الآية ١٢ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ١٢ من سورة القصص

۞ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰٓ أَهْلِ بَيْتٍۢ يَكْفُلُونَهُۥ لَكُمْ وَهُمْ لَهُۥ نَـٰصِحُونَ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة القصص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( وحرمنا عليه المراضع من قبل ) أي : تحريما قدريا ، وذلك لكرامة الله له صانه عن أن يرتضع غير ثدي أمه ; ولأن الله - سبحانه - جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه ، لترضعه وهي آمنة ، بعدما كانت خائفة .

فلما رأتهم [ أخته ] حائرين فيمن يرضعه قالت : ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه ) لكم وهم له ناصحون .

قال ابن عباس : لما قالت ذلك أخذوها ، وشكوا في أمرها ، وقالوا لها : وما يدريك نصحهم له وشفقتهم عليه ؟

فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظئورة الملك ورجاء منفعته .

فأرسلوها ، فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم ، ذهبوا معها إلى منزلهم ، فدخلوا به على أمه ، فأعطته ثديها فالتقمه ، ففرحوا بذلك فرحا شديدا .

وذهب البشير إلى امرأة الملك ، فاستدعت أم موسى ، وأحسنت إليها ، وأعطتها عطاء جزيلا وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة ، ولكن لكونه وافق ثديها .

ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه ، فأبت عليها وقالت : إن لي بعلا وأولادا ، ولا أقدر على المقام عندك .

ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت .

فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك ، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوي والإحسان الجزيل .

فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية ، قد أبدلها الله من بعد خوفها أمنا ، في عز وجاه ورزق دار .

ولهذا جاء في الحديث : " مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير ، كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها " ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل : يوم وليلة ، أو نحوه ، والله [ سبحانه ] أعلم ، فسبحان من بيديه الأمر!

ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجا ، وبعد كل ضيق مخرجا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) يقول تعالى ذكره: ومنعنا موسى المراضع أن يرتضع منهنّ من قبل أمه، ذكر أن أختا لموسى هي التي قالت لآل فرعون: ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: أرادوا له المرضعات, فلم يأخذ من أحد من النساء, وجعل النساء يطلبن ذلك لينـزلن عند فرعون في الرضاع, فأبى أن يأخذ, فذلك قوله: ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ ) أخته ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) فلما جاءت أمه أخذ منها.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) قال: لا يقبل ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن الأعمش, عن حسان, عن سعيد بن جُبَيْر, عن ابن عباس ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) قال: كان لا يؤتى بمرضع فيقبلها.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) قال: لا يرضع ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) قال: جعل لا يؤتى بامرأة إلا لم يأخذ ثديها, قال: (فَقَالَتْ) أخته ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ).

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: جمعوا المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه, فلا يؤتى بامرأة فيقبل ثديها فيرمضهم (4) ذلك, فيؤتي بمرضع بعد مرضع, فلا يقبل شيئا منهنّ(فَقَالَتْ) لهم أخته حين رأت من وجدهم به, وحرصهم عليه ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ) , ويعني بقوله: ( يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ): يضمونه لكم.

وقوله: ( وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) ذكر أنها أخذت, فقيل: قد عرفته, فقالت: إنما عنيت أنهم للملك ناصحون.

* ذكر من قال ذلك: حدثني موسى, قال: ثنا عمرو, قال: ثنا أسباط, عن السدي, قال: لما قالت أخته ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) أخذوها, وقالوا: إنك قد عَرَفت هذا الغلام, فدلينا على أهله, فقالت: ما أعرفه, ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قوله: ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) قال: فعلقُوها حين قالت: وهم له ناصحون, قالوا: قد عرفته, قالت: إنما أردت هم للملك ناصحون.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, عن ابن إسحاق ( وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) أي لمنـزلته عندكم, وحرصكم على مسرّة الملك, قالوا: هاتي.

------------------------ الهوامش: (4) ‌في (اللسان: رمضى) والرمض: حرقة الغيظ.

وقد أرمضني هذا الأمر، فرمضت.

ويقال: أرمضني: أوجعني.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وحرمنا عليه المراضع من قبل أي منعناه من الارتضاع من قبل ; أي من قبل مجيء أمه وأخته و ( المراضع ) جمع مرضع .

ومن قال : مراضيع ، فهو جمع ( مرضاع ) و ( مفعال ) يكون للتكثير ، ولا تدخل الهاء فيه فرقا بين المؤنث والمذكر لأنه ليس بجار على الفعل ، ولكن من قال : ( مرضاعة ) : جاء بالهاء للمبالغة ; كما يقال : مطرابة .

قال ابن عباس : لا يؤتى بمرضع فيقبلها وهذا تحريم منع لا تحريم شرع ; قال امرؤ القيس :جالت لتصرعني فقلت لها اقصري إني امرؤ صرعي عليك حرامأي ممتنع .فلما رأت أخته ذلك قالت : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم الآية .

فقالوا لها عند قولها : وهم له ناصحون وما يدريك ؟

لعلك تعرفين أهله ؟

فقالت : لا ، ولكنهم يحرصون على مسرة الملك ، ويرغبون في ظئره وقال السدي وابن جريج : قيل لها لما قالت : وهم له ناصحون قد عرفت أهل هذا الصبي فدلينا عليهم ، فقالت : أردت وهم للملك ناصحون .

فدلتهم على أم موسى ، فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها ، والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه ، وهو يبكي يطلب الرضاع ، فدفعه إليها ; فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها .

وقال ابن زيد استرابوها حين قالت ذلك فقالت : وهم للملك ناصحون .

وقيل : إنها لما قالت : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وكانوا يبالغون في طلب مرضعة يقبل ثديها ، فقالوا : من هي ؟

فقالت : أمي ، فقيل : لها لبن ؟

قالت : نعم !

لبن هارون وكان ولد في سنة لا يقتل فيها الصبيان ، فقالوا : صدقت والله .

وهم له ناصحون أي فيهم شفقة ونصح ، فروي أنه قيل لأم موسى حين ارتضع منها : كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك ؟

فقالت : إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن ، لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني .

قال أبو عمران الجوني : وكان فرعون يعطي أم موسى كل يوم دينارا .

قال الزمخشري : فإن قلت كيف حل لها أن تأخذ الأجر على إرضاع ولدها ؟

قلت : ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع ، ولكنه مال حربي تأخذه على وجه الاستباحة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن لطف اللّه بموسى وأمه، أن منعه من قبول ثدي امرأة، فأخرجوه إلى السوق رحمة به، ولعل أحدا يطلبه، فجاءت أخته، وهو بتلك الحال { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } وهذا جُلُّ غرضهم، فإنهم أحبوه حبا شديدا، وقد منعه اللّه من المراضع فخافوا أن يموت، فلما قالت لهم أخته تلك المقالة، المشتملة على الترغيب، في أهل هذا البيت، بتمام حفظه وكفالته والنصح له، بادروا إلى إجابتها، فأعلمتهم ودلتهم على أهل هذا البيت.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وحرمنا عليه المراضع ) والمراد من التحريم المنع ، والمراضع : جمع المرضع ، ( من قبل ) أي : من قبل مجيء أم موسى ، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ذلك قالت لهم : هل أدلكم ؟

وفي القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا ويصيح وهم في طلب مرضعة له .

( فقالت ) يعني أخت موسى : ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه ) أي : يضمنونه ( لكم ) ويرضعونه ، وهي امرأة قد قتل ولدها فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ترضعه ، ( وهم له ناصحون ) والنصح ضد الغش ، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد .

قالوا : نعم فأتينا بها .

قال ابن جريج والسدي : لما قالت أخت موسى : " وهم له ناصحون " أخذوها وقالوا : إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله .

فقالت : ما أعرفه ، وقلت : هم للملك ناصحون .

وقيل : إنها قالت : إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصالنا به .

وقيل إنها لما قالت : " هل أدلكم على أهل بيت " قالوا لها : من ؟

قالت : أمي قالوا : ولأمك ابن ؟

قالت : نعم هارون ، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها .

قالوا : صدقت ، فأتينا بها ، فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ابنها ، وجاءت بها إليهم ، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها ، وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا .

قال السدي : كانوا يعطونها كل يوم دينارا فذلك قوله تعالى : ( فرددناه إلى أمه كي تقر عينها )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وحرمنا عليه المراضع من قبل» أي قبل رده إلى أمه أي منعناه من قبول ثدي مرضعة غير أمه فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة له «فقالت» أخته «هل أدلكم على أهل بيت» لما رأت حنوهم عليه «يكفلونه لكم» بالإرضاع وغيره «وهم له ناصحون» وفسرت ضمير له بالملك جواباً لهم فأجيبت فجاءت بأمه فقبل ثديها وأجابتهم عن قبوله بأنها طيبة الريح طيبة اللبن فأذن لها في إرضاعه في بيتها فرجعت به كما قال تعالى:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحرمنا على موسى المراضع أن يرتضع منهن مِن قبل أن نردَّه إلى أمه، فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يحسنون تربيته وإرضاعه، وهم مشفقون عليه؟

فأجابوها إلى ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر حكمته وقدرته وتدبيره لأمر موسى كى يعود إلى أمه ، فقال - تعالى - .( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ .

.

.

) .والمراد بالتحريم هنا : المنع ، والمراضع : جمع مرضع - بضم الميم وكسر الضاد - وهى المرأة التى ترضع .أى : ومنعنا موسى بقدرتنا وحكمتنا من أن يرضع من المرضعات وكان ذلك من قبل أن تعلم بخبره أمه وأخته .قال ابن كثير : قوله - تعالى - : ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ ) أى : تحريما قدريا ، وذلك لكرامة الله له ، صانه عن أن يرتضع غير ثدى أمه ، لأنه - سبحانه - جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه ، لترضعه وهى آمنة بعد أن كانت خائفة .

.

.وقوله - سبحانه - : ( فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) حكاية لما قالته أخت موسى لفرعون وحاشيته ، والاستفهام للتحضيص .أى : وبعد أن بصرت أخت موسى به عن جنب ، ورأت رفضه للمراضع ، وبحثهم عمن يرضعه ، قالت : ( هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ) أى : يقومون بتربيته وإرضاعه من أجل راحتكم وراحته ، ( وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) أى : وهم لا يمنعونه ما ينفعه فى تربيته وغذائه ، ولا يقصرون فيما يعود عليه بالخير والعافية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع مِن قَبْلُ ﴾ يقتضي تحريمها من قبله فإذا لم يصح بالتعبد والنهي لتعذر التمييز فلابد من فعل سواه وذلك الفعل يحتمل أنه تعالى مع حاجته إلى اللبن أحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، فلذلك لم يرضع أو أحدث في لبنهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه أو وضع في لبن أمه لذة فلما تعودها لا جرم كان يكره لبن غيرها، وعن الضحاك كانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر حتى عرف ريحها والمراضع جمع مرضع، وهي المرأة التي ترضع أو جمع مرضع وهو موضع الرضاع أي الثدي أو الرضاع وقوله: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أي من قبل أن رددناه إلى أمه ومن قبل مجيء أخت موسى عليه السلام، ومن قبل ولادته في حكمنا وقضائنا فعند ذلك قالت أخته ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ أي يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه وهم له ناصحون لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وإغذائه، ولا يخونونكم فيه والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد، وقال السدي إنها لما قالت: ﴿ وَهُمْ لَهُ ناصحون ﴾ دل ظاهر ذلك على أن أهل البيت يعرفونه فقال لها هامان قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه، ولكني إنما قلت هم للملك ناصحون ليزول شغل قلبه، وكل ما روي في هذا الباب يدل على أن فرعون كان بمنزلة آسية في شدة محبته لموسى عليه السلام، لا على ما قال من زعم أنها كانت مختصة بذلك فقط ثم قال تعالى: ﴿ فرددناه إلى أُمّهِ ﴾ بهذا الضرب من اللطف ﴿ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ أي فيما كان وعدها من أنه يرده إليها، ولقد كانت عالمة بذلك، ولكن ليس الخبر كالعيان فتحققت بوجود الموعود ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ فيه وجوه أربعة: أحدها: ولكن أكثر الناس في ذلك العهد وبعد لا يعلمون لإعراضهم عن النظر في آيات الله.

وثانيها: قال الضحاك ومقاتل يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعدها برده إليها.

وثالثها: هذا كالتعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى عليه السلام فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.

ورابعها: أن يكون المعنى إنا إنما رددناه إليها ﴿ لَتَعْلَمُ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ والمقصود الأصلي من ذلك الرد هذا الغرض الديني، ولكن الأكثر لا يعلمون أن هذا هو الغرض الأصلي، وأن ما سواه من قرة العين وذهاب الحزن تبع، قال الضحاك لما قبل ثديها قال هامان إنك لأمه، قالت لا قال فما بالك قبل ثديك من بين النسوة قالت أيها الملك إني امرأة طيبة الريح حلوة اللبن ما شم ريحي صبي إلا أقبل على ثديي، قالوا صدقت فلم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجواهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

التحريم: استعارة للمنع؛ لأنّ من حرم عليه الشيء فقد منعه.

ألا ترى إلى قولهم: محظور.

وحجر، وذلك لأن الله منعه أن يرضع ثدياً، فكان لا يقبل ثدي مرضع قط، حتى أهمهم ذلك.

والمراضع: جمع مرضع، وهي المرأة التي ترضع.

أو جمع مرضع، وهو موضع الرضاع يعني الثدي أو الرضاع ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل قصصها أثره.

روي أنها لما قالت: ﴿ وَهُمْ لَهُ ناصحون ﴾ قال هامان: أنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للمك ناصحون والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، فانطلقت إلى أمها بأمرهم، فجاءت بها والصبيّ على يد فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها، فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي؟

إلا ثديك؟

قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن، لا أوتي بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها وأجرى عليها، وذهبت به إلى بيتها، وأنجز الله وعهده في الردّ، فعندها ثبت واستقرّ في علمها أن سيكون نبياً.

وذلك قوله: ﴿ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ يريد.

وليثبت علمها ويتمكن.

فإن قلت: كيف حل لها أن تأخذ الأجر إلى إرضاع ولدها؟

قلت: ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربيّ كانت تأخذه على وجه الاستباحة.

وقوله: ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ داخل تحت علمها.

المعنى: لتعلم أن وعد الله حق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه حق فيرتابون.

ويشبه التعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى، فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً يروى أنها حين ألقت التابوت في اليم جاءها الشيطان فقال لها: يا أم موسى، كرهت أن يقتل فرعون موسى فتؤجري، ثم ذهبت فتوليت قتله، فلما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه قالت: وقع في يد العدوّ، فنسيت وعد الله.

ويجوز أن يتعلق ﴿ ولكن ﴾ بقوله: ﴿ وَلِتَعْلَمَ ﴾ ومعناه: أن الردّ إنما كان لهذا الغرض الديني، وهو علمها بصدق وعد الله.

ولكنّ الأكثر لا يعلمون بأن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرّة العين وذهاب الحزن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ ﴾ ومَنَعْناهُ أنْ يَرْتَضِعَ مِنَ المُرْضِعاتِ، جَمْعُ مُرْضِعٍ أوْ مُرْضَعٍ وهو الرَّضاعُ، أوْ مَوْضِعُهُ يَعْنِي الثَّدْيَ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ.

﴿ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ لِأجْلِكم.

﴿ وَهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ لا يُقَصِّرُونَ في إرْضاعِهِ وتَرْبِيَتِهِ، رُوِيَ أنَّ هامانَ لَمّا سَمِعَهُ قالَ: ( إنَّها لَتَعْرِفُهُ وأهْلَهُ فَخُذُوها حَتّى تُخْبِرَ بِحالِهِ، فَقالَتْ: إنَّما أرَدْتُ وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ، فَأمَرَها فِرْعَوْنُ أنْ تَأْتِيَ بِمَن يَكْفُلُهُ فَأتَتْ بِأُمِّها ومُوسى عَلى يَدِ فِرْعَوْنَ يَبْكِي وهو يُعَلِّلُهُ، فَلَمّا وجَدَ رِيحَها اسْتَأْنَسَ والتَقَمَ ثَدْيَها فَقالَ لَها: مَن أنْتِ مِنهُ فَقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ إلّا ثَدْيَكِ ؟

فَقالَتْ: إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ طَيِّبَةُ اللَّبَنِ لا أوُتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي فَدَفَعَهُ إلَيْها وأجْرى عَلَيْها، فَرَجَعَتْ بِهِ إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ﴾ بِوَلَدِها.

﴿ وَلا تَحْزَنَ ﴾ بِفِراقِهِ.

﴿ وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ عِلْمَ مُشاهَدَةٍ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ وعْدَهُ حَقٌّ فَيَرْتابُونَ فِيهِ، أوْ أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِنَ الرَّدِّ عِلْمُها بِذَلِكَ وما سِواهُ تَبَعٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِما فَرَطَ مِنها حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع} تحريم منع لا تحريم شرع أي منعناه أن يرضع ثدياً غير ثدي أمه وكان لا يقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك والمراضع جمع مرضع وهي المرأة التي ترضع أو جمع مرضع وهم وموضع الرضاع وهو الثدي أو الرضاع {مِن قَبْلُ} من قبل قصها أثره أو من

قبل أن نرده على أمه {فَقَالَتْ} أخته وقد دخلت بين المراضع ورأته لا يقبل ثدياً {هَلْ أَدُلُّكُمْ} أرشدكم {على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ} أي موسى {لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصحون} النصح إخلاص العمل من شائبة الفساد رُوي أنها لما قالت وهم له ناصحون قال هامان إنها لتعرفه وتعرف أهله فخذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام فقالت إنما أردت وهم للملك ناصحون فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال لها فرعون ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك فقالت إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وأجرى عليها وذهبت به إلى بيتها وأنجز الله وعده في الرد فعندها ثبت واستقر في علمها أنه سيكون نبياً وذلك قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ ﴾ أيْ مَنَعْناهُ ذَلِكَ فالتَّحْرِيمُ مَجازٌ عَنِ المَنعِ فَإنَّ مَن حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَدْ مُنَعَهُ ولا يَصِحُّ إرادَةُ التَّحْرِيمِ الشَّرْعِيِّ لِأنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ ولا دَلِيلَ عَلى الخُصُوصِيَّةِ، والمَراضِعُ جَمْعُ مُرْضِعٍ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الضّادِ وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ، وتَرَكَ التّاءَ إمّا لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّساءِ أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى شَخْصٍ مُرْضِعٍ أوْ جَمْعُ مَرْضَعٍ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرِّضاعِ وجُمِعَ لِتَعَدُّدِ مَرّاتِهِ أوِ اسْمُ مَكانٍ أيْ مَوْضِعَ الرِّضاعِ وهو الثَّدْيُ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ قَصِّها أوْ إبْصارِها أوْ وُرُودِهِ عَلى مَن هو عِنْدَهُ، أوْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ اخْتِيارُهُ ﴿ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكُمْ ﴾ أيْ هَلْ تُرِيدُونَ أنْ أدُلَّكم ﴿ عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ أيْ يُضَمِّنُونَهُ ويَقُومُونَ بِتَرْبِيَتِهِ لِأجْلِكُمْ، والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ فَقالَتْ، وقَوْلُها: عَلى أهْلِ بَيْتٍ دُونَ امْرَأةٍ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ امْرَأةٌ مِن أهْلِ الشَّرَفِ تَلِيقُ بِخِدْمَةِ المُلُوكِ ﴿ وهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ لا يُقَصِّرُونَ في خِدْمَتِهِ وتَرْبِيَتِهِ، ورُوِيَ أنَّ هامانَ لِما سَمِعَ هَذا مِنها قالَ: إنَّها لَتَعْرِفُهُ وأهْلَهُ فَخُذُوها حَتّى تُخْبِرَ بِحالِهِ فَقالَتْ: إنَّما أرَدْتُ وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ فَخَلُصَتْ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي يَجُوزُ لِمِثْلِهِ الكَذِبُ وأحْسَنَتْ ولَيْسَ بِبِدَعٍ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ فَحَقِيقٌ بِها ذَلِكَ، واحْتِمالُ الضَّمِيرِ لِأمْرَيْنِ مِمّا لا تَخْتَصُّ بِهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ بَلْ يَكُونُ في جَمِيعِ اللُّغاتِ عَلى أنَّ الفَراعِنَةَ مِن بَقايا العَمالِقَةِ وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالعَرَبِيَّةِ فَلَعَلَّها كَلَّمَتْ بِلِسانِهِمْ ويُسَمّى هَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل مجيء أمه.

ويقال في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: «أن أم موسى عليهما السلام قالت لأخته قُصِّيهِ أي: اطلبي أثره بعد ما أخذه آل فرعون، ولم يقبل رضاع أحد، وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ من قبل مجيء أخته.

ويقال: حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ.

يعني: منعنا موسى أن يقبل ثدي مرضع من قبل أن نرده على أمه فَقالَتْ أخته حين تعذر عليهم إرضاعه هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ يعني: يضمنون لكم رضاعه.

ويقال: يضمنونه وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ يعني: مشفقون للولد.

ويقال مخلصون شفقته.

فقال هامان: خذوها حتى تخبرنا بقصة هذا الغلام، فأخذت، فألهمها الله تعالى عند ذلك حتى قالت: إنما ذكرت النصيحة لفرعون أعني: وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ لفرعون لا لغيره.

فقال هامان: دعوها فقد صدقت، فأرسل إليها، فلما جاءت أمه وضعت الثدي في فمه، فأخذ ثديها وسكن، فذلك قوله تعالى: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: كائن صدق وهو قوله إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ثمّ قال: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بأن وَعْدَ الله حَقٌّ.

يعني: أهل مصر.

قوله عز وجل: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ.

قال مجاهد يعني: بلغ ثلاثاً وثلاثين سنة.

وَاسْتَوى يعني: بلغ أربعين سنة.

قال: وفي رواية الكلبي الأشُدُّ ما بين ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة.

ويقال: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ يعني: منتهى قوته، وهو ما فوق الثلاثين، وَاسْتَوى يعني: بلغ أربعين سنة آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً يعني: علماً وعقلاً.

ويقال: النبوة وعلم التوراة.

وروى مجاهد عن ابن عباس قال: «الأشد ثلاثا وثلاثون سنة، وأما الاستواء فأربعون سنة، والعمر الذي أعذر الله تعالى ابن آدم فيه إلى ستين سنة» .

يعني قوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [فاطر: 37] ثم قال: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقرأ حمزة، والكسائي «١» «وحْزُناً» - بضمِّ الحاءِ وسكونِ الزاي-، والخاطئ: متعمد الخطإ، والمخطئ الذي لا يتعمده.

وقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ أي: بأنه هو الذي يَفْسَدُ ملكُ فرعونَ على يده قاله قتادة «٢» وغيره.

وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي: فارِغاً من كلِّ شيء إلا من ذكر موسَى «٣» .

قاله ابن عباس.

قال مالك: هو ذَهَابُ العَقْلِ، وقالت فرقة: فارِغاً من الصبر.

وقوله تعالى: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي: أَمرِ ابنها، وروي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: كادتْ أُمُّ مُوسَى أن تَقُول: «وابناه وَتَخْرُجَ سَائِحَةً عَلَى وَجْهِهَا» .

والرَّبْطُ على القلبِ: تأنيسُه وتقويَتُه، ولِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي: من المُصَدِّقين بوعدِ اللهِ سبحانه وما أوحي إليها به، وعَنْ جُنُبٍ أي: ناحيةٍ، فمعنى عَنْ جُنُبٍ: عن بُعْد لَمْ تَدنُ مِنْهُ فَيُشْعَرَ لها.

وقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ معناه: أنها أختُه، ووعدُ الله المشار إليه هو الذي أوحاه إليها أولاً، إمَّا بمَلَكٍ/ أو بمَنَامَةٍ، حسْبَمَا تَقَدَّمَ، والقَوْلُ بالإلْهَامِ ضعيف أن يقال ٥٦ أفيه وعدٌ.

وقوله: أَكْثَرَهُمْ يريد به القِبْطَ، والأَشُدُّ: شدة البدن واستحكام أمره وقوته،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فارِغًا مَن كَلِّ شَيْءٍ إلّا مَن ذِكْرِ مُوسى، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أصْبَحَ فُؤادُها فَزِعًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، وأبِي العالِيَةِ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وعاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، فَإنَّهم قَرَؤُوا: " فَزَعًا " بِزايٍ مُعْجَمَةٍ.

والثّالِثُ: فارِغًا مِن وحْيِنا بِنِسْيانِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ، لِعِلْمِها أنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذا مِن أعْجَبِ التَّفْسِيرِ، كَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ واللَّهُ يَقُولُ: ﴿ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ ؟!

وهَلْ يُرْبَطُ إلّا عَلى قَلْبِ الجازِعِ المَحْزُونِ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُوسى.

ومَتى أرادَتْ هَذا؟

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ حِينَ فارَقَتْهُ؛ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ [أنَّهُ] قالَ: كادَتْ تَقُولُ: يا بُنَيّاهُ.

قالَ قَتادَةُ: وذَلِكَ مِن شَدَّةٍ وجْدِها.

والثّانِي حِينَ حَمَلَتْ لِرِضاعِهِ ثُمَّ كادَتْ تَقُولُ: هو ابْنِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كَبُرَ وسَمِعَتِ النّاسَ يَقُولُونَ: مُوسى بْنُ فِرْعَوْنَ، كادَتْ تَقُولُ: لا بَلْ هو ابْنِي، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الوَحْيِ؛ والمَعْنى: إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِالوَحْيِ، حَكاهُ ابْن جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْلا رَبَطْنا عَلى قَلْبِها، والرَّبْطُ: إلْهامُ الصَّبْرِ وتَشْدِيدُ القَلْبِ وتَقْوِيتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مِنَ المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ.

﴿ وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا، [أيْ]: أُحَيٌّ هو، أوْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟

ونَسِيَتِ الَّذِي وعَدَها اللَّهُ فِيهِ.

وقالَ وهَبٌ: إنَّما قالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ، لِأنَّها سَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أصابَ صَبِيًّا في تابُوتٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُ أُخْتِهِ: مَرْيَمُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى " قُصِّيهِ ": قُصِّي أثَرَهُ واتَّبِعِيهِ ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ﴾ أيْ: عَنْ بُعْدٍ مِنها عَنْهُ وإعْراضٍ، لِئَلّا يَفْطَنُوا، والمُجانَبَةُ مِن هَذا.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو مِجْلَزٍ: " عَنْ جَنابٍ " بِفَتْحِ الجِيمِ والنُّونِ وبِألِفٍ بَعْدَهُما.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " عَنْ جانِبٍ " بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ النُّونِ وبَيْنَهُما ألِفٌ.

وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " عَنْ جَنْبٍ " بِفَتْحِ الجِيمِ وإسْكان النُّونِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: لا يَشْعُرُونَ أنَّها أُخْتُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ ﴾ وهي جَمْعُ مُرْضِعٍ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نَرُدَّهُ عَلى أُمِّهِ، وهَذا تَحْرِيمُ مَنعٍ، لا تَحْرِيمُ شَرْعٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: بَقِيَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، كُلَّما أُتِيَ بِمُرْضِعٍ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، فَأهَمَّهم ذَلِكَ واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ﴿ فَقالَتْ ﴾ لَهم أُخْتُهُ: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ فَقالُوا لَها: نَعَمْ، مَن تِلْكَ؟

فَقالَتْ: أُمِّي، قالُوا: وهَلْ لَها لَبَنٌ قالَتْ لَبَنُ هارُونَ.

فَلَمّا جاءَتْ قِبَلَ ثَدْيِها.

وقِيلَ: إنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿ وَهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ قالُوا: لَعَلَّكِ تَعْرِفِينَ أهْلَهُ، قالَتْ: لا، ولَكِنِّي إنَّما قُلْتُ: وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (طَهَ: ٤٠) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ يَرُدُّ ولَدَها ﴿ حَقٌّ ﴾ وهَذا عِلْمُ عَيانٍ ومُشاهَدَةٍ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ وعَدَها أنْ يَرُدَّهُ إلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾ .

قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّهُ مِنَ الِامْتِناعِ مِن ثَدْيِ النِساءِ بِما يَشِذُّ بِهِ عن عُرْفِ الأطْفالِ، وهو تَحْرِيمُ تَبْغِيضٍ، و"المَراضِعُ" جَمْعُ مُرْضِعٍ، واسْتُعْمِلَ دُونَ هاءِ التَأْنِيثِ لِأنَّهُ لا يَلْتَبِسُ بِالرِجالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ، و"قَبْلُ" مَبْنِيٌّ، والضَمِيرُ في "فَقالَتْ" لِأُخْتِ مُوسى، قالَ النَقاشُ: اسْمُها مَرْيَمُ، و"يَكْفُلُونَهُ" مَعْناهُ: يُحْسِنُونَ تَرْبِيَتَهُ وإرْضاعَهُ.

وعَلِمُ القَوْمُ أنَّ مُكَلِّمَتَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ ذَلِكَ عُرْفَ بَنِي إسْرائِيلَ، أنْ يَكُونُوا مَراضِعَ وخَدَمَةً.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى الطِفْلِ، فَقالُوا لَها: إنَّكِ قَدْ عَرِفْتِهِ فَأخْبِرِينا مَن هُوَ؟

فَقالَتْ: ما أرَدْتُ إلّا أنَّهم ناصِحُونَ لِلْمَلِكِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنهم بِهَذا التَأْوِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الطِفْلِ ولَكِنْ يَكُونُ النُصْحُ لَهُ بِسَبَبِ المُلْكِ وحِرْصًا عَلى التَزَلُّفِ إلَيْهِ والقُرْبِ مِنهُ، وفي الكَلامِ هُنا حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ، وهو أنَّها حَمَلَتْهم إلى أُمْ مُوسى وكَلَّمُوها في ذَلِكَ، فَدَرَّتْ عَلَيْهِ وقَبِلَها، وحَظِيَتْ بِذَلِكَ، وأحْسَنَ إلَيْها وإلى أهْلِ بَيْتِها، وقَرَّتْ عَيْنُها، أيْ سُرَّتْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ تَعالى قالَ لَها: ما سَبَبُ قَبُولِ هَذا الطِفْلِ؟

قالَتْ لَهُ: "إنِّي طَيِّبَةُ الرائِحَةِ طَيِّبَةُ اللَبَنِ، ودَمْعُ الفَرَحِ بارِدٌ، وعَيْنُ المَهْمُومِ حُرّى سُخْنَةٌ"، فَمِن هَذا المَعْنى قِيلَ: قَرَّتِ العَيْنُ وسَخُنَتْ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "نُقِرُّ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ القافِ.

و"وَعْدَ اللهِ" تَعالى المُشارُ إلَيْهِ هو الَّذِي أوحاهُ إلَيْها أوَّلًا، إمّا بِمَلَكٍ أو تَمَثُّلُهُ، وإمّا بِإلْهامٍ حَسَبَ اخْتِلافِ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ، والقَوْلُ بِالإلْهامِ يَضْعُفُ أنْ يُقالَ فِيهِ: "وَعْدَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ ﴾ يُرِيدُ القِبْطَ.

و"الأشُدُّ" جَمْعُ شِدَّةٍ، مِنَ السِنِينَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بُلُوغُ الحُلُمْ، وهي مُدَّةُ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، وقالَ السُدِّيُّ: عِشْرُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ الِاسْتِواءُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ مَكِّيُّ: وقِيلَ هو سِونَ سَنَةً، وهَذا ضَعِيفٌ.

والأشَدُّ: شِدَّةُ البَدَنِ واسْتِحْكامُ أسْرِهِ وقُوَّتِهِ "واسْتَوى" مَعْناهُ: تَكامَلَ عَقَلُهُ وحَزَمَهُ، وذَلِكَ -عِنْدَ الجُمْهُورِ- مَعَ الأرْبَعِينَ.

و"الحُكْمُ": الحِكْمَةُ، و"العِلْمُ": المَعْرِفَةُ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي مُقَدِّمَةٌ لِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ.

واخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها ﴾ ، فَقالَ السُدِّيُّ: كانَ مُوسى في وقْتِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى رَسْمِ التَعَلُّقِ بِفِرْعَوْنَ، وكانَ يَرْكَبُ مَواكِبَهُ حَتّى أنَّهُ كانَ يُدْعى مُوسى بْنَ فِرْعَوْنَ، قالُوا: فَرَكِبَ فِرْعَوْنُ يَوْمًا وسارَ إلى مَدِينَةٍ مِن مَدائِنِ مِصْرَ يُقالُ لَها مَنفٌ، ثُمْ عَلِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِرُكُوبِ فِرْعَوْنَ فَرَكِبَ بَعْدَهُ ولِحِقَ بِتِلْكَ المَدِينَةِ في وقْتِ القائِلَةِ، وهو حِينَ الغَفْلَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ أيْضًا: هو ما بَيْنَ العَشاءِ والعَتَمَةِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: بَلِ المَدِينَةُ مِصْرُ نَفْسُها، وكانَ مُوسى في هَذا الوَقْتِ قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَدَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فَكانَ مُخْتَفِيًا بِنَفْسِهِ مُخَوَّفًا مِنهُمْ، فَدَخَلَ مُتَنَكِّرًا حَذِرا مُغْتَفِلًا لِلنّاسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَلْ كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ نابَذَهُ وأخْرَجَهُ مِنَ المَدِينَةِ وغابَ عنها سِنِينَ فَنَسِيَ فَفَشا أمَرُهُ، وجاءَ والناسُ عَلى غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لِأمْرِهِ وبُعْدُ عَهْدِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: كانَ يَوْمُ عِيدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقْتَتِلانِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُقْتَتِلِينَ.

و"شِيعَتُهُ": بَنُو إسْرائِيلَ، و"عَدُوُّهُ": القِبْطُ.

وذَكَرَ الأخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ أنَّها "فاسْتَعانَهُ" بِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وهي تَصْحِيفٌ لا قِراءَةَ.

وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ ﴿ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ ﴾ هو السامِرِيُّ، وأنَّ الآخَرَ طَبّاخُ فِرْعَوْنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ﴾ ، "وَهَذا" حِكايَةُ حالٍ قَدْ كانَتْ حاضِرَةً، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ "هَذا" عن غائِبٍ ماضٍ.

"والوَكْزُ": الضَرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعًا كَعُقَدٍ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلَكَزَهُ"، والمَعْنى واحِدٌ إلّا أنَّ اللَكْزَ في اللِحى، و"الوَكْزُ" عَلى القَلْبِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَنَكَزَهُ"، والمَعْنى واحِدٌ.

و" قَضى عَلَيْهِ "، مَعْناهُ: قَتَلَهُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَ القِبْطِيِّ لَكِنْ وافَقَتْ وكْزَتُهُ الأجَلَ وكانَ عنها مَوْتُهُ، فَنَدِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ورَأى أنَّ ذَلِكَ مِن نَزْغِ الشَيْطانِ في يَدِهِ، وأنَّ الغَضَبَ الَّذِي اقْتَرَنَتْ بِهِ تِلْكَ الوَكْزَةِ كانَ مِنَ الشَيْطانِ ومَن هَمْزِهِ، ونَصَّ هو عَلى ذَلِكَ، وبِهَذا الوَجْهِ جَعَلَهُ مِن عَمَلِهِ، وكانَ فَضْلُ قُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ بِما أفْرَطَ في وقْتِ غَضَبِهِ بِأكْثَرَ مِمّا يَقْصِدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو للحال من ضمير ﴿ لأخته ﴾ [القصص: 11].

والتحريم: المنع، وهو تحريم تكويني، أي قدّرنا في نفس الطفل الامتناع من التقام أثداء المراضع وكراهتها ليضطر آل فرعون إلى البحث عن مرضع يتقبّل ثديها؛ لأن فرعون وامرأته حريصان على حياة الطفل، ومن مقدمات ذلك أن جعل الله إرضاعه من أمه مدة تعود فيها بثديها.

ومعنى ﴿ من قبل ﴾ من قبل التقاطه وهو إيذان بأن ذلك التحريم مما تعلق به علم الله وإرادته في الأزل.

والفاء في قوله ﴿ فقالت ﴾ فاء فصيحة تؤذن بجملة مقدرة، أي فأظهرت أخته نفسها كأنها مرت بهم عن غير قصد.

وإنما قالت ذلك بعد أن فشا في الناس طلب المراضع له وتبديل مرضعة عقب أخرى حتى عُرض على عدد كثير في حصة قصيرة، وذلك بسرعة مقدرة آل فرعون وكثرة تفتيشهم على المراضع حتى ألفوا عدداً كثيراً في زمن يسير، وأيضاً لعرض المراضع أنفسهن على آل فرعون لما شاع أنهم يتطلبون مرضعاً.

وعرضت سعيها في ذلك بطريق الاستفهام المستعمل في العرض تلطّفاً مع آل فرعون وإبعاداً للظنة عن نفسها.

ومعنى ﴿ يكفلونه ﴾ يتعهدون بحفظه وإرضاعه.

فيدل هذا على أن عادتهم في الإرضاع أن يسلم الطفل الرضيع إلى المرأة التي ترضعه يكون عندها كما كانت عادة العرب لأن النساء الحرائر لم يكن يرضين بترك بيوتهن والانتقال إلى بيوت آل الأطفال الرضعاء.

كما جاء في خبر إرضاع محمد صلى الله عليه وسلم عند حليمة بنت وهب في حي بني سعد بن بكر.

قال صاحب «الكشاف»: فدفعه فرعون إليها وأجرى لها وذهبت به إلى بيتها.

والعدول عن الجملة الفعلية إلى الإسمية في قوله ﴿ وهم له ناصحون ﴾ لقصد تأكيد أن النصح من سجاياهم ومما ثبت لهم فلذلك لم يقل: وينصحون له كما قيل ﴿ يكفلونه لكم ﴾ لأن الكفالة أمر سهل بخلاف النصح والعناية.

وتعليق ﴿ له ﴾ ب ﴿ ناصحون ﴾ ليس على معنى التقييد بل لأنه حكاية الواقع.

فالمعنى: أن النصح من صفاتهم فهو حاصل له كما يحصل لأمثاله حسب سجيتهم.

والنصح: العمل الخالص الخلي من التقصير والفساد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ ﴿ وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: فارِغًا مِن وحْيِنًا بِنِسْيانِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: فارِغًا مِنَ الحُزْنِ لِعِلْمِها أنَّهُ لَمْ يَغْرَقْ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الرّابِعُ: مَعْنى فارِغًا أيْ نافِرًا، قالَهُ العَلاءُ بْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: ناسِيًا، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

السّادِسُ: مَعْناهُ والِهًا، رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الأنْصارِيُّ وهو صَحابِيٌّ: ( وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فَزِعًا ) مِنَ الفَزَعِ وفي قَوْلِهِ ﴿ وَأصْبَحَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها ألْقَتْهُ لَيْلًا فَأصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا في النَّهارِ.

الثّانِي: أنَّها ألْقَتْهُ نَهارًا ومَعْنى أصْبَحَ أيْ صارَ، قالَ الشّاعِرُ: مَضى الخُلَفاءُ بِالأمْرِ الرَّشِيدِ وأصْبَحَتِ المَدِينَةُ لِلْوَلِيدِ ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ تَصِيحَ عِنْدَ إلْقائِهِ وا إبْناهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنْ تَقُولَ لَمّا حُمِلَتْ لِإرْضاعِهِ وحَضانَتِهِ هو ابْنِي، قالَهُ السُّدِّيُّ لِأنَّهُ ضاقَ صَدْرُها لَمّا قِيلَ هو ابْنُ فِرْعَوْنَ.

الثّالِثُ: أنْ تُبْدِي بِالوَحْيِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالإيمانِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِالعِصْمَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قَدْ كانَتْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولَكِنْ لِتَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِأنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ أيِ اسْتَعْلِمِي خَبَرَهُ وتَتَبَّعِي أثَرَهُ.

قالَ الضَّحّاكُ، واسْمُ أُخْتِهِ كَلَثْمَةُ.

﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عَنْ جانِبٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَنْ بُعْدٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومِنهُ الأجْنَبِيُّ قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسْطَ القِبابِ غَرِيبُ الثّانِي: عَنْ شَوْقٍ، حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وذَكَرَ أنَّها لُغَةُ جُذامٍ يَقُولُونَ جَنَّبْتُ إلَيْكَ [أيِ اشْتَقْتُ] .

﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ أنَّها أُخْتُهُ لِأنَّها كانَتْ تَمْشِي عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى رَأتْهم قَدْ أخَذُوهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يُؤْتى بِمُرْضِعَةٍ فَيَقْبَلُها وهَذا تَحْرِيمُ مَنعٍ لا تَحْرِيمُ شَرْعٍ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: جالَتْ لِتَصْرَعَنِي فَقُلْتُ لَها اقْصِرِي ∗∗∗ إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرامُ أيْ مُمْتَنِعٌ: وَقَوْلُهُ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ مَجِيءِ أُخْتِهِ وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما ذَكَرْناهُ.

الثّانِي: مِن قَبْلِ رَدِّهِ إلى أُمِّهِ.

﴿ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ الآيَةَ.

وَهَذا قَوْلُ أُخْتِهِ لَهم حِينَ رَأتْهُ لا يَقْبَلُ المَراضِعَ فَقالُوا لَها عِنْدَ قَوْلِها لَهم: ﴿ وَهم لَهُ ناصِحُونَ ﴾ وما يُدْرِيكِ؟

لَعَلَّكِ تَعْرِفِينَ أهْلَهُ، فَقالَتْ: لا ولَكِنَّهم يَحْرِصُونَ عَلى مَسَرَّةِ المَلِكِ ويَرْغَبُونَ في ظِئْرِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ انْطَلَقَتْ أُخْتُهُ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها فَجاءَتْ فَلَمّا وضَعَتْهُ في حِجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا وانْطَلَقَ بِالبُشْرى إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ قَدْ وجَدْنا لِابْنِكِ ظِئْرًا، قالَ أبُو عُمْرانَ الجَوْنِيِّ: وكانَ فِرْعَوْنُ يُعْطِي أُمَّ مُوسى في كُلِّ يَوْمٍ دِينارًا.

وَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لِأُمِّ مُوسى حِينَ ارْتَضَعَ مِنها: كَيْفَ ارْتَضَعَ مِنكِ ولَمْ يَرْتَضِعْ مِن غَيْرِكِ؟

فَقالَتْ: لِأنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ طَيِّبَةُ اللَّبَنِ لا أكادُ أُوتى بِصَبِيٍّ إلّا ارْتَضَعَ مِنِّي.

فَكانَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِمُوسى أنْ جَعَلَ إلْقاءَ مُوسى في البَحْرِ وهو الهَلاكُ سَبَبًا لِنَجاتِهِ وسَخَّرَ فِرْعَوْنُ لِتَرْبِيَتِهِ وهو يَقْتُلُ الخَلْقَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِهِ وهو في بَيْتِهِ وتَحْتَ كَنَفِهِ.

﴿ وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ ﴾ الآيَةَ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ ﴾ يَعْنِي مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ عِلْمِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وحرمنا عليه المراضع من قبل ﴾ قال: لا يؤتى بمرضع فيقبلها.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وحرمنا عليه المراضع من قبل ﴾ قال: لا يقبل ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: حين قالت ﴿ هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ﴾ قالوا: قد عرفتيه فقالت: إنما أردت الملك، هم للملك ناصحون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وحرمنا عليه المراضع ﴾ قال: جعل لا يؤتى بامرأة إلا لم يأخذ ثديها وفي قوله: ﴿ ولتعلم أن وعد الله حق ﴾ قال: وعدها أنه راده إليها وجاعله من المرسلين ففعل الله بها ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال: كان فرعون يعطي أم موسى على رضاع موسى كل يوم ديناراً.

وأخرج أبو داود في المراسيل عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل يعني: يتقوّون على عدوهم؛ مثل أم موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله -عز وجل-: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾ الآية، ﴿ الْمَرَاضِعَ ﴾ يجوز أن يكون جمع امرأة مُرْضِعة (١) (٢) (٣) وقال محمد بن إسحاق: جمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة فيقبل ثديها (٤) وقال مجاهد ومقاتل: لم يقبل موسى ثدي امرأة (٥) وقال قتادة: كان لا يقبل ثديًا (٦) وقال الفراء: يقول معناه: من قبول ثدي إلا ثدي أمه (٧) وأما ابن قتيبة فقال: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾ ] (٨) (٩) (١٠) قوله: ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ قال المفسرون: من قبل أمه، ومن قبل أن تأته أمه، ومن قبل أن نرده على أمه (١١) وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: من قبل أن يولد في القضاء والقدر السابق، حرمنا عليه المراضع، وكان تحريم إرضاعهن عليه أن لا يقبل ثدي امرأة.

والقول ما قال المفسرون؛ لأن المراضع لو حرمت عليه في القضاء السابق لحرم عليه رضاع أمه أيضًا؛ لعموم اللفظ، ولكن المعنى: حرمنا عليه المراضع قبل إرضاع أمه؛ وذلك أنه إذا رُدَّ إلى أمه فأرضعته يجوز أن يقبل ثدي مرضعة غير الأم.

وقوله: ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ قال المفسرون: لما تعذر عليهم رضاعه، ورأت حرصهم على ذلك، قالت: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ أي: يكفلون لكم رضاعه، ويضمنون لكم القيام به (١٢) قال ابن عباس: قالوا لها: مَنْ؟

قالت: أمي، قالوا: ولأمك لبن؟

قالت: نعم، لبن هارون.

وكان هارون ولد في سنةٍ لا يقتل فيها صبي، فقالوا لها (١٣) وقوله: ﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ قال مقاتل: هم أشفق عليه، وأنصح له من غيره (١٤) ﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ قالوا: قد عرفتِ أهلَ هذا الغلام فدلينا على أهله، فقالت: لا أعرف، ولكني عَنيتُ: وهم للملِك ناصحون (١٥) (١٦) (١٧) (١) في نسخة (ج): راضعة.

(٢) لم أجد قول المبرد والمفضل في "التهذيب" مادة: رضع.

ولا في "لسان العرب".

(٣) أخرجه ابن جرير 20/ 40، وابن أبي حاتم 9/ 2949.

(٤) أخرجه ابن جرير 20/ 41.

وأخرجه الحاكم 2/ 441، رقم 3529، عن ابن عباس.

(٥) "تفسير مقاتل" 64 أ.

وأخرجه ابن جرير 20/ 40، عن مجاهد.

(٦) أخرجه عبد الرزاق 2/ 88.

وأخرجه بمعناه ابن جرير 20/ 41.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 303.

(٨) ما بين المعقوفين زيادة من نسخة (ج).

(٩) "غريب القرآن" 329.

(١٠) قال النيسابوري: تحريم منع لا شرع.

"وضح البرهان" 2/ 147.

(١١) "تفسير ابن جرير" 20/ 40.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 135، بمعناه.

(١٢) أخرجه ابن جرير 20/ 41، وابن أبي حاتم 9/ 2949، عن ابن إسحاق.

و"غريب القرآن"، لابن قتيبة 329، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 135.

و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 99.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.

(١٣) لها.

زيادة من نسخة: (ب).

(١٤) "تفسير مقاتل" 64 أ.

(١٥) رواه ابن جرير 20/ 41، وابن أبي حاتم 9/ 2949.

وذكره عنهما الثعلبي 8/ 142 أ.

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 135.

(١٧) "تفسير مقاتل" 64 أ، من قوله: فلما وجد الصبي.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 142 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع ﴾ أي منع بأن بغضها الله له، والمراضع جمع مرضعة، وهي المرأة التي ترضع، أو جمع مرضع فتح الميم والضاد: وهو موضع الرضاع يعني الثدي ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أي من أول مرة ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ ﴾ القائلة أخته تخاطب آل فرعون ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ ﴾ لما منعه الله من المراضع وقالت أخته: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ ﴾ الآية: جاءت بأمه فقبل ثديها، فقال لها فرعون ومن أنت منه بذلكَ، وعلمت أن وعد الله حق في قوله: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ ﴾ [القصص: 7] ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ ذكر في [يوسف: 22] ﴿ واستوى ﴾ أي كمل عقله، وذلك من الأربعين سنة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويرى ﴾ بفتح الياء وإمالة الراء ﴿ فرعون وهامان وجنودهما ﴾ مرفوعات: حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤوا قوله ﴿ وحزناً ﴾ بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ طسم ﴾ كوفي.

﴿ المبين ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ الوارثين ﴾ ه لا للعطف ﴿ يحذرون ﴾ ه ﴿ أرضعيه ﴾ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ﴿ ولا تحزني ﴾ ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا.

﴿ من المرسلين ﴾ ه ﴿ وحزنا ﴾ ط ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ولك ﴾ ط ﴿ لا تقتلوه ﴾ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.

﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ فارغاً ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ قصيه ﴾ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله ﴿ فقالت ﴾ عطف على قوله ﴿ فبصرت ﴾ والحال معترض ﴿ ناصحون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يقتتلان ﴾ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهراً ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفاً من ﴿ عدوّه ﴾ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من ﴿ عدوّه ﴾ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فغفر له ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ للمجرمين ﴾ ه ﴿ يستصرخه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ط ﴿ لهما ﴾ لا لأن ما بعده جواب "لما" ﴿ بالأمس ﴾ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل ﴿ المصلحين ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ز لعدم العاطف مع اتحاد القول ﴿ من الناصحين ﴾ ه ﴿ يترقب ﴾ ز لما قلنا في ﴿ يسعى ﴾ ﴿ الظالمين ﴾ ه.

التفسير: فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء.

﴿ نتلو عليك ﴾ على لسان جبرائيل ﴿ من نبأ موسى وفرعون ﴾ أي طرفاً من خبرها متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو محقين ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء.

ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلاً سأل: وكيف كان نبؤهما؟

فقال مستأنفاً ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ أي طغى وتكبر في أرض مملكته ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ فرقاً يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافاً في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقاً مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم بنو إسرائيل والقبط.

وقوله ﴿ يستضعف ﴾ حال من الضمير في ﴿ جعل ﴾ أو صفة ﴿ شيعاً ﴾ أو مستأنف.

و ﴿ يذبح ﴾ بدل منه.

وقوله ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن ألبتة ﴿ ونريد ﴾ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله ﴿ إن فرعون علا ﴾ فهذه أيضاً تفسير للنبأ.

وجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿ يستضعف ﴾ اي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع.

﴿ ونجعلهم أئمة ﴾ مقدمين في أمور الدين والدنيا.

وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير.

وعن مجاهد: دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكاً.

ومعنى الوراثة والتمكين في ارض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.

يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.

قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حباً شديداً فاحفظيه.

فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها.

فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا: لم دخلت القابلة عليك؟

قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة.

فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟

فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً.

فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله  أن تتخذ له تابوتاً ثم تقذف التابوت في النيل.

فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.

وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون.

وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس.

فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نوراً في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبناً، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها.

فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.

قال علماء البيان: اللام في قوله ﴿ ليكون لهم عدوّاً ﴾ لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلاً نتيجة المجيء في قولك "جئتك لتكرمني" وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوا هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضاً.

ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم اذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم.

قال النحويون ﴿ قرة عين ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ و ﴿ لا تقتلوه ﴾ خبراً لأن الطلب لا يقع خبراً إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.

روي في حديث أن آسية حين قالت ﴿ قرة عين لي ولك ﴾ قال فرعون: لك لا لي، ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها.

ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت ﴿ عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء.

قال في الكشاف ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ حال من آل فرعون.

وقوله ﴿ إن فرعون ﴾ الآية.

جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً.

وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه.

قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالاً من فاعل ﴿ قالت ﴾ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمآل وهو أن هلاكهم على يده وبسببه.

وقال الكلبي: اي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.

قوله  ﴿ وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً ﴾ قال الحسن: اي فارغاً من كل هم إلا من هم موسى.

وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله ﴿ وأفئدتهم هواء  ﴾ أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعاً ودهشاً.

وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغاً من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا ﴿ فألقيه في اليم ولا تخافي ﴾ الغرق وسائر المخاوف ﴿ ولا تحزني ﴾ والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعاً، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه.

ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها.

وقال أبو عبيدة: فارغاً من الخوف فالله  يقول ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟

أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله ﴿ إن كادت لتبدي به ﴾ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس.

وفي رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع.

وقال الكلبي: ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون.

ثم قال ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها ﴾ بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن ﴿ لتكون من المؤمنين ﴾ المصدّقين بوعد الله وهو قوله ﴿ إنا رادوه إليك ﴾ .

وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه.

والأول أظهر بدليل قوله ﴿ وقالت لأخته قصيه ﴾ اي اقتفي اثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم ﴿ فبصرت به ﴾ أي أبصرته ﴿ عن جنب ﴾ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بحالها وغرضها.

والتحريم ههنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهراً فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه.

وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه  منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.

وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة اشهر فعرف ريحها.

و ﴿ المراضع ﴾ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر و ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.

روي أنها لما قالت ﴿ وهم له ناصحون ﴾ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.

والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.

والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه.

فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها.

فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد ابى كل ثدي إلا ثديك؟

قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها.

قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة.

قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطاباً بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله  سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال  ﴿ ولتلعم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم ﴾ أي أكثر الناس ﴿ لا يعلمون ﴾ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله.

وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها.

قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول "ولكن أكثر الناس" كما قال في سورة يوسف ﴿ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون  ﴾ وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً.

وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك.

وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله ﴿ ولتعلم ﴾ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.

ثم بين  كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلاً: ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ وزاد ههنا قوله ﴿ واستوى ﴾ فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد.

والأصح أنهما متغايران.

والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة.

وعن ابن عباس: الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين.

وهو عند الأطباء سن الوقوف.

فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف.

والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم - قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ﴿ ودخل المدينة ﴾ لا تفيد الترتيب.

قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره  في هذه السورة.

وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى ﴿ فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.

أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر.

وقال الضحاك: هي عين شمس.

وقيل: هي مصر.

وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو.

وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره.

قاله السدي.

وقيل: إن الغفلة لموسى من اهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر.

قال الزجاج: قوله ﴿ هذا ﴾ ﴿ وهذا ﴾ وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه.

عن مقاتل: أن الرجلين كان كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط.

واحتج عليه بأن موسى قال له ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلماً كأنه قال ممن شايعه على دينه.

وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلهاً.

يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.

وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري ﴿ فاستغاثه ﴾ سأله أن يخلصه منه ﴿ فوكزه ﴾ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف ﴿ فقضى عليه ﴾ أي أماته وقتله.

الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ وقال ﴿ رب إني ظلمت نفسي ﴾ وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً؟

وأيضاً قوله ﴿ هذا من عدوّه ﴾ يدل على أنه كان كافراً حربياً وكان دمه مباحاً والاستغفار من القتل المباح غير جائز.

وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر.

فقوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفاً الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به ﴿ فاغفر لي ﴾ فاستره على هذا كله.

إذا سلم أنه كان نبياً في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله.

ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلاً عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئاً آخر كما قررنا.

قوله ﴿ بما أنعمت عليّ ﴾ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظباً على مثل تلك المعصية.

وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرماً.

وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى.

وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيراً والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها.

وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة.

عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل.

فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى.

وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله اراد أن جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز ﴿ أصبح ﴾ موسى من غد ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ الأخبار وما يقال فيه ﴿ فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه ﴾ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد.

فغويّ بمعنى غاوٍ.

وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغوٍ لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء.

قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ﴾ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سبباً لظهور القتل ومزيد الخوف.

وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله ﴿ إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ﴾ لا يليق إلا أن يكون قولاً للكافر.

قال جار الله: الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن.

وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل.

وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله ﴿ وجاء رجل من أقصى المدينة ﴾ أي من ابعد مسافاتها إليه.

وقوله ﴿ يسعى ﴾ صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفاً.

قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفاً وفي "يس" أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلاً.

والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بامره ومعنى ﴿ يأتمرون بك ﴾ يتشاورون بسببك.

وقوله ﴿ لك من الناصحين ﴾ كقوله ﴿ فيه من الزاهدين  ﴾ وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة.

﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾ المكروه من جهتهم وأن يلحق به ﴿ قال ﴾ ملتجئاً إلى الله ﴿ رب نجني من القوم الظالمين ﴾ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنباً وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.

التأويل: ﴿ إن فرعون ﴾ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية ﴿ وجعل أهلها ﴾ وهم الروح والسر والعقل أصنافاً في الاستخدام لاستيفاء الشهوات ﴿ يستضعف طائفة ﴾ وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ للاستعداد الفطري.

﴿ ونرى فرعون ﴾ النفس ﴿ وهامان ﴾ الهوى ﴿ وجنودهما ﴾ من الصفات البهيمية والسبعية ولاشيطانية ﴿ أم موسى ﴾ السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر ﴿ أن أرضعيه ﴾ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية.

﴿ فألقيه في اليم ﴾ في الدنيا في تابوت القالب ﴿ وجاعلوه من المرسلين ﴾ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ﴿ فالتقطه آل فرعون ﴾ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ﴿ ليكون لهم ﴾ في العاقبة ﴿ عدوّاً ﴾ يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات.

﴿ وحزناً ﴾ بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله.

﴿ وقالت امرأة فرعون ﴾ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في اسباب اللذات الحسيات.

﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بأن ينجينا من النار.

قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر.

﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم.

﴿ فؤاد أم موسى ﴾ هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل.

ودخل مدينة القالب ﴿ على حين غفلة من أهلها ﴾ وهم الصفات النفسانية ﴿ فوجد فيها رجلين ﴾ صفتين.

إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس.

وفي قوله ﴿ هذا من عمل الشيطان ﴾ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به ﴿ فلن أكون ظهيراً للمجرمين ﴾ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة ﴿ إنك لغويّ مبين ﴾ لآنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس.

﴿ وجاء رجل ﴾ هو العقل ﴿ من أقصى ﴾ مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة الروحانية ﴿ يسعى ﴾ في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء الروحانية ﴿ خائفاً ﴾ من سطوات فرعون النفس ﴿ يترقب ﴾ مكايدهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إن الوحي هاهنا وحي الإلهام والقذف في القلب، لا وحي إرسال صارت رسولة، وذلك لا يجوز.

لكن يقال: جائز أن تلهم هي إرضاعه وإلقاءه في اليم، فأمّا أن تلهم ما ذكر: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ هذا مما لا سبيل إلى معرفة ذلك وعلمه إلا بتصريح قول ومشافهة آخر، اللهم إلا أن يقال: إنه كان بموسى آيات الرسالة وأعلام به؛ لما عرفت هي بتلك الأعلام والآيات التي كانت له أنه يرد إليها، وأنه يبقى رسولا إلى وقت، وقد كانت بالرسل أعلام وآيات الرسالة في حال صغرهم وصباهم؛ نحو عيسى حيث كلم قومه في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ...

 ﴾ ، إلى آخر ما ذكر وأن محمدا لما ولد بالليل استنارت تلك الناحية واستضاءت بنوره حتى ظنوا أن الشمس قد طلعت ونحوه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون بموسى أعلام وآيات عرفت أمه بها أنه رسول، وأنه يرد إليها.

وإنما تكلفنا بهذا التخريج قول أهل التأويل: إنه وحي إلهام وقذف في القلب لا غير.

وعندنا جائز أن يكون الوحي إليها وحي إرسال رسول وإخبار من غير أن صارت هي بذلك رسولة؛ نحو ما ذكر من قصة مريم أن الملك لما دخل تعوذت بالله منه حيث قالت: ﴿ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً  قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً  ﴾ ، وذلك من البشارة التي بشروها بالولد فلم تصر بما أرسل إليها من الرسل وشافهوها رسولة؛ فعلى ذلك أم موسى؛ ونحو بشارة الملائكة لامرأة إبراهيم بالولد وهو قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ  ﴾ ، ونحوه ما يكثر ذكره لم يصيروا بذلك رسلا؛ فعلى ذلك الوحي إلى أم موسى يحتمل ما ذكرنا.

وجائز ذلك من غير أن صارت بذلك رسولة، وهو أشبه وأقرب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ : قال بعضهم: في الآية إضمار؛ لأنهم لم يلتقطوه؛ ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن كان فيه إضمار، أي: التقطه آل فرعون ليتخذوه ولدا ووليا، فكان لهم عدوا وحزنا إذا كبر [و]نحو هذا.

وقال بعضهم: ذاك إخبار عما في علم الله أنه يكون ما ذكر، معناه - والله أعلم -: التقطه آل فرعون، فكان في علم الله -  - أنه يكون لهم عدوا وحزنا، وذلك جائز في اللغة؛ يقال: ...

....

....

*** لدوا للموت وابنوا للخراب لا يلدون للموت ولا يبنون للخراب، ولكن إخبار عما هو عليه عملهم في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ ﴾ : ظاهر.

وفيه نقض قول المعتزلة من وجه.

وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ : هذا لطف من الله بموسى؛ حيث ألقى محبته في قلوبهم وحلاوته في أعينهم، وهو ما ذكر منة عليه حيث قال: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي  ﴾ ليتأدى بذلك الشكر عليه.

قال أبو معاذ: قال مقاتل: قوله: ﴿ قرت عين لي ولك لا ﴾ تقول: ليس لك بقرة عين.

قال أبو معاذ: وهذا محال، ولو كان كذلك لكان في القراءة: "تقتلونه"، وهذا - أيضاً - محال لقوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا ﴾ ، ولو كانت القراءة: (قرت عين لي ولك لا [لا] تقتلوه) لكان مقاتل مصيباً.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أن إهلاكهم واستئصالهم على يديه.

والثاني: لا يشعرون أنه هو المطلوب بقتله من بين الكل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً ﴾ : قال بعضهم: فارغاً من هم موسى وحزنها عليه.

وقال بعضهم: فارغاً من كل شيء إلا على موسى وذكره، وكأن قوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً ﴾ جواب قوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ...

﴾ الآية.

وهو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن الله رفع الحزن والخوف وطمأنها من غير أن كان ثمة قول أو كلام.

والثاني: على القول لها: لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فلو كان على هذا فهو على البشارة لها بالردّ إليها وجعله رسولا، أو على النهي والزجر عن الحزن عليه والخوف عليه، هو حزن مفارقته لها، والخوف عليه خوف الهلاك؛ كقول يعقوب حيث قال: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ  ﴾ ذكر الحزن عند المفارقة والذهاب عنه، والخوف عند الهلاك، فرفع الله عنها حزن المفارقة، وبشرها بالرد إليها وجعله رسوله وأمنها عن الهلاك؛ فيكون قوله: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً ﴾ مما خافت عليه وحزنت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا ﴾ : كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها بما ذكر من قوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ...

﴾ الآية، فلم تكد أن تبدي، وهو كما ذكر: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ  ﴾ أي: كان يهم بها لو لم ير برهان ربّه لا أنه هم بها؛ وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً  ﴾ أي: كان يركن إليهم شيئاً قليلا لو لم يثبته، لكنه ثبته فلم يركن إليهم ونحوه؛ فعلى ذلك الأول.

وقال أهل التأويل: ربط قلبها بالإيمان.

وجائز أن يكون ربطه قلبها لما ذكر من قوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: ﴿ فَارِغاً ﴾ من عهد الله الذي كان عهد إليها، أنساها عهد الله عظم البلاء الذي حل بها، فكادت تبدي به، ثم تداركها الله بالرحمة فربط على قلبها فذكرت وارعوت.

وقال بعضهم: اتخذه فرعون ولداً، فصار الناس يقولون: ابن فرعون ابن فرعون، فأدركت أمه الرقة وحبّ الولد فكادت تقول: بل هو ابني، والأوّل أشبه، وفي حرف ابن مسعود وأبيّ وحفصة: ﴿ إن كادت لتشعر به ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾ أي: اتبعي أثره.

وقوله: ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ ﴾ قيل: عن بعد، أي: كانت تتبع أثره عن بعد منه.

وقال بعضهم: الجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى موضع بعيد، وهو إلى جنبه بقرب منه، وذلك عند الناس معروف ظاهر فيهم ذلك.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ ﴾ قال: مشيت بجانبه وهي معرضة عنه كأجنبية.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : أن هذه تراقبه أو تنظر إليه وتحفظه.

أو لا يشعرون أن هلاكهم على يديه.

بصرت وأبصرت واحد.

وقوله: ﴿ عَن جُنُبٍ ﴾ : عن ناحية بعيدة، وجوانب: جماعة، ويقال: رجل جنب وقوم أجناب، وجانب وأجناب وأجانب وأجنبي أي: غريب، وهذا كله من الاجتناب؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقوله: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ﴾ : حرم تحريم منع وحظر الذي ضده الإطلاق والإرسال، لا التحريم الذي ضده الحل، وذلك لطف من الله  وفضل ورحمة؛ حيث منع موسى عن أن يرتضع من النساء وهو طفل، وهَمُّ أمثاله الارتضاع والرغبة في التناول من كل لبن ومن كل مرضع ترضعه لا تمييز لهم في الارتضاع؛ فدل امتناعه وكفه نفسه عن الارتضاع من النساء أجمع أن ذلك لطف من الله أعطاه ليمتنع عنه.

فعلى ذلك جائز أن يكون عند الله لطف لو أعطى الكافر الذي همته الكفر والرغبة فيه لآمن واهتدى، لكنه لما عرف رغبته وهمته فيه واختياره له منع ذلك عنه ولم يعطه.

وهذا الحرف ينقض على المعتزلة مذهبهم في زعمهم أن الله قد أعطى كل كافر السبب الذي به يؤمن وما به يصير مؤمناً، حتى لم يبق شيء مما يكون به إيمانه إلا وقد أعطاه، لكنه لم يؤمن، فينقض قولهم ما ذكرنا من أمر موسى أن عنده لطفاً لم يعطه لو أعطاه لآمن واهتدى، لكنه لم يعطه لما ذكرنا.

وفيه لطف آخر: وهو أن فرعون والقبط كانوا يقتلون الولدان من الذكور؛ ليصير الذي يخاف هلاكه وذهاب ملكه على يديه مقتولا، فجعل الله بلطفه ورحمته محبته في قلب فرعون وقلوب أهله، حتى صار أحب الخلق إليهم، وصاروا هم أشفق الناس وأرحمهم عليه، حتى خافوا هلاكه وطلبوا له المراضع؛ لئلا يهلك بعدما كانوا يطلبون هلاكه وتلفه، وذلك لطف منه له ورحمة، وهو ما قال: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي  ﴾ ، وبالله يستفاد كل فضل ونعمة.

وقوله: ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ فَقَالَتْ ﴾ أي: أخته التي كانت تتبعه وتمشي على أثره، وذلك منها تعريض بالدلالة لهم إلى أمّه؛ لئلا يشعروا أنها أمّه حيث قالت: ﴿ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ ﴾ ، ولم تقل: على امرأة لها لبن وهي ترضع، ولعلها لو قالت لهم ذلك وقع عندهم أنها أمه، ولكن دلتهم إلى بيت ليقع عندهم أنهم أهل بيت قتل ولدهم ولهم ولد يكفلونه لكم، أي: يقبلونه ويضمونه إلى أنفسهم.

﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ : يحتمل قولهم: ﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ أي: لفرعون لا يخونونه فيه.

ويحتمل ﴿ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾ لموسى.

وقوله: ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ﴾ : بالمقام معه والكون عندها، ﴿ وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ : على فراقه.

أو أن يقال: ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: تسرّ بردّه إليها، وذلك معروف في النساء ظاهر أنهن يحزن بمفارقة أولادهن ويهممن لذلك، ويسررن إذا جعلوا إليهن واجتمعوا.

وقوله: ﴿ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ : كانت تعلم هي - والله أعلم - أن وعد الله حق كائن لا محالة، لكن علم خبر لا علم عيان ومشاهدة؛ كأنه قال: لتعلم علم عيان ومشاهدة ما علمت علم خبر؛ لأن علم العيان والمشاهدة أكبر وأبلغ وأتقى للشبهة من علم الإخبار؛ ألا ترى أن إبراهيم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى، وإن كان يعلم حقيقة أنه يحيي الموتى، وأنه قادر على ذلك، لكنه كان يعلمه علم خبر فأحبّ أن يعلمه علم عيان ومشاهدة؛ لأنه أكبر وأبلغ وأدفع للوساوس من علم الإخبار؟!

فعلى ذلك هذا.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : والمعتزلة فيهم؛ لأنه أخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين؛ حيث قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وهم يقولون: أراد ألاَّ يملأ جهنم؛ لأنهم يقولون: إنه أراد إيمان كل الناس جميعاً وشاء ذلك لهم فلم يؤمنوا، فعلى قولهم: إذا شاء ذلك لهم شاء ألاَّ يملأ جهنم منهم، فذلك خلف في الوعد وكذب في القول على قولهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وامتنع موسى بتدبير من الله عن الرضاع من النساء، فلما رأت أخته حرصهم على إرضاعه قالت لهم: هل أرشدكم إلى أهل بيت يقومون بإرضاعه ورعايته، وهم له ناصحون؟

<div class="verse-tafsir" id="91.J1v08"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده