الآية ٢ من سورة لقمان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 31 لقمان > الآية ٢ من سورة لقمان

تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة لقمان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة لقمان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

"تلك آيات الكتاب الحكيم" أي هذه آيات القرآن المحكم المبين وقال مجاهد "الر تلك آيات الكتاب الحكيم" وقال الحسن التوراة والزبور وقال قتادة "تلك آيات الكتاب" قال الكتب التي كانت قبل القرآن.

وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (تِلكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ) يقول جل ثناؤه: هذه آيات الكتاب الحكيم بيانا وتفصيلا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

و ( تلك ) في موضع رفع على إضمار مبتدأ ، أي هذه تلك .

ويقال : ( تيك آيات الكتاب الحكيم ) بدلا من تلك .

والكتاب : القرآن .

والحكيم : المحكم ; أي لا خلل فيه ولا تناقض .

وقيل ذو الحكمة .

وقيل الحاكم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشير تعالى إشارة دالة على التعظيم إلى { آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } أي: آياته محكمة، صدرت من حكيم خبير.من إحكامها، أنها جاءت بأجل الألفاظ وأفصحها، وأبينها، الدالة على أجل المعاني وأحسنها.ومن إحكامها، أنها محفوظة من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، والتحريف.ومن إحكامها: أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة، والأمور الغيبية كلها، مطابقة للواقع، مطابق لها الواقع، لم يخالفها كتاب من الكتب الإلهية، ولم يخبر بخلافها، نبي من الأنبياء، ولم يأت ولن يأتي علم محسوس ولا معقول صحيح، يناقض ما دلت عليه ومن إحكامها: أنها ما أمرت بشيء، إلا وهو خالص المصلحة، أو راجحها، ولا نهت عن شيء، إلا وهو خالص المفسدة أو راجحها، وكثيرا ما يجمع بين الأمر بالشيء، مع ذكر حكمته فائدته، والنهي عن الشيء، مع ذكر مضرته.ومن إحكامها: أنها جمعت بين الترغيب والترهيب، والوعظ البليغ، الذي تعتدل به النفوس الخيرة، وتحتكم، فتعمل بالحزم.ومن إحكامها: أنك تجد آياته المتكررة، كالقصص، والأحكام ونحوها، قد اتفقت كلها وتواطأت، فليس فيها تناقض، ولا اختلاف.

فكلما ازداد بها البصير تدبرا، وأعمل فيها العقل تفكرا، انبهر عقله، وذهل لبه من التوافق والتواطؤ، وجزم جزما لا يمترى فيه، أنه تنزيل من حكيم حميد.ولكن - مع أنه حكيم - يدعو إلى كل خلق كريم، وينهى عن كل خلق لئيم، أكثر الناس محرومون الاهتداء به، معرضون عن الإيمان والعمل به، إلا من وفقه اللّه تعالى وعصمه، وهم المحسنون في عبادة ربهم والمحسنون إلى الخلق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"تلك آيات الكتاب الحكيم".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«تلك» أي هذه الآيات «آيات الكتاب» القرآن «الحكيم» ذي الحكمة والإضافة بمعنى من.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذه الآيات آيات القرآن ذي الحكمة البالغة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - : ( تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم ) يعود إلى آيات القرآن الكريم ، ويندرج فيها آيات السور التى معنا .والمراد بالكتاب : القرآن الكريم على الصحيح .

لأنه هو المتحدث عنه .قال الآلوسى : وأما حمله على الكتب التى خلت قبل القرآن .

.

فهو فى غاية البعد ، والحكيم - بزنة فعيل - مأخوذ من الفعل حكم بمعنى منع ، تقول : حكمت الفرس ، إذا وضت الحكمة فى فمها لمنعها من الجموح والشرود .والمقصود ، أن هذا القرآن ممتنع أن يتطرق إليه الفساد ، ومبرأ من الخلل والتناقض والاختلاف .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : وفى وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه ، منها : أن الحكيم هو ذو الحكمة ، بمعنى اشتماله على الحكمة ، فيكون الوصف للنسبة كلابن وتامر .

ومنها أن الحكيم بمعنى الحاكم ، بدليل قوله - تعالى - : ( وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ ) ومنها أن الحكيم بمعنى المحكم .

.

" أى المبرأ من الكذب والتناقض " .والمعنى : تلك الآيات السامية ، المنزلة عليك يا محمد ، هى آيات الكتاب ، المشتمل على الحكمة والصواب ، المحفوظ من كل تحريف أو تبديل الناطق بكل ما يوصل إلى الدنيوية والأخروية .وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب مع أنها لم تكنقد نزلت كلها لأن الإِشارة إلى بعضها كالإِشارة إلى جميعها ، حيث كانت بصدد الإِنزال ، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن عليه ، كما فى قوله - تعالى - : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) ووعد الله - تعالى - لا يتخلف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر ما قبلها هو أن الله تعالى لما قال: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ  ﴾ إشارة إلى كونه معجزة وقال: ﴿ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِئَايَةٍ  ﴾ إشارة إلى أنهم يكفرون بالآيات بين ذلك بقوله: ﴿ الم* تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم ﴾ ولم يؤمنوا بها، وإلى هذا أشار بعد هذا بقوله: ﴿ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا ولى مُسْتَكْبِراً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب الحكيم ﴾ ذي الحكمة.

أو وصف بصفة الله تعالى على الإسناد المجازي.

ويجوز أن يكون الأصل: الحكيم قائله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فبانقلابه مرفوعاً بعد الجر استكن في الصفة المشبهة ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ بالنصب على الحال عن الآيات، والعامل فيها: ما في تلك من معنى الإشارة.

وبالرفع على أنه خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ لّلْمُحْسِنِينَ ﴾ للذين يعملون الحسنات وهي التي ذكرها: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة ونظيره قول أوس: الأَلْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ ** كَأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا حكى عن الأصمعي: أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد.

أو للذين يعملون جميع ما يحسن من الأعمال، ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاث بفضل الاعتداد بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً وهي ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ فَإنَّ وُجُوبَهُما بِالمَدِينَةِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يُنافِي شَرْعِيَّتَهُما بِمَكَّةَ وقِيلَ إلّا ثَلاثًا مِن قَوْلِهِ ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ وهي أرْبَعٌ وثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ سَبَقَ بَيانُهُ في «يُونُسَ» .

﴿ هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ حالانِ مِنَ الآياتِ والعامِلُ فِيهِما مَعْنى الإشارَةِ، ورَفَعَهُما حَمْزَةُ عَلى الخَبَرِ بَعْدَ الخَبَرِ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هُدًى وَرَحْمَةً} حالان من الآيات والعامل معنى الإشارة في تلك حمزة بالرفع على أن تلك مبتدأ وآيات الكتاب خبره وهدى خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أو هو أي هدى ورحمة {لّلْمُحْسِنِينَ} للذين يعملون الحسنات المذكورة في قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ لُقْمانَ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ لُقْمانَ بِمَكَّةَ، ولا اسْتِثْناءَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ.

وفي رِوايَةِ النَّحّاسِ في تارِيخِهِ عَنْهُ اسْتِثْناءُ ثَلاثِ آياتٍ مِنها، وهِيَ: ﴿ ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ  ﴾ ، إلى تَمامِ الثَّلاثِ، فَإنَّها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، وذَلِكَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا هاجَرَ قالَ لَهُ أحْبارُ اليَهُودِ: بَلَغَنا أنَّكَ تَقُولُ: ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا  ﴾ ، أعَنَيْتَنا أمْ قَوْمَكَ؟

قالَ: كَلّا عَنَيْتُ، فَقالُوا: إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّنا أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ذَلِكَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى قَلِيلٌ، فَأنْزَلَ الآياتِ».

ونَقَلَ الدّانِيُّ عَنْ عَطاءٍ، وأبُو حَيّانَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُما قالا: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ هُما ﴿ ولَوْ أنَّما في الأرْضِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ، وقِيلَ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ  ﴾ ، فَإنَّ إيجابَهُما بِالمَدِينَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الإسْراءِ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، فَما ذُكِرَ مِن أنَّ إيجابَها بِالمَدِينَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولَوْ سُلِّمَ فَيَكْفِي كَوْنُهم مَأْمُورِينَ بِها بِمَكَّةَ، ولَوْ نَدْبًا فَلا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فِيها، نَعَمِ المَشْهُورُ أنَّ الزَّكاةَ إيجابُها بِالمَدِينَةِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ القائِلَ أرادَ أنَّ إيجابَهُما مَعًا تَحَقَّقَ بِالمَدِينَةِ لا أنَّ إيجابَ كُلٍّ مِنهُما تَحَقَّقَ فِيها، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ إيجابَ الصَّلاةِ كانَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: إنَّ الزَّكاةَ إيجابُها كانَ بِمَكَّةَ كالصَّلاةِ، وتَقْدِيرُ الأنْصِباءِ هو الَّذِي كانَ بِالمَدِينَةِ، وعَلَيْهِ لا تَقْرِيبَ فِيهِما، وآيُها ثَلاثٌ وثَلاثُونَ في المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ، وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ في عَدَدِ الباقِينَ.

وسَبَبُ نُزُولِها عَلى ما في البَحْرِ: أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ عَنْ قِصَّةِ لُقْمانَ مَعَ ابْنِهِ وعَنْ بِرِّ والِدَيْهِ، فَنَزَلَتْ.

ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها عَلى ما فِيهِ أيْضًا أنَّهُ قالَ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿ ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ  ﴾ ، وأشارَ إلى ذَلِكَ في مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّهُ كانَ في آخِرِ ما قَبْلَها ﴿ ولَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ )،  ﴾ ، وفِيها: ﴿ وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا  ﴾ ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: ظَهَرَ لِي في اتِّصالِها بِما قَبْلَها مَعَ المُؤاخاةِ في الِافْتِتاحِ - بِـ (الم ) إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ  ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى فِيما قَبْلُ: ﴿ وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ  ﴾ ، الآيَةَ، فَهَذا عَيْنُ إيقانِهِمْ بِالآخِرَةِ، وهُمُ المُحْسِنُونَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ، وأيْضًا فَفي كِلْتا السُّورَتَيْنِ جُمْلَةٌ مِنَ الآياتِ وابْتِداءِ الخَلْقِ.

وذَكَرَ في السّابِقَةِ: ﴿ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ  ﴾ ، وقَدْ فُسِّرَ بِالسَّماعِ، وذَكَرَ هُنا: ﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ  ﴾ ، وقَدْ فُسِّرَ بِالغِناءِ وآلاتِ المَلاهِي اهـ.

وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في ذَلِكَ، وأقُولُ في الِاتِّصالِ أيْضًا: إنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِيما تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ ، وهُنا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ  ﴾ ، وكِلاهُما يُفِيدُ سُهُولَةَ البَعْثِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ قائِلًا: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ ، وقالَ عَزَّ وجَلَّ هُنا: ﴿ وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ فَمِنهم مُقْتَصِدٌ  ﴾ ، فَذَكَرَ سُبْحانَهُ في كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ قِسْمًا لَمْ يَذْكُرْهُ في الأُخْرى إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وما ألْطَفَ هَذا الِاتِّصالَ مِن حَيْثُ إنَّ السُّورَةَ الأُولى ذَكَرَ فِيها مَغْلُوبِيَّةَ الرُّومِ وغَلَبَتَهُمُ المَبْنِيَّتَيْنِ عَلى المُحارَبَةِ بَيْنَ مَلِكَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا تَحارَبا عَلَيْها، وخَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ مُقْتَضى الحِكْمَةِ فَإنَّ الحَكِيمَ لا يُحارِبُ عَلى دُنْيا دَنِيَّةٍ لا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ، وهَذِهِ ذُكِرَ فِيها قِصَّةُ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأقْوالِ حَكِيمٍ زاهِدٍ في الدُّنْيا غَيْرِ مُكْتَرِثٍ بِها، ولا مُلْتَفِتٍ إلَيْها، أوْصى ابْنَهُ بِما يَأْبى المُحارَبَةَ، ويَقْتَضِي الصَّبْرَ والمُسالَمَةَ، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّقابُلِ ما لا يَخْفى.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )، ﴿ الم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ أيْ ذِي الحِكْمَةِ، ووَصْفُ الكِتابِ بِذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ المَغارِبَةِ مَجازٌ، لِأنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ لِلتَّمَلُّكِ، وهو لا يَمْلِكُ الحِكْمَةَ بَلْ يَشْتَمِلُ عَلَيْها، ويَتَضَمَّنُها، فَلِأجْلِ ذَلِكَ وُصِفَ بِالحَكِيمِ بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ، واسْتَظْهَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ.

والحَقُّ أنَّهُ مِن بابِ ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ  ﴾ ، عَلى حَدِّ لابِنٍ وتامِرٍ.

نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ أيِ النّاطِقُ بِالحِكْمَةِ كالحَيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمُ مِن صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ووَصْفُ الكِتابِ بِهِ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، فَإنَّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ بَدا، وقَدْ يُوصَفُ الشَّيْءُ بِصِفَةِ مَبْدَئِهِ كَما في قَوْلِ الأعْشى: وغَرِيبَةٍ تَأْتِي المُلُوكَ حَكِيمَةٍ قَدْ قُلْتُها لِيُقالَ مَن ذا قالَها وأنْ يَكُونَ الأصْلُ الحَكِيمُ مُنَزِّلَهُ أوْ قائِلَهُ فَحُذِفَ المُضافُ إلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ اسْتَسْكَنَ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وأنْ يَكُونَ ( الحَكِيمُ ) فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعَلٍ كَما قالُوا: عَقَدْتُ العَسَلَ فَهو عَقِيدٌ أيْ مُعْقَدٍ، وهَذا قَلِيلٌ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى حاكِمٍ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى نَظِيرِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاثون وأربع آيات مكيّة قول الله تبارك وتعالى: الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ يعني: هذه آيات القرآن المحكم من الباطل.

ويقال: أحكم حلاله وحرامه.

ويقال: محكم لا يرد عليه التناقض هُدىً يعني: بياناً من الضلالة.

ويقال: هادياً وَرَحْمَةً من العذاب لِلْمُحْسِنِينَ الذين يحسنون العمل وهم المؤمنون.

لأن كل مؤمن محسن.

قرأ حمزة: هُدىً وَرَحْمَةً بالضم، والباقون بالنصب.

فمن قرأ: بالضم، فعلى الإضمار.

ومعناه: هو هدى ورحمة على معنى تلك هدى ورحمة.

ومن نصب فهو على الحال المعنى تلك آيات في حال الهداية والرحمة.

ثم نعت المحسنين فقال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني: يقرون بها ويتمونها.

قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ يعني: يقرون بها ويؤدونها وَهُمْ بِالْآخِرَةِ يعني: بالبعث الذي فيه جزاء أعمالهم هُمْ يُوقِنُونَ بأنها كائنة أُولئِكَ يعني: أهل هذه الصفة عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ يعني: بيان من ربهم.

بيّن لهم طريقهم ووفّقهم لذلك وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الفائزون بالخير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله

تفسير «سورة لقمان»

وهي مكيّة غير آيتين قال قتادة: أولهما: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ إلى آخر الآيتين، وقال ابن عباس ثلاث.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)

قوله عزّ وجل: الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ:

خصَّه للمحسنين من حيثُ لهم نفْعه، وإلا فهو هدًى في نفسه.

٦٧ ب وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ/ رُوِيَ: أن الآيةَ نَزَلَتْ فِي شأن رجلٍ من قريش اشترى جاريةً مغنيةً لِتغنِّي له بهجاء النبي صلى الله عليه وسلّم.

وقيل: إنه ابن خطل.

وقيل: نَزَلَتْ في النضر بن الحارث، وقيل غيرُ هذا، والذي يترجح أن الآية نَزَلَتْ في لَهْوِ حَدِيثٍ مُضَافٍ إلى كُفْر فلذلك اشتدت ألفاظ الآية، ولَهْوَ الْحَدِيثِ كل ما يُلهى من غناءٍ وخِناء.

ونحوه، والآيةُ باقيةُ المعْنَى في الأَمة غَابِرَ الدهرِ لكنْ ليسَ ليضلوا عن سبيل الله، ولا ليتخذوا آياتِ الله هزواً، ولا عليهم هذا الوعيد بل ليعطلوا عبادةً، ويقطعوا زمناً بمكروه.

قال ابن العربي «١» في «أحكامه» : ورَوَى ابن وهبٍ عن مالكٍ عن محمدِ بن المنكدر:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ لُقْمانَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.

ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ والَّتِي بَعْدَها [لُقْمانَ: ٢٧، ٢٨]؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إلّا آيَةً نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ  ﴾ ، لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مَدَنِيَّتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى ورَحْمَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: " ورَحْمَةٌ " بِالرَّفْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: القِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والمَعْنى: تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حال الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ؛ ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى إضْمارِ " هو هُدًى ورَحْمَةٌ " وعَلى مَعْنى: " تِلْكَ هُدًى ورَحْمَةٌ " .

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ مُفْتَتَحِ هَذِهِ السُّورَةِ [البَقَرَةِ: ١-٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في شِراءِ القِيانِ والمُغَنِّياتِ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ تاجِرًا إلى فارِسَ، فَكانَ يَشْتَرِي أخْبارَ الأعاجِمِ فَيُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا ويَقُولُ لَهُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ، وأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ وأخْبارِ الأكاسِرَةِ، فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ ويَتْرُكُونَ اسْتِماعَ القُرْآنِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.

وَفِي المُرادِ بِلَهْوِ الحَدِيثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] الغِناءُ.

كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: هو الغِناءُ والَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، يُرَدِّدُها ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ وبِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: اللَّهْوُ: الطَّبْلُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما ألْهى عَنِ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَنْهُ مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: الباطِلُ، قالَهُ عَطاءٌ.

وَفِي مَعْنى ﴿ يَشْتَرِي ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَشْتَرِي بِمالِهِ؛ وحَدِيثُ النَّضْرِ يُعَضِّدُهُ.

والثّانِي: يَخْتارُ ويَسْتَحِبُّ، قالَهُ قَتادَةُ، ومَطَرٌ.

وَإنَّما قِيلَ لِهَذِهِ الأشْياءِ: لَهْوُ الحَدِيثِ، لِأنَّها تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ المَعْنى: لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ.

وقَدْ بَيَّنّا هَذا الحَرْفَ في (الحَجِّ: ٩) .

وَقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ: " لِيُضِلَّ " بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، وإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَتَّخِذُها " بِرَفْعِ الذّالِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ الذّالِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن نَصَبَ عَطَفَ عَلى " لِيُضِلَّ " " ويَتَّخِذَ " ومَن رَفَعَ عَطَفَهُ عَلى " مَن يَشْتَرِي " " ويَتَّخِذُ " .

وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَتَّخِذَها ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الآياتُ، والثّانِي: السَّبِيلُ.

وَما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في مَواضِعَ قَدْ تَقَدَّمَتْ [الإسْراءِ: ٤٦، الأنْعامِ: ٢٥، البَقَرَةِ: ٢٥، الرَّعْدِ: ٢، النَّحْلِ: ١٥، الشُّعَراءِ: ٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الفَهْمُ والعَقْلُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ حَكِيمًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ والثّانِي: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

هَكَذا حَكاهُ عَنْهُمُ الواحِدِيُّ، ولا يُعْرَفُ، إلّا أنَّ هَذا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ عِكْرِمَةُ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.

وَفِي صِناعَتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ خَيّاطًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ.

والثّانِي: راعِيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: نَجّارًا، قالَهُ خالِدٌ الرَّبْعِيُّ.

فَأمّا صِفَتُهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ لُقْمانُ أسْوَدَ مَن سُودانِ مِصْرَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ مُشَقَّقَ القَدَمَيْنِ، وكانَ قاضِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ المَعْنى: وقُلْنا لَهُ: أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [عَلى] ما أعْطاكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ﴾ أيْ: إنَّما يَفْعَلُ لِنَفْسِهِ ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ النِّعْمَةَ، فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ عِبادَةِ خَلْقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ لُقْمانَ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ غَيْرُ آيَتَيْنِ، قالَ قَتادَةُ: أوَّلُهُما ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ  ﴾ .

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، وفي تَرْتِيبِ "تِلْكَ" مَعَ كُلِّ قَوْلٍ مِنها.

و"الحَكِيمُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الحِكْمَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الحُكْمِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "هُدًى ورَحْمَةً" ﴾ بِالنَصْبِ عَلى الحالِ مِنَ المُبْهَمِ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِنَ "الكِتابِ"؛ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالرَفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: هو هُدًى، وخَصَّصَهُ لِلْمُحْسِنِينَ مِن حَيْثُ لَهم نَفْعُهُ، وهم نَظَرُوهُ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، وإلّا فَهو هُدًى في نَفْسِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ".

ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُحْسِنِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ عِنْدَهُمُ اليَقِينُ بِالبَعْثِ وبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ الرَسُولُ  ، وعِنْدَهم إقامَةُ الصَلاةِ وإيتاءُ الزَكاةِ، ومِن صِفَتِهِمْ ما «قالَ رَسُولُ اللهِ  حِينَ سَألَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الإحْسانِ، قالَ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ"» الحَدِيثُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ ﴾ ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في قِرْشِيٍّ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً تُغَنِّي بِهِجاءِ رَسُولِ اللهِ  وسَبِّهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ورُوِيَ «عن أبِي أُمُامَةَ الباهِلِيِّ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: "شِراءُ المُغَنِّياتِ وبَيْعُهُنَّ حَرامٌ"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ،» وقالَ: "فِي هَذا المَعْنى أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةُ"، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وقالَ الحَسَنُ: لَهْوُ الحَدِيثِ: المَعازِفُ والغِناءُ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ لِأنَّهُ اشْتَرى كُتُبَ رُسْتُمَ واسْفِنْدِيارَ، وكانَ يَخْلُفُ رَسُولَ اللهِ  فَيُحَدِّثُهم بِتِلْكَ الأباطِيلِ، ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، وقالَ قَتادَةَ: الشِراءُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، وإنَّما نَزَلَتْ في أحادِيثِ قُرَيْشٍ، وتَلَهِّيهِمْ بِأمْرِ الإسْلامِ، وخَوْضِهِمْ في الأباطِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ تَرْكَ ما يَجِبُ فِعْلُهُ، وامْتِثالَ هَذِهِ المُنْكَراتِ شِراءٌ لَها، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى  ﴾ .

وقَدْ قالَ مُطَرِّفٌ: شِراءُ لَهْوِ الحَدِيثِ اسْتِحْبابُهُ، قالَ قَتادَةُ: ولَعَلَّهُ لا يُنْفِقُ فِيهِ مالًا، ولَكِنَّ سَماعَهُ هو شِراؤُهُ، وقالَ الضَحّاكُ: لَهْوُ الحَدِيثِ الشِرْكُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: لَهْوُ الحَدِيثِ الطَبْلُ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الغِناءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في لَهْوِ حَدِيثٍ مُضافٍ إلى كُفْرٍ، فَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ ألْفاظُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا ﴾ والتَوَعُّدِ بِالعَذابِ المُهِينِ.

وأمّا لَفْظَةُ الشِراءِ فَمُحْتَمِلَةٌ لِلْحَقِيقَةِ والمَجازِ عَلى ما بَيَّنّا، و"لَهْوُ الحَدِيثِ" كُلُّ ما يُلْهِي مِن غِناءٍ وخَنا ونَحْوِهِ، والآيَةُ باقِيَةُ المَعْنى في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، ولَكِنْ لَيْسَ لِيَضِلُّوا عن سَبِيلِ اللهِ بِكُفْرٍ، ولا لِيَتَّخِذُوا الآياتِ هَزُّوًا، ولا عَلَيْهِمْ هَذا الوَعِيدُ، بَلْ لِيُعَطِّلَ عِبادَةً، ويُقَطَعُهم زَمَنًا بِمَكْرُوهٍ، ولِكَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ العُصاةِ، والنُفُوسُ الناقِصَةُ تَرُومُ تَتْمِيمَ ذَلِكَ النَقْصِ بِالأحادِيثِ، وقَدْ جَعَلُوا الحَدِيثَ مِنَ القِرى، وقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أتَمَلُّ الحَدِيثَ؟

فَقالَ: إنَّما يُمَلُّ العَتِيقُ القَدِيمُ المُعادُ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ مِنَ الأحادِيثِ فِيهِ الطَرافَةُ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ المَلَلِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، والحُسْنُ: "لِيُضِلَّ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "لِيُضِلَّ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ".

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "وَيَتَّخِذَها" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "لِيُضِلَّ"، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "وَيَتَّخِذَها" ﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿ "يَشْتَرِي".

﴾ والضَمِيرُ في "وَيَتَّخِذَها" يُحْتَمَلُ أنْ يُعُودَ عَلى "الكِتابِ الحَكِيمِ" المَذْكُورِ أوَّلًا، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى "السَبِيلِ"، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى "الأحادِيثِ"؛ لِأنَّ "الحَدِيثَ" اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الأحادِيثِ، وكَذَلِكَ "سَبِيلِ اللهِ" اسْمُ جِنْسٍ، ولِكُلِّ وجْهٍ مِنَ الحَدِيثِ وجْهٌ يَلِيقُ بِهِ مِنَ السَبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إذا كانت هذه السورة نزلت بسبب سؤال قريش عن لقمان وابنه فهذه الآيات إلى قوله ﴿ ولقد ءاتينا لقمان الحكمة ﴾ [لقمان: 12] بمنزلة مقدمة لبيان أن مرمى القرآن من قصّ القصة ما فيها من علم وحكمة وهدى وأنها مسوقة للمؤمنين لا للذين سألوا عنها فكان سؤالهم نفعاً للمؤمنين.

والإشارة ب ﴿ تِلْكَ ﴾ إلى ما سيذكر في هذه السورة، فالمشار إليه مقدر في الذهن مترقب الذكر على ما تقدم في قوله ﴿ ذلك الكِتَاب ﴾ في أول البقرة (2) وفي أول سورة الشعراء (2) والنمل (1) والقصص (2).

﴿ وآيات الكتاب ﴾ خبر عن اسم الإشارة.

وفي الإشارة تنبيه على تعظيم قدر تلك الآيات بما دل عليه اسم الإشارة من البعد المستعمل في رفعة القدر، وبما دلت عليه إضافة الآيات إلى الكتاب الموصوف بأنه الحكيم وأنه هدى ورحمة وسبب فلاح.

و ﴿ الحكيم: وصف للكتاب بمعنى ذي الحكمة، أي لاشتماله على الحكمة.

فوصف الكِتَاب ﴾ ب ﴿ الحَكِيم ﴾ كوصف الرجل بالحكيم، ولذلك قيل: إن الحكيم استعارة مكنية، أو بعبارة أرشق تشبيه بليغ بالرجل الحكيم.

ويجوز أن يكون الحكيم بمعنى المُحْكَم بصيغة اسم المفعول وصفاً على غير قياس كقولهم: عَسل عقيد، لأنه أُحكم وأتقن فليس فيه فضول ولا مالا يفيد كمالاً نفسانياً.

وفي وصف ﴿ الكِتَاب ﴾ بهذا الوصف براعة استهلال للغرض من ذكر حكمة لقمان.

وتقدم وصف الكتاب ب ﴿ الحَكِيم ﴾ في أول سورة يونس (1).

وانتصب ﴿ هدى ورحمة ﴾ على الحال من ﴿ الكِتَاب ﴾ وهي قراءة الجمهور.

وإذ كان ﴿ الكِتَاب ﴾ مضافاً إليه فمسوغ مجيء الحال من المضاف إليه أن ﴿ الكِتَاب ﴾ أضيف إليه ما هو اسم جزئه، أو على أنه حال من آيات.

والعامل في الحال ما في اسم الإشارة من معنى الفعل.

وقرأه حمزة وحده برفع ﴿ رحمةٌ ﴾ على جعل ﴿ هدىً ﴾ خبراً ثانياً عن اسم الإشارة.

ومعنى المحسنين: الفاعلون للحسنات، وأعلاها الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك خصت هذه الثلاث بالذكر بعد إطلاق المحسنين لأنها أفضل الحسنات، وإن كان المحسنون يأتون بها وبغيرها.

وزيادة وصف الكتاب ب ﴿ رحمة ﴾ بعد ﴿ هدى ﴾ لأنه لما كان المقصد من هذه السورة قصة لقمان نبَّه على أن ذكر القصة رحمة لما تتضمنه من الآداب والحكمة لأن في ذلك زيادة على الهدى أنه تخلق بالحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، والخير الكثير: رحمة من الله تعالى.

و ﴿ الزكاة ﴾ هنا الصدقة وكانت موكولة إلى همم المسلمين غير مضبوطة بوقت ولا بمقدار.

وتقدم الكلام على ﴿ بالآخرة هم يوقنون ﴾ إلى ﴿ هم المفلحون ﴾ في أول سورة البقرة (4 5).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ لُقْمانَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا رِوايَةَ عَطاءٍ أنَّ آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ والَّتِي بَعْدَها.

وَقالَ الحَسَنُ إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ لِأنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ مُدْنِيَتانِ.

قَوْلُهُ: ﴿ الم ﴾ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُحْكَمُ أُحُكِمَتْ آياتُهُ بِالحَلالِ والحَرامِ والأحْكامِ.

قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: المُتْقَنُ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مَن خَلْفِهِ وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: البَيَّنُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ يُظْهِرُ مِنَ الحِكْمَةِ بِنَفْسِهِ كَما يُظْهِرُهُ الحَكِيمُ بِقَوْلِهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: هُدًى إلى الجَنَّةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ آدَمَ.

﴿ وَرَحْمَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُرْآنَ رَحْمَةٌ مِنَ العَذابِ لِما فِيهِ مَنِ الزَّجْرِ عَنِ اسْتِحْقاقِهِ وهو وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ النَّعْتِ بِأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ.

الثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ المَدْحِ بِأنَّ فِيهِ هُدًى ورَحْمَةٌ.

﴿ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وفي الإحْسانِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الإيمانُ الَّذِي يُحْسِنُ بِهِ إلى نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ الصِّلَةُ والصَّلاةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: ما رَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قالَ: «بَيْنَما أنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  إذْ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الإحْسانُ؟

قالَ: (أنْ تَخْشى اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ.

وَتُحِبَّ لِلنّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ) قالَ: فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأنا مُحْسِنٌ؟

قالَ: (نَعَمْ) قالَ الرَّجُلُ: صَدَقْتَ.

ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ فَقالَ النَّبِيُّ  : (عَلَيَّ بِالرَّجُلِ) .

فَطَلَبْناهُ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (اللَّهُ أكْبَرُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيِهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُعَلِّمَكم أمُورَ دِينِكم.

» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَلى بَيِّنَةٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: عَلى بَيانٍ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِمَعْنى السُّعَداءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: المُنْجِحُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: النّاجِحُونَ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا ما طَلَبُوا ونَجَوْا مِن شَرِّ ما مِنهُ هَرَبُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ يعني باطل الحديث.

وهو النضر بن الحارث بن علقمة.

اشترى أحاديث العجم وصنيعهم في دهرهم، وكان يكتب الكتب من الحيرة والشام ويكذب بالقرآن، فأعرض عنه فلم يؤمن به.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: شراؤه استحبابه.

وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق.

وفي قوله: ﴿ ويتخذها هزواً ﴾ قال: يستهزئ بها ويكذبها.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويتخذها هزواً ﴾ قال: سبيل الله يتخذ السبيل هزواً.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: باطل الحديث.

وهو الغناء ونحوه ﴿ وليضل عن سبيل الله ﴾ قال: قراءة القرآن، وذكر الله.

نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية.

وأخرج جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: أنزلت في النضر بن الحارث.

اشترى قينة فكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه، هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه، فنزلت.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي امامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا القينات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام.

في مثل هذا أنزلت هذه الآية ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان الله حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها.

ثم قرأ ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ » .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو الغناء وأشباهه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو شراء المغنية.

وأخرج ابن عساكر عن مكحول رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: الجواري الضاربات.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الصهباء قال: سألت عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو- والله- الغناء.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير عن شعيب بن يسار قال: سألت عكرمة رضي الله عنه عن ﴿ لهو الحديث ﴾ قال: هو الغناء.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو الغناء، وكل لعب ولهو.

وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم رضي الله عنه ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو الغناء وقال مجاهد رضي الله عنه: هو لهو الحديث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: الغناء والباطل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ في الغناء والمزامير.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإِيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كانوا يقولون: الغناء ينبت النفاق في القلب.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه شيطان، فقال: تغنه، فإن كان لا يحسن قال له: تمنه.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن أبي امامة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان باعقابهما على صدره حتى يمسك» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي عن القاسم بن محمد رضي الله عنه أنه سئل عن الغناء، فقال: أنهاك عنه، وأكرهه لك.

قال السائل: احرام هو؟

قال: انظر يا ابن أخي.

إذا ميز الله الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي قال: لعن المغني والمغنى له.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن فضيل بن عياض قال: الغناء رقية الزنا.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنا.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر الأموي عمر بن عبد الله قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى مؤدب وِلْدِهِ: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سهل مولاه.

أما بعد فإني اخترتك على علم مني لتأديب وِلْدِي، وصرفتهم إليك عن غيرك من مواليَّ وذوي الخاصة بي، فخذهم بالجفاء فهو أمكن لاقدامهم، وترك الصحبة فإن عادتها تكسب الغفلة، وكثرة الضحك فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم إن حضور المعازف، واستماع الأغاني، واللهج بهما ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، ولعمري ولتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذوي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه، وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء ينتفع به، وليفتح كل غلام منهم بجزئه من القرآن يثبت في قراءته، فإذا فرغ منه تناول قوسه وكنانته وخرج إلى الغرض حافياً، فرمى سبعة ارشاق ثم انصرف إلى القائلة، فإن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول: يا بني قيلوا فإن الشياطين لا تقيل والسلام.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن رافع بن حفص المدني قال: أربع لا ينظر الله إليهن يوم القيامة.

الساحرة.

والنائحة.

والمغنية.

والمرأة مع المرأة.

وقال: من أدرك ذلك الزمان فأولى به طول الحزن.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال: ما قدّست أمة فيها البربط.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب، ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خدش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: صوتان ملعونان.

مزمار عند نغمة.

ورنة عند مصيبة.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أخبث الكسب كسب الزمارة.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن نافع قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في طريق، فسمع زمارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: يا نافع أتسمع؟

قلت: لا.

فأخرج أصبعيه من أذنيه وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: في هذه الآية ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ إنما ذلك شراء الرجل اللعب والباطل» .

وأخرج الحاكم في الكنى عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ في الغناء والباطل والمزامير.

وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو اشتراؤه المغني والمغنية بالمال الكثير، والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل.

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ قال: هو رجل يشتري جارية تغنيه ليلاً أو نهاراً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ الم ﴾ تقدم تفسيره في سورة البقرة (١) ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ تقدم تفسيره هناك (٢) (٣) (١) آية (1)، وما بعدها.

وقد ذكر المؤلف رحمه الله هناك أقوالًا كثيرة في تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور، ولعل الراجح منها -والله أعلم- هو ما ذهب إليه المحققون من أن هذه الحروف إنما ذكرت بيانًا لإعجاز القرآن.

قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 1/ 38: وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكر فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.

وقد حكى هذا المذهب الرازي في "تفسيره" عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في "كشافه" ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.

(٢) آية (2) سورة البقرة.

(٣) آية (1).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الكتاب الحكيم ﴾ ذكر في يونس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع.

حمزة وأبو عون عن قنبل ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب و ﴿ يتخذها ﴾ بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ يا بني لا تشرك ﴾ بسكون الياء: البزي والقواس.

