تفسير الآية ٧٥ من سورة القصص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 28 القصص > الآية ٧٥ من سورة القصص

وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا فَقُلْنَا هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ فَعَلِمُوٓا۟ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٧٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧٥ من سورة القصص من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧٥ من سورة القصص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ونزعنا من كل أمة شهيدا ) : قال مجاهد : يعني رسولا .

( فقلنا هاتوا برهانكم ) أي : على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء ، ( فعلموا أن الحق لله ) أي : لا إله غيره ، أي : فلم ينطقوا ولم يحيروا جوابا ، ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي : ذهبوا فلم ينفعوهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ) وأحضرنا من كلّ جماعة شهيدها وهو نبيها الذي يشهد عليها بما أجابته أمته فيما أتاهم به عن الله من الرسالة.

وقيل: ( ونـزعنا ) من قوله: نـزع فلان بحجة كذا, بمعنى: أحضرها وأخرجها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: ( وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ) وشهيدُها: نبيّها, يشهد عليها أنه قد بَلَّغ رسالة ربه.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا; عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد; قوله: ( وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ) قال: رسولا.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بنحوه.

وقوله: ( فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) يقول: فقلنا لأمة كلّ نبيّ منهم التي ردّت نصيحته, وكذّبت بما جاءها به من عند ربهم, إذ شهد نبيها عليها بإبلاغه إياها رسالة الله: ( هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) يقول: فقال لهم: هاتوا حجتكم على إشراككم بالله ما كنتم تشركون مع إعذار الله إليكم بالرسل (1) وإقامته عليكم بالحجج.

وبنحو الذي قلنا في ذلك, قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قَتادة ( فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) أي بيّنتكم.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) قال: حجتكم لما كنتم تعبدون وتقولون.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) قال: حجتكم بما كنتم تعبدون.

وقوله: ( فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ) يقول: فعلموا حينئذ أن الحجة البالغة لله عليهم, وأن الحق لله, والصدق خبره, فأيقنوا بعذاب من الله لهم دائم ( وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) يقول: واضمحل فذهب الذي كانوا يُشركون بالله في الدنيا, وما كانوا يتخرّصون, ويكذبون عليّ بهم, فلم ينفعهم هنالك بل ضرّهم وأصلاهم نار جهنم.

----------------- الهوامش : (1) في الأصل: للرسل، باللام.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ونزعنا من كل أمة شهيدا أي نبيا ; عن مجاهد وقيل : هم عدول الآخرة يشهدون على العباد بأعمالهم في الدنيا والأول أظهر ; لقوله تعالى : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا وشهيد كل أمة رسولها الذي يشهد عليها .[ ص: 284 ] والشهيد : الحاضر أي أحضرنا رسولهم المبعوث إليهم فقلنا هاتوا برهانكم أي حجتكم .

فعلموا أن الحق لله أي علموا صدق ما جاءت به الأنبياء وضل عنهم أي ذهب عنهم وبطل .

ما كانوا يفترون أي يختلقونه من الكذب على الله تعالى من أن معه آلهة تعبد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فإذا حضروا وإياهم، نزع { مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ } من الأمم المكذبة { شَهِيدًا } يشهد على ما جرى في الدنيا، من شركهم واعتقادهم، وهؤلاء بمنزلة المنتخبين.أي: انتخبنا من رؤساء المكذبين من يتصدى للخصومة عنهم، والمجادلة عن إخوانهم، ومن هم وإياهم على طريق واحد، فإذا برزوا للمحاكمة { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } حجتكم ودليلكم على صحة شرككم، هل أمرناكم بذلك؟

هل أمرتكم رسلي؟

هل وجدتم ذلك في شيء من كتبي؟

هل فيهم أحد يستحق شيئا من الإلهية؟

هل ينفعونكم، أو يدفعون عنكم من عذاب اللّه أو يغنون عنكم؟

فليفعلوا إذا [إن] كان فيهم أهلية وليروكم إن كان لهم قدرة، { فَعَلِمُوا } حينئذ بطلان قولهم وفساده، و { أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ } تعالى، قد توجهت عليهم الخصومة، وانقطعت حجتهم، وأفلجت حجة اللّه، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } من الكذب والإفك، واضمحل وتلاشى وعدم، وعلموا أن اللّه قد عدل فيهم، حيث لم يضع العقوبة إلا بمن استحقها واستأهلها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ونزعنا ) أخرجنا ، ( من كل أمة شهيدا ) يعني : رسولهم الذي أرسل إليهم ، كما قال : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد " ( النساء - 41 ) ، ( فقلنا هاتوا برهانكم ) حجتكم بأن معي شريكا .

( فعلموا أن الحق ) التوحيد ، ( لله وضل عنهم ما كانوا يفترون ) في الدنيا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ونزعنا» أخرجنا «من كل أمة شهيداً» وهو نبيهم يشهد عليهم بما قالوا «فقلنا» لهم «هاتوا برهانكم» على ما قلتم من الإشراك «فعلموا أن الحق» في الإلهية «لله» لا يشاركه فيه أحد «وضل» غاب «عنهم ما كانوا يفترون» في الدنيا من أن معه شريكاً تعالى عن ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ونزعنا من كل أمة من الأمم المكذبة شهيدا -وهو نبيُّهم-، يشهد على ما جرى في الدنيا من شركهم وتكذيبهم لرسلهم، فقلنا لتلك الأمم التي كذبت رسلها وما جاءت به من عند الله: هاتوا حجتكم على ما أشركتم مع الله، فعلموا حينئذ أن الحجة البالغة لله عليهم، وأن الحق لله، وذهب عنهم ما كانوا يفترون على ربهم، فلم ينفعهم ذلك، بل ضرَّهم وأوردهم نار جهنم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) .أى : أخرجنا بسرعة من كل أمة من الأمم شهيدا يشهد عليهم ، والمراد به الرسول الذى أرسله - سبحانه - إلى تلك الأمة المشهود عليها .

( فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ) أى : فقلنا لهؤلاء المشركين - بعد أن شهد عليهم أنبياؤهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله - قلنا لهم : هاتوا برهانكم وأدلتكم على صحة ما كنتم عليه من شرك وكفر فى الدنيا : والأمر هنا للتعجيز والإفضاح .ولذا عقب - سبحانه - عليهم بقوله : ( فعلموا أَنَّ الحق لِلَّهِ ) أى : فعجزوا عن الإتيان بالبرهان ، وعلموا أن العبادة الحق إنما هى لله - تعالى - وحده .

( وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) أى : وغاب عنهم ما كانوا يفترونه فى حياتهم ، من أن معبوداتهم الباطلة ستشفع لهم يوم القيامة .وبعد هذا البيان المتنوع عن دعاوى المشركين والرد عليها ، وعن أحوالهم يوم القيامة ، وعن أحوالهم المؤمنين الصادقين .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما هجن طريقة المشركين، أولاً ثم ذكر التوحيد ودلائله، ثانياً عاد إلى تهجين طريقتهم مرة أخرى وشرح حالهم في الآخرة فقال: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ﴾ أي القيامة ﴿ فيقول أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ والمعنى أين الذين ادعيتم إلهيتهم لتخلصكم، أو أين قولكم تقربنا إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله فيكون ذلك زائداً في غمهم إذا خوطبوا بهذا القول.

أما قوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ فالمراد ميزنا واحداً ليشهد عليهم، ثم قال بعضهم هم الأنبياء يشهدون بأنهم بلغوا القوم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زائداً في غمهم، وقال آخرون بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب لأنه تعالى عم كل أمة وكل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه الأحوال التي لم يوجد فيها النبي وهي أزمنة الفترات والأزمنة التي حصلت بعد محمد صلى الله عليه وسلم فعلموا حينئذٍ أن الحق لله ولرسله ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ﴾ غاب عنهم غيبة الشئ الضائع ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ من الباطل والكذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَنَزَعْنَا ﴾ وأخرجنا ﴿ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ وهو نبيهم: لأن أنبياء الأمم شهداء عليهم، يشهدون بما كانوا عليه ﴿ فَقُلْنَا ﴾ للأمة ﴿ هَاتُواْ برهانكم ﴾ فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول ﴿ فَعَلِمُواْ ﴾ حينئذٍ ﴿ أَنَّ الحق لِلَّهِ ﴾ ولرسوله، لا لهم ولشياطينهم ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ﴾ وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ من الكذب والباطل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ تَقْرِيعٌ بَعْدَ تَقْرِيعٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا شَيْءَ أجْلَبُ لِغَضَبِ اللَّهِ مِنَ الإشْراكِ بِهِ، أوِ الأوَّلُ لِتَقْرِيرِ فَسادِ رَأْيِهِمْ والثّانِي لِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ سَنَدٍ وإنَّما كانَ مَحْضَ تَشَهٍّ وهَوًى.

﴿ وَنَزَعْنا ﴾ وأخْرَجْنا.

﴿ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ وهو نَبِيُّهم يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ.

﴿ فَقُلْنا ﴾ لِلْأُمَمِ.

﴿ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى صِحَّةِ ما كُنْتُمْ تَدِينُونَ بِهِ.

﴿ فَعَلِمُوا ﴾ حِينَئِذٍ.

﴿ أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ لا يُشارِكُهُ فِيها أحَدٌ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الضّائِعِ.

﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ الباطِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَنَزَعْنَا} وأخرجنا {مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} يعني نبيهم لأن الأنبياء للأمم شهداء عليهم يشهدون بما كانوا عليه {فَقُلْنَا} للأمم {هَاتُواْ برهانكم} فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسل {فَعَلِمُواْ} حينئذ {أَنَّ الحق لِلَّهِ} التوحيد {وَضَلَّ عَنْهُم} وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من ألوهية غير الله والشفاعة لهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ونَزَعْنا ﴾ عَطْفٌ عَلى يُنادِيهِمْ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ النَّزْعِ وتَهْوِيلِهِ أيْ أخْرَجْنا بِسُرْعَةٍ ﴿ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ مِنَ الأُمَمِ ﴿ شَهِيدًا ﴾ شاهِدًا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ وهو نَبِيُّ تِلْكَ الأُمَّةِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا  ﴾ وهَذا في مَوْقِفٍ مِن مَواقِفِ يَوْمِ القِيامَةِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ الشَّهِيدِ في مَوْقِفٍ آخَرَ غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ  ﴾ فَإنَّهُ دالٌّ في الظّاهِرِ عَلى مُغايَرَةِ الشُّهَداءِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وقِيلَ: يَجُوزُ اتِّحادُ المَوْقِفِ والدَّلالَةُ عَلى المُغايَرَةِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ ولَوْ سُلِّمَتْ فَشَهادَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا تُنافِي شَهادَةَ غَيْرِهِمْ مَعَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴾ وإفْرادُ شَهِيدٍ ظاهِرٌ فِيما تَقَدَّمَ، ومِن هُنا قالَ في البَحْرِ قِيلَ: أيْ عُدُولًا وخِيارًا، والشَّهِيدُ عَلَيْهِ اسْمُ جِنْسٍ ﴿ فَقُلْنا ﴾ لِكُلٍّ مِن تِلْكَ الأُمَمِ ﴿ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى صِحَّةِ ما كُنْتُمْ تَدِينُونَ بِهِ ﴿ فَعَلِمُوا ﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿ أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ﴾ في الأُلُوهِيَّةِ لا يُشارِكُهُ سُبْحانَهُ فِيها أحَدٌ.

﴿ وضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أيْ وغابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ فَضَلَّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى غابَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً.

ما ﴿ كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الباطِلِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ يعني: من الشرك وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ أي: من الناجين الفائزين بالخير.

قوله عز وجل: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وذلك أن الوليد بن المغيرة كان يقول: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] يعني به نفسه وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف فقال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ للرسالة من يشاء مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ يعني: ليس الخيار إليهم.

ويقال: هو ربك يخلق ما يشاء، ويختار لهم ما يشاء، مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي ما كان لهم طلب الخيار، والأفضل.

ويقال: ما كان لبعضهم على بعض فضل، والله تعالى هو الذي يختار.

وقال الزجاج: الوقف على قوله وَيَخْتارُ.

والمعنى: وربك يخلق ما يشاء، ويختار.

ثم قال: مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، أي لم يكن لهم أبداً أن يختاروا على الله، ويكون ما للنفي.

قال: ووجه آخر أن تكون بمعنى الذي، يعني: وربك يخلق ما يشاء، ويختار الذي لهم الخيرة أن يدعوهم إليه من عبادته، ما لهم فيه الخيرة.

ويقال: ما كان لهم الخيرة.

يعني: ليس لهم أن يختاروا على الله عز وجل، وليس إليهم الاختيار، والمعنى: لا نرسل الرسل إليهم على اختيارهم.

ثم قال: سُبْحانَ اللَّهِ أي تنزيهاً لله وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: ما تضمر وتسر قلوبهم وَما يُعْلِنُونَ من القول وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني: لا خالق ولا رازق غيره لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أي: في الدنيا والآخرة.

وقال مقاتل: يعني يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الجنة ويقال: له الألوهية في الدنيا والآخرة، وله الحكم، يعني نفاذ الحكم، والقضاء يحكم في الدنيا والآخرة بما يشاء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.

قوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ يعني: ألا تنظرون إلى نعمة الله تعالى في خلق الليل والنهار لمصلحة الخلق، فلو جعل عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً أي دائماً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ المواعظ، وتعتبرون بها.

قوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني: دائماً مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ يعني: تقرّون وتستريحون فيه أَفَلا تُبْصِرُونَ من يفعل ذلك بكم، لأن العيش لا يصلح إلا بالليل والنهار، فأخبر عن صنعه لمصلحة الخلق، ليشكروه ويوحدوه ويعبدوه فقال: وَمِنْ رَحْمَتِهِ أي ومن نعمته وفضله جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يعني: في الليل وجعل لكم النهار وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني: لتطلبوا من رزقه في النهار وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: تشكرون رب هذه النعمة.

ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني: أَنذَرَهُمْ بذلك اليوم ويقال: معناه اذكر ذلك اليوم الذي يناديهم يعني: يدعوهم فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنها لي شريك وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً يعني: أخرجنا من كل أمة نبيها ورسولها شَهِيداً بالرسالة والبلاغ فَقُلْنا للمشركين هاتُوا بُرْهانَكُمْ يعني: حجتكم بأن معي شريكاً، فلم يكن لهم حجة فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني: أن عبادة الله هي الحق.

ويقال: علموا أن التوحيد لله.

ويقال: إن الحق ما دعا إليه الله، وأتاهم به الرسول وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: اشتغل عنهم بأنفسهم مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: يكذبون في الدنيا يعني: الأصنام.

ويقال: الشياطين.

ويقال: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ يعني: لم ينتفعوا بما عبدوه من دون الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَيَخْتارُ ...

الآية، قِيلَ: سَبَبُها، قولُ قريش: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] .

ونحوُ ذلك من قولهم فَرَدَّ اللهُ عليهم بهذه الآيةِ، وجماعة المفسرين: أن «ما» نافيةٌ، أي: ليس لهم الخِيرَةُ، وذهبَ الطبريُّ «١» إلى أن ما مفعولة ب يَخْتارُ أي: ويختارُ الذي لَهُمْ فيه الخِيَرةُ، وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مِن سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللهَ، وَمِنْ شَقَاوَتِهِ تَرْكُهُ» «٢» رواه الحاكم في «المستدرك» وقالَ: صحيحُ الإِسناد، انتهى من «السلاح» .

وباقي الآية بَيِّنٌ.

والسَّرْمَدُ مِنَ الأَشْيَاءِ: الدَّائِمُ الذي لا ينقطع.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)

ت: وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ...

، الآيةُ معناها بيِّنٌ، وينبغي للعَاقِل أَلاَّ يجعلَ ليلَهُ كُلَّهُ نَوْماً فَيَكونَ ضَائِعَ العُمْرِ جِيفَةً بالليلِ بطَّالاً بالنَّهَارِ، كما قيل: [الطويل]

نَهَارُكَ بَطَّالٌ وَلَيْلُكَ نَائِم ...

كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ البَهَائِمُ

فإنْ أرَدْتَ أَيُّهَا الأخ أن تكونَ من الأَبرَارِ فعليكَ بالقيامِ في الأَسْحَارِ، وقد نقل صاحبُ «الكوكب الدري» عن البزار أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أتدرون ما قالت أمّ سليمان

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَسْمَعُونَ ﴾ أيْ: سَماعُ فَهْمٍ وقَبُولٍ فَتَسْتَدِلُّوا بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى؟!

ومَعْنى ﴿ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ : تَسْتَرِيحُونَ مِنَ الحَرَكَةِ والنَّصَبِ ﴿ أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والضَّلالَةِ؟!

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ رَحْمَةٌ مِنهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ يَعْنِي في اللَّيْلِ ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ: لِتَلْتَمِسُوا مِن رِزْقِهِ بِالمَعاشِ في النَّهارِ ﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ أيْ: أخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولَها الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيْها بِالتَّبْلِيغِ ﴿ فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ أيْ: حُجَّتُكم عَلى ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِي ﴿ فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ﴾ أيْ: عَلِمُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: بَطَلٌ في الآخِرَةِ ﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الشُّرَكاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ﴿ وَنَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ، وكَرَّرَ هَذا المَعْنى إبْلاغًا وتَحْذِيرًا، وهَذا النِداءُ هو عِنْدَ ظُهُورِ كُلِّ ما وعَدَ الرَحْمَنُ عَلى ألْسِنَةِ المُرْسَلِينَ مِن وُجُوبِ الرَحْمَةِ لِقَوْمٍ والعَذابِ لِآخَرِينَ، ومِن خُضُوعِ كُلِّ جَبّارٍ وذِلَّةٍ لِعَزَّةَ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَتَوَجَّهُ حِينَئِذٍ تَوْبِيخُ الكُفّارِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى لَهُمْ: ﴿ أيْنَ شُرَكائِيَ ﴾ عَلى مَعْنى التَقْرِيعُ.

ثُمْ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ يُخْرِجُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا يُمَيِّزُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الناسِ، وهَذا هو النَزْعُ، أيْ: يُمَيِّزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَيَنْتَزِعُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِـ "الشَهِيدِ" الَّذِي يَشْهَدُ عَلى أُمَّتِهِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: أرادَ عُدُولًا مِنَ الأُمَمِ وأخْيارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهم حَمَلَةُ الحُجَّةِ الَّذِينَ لا يَخْلُو مِنهم زَمَنٌ، و"الشَهِيدُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ الجِنْسِ، وفي هَذا المَوْضِعِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: يَشْهَدُ الشَهِيدُ عَلى الأُمَّةِ بِخَيْرِها وشَرِّها، فَيَحِقُّ العَذابُ عَلى مَن كَفَرَ، ويُقالُ لَهم -عَلى جِهَةِ اسْتِبْراءِ الحُجَّةِ والإعْذارِ في المُحاوَلَةِ-: ﴿ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ ، أيْ حُجَّتَكم عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُنْيا إنْ كانَ لَكُمْ، فَيَسْقُطُ حِينَئِذٍ في أيْدِيهِمْ، ويَعْلَمُونَ أنَّ الحَقَّ مُتَوَجِّهٌ لَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ في تَعْذِيبِهِمْ، ويَنْكَشِفُ لَهم ما كانُوا بِسَبِيلِهِ في الدُنْيا مِن كَذِبٍ مُخْتَلَقٍ وزُورٍ في قَوْلِهِمْ لِلْأصْنامِ: هَذِهِ آلِهَةٌ، وفي تَكْذِيبِهِمُ الرُسُلَ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

ومِن هَذِهِ الآيَةِ انْتُزِعَ قَوْلُ القاضِي عِنْدَ إرادَةِ الحُكْمِ: أبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كررت جملة ﴿ يوم يناديهم ﴾ مرة ثانية لأن التكرير من مقتضيات مقام التوبيخ فلذلك لم يقل: ويوم ننزع من كل أمة شهيداً، فأعيد ذكر أن الله يناديهم بهذا الاستفهام التقريعي وينزع من كل أمة شهيداً، فظاهر الآية أن ذلك النداء يكرر يوم القيامة.

ويحتمل أنه إنما كررت حكايته وأنه نداء واحد يقع عقبه جواب الذين حق عليهم القول من مشركي العرب ويقع نزع شهيد من كل أمة عليهم فهو شامل لمشركي العرب وغيرهم من الأمم.

وجيء بفعل المضي في ﴿ نزعنا ﴾ : إما للدلالة على تحقيق وقوعه حتى كأنه قد وقع، وإما لأن الواو للحال وهي يعقبها الماضي ب (قد) وبدون (قد) أي يوم يكون ذلك النداء وقد أخرجنا من كل أمة شهيداً عليهم وأخرجنا من هؤلاء شهيداً وهو محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى ﴿ ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ [النحل: 89].

وشهيد كل أمة رسولها.

والنزع: جذب شيء من بين ما هو مختلط به واستعير هنا لإخراج بعض من جماعة كما في قوله تعالى ﴿ ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمان عتياً ﴾ في سورة مريم (69).

وذلك أن الأمم تأتي إلى المحشر تتبع أنبياءها، وهذا المجيء الأول، ثم تأتي الأنبياء مع كل واحد منهم من آمنوا به كما ورد في الحديث " يأتي النبي معه الرهط والنبي وحده ما معه أحد».

" والتُفت من الغيبة إلى التكلم في ﴿ ونزعنا ﴾ لإظهار عظمة التكلم، وعطف ﴿ فقلنا ﴾ على ﴿ ونزعنا ﴾ لأنه المقصود.

والمخاطب ب ﴿ هاتوا ﴾ هم المشركون، أي هاتوا برهانكم على إلهية أصنامكم.

و ﴿ هاتوا ﴾ اسم فعل معناه ناولوا، وهات مبني على الكسر.

وقد تقدم في قوله تعالى ﴿ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ في سورة البقرة (111)، واستعيرت المناولة للإظهار.

والأمر مستعمل في التعجيز فهو يقتضي أنهم على الباطل فيما زعموه من الشركاء، ولما علموا عجزهم من إظهار برهان لهم في جعل الشركاء لله أيقنوا أن الحق مستحق لله تعالى، أي علموا علم اليقين أنهم لا حق لهم في إثبات الشركاء وأن الحق لله إذ كان ينهاهم عن الشرك على لسان الرسول في الدنيا، وأن الحق لله إذ ناداهم بأمر التعجيز في قوله ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ .

و ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ يشمل ما كانوا يكذبونه من المزاعم في إلهية الأصنام وما كانوا يفترون له الإلهية من الأصنام، كل ذلك كانوا يفترونه.

والضلال: أصله عدم الاهتداء إلى الطريق.

واستعير هنا لعدم خطور الشيء في البال ولعدم حضوره في المحضر من استعمال اللفظ في مجازيه.

و ﴿ عنهم ﴾ متعلق بفعل ﴿ ضل ﴾ .

والمراد: ضل عن عقولهم وعن مقامهم؛ مثلوا بالمقصود للسائر في طريق حين يخطئ الطريق فلا يبلغ المكان المقصود.

وعلق بالضلال ضمير ذواتهم ليشمل ضلال الأمرين فيفيد أنهم لم يجدوا حجة يروجون بها زعمهم إلهية الأصنام، ولم يجدوا الأصنام حاضرة للشفاعة فيهم فوجموا عن الجواب وأيقنوا بالمؤاخذة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَنَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْرَجْنا مِن كُلِّ أمَةٍ رَسُولًا مَبْعُوثًا إلَيْها.

الثّانِي: أحْضَرْنا مِن كُلِّ أمَةٍ رَسُولًا يَشْهَدُ عَلَيْها أنْ قَدْ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ إلَيْها، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حُجَّتُكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: بَيِّنَتُكم، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العَدْلَ لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: التَّوْحِيدُ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: الحُجَّةُ لِلَّهِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ يَعْنِي في القِيامَةِ.

﴿ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الكَذِبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إن جعل الله عليكم الليل سرمداً ﴾ قال: دائماً.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سرمداً ﴾ قال: دائماً لا ينقطع.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سرمداً إلى يوم القيامة ﴾ قال: دائماً ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ قال.

بنهار.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ قال: في الليل ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ قال: في النهار.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونزعنا من كل أمة شهيداً ﴾ قال: رسولاً ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ قال: هاتوا حجتكم بما كنتم تعبدون وتقولون.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ونزعنا من كل أمة شهيداً ﴾ قال: شهيدها: نبيها.

ليشهد عليها أنه قد بلغ رسالات ربه ﴿ فقلنا هاتوا برهانكم ﴾ قال: بَيّنَتَكُمْ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وضلّ عنهم ﴾ في القيامة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ يكذبون في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ قال مقاتل: يعني: وأخرجنا، وشهيدها: رسولها الذي يشهد عليها بالبلاغ (١) (٢) قال ابن قتيبة: أي: أحضرنا رسولهم المبعوث إليهم (٣) (٤) ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا  ﴾ (٥) وقوله: ﴿ فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ﴾ قال مجاهد: حجتكم بما كنتم تعبدون وتقولون (٦) وقال مقاتل: حجتكم بأن معي شريكًا (٧) وقال أبو إسحاق: أي هاتوا فيما اعتقدتم برهانًا، أي: بيانًا، إن كنتم على حق (٨) قوله: ﴿ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ﴾ قال ابن عباس: فلم يجيبوا، وعلموا أن الذي جاءهم به رسلهم هو الحق.

وقال مقاتل: فعلموا أن التوحيد لله ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ في الآخرة ﴿ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ في الدنيا أن مع الله شريكًا (٩) (١) "تفسير مقاتل" 68 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 20/ 104، وابن أبي حاتم 9/ 3004، عن مجاهد وقتادة.

و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 153.

و"تفسير الثعلبي" 8/ 151 أ.

(٣) "غريب القرآن" لابن قتيبة 334.

(٤) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 110.

(٥) ذكر الآيتين، الثعلبي 8/ 151 أ.

(٦) أخرجه ابن جرير 20/ 105، وابن أبي حاتم 9/ 3005.

(٧) "تفسير مقاتل" 68 ب.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 153.

(٩) "تفسير مقاتل" 68 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ أي أخرجنا من كل أمة شهيداً منهم يشهد عليهم بأعمالهم وهو نبيهم، لأن كل نبي يشهد على أمته ﴿ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر، وذلك إعذار لهم وتوبيخ وتعجيز.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سحران ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ ساحران تظاهرا ﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿ تجبى إليه ﴾ بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون على التذكير ﴿ يعقلون ﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ ثم هو ﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿ تبرأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ .

الوقوف: ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ العمر ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿ آياتنا ﴾ ج لما مر ﴿ مرسلين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ ما أوتي موسى ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿ تظاهرا ﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أهواهم ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه لأن ﴿ الذين ﴾ مبتدأ ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿ عليكم ﴾ ط لذلك ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ أرضنا ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ معيشتها ﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الوارثين ﴾ ه ﴿ آياتنا ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ ظالمون ﴾ ه ﴿ وزينتها ﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿ وأبقى ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ تزعمون ﴾ ه ﴿ أغوينا ﴾ ج ﴿ غوينا ﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿ إليك ﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ج لجواز تعلق "لو" بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿ يهتدون ﴾ والوقف على ﴿ لهم ﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ لا يتساءلون ﴾ ه ﴿ المفلحين ﴾ ه ﴿ ويختار ﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿ الخيرة ﴾ ه ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ يعلنون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ز لعطف الجمل ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا  فذكر أوّلاً أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب أنواراً للقلوب وإرشاداً لأهل الضلال وسبباً لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي التذكر إلى موسى.

ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه  لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ اي بجانب المكان الواقع في شق الغرب وهو ناحية الشأم التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء.

﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ على ذلك فقد يكون الشخص حاضراً ولا يكون شاهداً ولا مشاهداً.

قال ابن عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى.

ثم قال ﴿ ولكنا أنشأنا ﴾ بعد عهد موسى إلى عهدك ﴿ قروناً فتطاول عليهم العمر ﴾ فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى آخرهم قرناً وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرّفناك أحوال الأنبياء.

وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوّتك.

ثم فصل ما أجمل فذكر أوّل أمر موسى وبين أنه  لم يكن هناك وهو قوله ﴿ وما كنت ثاوياً ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ وهم شعيب والمؤمنون به ﴿ تتلوا عليهم آياتنا ﴾ قال مقاتل: أي لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا ارسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها.

وقال الضحاك: يقول يا محمد: إنك لم تكن رسولاً إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ في كل زمان رسولاً فأرسلنا إلى أهل مدين شعيباً وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء.

ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين أنه لم يكن هناك فقال ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ الأظهر أنه يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه.

وعن بعض المفسرين أنه اراد قوله ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها  ﴾ إلى قوله ﴿ المفلحون  ﴾ وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني وأغفر لكم قبل أن تستغفروني.

قال: وإنما قال الله  ذلك حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات ربه.

وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد  قال: يا رب أرنيهم.

قال: إنك لن تردكهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم.

قال: بلى يا رب.

فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال  : أجبتكم قبل أن تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس.

وروى سهل بن سعد أن رسول الله  قال في قوله ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قال: "كتب الله كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله أدخله الجنة" .

قوله ﴿ ولكن رحمة ﴾ أي ولكنا علمناك ﴿ رحمة من ربك ﴾ ثم فسر الرحمة بقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة.

وقيل: كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة عليهم، فبعثه الله تعالى تقريراً لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة.

قوله ﴿ ولولا أن تصيبهم ﴾ هي امتناعية وجوابها محذوف.

والفاء في قوله ﴿ فيقولوا ﴾ للعطف على أن تصيبهم، وقوله ﴿ لولا أرسلت ﴾ هي تخصيصية.

والفاء في ﴿ فنتبع ﴾ جواب "لولا"، وذلك أن التخصيص في حكم الأمر لأن كلاً منهما بعث على الفعل.

والمعنى: ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدّموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولاً محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم.

والحاصل أن إرسال الرسول لجل إزالة هذا العذر.

قال اصحاب اليبان: القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها "لولا" وجيء بالقول معطوفاً عليها بفاء السببية تنبيهاً على أنهم لو لم يعاقبوا على كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، فالسبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا يبان استحكام كفرهم وتصميمهم.

قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت.

وقال الكعبي: فيه دليل على أنه  يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله  .

وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان موقوفاً على خلق الله فأيّ فائدة في قولهم هذا.

ومعارضة الأشاعرة بالعلم والداعي معلومة.

ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا مقصود لهم إلا العناد فقال ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ اي الرسول المصدّق بالكتاب المعجز ﴿ قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ﴾ من الكتاب المنزل جملة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم يكفروا ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن اليهود أمروا قريشاً أن يسألوا محمداً مثل ما أوتي موسى فقال  : ﴿ أولم يكفروا ﴾ هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك الآيات الباهرة.

والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا في زمن موسى إلا أنه  جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر والعنت.

وقال الكلبي: إن مشركي مكة بعثوا رهطاً إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول اليهود قالوا: إنه كان ساحراً كما أن محمداً ساحر فقال الله  في حقهم ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ﴾ .

وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا أي تعاونا.

وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد  فـ ﴿ قالوا ساحران ﴾ والأظهر أن كفار مكة وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات.

ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال الله تعالى: ﴿ أولم يكفروا بما أوتي موسى ﴾ بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟

فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت.

من قرأ ﴿ ساحران ﴾ بالألف فظاهر، وأما من قرأ ﴿ سحران ﴾ فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو القرآن والتوراة.

وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم اشبه منها بالكتب.

وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوّي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار.

وفي تكرار ﴿ قالوا ﴾ وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة ﴿ وقالوا إنا بكل ﴾ من موسى ومحمد أو بكل من الكتابين ﴿ كافرون ﴾ مرة.

وثانيهما أن يكون قوله ﴿ وقالوا ﴾ معطوفاً على ﴿ أولم يكفروا ﴾ ثم عجزهم بقوله ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ اي مما أنزل على موسى ومما أنزل عليّ.

قال ابن عباس ﴿ فإِن لم يستجيبوا لك ﴾ معناه فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج.

وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما.

وهذا اشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا.

ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم.

وإنما لم يقل "فإن لم يأتوا" لأن قوله ﴿ فأتوا ﴾ أمر والأمر دعاء إلى الفعل فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى.

وفي قوله ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه ﴾ حال كونه ﴿ بغير هدى من الله ﴾ إشارة إلى فساد طريقة التقليد.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ اي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله  خاصة بالمؤمن.

وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقاً ومنها مالا يحسن إلا بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى  ﴾ والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذراً لهم.

ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ﴿ ولقد وصلنا ﴾ أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متصلاً بعضه في أثر بعض ليكون ذلك اقرب إلى التذكر والتذكير والتنبيه فإِنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة جديدة.

ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً ووعداً ووعيداً وقصصاً وعبراً إلى غير ذلك من معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا.

ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزاً مرة بعد أخرى.

وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله ﴾ أي من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمداً آمنوا به من جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام.

وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من ارض الحبشة في السفينة، وثمانية جاؤا من الشام.

وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم.

والتحقيق أن كل من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلاً في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ تعليل للإٍيمان به لأن كونه حقاً من الله يوجب الإيمان به.

وقوله ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك لما وجدوا في كتب الأنبياء من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل وجوده ونزوله.

وفي قوله ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أقوال بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعث ثم اثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك.

﴿ ويدرؤن بالحسنة ﴾ وهي الطاعة ﴿ السيئة ﴾ وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى.

يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه.

وقال السدي: عاب اليهود عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم.

مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم بالتحمل والتواضع.

وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك ﴿ أعرضوا عنه وقالوا ﴾ لأهل ذلك اللغو ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ لا نبتغي الجاهلين ﴾ لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا نسخ.

ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله.

قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في ابي طالب وذلك أنه قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي  : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟

قال: فما تريد يا ابن أخي؟

قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله.

قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند الموت.

وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله  ﴿ وهم ينهون وينأون عنه  ﴾ .

واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله ﴿ وانك لتهدي إلى صراط مستقيم  ﴾ لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة ههنا معلوم.

وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله  حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم ﴿ قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله  : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ أولم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ ومن دخله كان آمناً  ﴾ وبين مزيته بقوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ قالوا: الكل ههنا بمعنى الأكثر.

قلت: يحتمل أن يكون على أصله.

وانتصب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مصدر لأن ﴿ يجبى ﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله.

وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة.

وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله  مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى.

ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه  احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله  .

وفي الآية دلالة على صحة المحاجة.

لإزالة شبهة المبطلين.

قالت الشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على ايدي الناس وقد اضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن افعال العباد مستندة إلى الله.

ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.

ثم أجاب عن شبهتهم بحديث آخر مخلوط بالوعيد.

وانتصب ﴿ معيشتها ﴾ بنزع الخافض كقوله ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على أنه ظرف مكان مجازاً كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله فيه.

ومعنى ﴿ إلا قليلاً ﴾ قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة.

ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلاً.

﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ كقوله ﴿ ولله ميراث السموات والأرض  ﴾ لأنه الباقي بعد فناء خلقه.

ثم كان لسائل أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد  لم يهلكوا مع تماديهم في الغي؟

فقال ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ﴾ اي في القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها ﴿ رسولاً يتلو عليهم آياتنا ﴾ بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة.

قال في الكشاف: يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى - يعني مكة - رسولاً وهو محمد  خاتم الأنبياء.

وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله مع تكذيبهم وجحودهم فقال ﴿ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ﴾ بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من يخرج من نسله من يؤمن.

ثم اجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم أن قالا: تركنا الدين لأجل الدنيا.

فبين  بقوله ﴿ وما أوتيتم من شيء ﴾ الآية.

أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم.

ونبه على جهلهم بقوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله  ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير.

نظير الاية قوله  "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" .

قال البرهان: إنما السورة "وما أوتيتم" الواو وفي الشورى ﴿ فما أوتيتم  ﴾ بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله ههنا كثير تعلق، وقد تعلق في الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف.

وإنما زاد في هذه السورة ﴿ وزينتها ﴾ .

لأن المراد ههنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع مالا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة.

وأما في "الشورى" فلم يقصد الاستيعاب بل ما هو مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر الزينة.

ثم زاد البيان المذكور تأكيداً بقوله ﴿ افمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه ﴾ لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا محالة.

وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع الحياة الدنيا يسوّي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟

ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة ﴾ تراخي حال الإِحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن وقته.

وتخصيص لفظ ﴿ المحضرين ﴾ بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن.

قال الله  ﴿ لكنت من المحضرين  ﴾ ﴿ فإنهم لمحضرون  ﴾ ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعاراً به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإِلزام وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة.

قيل: نزلت في النبي  وأبي جهل.

وقيل: في علي وحمزة وأبي جهل.

وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة.

ثم ذكر من وصف القيامة قائلاً ﴿ ويوم يناديهم ﴾ أي فاذكر ذلك اليوم.

ومعنى الاستفهام في ﴿ أين ﴾ التوبيخ والتهكم.

ومفعولا ﴿ تزعمون ﴾ محذوفان تقديره تزعمونهم شركائي.

﴿ قال الذين حق عليهم القول ﴾ أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم الشياطين ورؤساء الكفر.

و ﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ الذين أغوينا ﴾ صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ﴿ أغويناهم ﴾ والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم أغويناهم فغووا غياً مثل ما غوينا.

قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضاً أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا.

وقالت المعتزلة: يعنون أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن أغواءنا ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال فيكون كما حكي عن الشيطان ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي  ﴾ ثم قالوا ﴿ تبرأنا إليك ﴾ منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ﴿ ما كانوا إيانا يعبدون ﴾ إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة.

وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى.

وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذاراً ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم وهو قوله: ﴿ وقيل ادعوا شركاءهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ﴾ زعم جم غفير من المفسرين أن جواب "لو" محذوف.

فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب.

وقيل: اراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئاً ولكنهم صاروا مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئاً فلا جرم ما رأوه.

وقيل: الضمير للأصنام أي كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب.

وقيل: "لو" للتمني أي تمنوا لو كانوا مهتدين.

ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.

ومعنى ﴿ عميت عليهم الأنباء ﴾ أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعاً لا يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسال بعض الناس بعضاً في المشكلات لأنهم متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال  ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا  ﴾ فما ظنك بضلال أممهم؟!

قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقاً من الله  وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك.

وكذا القول فيما تقدّم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك فيّ الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية والعذر ظاهراً.

وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي.

والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت.

وزيفه الأشعري بأن الكافر لو اورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهراً.

ولقائل أن يقول: السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت.

وحين فرغ من توبيخ الكفار وتهديدهم اتبعة ذكر التائبين وأنهم من المفلحين.

و"عسى" من الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب.

ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى وهي قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ فأجاب الله  عنها بقوله ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ﴾ لأنه المالك المطلق المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء.

وعلى مذهب المعتزلة هو حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير.

وقوله ﴿ ما كان لهم الخيرة ﴾ بيان لقوله ﴿ ويختار ﴾ والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم "محمد خيرة الله من خلقه".

وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ﴿ ما يشاء ﴾ ثم يقول ﴿ ويختار ما كان لهم الخيرة ﴾ قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه، واي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله.

فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك الأفضل لا يحصل فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة.

ثم قولهم "المستحق خير من المتفضل به" ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟

قلت: لقائل أن يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الله وتعالى عما يشركون ﴾ والغرض أن الخلق والاختيار والإِعزاز والإِذلال والإِهانة والإِجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.

ثم اكد ذلك بقوله ﴿ وربك يعلم ما تكن صدورهم ﴾ من عداوة نبيه ﴿ وما يعلنون ﴾ من مطاوعتهم فيه.

ويحتمل أن يكون عاماً يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية.

و ﴿ لا إله إلا هو ﴾ تقرير لما قبله ﴿ له الحمد في ﴾ الدار ﴿ الأولى ﴾ على نعمه الفائضة على البر والفاجر ﴿ و ﴾ في الدار ﴿ الآخرة ﴾ كقولهم ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن  ﴾ ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف.

قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم.

والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس.

قال القاضي: إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضاً بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به عليه من أن يوجب الشكر.

وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب.

ولقائل أن يقول: لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف.

ثم بين بقوله ﴿ وله الحكم ﴾ أن القضاء بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم ابيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه.

التأويل: ﴿ ولقد آتينا موسى ﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿ إذ قضينا إلى موسى ﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين  ﴾ وما كنت في عالم الشهادة ﴿ ولكنا أنشأنا قروناً ﴾ في عالم الشهادة ﴿ فتطاول عليهم العمر ﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿ وما كنت ﴾ مقيماً ﴿ في أهل مدين ﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم.

ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿ فلما جاءهم الحق ﴾ يعني محمداً.

وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿ لولا أوتي مثل ما أوتي ﴾ لولم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿ بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ﴾ ﴿ الذين آتيناهم ﴾ حقيقة ﴿ الكتاب ﴾ في عالم الأرواح ﴿ من قبل ﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿ هم به يؤمنون ﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ ولذلك قال ﴿ يؤتون أجرهم مرتين ﴾ أي في العالمين ﴿ بما صبروا ﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ ويدرؤن ﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ ومما رزقناهم ﴾ من الوجود المجازي ﴿ ينفقون ﴾ في طلب الوجود الحقيقي: ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ وهو طلب ماسوى الله ﴿ أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ ولكم أعمالكم ﴾ في طلب الفاني ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح ابداً، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿ أم على قلوب أقفالها  ﴾ وقال: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً  ﴾ ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ الذين اصابهم رشاش النور ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ﴾ بجذبات الألوهية من ارض الأنانية ﴿ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً ﴾ في مقام الهوية ﴿ يجبى إليه ثمرات ﴾ حقائق ﴿ كل شيء رزقاً ﴾ من العلوم اللدنية ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ ذوق العلم اللدني ﴿ لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً ﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿ إلا قليلاً ﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿ وكنا نحن الوارثين ﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ اي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿ رسولاً ﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى "تجوّع ترنى تجرد تصل إلي" ﴿ أغويناهم كما غوينا ﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿ فبما أغويتني  ﴾ أي ﴿ أغويناهم ﴾ بتقديريك ﴿ كما أغوينا ﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ ورأوا العذاب ﴾ يعني ﴿ لو كانوا يهتدون ﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ : قد ذكرناه.

وهذه الآيات التي يكررها ويعيدها مرة بعد مرة من قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ  ﴾ ، وأمثال ذلك مما يكثر على علم منه أنهم لا يصدقونها، ولا يقبلونها ولا يستمعون إليها وإن كررت وأعيدت غير مرة؛ فهو - والله أعلم - يخرج على وجهين: أحدهما: لزوم الحجة لما مكنوا من الاستماع والسماع، وإن كانوا لا يستمعون إليها.

والثاني: يكون فيه عظة للمؤمنين من وجوه: أحدها: ليشكروا على ما عصموا من عبادة غير الله، ووفقوا [إلى] عبادة الله المستحق لها؛ ليعرفوا عظيم نعمة الله عليهم.

والثاني: ليحذروا عاقبتهم في الرجوع إلى ما هو عليه أولئك الكفرة، على ما حذر الرسل والأنبياء وأولو العصمة عاقبتهم في الرجوع إلى ذلك؛ كقول إبراهيم: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، وأمثاله كثير.

والثالث: خوف المعاملة لئلا يعاملوا هم في العمل كما عامل أولئك في الاعتقاد؛ لأن المؤمنين وإن خالفوا هم أولئك الكفرة في الاعتقاد في إشراك غيره في العبادة فربما يوافقونهم في العمل، فكررت هذه الأنباء والآيات عليهم وأعيدت مرة بعد مرة، وإن كان أولئك لا يستمعون إليها للوجوه التي ذكرنا.

والرابع: كررت غير مرة لما لعلهم لا يقبلون في وقت ويقبلون في وقت، فيقولون: لو كررت وأعيدت لقبلنا، فكررت وأعيدت لئلا يقولوا بأنها لو أعيدت وكررت لقبلناها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ : قيل: شهيدها رسولها؛ كقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ...

﴾ الآية [النساء: 41]، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً  ﴾ ونحوه، سمي: شهيداً؛ لأنه شهد على ما عملوا، وحضر ما كان منهم - والله أعلم - من التكذيب والقبول والرد.

﴿ فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ : في تسميتكم الأصنام: آلهة، أو في استحقاقها العبادة، أو في زعمكم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ونحو ذلك، يقول: هاتوا برهانكم وحجتكم على ما زعمتم.

وقوله: ﴿ فَعَلِمُوۤاْ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ ﴾ : هذا أيضاً يحتمل وجوهاً: أحدها: علموا أن الألوهية والربوبية لله.

أو علموا أن الشفاعة لله لا للأصنام التي عبدوها ليكونوا شفعاء لهم عند الله؛ كقوله: ﴿ قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً  ﴾ .

أو أن يكون: أن الحق الذي عليهم وهي العبادة لله.

أو أن يكون ما جاء به الرسل من الحق إنما جاءوا به من عند الله.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ أي: ضل عنهم ما كانوا يأملون من عبادتهم تلك الأصنام من الشفاعة والزلفى.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأحضرنا من كل أمة نبيّها يشهد عليها بما كانت عليه من الكفر والتكذيب، فقلنا للمكذبين من تلك الأمم: أعطوا حججكم وأدلتكم على ما كنتم عليه من الكفر والتكذيب، فانقطعت حججهم وأيقنوا أن الحق الذي لا مِرْية فيه لله، وغاب عنهم ما كانوا يختلقونه من الشركاء له سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.ND7ro"

مزيد من التفاسير لسورة القصص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله