الآية ٨٨ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٨٨ من سورة النمل

وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةًۭ وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) أي : تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه ، وهي تمر مر السحاب ، أي : تزول عن أماكنها ، كما قال تعالى : ( يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا ) [ الطور : 9 ، 10 ] ، وقال ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) [ طه : 105 ، 107 ] ، وقال تعالى : ( ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ) [ الكهف : 47 ] .

وقوله : ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) أي : يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي قد أتقن كل ما خلق ، وأودع فيه من الحكمة ما أودع ، ( إنه خبير بما تفعلون ) أي : هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر فيجازيهم عليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وَتَرَى الْجِبَالَ ) يا محمد ( تَحْسبَهُا ) قائمة (وهي تَمُرُّ ).

كالذي حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ) يقول: قائمة.

وإنما قيل : ( وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ) لأنها تجمع ثم تسير, فيحسب رائيها لكثرتها أنها واقفة, وهي تسير سيرا حثيثا, كما قال الجعدي: بِـأَرْعَنَ مِثْـلَ الطَّـوْدِ تَحْسِـبُ أَنَّهُـمْ وُقُــوفٌ لحِــاجٍ والرّكـابُ تُهَمْلـجُ (3) قوله: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) وأوثق خلقه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) يقول: أحكم كلّ شيء.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) يقول: أحسن كلّ شيء خلقه وأوثقه.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) قال: أوثق كلّ شيء وسوّى.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد: ( أتْقَنَ ) أوثق.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة: ( إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشرّ وطاعة له ومعصية, وهو مجازي جميعهم على جميع ذلك على الخير الخيرَ, وعلى الشرِّ الشرّ نظيره.

------------------------ الهوامش : (1) سقط كلام المؤلف في تأويل الآية رقم 82، ويدل عليه إيراد كلام أهل التأويل فيه.

(2) آتوه: جمع آتى بوزن فاعل.

وأصله آتيوه، نقلت الضمة من الياء لاستثقالها إلى التاء، ثم حذفت الياء، لسكونها وسكون الواو بعدها فصار آتوه على وزن فاعلوه.

ووزنها قبل حذف الياء فاعلوه، وهو الذي أراده المؤلف.

(3) الأرعن: يريد به الجيش العظيم، شبهه بالجبل الضخم ذي الرعان، وهي الفضول، كرعان الجبال.

والرعن الأنف العظيم من الجبل تراه متقدمًا.

وقيل الأرعن: هو المضطرب لكثرته.

والطود: الجبل العظيم والحاج: جمع حاجة، وتهملج: تمشى الهملجة، والهملجة: سير حسن في سرعة، والبيت شاهد على أن الشيء الضخم تراه وهو يتحرك، فتحسبه ساكنًا، مع أنه مسرع في سيره جدًا، وذلك كسير الجيش، وكسير السفينة في البحر، يحسبها الناظر إليها وهي مجدة في سيرها، كأنها واقفة.

وذلك هو شأن الجبال عند القيامة: تراها كأنها جامدة، وهي تسير مسرعة كالسحاب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

[ ص: 224 ] قوله تعالى : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب قال ابن عباس : أي قائمة وهي تسير سيرا حثيثا .

قال القتبي : وذلك أن الجبال تجمع وتسير ، فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير ; وكذلك كل شي عظيم وجمع كثير يقصر عنه النظر ، لكثرته وبعد ما بين أطرافه ، وهو في حسبان الناظر كالواقف وهو يسير .

قال النابغة في وصف جيش :بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملجقال القشيري : وهذا يوم القيامة ; أي هي لكثرتها كأنها جامدة أي واقفة في مرأى العين وإن كانت في أنفسها تسير سير السحاب - والسحاب المتراكم - يظن أنها واقفة وهي تسير ، أي تمر مر السحاب حتى لا يبقى منها شيء ، فقال الله تعالى : وسيرت الجبال فكانت سرابا ويقال : إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها ، وإبراز ما كانت تواريه ، فأول الصفات الاندكاك وذلك قبل الزلزلة ; ثم تصير كالعهن المنفوش ; وذلك إذا صارت السماء كالمهل ، وقد جمع الله بينهما فقال : يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن .

والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن .

والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز ، فإذا نسفت فبإرسال الرياح عليها .

والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها على وجه الأرض فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار ، فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجسادا جامدة ، وهي بالحقيقة مارة ، إلا إن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة .

والحالة السادسة أن تكون سرابا .

فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها كالسراب قال مقاتل : تقع على الأرض فتسوى بها .

ثم قيل هذا مثل ، قال الماوردي : وفيهما ضرب له ثلاثة أقوال :أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال ، وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب ; قاله سهل بن عبد الله .الثاني : أنه مثل ضربه الله للإيمان تحسبه ثابتا في القلب وعمله صاعد إلى السماء .الثالث : أنه مثل ضربه الله للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى العرش .

و ( ترى ) من رؤية العين ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين .

والأصل ترأى فألقيت حركة الهمزة على الراء فتحركت الراء وحذفت الهمزة ، وهذا سبيل تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن ، إلا أن التخفيف لازم ل ( ترى ) .

وأهل الكوفة يقرءون : ( تحسبها ) بفتح السين وهو القياس ; لأنه من : حسب يحسب ، إلا أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافها أنه قرأ بالكسر في المستقبل ، [ ص: 225 ] فتكون على : فعل يفعل ، مثل : نعم ينعم وبئس يبئس .

وحكي : يئس ييئس ، من السالم ، لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف .وهي تمر مر السحاب تقديره : مرا مثل مر السحاب ، فأقيمت الصفة مقام الموصوف والمضاف مقام المضاف إليه ; فالجبال تزال من أماكنها من على وجه الأرض وتجمع وتسير كما تسير السحاب ، ثم تكسر فتعود إلى الأرض كما قال : وبست الجبال بسا صنع الله عند الخليل وسيبويه منصوب على أنه مصدر ; لأنه لما قال عز وجل : وهي تمر مر السحاب دل على أنه قد صنع ذلك صنعا .

ويجوز النصب على الإغراء ; أي انظروا صنع الله .

فيوقف على هذا على ( السحاب ) ولا يوقف عليه على التقدير الأول .

ويجوز رفعه على تقدير : ذلك صنع الله .

الذي أتقن كل شيء أي أحكمه ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : رحم الله من عمل عملا فأتقنه .

وقال قتادة : معناه : أحسن كل شيء .

والإتقان : الإحكام ; يقال : رجل تقن ، أي حاذق بالأشياء وقال الزهري : أصله من ابن تقن ، وهو رجل من عاد لم يكن يسقط له سهم فضرب به المثل ; يقال : أرمى من ابن تقن .

ثم يقال لكل حاذق بالأشياء : تقن .

( إنه خبير بما يفعلون ) والباقون ( تفعلون ) بالتاء على الخطاب قراءة الجمهور وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن هوله أنك { ترى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } لا تفقد [شيئا] منها وتظنها باقية على الحال المعهودة وهي قد بلغت منها الشدائد والأهوال كل مبلغ وقد تفتت ثم تضمحل وتكون هباء منبثا.

ولهذا قال: { وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } من خفتها وشدة ذلك الخوف وذلك { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } فيجازيكم بأعمالكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( وترى الجبال تحسبها جامدة ) قائمة واقفة ، ( وهي تمر مر السحاب ) أي : تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض .

فتستوي بها وذلك أن كل شيء عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر ، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمتها ، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر ، ( صنع الله ) نصب على المصدر ، ( الذي أتقن كل شيء ) أي : أحكم ، ( إنه خبير بما تفعلون ) قرأ ابن كثير ، وأهل البصرة : بالياء والباقون بالتاء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وترى الجبال» تبصرها وقت النفخة «تحسبها» تظنها «جامدة» واقفة مكانها لعظمها «وهي تمر مر السحاب» المطر إذا ضربته الريح أي تسير سيره حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبثوثة ثم تصير كالعهن، ثم تصير هباء منثوراً «صنع الله» مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف فاعله بعد حذف عامله أي صنع الله ذلك صنع «الذي أتقن» أحكم «كل شيء» صنعه «إنه خبير بما يفعلون» بالياء والتاء أي أعداؤه من المعصية وأولياؤه من الطاعة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وترى الجبال تظنها واقفة مستقرة، وهي تسير سيرًا حثيثًا كسير السحاب الذي تسيِّره الرياح، وهذا مِن صنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه وأتقنه.

إن الله خبير بما يفعل عباده من خير وشر، وسيجازيهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب .

.

.

) معطوف على قوله - سبحانه - قبل ذلك : ( يُنفَخُ فِي الصور ) .أى : فى هذا اليوم الهائل الشديد ، يفزع من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ، وترى الجبال الراسيات الشامخات ، ( تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ) أى ثابتة فى أماكنها ، والحال أنها تمر فى الجو مر السحاب ، الذى تسسيره الرياح سيرا حثيثا .وهكذا تصور الآيات الكريمة أهوال ذلك اليوم هذا التصوير البديع المعجز المؤثر ، فالناس جميعا - إلا من شاء الله - فزعون وجلون ، والجبال كذلك كأنها قد أصابها ما أصاب الناس ، حتى لكأنها - وهى تسرع الخطا - .

السحاب فى خفته ومروقه وتناثره ، ثم يعقب - سبحانه - على كل ذلك بقوله ( صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) .ولفظ ( صُنْعَ ) يجوز أن يكون منصوبا على الإغراء أى : انظروا صنع الله - تعالى - الذى أتقن كل شىء فقد أحسن - سبحانه - ما خلقه وأحكمه ، وجعله فى أدق صورة ، وأكمل هيئة ، وصدق الله - تعالى - إذ يقول ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) قال صاحب فتح القدير : وانتصاب " صنع " على المصدرية ، أى : صنع الله ذلك صنعا .

وقيل هو مصدر مؤكد لقوله : ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ) وقيل منصوب على الإغراء .وجملة : ( إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) تعليل لما قبله .

أى : صَنَع الله ما خلقه على هذا الإحكام العجيب ، والإتقان البديع ، لأنه - سبحانه - خبير بما تفعلونه ومطلع على ما تخفونه وما تعلنونه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو العلامة الثالثة لقيام القيامة وهي تسيير الجبال، والوجه في حسبانهم أنها جامدة فلأن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر إليها أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً.

أما قوله: ﴿ صُنْعَ الله ﴾ فهو من المصادر المؤكدة كقوله: ﴿ وَعَدَ الله  ﴾ و ﴿ صِبْغَةَ الله  ﴾ إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ليوم ينفخ، والمعنى أنه لما قدم ذكر هذه الأمور التي لا يقدر عليها سواه جعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب قال القاضي عبد الجبار فيه دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه والجواب: أن الإتقان لا يحصل إلا في المركبات فيمتنع وصف الأعراض بها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ جَامِدَةً ﴾ من جمد في مكانه إذا لم يبرح.

تجمع الجبال فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفه ثابتة في مكان واحد ﴿ وَهِىَ تَمُرُّ ﴾ مرّاً حثيثاً كما يمر السحاب.

وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد: إذا تحرّكت لا تكاد تتبين حركتها، كما قال النابغة في وصف جيش: بِأَرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أَنَّهُمْ ** وُقُوفٌ لِحَاجٍ وَالرِّكَابُ تَهَمْلَجُ ﴿ صُنْعَ الله ﴾ من المصادر المؤكدة، كقوله: ﴿ وَعَدَ الله ﴾ [النساء: 95] .

و ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ [البقرة: 138] إلا أن مؤكده محذوف، وهو الناصب ليوم ينفخ، والمعنى: ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين، ثم قال: صنع الله، يريد به: الإثابة والمعاقبة.

وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب، حيث قال: صنع الله ﴿ الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء ﴾ يعني أن مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب: من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها، وإجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه، فيكافئهم على حسب ذلك.

ثم لخص ذلك بقوله: ﴿ مَن جآءَ بالحسنة ﴾ إلى آخر الآيتين، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغاً واحداً ولأمر مّا أعجز القوي وأخرس الشقاشق.

ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام، جاء كالشاهد بصحته والمنادي على سداده، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ صُنْعَ الله ﴾ ، و ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ [البقرة: 138] ، و ﴿ وَعَدَ الله ﴾ [النساء: 95] و ﴿ فِطْرَةَ الله ﴾ [الروم: 30] : بعدما وسمها بإضافتها إليه بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله: ﴿ الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء ﴾ ، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً ﴾ [البقرة: 138] ﴿ لا يخلف الله الميعاد ﴾ [الزمر: 20] ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ﴾ [الروم: 30] وقرئ: ﴿ تفعلون ﴾ ، على الخطاب.

﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ يريد الإضعاف وأنّ العمل يتقضى والثواب يدوم، وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد.

وقيل: فله خير منها، أي: له خير حاصل من جهتها وهو الجنة، وعن ابن عباس؛ الحسنة كلمة الشهادة.

وقرئ: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ مفتوحاً مع الإضافة؛ لأنه أضيف إلى غير متمكن.

ومنصوباً مع تنوين فزع.

فإن قلت: ما الفرق بين الفزعين؟

قلت: الفزع الأوّل: هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدّة تقع وهول يفجأ، من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به؛ كما يدخل الرجل على الملك بصدر هياب وقلب وجاب وإن كان ساعة إعزاز وتكرمة وإحسان وتولية.

وأمّا الثاني: فالخوف من العذاب.

فإن قلت: فمن قرأ ﴿ مِّن فَزَعٍ ﴾ بالتنوين ما معناه؟

قلت: يحتمل معنيين.

من فزع واحد وهو خوف العقاب، وأمّا ما يلحق الإنسان من التهيب والرعب لما يرى من الأهوال والعظائم، فلا يخلون منه؛ لأن البشرية تقتضي ذلك.

وفي الأخبار والآثار ما يدل عليه.

ومن فزع شديد مفرط الشدّة لا يكتنهه الوصف: وهو خوف النار.

أمن: يعدي بالجار وبنفسه، كقوله تعالى: ﴿ أفأمنوا مَكْرَ الله ﴾ [الأعراف: 99] .

وقيل: السيئة: الإشراك.

يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة، فكأنه قيل: فكبوا في النار، كقوله تعالى: ﴿ فَكُبْكِبُواْ فِيهَا ﴾ [الشعراء: 94] ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذاناً بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكوسين ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ يجوز فيه الالتفات وحكاية ما يقال لهم عند الكب بإضمار القول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ﴾ ثابِتَةً في مَكانِها.

﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴾ في السُّرْعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأجْرامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ في سَمْتٍ واحِدٍ لا تَكادُ تَبِينُ حَرَكَتُها.

﴿ صُنْعَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ وهو لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ كَقَوْلِهِ ﴿ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ .

﴿ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أحْكَمَ خَلْقَهُ وسَوّاهُ عَلى ما يَنْبَغِي.

﴿ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ عالِمٌ بِظَواهِرِ الأفْعالِ وبَواطِنِها فَيُجازِيكم عَلَيْها كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا} بفتح السين شامي وحمزة ويزيد وعاصم وبكسرها غيرهم حال من المخاطب {جَامِدَةً} واقفة ممسكة عن الحركة من جمد في مكانه إذا لم يبرح وَهِىَ تَمُرُّ حال من الضمير المنصوب في تحسبها {مَرَّ السحاب} أي مثل مر السحاب زالمعنى أنك إذا رأيت الجبال وقت النفخة ظننتها ثابتة في مكان واحد لعظمها وهي تسير سيراً سريعاً كالسحاب إذا ضربته الريح وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت لا تكاد تبين حركتها كما قال النابغة في صفة جيش ...

بأرعن مثل الطود يحسب أنهم ...

وقوف لحاج والركاب تهملج ...

صُنْعَ الله مصدر عمل فيه مادل عليه ممر لأن مرورها كمر السحاب من صنع الله فكأنه قيل صنع الله ذلك صنعاً وذكر اسم الله لأنه لم يذكر قبل {الذى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء} أي أحكم خلقه {إِنَّهُ خبير بما تفعلون} مكي بصرى غير سهل وأبو بكر غير يحيى وغيرهم بالتاء أي أنه عالم بما يفعل العباد فيكافئهم على حسب ذلك ثم لخص ذلك بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وتَرى الجِبالَ ﴾ عَطْفٌ عَلى يُنْفَخُ داخِلٌ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ وتَرى مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَحْسَبُها جامِدَةً ﴾ أيْ ثابِتَةً في أماكِنِها لا تَتَحَرَّكُ حالٌ مِن فاعِلِ تَرى أوْ مِن مَفْعُولِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن سابِقِهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجِبالِ في تَحْسَبُها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِها في ”جامِدَةً“ ومَنَعَهُ أبُو البَقاءِ لِاسْتِلْزامِهِ أنْ تَكُونَ جامِدَةً ومارَّةً في وقْتٍ واحِدٍ أيْ وتَرى الجِبالَ رَأْيَ العَيْنِ ساكِنَةً والحالُ أنَّها تَمُرُّ في الجَوِّ مَرَّ السَّحابِ الَّتِي تُسَيِّرُها الرِّياحُ سَيْرًا حَثِيثًا، وذَلِكَ أنَّ الأجْرامَ المُجْتَمِعَةَ المُتَكاثِرَةَ العَدَدِ عَلى وجْهِ الِالتِصاقِ إذا تَحَرَّكَتْ نَحْوَ سَمْتٍ لا تَكادُ تُبَيِّنُ حَرَكَتَها، وعَلَيْهِ قَوْلُ النّابِغَةِ الجَعْدِيِّ في وصْفِ جَيْشٍ: بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍّ والرُّكّابُ تُهَمْلِجُ وقِيلَ: شَبَّهَ مَرَّها بِمَرِّ السَّحابِ في كَوْنِها تَسِيرُ سَيْرًا وسَطًا كَما قالَ الأعْشى: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرَّ السَّحائِبِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلُ والمَشْهُورُ في وجْهِ الشَّبَهِ السُّرْعَةُ وإنَّ مَنشَأ الحُسْبانِ المَذْكُورِ ما سَمِعْتَ، وقِيلَ: إنَّ حُسْبانَ الرّائِي إيّاها جامِدَةً مَعَ مُرُورِها لِهَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ ذِهْنٍ في الفِكْرِ في ذَلِكَ حَتّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُها جامِدَةً ولَيْسَ بِذاكَ وقَدْ أدْمَجَ في التَّشْبِيهِ المَذْكُورِ تَشْبِيهَ حالِ الجِبالِ بِحالِ السَّحابِ في تَخَلْخُلِ الأجْزاءِ وانْتِفاشِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ ﴾ واخْتُلِفَ في وقْتِ هَذا، فَفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ مِمّا يَقَعُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ كالفَزَعِ المَذْكُورِ عِنْدَ حَشْرِ الخَلْقِ يُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرْضِ ويُغَيِّرُ هَيْئَتَها ويُسَيِّرُ الجِبالَ عَنْ مَقارِّها عَلى ما ذَكَرَ مِنَ الهَيْئَةِ الهائِلَةِ يُشاهِدُها أهْلُ المَحْشَرِ وهي وإنِ انْدَكَّتْ وتَصَدَّعَتْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى لَكِنَّ تَسْيِيرَها وتَسْوِيَةَ الأرْضِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا ﴾ ﴿ فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا ﴾ ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ فَإنَّ اتِّباعَ الدّاعِي الَّذِي هو إسْرافِيلُ وبُرُوزَ الخَلْقِ لِلَّهِ تَعالى لا يَكُونانِ إلّا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وقَدْ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهُمْ ﴾ : إنَّ صِيغَةَ الماضِي في المَعْطُوفِ مَعَ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُسْتَقْبَلًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَقَدُّمِ الحَشْرِ عَلى التَّسْيِيرِ والرُّؤْيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: وحَشَرْناهم قَبْلَ ذَلِكَ اهـ.

وقالَ بَعْضُهم إنَّهُ مِمّا يَقَعُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى وذَلِكَ أنَّهُ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ ثُمَّ تَنْفَصِلُ الجِبالُ عَنِ الأرْضِ وتَسِيرُ في الجَوِّ ثُمَّ تَسْقُطُ فَتَصِيرُ كَثِيبًا مَهِيلًا ثُمَّ هَباءً مُنْبَثًّا، ويُرْشِدُ إلى أنَّ هَذِهِ الصَّيْرُورَةَ مِمّا لا يَتَرَتَّبُ عَلى الرَّجْفَةِ ولا تَعْقُبُها بِلا مُهْلَةٍ العَطْفُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴾ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهُمْ ﴾ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ كَما مَرَّ آنِفًا واليَوْمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ اسْمًا لِلْحِينِ الواسِعِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ ما يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى مِنَ النَّسْفِ والتَّبْدِيلِ وما يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مِنِ اتِّباعِ الدّاعِي والبُرُوزِ لِلَّهِ تَعالى الواحِدِ القَهّارِ، وقَدْ حُمِلَ اليَوْمُ عَلى ما يَسَعُ ما يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَتَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ ﴿ وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ وهَذا كَما تَقُولُ جِئْتُهُ عامَ كَذا وإنَّما مَجِيئُكَ في وقْتٍ مِن أوْقاتِهِ وقَدْ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ تَبْدِيلَ الأرْضِ كالبُرُوزِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ ««قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ ﴾ فَأيْنَ يَكُونُ النّاسُ؟

قالَ عَلى الصِّراطِ»» وجاءَ في غَيْرِ خَبَرٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى، وجَمَعَ صاحِبُ الإفْصاحِ بَيْنَ الأخْبارِ بِأنَّ التَّبْدِيلَ يَقَعُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً قَبْلَ النَّفْخَةِ الأُولى وأُخْرى بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وحَكى في البَحْرِ أنَّ أوَّلَ الصِّفاتِ ارْتِجاجُها ثُمَّ صَيْرُورَتُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ ثُمَّ كالهَباءِ بِأنْ تَتَقَطَّعَ بَعْدَ أنْ كانَتْ كالعِهْنِ ثُمَّ نَسْفُها بِإرْسالِ الرِّياحِ عَلَيْها ثُمَّ تَطْيِيرُها بِالرِّيحِ في الجَوِّ كَأنَّها غُبارٌ ثُمَّ كَوْنُها سَرابًا، وهَذا كُلُّهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ السَّفارِينِيِّ قَبْلَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ومَن تَتَبَّعَ الأخْبارَ وجَدَها ظاهِرَةً في ذَلِكَ، والآيَةُ هُنا تَحْتَمِلُ كَوْنَ الرُّؤْيَةِ المَذْكُورَةِ فِيها قَبْلَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وكَوْنَها قَبْلَها فَتَأمَّلْ ﴿ صُنْعَ اللَّهِ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهي جُمْلَةُ الحالِ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ ذَلِكَ مِن صُنْعِهِ تَعالى فَكَأنَّهُ قِيلَ: صَنَعَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ صُنْعًا وهَذا نَحْوٌ لَهُ عَلَيَّ ألْفٌ عُرْفًا ويُسَمّى في اصْطِلاحِهِمُ المُؤَكِّدُ لِنَفْسِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ وأبُو البَقاءِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَمِيعًا قُصِدَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ تِلْكَ الأفاعِيلِ وتَهْوِيلِ أمْرِها والإيذانُ بِأنَّها لَيْسَتْ بِطَرِيقِ إخْلالِ نِظامِ العالَمِ وإفْسادِ أحْوالِ الكائِناتِ بِالكُلِّيَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ حِكْمَةٌ بَلْ هي مِن قَبِيلِ بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى المَبْنِيَّةِ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْغاياتِ الجَمِيلَةِ الَّتِي لِأجْلِها رُتِّبَتْ مُقَدِّماتُ الخَلْقِ ومَبادِئُ الإبْداعِ عَلى الوَجْهِ المَتِينِ والنَّهْجِ الرَّصِينِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ أتْقَنَ خَلْقَهُ وسَوّاهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ اهـ، وحُسْنُهُ ظاهِرٌ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ وهو النّاصِبُ لِـ يَوْمَ يُنْفَخُ والمَعْنى ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَكانَ كَيْتٌ وكَيْتٌ أثابَ اللَّهُ تَعالى المُحْسِنِينَ وعاقَبَ المُجْرِمِينَ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ ﴾ يُرِيدُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ الإثابَةَ والمُعاقَبَةَ إلى آخِرِ ما قالَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَرَضَ اليَوْمَ مُمْتَدًّا شامِلًا لِزَمانِ النَّفْخَتَيْنِ وما بَعْدَهُما وجَعَلَ المَصْدَرَ مُؤَكِّدًا لِهَذا المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: مَن جاءَ ومَن جاءَ وبِاسْتِدْعاءِ يَوْمِ يُنْفَخُ ناصِبًا وفَرَّعَ عَلَيْهِ ما فَرَّعَ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لا يَجُوزُ حَذْفُ جُمْلَتِهِ لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مِن لَفْظِهِ فَيَجْتَمِعُ حَذْفُ الفِعْلِ النّاصِبِ وحَذْفُ الجُمْلَةِ الَّتِي أكَّدَ مَضْمُونَها بِالمَصْدَرِ وذَلِكَ حَذْفُ كَثِيرٌ مُخِلٌّ ومَن تَتَبَّعَ مَساقَ هَذِهِ المَصادِرِ الَّتِي تُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ وجَدَ الجُمَلَ مُصَرَّحًا بِها لَمْ يُرِدِ الحَذْفَ في شَيْءٍ مِنها إذِ الأصْلُ أنْ لا يُحْذَفَ المُؤَكِّدَ إذِ الحَذْفُ يُنافِي التَّأْكِيدَ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ أكَّدَ مُعْتَنى بِهِ ومِن حَيْثُ حَذَفَ غَيْرَ مُعْتَنى بِهِ، وكَأنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلى العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ عَلى ما قِيلَ إنَّ الصُّنْعَ المُتْقَنَ لا يُناسِبُ تَسْيِيرَ الجِبالِ ظاهِرًا وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى طَرَفِ الثُّمامِ نَعَمِ الأحْسَنُ جَعْلُهُ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ ما ذُكِرَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّورِ وما بَعْدَهُ وجِيءَ بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ تِلْكَ الأفاعِيلِ عَلى ما سَمِعْتُهُ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ.

وقِيلَ هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ بِمَعْنى انْظُرُوا صُنْعَ اللَّهِ وهو كَما تَرى.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ إطْلاقِ الصّانِعِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ وُرُودَ الفِعْلِ كافٍ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى الجَوازِ المَذْكُورِ بِالخَبَرِ الصَّحِيحِ ««إنَّ اللَّهَ صانِعُ كُلَّ صانِعٍ وصَنْعَتَهُ»» وتُعُقِّبَ بِأنَّ الشَّرْطَ أنْ لا يَكُونَ الوارِدُ عَلى جِهَةِ المُقابَلَةِ نَحْوَ ﴿ أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ ﴾ خِلافًا لِلْحَلِيمِيِّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ يُسْتَحَبُّ لِمَن ألْقى بَذْرًا في أرْضٍ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى الزّارِعَ والمُنْبِتَ والمُبَلِّغَ، وما في هَذا الحَدِيثِ مِن هَذا القَبِيلِ وأيْضًا ما في الخَبَرِ بِالإضافَةِ فَلا يَدُلُّ عَلى جَوازِ الخالِي عَنْها ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «يا صاحِبَ كُلِّ نَجْوى أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ».

لَمْ يَأْخُذُوا مِنهُ أنَّ الصّاحِبَ مِن غَيْرِ قَيْدٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى فَكَذا هو لا يُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ الصّانِعَ مِن غَيْرِ قَيْدٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى فَتَأمَّلْهُ، ونَحْوَ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِخَبَرِ مُسْلِمٍ ««لِيَعْزِمْ في الدُّعاءِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى صانِعُ ما شاءَ لا مُكْرَهُ لَهُ»».

فَإنَّ ما فِيهِ مِن قَبِيلِ المُضافِ أوِ المُقَيَّدِ والأوْلى الِاسْتِدْلالُ بِما صَحَّ في حَدِيثِ الطَّبَرانِيِّ والحاكِمِ ««اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى فاتِحٌ لَكم وصانِعٌ»» ولا فَرْقَ بَيْنَ المُعَرَّفِ والمُنَكَّرِ عِنْدَ الفُقَهاءِ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُنْكَّرِ لا يُغَيِّرُ مَعْناهُ ولِذا يُجَوِّزُونَ في تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ: اللَّهُ الأكْبَرُ.

واسْتَدَلَّ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عَلى أنَّ قَبائِحَ العَبْدِ لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ سُبْحانَهُ وإلّا وجَبَ وصْفُها بِأنَّها مُتْقَنَةٌ والإجْماعُ مانِعٌ مِنهُ وأُجِيبَ بِأنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِغَيْرِ الأعْراضِ لِأنَّ الإتْقانَ بِمَعْنى الإحْكامِ وهو مِن أوْصافِ المَرْكَباتِ ولَوْ سَلَّمَ فَوَصَفَ كُلَّ الأعْراضِ بِهِ مَمْنُوعٌ فَما مِن عامٍّ إلّا وقَدْ خُصَّ ولَوْ سُلِّمَ فالإجْماعُ المَذْكُورُ مَمْنُوعٌ بَلْ هي مُتْقَنَةٌ أيْضًا بِمَعْنى أنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْها ﴿ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ جَعَلَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَعْلِيلًا لِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِنَ النَّفْخِ في الصُّورِ وما بَعْدَهُ صُنْعًا مُحْكِمًا لَهُ تَعالى بِبَيانِ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى بِظَواهِرِ أفْعالِ المُكَلَّفِينَ وبَواطِنَها مِمّا يَسْتَدْعِي إظْهارَها وبَيانَ كَيْفِيّاتِها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ والسُّوءِ وتَرْتِيبِ أخْيَرِيَّتِها عَلَيْها بَعْدَ بَعْثِهِمْ وحَشْرِهِمْ وتَسْيِيرِ الجِبالِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال عز وجل: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي: واذكر يوم ينفخ إسرافيل  فى الصور فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي: من شدة الصوت والفزع.

ويقال: ماتوا.

وقال بعضهم: النفخ ثلاثة: أحدها: الفزع وهو قوله: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ ونفخة أخرى للموت.

وهو قوله: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ [الزمر: 68] ونفخة للبعث وهي قوله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: 68] وقال بعضهم: إنما هما نفختان: فالفزع والصعق كناية عن الهلاك، ثم نفخة للبعث ثم قال: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال بعضهم: يعني أرواح الشهداء وهي أحياء عند ربهم.

وقال بعضهم: يعني من في الجنة ومن في النار من الخدم والخزنة.

وقال بعضهم: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم يموتون بعد ذلك وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ.

روى سفيان بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ بغير مد ونصب التاء، وهي قراء حمزة وعاصم في رواية حفص.

وقرأ الباقون بالمد والضم.

ومن قرأ بالمد والضم، فمعناه: كل حاضروه داخِرِينَ أي: صاغرين.

ويقال: متواضعين.

ومن قرأ بغير مد يعني: يأتون الله عز وجل.

وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً يعني: تحسبها واقفة مكانها ويقال: مستقرة وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حتى تقع على الأرض فتستوي، يعني: في أعين الناظرين كأنها واقفة.

قال القتبي: وكذلك كل عسكر غض به الفضاء أو شيء عظيم، فينظر الناظر، فيرى أنها واقفة وهي تسير.

ثم قال عز وجل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ يعني: أحكم خلق كل شيء.

ويقال: الشيء المتقن: أن يكون وثيقاً ثابتاً، فما كان من صنع غيره يكون واهياً، ولا يكون متقناً ثم قال: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ أي: عليم بما فعلتم.

قوله عز وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني: بالإيمان والتوحيد، وهو: كلمة الإخلاص وشهادة أن لا إله إلا الله فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها على وجه التقديم، وله منها خير أي: حين ينال بها الثواب والجنة.

ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها.

أي: خير من الحسنة.

يعني: أكثر منها للواحد عشرة.

ويقال: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها من الحسنة، وهي الجنة، لأن الجنة هي عطاؤه وفضله، والعمل هو اكتساب العبد، فما كان من فضله وعطائه، فهو أفضل، وهذا تفسير المعتزلة، والأول قول المفسرين.

ثمّ قال: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ يعني: من فزع يوم القيامة آمِنُونَ.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر مِنْ فَزَعٍ بغير تنوين، وَيَوْمَئِذٍ بكسر الميم، وقرأ نافع في رواية ورش مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بغير تنوين ونصب الميم وقرأ الباقون بالتنوين، ونصب الميم.

قال أبو عبيد: وبالإضافة نقرأ، لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: فَزَعٍ بالتنوين، صار كأنه قال: فزع دون فزع.

وقال غيره: إنما أراد به الفزع الأكبر، لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ بالياء على معنى الإخبار عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني: بالشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يعني: قلبت وُجُوهُهُمْ فِى النار ويقال: يكبون على وجوههم، ويجرون إلى النار، وتقول لهم خزنة النار: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الشرك ويقال: فَكُبَّتْ أي: ألقيت وطرحت.

قال عز وجل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي: قل يا محمد لأهل مكة: أمرني الله تعالى أن أستقيم على عبادة رب هذه البلدة.

يعني: مكة الذي حرمها بدعاء إبراهيم  وحرم فيها القتل والصيد.

قال بعضهم: كان حراماً أبداً.

قال بعضهم: وهو أصح إن إبراهيم لما دعا، فجعلها الله حراماً بدعوته.

وقد روي عن النبي  أنه قال: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْهَا» .

ثم روي: أنه قد رخص في المدينة.

ثم قال تعالى: وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ يعني: له ملك كل شيء، وخلق كل شيء، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أي: من المخلصين وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ يعني: أمرت أن أقرأ القرآن عَلَيْكُمْ يا أهل مكة فَمَنِ اهْتَدى يعني: آمن بالقرآن فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني: يؤمن لنفسه ويثاب عليها الجنة وَمَنْ ضَلَّ يعني: ولم يوحد، ولم يؤمن بالقرآن وبمحمد  فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي: من المخوفين ومن المرسلين، فليس عليَّ إلا تبليغ الرسالة وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ يعني: الشكر لله على ما هداني سَيُرِيكُمْ أيها المشركون آياته.

يعني: العذاب في الدنيا فَتَعْرِفُونَها أنها حق، وذلك أنه أخبرهم بالعذاب، فكذبوه فأخبرهم أنهم يعرفونها أنها حق، وذلك إذا نزل بهم، وهو القحط والقتل.

ويقال: هو فتح مكة وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فهذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم.

وقال الزجاج في قوله: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: سيريكم الله آياته في جميع ما خلق، وفي أنفسكم.

قرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في إحدى الروايتين عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر عنهم، والله أعلم بالصواب- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وإذا كان الفزعُ الأَكْبَرُ لاَ ينالهُم فَهُمْ حَرِيُّونَ أن لا ينالَهم هَذا.

وقرأ حمزة «٢» : «وَكُلُّ أَتَوْهُ» على صيغة الفعل الماضي، والدَّاخِرُ: المُتَذَلِّلُ الخاضِعُ، قال ابن عباس وابن زيد: الداخرُ: الصاغرُ، وقد تظاهرَتِ الرواياتُ بأنَّ الاستثناءَ فِي هذِه الآيةِ إنما أريد به الشهداءُ: لأنهم أحياءٌ عند ربهم يُرْزَقُونَ، وهم أهلٌ للفزعِ لأنَّهُمْ بشر لكن فُضِّلُوا بالأمن في ذلك اليوم.

ت: واختار الحليميُّ هذا القولَ قال: - وهو مروي عن ابن عباس-: إن المستَثْنَى هم الشهداء.

وضعَّفَ ما عداه من الأقوال، قال القرطبي «٣» ، في «تذكرته» : وَقَدْ وَرَدَ في حديث أبي هريرة بِأَنَّهُمُ الشهداء وهو حديث صحيح «٤» ، انتهى.

وقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ...

الآية، هذا وصفُ حالِ الأشياءِ يومَ القيامةِ عَقِبَ النَّفْخِ في الصُّورِ، والرؤية: هي بالعَيْن، قال ابن عباس: جامدةً «٥» :

قائمةً، والحَسَنَةُ الإيمانُ، وقال ابن عباس وغيره: هي «لا إله إلا الله» «٦» ورُوِيَ عَنْ علي بن الحسين أنه قال: كُنْتُ في بعض خَلَواتِي فَرفَعْتُ صَوْتي: ب «لا إله إلا الله» فسمعتُ قائلاً يقول: إنها الكلمةُ التي قال الله فيها: «من جاء بالحسنة فله خير منها» «٧» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ النَّفْخَةُ الأُولى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ \[قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: فَيَفْزَعُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ\]، والمُرادُ أنَّهم ماتُوا، بَلَغَ بِهِمُ الفَزَعُ إلى المَوْتِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُمِيتُهم بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وكَذَلِكَ مَن في النّارِ، لِأنَّهم خُلِقُوا لِلْبَقاءِ، ذَكَرَهُ أبُو إسْحاقَ بْنَ شاقِلا مِن أصْحابِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلٌّ ﴾ أيْ: مِنَ الأحْياءِ الَّذِينَ ماتُوا ثُمَّ أُحْيَوْا ﴿ آتَوْهُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ أتَوْهُ ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ مَقْصُورَةً، أيْ: يَأْتُونَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ داخِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: صاغِرِينَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " كُلٌّ " لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ يَقَعُ عَلى الجَمِيعِ، فَهَذِهِ الآَيَةُ في مَوْضِعِ جَمْعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الجِبالَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا يَكُونُ إذا نُفِخَ في الصُّورِ، تُجْمَعُ الجِبالُ وتُسَيَّرُ، فَهي لِكَثْرَتِها تُحْسَبُ ﴿ جامِدَةً ﴾ أيْ: واقِفَةً ﴿ وَهِيَ تَمُرُّ ﴾ أيْ: تَسِيرُ سَيْرَ السَّحابِ، وكَذَلِكَ كَلُّ جَيْشٍ عَظِيمٍ يَحْسَبُهُ النّاظِرُ مِن بَعِيدٍ واقِفًا وهو يَسِيرُ، لِكَثْرَتِهِ، قالَ الجَعْدِيُّ يَصِفُ جَيْشًا: بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ﴾ دَلِيلٌ عَلى الصَّنْعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ذَلِكَ صُنْعُ اللَّهِ.

فَأمّا الإتْقانُ، فَهو في اللُّغَةِ: إحْكامٌ الشَّيْءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " يَفْعَلُونَ " بِالياءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ في آَخِرِ (الأنْعامِ: ١٦٠) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَلَهُ خَيْرٌ مِنها يَصِلُ إلَيْهِ، وهو الثَّوابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: فَلَهُ أفْضَلُ مِنها، لِأنَّهُ يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَيُعْطى عَشْرَ أمْثالِها قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ " مُضافًا.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " مِن فَزَعٍ " بِالتَّنْوِينِ " يَوْمَئِذٍ " بِفَتْحِ المِيمِ.

وقالَ الفَرّاءُ: الإضافَةُ أعْجَبُ إلَيَّ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ فَزَعٌ مَعْلُومٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ  ﴾ فَصَيَّرَهُ مَعْرِفَةً، فَإذا أضَفْتَ مَكانَ المَعْرِفَةِ كانَ أحَبَّ إلَيَّ.

واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ قِراءَةَ التَّنْوِينِ وقالَ: هي أعَمُّ التَّأْوِيلَيْنِ، فَيَكُونُ الأمْنُ مِن جَمِيعِ فَزَعِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إذا نَوَّنَ جازَ أنْ يُعْنى بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وجازَ أنْ يُعْنى بِهِ الكَثْرَةُ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصادِرُ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةَ الألْفاظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ  ﴾ ، وكَذَلِكَ إذا أُضِيفَ جازَ أنْ يُعْنى بِهِ فَزَعٌ واحِدٌ، وجازَ أنْ يُعْنى بِهِ الكَثْرَةُ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ، القِراءَتانِ سَواءٌ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الكَثْرَةَ، فَهو شامِلٌ لِكُلِّ فَزَعٍ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الواحِدَ، فَهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: إذا أطْبَقَتِ النّارُ عَلى أهْلِها فَزِعُوا فَزْعَةً لَمْ يَفْزَعُوا مِثْلها، وأهْلُ الجَنَّةِ آَمِنُونَ مِن ذَلِكَ الفَزَعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هي الشِّرْكُ ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ يُقالُ: كَبَّبْتُ الرَّجُلَ: إذا ألْقَيْتُهُ لِوَجْهِهِ؛ وتَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مَن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ ﴾ ﴿ وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ هَذا وصْفُ حالِ الأشْياءِ يَوْمَ القِيامَةِ عَقِبَ النَفْخِ في الصُوَرِ، والرُؤْيَةُ هي بِالعَيْنِ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ في أوَّلِ الأمْرِ تَسِيرُ وتَمُوجُ، وأمْرُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِنَسْفِها ونَفْشِها خِلالَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمْ تَصِيرُ في آخِرِ الأمْرِ هَباءً مُنْبَثًّا.

و"الجُمُودُ": التَصامُّ في الجَوْهَرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جامِدَةً": قائِمَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِأرْعَنَ مِثْلَ الطَوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرُكّابُ تُهَمْلِجُ و ﴿ صُنْعَ اللهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مَن لَفْظِهِ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، بِمَعْنى: انْظُرُوا صُنْعَ اللهِ، و"الإتْقانُ": الإحْسانُ في المَعْمُولاتِ، وأنْ تَكُونَ حِسانًا وثِيقَةَ القُوَّةِ.

وقَرَأ أُبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.

و"الحَسَنَةُ": الإيمانُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في بَعْضِ خَلَواتِي، فَرَفَعْتُ صَوْتِي بِـ "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، فَسَمِعْتُ قائِلًا يَقُولُ: إنَّها الكَلِمَةُ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِنها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "مِنها" حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها أوِ اسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِفَوْقِ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرَةَ، والداعِيَةُ إلى هَذا التَقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَوابِ تَفْضِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَيْرٌ" لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، بَلِ اسْمٌ لِلثَّوابِ والنِعْمَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِنها" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: هَذا الجَزاءُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ هو مِن حَسَنَتِهِ وبِسَبَبِها، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللهَ، وإنَّما لَهُ الخَيْرُ مِنها،.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "مَن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ" بِالإضافَةِ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في فَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها مِن "يَوْمَئِذٍ"، فَقَرَأ أكْثَرَهم بِفَتْحِ المِيمِ عَلى بِناءِ الظَرْفِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى إعْمالِ الإضافَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الظُرُوفَ إذا أُضِيفَتْ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ جازَ بِناؤُها وإعْمالُ الإضافَةِ فِيها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ فَإنَّهُ يُرْوى: "عَلى حِينَ" بِفَتْحِ النُونِ، و"عَلى حِينٍ" بِكَسْرِها، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَن فَزِعٍ" بِالتَنْوِينِ وتَرْكِ الإضافَةِ، ولا يَجُوزُ -مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ- إلّا فَتْحَ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ".

و"السَيِّئَةُ" الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النارِ، و"كَبْتَ" مَعْناهُ: تَلَتْ في النارِ، وجاءَ هَذا كَبّا مِن حَيْثُ خَلْقُها في الدُنْيا يُعْطِي ارْتِفاعَها، وإذا كُبَّتِ الوُجُوهُ فَسائِرُ البَدَنِ أدْخَلُ في النارِ؛ إذِ الوَجْهُ مَوْضِعُ الشَرَفِ والحَواسِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ بِمَعْنى: فَقالَ لَهم ذَلِكَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ بِمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إنَّما أُمِرْتُ، و"البَلْدَةُ المُشارُ إلَيْها مَكَّةُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الَّذِي حَرَّمَها"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّتِي حَرَمَّها"، وأضافَ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- التَحْرِيمَ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وأضافَ النَبِيُّ  ذَلِكَ إلى إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ» مِن حَيْثُ كانَ ظاهِرُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ، فَلَيْسَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ تَعارُضٌ.

وفي قَوْلِهِ: "حَرَّمَها" تَعْدِيدُ نِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ في رَفْعِ اللهِ تَعالى عن بَلَدِهِمُ الغاراتِ والفِتَنِ الشائِعَةِ في جَمِيعِ بِلادِ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أتْلُوَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: " أنْ أكُونَ "، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَأنِ اتْلُ القُرْآنَ" بِمَعْنى: وأنْ قِيلَ لِي: اتْلُ القُرْآنَ، و"اتْلُ" مَعْناهُ: تابِعْ بِقِراءَتِكَ بَيْنَ آياتِهِ واسْرُدْ.

وتِلاوَةُ القُرْآنِ سَبَبُ الِاهْتِداءِ إلى كُلِّ خَيْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اهْتَدى ﴾ مَعْناهُ: مَن تَكَسَّبَ الهُدى والإيمانَ ونَظَرَ نَظَرًا يُنْجِيهِ فَلِنَفْسِهِ سَعْيُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَنِسْبَةُ الهُدى والضَلالِ إلى البَشَرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي بِالتَكَسُّبِ والحِرْصِ والحالِ الَّتِي عَلَيْها يَقَعُ الثَوابُ والعِقابُ، والكُلُّ أيْضًا مِنَ اللهِ تَعالى بِالِاخْتِراعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا كَبَدْرٍ والفَتْحِ ونَحْوَهُ، وبِعَذابِ الآخِرَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عَمّا يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصُ عن عاصِمْ: "عَمّا تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَتِهِمْ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الذي قاله جمهور المفسرين: إن الآية حكت حادثاً يحصل يوم ينفخ في الصور فجعلوا قوله ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة ﴾ عطفاً على ﴿ ينفخ في الصور ﴾ [النمل: 87] أي ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة الخ..

وجعلوا الرؤية بصرية، ومرّ السحاب تشبيهاً لتنقلها بمرّ السحاب في السرعة، وجعلوا اختيار التشبيه بمرور السحاب مقصوداً منه إدماج تشبيه حال الجبال حين ذلك المرور بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها فيكون من معنى قوله ﴿ وتكون الجبال كالعهن المنفوش ﴾ [القارعة: 5]، وجعلوا الخطاب في قوله ﴿ ترى ﴾ لغير معين ليعم كل من يرى، وجعلوا معنى هذه الآية في معنى قوله تعالى ﴿ ويوم نسير الجبال ﴾ [الكهف: 47].

فلما أشكل أن هذه الأحوال تكون قبل يوم الحشر لأن الآيات التي ورد فيها ذكر دك الجبال ونسفها تشير إلى أن ذلك في انتهاء الدنيا عند القارعة وهي النفخة الأولى أو قبيلها، فأجابوا بأنها تندك حينئذ ثم تسير يوم الحشر لقوله ﴿ فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ إلى أن قال ﴿ يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ﴾ [طه: 105 108] لأن الداعي هو إسرافيل (وفيه أن للاتباع أحوالاً كثيرة، وللداعي معاني أيضاً).

وقال بعض المفسرين: هذا مما يكون عند النفخة الأولى وكذلك جميع الآيات التي ذكر فيها نسف الجبال ودكها وبسها.

وكأنهم لم يجعلوا عطف ﴿ وترى الجبال ﴾ على ﴿ ينفخ في الصور ﴾ [النمل: 87] حتى يتسلط عليه عمل لفظ (يوم) بل يجعلوه من عطف الجملة على الجملة، والواو لا تقتضي ترتيب المعطوف بها مع المعطوف عليه، فهو عطف عبرة على عبرة وإن كانت المذكورة أولى حاصلة ثانياً.

وجعل كلا الفريقين قوله ﴿ صنع الله ﴾ الخ مراداً به تهويل قدرة الله تعالى وأن النفخ في الصور وتسيير الجبال من عجيب قدرته، فكأنهم تأولوا الصنع بمعنى مطلق الفعل من غير التزام ما في مادة صنع من معنى التركيب والإيجاد، فإن الإتقان إجادة، والهدم لا يحتاج إلى إتقان.

وقال الماوردي: قيل هذا مثل ضربه الله، أي وليس بخبر.

وفيما ضرب فيه المثل ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه مثل للدنيا يظن الناظر إليها أنها ثابتة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب، قاله سهل بن عبد الله التستري.

الثاني: أنه مثل للإيمان تحسبه ثابتاً في القلب، وعمله صاعد إلى السماء.

الثالث: إنه مثل للنفس عند خروج الروح، والروح تسير إلى العرش.

وكأنهم أرادوا بالتمثيل التشبيه والاستعارة.

ولا يخفى على الناقد البصير بعد هذه التأويلات الثلاثة لأنه إن كان ﴿ الجبال ﴾ مشبهاً بها فهذه الحالة غير ثابتة لها حتى تكون هي وجه الشبه وإن كان لفظ ﴿ الجبال ﴾ مستعاراً لشيء وكان مر السحاب كذلك كان المستعار له غير مصرح به ولا ضمنياً.

وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها بسير السحاب، ولا توجيه التذليل بقوله تعالى ﴿ صنع الله الذي أتقن كل شيء ﴾ فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق، ومعنى بالتأمل خليق، فوضعها أنها وقعت موقع الجملة المعترضة بين المجمل وبيانه من قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض ﴾ إلى قوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون ﴾ [النمل: 87 89] بأن يكون من تخلل دليل على دقيق صنع الله تعالى في أثناء الإنذار والوعيد إدماجاً وجمعاً بين استدعاء للنظر، وبين الزواجر والنذر، كما صنع في جملة ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ﴾ [النمل: 86] الآية.

أو هي معطوفة على جملة ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ﴾ [النمل: 86] الآية، وجملة ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ [النمل: 87] معترضة بينهما لمناسبة ما في الجملة المعطوف عليها من الإيماء إلى تمثيل الحياة بعد الموت، ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في هذا الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة.

وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزة للبلغاء من جانبه النظمي كما قدمناه في الجهة الثانية من المقدمة العاشرة.

فإن الناس كانوا يحسبون أن الشمس تدور حول الأرض فينشأ من دورانها نظام الليل والنهار، ويحسبون الأرض ساكنة.

واهتدى بعض علماء اليونان إلى أن الأرض هي التي تدور حول الشمس في كل يوم وليلة دورة تتكون منها ظلمة نصف الكرة الأرضي تقريباً وضياء النصف الآخر وذلك ما يعبر عنه بالليل والنهار، ولكنها كانت نظرية مرموقة بالنقد وإنما كان الدال عليها قاعدة أن الجرم الأصغر أولى بالتحرك حول الجرم الأكبر المرتبط بسيره وهي علة إقناعية لأن الحركة مختلفة المدارات فلا مانع من أن يكون المتحرك الأصغر حول الأكبر في رأي العين وضبط الحساب وما تحققت هذه النظرية إلا في القرن السابع عشر بواسطة الرياضي (غاليلي) الإيطالي.

والقرآن يدمج في ضمن دلائله الجمة وعقب دليل تكوين النور والظملة دليلاً رمز إليه رمزاً، فلم يتناوله المفسرون أو تسمع لهم ركزاً.

وإنما ناط دلالة تحرك الأرض بتحرك الجبال منها لأن الجبال هي الأجزاء الناتئة من الكرة الأرضية فظهور تحرك ظلالها متناقصة قبل الزوال إلى منتهى نقصها، ثم آخذة في الزيادة بعد الزوال.

ومشاهدة تحرك تلك الظلال تحركاً يحاكي دبيب النمل أشد وضوحاً للراصد، وكذلك ظهور تحرك قممها أمام قرص الشمس في الصباح والماء أظهر مع كون الشمس ثابتة في مقرها بحسب أرصاد البروج والأنواء.

ولهذا الاعتبار غير أسلوب الاستدلال الذي في قوله تعالى ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ﴾ [النمل: 86] فجعل هنا بطريق الخطاب ﴿ وترى الجبال ﴾ .

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تعليماً له لمعنى يدرك هو كنهه ولذلك خص الخطاب به ولم يعمم كما عمم قوله ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ﴾ [النمل: 86] في هذا الخطاب، وادخاراً لعلماء أمته الذين يأتون في وقت ظهور هذه الحقيقة الدقيقة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على هذا السر العجيب في نظام الأرض كما أطلع إبراهيم عليه السلام على كيفية إحياء الموتى، اختص الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعلم ذلك في وقته وائتمنه على علمه بهذا السر العجيب في قرآنه ولم يأمره بتبليغه إذ لا يتعلق بعلمه للناس مصلحة حنيئذ حتى إذا كشف العلم عنه من نقابه وجد أهل القرآن ذلك حقاً في كتابه فاستلوا سيف الحجة به وكان في قرابة.

وهذا التأويل للآية هو الذي يساعد قوله ﴿ وترى الجبال ﴾ المقتضي أن الرائي يراها في هيئة الساكنة، وقوله ﴿ تحسبها جامدة ﴾ إذ هذا التأويل بمعنى الجامدة هو الذي يناسب حالة الجبال إذ لا تكون الجبال ذائبة.

وقوله ﴿ وهي تمرّ ﴾ الذي هو بمعنى السير ﴿ مرّ السحاب ﴾ أي مرا واضحاً لكنه لا يبين من أول وهلة.

وقوله بعد ذلك كله ﴿ صنع الله الذي أتقن كل شيء ﴾ المقتضي أنه اعتبار بحالة نظامها المألوف لا بحالة انخرام النظام لأن خرم النظام لا يناسب وصفه بالصنع المتقن ولكنه يوصف بالأمر العظيم أو نحو ذلك من أحوال الآخرة التي لا تدخل تحت التصور.

و ﴿ مر السحاب ﴾ مصدر مبين لنوع مرور الجبال، أي مروراً تنتقل به من جهة إلى جهة مع أن الرائي يخالها ثابتة في مكانها كما يخال ناظر السحاب الذي يعم الأفق أنه مستقر وهو ينتقل من صوب إلى صوب ويمطر من مكان إلى آخر فلا يشعر به الناظر إلا وقد غاب عنه.

وبهذا تعلم أن المر غير السير الذي في قوله تعالى ﴿ ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ﴾ [الكهف: 47] فإن ذلك في وقت اختلال نظام العالم الأرضي.

وانتصب قوله ﴿ صنع الله ﴾ على المصدرية مؤكداً لمضمون جملة ﴿ تمر مر السحاب ﴾ بتقدير: صنع الله ذلك صنعاً.

وهذا تمجيد لهذا النظام العجيب إذ تتحرك الأجسام العظيمة مسافات شاسعة والناس يحسبونها قارة ثابتة وهي تتحرك بهم ولا يشعرون.: والجامدة: الساكنة، قاله ابن عباس.

وفي «الكشاف»: الجامدة من جمد في مكانه إذا لم يبرح، يعني أنه جمود مجازي، كثر استعمال هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة والصنع.

قال الراغب: إجادة الفعل فكل صنع فعل وليس كل فعل صنعاً قال تعالى ﴿ ويصنع الفلك ﴾ [هود: 38] ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴾ [الأنبياء: 80] يقال للحاذق المجيد: صنع، وللحاذقة المجيدة: صنّاع.

اه.

وقصر في تفسير الصنع الجوهري وصاحب «اللسان» وصاحب «القاموس» واستدركه في «تاج العروس».

قلت: وأما قولهم: بئس ما صنعت، فهو على معنى التخطئة لمن ظن أنه فعل فعلاً.

حسناً ولم يتفطن لقبحه.

فالصنع إذا أطلق انصرف للعمل الجيد النافع وإذا أريد غير ذلك وجب تقييده على أنه قليل أو تهكم أو مشاكلة.

واعلم أن الصنع يطلق على العمل المتقن في الخير أو الشر قال تعالى ﴿ تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ﴾ [طه: 69]، ووصف الله ب ﴿ الذي أتقن كل شيء ﴾ تعميم قصد به التذييل، أي ما هذا الصنع العجيب إلا مماثلاً لأمثاله من الصنائع الإلهية الدقيقة الصنع.

وهذا يقتضي أن تسيير الجبال نظام متقن، وأنه من نوع التكوين والخلق واستدامة النظام وليس من نوع الخرم والتفكيك.

وجملة ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ تذييل أو اعتراض في آخر الكلام للتذكير والوعظ والتحذير، عقب قوله ﴿ الذي أتقن كل شيء ﴾ لأن إتقان الصنع أثر من آثار سعة العلم فالذي بعلمه أتقن كل شيء هو خبير بما يفعل الخلق فليحذروا أن يخالفوا عن أمره.

ثم جيء لتفصيل هذا بقوله ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ [النمل: 89] الآية فكان من التخلص والعود إلى ما يحصل يوم ينفخ في الصور، ومن جعلوا أمر الجبال من أحداث يوم الحشر جعلوا جملة ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ استئنافاً بيانياً لجواب سائل: فماذا يكون بعد النفخ والفزع والحضور بين يدي الله وتسيير الجبال، فأجيب جواباً إجمالياً بأن الله عليم بأفعال الناس ثم فصل بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها..

﴾ [النمل: 89] الآية.

قرأ الجمهور ﴿ بما تفعلون ﴾ بتاء الخطاب.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يفعلون ﴾ بياء الغائبين عائداً ضميره على ﴿ من في السماوات ومن في الأرض ﴾ [النمل: 87].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ وهو يَوْمُ النُّشُورِ مِنَ القُبُورِ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ، والنَّفْخُ فِيها إعادَةُ الأرْواحِ إلَيْها.

الثّانِي: أنَّهُ شَيْءٌ يُنْفَخُ فِيهِ كالبُوقِ يَخْرُجُ مِنهُ صَوْتٌ يَحْيا بِهِ المَوْتى.

الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِإحْياءِ المَوْتى في وقْتٍ واحِدٍ بِخُرُوجِهِمْ فِيهِ كَخُرُوجِ الجَيْشِ إذا أُنْذِرُوا بِنَفْخِ البُوقِ فاجْتَمَعُوا في الخُرُوجِ وقْتًا واحِدًا.

﴿ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ وفي هَذا الفَزَعِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإجابَةُ والإسْراعُ إلى النِّداءِ مِن قَوْلِكَ فَزِعْتُ إلَيْهِ مِن كَذا إذا أسْرَعْتَ إلى نِدائِهِ في مَعُونَتِكَ قالَ الشّاعِرُ: كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءً لَهم مِنَ الإجابَةِ والإسْراعِ إلى النّارِ.

وَيَحْتَمِلُ مَن أُرِيدَ بِهِمْ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُخِّرُوا عَنْ هَذِهِ النَّفْخَةِ.

الثّانِي: البَهائِمُ الَّتِي تَصِيرُ إنْ أُعِيدَتْ تُرابًا.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ الفَزَعَ هُنا هو الفَزَعُ المَعْهُودُ مِنَ الخَوْفِ والحَذَرِ لِأنَّهم أُزْعِجُوا مِن قُبُورِهِمْ فَفَزِعُوا وخافُوا وهَذا أشْبَهُ القَوْلَيْنِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ إلا مَن شاءَ ﴾ اسْتِثْناءً لَهم مِنَ الخَوْفِ والفَزَعِ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يُثَبِّتُ اللَّهُ قُلُوبَهم، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُمُ الشُّهَداءُ» ولَوْلا هَذا النَّصُّ لَكانَ الأنْبِياءُ بِذَلِكَ أحَقَّ لِأنَّهم لا يُقْصِرُونَ عَنْ مَنازِلِ الشُّهَداءِ وإنْ كانَ في هَذا النَّصِّ تَنْبِيهٌ عَلَيْهِمْ.

وَقِيلَ إنَّ إسْرافِيلَ هو النّافِخُ في الصُّورِ.

﴿ وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: راغِمِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: صاغِرِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ مَن فَزِعَ ومَنِ اسْتُثْنِيَ مِنَ الفَزَعِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ وهَذا يَكُونُ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، والفَزَعُ بِالنَّفْخَةِ الأُولى، ورَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ عامًا» .

قَوْلُهُ ﴿ وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ﴾ أيْ واقِفَةً.

﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴾ أيْ لا يُرى سَيْرُها لِبُعْدِ أطْرافِها كَما لا يُرى سَيْرُ السَّحابِ إذا انْبَسَطَ لِبُعْدِ أطْرافِهِ وهَذا مَثَلٌ، وفِيمَ ضُرِبَ لَهُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلدُّنْيا يَظُنُّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ كالجِبالِ وهي آخِذَةٌ بِحَظِّها مِنَ الزَّوالِ كالسَّحابِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْإيمانِ، تَحْسَبُهُ ثابِتًا في القَلْبِ وعَمَلُهُ صاعِدٌ إلى السَّماءِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِلنَّفْسِ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ والرُّوحُ تَسِيرُ إلى القُدْسِ.

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ فِعْلَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.

وَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أحْكَمَ كُلَّ شَيْءٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أحْصى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أحْسَنَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أوْثَقَ، واخْتُلِفَ فِيها فَقالَ الضَّحّاكُ: هي كَلِمَةٌ سُرْيانِيَّةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: هي عَرَبِيَّةٌ مَأْخُوذٌ مِن إتْقانِ الشَّيْءِ إذا أُحْكِمَ وأُوثِقَ، وأصْلُها مِنَ التَّقْنِ وهو ما ثَقُلَ مِنَ الحَوْضِ مِن طِينَةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها أداءُ الفَرائِضِ كُلِّها.

الثّانِي: أفْضَلُ مِنها لِأنَّهُ يُعْطى بِالحَسَنَةِ عَشْرًا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّالِثُ: فَلَهُ مِنها خَيْرٌ لِلثَّوابِ العائِدِ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

﴿ وَهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وهم مِن فَزَعِ يَوْمِ القِيامَةِ آمِنُونَ في الجَنَّةِ.

الثّانِي: وهم مِن فَزَعِ المَوْتِ في الدُّنْيا آمِنُونَ في الآخِرَةِ.

﴿ وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ الشِّرْكِ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة ﴾ قال: قائمة ﴿ صنع الله الذي أتقن كل شيء ﴾ قال: احكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة ﴾ قال: ثابتة في أصولها لا تتحرك ﴿ وهي تمر مر السحاب ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ صنع الله الذي أتقن كل شيء ﴾ يقول: أحسن كل شيء خلقه وأتقنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ صنع الله الذي أتقن كل شيء ﴾ قال: أحسن كل شيء.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ الذي أتقن كل شيء ﴾ قال: أوثق كل شيء.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ الذي أتقن كل شيء ﴾ قال: ألم تر إلى كل دابة كيف تبقى على نفسها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ﴾ (١) (٢) ﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴾ حتى تقع على الأرض فتستوي بها (٣) ﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا  ﴾ [[ذكر البخاري عن ابن عباس معلقًا بصيغة الجزم: ﴿ جَامِدَةً ﴾ قائمة.

ووصله ابن جرير 20/ 21، من طريق علي بن أبي طلحة.

قال ابن كثير 6/ 217: أىِ: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾\[9، 10\] وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾\[105 - 107\].

وجمع القرطبي 13/ 242، الآيات الواردة في شأن الجبال وزوالها؛ وجعلها تمر بستة أحوال، وصدر ذكرها بقوله: == ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه.

قال الشنقيطي: بعض الناس زعم أن قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴾ يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة: أي: واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب.

ثم نقض هذا القول من وجهين؛ الأول: وجود القرينة الدالة على عدم صحته؛ وهو قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية، أي: ويوم ينفخ في الصور فيفزع من في السموات، وترى الجبال.

فدلت هذه القرينة القرآنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن.

الثاني: ..

أن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلها في يوم القيامة "أضواء البيان" 6/ 442.

وذكر الألوسي عن بعض علماء الفلك، ولم يسمه أن هذا صفة للجبال في الدنيا، وذكر عدة وجوه يمتنع بها حمل الآية على أن ذلك في يوم القيامة.

ثم ذكر كلام المرجاني في مقدمه كتابه: (وفية الأسلاف، وتحية الأخلاف) ذكر أن هذه الآية صريحة في دلالتها على حركة الأرض ومرور الجبال معها، وأنه لا يمكن حمل الآية على أن ذلك يقع في النشأة الآخرة، وذكر أدلة لفظية وسياقية في الآية تدل على ذلك، ولم يعترض عليه الألوسي.

روح المعاني 13/ 89 - 92.

وممن ذهب إلى هذا القول واختاره ابن عاشور 20/ 48؛ حيث قال: وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب الجبال جامدة، ولا بيان وجه تشبيه سيرها يسير السحاب، ولا توجيه التذييل بقوله تعالى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق، ومعنى بالتأمل خليق ..

ثم ذكر معنى الآية على هذا القول وفصله تفصيلًا حسناً.

ولا مانع من حمل الآية على المعنيين، إذ لا تعارض بينهما.

والله أعلم.]].

قال عبد الله بن مسلم في هذه الآية: يريد: أنها تُجمع وتُسَيِّر، فهىِ لكثرتها كأنها ﴿ جَامِدَةً ﴾ واقفة في رأي العين، وهي تسير سير السحاب، وكذلك كل جمع كثير يقصر عنه البصر، كأنه في حسبان الناظر واقف، وهو يسير، وإلى هذا المعنى ذهب الجعدي في وصف جيش فقال: بِأَرْعَنَ مثلِ الطَّود تحسِبُ أنهم ...

وقوفٌ لِحاجٍ والرِّكابُ تُهَمْلجُ (٤) وقوله: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ ﴾ قال الزجاج: هو نصب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴾ دليل على الصنعة؛ كأنه قيل: صنَع الله ذلك صُنْعًا (٥) وقال غيره: هو نصب على الإغراء، على معنى: وأبصروا وانظروا ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ (٦) (٧) وقال مجاهد: أترص (٨) (٩) وقال الكلبي والسدي ومقاتل: أحسن (١٠) ومعنى الإتقان في اللغة: الأحكام للأشياء؛ قال الفراء: يقال رجل تقن: حاذق بالأشياء.

ويقال: الفصاحة من تِقْنه، أي من سُوسِه (١١) قال الأزهري: الأصل في هذا: ابن تِقْن؛ وهو رجل من عاد، لم يكن يسقط له سهم (١٢) لأكلةٌ من أَقِطٍ وسمنِ ...

ألينُ مسًّا في حوايا البطن من يثربيات قِذاذٍ خشن ...

يرمي بها أرمى من ابن تِقن (١٣) [ثم قيل لكل حاذق بالأشياء: تقن، ومنه يقال: أتقن فلان عمله، إذا أحكمه.] (١٤) قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد بما يفعل أولياؤه وبما يفعل أعداؤه.

وقرئ: ﴿ يَفْعَلُونَ ﴾ بالياء والتاء (١٥) (١٦) ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾ ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للكافة، وقد يدخل الغيب في الخطاب، ولا يدخل الخطاب في الغيب (١٧) (١) قال النحاس: من رؤية العين، ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين.

"إعراب القرآن" 3/ 223.

(٢) "تفسير مقاتل" 62 ب، وأخرج ابن أبي حاتم 9/ 2933، عن ابن عباس: قائمة.

وعن قتادة: تحسبها ثابتة في أصولها لا تحرك.

وقال الهواري 3/ 268: ساكنة.

(٣) "تفسير الثعلبي" 8/ 138 أ.

(٤) "تأويل مشكل القرآن" 6.

وذكر قول ابن قتيبة الثعلبي 8/ 138 ب، وصدره بقوله: قال القتبي، ويظهر أن الواحدي نقل قول ابن قتيبة من الثعلبي لتطابق الكلام، ومن مواضع الاختلاف بين ما في كتاب ابن قتيبة، وما نقله عنه الثعلبي، قوله: وكل جيش غص الفضاء به لكثرته، وبُعدِ ما بين أطرافه، فقصُر عنه البصر فكأنه في حُسبان الناظر واقف وهو يسير.

وأنشد البيت ابن جرير 20/ 21، وفي الحاشية: الأرعن يريد به الجيش العظيم، شبهه بالجبل الضخم ذي الرعان، والرعن: الأنف العظيم من الجبل تراه متقدمًا، وقيل: الأرعن: المضطرب لكثرته، والطود: الجبل العظيم، والحاج: جمع حاجة، وتهملج: تمشي الهملجة، والهملجة: سير حسن في سرعة، والبيت شاهد على أن الشيء الضخم تراه وهو يتحرك فتحسبه ساكنًا، مع أنه مسرع في سيره جداً.

والبيت في "ديوان الجعدي" 187.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 130.

وهو قول المبرد.

"المقتضب" 3/ 203.

وأبي علي، "المسائل الحلبيات" 303.

ونسبه النحاس للخليل وسيبويه.

"إعراب القرآن" 3/ 224.

(٦) "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 224.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 138 ب، ولم ينسباه.

(٧) أخرجه ابن جرير 20/ 21، من طريقين، بلفظ: أحكم كل شيء.

و: أحسن كل شيء خلقه وأوثقه.

وباللفظين رواه ابن أبي حاتم 9/ 2933، 2934.

وقال: روي عن الحسن وعطاء والثوري مثل ذلك.

ورواه عن الحسن: عبد الرزاق 2/ 86.

(٨) هكذا في نسخة: (أ)، (ب).

وفي نسخة: (ج): فرض.

ومعنى: أترص: أحكم وقوَّم.

"مجمل اللغة" 1/ 146، و"اللسان" 7/ 10، مادة: ترص.

(٩) أخرجه ابن جرير 20/ 21، بلفظ: أوثق كل شيء وسوى.

وأخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2934، بلفظ: أبرم كل شيء.

وفي "تفسير مجاهد" 2/ 476: أترص كل شيء، أي: أحسن وأبرم.

(١٠) "تفسير الهواري" 3/ 269.

ولم ينسبه.

ولفظ مقاتل 62 ب: أحكم.

وكذا في "تنوير المقباس" 322.

(١١) ذكره عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن)، ولم أجده عند الفراء في تفسير هذه الآية.

(١٢) "تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن)، ونسبه لابن السكيت، ثم قال الأزهري بعد ذلك: الأصل في التِّقن: ابن تقن هذا، ثم قيل لكل حاذق في عمل يعمله عالم بأمره: تّقن، ومنه يقال: أتقن فلان أمره، إذا أحكمه.

(١٣) أنشده الأزهري عن ابن السكيت، ولم ينسبه.

"تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن).

وهو في "اللسان" 13/ 73.

(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (أ)، (ب).

وهو في "تهذيب اللغة" 9/ 60 (تقن).

(١٥) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالياء، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي، بالتاء.

"السبعة في القراءات" 487، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 407.

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (أ)، (ب).

(١٧) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 408.

و"معاني القراءات" للأزهري 2/ 248.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ﴾ أي قائمة ثابتة ﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ﴾ يكون مرورها في أول أحوال يوم القيامة، ثم ينسفها الله في خلال ذلك فكتون كالعهن ثم تصبر هباء منبثاً ﴿ صُنْعَ الله ﴾ مصدر، والعامل فيه محذوف، وقيل: هو منصوب على الإغراء: أي انظروا صنع الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أيذا ﴾ ﴿ أينا ﴾ بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.

مثله ولكن بالمد: ابو عمرو وزيد ﴿ أيذا ﴾ بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة ﴿ إنا ﴾ بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل ﴿ إذا ﴾ من غير همزة الاستفهام ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ﴿ إنا ﴾ بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم.

﴿ ولا يسمع ﴾ بفتح الياء التحتانية ﴿ الصم ﴾ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في "الروم".

الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ ﴿ وما أنت تهدي ﴾ على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في "الروم" حمزة.

الباقون ﴿ بهادي ﴾ على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصوراً على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل.

الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام.

﴿ فزع ﴾ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ يومئذ ﴾ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها ﴿ تعملون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.

الوقوف: ﴿ لمخرجون ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ لا تحرزاً عن الابتداء بمقول الكفار ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ يمكرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ وما يعلنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ بحكمه ﴾ ج تعظيماً للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين ﴿ العليم ﴾ ه ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى اي إذا كان الحكم لله فأسرع اتوكل ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ ضلالتهم ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ تكلمهم ﴾ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ يوزعون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا ينطقون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ السحاب ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ تفعلون ﴾ ه ﴿ خير منها ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء ﴿ آمنون ﴾ ه لا لعطف جملتي الشرط ﴿ في النار ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ز للعارض وطول الكلام مع العطف ﴿ المسلمين ﴾ ه لا للعطف ﴿ القرآن ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ فتعرفونها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم تراباً عند الحس.

قال النحويون: العامل في "إذا" ما دل عليه ﴿ أئنا لمخرجون ﴾ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة.

وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد "أن" واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في "إذا" و "أن" جميعاً إنكار على إنكار.

والضمير في "أنا" لهم ولآبائهم جميعاً وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله ﴿ لقد وعدنا ﴾ وبيان المتشابه فليدّكر.

ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة.

ولم تؤنث "كان" لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم.

والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم اياماً كان؛ فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع.

ومعنى قوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ الآية.

قد مر في آخر "النحل".

وفي هذه الآي تسلية لرسول الله  على ما كان يناله من قومه.

ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم ﴿ عسى أن يكون ﴾ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون.

وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ﴿ ردف لكم بعض الذي ﴾ دون أن يقول "ردف لكم الذي".

واللام زائدة للتأكيد كالباء في ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو أريد أزف لكم ودنا لكم يتضمن فعل يتعدى بالام ومعناه تبعكم ولحقكم.

وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلاً في الدنيا فلهذا ذكر البعض.

ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيتسعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن.

ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم مايخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله  ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك.

ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالرواية في قولهم "ويل للشاعر من راوية السوء" كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة.

ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه  أمياً، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.

ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمة أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكماً ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فيما يريد ﴿ العليم ﴾ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم.

ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سبباً قوياً في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم.

وقوله ﴿ إذا ولوا مدبرين ﴾ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبراً وهداه عن الضلالة كقولك "سقاه عن العيمة".

ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.

ثم هدد المكلفين بذكر طرف من اشراط الساعة وما بعدها فقال ﴿ وإذا وقع القول ﴾ اي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه ﴿ عليهم ﴾ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب ﴿ أخرجنا لهم دابة من الأرض ﴾ وهي الجساسة.

وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه: أحدها في مقدار جسمها.

فقيل: إن طولها ستون ذراعاً.

وقيل: إن راسها يبلغ السحاب.

وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.

وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان.

وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعاً.

وثالثها في كيفية خروجها؛ عن علي  أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.

وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.

ورابعها مكان خروجها، "سئل النبي  من أين تخرج الدابة؟

فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله" يعني المسجد الحرام.

وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.

وخامسها في عدد خروجها؛ روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهراً طويلاً فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة.

وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ﴿ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات.

ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت ﴿ بآياتنا ﴾ أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا.

وإنما هي خيل مولاه وبلاده.

عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام.

وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشأم ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.

روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه "مؤمن" وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه "كافر".

وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار.

وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.

ثم ذكر طرفاً مجملاً من أهوال يوم القيامة قائلاً ﴿ ويوم ﴾ أي واذكر يوم ﴿ نحشر من كل أمة فوجاً ﴾ أي جماعة كثيرة ﴿ ممن يكذب ﴾ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ﴿ بآياتنا ﴾ يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة.

وقد مر معنى قوله ﴿ فهم يوزعون ﴾ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار.

وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.

والواو في قوله ﴿ ولم تحيطوا ﴾ للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب.

ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه.

قال جار الله: ﴿ أمّاذا كنتم تعملون ﴾ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك.

وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله.

وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟

لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل.

قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ﴿ ووقع القول عليهم ﴾ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار.

ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلاً على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال ﴿ ألم يروا ﴾ الآية.

ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق ايضاً منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟

ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في "يونس".

والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب.

ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ﴿ ويوم ينفخ في الصور ﴾ وقد تقدم تفسيره في "طه" و"المؤمنين".

وقوله ﴿ ففزع ﴾ كقوله ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون ﴿ إلا من شاء الله ﴾ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة.

وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

وقيل: هم الشهداء.

وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش.

وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ ففزع ﴾ موافقة لقوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وفي "الزمر" قال ﴿ فصعق  ﴾ لأن معناه فمات وقد سبق ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون  ﴾ .

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين أذلاء.

وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية.

وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له.

قال أهل المناظرة: إن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مراً حثيثاً، فأخبر الله  أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد.

﴿ وهي تمرّ مرّ السحاب ﴾ قال جار الله ﴿ صنع الله ﴾ من المصادر المؤكدة كقوله "وعد الله" إلا أن مؤكدة محذوف وهو الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب.

قلت: لا يبعد أن يكون الناصب لـ ﴿ يوم ينفخ ﴾ هو "اذكر" مقدراً، ويكون ﴿ صنع الله ﴾ مصدراً مؤكداً لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله.

قال القاضي عبد الجبار: في قوله ﴿ أتقن كل شيء ﴾ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه.

وأجيب بأن الاية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات.

قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله ﴿ إنه خبير بما تفعلون ﴾ وإذا كان خبيراً بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم.

ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله ﴿ من جاء بالحسنة فله خير منها ﴾ إلى آخر الآيتين.

وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعروفة والإخلاص فلا جزاء لها سوء الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلاً لذلك.

وقيل: المراد فله خير حاصل منها.

وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان.

واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.

وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلداً.

ثم وعد المحسنين أمراً آخر وهو قوله ﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴾ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه.

والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ﴿ ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون.

وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين.

وقوله ﴿ هل تجزون ﴾ الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول.

ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها: عبادة الرب  .

ثم وصف الرب بأمرين احترازاً من ارباب أهل الشرك أولهما كونه رباً لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله.

وفيه نوع منة عليهم كقوله ﴿ حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم  ﴾ وثانيهما عام وهو قوله ﴿ وله كل شيء ﴾ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه.

ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه اي أتباعه وقد قام رسول الله  بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ﴿ ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى  ﴾ ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء وبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار.

ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.

قاله الحسن.

وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا.

﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ ولكنه من وراء جزاء العاملين.

التأويل: ﴿ قل سيروا ﴾ في أرض البشرية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ لأن خواص نفوسهم انموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب انموذج من الجنة ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ﴾ لأنه خمر طينة آدم بيديه اربعين صباحاً ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال ﴿ وما من غائبة ﴾ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ وهو علم الله  أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملاً على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال ﴿ إن ربك يقضي بينهم ﴾ اي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا  إلى مقام المحبة.

فاتبعوني يحببكم الله ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه ﴿ العليم ﴾ بمن يستحق هذا المقام.

﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ في دعوة الخلق إلى الله ﴿ وإذا وقع القول عليهم ﴾ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية ﴿ أخرجنا لهم ﴾ من تحت أرض البشرية ﴿ دابة تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ﴾ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل.

﴿ ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ﴾ من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة ﴿ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أماذا كنتم تعملون ﴾ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون كقوله "من عرف الله كل لسانه" ﴿ ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً ﴾ جعلنا ليل البشرية سبباً لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصراً يبصر به الحق من الباطل.

﴿ ويوم ينفخ ﴾ إسرافيل المحبة في صور القلب ﴿ ففزع ﴾ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية ﴿ إلا من شاء الله ﴾ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب.

وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة ﴿ إلا من شاء الله ﴾ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية ﴿ وترى ﴾ جبال الأشخاص ﴿ جامدة ﴾ على حالها ﴿ وهي تمر ﴾ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق ﴿ مر السحاب ﴾ ﴿ رب هذه البلدة ﴾ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ دون أن يقول "في قلوب الناس" ﴿ سيريكم آياته فتعرفونها ﴾ فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا ﴾ : يجمع القادة منهم والأتباع والمتبوعون، فيساقون إلى النار جميعاً؛ كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...

﴾ الآية [الصافات: 22]، وكقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ...

﴾ الآية [الزمر: 71]؛ وكقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ  ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ يُوزَعُونَ ﴾ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وقد ذكرنا الوزع فيما تقدم وما قيل فيه.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُو ﴾ أي: حتى إذا جاءوا جميعاً واجتمعوا - يعني: الكفار - قال لهم: ﴿ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ ، يحتمل ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ أي: قد أحطتم بها علما أنها آيات، لكن كذبتم وأنكرتم أنها آيات عنادا ومكابرة؛ إذ يجوز أن يتكلم بالنفي على إثبات ضده؛ كقوله: ﴿ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: يعلم بضد ذلك وبخلاف ما تقولون أنتم، وذلك جائز في القرآن كثير.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً ﴾ لما لم تتفكروا فيها، ولم تنظروا إليها نظر التعظيم والإجلال لكي تعرفوا، وأحطتم بها علما أنها آيات.

وإلا لو كان التأويل على ظاهر ما ذكر لكان لهم عذر في تكذيبها إذا لم يحيطوا بها علما؛ إذ من لم يحط العلم بالشيء فله عذر الرد وترك القبول، لكن يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ : في تكذيب الآيات والأعمال التي عملوها بلا حجة، ولا برهان.

﴿ وَوَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيهِم ﴾ : أي: وجب القول بالعذاب، ووقع ما وعدوا من العذاب بما ظلموا حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ ﴾ أي: لا ينطقون بالحجة مما يكون لهم به عذر.

وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ﴾ : أي في الليل والنهار لآيات لقوم يؤمنون.

ثم الآيات التي ذكر فيهما تكون من وجوه: أحدها: دلالة وحدانيته ودلالة علمه، وتدبيره وحكمته، ودلالة كرمه وجوده، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة القدرة على البعث والإحياء بعدما صاروا رمادا وتراباً.

أما دلالة كرمه وجوده: ما جعل لهم في الليل والنهار منافع تدوم ما داموا هم.

ثم تلك المنافع تكون من وجهين: أحدهما: جعل النهار للتقلب فيه والتصرف لمعاشهم وما به قوام دنياهم، وجعل الليل راحة لهم وسكونا، ولو جعلهما جميعا للتقلب ما قام به معاشهم وما به قوام أنفسهم وأبدانهم أبداً؛ لأنه لا يلتئم ذلك إلا بالراحة، ولو جعلهما جميعاً للراحة لم يقم أمر معاشهم، فمن رحمته وفضله جعل أحدهما للراحة والآخر للتقلب، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ  ﴾ .

والثاني: من النعمة التي ذكر أنه جعل الذي للتقلب إنما جعل ذلك للكل، لا للبعض دون البعض؛ وكذلك الذي هو مجعول للراحة، والقرآن إنما جعله كذلك للكل لا لقوم دون قوم، ولو جعل كذلك لكان لا يقوم أمر معاشهم، ولا ما به يقوم أبدانهم وأنفسهم، ولكن من رحمته وفضله جعل المجعول وقتاً للراحة للكل لا لبعض دون بعض؛ وكذلك المجعول للتقلب؛ ليظفر المشترون بالباعة والباعة بالمشترين؛ ليلتئم أمر معاشهم ودنياهم.

وأما دلالة وحدانيته: ما جعل منافع أحدهما متصلة بالآخر؛ إذ لا يقوم أحدهما إلا بالآخر على اختلاف جوهرهما؛ ليعلم أن مدبرهما ومنشئهما واحد؛ إذ لو كان عددا لكان ما أراد هذه إيصاله منع الآخر، فإن لم يكن ولكن جريا على سنن واحد واتساق واحد؛ دل أنه تدبير واحد لا عدد.

ودلالة علمه وحكمته: أنهما منذ كانا، كانا على ميزان واحد، وعلى تقدير واحد من غير تغير ولا تبدل يقع فيهما؛ دل أن لمنشئهما علما ذاتيّاً وحكمة ذاتية، لا علما مكتسباً مستفاداً كعلم الخلق.

وأما دلالة القدرة والسلطان: لأنهما يقهران الخلق كله من الجبابرة والفراعنة شاءوا أو أبوا، حتى إذا أراد واحد منهم أن يمنع أحدهما أو ينقص من الآخر لم يقدر عليه.

أو إن اجتمعوا جميعاً على دفعهما أو دفع أحدهما دون الآخر لم يقدروا عليه؛ دل أن لمنشئهما قدرة وسلطانا؛ إذ من قدر على إنشاء هذا لا يعجزه شيء.

ودلالة القدرة على البعث: لأنه يتلف أحدهما ويذهب به حتى لا يبقى أثره، ثم يأتي بالآخر على تقدير الأول، فمن قدر على إنشاء هذا بعد ذهاب الآخر بكليته وذهاب أثره لقادر على إنشاء الخلق بعد فنائهم وهلاكهم، وأنه لا يعجزه شيء.

ثم لما جعل هذا ما ذكرنا وخلق ما خلق من المنافع التي ذكرنا لهذا العالم خلق هذا العالم للمحنة يأمرهم وينهاهم، وجعل لهم عاقبة فيها يثاب من أطاعه ويعاقب من عصاه؛ إذ لو لم تكن عاقبة لكان خلقهم عبثاً لا حكمة فيه؛ لأن من بنى بناء للفناء والنقض خاصة لا لعاقبة يتأمل نفعه كان بناؤه عبثاً غير حكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق لا لعاقبة تقصد عبث ليس بحكمة.

والآيات لمن آمن بها وصدق، فأما من لم يؤمن وكذب بها فهي آيات عليهم لا لهم.

وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : اختلف في النفخ ما هو؟

وفي عدده؟

واختلف في الصور أيضاً ما هو؟

وكيف هو؟!

أما الاختلاف في النفخ: فمنهم من يقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفة قيام القيامة على الله؛ أخبر بالنفخ عنها؛ لأنه أخف شيء على الخلق وأهونه، فأخبر به عنها، وهو ما قال: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ  ﴾ شبه أمرها بلمح البصر لما ليس شيء أخف على المرء من لمح البصر؛ فعلى ذلك النفخ عند قيامها لخفته على الخلق.

ومنهم من يقول: ذكر النفخ لسرعة نفاذ الساعة؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا من النفخ، وهو ما قال: إلا صيحة، وإلا رجفة، ذكر ذلك وشبهها بالصيحة والرجفة لسرعة نفاذها، إذ ليس شيء أسرع نفاذا من الصيحة والرجفة، فيقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفتها على الله أو سرعة نفاذها على ما ذكرنا، وهو ما قال: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ ، ليس أنه ينفخ فيه نفخاً، ولكن يجعل كأنه قال: وجعلنا فيه من روحنا.

ومنهم من يقول: هو على حقيقة النفخ؛ فإن كان على هذا فهو أن يمتحن الملك من غير أن يقع له الحاجة إلى ذلك؛ نحو ما امتحن الكرام الكاتبين بكتابة أعمال الخلق وأفعالهم من غير وقوع الحاجة إليه، لكن امتحاناً منه ملائكته بذلك، أو أن يكونوا أحذر؛ إذ هو عالم بما كان وبما يكون كيف يكون؟

ومتى يكون وأي شيء يكون؟

وأما اختلافهم في عدد النفخ: قال قائل: إنه واحد يحتج بقوله: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ .

ومنهم من يقول بالنفختين؛ يحتج بقوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ  تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ  ﴾ ، أخبر أنه يردف الأولى غيرها، ويحتج بقوله أيضاً: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ  ﴾ .

ومنهم من يقول بالنفخات الثلاث يقول: الأولى للفزع، والثانية للصعق على ما ذكرنا في الآية، والثالثة للإحياء.

ومنهم من يقول بالثلاث إلا أنه يجعل ذلك كله بعد الموت: أحدها للفزع في القبور، والثانية للإحياء فيها، والثالثة للإخراج منها والنشر، ويقول هذا القائل بعذاب أهل القبر من النفخة الثانية إلى النفخة الثالثة؛ وعلى ذلك رويت أخبار في ذلك، فإن ثبتت فهو ذاك وإلا نقف فيه.

وأمّا اختلافهم في الصور: قال قائلون: ينفخ في الخلق، والصور جمع صورة؛ قال: الزجاج: لا يحتمل هذا؛ لأن الصور على سكون الواو ليس هو من أفراد الصور ولا من جمعها؛ لأن الفرد هو صورة بالهاء وجمع الصورة صور - بتحريك الواو - على ما ذكر في الآية: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ  ﴾ .

ومنهم من يقول: هو قرن ينفخ فيه كقرن كذا، أو بوق كبوق كذا.

لكنا لا نفسر شيئاً مما ذكر من النفخ والصور أنه كذا، ولا نشير إلى شيء أنه ذا، إلا إن ثبت شيء من التفسير عن رسول الله  فيقال به وليس هو بشيء يوجب العمل به فيتكلف صحته أو سقمه، إنما هو شيء يجب التصديق به، فنقول بالنفخ والصور على ما جاء ولا نفسر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ إنما هو إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]؛ وكقوله -  -: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ : هم الشهداء في الأرض؛ وعلى ذلك روي في بعض الحديث أنه قال: "ما أعطي آدمي بعد النبوة أفضل من الشهادة، لا يسمع الشهيد الفزع يوم القيامة إلا كرجل قال لصاحبه: أتسمع، قال: أسمع كتأذين الصلاة" وقال بعضهم: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.

وقال بعضهم: هم الأنبياء والرسل.

لكن لا نقول نحن: إن أهل الثنيا هم كذا ولا نشير إلى أحد؛ لأنا لا نعلم ذلك إلا إن ثبت في ذلك خبر عن رسول الله  فنقول به.

وجائز أن يكون الذين استثناهم عن الذين أخبر عنهم في آخر الآية أنهم يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله، وهو ما قال: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ ﴾ : قرئ بالمد ﴿ أَتَوْهُ ﴾ وتطويله مضموم التاء فيه على مثال (فاعلوه)، وهو جمع (آت)؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً  ﴾ ، و ﴿ أَتَوْهُ ﴾ جمع (أتى) وهو من سيأتون.

وقرأ بعضهم بقصر الألف ونصب التاء على الإتيان: قد أتوه.

وقوله: ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ قيل: صاغرين ذليلين، دخر، أي: ذل.

وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ : قال بعضهم: وهي تمر مر كذا؛ لكثرتها وازدحامها يرنو الناظر إليها ويحسبها كأنها جامدة؛ وكذلك العسكر العظيم يحسب الناظر إليه كأنه ساكن جامد؛ لكثرتهم وازدحامهم؛ فعلى ذلك الجبال.

وقال بعضهم: لا، ولكن لشدة ذلك اليوم وهوله وفزعه على الناس يحسبون كأنها جامدة، ﴿ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ وهو ما ذكر: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]؛ لشدة ذلك اليوم وفزعه.

وقال بعضهم: لا، ولكن الجبال لهول ذلك اليوم وفزعه تمرّ مر السحاب وسيره؛ كقوله: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، وأصله: إنما يذكر هذا وما تقدم من هول ذلك اليوم وشدته على الخلق؛ ليتعظوا وينزجروا.

وقوله: ﴿ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ أَتْقَنَ ﴾ : أحكم وأبرم.

وقال بعضهم: ﴿ أَتْقَنَ ﴾ : أي: أحسن كل شيء.

قال بعض المعتزلة: كيف يكون الكفر حسنا وهو قبيح؛ لأنه شتم رب العالمين، ولا يجوز أن يقال: الله خلق شتم نفسه وأحسن شتم نفسه، أو أحسن كفر الكافر وغير ذلك من الخرافات؟!

فيقال لهم: لا يقول أحد: إنه خلق الكفر وأحسنه أو أحسن شتم نفسه على هذا الإطلاق، من قال ذلك فهو كافر، ولكن يقول: فعل الكفر من الكافر قبيحاً، وخلق فعل المعصية من العاصي قبيحاً، لكنه من حيث خلقه ذلك وجعله حجة عليه حسناً متقناً محكماً، وإن كان ذلك الفعل منه قبيحاً باطلا سفها جورا - أعني: من الكافر - ألا ترى أن من تكلف أن يعرف فعل الكفر منه سفهاً وجوراً كان غير مذموم؛ لأنه يتكلف أن يعرف ما هو سفه في الحقيقة سفها، ويعرف ما هو حق حقا فهو من هذا الوجه عارف بحق وحكمة؛ لأن الحكمة توجب أن يعرف كل شيء على ما هو في نفسه حقيقة؛ فعلى ذلك خلق فعل الكفر من الكافر على الوجه الذي ذكرنا هو حسن متقن محكم، وإن كان من حيث فعل الكافر قبيحاً سفهاً باطلا، وهذا كما نصفه على الإطلاق: أنه رب كل شيء وخالق كل شيء، ولا نقول: يا خالق الأنجاس ويا رب الأقذار ونحوه، إن كان هذا داخلا في الجملة أنه خالقها وربها؛ لأنه على الإطلاق يخرج مخرج المدح له والثناء وعلى التخصيص مخرج الذم له؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله: ﴿ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : على أثر وصف الجبال بما وصف من انتقاضها وإفسادها، وإخراجها عن الصفة التي أنشأها إلى ما ذكر لم يخرج من الإتقان والإحكام والإبرام؛ ليعلم أن ليس في إفساد الشيء خروج عن الإتقان إذا كان ذلك لحكمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ : وعيد لهم.

وقوله: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ ﴾ : قالوا جميعاً: الحسنة هاهنا: التوحيد والإيمان.

وقوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ : قيل فيه بوجوه: أحدها: من جاء بالتوحيد: توحيد ربه [يوم] البعث فله خير منها، ومجيئه ربه بالتوحيد إذا ختم به فله ما ذكر، شرط المجيء به، ولم يقل: من عمل بالحسنة فله كذا؛ لأن الرجل قد يعمل بالحسنات ثم يفسدها ويبطلها؛ فلا يثاب عليها؛ ليعلم أن ما ينتفع بالحسنات في الآخرة الحسنة التي ختم عليها وجاء بها ربه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: ما يعطى في الآخرة له من الثواب، والثواب والجزاء إنما يكون من الحسنة التي كانت منه في الدنيا منها يكون له جميع الخيرات في الآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: الذي أعطي له في الآخرة من الخيرات خير مما ترك في الدنيا من النعم وصبر عليها، فذلك خير مما ترك، كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ  ﴾ كذا.

وقال بعضهم: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ أي: رؤية الرب ولقاؤه خير مما أعطي غيرها من الخيرات، على ما يكون في الدنيا رؤية الملك ولقاؤه على الرعية أعظم وأفضل عندهم من غيره من الكرامات وإن عظمت وجلت.

وقال بعضهم: ذلك الثواب والجزاء في الآخرة خير مما عملوا به من الخيرات في الدنيا؛ لأن الثواب وجوبه الفضل والرحمة لا الاستيجاب والاستحقاق؛ إذ في الحكمة والعقل وجوب العمل، وليس فيهما وجوب الثواب، فما هو سبيله فضل الله خير مما هو غيره.

لكنه عورض بأن ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل خير مما كان سبيل وجوبه الإفضال؛ إذ ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل لا يسع تركه، وما كان [سبيل] وجوبه الإفضال له تركه، لكنه قال: إن قوله: ﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ ، أي: في طباعكم ووهمكم ذلك الثواب خير من ذلك، لا أنه في الحقيقة خير؛ وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ أي: في طباعكم، وعندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ إذ ليس شيء أهون على الله من شيء، ولكن عندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ أخبر أنهم إذا أتوا ربهم بالتوحيد يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله.

وقوله: ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ أي: بالشرك، ﴿ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ ﴾ : المنكب على الوجه: هو الملقى على الوجه، كقوله: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: ما تجزون إلا بأعمالكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وترى الجبال في ذلك اليوم تحسبها ثابتة لا تتحرك، وهي في واقع الأمر تسير مسرعة سير السحاب، صنع الله، فهو الَّذي يحركها، إنه خبير بما تفعلون، يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

من فوائد الآيات أهمية التوكل على الله.

تزكية النبي  بأنه على الحق الواضح.

هداية التوفيق بيد الله، وليست بيد الرسول  .

دلالة النوم على الموت، والاستيقاظ على البعث.

<div class="verse-tafsir" id="91.2O64z"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 16.6 / 29.5
الإضاءة 96%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
اللهم صل على محمد