وقرأ حفص والمفضل بفتح الياء وكذا في قوله ﴿ يا بني أقم ﴾ الباقون: بكسر الياء.

﴿ مثقال ﴾ بالرفع: ابو جعفر ونافع ﴿ نصاعر ﴾ بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون.

بالتشديد.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه وقف لمن قرأ ﴿ ورحمة ﴾ بالرفع على تقدير هو هدى.

ومن قرأ بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في ﴿ تلك ﴾ فلا وقف ﴿ للمحسنين ﴾ ه لا ﴿ يوقنون ﴾ ه ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط قد يوقف لمن قرأ ﴿ ويتخذها ﴾ بالرفع والوصل أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفاً على ﴿ ليضل ﴾ فهو معطوف على ﴿ يشتري ﴾ ﴿ هزواً ﴾ ط ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ وقرأ ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه لا للحال والعامل معنى الفعل في لهم ﴿ فيها ﴾ ط لأن التقدير وعد الله وعداً ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ه للعدول ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط وقد يوقف على ﴿ لا تشرك ﴾ على جعل الباء للقسم وهو تكلف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بوالديه ﴾ ج لانقطاع النظم مع تعلق ﴿ أن اشكر ﴾ بـ ﴿ وصينا ﴾ ﴿ ولوالديك ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ معروفا ﴾ ز للعدول عن بعض المأمور إلى الكل مع اتفاق الجملتين ﴿ إلي ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الله ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ أصابك ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين ﴿ مرحاً ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ج لما ذكر ﴿ من صوتك ﴾ ه ط ﴿ الحمير ﴾ ه.

التفسير: لما قال في آخر السورة المتقدمة ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل  ﴾ وكان في إشارة إلى إعجاز القرآن، ودل ما بعده إلى تمام السورة على أنهم مصرون على كفرهم، أكد تلك المعاني في أول هذه السورة.

وتفسيره إلى ﴿ المفلحون ﴾ كما في أول البقرة.

إلا قوله ﴿ تلك آيات الكتاب الحكيم ﴾ فإنه مذكور في أول "يونس".

وحيث زاد ههنا ﴿ ورحمة ﴾ قال ﴿ للمحسنين ﴾ فإن الإحسان مرتبة فوق التقوى لقوله  "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" ولقوله  ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون  ﴾ ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ومما يؤيد ما قلنا أنه لم يقل هنا ﴿ يؤمنون بالغيب  ﴾ لئلا يلزم شبه التكرار، فإن الإحسان لا مزيد عليه في باب العقائد.

ثم بين حال المعرضين عن الحق بقوله ﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴾ الإضافة بمعنى "من" أي الحديث الذي هو لهو ومنكر.

وجوز في الكشاف أن تكون "من" للتبعيض أي يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه وفيه نظر، لأنه يصح هذا التأويل في قولنا "خاتم فضة" وليس بمشهور.

قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً.

وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.

فعلى هذا معنى ﴿ ليضل ﴾ بضم الياء ظاهر، ومن قرأ بالفتح فمعناه الثبات على الضلال أو الإضلال نوع من الضلال.

وقوله ﴿ بغير علم ﴾ متعلق بـ ﴿ يشتري ﴾ كقوله ﴿ فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين  ﴾ أي للتجارة قاله في الكشاف وغيره.

ولا يبعد عندي تعلقه بقوله ﴿ ليضل ﴾ كما قال ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم  ﴾ قال المحققون: ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، وإذا كان الحديث لهواً لا فائدة فيه كان أقبح.

وقد يسوغه بعض الناس بطريق الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا.

وروي عن النبي  "روِّحوا القلوب ساعة فساعة" والعوام يفهمون منه الترويح بالمطايبة وإن كان الخواص يحملونه على الاشتغال بجانب الحق كقوله "يا بلال روّحنا" ثم إنه إذا لم يقصد به الإحماض بل يقصد به الإضلال لم يكن عليه مزيد في القبح ولا سيما إذا كان معه اشتغاله بلهو الحديث مستكبراً عن آيات الله التي هي محض الحكمة كما قال ﴿ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً ﴾ ومحل ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ نصب على الحال قال جار الله: الأولى حال من ضمير ﴿ مستكبراً ﴾ والثانية من ﴿ لم يسمعها ﴾ قلت: هذا بناء على تجويز الحال المتداخلة وإلا فمن الجائز أن يكون كل منهما و ﴿ مستكبراً ﴾ حالاً من فاعل ﴿ ولى ﴾ أي مستكبراً مشابهاً لمن لم يسمعها مشابهاً لمن في أذنيه وقر.

وجوز أي يكونا مستأنفين وتقدير كأن المخففة كأنه والضمير للشأن، قال أهل البرهان: هذه الآية والتي في الجاثية نزلتا باتفاق المفسرين في النضر إلا أنه بالغ هنا في ذمه لتركه استماع القرآن فقال بعد قوله ﴿ كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ﴾ اي صمماً لا يقرع مسامعه صوت، فإن عدم السماع أعم من أن يكون بوقر الأذن أو بنحو غفلة.

وترك الجملة الثانية في "الجاثية" لأنه لم يبن الكلام هنالك على المبالغة بدليل قوله ﴿ وإذا علم من آياتنا شيئاً  ﴾ والعلم لا يحصل إلا بالسماع أو ما يقوم مقامه من خط وغيره.

وحين بين وعيد أعداء الدين بين حال أولياء الله بقوله ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.

وقد مر مثله مراراً وفي قوله ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه لا غالب ولا مناوئ، يعطي النعيم من شاء والبؤس من شاء حسب ما تقتضيه حكمته وعدله.

ثم بين عزته وحكمته بقوله ﴿ خلق السموات بغير عمد ﴾ وقد مر في أول "الرعد".

وقوله ﴿ وألقى في الأرض ﴾ مذكور في أول "النحل" و ﴿ من كل زوج كريم ﴾ ذكر في أول الشعراء.

هذا الذي ذكر من السموات بكيفياتها والأرض بهيآتها بسائطها ومركباتها ﴿ خلق الله ﴾ أي مخلوقه ﴿ فأروني ماذا خلق الذين من دونه ﴾ وهم الآلهة بزعمهم.

وهذا أمرتعجيز وتبكيت فلهذا سجل عليهم بالضلال المبين.

ثم بين فساد اعتقاد أهل الشرك بأنه مخالف ايضاً لعقيدة الحكماء الذين يعولون على المعقول الصرف منهم لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته أو من أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدرك داود  وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود  ، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له؟

فقال: الا أكتفي إذا كفيت وأكثر الأقاويل أنه كان حكيماً.

عن ابن عباس: لقمان لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان راعياً أسود فرزقه الله العتق ورضي الله قوله "ووصيته" وحكاها في القرآن.

وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة.

وقال عكرمة والشعبي: كان نبياً.

روي أنه دخل على داود  وهو يسرد وقد لين الله له الحديد، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت.

فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله.

فقال له داود  : بحق ما سميت حكيماً.

روي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ثم امره بمثل ذلك بعد ايام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب أيضاً فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا.

ثم فسر الحكمة بقوله ﴿ أن اشكر لله ﴾ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول.

قال العلماء: هذا أمر تكوين أي جعلناه شاكراً فإن أمر التكليف يستوي فيه الجاهل والحكيم، وفيه تنبيه على أن شكر المعبود الحق رأس كل العبادة وسنام الحكمة وفائدته ترجع إلى العبد لا إلى المعبود فإنه غني عن شكر الشاكرين مستحق للحمد وإن لم يكن على وجه الأرض حامد.

وحين بين كماله شرع في تكميله وذلك لأبنه المسمى أنعم أو أشكم.

قيل: كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظمهما حتى أسلما.

ووجه كون الشرك ظلماً عظيماً أنه وضع في أخس الأشياء - وهو الفقير المطلق- موضع اشرف الاشياء - وهو الغني المطلق- ثم وصى الله  الإنسان بشكر إنعام الوالدين وبطاعتهما وإن كانا كافرين إلا أن يدعواه إلى الإشراك بالله.

وهذه جملة معترضة نيط باعتراضها غرضان: أحدهما أن طاعة الأبوين تالية لعبادة الله، والثاني تأكيد كون الشرك أمراً فظيعاً منكراً حتى إنه يلزم فيه مخالفة من يجب طاعته.

وقوله ﴿ حملته أمه وهناً ﴾ أي حال كونها تهن وهناً ﴿ على وهن ﴾ أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلاً وضعفاً، اعتراض في اعتراض تحريضاً على رعاية حق الوالدة خصوصاً.

" روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال:قلت: يا رسول الله من أبر؟

قال: أمك ثم أمك ثم أباك" .

وقوله ﴿ وفصاله في عامين ﴾ توقيت للفطام كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين  ﴾ وفيه تنبيه آخر على ما كابدته الأم من المشاق.

ومعنى ﴿ معروفاً ﴾ صحاباً أو مصاحباً معروفاً على ما يقتضيه العرف والشرع.

وفي قوله ﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ إشارة أخرى إلى أنهما لو لم يكونا منيبين إلى الرب لم يتبع سبيلهما في الدين وإن لزم طاعتهما في الدنيا وفي باب حسن العشرة والصحبة.

واتفق المفسرون على أن هذه الآية ونظيرتها التي في "العنكبوت" وفي "الأحقاف" نزلت في سعد بن ابي وقاص وفي أمه حمنة بنت ابي سفيان، وذلك أنه حين أسلم قالت: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفر بمحمد - وكان أحب ولدها إليها "فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله  وشكا إليه فنزلت هذه الآيات، فأمره رسول الله  أن يتراضاها بالإحسان وإنما لم يذكر في هذه السورة قوله ﴿ حسناً ﴾ لأن قوله ﴿ أن اشكر ﴾ قام مقامه، وإنما قال ههنا ﴿ وإن جاهداك على أن تشرك ﴾ لأنه أراد وإن حملاك على الإشراك، وقال في العنكبوت ﴿ لتشرك  ﴾ موافقة لما قبله فإنما يجاهد لنفسه مع أن مبني الكلام هناك الاختصار.

وحين وصف نفسه بكماله في خاتمة الآية بقوله ﴿ فأنبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أتبعه ما يناسبه من وصايا لقمان وهوة قوله ﴿ يا بني إنها ﴾ أي القصة ﴿ إن تك ﴾ أي الحبة من الإساءة أو الإحسان في الصغر كحبة الخردل ويجوز أن يقال: الحبة إن تك كحبة الخردل.

ومن قرأ ﴿ مثقال ﴾ بالرفع تعين أن يكون الضمير في ﴿ إنها ﴾ للقصة وتأنيث ﴿ تك ﴾ لإِضافة المثقال إلى الحبة.

وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر اي في مغاصة يعلمها الله؟

إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء.

سؤال: الصخرة لا بد أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ذكرها؟

الجواب على قول الظاهريين من المفسرين ظاهر لأنهم قالوا: الصخرة هي التي عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء.

وقال أهل الأدب: فيه إضمار والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات والأرض ومثله قول جار الله، أراد فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت العالم العلوي أو السفلي، وقال أهل التحقيق: إن خفاء الشيء يكون إما لغاية صغره، وإما لاحتجاجه، وإما لكونه بعيداً، وإما لكونه في ظلمة.

فأشار إلى الأول بقوله ﴿ مثقال من خردل ﴾ وإلى الثاني بقوله ﴿ فتكن في صخرة ﴾ وإلى الثالث بقوله ﴿ أو في السموات ﴾ وإلى الرابع بقوله ﴿ أو في الأرض ﴾ وقوله ﴿ يأت بها الله ﴾ أبلغ من قول القائل "يعلمه الله" ففيه مع العلم بمكانه إظهار القدرة على الإتيان به ﴿ إن الله لطيف ﴾ نافذ القدرة ﴿ خبير ﴾ ببواطن الأمور، وحين منع ابنه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بمكارم الأخلاق والعادات وأولها الصلاة، وفيها تعظيم المعبود الحق، وبعدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبهما تتم الشفقة على خلق الله.

وقوله ﴿ واصبر على ما اصابك ﴾ من أذيات الخلق في البأس، أو هو مطلق في كل ما يصيبه من المصائب والمكاره ﴿ إن ذلك ﴾ المذكور ﴿ من عزم الأمور ﴾ أي من معزوماتها من عزم الأمر بالنصب إذا قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه العزيمة خلاف الرخصة، أو من عزم الأمر بالرفع أي جد وقد مر في آخر "آل عمران".

وحين أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره وكان يخشى عليه أن يتكبر على الغير بسبب كونه مكملاً له أو يتبختر في النفس بسبب كونه كاملاً في نفسه قال ﴿ ولا تصعِّر خدك للناس ﴾ يقال: أصعر خدَّه وصعره وصاعره من الصعر بفتحتين وهو داء يصيب البعير يلوي منه عنقه.

والمعنى: أقبل على الناس بكل وجهك تواضعاً لا بشق الوجه كعادة المتكبرين.

ومعنى ﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ مذكور في سورة "سبحان الذي" والمختال والفخور مذكوران في سورة النساء.

فالمختال هو الماشي لأجل الفرح والنشاك لا لمصلحة دينية أو دنيوية، والفخور هو المصعر خده، بين أن الله لا يحبهما فيلزم الاجتناب عن الاتصاف بصفتهما.

ثم امره عند الاحتياج إلى المشي لضرورة بالمشي القصد أي الوسط بين السرعة والإبطاء على قياس سائر الأخلاق والآداب فخير الأمور أوساطها، ومثله غض الصوت حين التكلم.

قال أهل البيان: في تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير التي هي مثل في البلادة حتى استهجن التلفظ باسمها في أغلب الأمر، وفي تمثيل أصواتهم بالنهاق ثم إخلاء الكلام عن أداة التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة، تنبيه على أن الإفراط في رفع الصوت من غير ضرورة ولا فائدة مكروه عند الله جداً، واشتقاق أنكر من النكر ليكون على القياس لا من المنكر والحمير جمع الحمار، وإنما لم يقل أصوات الحمير لأن المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغير الناطق له صوت، وإن أنكر أصوات هذه الأجناس صوت أفراد هذا الجنس.

قال بعض العقلاء: من نكر صوت هذا الحيوان أنه لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق، وأما سائر الحيوانات فلا يصيح إلا لحاجة قالوا: ومن فوائد عطف الأمر بغض الصوت على الأمر بالقصد في المشي، أن الحيوان يتوصل إلى مطلوبه بالمشي فإن عجز عن ذلك فبالتصويت والنداء كالغنم تطلب السخلة، ومنها أن الإنسان له عقيدة ولسان وجوارح يتحرك بها كسائر الحيوانات فأشار إلى الأولى بقوله ﴿ إنها إن تك مثقال حبة ﴾ أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، واشار إلى التوسط في أفعال الجوارح بقوله ﴿ واقصد في مشيك ﴾ وإلى التوسط في الأقوال بقوله ﴿ اغضض من صوتك ﴾ أو نقول: اشار بقوله ﴿ أقم الصلاة ﴾ إلى الأوصاف الملكية التي يجب أن تكون في الإنسان، وبقوله ﴿ وأمر ﴾ إلى قوله ﴿ مرحاً ﴾ إلى الأوصاف الفاضلة الإنسانية، وبقوله ﴿ واقصد ﴾ ﴿ واغضض ﴾ إلى الأوصاف التي يشارك فيها الإنسان سائر الحيوان والله  أعلم.

التأويل: ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ هي للعوام مقادير معينة من المال كربع العشر من عشرين، وللخواص إخراج كل المال في سبيل الله، ولأخص الخواص بذل الوجود لنيل المقصود ﴿ لهو الحديث ﴾ قال الجنيد: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء حظوظهم.

﴿ وإذ قال لقمان ﴾ القلب ﴿ لابنه ﴾ السر المتولد من ازدواج الروح والقلب ﴿ وهو يعظه ﴾ أن لا يتصف بصفات النفس العابدة للشيطان والهوى والدنيا ﴿ في عامين ﴾ يريد فطامه عن مألوفات الدارين ﴿ وإن جاهداك ﴾ فيه أن السر لا ينبغي له أن يلتفت إلى الروح أو القلب إذا اشتغلا بغير الله في أوقات الفترات، فإن الروح قد يميل غلى مجانسة من الروحانيات، والقلب يميل تارة إلى الروح، وأخرة إلى النفس ولكنه يرجى الصلاة بعد الفترة، وأما السر فإذا زال عن طبيعته وهو الإخلاص في التوحيد فإصلاح حاله ممكن بعيد.

﴿ واتبع سبيل من أناب إليّ ﴾ وهو الخفي.

﴿ إنها إن تك ﴾ يعني القسمة الأزلية من السعادة وضدها ﴿ لصوت الحمير ﴾ قالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ الۤـمۤ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله في غير موضع فيما تقدم وما ذكر فيه.

[و] قوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما بشر به الرسل المتقدمة أقوامهم من بشارات، يقول: تلك البشارة هي آيات.

﴿ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

أي: هذا القرآن.

وقال بعضهم: تلك الآيات التي في السماء هذا الكتاب.

ومنهم من قال: تلك الآيات التي أنزلت متفرقة، فجمعت؛ فصارت قرآنا،ـ والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ .

سمى الكتاب: حكيماً كريماً مجيداً ونحوه؛ فيحتمل تسميته: حكيماً وجوهاً: أحدها: لإحكامه وإتقانه، أي: محكم متقن لا يبدّل ولا يغير؛ وهو كما وضعه - عز وجل - ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ .

والثاني: سماه: حكيماً؛ لأن من تمسك به، وعمل بما فيه يصير حكيماً مجيداً كريماً.

والثالث: سماه حكيماً؛ لأنه منزل من عند حكيم؛ كقوله: ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ هُدًى ﴾ ، أي: توفيقاً وعصمة ومعونة للمحسنين، وكذلك هو رحمة لهم في دفع العذاب عنهم.

وأما ما يقول أهل التأويل: ﴿ هُدًى ﴾ ، أي: بياناً للمحسنين فهو بيان للكل ليس لبعض دون بعض؛ فلا يحتمل الهدى البيان في هذا الموضع؛ ولكن ما ذكرنا من المعونة والتوفيق والعصمة.

والمحسن - هاهنا - جائز أن يكون المؤمن؛ كقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ : الصبار: هو المؤمن، والشكور: هو المؤمن، سمى المؤمن: صبارا مرة وشكورا مرة ومحسنا مرة؛ لأنه يعتقد بالإيمان كل ما ذكر من الصبر والشكر والإحسان وكل خير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ...

﴾ الآية.

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم في غير موضع.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

تأويل الهدى ما ذكرنا في هذا الموضع من التوفيق والعصمة والمعونة.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

قد ذكرناه أيضاً.

وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ .

قال بعضهم: ليس على حقيقة الاشتراء نفسه؛ ولكن على الإيثار والاختيار؛ لأن الاشتراء هو مبادلة أخذ وإعطاء، ولكن آثروا واختاروا الضلال مع قبحه عندهم على الهدى مع حسنه؛ فعلى ذلك آثروا لهو الحديث واختاروه على الحق وحكمة الحديث، واختاروا الفاني على الباقي؛ فسماه: شراء لذلك.

وقال بعضهم: هو على حقيقة الاشتراء.

لكنهم اختلفوا: فمنهم من يقول: إنه على اشتراء المغنية والمغني كانوا يشترونهم؛ ليتلهوا بهم ويلعبوا.

ومنهم من قال: كان أحدهم يشتري ويكتب عن لهو الحديث وباطله من حديث الأعاجم، فيحدث بها قريشاً، ويقول: إن محمدا يحدثكم بأحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بأحاديث فارس والروم؛ فذلك اشتراؤه لهو الحديث وإضلاله الناس عن سبيل الله فأعرضوا عن القرآن والإيمان بمحمد.

﴿ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً ﴾ .

وكان إذا سمع شيئاً من القرآن اتخذها هزوا، هكذا عادة الكفرة وأهل النفاق: كانوا يستهزئون بالقرآن وبرسول الله وأصحابه.

ثم أوعدهم الوعيد الشديد؛ حيث قال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .

وابن مسعود وابن عباس -  ما - يقولان في قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ ﴾ : هو شراء المغنية والغناء، وقد روي مرفوعاً عن أبي القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي  قال: "لا تبيعوا المغنيات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن ولا خير في التجارة فيهن، وثمنهن حرام" وفي مثله أنزلت هذه الآية: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ...

﴾ الآية، فإن ثبت هذا فهو تفسير لهو الحديث الذي ذكر في الآية.

وقوله: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً ﴾ .

أي: أعرض متعظماً متجبراً.

﴿ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ﴾ ، و ﴿ كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً ﴾ على التقرير.

ويحتمل: على نفي الحقيقة.

فإن كان على التقرير فهو على ترك الاستماع.

وإن كان على حقيقة النفي فقد ذكر في كثير من الآي ذلك كقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ ، وذلك يحتمل وجهين - والله أعلم - ثم أوعده العذاب الشديد؛ حيث قال: ﴿ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .

قوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ بجميع ما أمروا بالإيمان به، ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ بما تعبدوا من العمل بالطاعات والصالحات.

﴿ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ ﴾ .

كل الجنان التي وعد للمؤمنين نعيم يتنعمون فيها خالدين فيها.

﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً ﴾ .

أي: ما وعد للمؤمنين من جنات النعيم هو حق كائن لا محالة، ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذه الآيات المنزلة عليك -أيها الرسول- آيات الكتاب الذي ينطق بالحكمة.

<div class="verse-tafsir" id="91.OgBY7"

مزيد من التفاسير لسورة لقمان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله