الآية ٣٧ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٣٧ من سورة سبأ

وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) أي : ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ، ولا اعتنائنا بكم .

قال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا كثير ، حدثنا جعفر ، حدثنا يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .

[ و ] رواه مسلم وابن ماجه ، من حديث كثير بن هشام ، عن جعفر بن برقان ، به .

ولهذا قال : ( إلا من آمن وعمل صالحا ) أي : إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح ، ( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) أي : تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ( وهم في الغرفات آمنون ) أي : في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى ، ومن كل شر يحذر منه .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي ، حدثنا القاسم وعلي بن مسهر ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن النعمان بن سعد ، عن علي رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها ، وبطونها من ظهورها " .

فقال أعرابي : لمن هي ؟

قال : " لمن طيب الكلام ، وأطعم الطعام ، وأدام الصيام ، [ وصلى بالليل والناس نيام ] " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) يقول جل ثناؤه: وما أموالكم التي تفتخرون بها أيها القوم على الناس ولا أولادكم الذين تتكبرون بهم، بالتي تقربكم منَّا قربة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (عِنْدَنَا زُلْفَى) قال: قربى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ) لا يعتبر الناس بكثرة المال والولد، وإن الكافر قد يعطى المال، وربما حبس عن المؤمن.

وقال جل ثناؤه: ( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ) ولم يقل باللَّتين، وقد ذكر الأموال والأولاد، وهما نوعان مختلفان، لأنه ذُكر من كل نوع منهما جمع يصلح فيه التي، ولو قال قائل: أراد بذلك أحد النوعين لم يبعد قوله، وكان ذلك كقول الشاعر: نحــنُ بِمَــا عِندَنــا وأنـتَ بمـا عِنــدكَ رَاضٍ والــرأيُ مخــتَلِفُ (2) ولم يقل راضيان.

وقوله (إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فإنه تقربهم أموالهم وأولادهم بطاعتهم الله في ذلك وأدائهم فيه حقه إلى الله زلفى دون أهل الكفر بالله.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله (إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) قال: لم تضرهم أموالهم ولا أولادهم في الدنيا للمؤمنين، وقرأ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ فالحسنى: الجنة، والزيادة: ما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به، كما حاسب الآخرين، فمن حمل على هذا التأويل نصب بوقوع تقرب عليه، وقد يحتمل أن يكون " من " في موضع رفع، فيكون كأنه قيل: وما هو إلا من آمن وعمل صالحًا.

وقوله (فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْف) يقول: فهؤلاء لهم من الله على أعمالهم الصالحة الضعف من الثواب، بالواحدة عشر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا) قال: بأعمالهم الواحد عشر، وفي سبيل الله بالواحد سبعمائة.

وقوله (فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) يقول: وهم في غرفات الجنات آمنون من عذاب الله.

------------------------ الهوامش: (2) البيت لقيس بن الخطيم من قصيدة من المنسرح، كما في معاهد التنصيص شرح شواهد التلخيص.

لعبد الرحيم العباسي وقد تقدم الكلام عليه في (10 : 122) مبسوطا.

فراجعه ثمة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى قال مجاهد : أي قربى .

والزلفة القربة .

وقال الأخفش : أي إزلافا ، وهو اسم المصدر ، فيكون موضع ( قربى ) نصبا كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا .

وزعم الفراء أن التي تكون للأموال والأولاد جميعا .

وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج ، يكون المعنى : وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا ، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه .

وأنشد الفراء :نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلفويجوز في غير القرآن : باللتين وباللاتي وباللواتي وباللذين وبالذين ; للأولاد خاصة أي لا تزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة ، ولا تقربكم تقريبا .

إلا من آمن وعمل صالحا قال سعيد بن جبير : المعنى إلا من آمن وعمل صالحا فلن يضره ماله وولده في الدنيا .

وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول : اللهم ارزقني الإيمان والعمل ، وجنبني المال والولد ، فإني سمعت فيما أوحيت وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا .قلت : قول طاوس فيه نظر ، والمعنى والله أعلم : جنبني المال والولد المطغيين أو اللذين لا خير فيهما ; فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنعم هذا !

وقد مضى هذا في ( آل عمران ومريم ، والفرقان ) .

و ( من ) في موضع نصب على الاستثناء المنقطع ، أي لكن من آمن وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقربانه مني .

وزعم الزجاج أنه في موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في ( تقربكم ) .

النحاس : وهذا القول غلط ; لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل ، ولو جاز هذا لجاز : رأيتك زيدا .

وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء إلا أن الفراء لا يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين ، ولكن قوله [ ص: 275 ] يئول إلى ذلك ، وزعم أن مثله إلا من أتى الله بقلب سليم يكون منصوبا عنده ب ( ينفع ) .

وأجاز الفراء أن يكون من في موضع رفع بمعنى : ما هو إلا من آمن ، كذا قال ، ولست أحصل معناه .

فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا يعني قوله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فالضعف الزيادة ، أي لهم جزاء التضعيف ، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول .

وقيل : لهم جزاء الأضعاف ، فالضعف في معنى الجمع ، وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه ، نحو : حق اليقين ، وصلاة الأولى .

أي لهم الجزاء المضعف ، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة .وبهذه الآية استدل من فضل الغنى على الفقر .

وقال محمد بن كعب : إن المؤمن إذا كان غنيا تقيا أتاه الله أجره مرتين بهذه الآية .

وهم في الغرفات آمنون قراءة العامة جزاء الضعف بالإضافة .

وقرأ الزهري ويعقوب ونصر بن عاصم ( جزاء ) منونا منصوبا ( الضعف ) رفعا ; أي فأولئك لهم الضعف جزاء ، على التقديم والتأخير .

وجزاء الضعف على أن يجازوا الضعف .

و ( جزاء الضعف ) مرفوعان ، ( الضعف ) بدل من ( جزاء ) .

وقرأ الجمهور أيضا في الغرفات على الجمع ، وهو اختيار أبي عبيد ; لقوله : لنبوئنهم من الجنة غرفا .

الزمخشري : وقرئ في الغرفات بضم الراء وفتحها وسكونها .

وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وخلف ( في الغرفة ) على التوحيد ; لقوله تعالى : أولئك يجزون الغرفة .

والغرفة قد يراد بها اسم الجمع واسم الجنس .

قال ابن عباس : هي غرف من ياقوت وزبرجد ودر .

وقد مضى بيان ذلك .

( آمنون ) أي من العذاب والموت والأسقام والأحزان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وليست الأموال والأولاد بالتي تقرب إلى الله زلفى وتدني إليه، وإنما الذي يقرب منه زلفى, الإيمان بما جاء به المرسلون, والعمل الصالح الذي هو من لوازم الإيمان, فأولئك لهم الجزاء عند اللّه تعالى مضاعفا الحسنة بعشر أمثالها, إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة, لا يعلمها إلا اللّه، { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } أي: في المنازل العاليات المرتفعات جدا, ساكنين فيها مطمئنين, آمنون من المكدرات والمنغصات, لما هم فيه من اللذات, وأنواع المشتهيات, وآمنون من الخروج منها والحزن فيها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) أي : قربى ، قال الأخفش : " قربى " اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا ( إلا من آمن ) يعني : لكن من آمن ( وعمل صالحا ) قال ابن عباس : يريد إيمانه وعمله يقربه مني ( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) أي : يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشر إلى سبعمائة قرأ يعقوب : " جزاء " منصوبا منونا " الضعف " رفع ، تقديره : فأولئك لهم الضعف جزاء ، وقرأ العامة بالإضافة ( وهم في الغرفات آمنون ) قرأ حمزة : " في الغرفة " على واحده ، وقرأ الآخرون بالجمع لقوله : " لنبوأنهم من الجنة غرفا " ( العنكبوت - 58 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى» قربى، أي تقريبا «إلا» لكن «من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاءُ الضعف بما عملوا» أي جزاء العمل: الحسنة مثلا بعشر فأكثر «وهم في الغرفات» من الجنة «آمنون» من الموت وغيره، وفي قراءة الغرفة بمعنى الجمع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وليست أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا قربى، وترفع درجاتكم، لكن مَن آمن بالله وعمل صالحًا فهؤلاء لهم ثواب الضعف من الحسنات، فالحسنة بعشر أمثالها إلى ما يشاء الله من الزيادة، وهم في أعالي الجنة آمنون من العذاب والموت والأحزان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم زاد - سبحانه - هذه القضية وتوضيحا وتبيينا فقال : ( وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ) .الزلفى : مصدر كالقربى ، وانتصابه على المصدرية من معنى العامل .

