الآية ٧٢ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٧٢ من سورة النمل

قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قل ) يا محمد ( عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ) .

[ قال ابن عباس أن يكون قرب - أو : أن يقرب - لكم بعض الذي تستعجلون ] .

وهكذا قال مجاهد ، والضحاك ، وعطاء الخراساني ، وقتادة ، والسدي .

وهذا هو المراد بقوله تعالى : ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ) [ الإسراء : 51 ] ، وقال تعالى ( يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) [ العنكبوت : 54 ] .

وإنما دخلت " اللام " في قوله : ( ردف لكم ) ; لأنه ضمن معنى " عجل لكم " كما قال مجاهد في رواية عنه : ( عسى أن يكون ردف لكم ) : عجل لكم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) يقول: اقترب لكم بعض الذي تستعجلون.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ) قال: ردف: أعجل لكم.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد قوله: (قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) قال: أزِف.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (رَدِفَ لَكُمْ ) اقترب لكم.

واختلف أهل العربية في وجه دخول اللام في قوله: (رَدِفَ لَكُمْ ) وكلام العرب المعروف: ردفه أمرٌ, وأردفه, كما يقال: تبعه وأتبعه, فقال بعض نحويي البصرة: أدخل اللام في ذلك فأضاف بها الفعل كما يقال: لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ و لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ .

وقال بعض نحويي الكوفة: أدخل اللام في ذلك للمعنى؛ لأن معناه: دنا لهم, كما قال الشاعر: فَقُلْتُ لَها الحَاجَاتُ يَطْرَحْنَ بالفَتى (2) فأدخل الباء في يطرحن, وإنما يقال طرحته, لأن معنى الطرح: الرمي, فأدخل الباء للمعنى, إذ كان معنى ذلك يرمين بالفتى, وهذا القول الثاني هو أولاهما عندي بالصواب, وقد مضى البيان عن نظائره في غير موضع من الكتاب، بما أغنى عن تكراره &; 19-493 &; في هذا الموضع.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( تَسْتَعْجِلُونَ ) قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: (رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) قال: من العذاب.

------------------------ الهوامش : (2) هذا صدر بيت من شواهد الفراء في (معاني القرآن ص 236 من مصورة جامعة القاهرة) وعجزه: * وهــم تعنـاني معنـى ركائبـه * وهو في (اللسان: عنا) وفي روايته "تعناه" في موضع تعناني.

قال: وعانى الشيء: قاساه.

يقال: عاناه وتعناه، وتعنى هو.

وقال: "فقلت.." إلخ والبيت شاهد على أن الباء في بالفتى زائدة مثلها في قوله تعالى (ردف لكم)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قل عسى أن يكون ردف لكم أي اقترب لكم ودنا منكم بعض الذي تستعجلون أي من العذاب ; قاله ابن عباس .

وهو من : ردفه : إذا تبعه وجاء في أثره ; وتكون [ ص: 213 ] اللام أدخلت لأن المعنى : اقترب لكم ودنا لكم .

أو تكون متعلقة بالمصدر .

وقيل : معناه ( معكم ) .

وقال ابن شجرة : تبعكم ; ومنه ردف المرأة ; لأنه تبع لها من خلفها ; ومنه قول أبي ذؤيب :.عاد السواد بياضا في مفارقه لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفاقال الجوهري : و ( أردفه أمر ) لغة في : ردفه ، مثل : تبعه وأتبعه ، بمعنى ; قال خزيمة بن مالك بن نهد :إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونايعني فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظين .

وقال الفراء : ردف لكم دنا لكم .

ولهذا قال : ( لكم ) .

وقيل : ردفه وردف له ، بمعنى فتزاد اللام للتوكيد ; عن الفراء أيضا .

كما تقول : نقدته ونقدت له ، وكلته ووزنته ، وكلت له ووزنت له ; ونحو ذلك بعض الذي تستعجلون من العذاب فكان ذلك يوم بدر .

وقيل : عذاب القبر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولكن -مع هذا- قال تعالى محذرا لهم وقوع ما استعجلوه: { قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ } أي: قرب منكم وأوشك أن يقع بكم { بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } من العذاب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل عسى أن يكون ردف ) أي : دنا وقرب ، ( لكم ) وقيل : تبعكم ، والمعنى : ردفكم ، أدخل اللام كما أدخل في قوله " لربهم يرهبون " ( الأعراف - 154 ) ، قال الفراء : اللام صلة زائدة ، كما تقول : نقدته مائة ، ونقدت له ( بعض الذي تستعجلون ) من العذاب ، فحل بهم ذلك يوم بدر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل عسى أن يكون رَدِفَ» قرب «لكم بعض الذي تستعجلون» فحصل لهم القتل ببدر وباقي العذاب يأتيهم بعد الموت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل لهم -أيها الرسول-: عسى أن يكون قد اقترب لكم بعض الذي تستعجلون من عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولذا جاء الرد عليهم ، يحمل فى طياته العذاب الشديد ، والتهكم المرير ، فيقول - تعالى - آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم ( قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ ) .والرديف - كما يقول صاحب المصباح - الذى تحمله خلفك على ظهر الدابة .

.

.

ومنه ردف المرأة ، وهو عَجُزُها ، والجمع أرادف .

.

.

وترادف القوم : إذا تتابعوا ، وكل شىء تبع شيئا فهو ردفه .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - لا تتعجلوا العذاب فعسى ما تستعجلونه من عذاب ، بعضه قد لحقكم ونزل بكم ، وبعضه فى طريقه إليكم ، وأنتم لا تشعرون بذلك ، لشدة غفلتكم ، وتبلد مشاعركم .والتعبير بقوله : ( رَدِفَ لَكُم ) يشعر بأن العذاب ليس بعيدا عنهم ، وإنما هو قريب منهم ، كقرب الراكب فوق الدابة ممن هو ردفه - أى خلفه - عليها .ولقد لحقهم شىء من هذا العذاب الذى تعجلوه فى مكة ، عندما أصيبوا بالقحط والجدب ، ولحقهم شىء منه بعد ذلك فى بدر ، عندما قتل المسلمون أكثر زعمائهم ، كأبى جهل ، وغيره .

.

.

ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما تكلم في حال المبدأ تكلم بعده في حال المعاد، وذلك لأن الشك في المعاد لا ينشأ إلا من الشك في كمال القدرة، أو في كمال العلم فإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كل الممكنات، وعالماً بكل المعلومات، ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن غيره، وثبت أنه قادر على أن يعيد التركيب والحياة إليها وإذا ثبت إمكان ذلك ثبت صحة القول بالحشر فلما بين الله تعالى هذين الأصلين فيما قبل هذه الآية، لا جرم لم يحكه في هذه الآية، فحكى عنهم أنهم تعجبوا من إخراجهم أحياء وقد صاروا تراباً وطعنوا فيه من وجهين: الأول: قولهم: ﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا هذا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا ﴾ أي هذا كلام كما قيل لنا فقد قيل لمن قبلنا، ولم يظهر له أثر فهو إذن من أساطير الأولين يريدون ما لا يصح من الأخبار، فإن قيل ذكر هاهنا ﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا هذا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا ﴾ وفي آية أخرى: ﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا هذا  ﴾ فما الفرق؟

قلنا التقديم دليل على أن المقدم هو المقصود الأصلي وأن الكلام سيق لأجله، ثم إنه سبحانه لما كان قد بين الدلالة على هذين الأصلين، ومن الظاهر أن كل من أحاط بهما فقد عرف صحة الحشر والنشر ثبت أنهم أعرضوا عنها ولم يتأملوها، وكان سبب ذلك الإعراض حب الدنيا وحب الرياسة والجاه وعدم الانقياد للغير، لا جرم اقتصر على بيان أن الدنيا فانية زائلة فقال: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: لم لم يقل: كيف كانت عاقبة المجرمين؟

جوابه: لأن تأنيثها غير حقيقي ولأن المعنى كيف كان آخر أمرهم.

السؤال الثاني: لم لم يقل عاقبة الكافرين؟

جوابه: الغرض أن يحصل التخويف لكل العصاة ثم إنه تعالى صبر رسوله على ما يناله من هؤلاء الكفار فقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ فجمع بين إزالة الغم عنه بكفرهم وبين إزالة الخوف من جانبهم، وصار ذلك كالتكفل بنصرته عليهم وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ ﴾ أي في حرج قلب يقال ضاق الشيء ضيقاً وضيقاً بالفتح والكسر والضيق تخفيف الضيق، ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم الوجه الثاني: للكفار قولهم: ﴿ متى هذا الوعد ﴾ وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ دل على أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية فأجاب الله تعالى بقوله: ﴿ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ وهو عذاب يوم بدر، فزيدت اللام للتأكيد كالباء في ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم، ومعناه تبعكم ولحقكم، وقرأ الأعرج ﴿ رَدِفَ لَكُم ﴾ بوزن ذهب وهما لغتان، والكسر أفصح، وهاهنا بحثان: البحث الأول: أن عسى ولعل في وعد الملوك ووعيدهم يدلان على صدق الأمر، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم، وأنهم لا يعجلون بالانتقام لوثوقهم بأن عدوهم لا يفوتهم، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده.

الثاني: أنه قد ثبت بالدلائل العقلية أن عذاب الحجاب أشد من عذاب النار، ولذلك قال: ﴿ كَلَّآ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ  ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا ٱلْجَحِيمِ  ﴾ فقدم الحجاب على الجحيم، ثم إنهم كانوا محجوبين في الحال، فكان سبب العذاب بكماله حاصلاً، إلا أن الاشتغال بالدنيا ولذاتها كالعائق عن إدراك ذلك الألم، كما أن العضو الخدر إذا مسته النار، فإن سبب الألم حاصل في الحال، لكنه لا يحصل الشعور بذلك الألم لقيام العائق، فإذا زال العائق عظم البلاء، فكذا هاهنا إذا زال البدن عظم عذاب الحجاب، فقوله سبحانه: ﴿ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ يعني المقتضي له والمؤثر فيه حاصل، وتمامه إنما يحصل بعد الموت، ثم إنه سبحانه بين السبب في ترك تعجيل العذاب فقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ﴾ والفضل الإفضال ومعناه أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة، وأكثرهم لا يعرفون هذه النعمة ولا يشكرونها، وهذه الآية تبطل قول من قال إنه لا نعمة لله على الكفار ثم بين سبحانه أنه مطلع على ما في قلوبهم فقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ وهاهنا بحث عقلي، وهو أنه قدم ما تكنه صدورهم على ما يعلنون من العلم والسبب أن ما تكنه صدورهم هو الدواعي والقصود، وهي أسباب لما يعلنون، وهي أفعال الجوارح، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، فهذا هو السبب في ذلك التقديم، قرئ (تكن) يقال كننت الشيء وأكننته إذا سترته وأخفيته، يعني أنه تعالى يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة الرسول ومكايدهم.

أما قوله: ﴿ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ ﴾ فقال صاحب الكشاف: سمى الشيء الذي يغيب ويخفى غائبة وخافية، فكانت التاء فيها بمنزلتها في العاقبة والعافية والنطيحة والذبيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات، ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة كالراوية في قولهم: ويل للشاعر من راوية السوء، كأنه تعالى قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء، إلا وقد علمه الله تعالى وأحاط به، وأثبته في اللوح المحفوظ والمبين الظاهر البين لمن ينظر فيه من الملائكة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

استعجلوا العذاب الموعود فقيل لهم ﴿ عسى أَن يَكُونَ ﴾ ردفكم بعضه وهو عذاب يوم بدر فزيدت اللام للتأكيد كالباء في ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ [البقرة: 195] أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو: دنا لكم وأزف لكم، ومعناه: وتبعكم ولحقكم، وقد عدي.

بمن قال: فَلَمَّا رَدِفْنَا مِنْ عُمَيْرٍ وَصَحْبِهِ ** تَوَلَّوا سِرَاعاً وَالمَنِيَّةُ تُعْنِقُ يعني: دنونا من عمير، وقرأ الأعرج: ردف لكم، بوزن ذهب، وهما لغتان، والكسر أفصح.

وعسى ولعل وسوف- في وعد الملوك ووعيدهم- يدل على صدق الأمر وجدّه وما لا مجال للشكّ بعده، وإنما يعنون بذلك: إظهار وقارهم وأنهم لا يعجلون بالانتقام؛ لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم أنّ عدوّهم لا يفوتهم، وأن الرمزة إلى الأغراض كافية من جهتهم؛ فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ العَذابُ المَوْعُودُ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ .

﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ تَبِعَكم ولَحِقَكم، واللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوِ الفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ مِثْلَ دَنا.

وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

﴿ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ حُلُولَهُ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وعَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في مَواعِيدِ المُلُوكِ كالجَزْمِ بِها وإنَّما يُطْلِقُونَها إظْهارًا لِوَقارِهِمْ وإشْعارًا بِأنَّ الرَّمْزَ مِنهم كالتَّصْرِيحِ مِن غَيْرِهِمْ وعَلَيْهِ جَرى وعْدُ اللَّهِ تَعالى ووَعِيدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تستعجلون} استعجلوا العذاب الموعود وقيل لهم عسى أن يكون ردفكم بعضه وهو عذاب يوم بدر فزيدت اللام للتأكيد كالباء في ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنالكم وأزف لكم ومعناه تبعكم ولحقكم وعسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجده فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ أصْلُ مَعْنى ﴿ رَدِفَ ﴾ تَبِعَ والمُرادُ بِهِ هُنا لَحِقَ، ووَصَلَ وهو مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ كَنَصِحَ.

وقِيلَ: اللّامُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ وُصُولِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ بِهِ كَما زِيدَتِ الباءُ لِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ ، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِتَضْمِينِ (رَدِفَ) مَعْنى دَنا وهو يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِمِن وإلى كَما في الأساسِ ولِتَضْمِينِهِ ذَلِكَ عُدِّيَ بِمِن في قَوْلِهِ: فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تُعْنَقُ وقِيلَ: اللّامُ داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ والمَفْعُولُ بِهِ الَّذِي يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ مَحْذُوفٌ أيْ (رَدِفَ) الخَلْقَ لِأجْلِكم ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ (رَدِفَ) عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ عَلى أنَّ بَعْضُ مُبْتَدَأٌ، (ولَكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ لِلْكَلامِ والخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ داعٍ لَفْظِيٍّ ولا مَعْنَوِيٍّ، والمَعْنى قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ لَحِقَكم ووَصَلَ إلَيْكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ حُلُولَهُ وتَطْلُبُونَهُ وقْتًا فَوَقْتًا، والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ ولَيْسَ بِذاكَ، ونِسْبَةُ اسْتِعْجالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ وإلّا فَلا اسْتِعْجالَ مِنهم حَقِيقَةً، والتَّرَجِّي المَفْهُومُ مِن عَسى قِيلَ: راجِعٌ إلى العِبادِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ عَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجَدِّهِ وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ ووُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُّوَهم لا يَفُوتُهم وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ تَعالى ووَعِيدُهُ سُبْحانَهُ انْتَهى.

وعَلَيْهِ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ولا يَخْفى حُسْنُ ذَلِكَ، وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: عَسى أنْ يَرْدِفَكم إلَخْ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى تَحَقُّقِ الوَعْدِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ «رَدَفَ» بِفَتْحِ الدّالِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا يعني: فاعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ يعني: آخر أمر المشركين وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن لم يؤمنوا بك، ويقال: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على تكذيبهم وإعراضهم عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ يعني: لا يضيق صدرك مِمَّا يَمْكُرُونَ يعني: بما يقولون من التكذيب.

ويقال: ولا يضيق قلبك بمكرهم وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ يعني: البعث بعد الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن العذاب نازل بالمكذب.

ويقال: وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ.

بقولهم: فهذا دأبنا ودأبك أيام الموسم، وهم الخراصون، فكانوا يأمرون أهل الموسم بأن لا يسمعوا كلامه.

ثم قال عز وجل: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ يعني: قرب وحضر لكم.

قال القتبي: أي تبعكم، واللام زائدة، فكأنه قال: ردفكم قال: وقيل في التفسير: دنا منكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب، وهو عذاب القبر.

ويقال: القحط.

ويقال: يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حين لم يأخذهم بالعذاب عند معصيتهم وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ بتأخير العذاب عنهم حتى يتوبوا وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ يعني: ما تسر قلوبهم من عداوة النبيّ  وَما يُعْلِنُونَ بألسنتهم من الكفر والشرك.

قوله عز وجل: وَما مِنْ غائِبَةٍ يعني: من أمر العذاب.

ويقال: ما من شيء غائب عن العباد فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ يعني: مكتوب في اللوح المحفوظ.

ويقال: أي جملة غائبة عن الخلق إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ قال مقاتل: يعني: أن هذا القرآن يبين للناس أهل الكتاب أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يعني: اختلافهم.

وقال ابن عباس: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم، فصاروا أهواءً وأحزاباً يطعن بعضهم في بعض، ويبرأ بعضهم من بعض، فنزل القرآن بتبيان ما اختلفوا فيه.

ثم قال عز وجل: وَإِنَّهُ يعني: القرآن لَهُدىً يعني: لبياناً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يعني: بين المختلفين في الدين بِحُكْمِهِ يعني: بقضائه يوم القيامة وَهُوَ الْعَزِيزُ يعني: المنيع بالنقمة.

الْعَلِيمُ بأحوال خلقه ويقال: الْعَزِيزُ يعني: القوي فلا يرد له أمر، الْعَلِيمُ بأحوالهم فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يعني: ثق بالله.

ويقال: فوّض أمرك إلى الله إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ يعني: الدين المبين، وهو الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

السماءِ هو بالمطر ومن الأرض بالنبات هذا هو مشهور ما يحُسُّه البشرُ، وكم للَّهِ بَعْدُ مِنْ لُطْفٍ خَفِي.

ثم أمرَ تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يُوقِفَهُمْ عَلَى أَنَّ الغَيبَ مِما انفَرَدَ الله بعلمِه ولذلكَ سُمِّي غَيْباً لغيبِه عن المخلوقين.

رُوِيَ: أنَّ هذهِ الآيةَ مِن قوله: قُلْ لاَّ يَعْلَمُ إنما نَزَلَتْ لأَجْلِ سؤالِ الكفّارِ عن السَّاعَةِ الموعودِ بِهَا، فجاءَ بلفظ يَعُمَّ السَّاعَةَ وغيرَها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون إيان يبعثون.

ص: أَيَّانَ اسم استفهامٍ بمعنى: متى، وهي معمولةً ل يُبْعَثُونَ، والجملة في موضع نصب ب يَشْعُرُونَ، انتهى.

وقرأ جمهور القراء: بَلِ ادَّارَكَ أصله: تَدَارَكَ.

وقرأ عاصم «١» في رواية أبي بكر:

«بل ادرك» على وزن افتعل، وهي بمعنى: تَفَاعَلَ.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «بَلْ أَدْرَكَ» وهذه القراءاتُ تحتملُ مَعْنَيَيْن: أحدهما: ادَّرَكَ علمُهم، أي: تَناهى، كما تقول ادَّركَ النباتُ، والمعنى: قد تَنَاهى علمهُم بالآخرة إلى أَن لا يعرفوا لها مقداراً، فيؤمنوا وإنما لهم ظنونٌ كاذبةٌ، أو إلى أن لا يعرفوا لها وقْتاً، والمعنى الثاني: بل ادَّرَكَ بمعنى: يُدْرِك أي أنهم في الآخرة يُدْرِكُ علمُهم وقتَ القيَامَةِ، ويرونَ العذابَ والحقائقَ التي كذَّبوا بها، وأمَّا في الدنيا فلا، وهذا هو تأويل ابن عباس «٢» ، ونحا إليه الزجاج «٣» ، فقوله: فِي الْآخِرَةِ على هذا التأويل: ظَرْفٌ وعلى التأويل الأول:

فِي بمعنى الباء.

ثم وَصَفَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ بأنهم في شكٍ منها، ثم أردف بصِفَةِ هي أبلغُ من الشَّكِ وهي العمى بالجملة عن أمر الآخرة، وعَمُونَ: أصله: (عميون) فعلون كحذرون.

وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، هذه الآية معنَاها واضحٌ مما تَقَدَّمَ في غيرها.

ثم ذكر- تعالى- استعجالَ كفارِ قريشٍ أمْرَ السَّاعَةِ والعذابَ بقولِهم: مَتى هذَا الْوَعْدُ على معنى التعجيز، ورَدِفَ مَعْنَاه: قَرُبَ وأزِفَ قاله ابن عباس «١» وغيرُه، ولكنَّها عبارةٌ عَما يجيءُ بعدَ الشيء قريباً منه، والهاءُ في غائِبَةٍ للمبَالَغَةِ، أي مَا مِنْ شَيْءٍ في غايةِ الغَيْبِ والخفاءِ إلاَّ فِي كِتَابٍ عِندَ اللهِ وفي مكنونِ علمِه، لا إله إلا هو.

ثم نبّه- ٥٤ ب تعالى- على أنَّ/ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إسرائيل أكثر الأشياءِ التي كان بينهُم اختلافٌ في صِفَتِها، جاء بها القرآن على وجهها، وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ كما أنه عمَىً على الكافرين المحتومِ عليهم، ثم سلَّى نبيَّه بقوله: إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتى فشبَّهَهُمْ مرةً بالموتى، ومرةً بالصُّمِّ من حيث إنَّ فائدةَ القولِ لهؤلاءِ مَعْدُومَةٌ.

وقرأ حمزة «٢» : «وَمَا أَنتَ تَهْدِي العمي» بفعلٍ مستقبل، ومعنى قوله تعالى وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، أي: إذا انْتَجَزَ وعدُ عذابِهمُ الذي تَضَمَّنَه القولُ الأزلي من الله في ذلك، وهذا بمنزلة قوله تعالى: حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ [الزمر: ٧١] ، فمعنى الآية وإذا أراد اللهُ أن يُنْفذَ في الكافرينَ سَابقَ عِلمِهِ لَهُم من العذابِ أخْرَجَ لهم دابَّةً من الأرض، ورُوِيَ أَن ذلك حين ينقطعُ الخيرُ، ولا يؤمَر بمعروف، ولا يُنْهى عن منكر، ولا يِبْقَى مَنيبٌ ولا تائبٌ،

ووَقَعَ عبارةٌ عن الثبوت واللُّزُوم، وفي الحديث: أن الدابةَ وطلوعَ الشمسِ من المغْرِب مِنْ أولِ الأشراط، وهذه الدَّابَّةُ رُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ من الصَّفَا بمكَّةَ قاله ابن عمر «١» وغيره، وقيل غيرُ هذا.

وقرأ الجمهور «٢» : تُكَلِّمُهُمْ من الكلام.

وقرأ ابن عباس «٣» وغيرُه: تُكَلِّمُهُمْ- بفَتْحِ التاءِ وتخفيفِ اللام-، من الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، وسئل ابن عباس عن هذه الآية «تكلمهم أو تكلمهم» ؟

فقال: كل ذلك، واللهِ تفعلُ: تُكَلِّمُهُمْ وَتَكْلُمُهُمْ، وروي أنها تَمُرُّ على الناسِ فَتَسِمُ الكافرَ فِي جبهتِه وتَزْبُرُهُ وتَشْتُمُه وربما خَطَمَتْه، وَتَمْسَحُ على وجهِ المؤمنِ فتبيضه، ويعرفُ بعدَ ذلكَ الإيمانُ والكفرُ مِن أثرها، وفي الحديث: «تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى، فَتَجْلُو وُجُوهَ المؤمِنِينَ بالعَصَا وتَخْتِمُ أَنْفَ الكَافِرِ بِالخَاتِمِ، حَتَّى أنَّ النَّاسَ لَيَجْتَمِعُونَ، فَيَقُولُ هَذَا: يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذا: يَا كَافِرُ» «٤» .

رواه البَزَّار، انتهى من «الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ» .

وقرأ الجمهور: «إنَّ النَّاسَ» - بكسر «إن» .

وقرأ حمزةُ «٥» والكسائيّ وعاصمٌ: «أنَّ» بفتحها.

وفي قراءة عبد الله «٦» : «تُكَلِّمُهُمْ بَأَنَّ» ، وعلى هذه القراءة فيكونُ قوله: أَنَّ النَّاسَ إلى آخرها مِنْ كلامِ الدابَّةِ، وروي ذلك عن ابن عَبَّاس.

ويحتملُ أَنْ يكون من كلام الله تعالى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ وهو: المَكْرُوبُ المَجْهُودُ؛ ﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ يَعْنِي الضُّرَّ ﴿ وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ ﴾ أيْ: يَهْلَكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آَخَرِينَ، و ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ بِمَعْنى تَتَّعِظُونَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ.

﴿ أمَّنْ يَهْدِيكُمْ ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم إلى مَقاصِدِكم إذا سافَرْتُمْ ﴿ فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ وقَدْ بَيَّنّاها في (الأنْعامِ: ٦٣، ٩٧) وشَرَحْنا ما يَلِيها مِنَ الكَلِماتِ فِيما مَضى [الأعْرافِ: ٥٧ ويُونُسَ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ يَعْنِي مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أيْ: مَتى يَبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَلْ أدْرَكَ " قالَ مُجاهِدٌ: " بَلْ " بِمَعْنى " أمْ " والمَعْنى: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: هَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ؟

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إنَّهم لا يَقِفُونَ في الدُّنْيا عَلى حَقِيقَةِ العِلْمِ بِالآخِرَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ بَلِ ادّارَكَ ﴾ عَلى مَعْنى: بَلْ تَدارَكَ، أيْ: تَتابَعَ وتَلاحَقَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِأنّهم مَبْعُوثُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، عَلِمُوهُ في الآَخِرَةِ.

والثّانِي: بَلْ تَدارَكَ ظَنُّهم وحَدْسُهم في الحُكْمِ عَلى الآخِرَةِ، فَتارَةً يَقُولُونَ: إنَّها كائِنَةٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: لا تَكُونُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَلِ ادَّرَكَ " عَلى وزْنِ افْتَعَلَ مِن أدْرَكْتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها ﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في شَكٍّ مِنَ القِيامَةِ ﴿ بَلْ هم مِنها عَمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِن عِلْمِها وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّحْلِ:١٢٧، المُؤْمِنُونَ: ٣٥، ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ يَعْنُونَ: العَذابَ الَّذِي تَعِدُنا.

﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرُبَ لَكم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَبِعَكم، واللّامُ زائِدَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: رَدِفَكم.

وَفِي ما تَبِعَهم مِمّا اسْتَعْجَلُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَوْمَ بَدْرٍ.

والثّانِي: عَذابُ القَبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ حِين لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن عَداوَتِكَ وخِلافِكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

﴿ وَما مِن غائِبَةٍ ﴾ أيْ: وما مِن جُمْلَةٍ غائِبَةٍ، ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ؛ والمَعْنى: إنَّ عِلْمَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ بَيِّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ ﴾ اسْتَبْعَدَ الكُفّارُ أنْ تُبْعَثَ الأجْسادُ والرِمَمُ مِنَ القُبُورِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عنهم عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أيِذا" و"أيِنّا" غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرُو يَمُدُّ وابْنُ كَثِيرٍ لا يَمُدُّ، وقَرَأ عاصِمْ وحَمْزَةٌ: "أئِذا" و"أئِنّا" بِهَمْزَةٍ فِيهِما، وقَرَأ نافِعٌ: "إذا" مَكْسُورَةَ الألِفِ "آيِنّا" مَمْدُوةَ الألْفِ، وقَرَأ الباقُونَ: "آئِذا" مَمْدُودَةً "إنَّنا" بِنُونَيْنِ وكَسْرِ الألْفِ.

ثُمْ ذَكَرَ الكُفّارُ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِمّا وُعِدُوا بِها قَبْلُ، وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، وجَزَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، ثُمْ وعَظَهم تَبارَكَ وتَعالى بِحالٍ مَن عُذِّبَ وبِالحَذَرِ أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ أُولَئِكَ، وهَذا التَحْذِيرُ يَقْتَضِيهِ المَعْنى.

ثُمْ سَلّى اللهُ تَعالى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عنهُمْ، وهَذا بِحَسَبَ ما كانَ عِنْدَهُ مِنَ الحِرْصِ عَلَيْهِمْ والِاهْتِمامِ بِأمْرِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "فِي ضِيقٍ" بِكَسْرِ الضادِ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والضِيقِ والضَيْقِ مَصْدَرانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وكَرَهَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ "ضَيْقٌ" كَهَيْنِ ولَيْنِ مُسَهَّلَةً مَن ضَيَّقَ، قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ تُقامَ الصِفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ.

ثُمْ ذَكَرَ اسْتِعْجالَ قُرَيْشٍ بِأمْرِ الساعَةِ والعَذابِ.

و"رَدِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ وأزَفَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، ولَكِنَّها عِبارَةٌ عَمّا يَجِيءُ بَعْدَ الشَيْءِ قَرِيبًا مِنهُ، ولِكَوْنِهِ بِمَعْنى هَذِهِ الأفْعالِ تَعَدّى بِحَرْفٍ وإلّا فَبابُهُ أنْ يَتَجاوَزَ بِنَفْسِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الدالِّ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "رَدَفَ" بِفَتْحِ الدالِّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يُكِنُّ" مَن أكَنَّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ السَمَيْفَعِ مِن كَنَّ: "تَكُنُّ"، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ وقال الذين كفروا إذا كنا تراباً ﴾ [النمل: 67].

والتعبير هنا بالمضارع للدلالة على تجدد ذلك القول منهم، أي لم يزالوا يقولون.

والمراد بالوعد ما أنذروا به من العقاب.

والاستفهام عن زمانه، وهو استفهام تهكم منهم بقرينة قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ .

وأمر الله نبيه بالجواب عن قولهم لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن أطلعه على شيء منه من عباده المصطفين.

والجواب جار على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على حقيقة الاستفهام تنبيهاً على أن حقهم أن يسألوا عن وقت الوعيد ليتقدموه بالإيمان.

و ﴿ عسى ﴾ للرجاء، وهو مستعمل في التقريب مع التحقيق.

و ﴿ ردف ﴾ تبع بقرب.

وعدي باللام هنا مع أنه صالح للتعدية بنفسه لتضمينه معنى (اقترب) أو اللام للتوكيد مثل شكر له.

والمعنى: رجاء أن يكون ذلك قريب الزمن.

وهذا إشارة إلى ما سيحل بهم يوم بدر.

وحذف متعلق ﴿ تستعجلون ﴾ أي تستعجلون به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ اقْتَرَبَ لَكم ودَنا مِنكم: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أعْجَلَ لَكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: تَبِعَكم، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَوْمُ بَدْرٍ.

الثّانِي: عَذابُ القَبْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَما مِن غائِبَةٍ ﴾ الآيَةَ.

فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الغائِبَةَ القِيامَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: ما غابَ عَنْهم مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ وغَيَّبَهُ عَنْهم، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفِي ﴿ كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

الثّانِي: القَضاءُ المَحْتُومُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ بل ادارك علمهم في الآخرة ﴾ قال: حين لم ينفع العلم.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ بل ادرك علمهم في الآخرة ﴾ قال: لم يدرك علمهم قال أبو عبيد: يعني أنه قرأها بالاستفهام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ بل ادرك علمهم في الآخرة ﴾ يقول: غاب علمهم.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بل ادارك علمهم في الآخرة ﴾ قال: ام ادرك علمهم ﴿ أم هم قوم طاغون ﴾ [ الذاريات: 53] بل هم قوم طاغون.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ بل ادارك علمهم ﴾ مثقلة مكسورة اللام على معنى تدارك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ بل ادارك علمهم في الآخرة ﴾ قال: تتابع علمهم في الآخرة بسفههم وجهلهم ﴿ بل هم عنها عمون ﴾ قال: عموا عن الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه كان يقرأ ﴿ بل ادرك علمهم في الآخرة ﴾ قال: اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة.

وفي قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ قال: كيف عذب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عسى أن يكون ردف لكم ﴾ قال: اقترب لكم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ عسى أن يكون ردف لكم ﴾ قال: اقترب منكم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ عسى أن يكون ردف لكم ﴾ قال: عجل لكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ردف لكم ﴾ قال: أزف لكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ردف لكم بعض الذي تستعجلون ﴾ قال: من العذاب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ﴾ قال: يعلم ما عملوا بالليل والنهار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وليعلم ما تكن صدورهم ﴾ قال: السر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب ﴾ يقول: ما من شيء في السماء والأرض سراً وعلانية إلا يعلمه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وما من غائبة ﴾ يقول: ما من قولي ولا عملي في السماء والأرض إلا وهو عنده ﴿ في كتاب ﴾ في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السموات والأرض.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال الله تعالى: ﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ يقال: رَدِفَه يَرْدِفه (١) إذا الجوزاء أردفت الثريا (٢) ﴿ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ  ﴾ (٣) قال ابن عباس في معنى: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ قرب لكم (٤) (٥) (٦) وقال قتادة: أزف لكم (٧) (٨) فقلتُ لها الحاجاتُ يطرحنَ بالفتى ...

وهمٌّ تعنَّاني مُعَنّى ركائبُهُ (٩) فأدخل الباء في الفتى؛ لأن معنى: يطرحن: يرمين، وأنت تقول: رميت بالشيء وطرحته.

قال: وتكون اللام داخلة، والمعنى: ردفكم، كما تقول العرب: نفذت له مائة، أي: نفذته (١٠) (١١) ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ  ﴾ أي: أمرت أن أكون، وبأن أكون (١٢) وقال أبو الهيثم يقال: رَدِفْت فلانًا، ورَدِفتُ لفلانٍ، أي: صرت له رِدْفًا.

قال: وتزيد العرب اللام مع الفعل الواقع في الاسم المنصوب فتقول: سمع له، وشكر له، ونصح له، أي: سمعه وشكره ونصحه (١٣) وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ  ﴾ (١٤) وقوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ  ﴾ [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: فأما اللام في قوله: [رُّؤْيَا] فقال أحمد بن يحيى: أراد: إن كنتم للرؤيا عابرين، وإن كنتم عابرين للرؤيا، تسمى هذه اللام لام التعقيب؛ لأنها عقبت الإضافة المعنى: إن كنتم عابري الرؤيا.

وقال ابن الأنباري: دخلت اللام مؤكدة مفيدة معنى التأكيد.

وقيل: إنها أفادت معنى: إلى، وكأن ملخصها: إن كنتم توجهون العبارة إلى الرؤيا.

ثم أحال على سورة الأعراف [154] في قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ .]].

وقال مجاهد في قوله: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ عجل لكم (١٥) وعن ابن عباس: حضركم (١٦) (١٧) وقال الزجاج: معناه في اللغة: ركبكم وجاء بعدكم (١٨) ومعنى الآية: أن الله تعالى أمر نبيه -  - أن يقول للذين يستعجلون العذاب: إن بعض ما تستعجلون من العذاب قد دنا لكم.

قال المفسرون: فكان بعض الذي دنا لهم القتل ببدر، وسائر العذاب لهم فيما بعد الموت (١٩) (١) يردفه في نسخة (ج).

(٢) "تهذيب اللغة"14/ 96 (ردف)، من إنشاد أبي زيد، ونسب إلى خزيمة القضاعي، وعجزه: ظننت بآل فاطمة الظنونا وأنشده في "لسان العرب" 9/ 115، ونسبه لخزيمة بن مالك بن نَهْد.

(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: اختلف أهل اللغة في: ردف وأردف؛ والأكثرون على أنهما بمعنى واحد ..

وفصل آخرون بينهما؛ فقال الزجاج: ردفت الرجل إذا ركبت خلفه، وأردفته: أركبته خلفي، وأردفت الرجل إذا جئت بعده.

وقال شمر: ردفت وأردفت إذا فعلت ذلك بنفسك، فإذا فعلت بغيرك: فأردفت لا غير.

(٤) ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم بلفظ: اقترب.

"فتح الباري" 8/ 504.

ووصله ابن جرير 20/ 9، من طريق علي بن أبي طلحة، بلفظ: اقترب لكم.

(٥) "تفسير مقاتل" 62 أ.

(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 9، عن الضحاك.

وابن أبي حاتم 9/ 2917، عن مجاهد.

(٧) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2917، عن مجاهد.

(٨) "تنوير المقباس" 321، وذكره الثعلبي 8/ 134 ب، ولم ينسبه.

(٩) أنشده الفراء، ولم ينسبه.

"معاني القرآن" 2/ 299، وأنشده كذلك ابن جرير 20/ 10، وهو في "لسان العرب" 15/ 106، غير منسوب، وفيه: عانى الشيء: قاساه، والمعاناة: المقاساة، يقال: عاناه، وتعناه، وتعنى.

(١٠) في نسخة: (ب)، (ج): نقدت، في الموضعين.

وفي: ب: نفذت.

وهو موافق لما عند الفراء 2/ 300، بلفظ: نفذت له مائة، وهو يريد: نفذتها مائة.

ولا ينبني على هذا الفرق اختلاف في المعنى المقصود.

ونقل هذا القول عن الفراء، ولم يسمه، ابن جرير 20/ 9، واختاره.

(١١) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 651.

و"المقتضب" 2/ 37.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 128.

وليس فيها ذكر قول: لا أبا لك ويا بؤس للحرب.

(١٢) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 651.

(١٣) "تهذيب اللغة" 14/ 96 (ردف).

(١٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: واختلفوا في وجه دخول اللام في قوله: ﴿ لِرَبِّهِمْ ﴾ فقال الكسائي: لما تقدم المفعول على الفعل حسنت اللام، قال: وهذا مما مات من الغريب، وقد كان يقال: لك أكرمت، ولك حدثت، فمات، ولو قلت: أكرمت لك، تريد: أكرمتك كان قبيحًا، وهو جائز؛ كما تقول: هو مكرم لك، وهو ضارب لك، بمعنى: مكرمك، وضاربك، فحسن في موضع وقبح في آخر والأصل واحد.

قال النحويين: لما تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه، فصار بمنزلة ما لا يتعدى فأدخل اللام ..

فعلى هذا اللام في قوله: ﴿ لِرَبِّهِمْ ﴾ صلة == وتأكيد، كقوله: ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ ..

وقال بعضهم: إنها لام أجل؛ والمعنى: هم لأجل ربهم ﴿ هُدًى ﴾ لا رياء ولا سمعة.

(١٥) "تفسير مجاهد" 2/ 475، وأخرجه ابن جرير 20/ 10، بلفظ: أعجل لكم، وبلفظ: أزف.

وذكر الهواري 3/ 263، عن مجاهد: اقترب لكم.

وأخرجه كذلك ابن أبي حاتم 9/ 2917.

(١٦) "تفسير الثعلبي" 8/ 134 ب.

(١٧) "غريب القرآن" لابن قتيبة 326.

(١٨) في "مجاز القرآن" 2/ 96: جاء بعدكم.

(١٩) "تفسير مقاتل" 62 أ، بنصه.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 134 ب، ولم ينسبه.

وذكر الهواري 3/ 263، عن الحسن: بعض الذي تستعجلون من عذاب الله، يعني: قيام الساعة التي يهلك الله بها آخر كفار هذه الأمة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رَدِفَ لَكُم ﴾ أي تبعكم، واللام زائدة، أو ضمن معنى قرب وتعدى باللام، ومعنى الآية: أنهم استعجلوا العذاب بقولهم: متى هذا الوعد، فقيل لهم: عسى أن يكون قرب لكم بعض العذاب الذي تستعجلون، وهو قتلهم يوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أيذا ﴾ ﴿ أينا ﴾ بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.

مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد ﴿ أيذا ﴾ بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة ﴿ إنا ﴾ بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل ﴿ إذا ﴾ من غير همزة الاستفهام ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ﴿ إنا ﴾ بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم.

﴿ ولا يسمع ﴾ بفتح الياء التحتانية ﴿ الصم ﴾ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم".

الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ ﴿ وما أنت تهدي ﴾ على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة.

الباقون ﴿ بهادي ﴾ على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل.

الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام.

﴿ فزع ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الوقوف: ﴿ لمخرجون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ بحكمه ﴾ ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين ﴿ العليم ﴾ ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ تكلمهم ﴾ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ السحاب ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ خير منها ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء ﴿ آمنون ﴾ ه لا لعطف جملتي الشرط ﴿ في النار ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ز للعارض وطول الكلام مع العطف ﴿ المسلمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ القرآن ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ فتعرفونها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس.

قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه ﴿ أئنا لمخرجون ﴾ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة.

وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار.

والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله ﴿ لقد وعدنا ﴾ وبيان المتشابه فليدّكر.

ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة.

ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم.

والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع.

ومعنى قوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ الآية.

قد مر في آخر "النحل".

وفي هذه الآي تسلية لرسول الله  على ما كان يناله من قومه.

ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم ﴿ عسى أن يكون ﴾ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون.

وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ﴿ ردف لكم بعض الذي ﴾ دون أن يقول "ردف لكم الذي".

واللام زائدة للتأكيد كالباء في ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم.

وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض.

ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن.

ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله  ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك.

ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.

ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه  أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.

ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فيما يريد ﴿ العليم ﴾ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم.

ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم.

وقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة".

ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.

ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال ﴿ وإذا وقع القول ﴾ اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه ﴿ عليهم ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض ﴾ وهي الجساسة.

وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها.

فقيل: إن طولها ستون ذراعاً.

وقيل: إن راسها يبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.

وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً.

وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي  أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

ورابعها مكان خروجها، "سئل النبي  من أين تخرج الدابة؟

فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام.

وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.

وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.

وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات.

ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت ﴿ بآياتنا ﴾ أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا.

وإنما هي خيل مولاه وبلاده.

عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.

وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.

روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر".

وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.

وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.

ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً ﴿ ويوم ﴾ أي واذكر يوم ﴿ نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ ممن يكذب ﴾ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة.

وقد مر معنى قوله ﴿ فهم يوزعون ﴾ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار.

وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.

والواو في قوله ﴿ ولم تحيطوا ﴾ للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب.

ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه.

قال جار الله: ﴿ أمّاذا كنتم تعملون ﴾ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك.

وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله.

وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟

لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل.

قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار.

ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ﴿ ألم يروا ﴾ الآية.

ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟

ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس".

والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.

ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين".

وقوله ﴿ ففزع ﴾ كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة.

وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

وقيل: هم الشهداء.

وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش.

وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ ففزع ﴾ موافقة لقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وفي "الزمر" قال ﴿ فصعق  ﴾ لأن معناه فمات وقد سبق ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون  ﴾ .

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين أذلاء.

وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.

وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.

قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله  أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد.

﴿ وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ قال جار الله ﴿ صنع الله ﴾ من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب.

قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ هو "اذكر" مقدراً، ويكون ﴿ صنع الله ﴾ مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله.

قال القاضي عبد الجبار: في قوله ﴿ أتقن كل شيء ﴾ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه.

وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات.

قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم.

ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ إلى آخر الآيتين.

وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك.

وقيل: المراد فله خير حاصل منها.

وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.

وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً.

ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه.

والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون.

وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين.

وقوله ﴿ هل تجزون ﴾ الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول.

ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب  .

ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله.

وفيه نوع منة عليهم كقوله ﴿ حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم  ﴾ وثانيهما عام وهو قوله ﴿ وله كل شيء ﴾ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه.

ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله  بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار.

ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.

قاله الحسن.

وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا.

﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ولكنه من وراء جزاء العاملين.

التأويل: ﴿ قل سيروا ﴾ في أرض البشرية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿ وما من غائبة ﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ وهو علم الله  أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿ إن ربك يقضي بينهم ﴾ اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا  إلى مقام المحبة.

فاتبعوني يحببكم الله ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق هذا المقام.

﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿ أخرجنا لهم ﴾ من تحت أرض البشرية ﴿ دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل.

﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل.

﴿ ويوم ينفخ ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ ففزع ﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿ إلا من شاء الله ﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب.

وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿ إلا من شاء الله ﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿ وترى ﴾ جبال الأشخاص ﴿ جامدة ﴾ على حالها ﴿ وهي تمر ﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿ مر السحاب ﴾ ﴿ رب هذه البلدة ﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ دون أن يقول "في قلوب الناس" ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ ﴾ : كأنهم قالوا ذلك لأحد وجهين: إما استهزاء بما يخبرهم الرسل أنكم تبعثون، أو قالوا ذلك احتجاجا بما احتجوا به على الرسل بقولهم الذي قالوا: ﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، يحتجون فيقولون: لقد وعد آباؤنا بالبعث كما وعدنا نحن، ثم لم نرهم بعثوا منذ ماتوا؛ فعلى ذلك نحن وإن وعدنا فلا نبعث كما لم تبعث آباؤنا.

ثم قال: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ : يقول - والله أعلم -: لو سرتم في الأرض فنظرتم إلى ما حل بمكذبي الرسل من العذاب، والرسل إنما كانوا يدعون إلى توحيد الله، والإقرار بالبعث بعد الموت، فكل ذلك ينزل بكم ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل بالبعث وغيره؛ فيكون قوله: ﴿ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ليس على حقيقة الأمر بالسير، ولكن على ما ذكرنا، أي: لو سرتم لعرفتم ما حل بهم بتكذيبهم، أو أن يكون الأمر بالسير في الأرض أمرا بالتفكر فيما نزل بأولئك، الأمر بالنظر في عاقبة أمرهم أمر بالاعتبار فيهم، وفي أمر أولئك أمر بهذا؛ ليزجرهم ذلك عن مثل صنيعهم وفعلهم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ : قال قائلون: قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ بما يحل بهم من العذاب، إن لم يحزنوا هم على أنفسهم ولم يرحموها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ إن لم يسلموا؛ كقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وأمثال ذلك، كادت نفسه تهلك وتتلف؛ إشفاقاً عليهم بما ينزل بهم بتركهم الإسلام، فقال: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، ليس على النهي، لكن على تسكين نفسه وتقريرها على ما هي عليه؛ لئلا تتلف وتهلك، وهو ما قال: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تكن في ضيق مما يستهزئون بك، ويسخرون بما توعدهم من العذاب والهلاك؛ ألا ترى أنهم قالوا على أثر ذلك: ﴿ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، قالوا ذلك له استهزاء بما يوعدهم؛ فكأنه قال لرسوله: لا تكن في ضيق مما يستهزئون بما توعدهم؛ فإن الله يجزيهم جزاء استهزائهم بك.

والثاني: ﴿ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ أي: مما يريدون ويهمون قتلك؛ فإن الله يحفظك ويحوطك؛ فلا يصلون إليك بما يريدون من قتلك وإهلاكك، وهو ما قال: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ .

وفيه دلالة إثبات رسالته؛ حيث أمنه وأخبره أنه يحفظه ويعصمه من جميع الأعداء وهو بين أظهرهم، فذلك آية من آيات النبوة والرسالة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : قد ذكرنا أنهم إنما يقولون ذلك استهزاء وتكذيباً بما كان يوعدهم من العذاب بتكذيبهم إياه، ثم كان يوعدهم مرة بعذاب ينزل بهم في الدنيا كما نزل بأوائلهم بتكذيبهم الرسل، ومرة يوعدهم بعذاب ينزل بهم في الآخرة، فيكذبونه في ذلك كله ويستهزئون به ويقولون: ﴿ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ؛ وكذلك قال أوائلهم لرسلهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ رَدِفَ لَكُم ﴾ بعد هذه الحال، وبعد هذا القول الذي قالوا: ﴿ بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ، أي: ينزل بكم بعد هذه الحال بعض الذي تستعجلون وهو العذاب، وقوله: ﴿ رَدِفَ لَكُم ﴾ أي: يدنو منكم ويقرب.

والثاني: ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم ﴾ بعد الحزن والمكروه الذي يحل بكم بالموت ﴿ بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ وهو عذاب القبر؛ لأنهم وقت الموت يحزنون ويكرهون لما شاهدوا وعاينوا من حالهم؛ ولذلك يسألون ربهم الرجوع والردّ إلى المحنة ثانياً؛ نحو قولهم: ﴿ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ﴾ \[المؤمنون: 99\]، وقولهم: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ وجوهاً: أحدها: ذو فضل في تأخير العذاب عنهم، ولكن أكثرهم لا يشكرون ذلك الفضل ولكن يستعجلون.

والثاني: ذو فضل على الناس في دينهم في بعثه وإرساله إليهم من يزجرهم ويصرفهم عما يستوجبون من عذاب الله ومقته وهو الرسول، لكنهم لا يعرفون هذا الفضل ولا يشكرونه، بل يعاندونه ويكابرونه.

أو لذو فضل على الناس فيما أنعم عليهم في أموالهم وأنفسهم، لكنهم لا يشكرون في ذلك، بل يصرفون شكره إلى غير المنعم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما تكنون أنتم في صدوركم وتسترون فيها ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ، أي: ما يبدون ويظهرون فيها، يعلم ذلك كله.

أو ﴿ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ ، أي: ما تخفي أنفس الصدور وتستر فيها ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ : وما تحمل الصدور أصحابها على إبداء ما فيها وإظهاره، وهو ما ذكر في الخبر حيث قال رسول الله  : "إن في الإنسان مضغة إذا صلحت صلح جميع بدنه وهو القلب" ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ هذا يخرج على وجهين - أيضاً -: أحدهما: ما من غائبة في السماء والأرض مما كان ويكون أبد الآبدين إلا كان ذلك مبينا في كتاب مبين، يخبر أنه كان لم يزل عالماً بما كان منهم أبد الآبدين، وأنه عن علم بأفعالهم وصنيعهم خلقهم وأنشأهم، لا عن جهل وغفلة.

والثاني: ﴿ وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: ما من غائبة عن الخلق ما يغيب بعضهم من بعض ويستر بعضهم بعضا، ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ : إلا كان ذلك عند الله محققاً ظاهراً مرقوبا، ينبههم؛ ليكونوا على حذر؛ يقول: إن ما يغيب بعضهم من بعض فهو عند الله محفوظ رقيب لا يغيب عنه شيء؛ كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ ، والله الموفق.

قال بعضهم: في قوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم ﴾ أي: أعجل لكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل لهم -أيها الرسول-: عسى أن يكون اقترب لكم بعض ما تستعجلون به من العذاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.3Ag5d"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله