الآية ٨٥ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٨٥ من سورة النمل

وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا۟ فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ٨٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٥ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٨٥ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهكذا قال هاهنا : ( ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ) أي : بهتوا فلم يكن لهم جواب ; لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم ، وقد ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ووجب السخط والغضب من الله على المكذّبين بآياته ( بِمَا ظَلَمُوا ) يعني بتكذيبهم بآيات الله, يوم يحشرون (فهم لا ينطقون ) يقول: فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم عظيم ما حلّ بهم ووقع عليهم من القول.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ووقع القول عليهم بما ظلموا أي وجب العذاب عليهم بظلمهم أي بشركهم .

فهم لا ينطقون أي ليس لهم عذر ولا حجة .

وقيل : يختم على أفواههم فلا ينطقون ; قاله أكثر المفسرين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا } أي: حقت عليهم كلمة العذاب بسبب ظلمهم الذي استمروا عليه وتوجهت عليهم الحجة، { فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ } لأنه لا حجة لهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ووقع القول ) وجب العذاب ، ( عليهم بما ظلموا ) بما أشركوا ، ( فهم لا ينطقون ) قال قتادة : كيف ينطقون ولا حجة لهم ، نظيره قوله تعالى : " هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون " ( المرسلات - 36 ) ، وقيل : لا ينطقون لأن أفواههم مختومة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ووقع القول» حق العذاب «عليهم بما ظلموا» أي أشركوا «فهم لا ينطقون» إذ لا حجة لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حتى إذا جاء من كل أمة فوج ممن يكذب بآياتنا فاجتمعوا قال الله: أكذَّبْتم بآياتي التي أنزلتها على رسلي، وبالآيات التي أقمتها دلالة على توحيدي واستحقاقي وحدي للعبادة ولم تحيطوا علمًا ببطلانها، حتى تُعرضوا عنها وتُكَذِّبوا بها، أم أي شيء كنتم تعملون؟

وحقت عليهم كلمة العذاب بسبب ظلمهم وتكذيبهم، فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم ما حلَّ بهم من سوء العذاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولا شك أن هذا التساؤل المقصود منه تأنيبهم وتقريعهم ، والاستهزاء بهم ، لأنه من المعروف أنهم كذبوا بآيات الله ، وأنهم قد قضوا حياتهم فى الكفر والضلال ، ولذا وقوفا واجمين لا يحيرون جوابا ، فكانت النتيجة كما قال - تعالى - بعد ذلك : ( وَوَقَعَ القول عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ ) .

أى : وحل العذاب عليهم بسبب ظلمهم وجحودهم ، فاستقبلوه باستسلام وذلة ، دون أن يستطيعوا النطق بكلمة تنفعهم .

أو بحجة يدافعون بها عن أنفسهم .

.

.فالمقصود بوقوع القول عليهم : إقامة الحجة عليهم ، ونزول العذاب بهم واستحقاقهم له بسبب ظلمهم وكفرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى بين بالدلائل القاهرة كمال القدرة وكمال العلم، ثم فرع عليهما القول بإمكان الحشر، ثم بين الوجه في كون القرآن معجزاً، ثم فرع عليه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تكلم الآن في مقدمات قيام القيامة، وإنما أخر تعالى الكلام في هذا الباب عن إثبات النبوة، لما أن هذه الأشياء لا يمكن معرفتها إلا بقول النبي الصادق وهذا هو النهاية في جودة الترتيب.

واعلم أنه تعالى ذكر تارة ما يكون كالعلامة لقيام القيامة، وتارة الأمور التي تقع عند قيام القيامة، فذكر أولاً من علامات القيامة دابة الأرض، والناس تكلموا فيها من وجوه: أحدها: في مقدار جسمها، وفي الحديث أن طولها ستون ذراعاً، وروي أيضاً أن رأسها تبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وثانيها: في كيفية خلقتها، فروي أن لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.

وعن ابن جريج في وصفها: رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن إيَّل وصدر أسد ولون نمر وخاصرة (بقرة) وذنب كبش وخف بعير.

وثالثها: في كيفية خروجها عن علي عليه السلام أنه تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

ورابعها: في موضع خروجها سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أين تخرج الدابة؟

فقال من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى المسجد الحرام وقيل تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.

وخامسها: في عدد خروجها فروي أنها تخرج ثلاث مرات، تخرج بأقصى اليمن، ثم تكمن، ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون (نظارة).

واعلم أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور، فإن صح الخبر فيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وإلا لم يلتفت إليه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم ﴾ فالمراد من القول متعلقه وهو ما وعدوا به من قيام الساعة ووقوعه حصوله، والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها، أما دابة الأرض فقد عرفتها.

وأما قوله: ﴿ تُكَلّمُهُمْ ﴾ فقرئ (تكْلِمهم) من الكلم وهو الجرح، روي أن الدابة تخرج من الصفا ومعها عصا موسى عليه السلام وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن بين عينيه بعصا موسى عليه السلام فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه، وتنكت الكافر في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه.

واعلم أنه يجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضاً على معنى التكثير يقال فلان مكلم، أي مجرح.

وقرأ أبي (تنبئهم)، وقرأ ابن مسعود تكلمهم بأن الناس، والقراءة بإن مكسورة حكاية لقول الدابة ذلك، أو هي حكاية لقول الله تعالى بين به أنه أخرج الدابة لهذه العلة.

فإن قيل إذا كانت حكاية لقول الدابة فكيف يقول (بآياتنا)؟

جوابه: أن قولها حكاية لقول الله تعالى، أو على معنى بآيات ربنا، أو لاختصاصها بالله تعالى أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقال بعض خاصة الملك خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه وبلاده، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار، أي تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.

وأما قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً مّمَّن يُكَذّبُ بئاياتنا ﴾ فاعلم أن هذا من الأمور الواقعة بعد قيام القيامة، فالفرق بين من الأولى والثانية، أن الأولى للتبعيض، والثانية للتبيين كقوله: ﴿ مِنَ الأوثان  ﴾ .

أما قوله: ﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ معناه يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار، وهذه عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه، كما وصفت جنود سليمان بذلك وقوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بئاياتى ﴾ فهذا وإن احتمل معجزات الرسل كما قاله بعضهم، فالمراد كل الآيات فيدخل فيه سائر الكفار الذين كذبوا بآيات الله أجمع أو بشيء منها.

أما قوله: ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ فالواو للحال كأنه قال أكذبتم بها، بادي الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها.

أما قوله: ﴿ أمَّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فالمراد لما لم تشتغلوا بذلك العمل المهم، فأي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك؟ا كأنه قال كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل، ثم قال: ﴿ وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم ﴾ يريد أن العذاب الموعود يغشاهم بسبب تكذيبهم بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار كقوله: ﴿ هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ  ﴾ ثم إنه سبحانه بعد أن خوفهم بأحوال القيامة ذكر كلاماً يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا اليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً ﴾ أما وجه دلالته على التوحيد فلما ظهر في العقول أن التقليب من النور إلى الظلمة، ومن الظلمة إلى النور، لا يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية.

وأما وجه دلالته على الحشر فلأنه لما ثبتت قدرته تعالى في هذه الصورة على القلب من النور إلى الظلمة وبالعكس، فأي امتناع في ثبوت قدرته على القلب من الحياة إلى الموت مرة، ومن الموت إلى الحياة أخرى.

وأما وجه دلالته على النبوة فلأنه تعالى يقلب الليل والنهار لمنافع المكلفين، وفي بعثة الأنبياء والرسل إلى الخلق منافع عظيمة، فما المانع من بعثتهم إلى الخلق لأجل تحصيل تلك المنافع؟

فقد ثبت أن هذه الكلمة الواحدة كافية في إقامة الدلالة على تصحيح الأصول الثلاثة التي منها منشؤ كفرهم واستحقاقهم العذاب، ثم في الآية سؤالان: السؤال الأول: ما السبب في أن جعل الإبصار للنهار وهو لأهله؟

جوابه: تنبيهاً على كمال هذه الصفة فيه.

السؤال الثاني: لما قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ فلم لم يقل والنهار لتبصروا فيه؟

جوابه: لأن السكون في الليل هو المقصود من الليل، وأما الإبصار في النهار فليس هو المقصود بل هو وسيلة إلى جلب المنافع الدينية والدنيوية.

وأما قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ خص المؤمنين بالذكر، وإن كانت أدلة للكل من حيث اختصوا بالقبول والانتفاع على ما تقدم في نظائره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الواو للحال، كأنه قال: أكذبتم بها باديء الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق أو بالتكذيب.

أو للعطف، أي: أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتحققها وتبصرها؛ فإن المكتوب إليه قد يجحد أن يكون الكتاب من عند من كتبه، ولا يدع مع ذلك أن يقرأ ويتفهم مضامينه ويحيط بمعانيه ﴿ أمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بها للتبكيت لا غير.

وذلك أنهم لم يعملوا إلا التكذيب، فلا يقدرون أن يكذبوا ويقولوا قد صدّقنا بها وليس إلا التصديق بها أو التكذيب.

ومثاله أن تقول لراعيك- وقد عرفته رويعي سوء- أتأكل نعمي، أم ماذا تعمل بها؟

فتجعل ما تبتدئ به وتجعله أصل كلامك وأساسه هو الذي صحّ عندك من أكله وفساده، وترمي بقولك: أم ماذا تعمل بها، مع علمك أنه لا يعمل بها إلا الأكل؛ لتبهته وتعلمه علمك بأنه لا يجيء منه إلا أكلها، وأنه لا يقدر أن يدعي الحفظ والإصلاح؛ لما شهر من خلاف ذلك.

أو أراد: أما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب بآيات الله، أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك؟

يعني أنه لم يكن لهم عمل غيره، كأنهم لم يخلقوا إلا للكفر والمعصية، وإنما خلقوا للإيمان والطاعة: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها، وذلك قوله: ﴿ وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم ﴾ يريد أن العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم، وهو التكذيب بآيات الله، فيشغلهم عن النطق والاعتذار، كقوله تعالى: ﴿ هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ ﴾ [المرسلات: 35] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا ﴾ بَيانٌ لِلْفَوْجِ أيْ فَوْجًا مُكَذِّبِينَ، و ( مِن ) الأُولى لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ أُمَّةَ كُلِّ نَبِيٍّ وأهْلَ كُلِّ قَرْنٍ شامِلٌ لِلْمُصَدِّقِينَ والمُكَذِّبِينَ.

﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وتَباعُدِ أطْرافِهِمْ.

﴿ حَتّى إذا جاءُوا ﴾ إلى المَحْشَرِ.

﴿ قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا ﴾ الواوُ لِلْحالِ أيْ أكَذَّبْتُمْ بِها بادِئَ الرَّأْيِ غَيْرَ ناظِرِينَ فِيها نَظَرًا يُحِيطُ عِلْمُكم بِكُنْهِها وأنَّها حَقِيقَةٌ بِالتَّصْدِيقِ أوِ التَّكْذِيبِ، أوْ لِلْعَطْفِ أيْ أجْمَعْتُمْ بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِها وعَدَمِ إلْقاءِ الأذْهانِ لِتَحَقُّقِها.

﴿ أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أمْ أيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو لِلتَّبْكِيتِ إذْ لَمْ يَفْعَلُوا غَيْرَ التَّكْذِيبِ مِنَ الجَهْلِ فَلا يَقْدِرُونَ أنْ يَقُولُوا فَعَلْنا غَيْرَ ذَلِكَ.

﴿ وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ المَوْعُودُ وهو كَبُّهم في النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ.

﴿ بِما ظَلَمُوا ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ.

﴿ فَهم لا يَنْطِقُونَ ﴾ بِاعْتِذارٍ لِشُغْلِهِمْ بِالعَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ ينطقون} أي يغشاهم العذاب الموعد بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار كقوله هذا يَوْمُ لاَ ينطقون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ الَّذِي هو مَدْلُولُ القَوْلِ النّاطِقِ بِحُلُولِهِ وهو كَبُّهم في النّارِ ﴿ بِما ظَلَمُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي هو تَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى ﴿ فَهم لا يَنْطِقُونَ ﴾ بِحُجَّةٍ لِانْتِفائِها عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وابْتِلائِهِمْ بِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وقِيلَ: يَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَلا يَقْدِرُونَ عَلى النُّطْقِ بِشَيْءٍ أصْلًا.

وفِي البَحْرِ أنَّ انْتِفاءَ نُطْقِهِمْ يَكُونُ في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ أوْ مِن فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ لِأنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ ناطِقٌ بِأنَّهم يَنْطِقُونَ في بَعْضِ المُواطِنِ بِأعْذارٍ وما يَرْجُونَ بِهِ النَّجاةَ مِنَ النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ يعني: نوجب عليهم العذاب في يوم نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً .

يعني: من كل أهل دين جماعة.

ويقال: يَوْمَ نَحْشُرُ يعني: نجمع من كل أمة فوجا يعني: جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يعني: يحبس أولهم لآخرهم ليجتمعوا حَتَّى إِذا جاؤُ يعني: اجتمعوا للحشر قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي يعني: قال الله تعالى لهم: أكذبتم بمحمد  والقرآن؟

اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير.

يعني: قد كذبتم بآياتنا وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً اللفظ لفظ النفي، والمراد به المناقشة في الحساب، يعني: كذبتم كأنكم لم تعلموا.

ويقال: لم تعرفوها حق معرفتها.

ثم قال: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اللفظ لفظ السؤال، والمراد به التوبيخ، ومعناه: ماذا كنتم تعملون، أن تؤمنوا بالكتاب والرسل، يعني: أي عمل منعكم من ذلك.

ثم قال عز وجل: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ يعني: نزل عليهم العذاب، ووجب عليهم بِما ظَلَمُوا يعني: بما أشركوا فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ يعني: لا يمكنهم أن يتكلموا من الهيبة لما ظهر لهم من المعاينة، ولما تحيروا في ذلك.

ثم وعظ كفار مكة فقال: أَلَمْ يَرَوْا يعني: ألم يعتبروا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً يعني: مضيئاً، وأضاف الفعل إلى النهار، لأن الكلام يخرج مخرج الفاعل إذا كان هو سبباً للفعل.

كما قال: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: 33] إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يعني: فيما ذكر من الليل والنهار، لعبرات لقوم يصدقون بتوحيد الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)

وقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً: هو تذكيرٌ بيومِ القيامةِ، والفوجُ:

الجماعة الكثيرة، ويُوزَعُونَ معناه: يكفّون في السوق، يَحْبِسُ أولُهُم عَلى آخرهم «١» قاله قتادة، ومنه وَازَع الجيشَ، ثم أخبر- تعالى- عن توقيفِه الكفرةَ يومَ القيامةِ وسؤالِهم على جهة التوبيخ: أَكَذَّبْتُمْ ...

الآية، ثم قال: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على معنى استيفاء الحُجَجِ، أي: إن كان لكم عملٌ أو حُجَّةٌ فهاتوها.

ثم أخبر عن وقوع القول عليهم، أي:

نفوذُ العذابِ وحَتْمُ القَضَاءِ وأنهم لا ينطقونَ بحجَّةٍ، وهذا في موطن من مواطِنِ القيامةِ.

ولما تكلَّم المحاسِبيُّ على أهوال القيامة، قال: واذكر الصراط بدقّته وهوله وزلَّتِه وعَظِيم خطره وجهنم تخفق بأمواجها من تحته، فيا له مِنْ مَنظرٍ ما أفْظَعَهُ وأهْوَلَهُ، فتَوهَّمْ ذلِكَ بقلبٍ فارغٍ، وعقلٍ جامعٍ، فإن أهوالَ يومِ القيامةِ إنما خَفَّتْ علَى الذِينَ تَوَهَّمُوهَا في الدنيا بعقولهم، فتحملوا في الدنيَا الهُمُومَ خَوْفاً مِن مَقامِ رَبِّهِمْ، فَخَفَّفَها مَوْلاَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْهم، انتهى من «كتاب التوهم» .

وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهو القَرْنُ في قول جمهور الأمة، وصاحب الصور هو ٥٥ أإسرافيل- عليه السلام-، وهذه النفخةُ المذكورة هنا هي نفخة/ الفَزَع، ورَوى أبو هريرةَ «٢» أنها ثلاثُ نفخات: نفخةُ الفَزَعِ، وهو فزع حياةِ الدُّنيَا وليْسَ بالفَزَع الأكْبَرِ، ونفخةُ الصَّعْقِ، ونفخةُ القيام من القبور.

وقالت فرقة: إنما هما نفختان: كأنهم جَعَلُوا الفَزَعَ والصَّعْقَ في نفخةٍ وَاحِدَةٍ مستدلين بقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ...

الآية [الزمر: ٦٨] .

قالوا: وأخرى لا يقال إلا في الثانية.

قال ع «٣» : والأول أصحُّ، وأخرى يقال في الثالثةِ، ومنه قوله تعالى: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى.

[النجم: ٢٠] .

وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ استثناءٌ فيمن قَضَى الله سبحانه مِنْ ملائكتِه، وأنبيائه، وشهداءِ عبيدِه أن لا ينالهم فزعُ النَّفْخِ في الصورِ، حَسَبَ ما ورد في ذلك من الآثار.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ﴾ الفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ كالزُّمْرَةِ، والمُرادُ بِهِ: الرُّؤَساءُ والمَتْبُوعُونَ في الكُفْرِ، حُشِرُوا وأُقِيمَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى ﴿ يُوزَعُونَ  ﴾ .

﴿ حَتّى إذا جاءُوا ﴾ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، قالَ الله تَعالى لَهم: ﴿ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ﴾ ؟!

هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ عَلَيْهِمْ ووَعِيدٍ لَهم، ﴿ وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَمْ تَعْرِفُوها حَقَّ مَعْرِفَتِها.

والثّانِي: لَمْ تُحِيطُوا عِلْمًا بِبُطْلانِها.

والمَعْنى: إنَّكم لَمْ تَتَفَكَّرُوا في صِحَّتِها، ﴿ أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في الدُّنْيا فِيما أمَرْتُكم بِهِ ونَهَيْتُكم عَنْهُ؟!

.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ آَنِفًا [النَّمْلِ: ٨٢] ﴿ بِما ظَلَمُوا ﴾ أيْ: بِما أشْرَكُوا ﴿ فَهم لا يَنْطِقُونَ ﴾ بِحُجَّةٍ عَنْ أنْفُسِهِمْ.

ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ أيْ: يُبْصِرُ فِيهِ لِابْتِغاءِ الرِّزْقِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ فَفَزِعَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا تَذْكِيرٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ، و"نَحْشُرُ": نَجْمَعُ، و ﴿ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ يُرِيدُ: مِن كُلِّ قَرْنٍ مِنَ الناسِ مُتَقَدِّمٍ؛ لِأنَّ كُلَّ عَصْرٍ لَمْ يَخْلُ مِن كَفَرَةٍ بِاللهِ مِن لَدُنْ تَفَرُّقِ بَنِي آدَمَ، و"الفَوْجُ": الجَماعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الناسِ، والمَعْنى: مِمَّنْ حالُهُ أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِآياتِنا، و"يُوزَعُونَ" مَعْناهُ: يُكَفُّونَ في السَوْقِ، أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ومِنهُ وازِعِ الجَبْشِ، وفِيهِ يَقُولُ عَبْدُ الشارِفِ بْنُ عَبْدِ العُزّى: فَجاؤُوا عارِضًا بَرِدًا وحِينًا كَمِثْلِ السَيْلِ تَرْكَبُ وازِعِينا ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن تَوْقِيفِهِ الكَفَرَةَ يَوْمَ القِيامَةِ وسُؤالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ: ﴿ حَتّى إذا ﴾ الآيَةُ، ثُمْ قالَ، ﴿ أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ عَلى مَعْنى اسْتِيفاءِ الحُجَجِ، أيْ: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أو حُجَّةٌ فَهاتُوها.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ.

ثُمْ أخْبَرَ عن وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، أيْ نُفُوذِ العَذابِ وحَتْمِ القَضاءِ، وأنَّهم لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، لِأنَّها لَيْسَتْ لَهُمْ، وهَذا في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، وفي فَرِيقٍ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى الآيَةَ في اللَيْلِ وكَوْنِهِ وقْتَ سُكُونٍ ووَداعَةِ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ، والمُهِمْ في ذَلِكَ بَنُو آدَمَ، وكَوْنِ النَهارِ مُبْصِرًا، أيْ: ذا إبْصارٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمْ ونَهارٌ صائِمْ، ومَعْنى ذَلِكَ: يُقامُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: يُبْصَرُ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ: ذا إبْصارٍ، ثُمْ تَجُوزُ بِأنْ قِيلَ: "مُبْصِرًا"، فَهو عَلى النَسَبِ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، والآياتُ في ذَلِكَ هي لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، هي آيَةٌ لِجَمِيعِهِمْ في نَفْسِها، لَكِنْ مِن حَيْثُ الِانْتِفاعِ بِها والنَظَرِ النافِعِ إنَّما هو لِلْمُؤْمِنِينَ فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِالذِكْرِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى يَوْمَ النَفْخِ في الصُوَرِ، وهو القَرْنُ في قَوْلِ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وهو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو كَهَيْئَةِ البُوقِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الصُوَرُ جَمْعُ صُورَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ وجَمْرَةٍ وجَمْرٍ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وفي الأحادِيثِ المُتَداوَلَةِ أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هو صاحِبُ الصُوَرِ، وأنَّهُ قَدْ جَثا عَلى رُكْبَتِهِ الواحِدَةِ وأقامَ الأُخْرى وأمالَ خَدَّهُ والتَقَمَ القَرْنَ يَنْتَظِرُ مَتّى يُؤْمَرُ ويُؤْذَنُ لَهُ بِالنَفْخِ، وهَذِهِ النَفْخَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ المَلَكَ لَهُ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما هي نَفْخَتانِ، كَأنَّهم جَعَلُوا الفَزَعَ والصَعْقَ في نَفْخَةٍ واحِدَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ  ﴾ ، وقالُوا: أُخْرى لا تُقالُ إلّا في الثانِيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، وأُخْرى تُقالُ في الثالِثَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ مَقْرُومٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخِرَ ثالِثٍ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى  ﴾ ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: جَعَلْتُ لَها عُودَيْنِ مِن ∗∗∗ نَشَمٍ وآخَرَ مِن ثُمامَهْ فَهُوَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ثانِيًا أو ثالِثًا فَلا حُجَّةَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ ﴾ -وَهُوَ أمْرٌ لَمْ يَقَعْ- يُعَدُّ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وهَذا مَعْنى وضْعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن شاءَ اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ فِيمَن قَضى اللهُ تَعالى مِن مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ وشُهَداءِ عَبِيدِهِ ألّا يَنالُهم فَزَعُ النَفْخِ في الصُوَرِ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هي في الشُهَداءِ، وذَكَرَ الرُمّانِيُّ أنَّهُ النَبِيُّ  ، وقالَ مُقاتِلُ: هي في جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومَلَكِ المَوْتِ، وإذا كانَ الأكْبَرُ لا يَنالُهم فَهم حَرِيُّونَ ألّا يَنالُهم هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ هَذا في وقْتِ تَرَقُّبٍ وذَلِكَ في وقْتِ أمْنٍ؛ إذْ هو إطْباقُ جَهَنَّمَ عَلى أهْلِها.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَكُلٌّ آتُوهُ داخِرِينَ" عَلى وزْنِ فاعِلُوهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصُ عن عاصِمْ: "أتَوْهُ" عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأهْلِ الكُوفَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "أتاهُ" عَلى الإفْرادِ اتِّباعًا لِلَّفْظِ "كُلٌّ"، وإلى هَذِهِ القِراءَةِ أشارَ الزَجاجُ ولَمْ يَذْكُرْها.

و"الداخِرُ": المُتَذَلِّلُ الخاضِعُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: الداخِرُ: الصاغِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "دَخِرِينَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما أُرِيدَ بِهِ الشُهَداءُ؛ لِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وهم أهْلٌ لِلْفَزَعِ لِأنَّهم بَشَرٌ لَكِنَّهم فُضِّلُوا بِالأمْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون الواو للحال، والمعنى: يقال لهم أكذبتم بآياتي وقد وقع القول عليهم.

وهذا القول هو القول السابق في آية ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ [النمل: 82] فإن ذلك القول مشتمل على حوادث كثيرة فكلما تحقق شيء منها فقد وقع القول.

والتعبير بالماضي في قوله ﴿ وقع ﴾ هنا على حقيقته، وأعيد ذكره تعظيماً لهوله ويجوز أن تكون الواو عاطفة والقول هو القول الأول وعطفت الجملة على الجملة المماثلة لها ليبنى عليها سبب وقوع القول وهو أنه بسبب ظلمهم وليفرع عليه قوله ﴿ فهم لا ينطقون ﴾ .

والتعبير بفعل المضي على هذا الوجه لأنه محقق الحصول في المستقبل فجعل كأنه حصل ومضى.

و ﴿ ما ظلموا ﴾ بمعنى المصدر، والباء للسببية، أي بسبب ظلمهم، والظلم هنا الشرك وما يتبعه من الاعتداء على حقوق الله وحقوق المؤمنين فكان ظلمهم سبب حلول الوعيد بهم، وفي الحديث «الظلم ظلمات يوم القيامة» فكل من ظلم سيقع عليه القول الموعود به الظالمون لأن الظلم ينتسب إلى الشرك وينتسب هذا إليه كما تقدم عند قوله تعالى ﴿ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ﴾ في هذه السورة (52).

وجملة ﴿ فهم لا ينطقون ﴾ مفرعة على ﴿ وقع القول ﴾ أي وقع عليهم وقوعاً يمنعهم الكلام، أي كلام الاعتذار أو الإنكار، أي فوجموا لوقوع ما وعدوا به قال تعالى ﴿ هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ [المرسلات: 35، 36].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا ﴾ وهم كُفّارُها المُكَذِّبُونَ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ بِآياتِنا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: جَمِيعُ الرُّسُلِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

﴿ فَهم يُوزَعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُجْمَعُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: يُدْفَعُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: يُساقُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ: وكَمْ وُزِّعْنا مِن خَمِيسٍ جَحْفَلٍ وكَمْ حَبَوْنا مِن رَئِيسٍ مُسَحَّلِ الرّابِعُ: يُرَدُّ أُولاهم عَلى أُخْراهم، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ قال: زمرة.

وفي قوله: ﴿ فهم يوزعون ﴾ قال: يحبس أولهم على آخرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ يوزعون ﴾ قال: يساقون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ووقع القول ﴾ قال: وجب القول.

والقول الغضب وفي قوله: ﴿ والنهار مبصراً ﴾ قال: منيراً والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا ﴾ ووجب العذاب عليهم.

قاله ابن عباس والمفسرون (١) (٢) ﴿ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ﴾ [معناه: العذاب (٣) وقال مقاتل: نزل العذاب (٤) (٥) (٦) ﴿ بِمَا ظَلَمُوا ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بما أشركوا (٧) ﴿ فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد أنه لم يكن عند القوم جواب.

وقال الكلبي: ﴿ فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ ﴾ بحجة عن أنفسهم (٨) ﴿ فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ ﴾ ، لأن أفواههم مختومة (٩) ثم احتج عليهم بقوله: (١) "تفسير ابن جرير" 20/ 18.

والثعلبي 8/ 136 ب، و"مجاز القرآن" 2/ 96.

وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2927، عن قتادة.

(٢) الحكم بن عُتَيْبَة، أبو محمد الكندي، مولاهم الكوفي، من كبار علماء الكوفة من أقران النخعي، ثقة ثبت، فقيه، وربما دلس، روى عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وحدث عنه: الأعمش وشعبة، والأوزاعي، وغيرهم.

ت: 115 هـ، وقيل غير ذلك.

"سير أعلام النبلاء" 5/ 208، و"تقريب التهذيب" 262.

(٣) وردت جملة: ﴿ وَقَعَ الْقَوْلُ ﴾ في موضعين في القرآن الكريم من سورة النمل، == ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ  ﴾ ، و ﴿ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ ﴾ "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم" 757.

وذكر ابن جرير أن معنى ﴿ وَقَعَ الْقَوْلُ ﴾ : حق العذاب، عن مجاهد، وقتادة، وابن جريج.

(٤) "تفسير مقاتل" 62 ب.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).

(٦) "تنوير المقباس" 322.

(٧) "تفسير مقاتل" 62 ب.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 136 ب، ولم ينسبه.

(٨) "تفسير ابن جرير" 20/ 18، ولفظه: بحجة يدفعون بها عن أنفسهم.

وذكره الثعلبي 8/ 136ب، ولم ينسبه.

(٩) "تفسير الثعلبي" 8/ 136 ب، ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ أي يساقون بعنف ﴿ أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أم استفهامية، والمعنى إقامة الحجة عليهم، كأنه قيل لهم إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها ﴿ وَوَقَعَ القول عَلَيهِم ﴾ أي حق العذاب عليهم أو قامت الحجة عليهم ﴿ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ ﴾ إنما يسكتون لأن الحجة قد قامت عليهم وهذا في بعض مواطن القيامة، وقد جاء أنهم يتكلمون في مواطن ﴿ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ ذكر في [يونس: 6] ﴿ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ ذكر في [الكهف: 99] ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ الله ﴾ قيل: هم الشهداء، وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ صاغرين متذللين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أيذا ﴾ ﴿ أينا ﴾ بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.

مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد ﴿ أيذا ﴾ بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة ﴿ إنا ﴾ بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل ﴿ إذا ﴾ من غير همزة الاستفهام ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ﴿ إنا ﴾ بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم.

﴿ ولا يسمع ﴾ بفتح الياء التحتانية ﴿ الصم ﴾ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم".

الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ ﴿ وما أنت تهدي ﴾ على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة.

الباقون ﴿ بهادي ﴾ على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل.

الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام.

﴿ فزع ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الوقوف: ﴿ لمخرجون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ بحكمه ﴾ ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين ﴿ العليم ﴾ ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ تكلمهم ﴾ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ السحاب ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ خير منها ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء ﴿ آمنون ﴾ ه لا لعطف جملتي الشرط ﴿ في النار ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ز للعارض وطول الكلام مع العطف ﴿ المسلمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ القرآن ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ فتعرفونها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس.

قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه ﴿ أئنا لمخرجون ﴾ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة.

وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار.

والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله ﴿ لقد وعدنا ﴾ وبيان المتشابه فليدّكر.

ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة.

ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم.

والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع.

ومعنى قوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ الآية.

قد مر في آخر "النحل".

وفي هذه الآي تسلية لرسول الله  على ما كان يناله من قومه.

ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم ﴿ عسى أن يكون ﴾ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون.

وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ﴿ ردف لكم بعض الذي ﴾ دون أن يقول "ردف لكم الذي".

واللام زائدة للتأكيد كالباء في ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم.

وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض.

ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن.

ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله  ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك.

ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.

ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه  أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.

ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فيما يريد ﴿ العليم ﴾ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم.

ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم.

وقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة".

ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.

ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال ﴿ وإذا وقع القول ﴾ اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه ﴿ عليهم ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض ﴾ وهي الجساسة.

وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها.

فقيل: إن طولها ستون ذراعاً.