أى ليست كثرة أموالكم ، ولا كثرة أولادكم بالتى من شأنها أن تقربكم إلينا قربى ، لأن هذه الكثرة ليست دليل محبة منا لكم ، ولا تكريم منالكم ، وإنما الذى يقربكم منا هو الإِيمان والعمل الصالح .كما وضح - سبحانه - هذه الحقيقة فى قوله بعد ذلك : ( إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأولئك لَهُمْ جَزَآءُ الضعف بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ ) .أى : ليس الأمر كما زعمتم - أيها المترفون - من أن كثرة الأموال والأولاد ستنجيكم من العذاب ، ولكن الحق والصدق أن الذى ينجيكم من ذلك ويقربكم منا ، هو الإِيمان والعمل الصالح .

فهلاء الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله - تعالى - الجزاء الحسن المضاعف ، وهم فى غرفات الجنات آمنون مطمئنون .قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) هو استثناء منقطع فيكون محله النصب .

أى : لكن من آمن وعمل صالحا .

.

.

والإِشارة بقوله : ( فأولئك ) إلى ( مَنْ ) والجمع باعتبار المعنى .

وهو مبتدأ .

وخبره ( لَهُمْ جَزَآءُ الضعف ) أى : فأولئك يجازيهم الله الضعف ، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول .

أو فأولئك لهم الجزاء المضاعف فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يعني قولكم نحن أكثر أموالاً فنحن أحسن عند الله حالاً ليس استدلالاً صحيحاً، فإن المال لا يقرب إلى الله ولا اعتبار بالتعزز به، وإنما المفيد العمل الصالح بعد الإيمان والذي يدل عليه هو أن المال والولد يشغل عن الله فيبعد عنه فكيف يقرب منه والعمل الصالح إقبال على الله واشتغال بالله ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب من الله شيئاً حصل، وقوله: ﴿ فأولئك لَهُمْ جَزَاءُ الضعف ﴾ أي الحسنة فإن الضعف لا يكون إلا في الحسنة وفي السيئة لا يكون إلا المثل.

ثم زاد وقال: ﴿ وَهُمْ فِي الغرفات ءَامِنُونَ ﴾ إشارة إلى دوام النعيم وتأبيده، فإن من تنقطع عنه النعمة لا يكون آمناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أراد: وماجماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي تقربكم، وذلك أنّ الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، ويجوز أن يكون التي هي التقوى وهي المقربة عند الله زلفى وحدها، أي: ليست أموالكم بتلك الموضوعة للتقريب.

وقرأ الحسن: باللاتي تقرّبكم؛ لأنها جماعات.

وقرئ: ﴿ بالذي يقرّبكم ﴾ ، أي: بالشيء الذي يقرّبكم.

والزلفى والزلفة: كالكربى والكربة، ومحلها النصب، أي: تقرّبكم قربة، كقوله تعالى: ﴿ أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً ﴾ [نوح: 17] ﴿ إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ ﴾ استثناء من ﴿ كَمْ ﴾ في ﴿ تُقَرّبُكُمْ ﴾ ، والمعنى: أنّ الأموال لا تقرب أحداً إلاّ المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحداً إلا من علمهم الخير وفقههم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة، ﴿ جزآءالضعف ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول، أصله: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، ثم جزاء الضعف، ثم جزاء الضعف.

ومعنى جزاء الضعف: أن تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشراً.

وقرئ: ﴿ جزاء الضعف ﴾ ، على: فأولئك لهم الضعف جزاء وجزاء الضعف على: أن يجازوا الضعف، وجزاء الضعف مرفوعان: الضعف بدل من جزاء.

وقرئ: ﴿ فِى الغرفات ﴾ بضم الراء وفتحها وسكونها.

وفي الغرفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى ﴾ قُرْبَةً والَّتِي إمّا لِأنَّ المُرادَ وما جَماعَةُ أمْوالِكم وأوْلادِكم، أوْ لِأنَّها صِفَةُ مَحْذُوفٍ كالتَّقْوى والخَصْلَةِ.

وقُرِئَ «بالَّذِي» أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُقَرِّبُكم.

﴿ إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ ( تُقَرِّبُكم )، أيِ الأمْوالُ والأوْلادُ لا تُقَرِّبُ أحَدًا إلّا المُؤْمِنَ الصّالِحَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ويُعَلِّمُ ولَدَهُ الخَيْرَ ويُرَبِّيهِ عَلى الصَّلاحِ، أوْ مِن أمْوالِكم وأوْلادِكم عَلى حَذْفِ المُضافِ.

﴿ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ ﴾ أنْ يُجازَوُا الضِّعْفَ إلى عَشْرٍ فَما فَوْقَهُ، والإضافَةُ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، وقُرِئَ ( بِالأعْمالِ ) عَلى الأصْلِ وعَنْ يَعْقُوبَ رَفْعُهُما عَلى إبْدالِ الضِّعْفِ، ونُصِبَ الجَزاءُ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَهم.

﴿ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ ﴾ مِنَ المَكارِهِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِها، وقَرَأ حَمْزَةُ «فِي الغُرْفَةِ» عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

﴿ والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا ﴾ بِالرَّدِّ والطَّعْنِ فِيها.

﴿ مُعاجِزِينَ ﴾ مُسابِقِينَ لِأنْبِيائِنا أوْ ظانِّينَ أنَّهم يَفُوتُونَنا.

﴿ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى} أي وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتى وذلك أن الجمع الكسر عقلاؤه وغيره عقلائه سواء في حكم التأنيث والزلفى والزلفة كالقربى والقربة ومحلها النصب على المصدر أي تقربكم قربة كقوله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} الاستثناء من كم في تُقَرّبُكُمْ يعني أن الأموال

لا تقرب أحداً إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله والأولاد لا تقرب أحداً إلا من علمهم الخير وفقهم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة وعن ابن عباس إلا بمعنى لكن ومن شرط جوابه {فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضعف} وهو من إضافة المصدر إلى المفعول أصله فأولئك لهم أن يجاوز الضعف ثم جزاء الضعف ومعنى جزاء الضعف أن تضاعف لهم حسناتهم الواحدة عشراً وقرأ يعقوب جَزَاءً الضعف على فأولئك لهم الضعف جزاء {بِمَا عَمِلُواْ} بأعمالهم {وَهُمْ فِى الغرفات} أى غرف منازل

سبأ (٤٢ - ٣٨)

الجنة الغرفة حمزة {آمنون} من كل هائل وشاغل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ خُوطِبَ بِهِ النّاسُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ مُبالَغَةً في تَحْقِيقِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ ما سَبَقَ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ القُرْبُ والكَرامَةُ مَدارًا وعِلَّةً لِكَثْرَةِ الرِّزْقِ، وهَذا النَّفْيُ أنْ تَكُونَ كَثْرَةُ الرِّزْقِ سَبَبًا لِلْقُرْبِ والكَرامَةِ ويَكُونُ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، واَلَّتِي واقِعٌ عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ، وحَيْثُ إنَّ الجَمْعَ المُكَسَّرَ عُقَلاؤُهُ وغَيْرُ عُقَلائِهِ سَواءٌ في حُكْمِ التَّأْنِيثِ، وكانَ المَجْمُوعُ بِمَعْنى جَماعَةٍ صَحَّ الإفْرادُ والتَّأْنِيثُ، أيْ وما جَماعَةُ أمْوالِكم وأوْلادِكم بِالجَماعَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا قُرْبَةً، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وما ذُكِرَ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا إعْرابٍ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا في أوَّلِهِ لِدَلالَةِ ما في آخِرِهِ، والتَّقْدِيرُ وما أمْوالُكم بِاَلَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفًى ولا أوْلادُكم بِاَلَّتِي الخ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الَّتِي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُفْرَدٍ مُؤَنَّثٍ تَقْدِيرُهُ بِالتَّقْوى أوْ بِالخَصْلَةِ الَّتِي، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الَّتِي كِنايَةٌ عَنِ التَّقْوى لِأنَّ المُقَرَّبَ إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا تِلْكَ، أيْ وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِتِلْكَ المَوْضُوعَةِ لِلتَّقْرِيبِ.

وقَرَأ الحَسَنُ «بِاللّاتِي» جَمْعًا وهو راجِعٌ لِلْأمْوالِ والأوْلادِ كاَلَّتِي عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا، وقُرِئَ «بِالَّذِي» أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُقَرِّبُكم.

وزُلْفى مَصْدَرٌ كالقُرْبى وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِنَ المَعْنى.

وقَرَأ الضَّحّاكُ «زُلَفًا» بِفَتْحِ اللّامِ وتَنْوِينِ الفاءِ جَمْعُ زُلْفَةٍ وهي القُرْبَةُ.

﴿ إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ اِسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ ﴿ تُقَرِّبُكُمْ ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ، وهو اِسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذا كانَ الخِطابُ عامًّا لِلْمُؤْمِنِينَ والكَفَرَةِ ومُنْقَطِعٌ إذا كانَ خاصًّا بِالكَفَرَةِ، فالمَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ أوْ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ما بَعْدَهُ خَبَرُهُ أوْ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أيْ لَكِنَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَإيمانُهُ وعَمَلُهُ يُقَرِّبانِهِ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الِانْقِطاعَ، وقالَ في البَحْرِ: فَإنَّ الزَّجّاجَ ذَهَبَ إلى بَدَلِيَّتِهِ مِنَ المَفْعُولِ المَذْكُورِ وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يَجُوزُ الإبْدالُ مِنهُ فَلا يُقالُ رَأيْتُكَ زَيْدًا، ومَذاهِبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُبَدَّلَ مِن ضَمِيرِي المُخاطَبِ والمُتَكَلِّمِ لَكِنَّ البَدَلَ في الآيَةِ لا يَصِحُّ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ تَفْرِيغُ الفِعْلِ الواقِعِ صِلَةً لِما بَعْدَ إلّا فَلَوْ قُلْتَ ما زَيْدٌ بِاَلَّذِي يَضْرِبُ إلّا خالِدًا لَمْ يَصِحَّ اه.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ جَعْلَهُ اِسْتِثْناءً مِنَ المَفْعُولِ لا يَصِحُّ عَلى جَعْلِ الَّتِي كِنايَةً عَنِ التَّقْوى لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الأمْوالُ والأوْلادُ تَقْوى في حَقِّ غَيْرِ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا لَكِنَّها غَيْرُ مُقَرِّبَةٍ، وقِيلَ لا بَأْسَ بِذَلِكَ إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِتَقْوى إلّا المُؤْمِنِينَ، وحاصِلُهُ أنَّ المالَ والوَلَدَ لا يَكُونانِ تَقْوى ومُقَرِّبِينَ لِأحَدٍ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا صَحَّ واتَّضَحَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اِسْتِثْناءً مِن ( أمْوالُكم وأوْلادُكم ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ إلّا أمْوالُ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا وأوْلادُهُمْ، وفي هَذا إذا جُعِلَ الَّتِي كِنايَةً عَنِ التَّقْوى مُبالَغَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ جُعِلَ مالُ المُؤْمِنِ الصّالِحِ ووَلَدُهُ نَفْسَ التَّقْوى.

ثُمَّ إنَّ تَقْرِيبَ الأمْوالِ المُؤْمِنَ الصّالِحَ بِإنْفاقِها فِيما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى وتَقْرِيبَ الأوْلادِ بِتَعْلِيمِهِمُ الخَيْرَ وتَفْقِيهِهِمْ في الدِّينِ وتَرْشِيحِهِمْ لِلصَّلاحِ والطّاعَةِ.

﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَن والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ فَأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ ﴾ أيْ لَهم أنْ يُجازِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى الضِّعْفَ أيِ الثَّوابَ المُضاعَفَ فَيُجازِيهِمْ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِهِمْ أوْ بِأكْثَرَ إلى سَبْعِمِائَةٍ فَإضافَةُ جَزاءٍ إلى الضِّعْفِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.

وقَرَأ قَتادَةُ «جَزاءٌ الضِّعْفُ» بِرَفْعِهِما فالضِّعْفُ بَدَلٌ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الضِّعْفُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ بِنَصْبِ «جَزاءً» ورَفْعِ «اَلضِّعْفَ» فَجَزاءٌ تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ ( لَهم ) إنْ كانَ الضِّعْفُ مُبْتَدَأً أوْ مِنهُ إنْ كانَ فاعِلًا أوْ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ( لَهم ) أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقُرِئَ «جَزاءٌ» بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ «اَلضِّعْفَ» بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِ المَصْدَرِ.

﴿ بِما عَمِلُوا ﴾ مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ وهم في الغُرُفاتِ ﴾ أيْ في غُرُفاتِ الجَنَّةِ ومَنازِلِها العالِيَةِ ﴿ آمِنُونَ ﴾ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ بِخِلافٍ عَنْهُ والأعْمَشُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ (فِي الغُرْفاتِ) بِإسْكانِ الرّاءِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ بِفَتْحِها، وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطِلْحَةُ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ «فِي الغُرْفَةِ» بِالتَّوْحِيدِ وإسْكانِ الرّاءِ، وابْنُ وثّابٍ أيْضًا بِالتَّوْحِيدِ وضَمِّ الرّاءِ والتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ لِأنَّ الكُلَّ لَيْسُوا في غُرْفَةٍ واحِدَةٍ والمُفْرَدُ أخْصَرُ مَعَ عَدَمِ اللَّبْسِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهو قوله عز وجل: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أي: يوسع المال لمن يشاء وهو مكر منه واستدراج وَيَقْدِرُ يعني: يقتر على من يشاء، وهو نظر له لكي يعطى في الآخرة من الجنة بما قتر عليه في الدنيا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أن التقتير والبسط من الله عَزَّ وَجَلَّ.

ويقال: لا يصدقون أن الذين اختاروا الآخرة خير من الذين اختاروا الدنيا ثم أخبر الله تعالى أن أموالهم لا تنفعهم يوم القيامة فقال عز وجل: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى يعني: قربة.

ومعناه: وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا ولو كان على سبيل الجمع لقال بالذين يقربونكم، لأن الحكم للآدميين إذا اجتمع معهم غيرهم.

ثم قال: إِلَّا مَنْ آمَنَ يعني: إلا من صدق الله ورسوله وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا يعني: للواحد عشرة إلى سبعمائة وإلى ما لا يحصى.

وقال القتبي: أراد بالضعف التضعيف أي: لهم جزاء وزيادة.

قال: ويحتمل جَزاءُ الضِّعْفِ أي: جزاء الأضعاف كقوله: عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ [الأعراف: 38] أي: مضافاً.

وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: إن الغني إذا كان تقياً، يضاعف الله له الأجر مرتين، ثم قرأ هذه الآية.

وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ إلى قوله: فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ يعني: أجره مِثْلَيْ ما يكون لغيره.

ويقال: هذا لجميع من عمل صالحاً وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ قرأ حمزة: وَهُمْ فِى الغرفة.

وقرأ الباقون: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ والغرفة في اللغة كل بناء يكون علواً فوق سفل، وجمعه غرف وغرفات.

ومعناه: وهم في الجنة آمنون من الموت، والهرم، والأمراض، والعدو وغير ذلك من الآفات.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ والقراءة قد ذكرناها أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ يعني: في النار معذبون قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وقد ذكرناه وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما تصدقتم من صدقة فَهُوَ يُخْلِفُهُ يعني: فإن الله يعطي خلفه في الدنيا وثوابه في الآخرة وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ يعني: أقوى المعطين.

وروى أبو الدرداء عن رسول الله  أنه قال: «مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلا غَرَبَتْ شَمْسٌ إلاَّ بُعِثَ بِجَنْبَيْهَا مَلَكَان يُنَادِيَانِ: اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِمُنْفِقٍ مَالَهُ خَلَفاً وَعَجِّلْ لِمُمْسِكٍ مَالَهُ تَلَفاً» .

ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يعني: الملائكة- عليهم السلام- ومن عبدهم.

قرأ بعضهم من أهل البصرة: يَحْشُرُهُمْ بالياء يعني: يحشرهم الله عز وجل.

وقراءة العامة بالنون على معنى الحكاية عن نفسه، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ يعني: أنتم أمرتم عبادي أن يعبدوكم، وهذا سؤال توبيخ كقوله لعيسى-  -: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي [المائدة: 116] الآية قالُوا سُبْحانَكَ فنزهت الملائكة ربها عن الشرك وقالوا: سُبْحانَكَ يعني: تنزيهاً لك أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ ونحن بَرَآءٌ منهم من أن نأمرهم أن يعبدونا بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ يعني: أطاعوا الشياطين في عبادتهم أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ يعني: مصدقين الشياطين مطيعين لها.

يقول الله تعالى: فَالْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً يعني: شفاعة وَلا ضَرًّا يعني: ولا دفع الضر عنهم وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: كفروا في الدنيا.

يقال: لهم في الآخرة ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ إنها غير كائنة ثم أخبر عن أفعالهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ ﴾ أيْ: نَبِيٌّ يُنْذِرُ ﴿ إلا قالَ مُتْرَفُوها ﴾ وهْمُ أغْنِياؤُها ورُؤَساؤُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا ﴾ .

في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُتْرَفُونَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ.

والثّانِي: مُشْرِكُو مَكَّةَ، فَظَنُّوا مِن جَهْلِهِمْ أنَّ اللَّهَ خَوَّلَهُمُ المالَ والوَلَدَ لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَقالُوا: ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ أحْسَنَ إلَيْنا بِما أعْطانا فَلا يُعَذِّبُنا، فَأخْبَرَ أنَّهُ ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ ؛ والمَعْنى أنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ وتَضْيِيقَهُ ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ، لا أنَّ البَسْطَ يَدُلُّ عَلى رِضى اللَّهِ، ولا التَّضْيِيقُ يَدُلُّ عَلى سُخْطِهِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ.

ثُمَّ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَصْلُحُ أنْ تَقَعَ " الَّتِي " عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ جَمِيعًا، لِأنَّ الأمْوالَ جَمْعٌ والأوْلادَ جَمْعٌ؛ وإنْ شِئْتَ وجَّهْتَ " الَّتِي " إلى الأمْوالِ، واكْتَفَيْتَ بِها مِن ذِكْرِ الأوْلادِ؛ وأنْشَدَ لِمَرّارٍ الأُسْدِيِّ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وما أمْوالُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ، ولا أوْلادُكم بِالَّذِينِ يُقَرِّبُونَكُمْ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ: " بِاللّاتِي تُقَرِّبُكم " .

قالَ الأخْفَشُ: و ﴿ زُلْفى ﴾ هاهُنا اسْمُ مَصْدَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا ازْدِلافًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ زُلْفى ﴾ أيْ: قُرْبى ومَنزِلَةً عِنْدَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن آمَنَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ما تُقَرِّبُ الأمْوالُ إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ بِها في طاعَةِ اللَّهِ، ﴿ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ ﴾ والمُرادُ بِهِ ها هُنا عَشْرُ حَسَناتٍ، تَأْوِيلُهُ: لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ الَّذِي قَدْ أعْلَمْتُكم مِقْدارَهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يَرِدْ فِيما يَرى أهْلُ النَّظَرِ- واللَّهُ أعْلَمُ- أنَّهم يُجازَوْنَ بِواحِدٍ مِثْلِهِ، ولا اثْنَيْنِ، ولَكِنَّهُ أرادَ جَزاءَ التَّضْعِيفِ، وهو مِثْلٌ يُضَمُّ إلى مِثْلِ ما بَلَغَ، وكَأنَّ الضِّعْفَ الزِّيادَةُ، فالمَعْنى: لَهم جَزاءُ الزِّيادَةِ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ورُوَيْسٌ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: " لَهم جَزاءً " بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ وكَسْرِ التَّنْوِينِ وصْلًا " الضِّعْفُ " بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وقَتادَةُ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: " لَهم جَزاءٌ " بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ " الضِّعْفُ " بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في الغُرُفاتِ ﴾ يَعْنِي [فِي] غُرَفِ الجَنَّةِ، وهي البُيُوتُ فَوْقَ الأبْنِيَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: " في الغُرْفَةِ " عَلى التَّوْحِيدِ؛ أرادَ اسْمَ الجِنْسِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " في الغُرْفاتِ " بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ مَعَ الألِفِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمَرَ: بِضَمِّ الغَيْنِ وفَتْحِ الرّاءِ مَعَ الألِفِ ﴿ آمِنُونَ ﴾ مِنَ المَوْتِ والغَيْرِ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الحَجِّ: ٥١، الرَّعْدِ: ٢٦ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ ﴾ أيْ: يَأْتِي بِبَدَلِهِ، يُقالُ: أخْلَفَ اللَّهُ لَهُ وعَلَيْهِ: إذا أبْدَلَ ما ذَهَبَ عَنْهُ وفي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما أنْفَقْتُمْ مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ فَهو يُخْلِفُهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: ما أنْفَقْتُمْ في طاعَتِهِ، فَهو يُخْلِفُهُ في الآخِرَةِ بِالأجْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: ما أنْفَقْتُمْ في الخَيْرِ والبِرِّ فَهو يُخْلِفُهُ، إمّا أنْ يُعَجِّلَهُ في الدُّنْيا، أوْ يَدَّخِرَهُ لَكم في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُنْفِقُ مالَهُ في الخَيْرِ ولا يَرى لَهُ خَلَفًا أبَدًا؛ وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: ما كانَ مِن خَلَفٍ فَهو مِنهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ لَمّا دارَ عَلى الألْسُنِ أنَّ السُّلْطانَ يَرْزُقُ الجُنْدَ، وفُلانٌ يَرْزُقُ عِيالَهُ، أيْ: يُعْطِيهِمْ، أخْبَرَ أنَّهُ خَيْرُ المُعْطِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أولادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  عن فِعْلِ قُرَيْشٍ وقَوْلِها، أيْ: هَذِهِ يا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُ قَوْمِكَ، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ، و"المُتْرَفُ": المُنْعَمُ البَطّالُ الغَنِيُّ القَلِيلُ تَعَبِ النَفْسِ والجِسْمِ، فَعادَتُهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَكْذِيبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "المُتْرَفِينَ"، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ، ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مِثْلَهم أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ: ﴿ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، ويَكُونَ كَلامُ "المُتْرَفِينَ" قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَطَّرِدُ الآيَةُ بَعْدُ.

ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا ﴾ الِاحْتِجاجُ بِأنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنا هَذا وقَدَّرَهُ لَنا إلّا لِرِضاهُ عَنّا وعن طَرِيقَتِنا، ونَحْنُ مِمَّنْ لا يُعَذَّبُ البَتَّةَ؛ إذِ اللهُ الَّذِي تَزْعُمُ أنْتَ عِلْمَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وإحاطَتَهُ قَدْ قَدَّرَ عَلَيْنا النِعَمَ، فَهو إذَنْ راضٍ عَنّا.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ أيْ: بِالفَقْرِ، وهَذا لَيْسَ كالأوَّلِ في القُوَّةِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يَقُولَ: إنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ظَنُّوا، بَلْ بَسْطَ الرِزْقِ وقَدْرَهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى رِضى اللهِ تَعالى والقُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُعْطِي ذَلِكَ إمْلاءً واسْتِدْراجًا، وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَأنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَقْدِرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ، وهي راجِعَةٌ إلى مَعْنى التَضْيِيقِ الَّذِي هو ضِدُّ البَسْطِ.

ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم لَيْسَتْ بِمُقَرِّبَةٍ مِنَ اللهِ ﴿ "زُلْفى"، ﴾ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُرْبِ، وكَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا تَقْرِيبًا، وقَرَأ الضَحّاكُ: "زُلَفًى" بِفَتْحِ اللامِ وتَنْوِينٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن آمَنَ ﴾ اسْتِثْناءٌ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ.

وقالَ الزَجّاجُ: هي بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿ "تُقَرِّبُكُمْ"، ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما هو مُقَرَّبٌ إلّا مَن آمَنَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَزاءُ الضِعْفِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "جَزاءٌ" مُنَوَّنًا "الضِعْفُ" رَفَعًا، وحَكى عنهُ الدانِيُّ "جَزاءً" نَصْبًا مُنَوَّنًا "الضِعْفَ" نَصْبًا.

و"الضِعْفِ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ بِالتَضْعِيفِ؛ إذْ بَعْضُهم يُجازى إلى عَشْرَةٍ، وبَعْضُهم أكْثَرَ صاعِدًا إلى سَبْعِمِائَةٍ بِحَسَبِ الأعْمالِ ومَشِيئَةِ اللهِ فِيها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فِي الغُرُفاتِ" ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فِي الغُرْفَةِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ورُوِيَتْ عَنِ الأعْمَشِ، وهُما في القِراءَةِ حَسَنَتانِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يَجِيءُ هَذا الجَمْعُ بِالألِفِ والتاءِ "الغُرُفاتِ" ونَحْوِهِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَما فَلَمْ يُرِدْ إلّا كَثْرَةَ جِفانٍ، وتَأمَّلْ نَقْدَ الأعْشى في هَذا البَيْتِ.

وقَرَأ الأعْشى، والحَسَنُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ -: "فِي الغُرْفاتِ" بِسُكُونِ الراءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون جملة ﴿ وما أموالكم ﴾ عطفاً على جملة ﴿ قل إن ربي يبسط الرزق ﴾ [سبأ: 36] الخ فيكون كلاماً موجهاً من جانب الله تعالى إلى الذين قالوا: ﴿ نحن أكثر أموالاً وأولاداً ﴾ [سبأ: 35] فتكون ضمائر الخطاب موجهة إلى الذين قالوا: ﴿ نحن أكثر أموالاً وأولاداً ﴾ .

ويجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ [سبأ: 36]، فيكون مما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم ويبلغه عن الله تعالى، ويكون في ضمير ﴿ عندنا ﴾ التفات، وضمائر الخطاب تكون عائدة إلى الذين قالوا: ﴿ نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين ﴾ [سبأ: 35] وفيها وجه ثالث ننبه عليه قريباً.

وهو ارتقاء من إبطال الملازمة إلى الاستدلال على أنهم ليسوا بمحل الرضى من الله تعالى على طريقة النقض التفصيلي المسمى بالمناقضة أيضاً في علم المناظرة.

وهو مقام الانتقال من المنع إلى الاستدلال على إبطال دعوى الخصم، فقد أبطلت الآية أن تكون أموالُهم وأولادهم مقربة عند الله تعالى، وأنه لا يقرّب إلى الله إلا الإِيمان والعمل الصالح.

وجيء بالجملة المنفية في صيغة حصر بتعريف المسند إليه والمسند، لأن هذه الجملة أريد منها نفي قولهم: ﴿ نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين ﴾ أي لا أنتم، فكان كلامهم في قوة حصر التقريب إلى الله في كثرة الأموال والأولاد فنُفي ذلك بأسره.

وتكرير ﴿ لا ﴾ النافية بعد العاطف في ﴿ ولا أولادكم ﴾ لتأكيد تسلط النفي على كلا المذكورْين ليكون كل واحد مقصوداً بنفي كونه مما يقرب إلى الله وملتفتاً إليه.

ولما كانت الأموال والأولاد جمعَيْ تكسير عوملا معاملة المفرد المؤنث فجيء بخبرهما اسم موصول المفرد المؤنث على تأويل جماعة الأموال وجماعة الأولاد ولم يلتفت إلى تغلب الأولاد على الأموال فيخبر عنهما معاً ب (الذين) ونحوه.

وعدل عن أن يقال: بالتي تقربكم إلينا، إلى ﴿ تقربكم عندنا ﴾ لأن التقريب هنا مجاز في التشريف والكرامة لا تقريب مكان.

والزلفى: اسم للقرب مثل الرُّجعى وهو مفعول مطلق نائب عن المصدر، أي تقربكم تقريباً، ونظيره ﴿ واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ [نوح: 17].

وقوله: ﴿ إلا من آمن وعمل صالحاً ﴾ استثناء منقطع.

و ﴿ إلا ﴾ بمعنى (لكنْ) المخففة النون التي هي للاستدراك وما بعدها كلام مستأنف، وذلك من استعمالات الاستثناء المنقطع؛ فإنه إذا كان ما بعد ﴿ إلا ﴾ ليس من جنس المستثنى منه كان الاستثناء منقطعاً، ثم إن كان ما بعد ﴿ إلا ﴾ مفرداً فإن ﴿ إلا ﴾ تقدّر بمعنى (لكنّ) أخت (إنّ) عند أهل الحجاز فينصبون ما بعدها على توهم اسم (لكنّ) وتقدر بمعنى (لكنْ) المخففة العاطفة عند بني تميم فيتبع الاسم الذي بعدها إعراب الاسم الذي قبلها وذلك ما أشار إليه سيبويه في باب يختار فيه النصب من أبواب الاستثناء.

فأما إن كان ما بعد ﴿ إلا ﴾ جملة اسمية أو فعلية فإن ﴿ إلا ﴾ تقدر بمعنى (لكنْ) المخففة وتجعل الجملة بعدُ استئنافاً، وذلك في نحو قول العرب: «والله لأفعلن كذا إلا حِلُّ ذلك أن أفعل كذا وكذا» قال سيبويه: «فإن: أَن أفعل كذا، بمنزلة: إلاّ فِعْل كذا، وهو مبني على حِلّ (أي هو خبر له).

وحِلّ مبتدأ كأنه قال: ولكنْ حِلُّ ذلك أن أفعل كذا وكذا» ا ه.

قال ابن مالك في «شرح التسهيل»: وتقرير الإِخراج في هذا أن تجعل قولهم: إلا حلُّ ذلك، بمنزلة: لا أرى لهذا العَقد مبطِلاً إلا فِعْلَ كذا.

وجعل ابن خروف من هذا القبيل قوله تعالى: ﴿ لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه اللَّه العذاب الأكبر ﴾ [الغاشية: 22 24] على أن يكون ﴿ مَن ﴾ مبتدأ و«يعذبه الله» الخبر ودخل الفاء لتضمين المبتدأ معنى الجزاء.

وقال أبو يَسعود: إن ﴿ إلاّ ﴾ في الاستثناء المنقطع يكون ما بعدها كلاماً مستأنفاً ا ه.

وعلى هذا فقوله تعالى هنا: ﴿ إلا من آمن وعمل صالحاً ﴾ تقديره: لكن من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف، فيكون ﴿ مَن ﴾ مبتدأ مضمَّناً معنى الشرط و ﴿ لهم جزاء الضعف ﴾ جملة خبر عن المبتدأ وزيدت الفاء في الخبر لتضمين المبتدأ معنى الشرط.

وأسهل من هذا أن نجعل ﴿ مَن ﴾ شرطية وجملة ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف ﴾ جواب الشرط، واقترن بالفاء لأنه جملة اسمية.

وهذا تحقيق لمعنى الاستثناء المنقطع وتفسير للآية بدون تكلف ولا تردد في النظم.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم ﴾ الخ اعتراضاً بين جملة ﴿ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ [سبأ: 36] وجملة ﴿ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ﴾ [سبأ: 39] وتكون ضمائر الخطاب موجهة إلى جميع الناس المخاطبين بالقرآن من مؤمنين وكافرين.

وعليه فيكون قوله: ﴿ إلا من آمن وعمل صالحاً ﴾ الخ مستثنى من ضمير الخطاب، أي ما أموالكم بالتي تقربكم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم، وتكون جملة ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ﴾ ثناء على الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

وجيء باسم الإِشارة في الإِخبار عن ﴿ من آمن ﴾ للتنويه بشأنهم والتنبيه على أنهم جديرون بما يرد بعد اسم الإِشارة من أجل تلك الأوصاف التي تقدمت اسم الإِشارة على ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] وغيره.

ووزان هذا المعنى وزان قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ﴾ إلى قوله: ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات ﴾ [آل عمران: 198] الآية.

و ﴿ الضِعف ﴾ المضاعف المكرر فيصدق بالمكرر مرة وأكثر.

وفي الحديث " والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعف إلى أضعاف كثيرة " وقد أشار إليه قوله تعالى: ﴿ كمثل حبّة أنبتت سبعَ سنابل في كل سنبلة مائةُ حبة واللَّه يضاعف لمن يشاء ﴾ [البقرة: 261].

وإضافة ﴿ جزاء ﴾ إلى ﴿ الضعف ﴾ إضافة بيانية، أي الجزاء الذي هو المضاعفة لأعمالهم، أي لما تستحقه كما تقدم.

وكنّي عن التقريب بمضاعفة الجزاء لأن ذلك أمارة كرامة المجزي عند الله، أي أولئك الذين يقربون زلفى فيجزون جزاء الضعف على أعمالهم لا على وفرة أموالهم وأولادهم، فالاستدراك ورد على جميع ما أفاده كلام المشركين من الدعوى الباطلة والفخر الكاذب لرفع توهم أن الأموال والأولاد لا تقرب إلى الله بحال، فإن من أموال المؤمنين صدقات ونفقات، ومن أولادهم أعواناً على البرّ ومجاهدين وداعين لآبائهم بالمغفرة والرحمة.

والباء في قوله: ﴿ بما عملوا ﴾ تحتمل السببية فتكون دليلاً على ما هو المضاعف وهو ما يناسب السبب من الصالحات كقوله تعالى: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ [الرحمن: 60]، وتحتمل العوض فيكون «ما عملوا» هو المجازَى عليه كما تقول: جزيته بألف، فلا تقدير في قوله: ﴿ جزاء الضعف ﴾ .

و ﴿ الغرفات ﴾ جمع غُرفة.

وتقدم في آخر الفرقان وهي البيت المعتلي وهو أجمل منظراً وأشمل مرأى.

و ﴿ آمنون ﴾ خبر ثان يعني تلقي في نفوسهم الأمن من انقطاع ذلك النعيم.

وقرأ الجمهور ﴿ في الغرفات ﴾ بصيغة الجمع، وقرأ حمزة «في الغُرْفة» بالإِفراد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ ﴾ يَعْنِي مِن نَبِيٍّ يُنْذِرُهم بِعَذابِ اللَّهِ.

﴿ إلا قالَ مُتْرَفُوها ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي جَبابِرَتَها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أغْنِياؤُها، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: ذَوُو النِّعَمِ والبَطَرِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا ﴾ قالُوا ذَلِكَ لِلْأنْبِياءِ والفُقَراءِ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهم ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم بِالغِنى والثَّرْوَةِ أحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ.

الثّانِي: أنَّهم أوْلى بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الغِنى أنْ يَكُونُوا عَلى طاعَةٍ.

﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ ما عَذَّبْنا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الفَقْرِ.

الثّانِي: أيْ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْنا بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وهو يُرِيدُ عَذابَنا، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ما احْتَجُّوا مِنَ الغِنى فَقالَ لِنَبِيِّهِ  .

﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ﴾ أيْ يُوَسِّعُهُ.

﴿ وَيَقْدِرُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَقْتُرُ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ يَبْسُطُ لِهَذا مَكْرًا بِهِ، ويَقْدِرُ لِهَذا نَظَرًا لَهُ.

الثّانِي: بِنَظَرِهِ لَهُ، رَواهُ حُصَيْنُ بْنُ أبِي الجَمِيلِ.

الثّالِثُ: بِخَيْرٍ لَهُ، رَواهُ حارِثُ بْنُ السّائِبِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ ويُقَتِّرُ عَلى مَن يَشاءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أيْ قُرْبى والزُّلْفَةُ القُرْبَةُ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أمْوالَكم في الدُّنْيا لا تَدْفَعُ عَنْكم عَذابَ الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنَّ إنْعامَنا بِها عَلَيْكم في الدُّنْيا لا يَقْتَضِي إنْعامَنا عَلَيْكم بِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ.

﴿ إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ رَوى لَيْثٌ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الإيمانَ والعَمَلَ، وجَنِّبْنِي المالَ والوَلَدَ، فَإنِّي سَمِعْتُ فِيما أوْحَيْتَ ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ ﴿ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أضْعافُ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها، وأضْعافُ الدِّرْهَمِ بِسَبْعِمِائَةٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّ المُؤْمِنَ إذا كانَ غَنِيًّا تَقِيًّا آتاهُ اللَّهُ أجْرَهُ مَرَّتَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: يَعْنِي فَلَهُ جَزاءٌ مِثْلُ عَمَلِهِ لِأنَّ الضِّعْفَ هو المِثْلُ ويَقْتَضِي ذَلِكَ المُضاعَفَةَ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ وَهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ ﴾ يَعْنِي غُرُفاتِ الجَنَّةِ.

﴿ آمِنُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: آمِنُونَ مِنَ النّارِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: مِنِ انْقِطاعِ النِّعَمِ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: مِنَ المَوْتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الرّابِعُ: مِنَ الأحْزانِ والأسْقامِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَهو يُخْلِفُهُ إنْ شاءَ إذا رَأى ذَلِكَ صَلاحًا كَإجابَةِ الدُّعاءِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: يُخْلِفُهُ بِالأجْرِ في الآخِرَةِ إذا أنْفَقَهُ في طاعَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ فَهو أخْلَفَهُ لِأنَّ نَفَقَتَهُ مِن خَلَفِ اللَّهِ ورِزْقِهِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ الحُسَيْنِ وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: فَهو يَعْنِي عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ عندنا زلفى ﴾ قال: قربى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: لا تعتبروا الناس بكثرة المال، والولد، وإن الكافر يعطى المال، وربما حبسه عن المؤمن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس أنه كان يقول: اللهم ارزقني الإِيمان والعمل، وجنبني المال والولد، فإني سمعت فيما أوحيت ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴾ .

وأخرج أحمد ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ﴾ قال: بالواحد عشراً، وفي سبيل الله بالواحد سبعمائة.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال: إذا كان المؤمن غنياً تقياً آتاه الله أجره مرتين.

وتلا هذه الآية ﴿ وما أموالكم ﴾ إلى قوله: ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف ﴾ قال: تضعيف الحسنة.

أما قوله تعالى: ﴿ وهم في الغرفات آمنون ﴾ .

أخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها.

قالوا: لمن هي؟

قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل، والناس نيام» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم صرح بهذا المعنى فقال: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ﴾ قال الفراء: (جعل التي جامعة للأموال والأولاد؛ لأن الأولاد يقع عليها التي وكذلك الأموال، فصلح أن يقع عليهما جميعًا التي، ولو قيل بالتي أو بالذين جاز، كما تقول: أما العسكر والإبل فقد أقبلا، ولو قيل: بالذين، يذهب إلى تذكير الأولاد وتغليب بني آدم لجاز، ولو قال: لو وجهت التي إلى الأموال واكتفيت بها من ذكر الأولاد لصلح، كما قال الأسدي (١) نحن بما عندك وأنت بما ...

عندك راض والرأي مختلف (٢) (٣) واختار أبو (٤) (٥) قوله تعالى: ﴿ تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ﴾ قال ابن عباس: يريد قربي (٦) وقال مقاتل: يعني قربة (٧) قال الأخفش: زلفى هاهنا اسم المصدر، كأنه أراد بالتي تقربكم عند تقربنا (٨) وذكرنا معنى الإزلاف عند قوله: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ﴾ (٩) ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، وقوله ﴿ إِلَّا مَنْ آمَنَ ﴾ (١٠) (١١) (١٢) وعلى هذا يجب أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ ﴾ للمؤمنين والكافرين.

والوجه أن يكون قوله: إلا من، استثناء منقطعًا، على تقدير: لكن من آمن وعمل صالحًا.

وعلى هذا يدل تفسير ابن عباس، [فإنه] (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد يضعف الله لهم حسناتهم (١٥) وقال مقاتل: يجزي بالحسنة الواحدة عشرًا فصاعدًا (١٦) ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ ) (١٧) وقال ابن قتيبة: لم يرد أنهم يجازون على الواحدة بواحدة مثله ولا [اثنين] (١٨) ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ ولكنه أراد لهم جزاء الضعف، أي: التضعيف، وجزاء التضعيف الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة.

قال: ويجوز أن يجعل الضعف في معنى الجميع (١٩) ﴿ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ  ﴾ ) (٢٠) ﴿ عَذَابًا ضِعْفًا ﴾ (٢١) ﴿ جَزَاءُ الضِّعْفِ ﴾ وهو أن يجازي بالواحد (٢٢) ﴿ بِمَا عَمِلُوا ﴾ أي: من الخير في الدنيا.

﴿ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ يعني: غرف الجنة آمنون من الموت.

قاله مقاتل (٢٣) وقال ابن عباس: يريد غرفا من ياقوت ودر وزبرجد آمنون من الموت والعذاب (٢٤) (وقرأ حمزة: في الغرفة، على واحدة؛ لقوله: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا  ﴾ .

فكما أن الغرفة، يراد بها الكثرة والجمع، كذلك قوله ﴿ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ يراد بها الكثرة واسم الجنس، وحجة الجمع قوله: ﴿ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا  ﴾ .

وكما أن غرفا جمع كذلك الغرفات ينبغي أن تجمع، والجمع بالألف والتاء قد تكون للكثرة كقوله: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ  ﴾ ، وقول آخر: لنا الجفنات الغر (٢٥) (٢٦) (١) هو: أبو حسان المراد بن سعيد بن حبيب الفقعسي، نسبته إلى فقعس من بني أسد ابن خزيمة، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، كثير الشعر، وكان مفرط القصر ضئيلا.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 440، "معجم الشعراء" ص 408.

والبيت من المنسرح، وهو من الأبيات المختلف في نسبتها، فقد نسبها المؤلف -رحمه الله- للأسدي، ينما نسبه سيبويه في "الكتاب" 1/ 75 لقيس بن الخطيم، وأورده ابن هشام في "مغني اللبيب" 2/ 622 غير منسوب لأحد، وكذا في "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 677، وفي "المقتضب" 3/ 112، 4/ 73.

وقال الاْستاذ: محمد عبد الخالق عظيمة محقق كتاب "المعتصب" 4/ 73: والبيت نسبه إلى قيس بن الخطيم سيبويه، وكذلك فعل الأعلم وصاحب "معاهد التصيص" 1/ 189.

