفوقانية والتحتانية وفيه إدغام التاء في الذال وما زائدة لتقليل القليل.
أعبادة ما تشركون بالله خير أم الذي يجيب المكروب إذا دعاه، ويكشف السوء النازل به، ويجعلكم خلفاء لمن سبقكم في الأرض؟
أمعبود مع الله ينعم عليكم هذه النعم؟
قليلا ما تذكرون وتعتبرون، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته.
ثم تنتقل السورة - للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى هم يحسونها فى خاصة أنفسهم ، وفى حنايا قلوبهم فتقول : ( أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السواء ) .والمضطر : اسم مفعول من الاضطرار الذى هو افتعال من الضرورة .والمراد به : الإنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد .
جعلته يرفع أكف الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه .أى : وقولوا لنا - أيها المشركون - : من الذين يجيب دعوة الداعى المكروب الذى نزلت به المصائب والرزايا؟
ومن الذى يكشف عنه وعن غيره السوء والبلاء؟
إنه الله وحده ، هو الذى يجيب دعاء من التجأ إليه ، وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن عباده ، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته .وقولوا لنا - أيضا - : من الذى ( يَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأرض ) أى : من الذى يجعلكم يخلف بعضكم بعضا .
قرنا بع قرن وجيلا بعد جيل ( أإله مَّعَ الله ) هو الذى فعل ذلك .كلا ، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر ، وهو الذى يكشف السوء ، وهو الذي يجعلكم خلفاء الأرض ، ولكنكم ( قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ) أى : ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله - تعالى - عليكم ، ورحمته بكم .وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة ، لأن الإنسان من شأنه - إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى - عند الشدائد ، وينساه عند الرخاء .وصدق الله إذ يقول : ( وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ ).
النوع الثالث ما يتعلق باحتياج الخلق إليه سبحانه: اعلم أنه سبحانه نبه في هذه الآية على أمرين: أحدهما: قوله: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ ﴾ قال صاحب الكشاف: الضرورة الحالة المحوجة إلى الالتجاء والاضطرار افتعال منها: يقال اضطره إلى كذا والفاعل والمفعول مضطر، واعلم أن المضطر هو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى التضرع إلى الله تعالى، وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة، وقيل المذنب إذا استغفر، فإن قيل قد عم المضطرين بقوله: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ ﴾ وكم من مضطر يدعو فلا يجاب؟
جوابه: قد بينا في أصول الفقه أن المفرد المعرف لا يفيد العموم وإنما يفيد الماهية فقط، والحكم المثبت للماهية يكفي في صدقه ثبوته في فرد واحد من أفراد الماهية، وأيضاً فإنه تعالى وعد بالاستجابة ولم يذكر أنه يستجيب في الحال وتمام القول في شرائط الدعاء والإجابة مذكور في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ فأما قوله تعالى: ﴿ وَيَكْشِفُ السوء ﴾ فهو كالتفسير للاستجابة، فإنه لا يقدر أحد على كشف ما دفع إليه من فقر إلى غنى ومرض إلى صحة وضيق إلى سعة إلا القادر الذي لا يعجز والقاهر الذي لا ينازع وثانيهما: قوله: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء الأرض ﴾ فالمراد توارثهم سكناها والتصرف فيها قرناً بعد قرن وأراد بالخلافة الملك والتسلط، وقرئ ﴿ يَذَّكَّرُونَ ﴾ بالياء مع الإدغام وبالتاء مع الإدغام وبالحذف وما مزيدة أي يذكرون تذكرا قليلاً، والمعنى نفي التذكر والقلة تستعمل في معنى النفي.
<div class="verse-tafsir"
الضرورة: الحالة المحوجة إلى اللجإ.
والإضرار: افتعال منها.
يقال: اضطرّه إلى كذا، والفاعل والمفعول: مضطر.
والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجإ والتضرع إلى الله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو المجهود.
وعن السدّي: الذي لا حول له ولا قوة.
وقيل: المذنب إذا استغفر.
فإن قلت: قد عم المضطرين بقوله: ﴿ يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ ﴾ وكم من مضطرّ يدعوه فلا يجاب؟
قلت؛ الإجابة موقوفة على أن يكون المدعوّ به مصلحة، ولهذا لا يحسن دعاء العبد إلا شارطاً فيه المصلحة.
وأما المضطر فمتناول للجنس مطلقاً، يصلح لكله ولبعضه، فلا طريق إلى الجزم على أحدهما إلا بدليل، وقد قام الدليل على البعض وهو الذي أجابته مصلحة، فبطل التناول على العموم ﴿ خُلَفَآءَ الأرض ﴾ خلفاء فيها، وذلك توارثهم سكناها والتصرف فيها قرنا بعد قرن.
أو أراد بالخلافة الملك والتسلط.
وقرئ: ﴿ يذكرون ﴾ بالياء مع الإدغام.
وبالتاء مع الإدغام والحذف.
وما مزيدة، أي: يذكرون تذاكراً قليلاً.
والمعنى: نفي التذكر، والقلة تستعمل في معنى النفي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ﴾ المُضْطَرُّ الَّذِي أحْوَجَهُ شِدَّةُ ما بِهِ إلى اللَّجَإ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الِاضْطِرارِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الضَّرُورَةِ واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ فَلا يَلْزَمُ مِنهُ إجابَةُ كُلِّ مُضْطَرٍّ.
﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ ويَدْفَعُ عَنِ الإنْسانِ ما يَسُوءُهُ.
﴿ وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ ﴾ خُلَفاءَ فِيها بِأنْ ورَّثَكم سُكْناها والتَّصَرُّفَ فِيها مِمَّنْ قَبْلَكم.
﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ الَّذِي خَصَّكم بِهَذِهِ النِّعَمِ العامَّةِ والخاصَّةِ.
﴿ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ تَذَكَّرُونَ آلاءَهُ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، وما مَزِيدَةٌ والمُرادُ بِالقِلَّةِ العَدَمُ أوِ الحَقارَةُ المُزِيحَةُ لِلْفائِدَةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ورُوحٌ بِالياءِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالتّاءِ وتَخْفِيفِ الذّالِ.
﴿ أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ بِالنُّجُومِ وعَلاماتِ الأرْضِ، والـ ( ظُلُماتِ ) ظُلُماتُ اللَّيالِي وإضافَتُها إلى البَرِّ والبَحْرِ لِلْمُلابَسَةِ، أوْ مُشْتَبَهاتُ الطُّرُقِ يُقالُ طَرِيقَةٌ ظَلْماءُ وعَمْياءُ لِلَّتِي لا مَنارَ بِها.
﴿ وَمَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ، ولَوْ صَحَّ أنَّ السَّبَبَ الأكْثَرَ في تَكَوُّنِ الرِّياحِ مُعاوَدَةُ الأدْخِنَةِ الصّاعِدَةِ مِنَ الطَّبَقَةِ البارِدَةِ لِانْكِسارِ حَرِّها وتَمْوِيجِها الهَواءَ فَلا شَكَّ أنَّ الأسْبابَ الفاعِلِيَّةَ والقابِلِيَّةَ لِذَلِكَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والفاعِلُ لِلسَّبَبِ فِعْلٌ لِلْمُسَبِّبِ.
﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
﴿ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ تَعالى اللَّهُ القادِرُ الخالِقُ عَنْ مُشارَكَةِ العاجِزِ المَخْلُوقِ.
<div class="verse-tafsir"
{أم من يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ} الاضطرار افتعال من الضرورة وهي الحالة المحوجة إلى اللجأ يقال اضطره إلى كذا والفاعل والمفعول مضطر والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقرأ ونازلة من نوازل الدهر إلى اللجأ
والتضرع إلى الله والمذنب أو المذنب إذا استغفر أو المظلوم إذا دعا أو من رفع يديه ولم ير لنفسه حسنة غير التوحيد وهو منه على خطر {وَيَكْشِفُ السوء} الضر أو الجور {وَيَجْعَلُكُمْ خلفاء الأرض} أي فيها وذلك توارثهم سكناها والتصرف فيها قرناً بعد قرن أو أراد بالخلافة الملك والتسلط {أإله مَّعَ الله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} وبالياء أبو عمر وبالتخفيف حمزة وعلي وحفص وما مزيدة أي تذكرون تذكرا قليلا
﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ﴾ وهو الَّذِي أحْوَجَتْهُ شِدَّةٌ مِنَ الشَّدائِدِ وألْجَأتْهُ إلى اللَّجَأِ والضَّراعَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ الَّذِي هو افْتِعالٌ مِنَ الضَّرُورَةِ، ويَرْجِعُ إلى هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ لَهُ بِالمَجْهُودِ، وتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ بِالَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، واللّامُ فِيهِ عَلى ما قِيلَ: لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ حَتّى يَلْزَمَ إجابَةَ كُلِّ مُضْطَرٍّ وكَمْ مِن مُضْطَرٍّ لا يُجابُ.
وجَوَّزَ حَمْلَهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ لَكِنَّ الإجابَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالمَشِيئَةِ كَما وقَعَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ ﴾ ، ومَعَ هَذا كَرِهَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ الشَّخْصُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ.
وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّهُ سُبْحانَهُ لا مُكْرَهُ لَهُ»».، والمُعْتَزِلَةُ يُقَيِّدُونَها بِالعِلْمِ بِالمَصْلَحَةِ لِإيجابِهِمْ رِعايَةَ المَصالِحِ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: ما مِن مُضْطَرٍّ دَعا إلّا أُجِيبَ وأُعِيدَ نَفْعُ دُعائِهِ إلَيْهِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّ الدُّعاءَ طَلَبُ شَيْءٍ.
فَإنْ لَمْ يُعْطَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ يُعْطَ ما هو أجَلُّ مِنهُ أوْ إنْ لَمْ يُعْطَ هَذا الوَقْتَ يُعْطَ بَعْدَهُ اهـ.
وظاهِرُهُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ مِن دُونِ تَقْيِيدٍ لِلْإجابَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا فُسِّرَتِ الإجابَةُ بِإعْطاءِ السّائِلِ ما سَألَهُ حَسْبَما سَألَ لا بِقَطْعِ سُؤالِهِ سَواءٌ كانَ بِالإعْطاءِ المَذْكُورِ أمْ بِغَيْرِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ ما ذَكَرَهُ، وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في المُشْرِكِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ ﴾ والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم عِنْدَ اضْطِرارِهِمْ في نَوازِلِ الدَّهْرِ وخُطُوبِ الزَّمانِ كانُوا يَلْجَأُونَ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ الشُّرَكاءِ والأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى التَّنْبِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: كانُوا إذا حَزَبَهم أمْرٌ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى دُونَ أصْنامِهِمْ، فالمَعْنى إذا حَزَبَكم أمْرٌ أوْ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ الدَّهْرِ إلى أنْ تَصِيرُوا آيِسِينَ مِنَ الحَياةِ مَن يُجِيبُكم إلى كَشْفِها ويَجْعَلُكم بَعْدَ ذَلِكَ تَتَصَرَّفُونَ في البِلادِ كالخُلَفاءِ ﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ فَلا يَكُونُ المُضْطَرُّ عامًّا ولا الدُّعاءُ فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمِثْلِ قَضِيَّةِ الفُلْكِ، وقَدْ أُجِيبُوا إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ ﴾ الآيَةَ اهـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، ولَعَلَّ الأوْلى الحَمْلُ عَلى الجِنْسِ والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ وهو سُبْحانُهُ لا يَشاءُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والدُّعاءُ بِشَيْءٍ مِن قَبِيلِ أحَدِ الأسْبابِ العادِيَّةِ لَهُ فافْهَمْ ﴿ ويَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ أيْ يَرْفَعُ عَنِ الإنْسانِ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يَسُوءُهُ، وقِيلَ: الكَشْفُ أعَمُّ مِنَ الدَّفْعِ والرَّفْعِ، وعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها مِن قَبِيلِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وقِيلَ: المَعْنى ويَكْشِفُ سُوءَهُ أيِ المُضْطَرَّ، أوْ ويَكْشِفُ عَنْهُ السُّوءَ والعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ فَإنَّ إجابَةَ المُضْطَرِّ هي كَشْفُ السُّوءِ عَنْهُ الَّذِي صارَ مُضْطَرًّا بِسَبَبِهِ وهو كَما تَرى.
﴿ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ ﴾ أيْ خُلَفاءَ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ في الأرْضِ بِأنْ ورَّثَكم سُكْناها والتَّصَرُّفَ فِيها بَعْدَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخِلافَةِ المُلْكُ والتَّسَلُّطُ، وقَرَأ الحَسَنُ ونَجْعَلُكم بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ الَّذِي هَذِهِ شُؤُونُهُ ونِعَمُهُ تَعالى ﴿ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ تَذَكُرًّا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ- فَقَلِيلًا- نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ أوْ ظَرْفٍ مُقَدَّرٍ، وما- مَزِيدَةٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها العَدَمُ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ في الحَقارَةِ وعَدَمِ الجَدْوى، ومَفْعُولُ ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ مَحْذُوفٌ لِلْفاصِلَةِ، فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ تَذْكُرُونَ نِعَمَهُ، وقِيلَ: تَذْكُرُونَ مَضْمُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: تَذْكُرُونَ ما مَرَّ لَكم مِنَ البَلاءِ والسُّرُورِ، ولَعَلَّ الأوْلى نِعَمُهُ المَذْكُورَةُ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ المُتَذَكِّرَ في غايَةِ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كانَ التَّذْيِيلُ بِنَفْيِ التَّذَكُّرِ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو- يَذَكَّرُونَ- بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ- «تَتَذَكَّرُونَ» - بِتاءَيْنِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: الله الذى خَلَقَ السموات والارض وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاء يعني: المطر فَأَنْبَتْنا بِهِ يعني: بالمطر حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ يعني: البساتين، واحدها حديقة، وإنما سميت حديقة لأنها محاطة بالحيطان.
وقال بعضهم: إذا كانت ذا شجر يقال لها: حديقة سواء كان لها حائط أو لا.
ذاتَ بَهْجَةٍ، يعني: ذات حسن مَّا كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها يعني: ما كان لمعبودكم قوة.
ويقال: ما كان ينبغي لكم أن تنبتوا شجرها.
ويقال: ما قدرتم عليه، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: أَمَّا يُشْرِكُونَ بالياء على معنى الخبر.
وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها بتخفيف الدال، وقرأ الباقون بالتشديد.
ثم قال: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على صنعه، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإنكار والزجر بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يعني: يشركون الأصنام.
ثم قال عز وجل: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً يعني: مستقراً لا تميد بأهلها.
ويقال: قَراراً أي لا تتحرك وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وجَعَلَ يعني: خلقا لها.
يعني: فجر بنواحي الأرض أنهاراً.
ويقال: شقّ بينهما أنهاراً وَجَعَلَ لَها أي خلق للأرض رَواسِيَ أي: الجبال الثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً يعني: العذب والمالح حاجزاً يعني: ستراً مانعا من قدرته لا يختلطان بعضهما في بعض أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على صنعه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ توحيد الله عز وجل.
ثم قال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ يعني: أمن يستجيب في البلاء للمضْطَّر إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ يعني: ومن يكشف الضر وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يعني: سكان الأرض بعد هلاك أهلها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ قرأ أبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين يذكرون بالياء على معنى الخبر عنهم، وقرأ الباقون تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.
وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف الذال وقرأ الباقون: بالتشديد.
وقرأ أبو عمرو ونافع في رواية قالون: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بالهمز والمد، وقرأ الباقون: بغير مد بهمزتين.
ثم قال عز وجل: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعني: من يرشدكم في أهوال البر والبحر.
وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني: قدام المطر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهِ أي: تعظم الله عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يعني: خلقهم ولم يكونوا شيئاً، ثم يعيدهم في الآخرة وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ يعني: المطر وَالْأَرْضِ يعني: النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ يعني: حجتكم وعذركم، بأنه صنع شيئاً من هذا غير الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأن مع الله آلهة أخرى.
<div class="verse-tafsir"
ويَعْدِلُونَ يجوز أن يرادَ به: يعدِلُونَ عن طريق الحقِّ، ويجوزُ أَنْ يُرَادَ به يَعْدِلُونَ باللهِ غيره، أي: يجعلون له عديلا ومثيلا، وخِلالَها مَعْنَاه: بَيْنها، والرواسي: الجبال، والبحرانِ/: الماءُ العذبُ والماءُ الأجاج على ما تقدم، والحاجز: ما جَعَلَ الله بيْنَهما مِنْ حَوَاجِز الأرْضِ وموانِعها على رِقَّتِها في بعض المواضع، ولطافتِها لولا قدرة الله لغلب المالح العذب.
وقوله سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ...
الآية، وعن حبيب بن مسلمة «١» الفهري وكان مجاب الدعوة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «لاَ يَجْتَمِعُ مَلأٌ فَيَدْعُوَ بَعْضُهُمْ وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إلاَّ أَجَابَهُمْ اللهُ تعالى» «٢» ، رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «سلاح المؤمن» ، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ» «٣» رواه الترمذيُّ وهذا لفظه.
قال «صاحب السلاح» : ورواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: مستقيمُ الإسناد، انتهى.
والسُّوءَ عامٌّ في كل ضرُّ يَكْشِفُه اللهُ تعالى عن عبادِه، قال ابن عطاء الله: ما طُلِبَ لَك شيءٌ مثلَ الاضْطِرَارِ، ولا أسْرَع بالمواهِب لكَ مثلَ الذِّلةِ والافتقارِ، انتهى.
و «الظلماتُ» عام لظلمةِ الليل ولظلمةِ الجهل والضلال، والرزق من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ وهو: المَكْرُوبُ المَجْهُودُ؛ ﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ يَعْنِي الضُّرَّ ﴿ وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ ﴾ أيْ: يَهْلَكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آَخَرِينَ، و ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ بِمَعْنى تَتَّعِظُونَ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ.
﴿ أمَّنْ يَهْدِيكُمْ ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم إلى مَقاصِدِكم إذا سافَرْتُمْ ﴿ فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ وقَدْ بَيَّنّاها في (الأنْعامِ: ٦٣، ٩٧) وشَرَحْنا ما يَلِيها مِنَ الكَلِماتِ فِيما مَضى [الأعْرافِ: ٥٧ ويُونُسَ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ يَعْنِي مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أيْ: مَتى يَبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَلْ أدْرَكَ " قالَ مُجاهِدٌ: " بَلْ " بِمَعْنى " أمْ " والمَعْنى: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: هَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ؟
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إنَّهم لا يَقِفُونَ في الدُّنْيا عَلى حَقِيقَةِ العِلْمِ بِالآخِرَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ بَلِ ادّارَكَ ﴾ عَلى مَعْنى: بَلْ تَدارَكَ، أيْ: تَتابَعَ وتَلاحَقَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.
ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِأنّهم مَبْعُوثُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، عَلِمُوهُ في الآَخِرَةِ.
والثّانِي: بَلْ تَدارَكَ ظَنُّهم وحَدْسُهم في الحُكْمِ عَلى الآخِرَةِ، فَتارَةً يَقُولُونَ: إنَّها كائِنَةٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: لا تَكُونُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَلِ ادَّرَكَ " عَلى وزْنِ افْتَعَلَ مِن أدْرَكْتُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها ﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في شَكٍّ مِنَ القِيامَةِ ﴿ بَلْ هم مِنها عَمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِن عِلْمِها وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّحْلِ:١٢٧، المُؤْمِنُونَ: ٣٥، ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ يَعْنُونَ: العَذابَ الَّذِي تَعِدُنا.
﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرُبَ لَكم.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَبِعَكم، واللّامُ زائِدَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: رَدِفَكم.
وَفِي ما تَبِعَهم مِمّا اسْتَعْجَلُوهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَوْمَ بَدْرٍ.
والثّانِي: عَذابُ القَبْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ حِين لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن عَداوَتِكَ وخِلافِكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.
﴿ وَما مِن غائِبَةٍ ﴾ أيْ: وما مِن جُمْلَةٍ غائِبَةٍ، ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ؛ والمَعْنى: إنَّ عِلْمَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ بَيِّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ تَعالى اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلِ هم في شَكٍّ مِنها بَلِ هم مِنها عَمُونَ ﴾ وقَّفَهم في هَذِهِ الآياتِ عَلى المَعانِي الَّتِي يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ ولا لِوَثَنٍ فِيها، فَهي عِبَرٌ ونِعَمٌ، فالحُجَّةُ قائِمَةٌ بِها مِنَ الوَجْهَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ مَعْناهُ: بِشَرْطِ أنْ يَشاءَ عَلى المُعْتَقَدِ في الإجابَةِ، لَكِنَّ المُضْطَرَّ لا يُجِيبُهُ مَتى أُجِيبُ إلّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، و"السُوءَ" عامٌ في كُلِّ ضُرٍّ يَكْشِفُهُ اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيَجْعَلُكُمْ" بِياءٍ عَلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، ورُوِيَتْ عنهُ بِنُونٍ.
وكُلُّ قَرْنٍ خَلَفٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.
و"الظُلُماتُ" عامٌ لِظُلْمَةِ اللَيْلِ الَّتِي هي الحَقِيقَةُ في اللُغَةِ، ولِظُلْمِ الجَهْلِ والضَلالِ والخَوْفِ الَّتِي هي مَجازاتٌ وتَشْبِيهاتٌ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: تَجَلَّتْ عَماياتُ الرِجالِ عَنِ الصِبا وَكَما تَقُولُ: أظْلَمَ الأمْرُ وأنارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في قَوْلِهِ: "بُشْرًا"، وقَرَأ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشْرِكُونَ" عَلى المُخاطَبِ.
و"بَدْءُ الخَلْقِ" اخْتِراعُهُ وإيجادُهُ، و"الخَلْقَ": هُنا المَخْلُوقُ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرِ الإعادَةِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الخَلْقَ" مَصْدَرُ: خَلَقَ يَخْلُقُ، ويَكُونُ "يَبْدَأُ" و"يُعِيدُ" اسْتِعارَةٌ لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فَلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا وكَذا، أيْ يُتْقِنُهُ.
و"الرِزْقُ" مِنَ السَماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَباتِ، هَذا مَشْهُورٌ ما يُحِسُّهُ البَشَرُ، وكَمْ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى مِن لُطْفٍ خَفِيٍّ.
ثُمْ أمَرَ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم عَلى أنَّ الغَيْبَ مِمّا انْفَرَدَ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ غَيْبًا لِغَيْبِهِ عَنِ المَخْلُوقِينَ، ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ لِأنَّ الكُفّارَ سَألُوا وألَحُّوا عن وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي يَعِدُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالتَسْلِيمِ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وتَرْكِ التَحْدِيدِ، وأعْلَمُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا يَعْلَمُ وقْتَ الساعَةِ سِواهُ، فَجاءَ بِلَفْظٍ يَعُمُ السامِعَ وغَيْرَهُ، وأخْبَرَ عَنِ البَشَرِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ احْتَجَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها عَلى قَوْلِها: ومَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللهِ الفِرْيَةَ.
والمَكْتُوبَةُ في قَوْلِهِ: " إلّا اللهُ " بَدَلٌ مِن "مَن".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ: "إيّانَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلِ ادّارَكَ"، أصْلُهُ: تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ بَعْدَ أنْ أُبْدِلَتْ، ثُمُ احْتِيجَ إلى ألْفِ الوَصْلِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ: "تَدارَكَ" فِيما رُوِيَ عنهُ، وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "بَلِ ادَّرَكَ" عَلى وزْنِ افْتَعَلَ، وهي بِمَعْنى تَفاعَلَ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: "بَلَ ادَّرَكَ" بِفَتْحِ الامِ ولا هَمْزَ، وبِتَشْدِيدِ الدالِّ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "بَلْ أدْرَكَ" وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أمْ تَدارَكَ عِلْمُهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بَلَ أدْرَكَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "بَلْ آدّارَكَ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بَلْ آدَّرَكَ" عَلى الِاسْتِفْهامِ، ونَسَبَها أبُو عَمْرُو الدانِي إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.
فَأمّا قِراءَةُ الِاسْتِفْهامِ فَهي عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ، والتَقْرِيرُ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عنهُمْ، أيْ: أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمَهُمْ؟
وأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ، أيْ: تَناهى، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَباتُ وغَيْرُهُ، وكَما تَقُولُ: هَذا ما أدْرَكَ عَلْمِي مِن كَذا وكَذا، فَهَذا قَدْ تَتابَعَ وتَناهى عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ، أو ألّا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وكَذَلِكَ ادّارَكَ وتَدارَكَ وسِواها، وإنْ حَمَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مَعْنى التَوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ ساغَ، وجاءَ إنْكارًا لَأنْ أدْرَكُوا شَيْئًا نافِعًا، والمَعْنى الثانِي: بَلْ أدْرَكَ بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ أنَّهم في الآخِرَةِ يُدْرِكُ عِلْمَهم وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوُا العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُنْيا فَلا.
وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجاجُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- ظَرْفٌ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ في بِمَعْنى الباءِ، والعِلْمُ قَدْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، تَقُولُ: عِلْمِي يَزِيدُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وعِلْمِي بِأسْوامِ المِياهِ ∗∗∗............
البَيْتُ ثُمْ وصَفَهم عَزَّ وجَلَّ بِأنَّهم في شَكٍّ مِنها، ثُمْ أرَدَفَهم بِصِفَةٍ أبْلَغَ مِنَ الشَكِّ وهي العَمى بِالجُمْلَةِ عن أمْرِ الآخِرَةِ، و"عَمُونَ" أصْلُهُ "عَمِيُونَ" فَعِلَوْنَ كَحَذِرُونَ وغَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ارتقى الاستدلال من التذكير بالتصرف الرباني في ذوات المخلوقات إلى التذكير بتصرفه في أحوال الناس التي لا يخلو عنها أحد في بعض شؤون الحياة وذلك حال الاضطرار إلى تحصيل الخير، وحال انتياب السوء، وحال التصرف في الأرض ومنافعها.
فهذه ثلاثة الأنواع لأحوال البشر.
وهي: حالة الاحتياج، وحالة البؤس، وحالة الانتفاع.
فالأولى: هي المضمنة في قوله ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ فالمضطر هو ذو الضرورة أي الحالة المحوجة إلى الأشياء العسرة الحصول، وهذه مرتبة الحاجيات فالمرء محتاج إلى أمور كثيرة بها قوام أوده ليست متصلة بذاته مثل الأقوات والنكاح والملابس اللازمة فالمرء يتطلبها بوجوه من المعاوضات، وقد يتعسر بعضها وهي تتعسر بقدر وفرة منافعها وعزة حصولها فيسأل الله أن يعطيها.
والاضطرار: افتعال من الضرورة لا من الضر.
وتقديره: أنه نالته الضرورة فطاوعها.
وليس له فعل مجرد وإنما يقال: اضطره كذا إلى كذا.
واللام في ﴿ المضطر ﴾ لتعريف الجنس المسمى بلام العهد الذهني، أي يجيب فرداً معهوداً في الذهن بحالة الاضطرار.
والإجابة: إعطاء الأمر المسؤول.
والمعنى: أن المضطر إذا دعا لتحصيل ما اضطر إليه فإنه لا يجيبه إلا الله بقطع النظر عن كونه يجيب بعضاً ويؤخر بعضاً.
وحالة البؤس: هي المشار إليها بقوله {ويكشف السوء.
والكشف: أصله رفع الغشاء، فشبه السوء الذي يعتري المضرور بغشاء يحول دون المرء ودون الاهتداء إلى الخلاص تشبيه معقول بمحسوس.
وَرُمز إلى المشبه به بالكشف الذي هو من روادف الغشاء.
وهو أيضاً مستعار للإزالة بقرينة تعديته إلى السوء.
والمعنى: من يزيل السوء.
وهذه مرتبة الضروري فإن معظمها أو جميعها حفظ من تطرق السوء إلى مهم أحوال الناس مثل الكليات وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، والعرض.
والمعنى: إن الله يكشف السوء عن المسوء إذا دعاه أيضاً فحذف من الجملة المعطوفة لدلالة ما ذكر مع الجملة المعطوف عليها، أي يكشف السوء عن المستاء إذا دعاه.
وظاهر التقييد بالظرف يقتضي ضمان الإجابة.
والواقع أن الإجابة منوطة بإرادة الله تعالى بحسب ما يقتضيه حال الداعي وما يقتضيه معارضه من أصول أخرى، والله أعلم بذلك.
وحالة الانتفاع: } هي المشار إليها بقوله ﴿ ويجعلكم خلفاء الأرض ﴾ أي يجعلكم تعمرون الأرض وتجتنون منافعها، فضمن الخلفاء معنى المالكين فأضيف إلى الأرض على تقدير: مالكين لها، والملك يستلزم الانتفاع بما ينتفع به منها.
وأفاد خلفاء بطريق الإلتزام معنى الوراثة لمن سبق، فكل حي هو خلف عن سلفه.
والأمة خلف عن أمة كانت قبلها جيلاً بعد جيل.
وهذا كقوله تعالى حكاية لقول نوح ﴿ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ﴾ [هود: 61].
وهذه مرتبة التحسيني.
وقد جمعت الآية الإشارة إلى مراتب المناسب وهو ما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً وهو من مسالك العلة في أصول الفقه.
ولما اقتضته الخلافة من تجدد الأبناء عقب الآباء والأجيال بعد الأجيال، وما اقتضته الاستجابة وكشف السوء من كثرة الداعين والمستائين عبر في أفعال الجعل التي تعلقت بها بصيغة المضارع الدال على التجدد بخلاف أفعال الجعل الأربعة التي في الآية قبلها.
ثم استؤنف عقب هذا الاستدلال باستفهام إنكاري تكريراً لما تقدم عقب الأدلة السابقة زيادة في تعداد خطئهم بقوله {أإله مع الله قليلاً ما تذكرون.
وانتصب قليلاً } على الحال من ضمير الخطاب في قوله ﴿ ويجعلكم خلفاء الأرض ﴾ أي فعل ذلك لكم وأنتم في حال قلة تذكركم، فتفيد الحال معنى التعجب من حالهم.
والتذكر: من الذُّكر بضم الذال وهو ضد النسيان فهو استحضار المعلوم، أي قليلاً استحضاركم الافتقار إلى الله وما أنتم فيه من إنعامه فتهتدوا بأنه الحقيق بأن لا تشركوا معه غيره.
فالمقصود من التذكر التذكر المفيد استدلالاً.
و ﴿ ما ﴾ مصدرية والمصدر هو فاعل والقليل هنامكنّى به عن المعدوم لأن التذكر المقصود معدوم منهم، والكناية بالقليل عن المعدوم مستعملة في كلامهم.
وهذه الكناية تلميح وتعريض، أي إن كنتم تذكرون فإن تذكركم قليل.
وأصل تذكرون} تتذكرون فأدغمت تاء التفعل في الذال لتقارب مخرجيهما تخفيفاً وهو إدغام سماعي.
وقرأ الجمهور ﴿ تذكرون ﴾ بتاء الخطاب.
وقرأه روح عن أبي عمرو وهشام عن ابن عامر بياء الغيبة على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، ففي قراءة الجمهور نكتة توجيه الخطاب إلى المشركين مكافحة لهم، وفي قراءة روح وهشام نكتة الإعراض عنهم لأنهم استأهلوا الإعراض بعد تذكرهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ﴾ وإنَّما خَصَّ إجابَةَ المُضْطَرِّ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ رَغْبَتَهُ أقْوى وسُؤالَهُ أخْضَعُ.
الثّانِي: لِأنَّ إجابَتَهُ أعَمُّ وأعْظَمُ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ كَشْفَ بَلْوى وإسْداءَ نُعْمى.
﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَنِ المُضْطَرِّ بِإجابَتِهِ.
الثّانِي: عَمَّنْ تَوَلّاهُ ألّا يَنْزِلَ بِهِ.
وَفِي ﴿ السُّوءَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: الضُّرُّ.
الثّانِي: الجَوْرُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خَلَفًا مِن بَعْدِ خَلَفٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أوْلادُكم خُلَفاءُ مِنكم، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: خُلَفاءُ مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم وطاعَةُ اللَّهِ بَعْدَ كُفْرِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ ما أقَلَّ تَذَكُّرَكم لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ!
<div class="verse-tafsir"
وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني عن رجل من بلجهم قال: قلت يا رسول الله إلام تدعو قال: «أدعو إلى الله وحده الذي إن نزل بك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك، والذي إن أصابك سنة فدعوته أنزل لك» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ويكشف السوء ﴾ قال: الضر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سحيم بن نوفل قال: بينما نحن عند عبد الله إذ جاءت وليدة إلى سيدها فقالت: ما يحبسك وقد لفع فلان مهرك بعينه فتركه يدور في الدار كأنه في فلك؟
قم فابتغ راقياً فقال عبد الله: لا تبتغ راقياً، وانفث في منخره الأيمن أربعاً، وفي الأيسر ثلاثاً، وقل: لا بأس اذهب البأس رب الناس.
اشف أنت الشافي لا يكشف الضر إلا أنت قال: فذهب ثم رجع إلينا فقال: فعلت ما أمرتني فما جئت حتى راث وبال وأكل.
وأخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فارق الجماعة فهو في النار على وجهه؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ﴾ فالخلافة من الله عز وجل فإن كان خيراً فهو يذهب به، وإن كان شراً فهو يؤخذ به، عليك أنت بالطاعة فيما أمر الله تعالى به» .
وأخرج البغوي في معجمه عن اياد بن لقيط قال: قال جعدة بن هبيرة لجلسائه: إني قد علمت ما لم تعلموا، وأدركت ما لم تدركوا، أنه سيجيء بعد هذا- يعني معاوية- أمراء ليس من رجاله ولا من ضربائه، وليس فيهم أصغر أو أبتر حتى تقوم الساعة.
هذا السلطان سلطان الله جعله وليس أنتم تجعلونه.
ألا وإن للراعي على الرعية حقاً، وللرعية على الراعي حقاً، فأدوا إليهم حقهم، فإن ظلموكم فكلوهم إلى الله فإنكم وإياهم تختصمون يوم القيامة؛ وإن الخصم لصاحبه الذي أدى إليه الحق الذي عليه في الدنيا.
ثم قرأ ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ﴾ [ الأعراف: 6] حتى بلغ ﴿ والوزن يومئذ القسط ﴾ [ الأعراف: 8] هكذا قرأ.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ ويجعلكم خلفاء الأرض ﴾ قال: خلفاً بعد خلف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ويجعلكم خلفاء الأرض ﴾ قال: خلفاً لمن قبلكم من الأمم.
وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن جريج ﴿ أمن يهديكم في ظلمات البر ﴾ قال: ضلال الطريق ﴿ والبحر ﴾ قال: ضلالة طرقه وموجه وما يكون فيه.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾ (١) (٢) ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾ \[البقرة 173\]: قوله: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ أي: فمن أحوج وألجئ، وهو افتُعل من الضرورة.
قال الأزهري: معناه: ضيق عليه الأمر بالجوع، وأصله من الضرر وهو: الضيق.]].
قال أهل المعاني: ومعنى إجابة المضطر هو فِعل ما دَعا إليه؛ وهذا لا يكون إلا من قادر على الإجابة مختار لها؛ لأنها وقعت على حسب ما دعا به الداعي (٣) ﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ الضر (٤) ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ﴾ قال السدي: خلفاء مَنْ قبلكم من الأمم (٥) وقال غيره: معناه: جعلكم خلفاء (٦) (٧) (٨) (٩) قوله عز وجل: ﴿ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ قال ابن عباس: قليلاً ما تتعظون.
ومن قرأ بالياء فالمعنى: قليلاً يذَّكر هؤلاء المشركون الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى (١٠) (١) عن أبي تميمة الهجيمي عن رجل من بلهجيم قال قلت: يا رسول الله إلام تدعو؟
قال: "أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر دعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سَنَة فدعوته أثبت عليك".
قال قلت فأوصني.
قال: "لا تسبن أحدًا، ولا تزهدن في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وائتزر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله تبارك وتعالى لا يحب المخيلة".
أخرجه الإمام أحمد 7/ 359، رقم:20661.
وإسناده صحيح.
مرويات الإمام أحمد في التفسير 3/ 325.
وقد سقت الحديث بطوله لمناسبته لهذه الآية.
(٢) "تفسير الثعلبي" 8/ 133 ب، باللفظ الثاني فقط.
وعن السدي بلفظ: المضطر.
(٣) لم أجده في كتب المعاني الموجودة لدي.
(٤) "تفسير مقاتل" 61 ب.
و"تفسير الثعلبي" 8/ 133 ب.
وأخرجه ابن جرير 20/ 4، عن ابن جريج.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2810.
(٦) خلفاء.
في نسخة (ج).
(٧) أخرج نحوه ابن أبي حاتم 9/ 2810، عن قتادة.
(٨) "تفسير الثعلبي" 8/ 133 ب.
ولم ينسبه.
(٩) معنى.
في نسخة (ج).
(١٠) قرأ أبو عمرو، وهشام، وروح بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
"السبعة في القراءات" 484.
و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 399.
و"النشر في القراءات العشر" 2/ 338.
قال الأزهري: من قرأ بالياء فللغيبة، ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة، وكل جائز.
"معاني القراءات" 2/ 243.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُجِيبُ المضطر ﴾ قيل هو المجهود، وقيل الذي لا حول له ولا قوّة، واللفظ مشتق من الضرر: أي الذي أصابه الضّر أو من الضرورة أي الذي ألجأته الضرورة إلى الدعاء ﴿ خُلَفَآءَ الأرض ﴾ أي خلفاء فيها تتوارثون سكناها ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ ﴾ يعني الهداية بالنجوم والطرقات ﴿ بُشْرَاً ﴾ ذكر في [الأعراف: 75] ﴿ مِّنَ السمآء والأرض ﴾ الرزق من السماء: المطر ومن الأرض: النبات ﴿ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ تعجيز للمشركين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لتنبيه ﴾ على الجمع المخاطب وهكذا ﴿ لتقولن ﴾ : حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالنون فيهما على التكلم ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل.
وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.
الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان ﴿ أنا دمرناهم ﴾ و ﴿ أن الناس ﴾ بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس ﴿ أئنكم ﴾ مذكور في "الأنعام" ﴿ يشكرون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ أءله ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ يذكرون ﴾ بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام.
الآخرون بتاء الخطاب ﴿ بل أدرك ﴾ بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل ﴿ بل ادّرك ﴾ بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني.
الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.
الوقوف: ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ الحسنة ﴾ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.
﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ تفتنون ﴾ ه ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ مكرهم ﴾ ط لمن قرأ.
"إنا" بكسر الألف على الاستئناف.
﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ النساء ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ قريتكم ﴾ ج لاحتمال تقدير لام التعليل ﴿ يتطهرون ﴾ ه ﴿ إلا أمرأته ﴾ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة ﴿ في الغابرين ﴾ ه ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ اصطفى ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقول ﴿ بهجة ﴾ ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ القتال ﴾ ط ﴿ عزيزاً ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ فريقاً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ تطؤها ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ ضعفين ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ج للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تطهيراً ﴾ ه لوقوع العوارض بين المعطوفين ﴿ والحكمة ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من أمرهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ الناس ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ تخشاه ﴾ ط ﴿ منهن وطراً ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ له ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ لا ﴿ مقدوراً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ وصف أو بدل ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ النبيين ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام.
والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.
والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع.
قال في الكشاف: قوله ﴿ لمن كان ﴾ بدل من قوله ﴿ لكم ﴾ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة.
والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف.
وقوله ﴿ يرجو الله واليوم الآخر ﴾ كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً.
وقوله ﴿ وذكر ﴾ معطوف على ﴿ كان ﴾ وفيه أن المقتدي برسول الله هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد.
ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الخطب أو البلاء.
عن ابن عباس: كان النبي قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع.
﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ في كل وعد ﴿ وما زادهم إلا إيماناً ﴾ بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم.
والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً.
وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر.
قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين.
ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما.
قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.
يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله.
وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً.
من قرأ ﴿ أنا دمرناهم ﴾ بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض.
وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ موافقة لما بعده ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ ﴿ وأمطرنا ﴾ وكله على "أفعل".
وقال في "حم السجدة" ﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.
القصة الخامسة قصة لوط ﴿ و ﴾ انتصب ﴿ لوطاً ﴾ بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و ﴿ يبصرون ﴾ إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.
أو الخطاب في قوله ﴿ تجهلون ﴾ تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" ﴿ قل الحمد لله ﴾ قيل: هو خطاب للوط أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب.
وقيل: أمر لنبينا بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة.
ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن.
قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله ﴿ الله خير أمّا يشركون ﴾ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه.
قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.
عن رسول الله أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.
ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: ﴿ أمن خلق السموات ﴾ وإنما قال ههنا ﴿ وأنزل لكم ﴾ واقتصر في إبراهيم على قوله ﴿ وأنزل ﴾ لأن لفظة ﴿ لكم ﴾ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول.
ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي.
والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة.
والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به.
وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت.
ومعنى ﴿ أءله مع الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.
قال في الكشاف: قوله ﴿ بل هم ﴾ بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم.
قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات.
ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك.
وقوله ﴿ يعدلون ﴾ من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.
ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها.
والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها.
والحاجز البرزخ كما في "الفرقان".
ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم.
والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله ، وإنه افتعال من الضر.
وعن ابن عباس: هو المجهود.
وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة.
وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره.
والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله ﴿ ويكشف السوء ﴾ كالبيان لقوله ﴿ يجيب المضطر ﴾ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام".
وقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم.
ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك.
والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات.
واعلم أن الله ذكر قوله ﴿ أءله مع الله ﴾ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ ثم بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ثم بقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ ثم بقوله ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾ ثم ﴿ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان.
قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر.
وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب.
قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس.
قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس.
وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً.
وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً.
وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.
وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب.
ومن هنا قال : "بئس خطيب القوم أنت" .
لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.
والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة.
عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره.
قال المفسرون: سال المشركون رسول الله عن وقت الساعة فنزلت.
وأيان بمعنى متى.
إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال ﴿ بل ادّارك ﴾ أي تدارك.
ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم.
ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك.
وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول.
ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم.
وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض.
وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا.
وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف.
قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.
التأويل: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر.
والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية.
وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿ تسعة رهط ﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿ يفسدون ﴾ في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ تقاسموا ﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق .
ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ ومكروا مكراً ﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أن صلاحهم في هلاكهم.
فمن قتلته فأنا ديته ﴿ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها ﴿ فتلك بيوتهم ﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿ بما ظلموا ﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها.
ولوط الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ تميزون الخير من الشر.
وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿ أخرجوا ﴾ الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿ إلا امرأته ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ وأمطرنا ﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿ قل الحمد لله وسلام ﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿ على عباده ﴾ ﴿ أمن خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿ فأنبتنا به حدائق ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿ أءله مع الله ﴾ من الهوى ﴿ أمن جعل ﴾ أرض النفس ﴿ قراراُ ﴾ في الجسد ﴿ وجعل خلالها أنهاراً ﴾ من دواعي البشرية ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ من القوى والحواس ﴿ وجعل بين ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ حاجزاً ﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿ أءله مع الله ﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ ويجعلكم ﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿ أمن يهديكم في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا.
وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿ من يبدأ الخلق ﴾ بالوجود المجازي ﴿ ثم يعيده ﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ ومن يرزقكم ﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿ أءله مع الله ﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أمر نبيه بالحمد له والثناء عليه على هلاك أعداء الرسل الخالية.
ثم قال: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ وهم الرسل والأنبياء، صلوات الله عليهم.
وجائز أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه لما أنعم عليه من أنواع النعم، منها ما ذكر من هلاك أعداء الرسل وإبقاء أوليائهم؛ تخويفاً لأعداء رسول الله أن يهلكوا كما أهلك أعداء الرسل الخالية.
أو أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه؛ لما أنعم عليه في نفسه من أنواع النعم من النبوة والرسالة والهداية ونحوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ : يحتمل الرسل؛ كقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
ويحتمل الأمر بالسلام على أصحابه وجميع المؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ ، أمر رسوله بالسلام على المرسلين وعلى أصحابه وعلى المؤمنين.
ثم في قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ دلالة: أن لا أحد يستوجب الصفوة إلا بالله؛ حيث قال: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: الذي فعل هذا بالأمم الخالية من الهلاك للأعداء وإبقاء الرسل والأولياء، أم الأصنام التي تشركون في عبادته، وهي لا تملك شيئاً من ذلك؟
يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله يملك ما ذكر من إهلاك أعدائه وإبقاء رسله، والأصنام التي تعبدونها دونه لا تملك شيئاً، فكيف تشركونها في ألوهيته؟!
وإلا لم يذكر جواب قوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ جوابه أن يقولوا: بل الله خير.
وكذلك روي في الخبر عن رسول الله - إن ثبت -: أنه كان إذا قرأ هذه الآية، قال: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" وقوله: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : يذكرهم بهذا؛ لوجهين: أحدهما: يذكر قدرته وسلطانه في خلق ما ذكر من السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات النبات من الأرض، وإخراجه على إقرارهم أن الله خالق ذلك لا غيره، فيقول: فإذا علمتم أن الله هو خالق ذلك كله، فكيف أشركتم غيره ممن لا يملك ذلك، ولا يقدر في تسمية الإلهية والعبادة؟!
والثاني: يخبر عن اتساق الأمور والتدبير فيهما جميعاً، واتصال منافع أحدهما بالآخر، على تباعد ما بينهما؛ ليعلم أن منشئهما ومدبرهما واحد لا عدد، فإذا عرفتم ذلك فكيف أشركتم غيره فيهما؟!
وهو كقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ .
وهذا الحرف على الثنوية والدهرية وهؤلاء لقولهم بالعدد وإنكارهم الواحد، والأول على المقرين بالواحد إلا أنهم أشركوا الأصنام في التسمية والعبادة.
وقوله: ﴿ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : قال بعضهم: الحدائق: الحيطان، والبساتين: ما دون الحيطان.
وقال بعضهم: الحدائق: الحوائط التي خصت بالأشجار، والبساتين: هي الملتفة بها.
وقال أبو عوسجة: الحدائق: البساتين والرياض، والحديقة: الروضة.
وقال القتبي: الحدائق: البساتين واحدها: حديقة، سميت بذلك لأنها تحدق بها، أي: تحيط ﴿ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : حسن المنظر.
وجائز أنها سميت ذات بهجة لما يبتهج صاحبها إذا نظر إليها ويسر.
وقوله: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ أي: ما تقدرون أنتم أن تنبتوا شجرها، فمن هو دونكم أشد وأبعد؛ فكيف أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من هو دونكم في كل شيء؟!
وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا إله مع الله.
﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: [أحدهما]: يحتمل ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يجعلون من لا يملك ما ذكر عديلا لله.
والثاني: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يعدلون على الله، ويميلون إلى غيره من العدول، والله أعلم.
﴿ أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً ﴾ : يقرون عليها، ويتعيشون فيها ويبيتون، ﴿ وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً ﴾ : ينتفعون بها أنواع المنافع ويشربون، ﴿ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾ ، أي: الجبال لئلا تميد بهم، ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ : قال بعضهم: جعل بين بحر فارس والروم جزيرة العرب حاجزاً، وسميت: جزيرة؛ لما جزر الماء فيها، أي: ذهب.
وقال بعضهم: بحر الشام وبحر العراق.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ بين العذب والمالح حاجزاً بلطفه، لا يختلط هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ لطفاً منه، يذكرهم نعمه عليهم ولطفه: أن كيف أشركتم في عبادته وألوهيته من لا يملك ذلك، وصرفتم شكرها إلى غير المنعم؟!
﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله.
﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : لأن من لا ينتفع بما يعلم فكأنه جاهل، نفى عنهم العلم لتركهم الانتفاع به؛ كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان والعقل؛ لتركهم الانتفاع بهذه الجوارح والحواس، وإن كانت لهم هذه الجوارح؛ فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم لتركهم الانتفاع به.
والثاني: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لا يتكلفون النظر فيما ذكر، أو لا يعلمون أن بينهما حاجزا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخرج على الصلة بقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ؛ كأنه يقول: من يملك إجابة المضطر وكشف السوء عنه وجعلكم الخلفاء في الأرض خير، أمّن لا يملك من ذلك شيئاً؟
فجواب ذلك أن يقولوا: بل الذي يملك ذلك خير ممن لا يملك ولا يقدر على ذلك.
أو يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما: أحدهما: أنكم تعلمون أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله ، لا الأصنام التي تعبدونها، فكيف أشركتموها في الألوهية والعبادة؟!
والثاني: أنه إذا أجاب دعوة المضطر وكشف السوء والأحزان ومنع؛ فدل بقاء ذلك كله واتساق الأمر أنه واحد لا شريك له؛ فهذا على الثنوية، والأوّل على المشركين؛ لإشراكهم غيره في العبادة له وتسيمته الإله.
وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ .
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ على الوجوه التي ذكرناها؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ ﴾ أي: من يقدر على ما تقدم ذكره يملك البعث بعد الموت وإحياءكم؛ يلزمهم البعث بهذا أي: من يقدر [على] هذا يقدر [على] ما ذكر.
﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله، بل الله هو المتفرد بذلك دون من يعبدون ويشركون.
وقوله: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي: من لج في هذا أو أنكر ذلك وادعى الشرك فيه لغيره، ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في مقالتكم.
وقوله: ﴿ بُشْرَاً ﴾ من البشارة و"نُشْراً" بالنون من التفريق والرفع.
وقوله: ﴿ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخلفون من قبلهم من الأمم؛ قال أبو معاذ: وواحد خلفاء خليف، وواحد الخلائف خليفة، والخليف من الخالف كالعليم من العالم.
وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ يقول - والله أعلم - يفعل ذلك، أي يرزقكم، وينزل لكم من السماء ماء، وينبت من الأرض ما تأكلون، ويرعى أنعامكم، أو مع الله إله يهديكم في ظلمات البر والبحر، ويرسل لكم الريح بشراً، أو يجيب المضطر ويكشف السوء عنه، وكل ما ذكر، أي: ليس معه إله سواه، بل الله يفعل ذلك وحده، فكيف أشركتم غيره في إلهيته وعبادته، على علم منكم أن الذي تعبدون من دونه لا يملك شيئاً أن يفعل ذلك بكم؟!
يذكر سفههم وقلة بصرهم ومعرفتهم.
ثم قال: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أن مع الله إلهاً فعل ذلك بكم ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
ثم قال: ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - لرسوله: قل لا يعلم ممن تعبدون من أهل السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله؛ لأن بعضهم كان يعبد أهل السماوات وهم الملائكة، وبعضهم كانوا يعبدون من في الأرض؛ يقول: لا يعلم ممن تعبدون من دون الله من في السماوات والأرض الغيب، إنما يعلم الغيب الله.
ثم قوله: ﴿ ٱلْغَيْبَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ما يغيب بعضهم من بعض؛ يقول: ما يغيب بعضهم من بعض فهو يعلم ذلك.
والثاني: لا يعلم الغيب إلا الله، أي: ما كان وما يكون إلى أبد الآبدين لا يعلم ذلك إلا الله وإن أعلموا وعلموا ذلك.
ومنهم من صرف الغيب إلى البعث والساعة، يقول: لا يعلم الساعة أحد متى تكون إلا الله.
وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: وما يشعر أهل مكة متى يبعثون، لكن لو كان الجهل عن وقت البعث، فأهل مكة وغيرهم من أهل السماوات وأهل الأرض في جهلهم بوقت البعث شرعاً سواء، لا أحد يعلم مِن أهل السماوات والأرض أنه متى يبعث، إلا أن تكون الآية في منكري البعث، فحينئذ جائز صرفه إلى بعض دون بعض، فأما في وقت البعث فالناس في جهلهم بوقت البعث سواء، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا...
﴾ الآية [الأعراف: 187]، أخبر أنه لم يطَّلِعْ أحد على علم ذلك عند الله.
وقوله: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ : اختلف في قراءته وتأويله.
أما القراءة: فإنه قرأ بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد والألف.
وقرأ بعضهم: ﴿ ادَّرَكَ ﴾ بإسقاط الألف والتشديد.
وقرأ بعضهم: ﴿ بلي ﴾ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ ، على الوقف عليها، و ﴿ أَأَدّرَكَ ﴾ على الاستفهام: ﴿ بلى أَأَدَّرَكَ ﴾ .
ومنهم من قرأ على الاستفهام: ﴿ آدْرَكَ ﴾ على غير إثبات الياء في حرف ﴿ بَل ﴾ وعلى غير قطع منه.
فمن قرأ: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد على غير الاستفهام، يقول: معناه: تدارك واجتمع، أي: تدارك علمهم في الآخرة، يقول: أبلغ علمهم بالآخرة.
أي: لم يدرك ولم يبلغ علمهم، ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ ، يسفههم ويجهلهم، يقول: ما بلغ علمهم بالآخرة.
وقال بعضهم: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: أم ادَّارك علمهم.
وقال بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: خاب علمهم عن الآخرة، وادّرك في الآخرة حين لم ينفعهم.
وعن الحسن: قال: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ ، أي: اضمحل علمهم وذهب، وعن ابن عباس وغيره قالوا: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، بل أجمع علمهم بأن الآخرة كائنة، وهم مشركو العرب.
﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ﴾ قال: يقولون مرة: الآخرة كائنة ثم يشكون فيها فيقولون: ما ندري أكائنة أم لا؟
﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ يعني: جهلة بها.
وجائز أن يسمى الشاك في شيء: عَمِيّاً.
وأبو عوسجة والقتبي يقولان: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ أي: تدارك ظنهم في الآخرة، وتتابع في القول.
﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ أي: من علمها.
وقال بعضهم من أهل الأدب: لا تستقيم قراءة من قرأ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ والصلة بالأول؛ لأن (بلى) بالياء إنما يقال في الإيجاب والإثبات، وما تقدم من الكلام هو على الإنكار والنفي، وذلك غير مستقيم في اللغة والكلام.
<div class="verse-tafsir"
أَمْ مَنْ يجيب من ضاق عليه أمره واشتدّ إذا دعاه، ويرفع ما يقع بالإنسان من مرض وفقر وغيرهما، ويصيّركم خلفاء في الأرض يخلف بعضكم بعضًا جيلًا بعد جيل، أمعبود يفعل ذلك مع الله؟!
لا، قليلًا ما تتعظون وتعتبرون.
<div class="verse-tafsir" id="91.nDLx4"