وقيل: إن راسها يبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.

وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً.

وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي  أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

ورابعها مكان خروجها، "سئل النبي  من أين تخرج الدابة؟

فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام.

وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.

وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.

وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات.

ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت ﴿ بآياتنا ﴾ أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا.

وإنما هي خيل مولاه وبلاده.

عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.

وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.

روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر".

وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.

وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.

ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً ﴿ ويوم ﴾ أي واذكر يوم ﴿ نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ ممن يكذب ﴾ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة.

وقد مر معنى قوله ﴿ فهم يوزعون ﴾ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار.

وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.

والواو في قوله ﴿ ولم تحيطوا ﴾ للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب.

ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه.

قال جار الله: ﴿ أمّاذا كنتم تعملون ﴾ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك.

وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله.

وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟

لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل.

قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار.

ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ﴿ ألم يروا ﴾ الآية.

ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟

ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس".

والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.

ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين".

وقوله ﴿ ففزع ﴾ كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة.

وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

وقيل: هم الشهداء.

وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش.

وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ ففزع ﴾ موافقة لقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وفي "الزمر" قال ﴿ فصعق  ﴾ لأن معناه فمات وقد سبق ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون  ﴾ .

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين أذلاء.

وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.

وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.

قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله  أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد.

﴿ وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ قال جار الله ﴿ صنع الله ﴾ من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب.

قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ هو "اذكر" مقدراً، ويكون ﴿ صنع الله ﴾ مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله.

قال القاضي عبد الجبار: في قوله ﴿ أتقن كل شيء ﴾ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه.

وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات.

قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم.

ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ إلى آخر الآيتين.

وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك.

وقيل: المراد فله خير حاصل منها.

وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.

وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً.

ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه.

والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون.

وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين.

وقوله ﴿ هل تجزون ﴾ الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول.

ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب  .

ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله.

وفيه نوع منة عليهم كقوله ﴿ حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم  ﴾ وثانيهما عام وهو قوله ﴿ وله كل شيء ﴾ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه.

ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله  بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار.

ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.

قاله الحسن.

وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا.

﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ولكنه من وراء جزاء العاملين.

التأويل: ﴿ قل سيروا ﴾ في أرض البشرية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿ وما من غائبة ﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ وهو علم الله  أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿ إن ربك يقضي بينهم ﴾ اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا  إلى مقام المحبة.

فاتبعوني يحببكم الله ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق هذا المقام.

﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿ أخرجنا لهم ﴾ من تحت أرض البشرية ﴿ دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل.

﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل.

﴿ ويوم ينفخ ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ ففزع ﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿ إلا من شاء الله ﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب.

وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿ إلا من شاء الله ﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿ وترى ﴾ جبال الأشخاص ﴿ جامدة ﴾ على حالها ﴿ وهي تمر ﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿ مر السحاب ﴾ ﴿ رب هذه البلدة ﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ دون أن يقول "في قلوب الناس" ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا ﴾ : يجمع القادة منهم والأتباع والمتبوعون، فيساقون إلى النار جميعاً؛ كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...

﴾ الآية [الصافات: 22]، وكقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ...

﴾ الآية [الزمر: 71]؛ وكقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ  ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وقد ذكرنا الوزع فيما تقدم وما قيل فيه.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُو ﴾ أي: حتى إذا جاءوا جميعاً واجتمعوا - يعني: الكفار - قال لهم: ﴿ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ ، يحتمل ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ أي: قد أحطتم بها علما أنها آيات، لكن كذبتم وأنكرتم أنها آيات عنادا ومكابرة؛ إذ يجوز أن يتكلم بالنفي على إثبات ضده؛ كقوله: ﴿ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: يعلم بضد ذلك وبخلاف ما تقولون أنتم، وذلك جائز في القرآن كثير.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ لما لم تتفكروا فيها، ولم تنظروا إليها نظر التعظيم والإجلال لكي تعرفوا، وأحطتم بها علما أنها آيات.

وإلا لو كان التأويل على ظاهر ما ذكر لكان لهم عذر في تكذيبها إذا لم يحيطوا بها علما؛ إذ من لم يحط العلم بالشيء فله عذر الرد وترك القبول، لكن يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ : في تكذيب الآيات والأعمال التي عملوها بلا حجة، ولا برهان.

﴿ وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيهِم ﴾ : أي: وجب القول بالعذاب، ووقع ما وعدوا من العذاب بما ظلموا حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ ﴾ أي: لا ينطقون بالحجة مما يكون لهم به عذر.

وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ﴾ : أي في الليل والنهار لآيات لقوم يؤمنون.

ثم الآيات التي ذكر فيهما تكون من وجوه: أحدها: دلالة وحدانيته ودلالة علمه، وتدبيره وحكمته، ودلالة كرمه وجوده، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة القدرة على البعث والإحياء بعدما صاروا رمادا وتراباً.

أما دلالة كرمه وجوده: ما جعل لهم في الليل والنهار منافع تدوم ما داموا هم.

ثم تلك المنافع تكون من وجهين: أحدهما: جعل النهار للتقلب فيه والتصرف لمعاشهم وما به قوام دنياهم، وجعل الليل راحة لهم وسكونا، ولو جعلهما جميعا للتقلب ما قام به معاشهم وما به قوام أنفسهم وأبدانهم أبداً؛ لأنه لا يلتئم ذلك إلا بالراحة، ولو جعلهما جميعاً للراحة لم يقم أمر معاشهم، فمن رحمته وفضله جعل أحدهما للراحة والآخر للتقلب، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ  ﴾ .

والثاني: من النعمة التي ذكر أنه جعل الذي للتقلب إنما جعل ذلك للكل، لا للبعض دون البعض؛ وكذلك الذي هو مجعول للراحة، والقرآن إنما جعله كذلك للكل لا لقوم دون قوم، ولو جعل كذلك لكان لا يقوم أمر معاشهم، ولا ما به يقوم أبدانهم وأنفسهم، ولكن من رحمته وفضله جعل المجعول وقتاً للراحة للكل لا لبعض دون بعض؛ وكذلك المجعول للتقلب؛ ليظفر المشترون بالباعة والباعة بالمشترين؛ ليلتئم أمر معاشهم ودنياهم.

وأما دلالة وحدانيته: ما جعل منافع أحدهما متصلة بالآخر؛ إذ لا يقوم أحدهما إلا بالآخر على اختلاف جوهرهما؛ ليعلم أن مدبرهما ومنشئهما واحد؛ إذ لو كان عددا لكان ما أراد هذه إيصاله منع الآخر، فإن لم يكن ولكن جريا على سنن واحد واتساق واحد؛ دل أنه تدبير واحد لا عدد.

ودلالة علمه وحكمته: أنهما منذ كانا، كانا على ميزان واحد، وعلى تقدير واحد من غير تغير ولا تبدل يقع فيهما؛ دل أن لمنشئهما علما ذاتيّاً وحكمة ذاتية، لا علما مكتسباً مستفاداً كعلم الخلق.

وأما دلالة القدرة والسلطان: لأنهما يقهران الخلق كله من الجبابرة والفراعنة شاءوا أو أبوا، حتى إذا أراد واحد منهم أن يمنع أحدهما أو ينقص من الآخر لم يقدر عليه.

أو إن اجتمعوا جميعاً على دفعهما أو دفع أحدهما دون الآخر لم يقدروا عليه؛ دل أن لمنشئهما قدرة وسلطانا؛ إذ من قدر على إنشاء هذا لا يعجزه شيء.

ودلالة القدرة على البعث: لأنه يتلف أحدهما ويذهب به حتى لا يبقى أثره، ثم يأتي بالآخر على تقدير الأول، فمن قدر على إنشاء هذا بعد ذهاب الآخر بكليته وذهاب أثره لقادر على إنشاء الخلق بعد فنائهم وهلاكهم، وأنه لا يعجزه شيء.

ثم لما جعل هذا ما ذكرنا وخلق ما خلق من المنافع التي ذكرنا لهذا العالم خلق هذا العالم للمحنة يأمرهم وينهاهم، وجعل لهم عاقبة فيها يثاب من أطاعه ويعاقب من عصاه؛ إذ لو لم تكن عاقبة لكان خلقهم عبثاً لا حكمة فيه؛ لأن من بنى بناء للفناء والنقض خاصة لا لعاقبة يتأمل نفعه كان بناؤه عبثاً غير حكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق لا لعاقبة تقصد عبث ليس بحكمة.

والآيات لمن آمن بها وصدق، فأما من لم يؤمن وكذب بها فهي آيات عليهم لا لهم.

وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : اختلف في النفخ ما هو؟

وفي عدده؟

واختلف في الصور أيضاً ما هو؟

وكيف هو؟!

أما الاختلاف في النفخ: فمنهم من يقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفة قيام القيامة على الله؛ أخبر بالنفخ عنها؛ لأنه أخف شيء على الخلق وأهونه، فأخبر به عنها، وهو ما قال: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ  ﴾ شبه أمرها بلمح البصر لما ليس شيء أخف على المرء من لمح البصر؛ فعلى ذلك النفخ عند قيامها لخفته على الخلق.

ومنهم من يقول: ذكر النفخ لسرعة نفاذ الساعة؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا من النفخ، وهو ما قال: إلا صيحة، وإلا رجفة، ذكر ذلك وشبهها بالصيحة والرجفة لسرعة نفاذها، إذ ليس شيء أسرع نفاذا من الصيحة والرجفة، فيقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفتها على الله أو سرعة نفاذها على ما ذكرنا، وهو ما قال: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ ، ليس أنه ينفخ فيه نفخاً، ولكن يجعل كأنه قال: وجعلنا فيه من روحنا.

ومنهم من يقول: هو على حقيقة النفخ؛ فإن كان على هذا فهو أن يمتحن الملك من غير أن يقع له الحاجة إلى ذلك؛ نحو ما امتحن الكرام الكاتبين بكتابة أعمال الخلق وأفعالهم من غير وقوع الحاجة إليه، لكن امتحاناً منه ملائكته بذلك، أو أن يكونوا أحذر؛ إذ هو عالم بما كان وبما يكون كيف يكون؟

ومتى يكون وأي شيء يكون؟

وأما اختلافهم في عدد النفخ: قال قائل: إنه واحد يحتج بقوله: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ .

ومنهم من يقول بالنفختين؛ يحتج بقوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ  تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ  ﴾ ، أخبر أنه يردف الأولى غيرها، ويحتج بقوله أيضاً: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ  ﴾ .

ومنهم من يقول بالنفخات الثلاث يقول: الأولى للفزع، والثانية للصعق على ما ذكرنا في الآية، والثالثة للإحياء.

ومنهم من يقول بالثلاث إلا أنه يجعل ذلك كله بعد الموت: أحدها للفزع في القبور، والثانية للإحياء فيها، والثالثة للإخراج منها والنشر، ويقول هذا القائل بعذاب أهل القبر من النفخة الثانية إلى النفخة الثالثة؛ وعلى ذلك رويت أخبار في ذلك، فإن ثبتت فهو ذاك وإلا نقف فيه.

وأمّا اختلافهم في الصور: قال قائلون: ينفخ في الخلق، والصور جمع صورة؛ قال: الزجاج: لا يحتمل هذا؛ لأن الصور على سكون الواو ليس هو من أفراد الصور ولا من جمعها؛ لأن الفرد هو صورة بالهاء وجمع الصورة صور - بتحريك الواو - على ما ذكر في الآية: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ  ﴾ .

ومنهم من يقول: هو قرن ينفخ فيه كقرن كذا، أو بوق كبوق كذا.

لكنا لا نفسر شيئاً مما ذكر من النفخ والصور أنه كذا، ولا نشير إلى شيء أنه ذا، إلا إن ثبت شيء من التفسير عن رسول الله  فيقال به وليس هو بشيء يوجب العمل به فيتكلف صحته أو سقمه، إنما هو شيء يجب التصديق به، فنقول بالنفخ والصور على ما جاء ولا نفسر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ إنما هو إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]؛ وكقوله -  -: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : هم الشهداء في الأرض؛ وعلى ذلك روي في بعض الحديث أنه قال: "ما أعطي آدمي بعد النبوة أفضل من الشهادة، لا يسمع الشهيد الفزع يوم القيامة إلا كرجل قال لصاحبه: أتسمع، قال: أسمع كتأذين الصلاة" وقال بعضهم: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.

وقال بعضهم: هم الأنبياء والرسل.

لكن لا نقول نحن: إن أهل الثنيا هم كذا ولا نشير إلى أحد؛ لأنا لا نعلم ذلك إلا إن ثبت في ذلك خبر عن رسول الله  فنقول به.

وجائز أن يكون الذين استثناهم عن الذين أخبر عنهم في آخر الآية أنهم يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله، وهو ما قال: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ ﴾ : قرئ بالمد ﴿ أَتَوْهُ ﴾ وتطويله مضموم التاء فيه على مثال (فاعلوه)، وهو جمع (آت)؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً  ﴾ ، و ﴿ أَتَوْهُ ﴾ جمع (أتى) وهو من سيأتون.

وقرأ بعضهم بقصر الألف ونصب التاء على الإتيان: قد أتوه.

وقوله: ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ قيل: صاغرين ذليلين، دخر، أي: ذل.

وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ : قال بعضهم: وهي تمر مر كذا؛ لكثرتها وازدحامها يرنو الناظر إليها ويحسبها كأنها جامدة؛ وكذلك العسكر العظيم يحسب الناظر إليه كأنه ساكن جامد؛ لكثرتهم وازدحامهم؛ فعلى ذلك الجبال.

وقال بعضهم: لا، ولكن لشدة ذلك اليوم وهوله وفزعه على الناس يحسبون كأنها جامدة، ﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ وهو ما ذكر: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]؛ لشدة ذلك اليوم وفزعه.

وقال بعضهم: لا، ولكن الجبال لهول ذلك اليوم وفزعه تمرّ مر السحاب وسيره؛ كقوله: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، وأصله: إنما يذكر هذا وما تقدم من هول ذلك اليوم وشدته على الخلق؛ ليتعظوا وينزجروا.

وقوله: ﴿ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ أَتْقَنَ ﴾ : أحكم وأبرم.

وقال بعضهم: ﴿ أَتْقَنَ ﴾ : أي: أحسن كل شيء.

قال بعض المعتزلة: كيف يكون الكفر حسنا وهو قبيح؛ لأنه شتم رب العالمين، ولا يجوز أن يقال: الله خلق شتم نفسه وأحسن شتم نفسه، أو أحسن كفر الكافر وغير ذلك من الخرافات؟!

فيقال لهم: لا يقول أحد: إنه خلق الكفر وأحسنه أو أحسن شتم نفسه على هذا الإطلاق، من قال ذلك فهو كافر، ولكن يقول: فعل الكفر من الكافر قبيحاً، وخلق فعل المعصية من العاصي قبيحاً، لكنه من حيث خلقه ذلك وجعله حجة عليه حسناً متقناً محكماً، وإن كان ذلك الفعل منه قبيحاً باطلا سفها جورا - أعني: من الكافر - ألا ترى أن من تكلف أن يعرف فعل الكفر منه سفهاً وجوراً كان غير مذموم؛ لأنه يتكلف أن يعرف ما هو سفه في الحقيقة سفها، ويعرف ما هو حق حقا فهو من هذا الوجه عارف بحق وحكمة؛ لأن الحكمة توجب أن يعرف كل شيء على ما هو في نفسه حقيقة؛ فعلى ذلك خلق فعل الكفر من الكافر على الوجه الذي ذكرنا هو حسن متقن محكم، وإن كان من حيث فعل الكافر قبيحاً سفهاً باطلا، وهذا كما نصفه على الإطلاق: أنه رب كل شيء وخالق كل شيء، ولا نقول: يا خالق الأنجاس ويا رب الأقذار ونحوه، إن كان هذا داخلا في الجملة أنه خالقها وربها؛ لأنه على الإطلاق يخرج مخرج المدح له والثناء وعلى التخصيص مخرج الذم له؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله: ﴿ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : على أثر وصف الجبال بما وصف من انتقاضها وإفسادها، وإخراجها عن الصفة التي أنشأها إلى ما ذكر لم يخرج من الإتقان والإحكام والإبرام؛ ليعلم أن ليس في إفساد الشيء خروج عن الإتقان إذا كان ذلك لحكمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ : وعيد لهم.

وقوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ ﴾ : قالوا جميعاً: الحسنة هاهنا: التوحيد والإيمان.

وقوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ : قيل فيه بوجوه: أحدها: من جاء بالتوحيد: توحيد ربه [يوم] البعث فله خير منها، ومجيئه ربه بالتوحيد إذا ختم به فله ما ذكر، شرط المجيء به، ولم يقل: من عمل بالحسنة فله كذا؛ لأن الرجل قد يعمل بالحسنات ثم يفسدها ويبطلها؛ فلا يثاب عليها؛ ليعلم أن ما ينتفع بالحسنات في الآخرة الحسنة التي ختم عليها وجاء بها ربه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ما يعطى في الآخرة له من الثواب، والثواب والجزاء إنما يكون من الحسنة التي كانت منه في الدنيا منها يكون له جميع الخيرات في الآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: الذي أعطي له في الآخرة من الخيرات خير مما ترك في الدنيا من النعم وصبر عليها، فذلك خير مما ترك، كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ  ﴾ كذا.

وقال بعضهم: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: رؤية الرب ولقاؤه خير مما أعطي غيرها من الخيرات، على ما يكون في الدنيا رؤية الملك ولقاؤه على الرعية أعظم وأفضل عندهم من غيره من الكرامات وإن عظمت وجلت.

وقال بعضهم: ذلك الثواب والجزاء في الآخرة خير مما عملوا به من الخيرات في الدنيا؛ لأن الثواب وجوبه الفضل والرحمة لا الاستيجاب والاستحقاق؛ إذ في الحكمة والعقل وجوب العمل، وليس فيهما وجوب الثواب، فما هو سبيله فضل الله خير مما هو غيره.

لكنه عورض بأن ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل خير مما كان سبيل وجوبه الإفضال؛ إذ ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل لا يسع تركه، وما كان [سبيل] وجوبه الإفضال له تركه، لكنه قال: إن قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ ، أي: في طباعكم ووهمكم ذلك الثواب خير من ذلك، لا أنه في الحقيقة خير؛ وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ أي: في طباعكم، وعندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ إذ ليس شيء أهون على الله من شيء، ولكن عندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ أخبر أنهم إذا أتوا ربهم بالتوحيد يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله.

وقوله: ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ أي: بالشرك، ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ ﴾ : المنكب على الوجه: هو الملقى على الوجه، كقوله: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: ما تجزون إلا بأعمالكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ووقع عليهم العذاب بسبب ظلمهم بالكفر بالله وتكذيب آياته، فهم لا يتكلمون للدفاع عن أنفسهم لعجزهم عن ذلك، وبطلان حججهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.1opab"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
الحمد لله