و"صحح البغدادي في الخزانة" 2/ 189 نسبة الشعر إلى عمرو بن امرئ القيس.

والقصيدة التي فيها هذا الشاهد في ديوان قيس بن الخطيم، طبع بغداد، ص 81.

أهـ.

(٢) في (ب): (يختلف).

(٣) انظر: "معاني القرآن" 2/ 363.

(٤) في (ب): (ابن)، وهو تصحيف.

(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255 (٦) لم أقف عليه عن ابن عباس.

وقد نسبه إلى مجاهد: "الطبري" 22/ 100، "الماودي"، 4/ 453، الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 615.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.

(٨) انظر: "معاني القرآن" 2/ 445، وعبارة الأخفش: بالتي تقربكم عندنا إزلافًا.

(٩) سورة الشعراء: الآية 64.

وموضعها بياض في (ب).

وقال في هذا الموضع من "البسيط": وقال أبو عبيدة: أزلفنا جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعا.

ثم قال: والزلف الفازل والمراقي؛ لأنها تدني المسافر والراقي إلى حيث يقصده، ومنه قوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

(١٠) موضع (إلا) بياض في (ب).

(١١) "معاني القرآن" 2/ 363.

(١٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255.

(١٣) ما بين المعقوفين بياض في (ب).

(١٤) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 432.

(١٥) لم أقف عليه.

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 100/ أ.

(١٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255.

(١٨) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من تفسير غريب القرآن لابن قتيبة.

(١٩) في (ب): (الجمع).

(٢٠) "تفسير غريب القرآن" ص 357 - 358.

(٢١) سورة الأعراف: الآية 38.

(٢٢) في (ب): (بالواحدة).

(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.

(٢٤) انظر: "القرطبي" 14/ 306.

(٢٥) جزء من بيت، وتمامه: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ...

وأسيافنا يقطرن من نجدة دما والبيت من الطويل، وهو لحسان بن ثابت في "ديوانه" ص 131، "الكتاب" == 3/ 578، "لسان العرب" 14/ 136 (جداً)، "المحتسب" 1/ 187، "خزانة الأدب" 8/ 106، 107، 110، 116.

والغر: الأبيض، جمع غراء، يريد بياض الشحم، يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحي بالغداة، وسيوفنا تقطر بالدم لنجدتنا وكثرة حروبنا.

والشاهد فيه: جمع جفنة على جفنات مع أنها للقلة مرادًا بها جمع الكثرة.

"الكتاب" 3/ 578.

(٢٦) إلى هنا انتهى النقل من الحجة من قوله: وقرأ حمزة.

"الحجة" 6/ 22.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ زلفى ﴾ مصدر بمعنى القرب كأنه قال: تقربكم قربى ﴿ إِلاَّ مَنْ آمَنَ ﴾ استثناء من المفعول في تقربكم، والمعنى أن الأموال لا تقرب إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، وقيل الاستثناء منقطع، والأول أحسن ﴿ جَزَآءُ الضعف ﴾ يعني تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها فما فوق ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أذن له ﴾ على البناء للمفعول: أبو عمرو وعي وخلف والأعشى والبرجمي ﴿ فزع علي ﴾ البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب ﴿ جزاء ﴾ بالنصب ﴿ الضعف ﴾ مرفوعاً: يعقوب ﴿ في الغرفة ﴾ على التوحيد: حمزة ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ ثم يقول ﴾ على الغيبة فيهما: حفص ويعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم تفكروا ﴾ بتشديد التاء: رويس ﴿ أجري إلا ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ﴿ التناؤش ﴾ مهموزاً: ابو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص والشموني والبرجمي.

﴿ حيل ﴾ بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس.

الوقوف: ﴿ من دون الله ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده حالاً واستئنافاً ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ أذن له ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ لا لاتصال المقول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ولا تستقدمون ﴾ ه ﴿ بين يديه ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً وهذا أوجه ﴿ القول ﴾ ج لمثل ذلك ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ أنداداً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافرونه ﴾ ه ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ لا يعملون ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء ﴿ آمنون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ه ﴿ يخلفه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول ﴿ الجن ﴾ ج لذلك ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ ضراً ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ آباؤكم ﴾ ج للعطف مع طول الكلام والتكرار ﴿ مفترى ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ بواحدة ﴾ ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي هو علام ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ على نفسي ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ لا لأن ما بعده معطوف على ﴿ أخذوا ﴾ : ﴿ آمنا به ﴾ ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية مبتدأ بها أو حالاً ﴿ بعيد ﴾ ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل معنى الفعل في التناوش ﴿ من قبل ﴾ ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو للاستئناف اي وهم يقذفون ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلاً عاد إلى مخاطبة كفار قريش وتقريعهم.

ومفعولاً زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأوّل استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي ﴿ من دون الله ﴾ مقام الموصوف.

وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم فالله  قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والارضيات في حكمهم.

وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ أي الأرض كالسماء لله لغيره فيها نصيب.

وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فبين بطلان مذهبهم بقوله ﴿ ولا تنفع الشفاعة ﴾ قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع له أي لا تنفع الشفاعة ﴿ إلا ﴾ كائنة ﴿ لمن أذن له ﴾ من الشافعين أو إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله.

و"حتى" غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن كأنه قيل: يتربصون ويقفون ملياً فزعين ﴿ حتى إذا فزع ﴾ أي كشف الفزع في القيامة عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً ﴿ ماذا قال ربكم قالوا ﴾ قال ﴿ الحق ﴾ أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يريد هذا التفسير قول ابن عباس عن النبي "فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة" والتشديد للسلب والإزالة على نحو "قردته وجلدته" أي أزلت قراده وسلخت جلده.

وقيل: إن "حتى" على هذا التفسير متعلق بقوله ﴿ زعمتم ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق.

ومنهم من ذهب إلى أن التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما جاء في حديث "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيه جبرائيل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟

فيقول الحق" أي يقول الحق الحق.

وقيل: أراد بالفزع أنه  لما أوحى إلى محمد  فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد  من أشراطها فلما زال عنهم ذلك قالوا: ماذا قال الله؟

قال جبرائيل وأتباعه: الحق.

وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها أهل الكفر.

وحين بين بقوله ﴿ قل ادعوا ﴾ أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله ﴿ قل من يرزقكم ﴾ إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به.

وههنا نكتة هي أنه قال في دفع الضر ﴿ قالوا الحق ﴾ وفي طلب النفع قال ﴿ قل الله ﴾ تنبيهاً على أنهم في الضراء مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا ينتبهون إلا بمسه.

وقوله ﴿ وإنا أو إياكم ﴾ من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا.

وفي تخالف حرفي الجر في قوله ﴿ لعلى هدى أو في ضلال ﴾ إشارة إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون.

وإنما وصف الضلال بالمبين وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وابين.

وقوله ﴿ عما أجرمنا ﴾ إلى قوله ﴿ عما تعملون ﴾ أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل.

وفيه إرشاد إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض.

ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض وحساب.

وفي قوله ﴿ العليم ﴾ إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم بمجرد الغلبة والهوى.

ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو.

ومعنى ﴿ أروني ﴾ وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي صفة الحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء فـ ﴿ ـشركاء ﴾ نصب على الحال والعائد محذوف و ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن مذهبهم بعدما كسده بإبطال المقايسة وردّ الإلحاق.

ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ بل هو الله العزيز الحكيم ﴾ كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن القدرة الكاملة والحكمة الشاملة.

وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن.

وحين فرغ من التوحيد شرع في الرسالة.

ومعنى ﴿ كافة ﴾ عامة لأن الرسالة إذا شملتهم قد منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة.

وقال الزجاج: التاء للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعاً للناس في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعاً للناس من الكفر والمعاصي.

وبعض النحويين جعله حالاً من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه.

ومن هؤلاء من جعل اللام بمعنى "إلى" لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن استعمال اللام بمعنى.

"إلى" ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي ﴿ أرسلنا ﴾ على غير هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.

وحين ذكر الرسالة بين الحشر وذكر أنهم استعجلوه تعنتاً منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال.

قال جار الله ﴿ ميعاد يوم ﴾ كقولك "سحق عمامة" في أن الإضافة للتبيين يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ميعاد يوم ﴾ بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم.

وفي إسناد الفعل إليهم بقوله ﴿ لا تستأخرون عنه ﴾ دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع اليوم.

ولما بين الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون بالكل قائلين ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.

يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد  في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب.

وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو صدّقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم.

وحين وقع اليأس من إيمانهم بقولهم ﴿ لن نؤمن ﴾ وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في تدبير أمره وجواب "لو" محذوف أي لقضيت العجب.

وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ.

وفي قوله ﴿ لولا أنتم ﴾ إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ.

ثم ذكر جواب المستكبرين وهم الرؤوس والمتبوعين على طريقة الاستئناف.

وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن المانع لم يكن راجحاً على المقتضى ولا مساوياً له وأكدوا ذلك بقولهم ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا التسويل والتزيين.

ثم عطف قولاً آخر للمستضعفين على قولهم الأول.

والإضافة في ﴿ مكر الليل والنهار ﴾ من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل مكرهم في الليل والنهار.

أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي.

أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمراً دائماً دائباً ليلاً ونهاراً.

وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل.

وقرئ ﴿ مكرّ الليل ﴾ بالتشديد أي سبب ذلك أنكم تكرّون الإغواء مكراً دائباً.

والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع القويّ ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب.

وفي قوله ﴿ أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ﴾ إشارة إلى أن الشرك وإن كان مثبتاً لله في الظاهر ولكنه نافٍ له على الحقيقة لأنه جعل مساوياً للصنم.

ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم بالإشراك به.

وتفسير قوله ﴿ واسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ مذكور في سورة يونس.

والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين.

وقوله ﴿ في أعناق الذين كفروا ﴾ أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق.

وفي قوله ﴿ هل تجزون ﴾ إشارة إلى أنهم استحقوها عدلاً.

ثم سلى نبيه  بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً وإنما ذلك هجيراهم قدماً.

وإنما خص المترفين بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا فقالوا ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط ه والله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعملون ﴾ أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم من شقيّ موسر وتقي معسر.

ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وما أموالكم ﴾ اي وما جماعة أموالكم ﴿ ولا ﴾ جماعة ﴿ أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ﴾ أي قربى اسم بمعنى القربة وقع موقع المصدر كقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ثم استثنى من ضمير المفعول في تقرّبكم بقوله ﴿ إلا من آمن ﴾ والمراد أن الأموال والأولاد لا تقرّب أحداً إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين.

ويحتمل أن يكون الاستثناء من الفاعل والمعنى أن شيئاً من الأشياء لا يقرّب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية.

ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب شيئاً من الله حصل.

وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجاوزوا الضعف.

ومعنى قراءة يعقوب: أولئك لهم الضعف جزاء.

والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت.

والباقي إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ قد سبق.

وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه  قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده المؤمنين.

ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله.

ومما يؤكد الآية قوله  "اللهم أعط منفقاً خلفاً" الحديث.

وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، وأن التاجر إذا علم أن مالاً من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند العاقل أربح من هذا؟

﴿ وهو خير الرازقين ﴾ لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي إليه.

وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي.

ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ وفي خطاب الملائكة تقريع الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله لعيسى ﴿ ءَأَنتَ قلت للناس  ﴾ ﴿ قالوا سبحانك ﴾ ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ حيث أطاعوهم في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في أجواب الأصنام فيعبدون بعبادتها.

وإنما قالوا ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ وما ادّعوا الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار.

وأيضاً أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري.

ثم ذكر أن الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله ﴿ لا يملك بعضكم ﴾ للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا.

ويحتمل أن يكون الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضاً بهذا التأويل، وعلى الأول يكون قوله ﴿ ونقول للذين ظلموا ﴾ إفراداً للكفرة بالذكر، وعلى الوجه الآخر يكون تأكيداً لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم تملكهم شيئاً وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم.

وإنما قال ههنا ﴿ عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ﴾ وفي السجدة ﴿ عذاب النار الذي كنتم به  ﴾ لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها  ﴾ فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في قولكم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة  ﴾ وههنا لم يروا النار.

وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار.

ثم حكى أكاذيبهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ الآية.

ولا يخفى ما فيه من المبالغات.

ثم بين أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال ﴿ وما آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ كعاد وثمود ﴿ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ﴾ والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع.

قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر.

ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال هؤلاء الضعفاء؟.

وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا قوم محمد  من البيان والبرهان لأن محمداً  أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب.

ثنم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم فكيف لا ينكر على هؤلاء؟

قال جار الله: قوله ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ بعد قوله ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ تخصيص بعد تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب فكذبوا رسلي؟

نظيره قول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد  .

ويجوز أن ينعطف على قوله ﴿ وما بلغوا معشار ما ﴾ كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه.

قلت: فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه؟

وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا؟

﴿ فكيف كان نكير ﴾ للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله.

ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريراً للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص.

وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله ﴿ أن تقوموا ﴾ على أنه عطف بيان لها.

والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيُّ متفرقين إلى أوطانهم.

وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد.

فقوله ﴿ مثنى وفرادى ﴾ إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله.

وقوله ﴿ ثم تتفكروا ﴾ يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعدما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما اقول بعده، وهو الرسالة المشار إليها بقوله ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ والحشر المشار إليه بقوله ﴿ بين يدي عذاب شديد ﴾ قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد.

فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد.

وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد  والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه الله خالصاً متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإن ما فوق الإثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الإثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفه حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان.

لكن محمداً  بالاتفاق أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأوفرهم حياء وأمانة، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها.

وقوله ﴿ ما بصاحبكم ﴾ إما أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ  والمراد: ثم تتفكروا فتعلموا ذلك.

وجوز بعضهم أن تكون "ما" استفهامية.

وحين ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه صحة نبوّته وهو قوله ﴿ ما سألتكم من أجر ﴾ الآية.

وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو غير موجود ههنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب.

هذا إذا أريد بقوله ﴿ فهو لكم ﴾ نفي سؤال الآخر رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئاً فخذه وهو لم يعطه شيئاً.

ويحتمل أن يراد بالأجر قوله ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى  ﴾ وقوله ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً  ﴾ لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم.

﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم.

قوله ﴿ يقذف بالحق ﴾ اي في قلوب المحقين وفيه إزالة استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه ﴿ علام الغيوب ﴾ يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت.

وفي قوله ﴿ علام الغيوب ﴾ إشارة إلى أن البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه إخبار علام الغيوب عنه.

وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي  وعلى يده.

وقيل: السيف.

وقوله ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيده ﴾ مثل في الهلاك لأن الحيّ إما أن يبدئ فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة.

والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت.

ولما كان ما جاء به النبي  من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتاً في نفسه بيناً لمن نظر إليه كان جائياً، وحين كان ماأتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل له قيل: إنه لا يبدئ ولا يعيد أي لا يعيد شيئاً لا في الأوّل ولا في الآخر.

وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشئ خلقاً ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله.

وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.

وقال الزجاج: "ما" استفهامية والمعنى أي شيء ينشئ إبليس ويعيده؟

ثم قرر أمر الرسالة بوجه آخر وهو قوله ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ يعني كضلالكم وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين.

قال جار الله: هذا حكم عام لكل مكلف، والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضارّ لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه.

وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إنه سميع قريب ﴾ يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول  إذا دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي.

ثم عجب نبيه أو كل راءٍ من مآل حال أهل العناد بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ وجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً.

والأفعال الماضية التي هي ﴿ فزعوا ﴾ ﴿ وأخذوا ﴾ ﴿ وقالوا ﴾ ﴿ وحيل ﴾ كلها من قبيل ﴿ ونادى  ﴾ ﴿ وسيق  ﴾ ووقت الفزع وقت البعث أو الموت أو يوم بدر.

وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفاً أرادوا غزو الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء ﴿ فلا فوت ﴾ أي فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.

والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض,.

وجوّز جار الله أن يعطف ﴿ وأخذوا ﴾ على ﴿ لافوت ﴾ على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.

ثم بين أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه سولم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع الإيمان وذلك قوله ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولاً سهلاً لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب.

وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت.

والصح أنه من النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت فلي أجوه.

وقيل: التناوش بلغة اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "المدخل في تفسير القرآن" والضمير في قوله ﴿ وقد كفروا ﴾ عائد إلى ما يعود إليه في قوله ﴿ آمنا به ﴾ .

قوله ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله عيله وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور.

وثانيهاك أخذوا الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون فقاسوا الأمر الإلهي عليه.

وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على المخلوق بعيد المأخذ.

ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن يعذبنا.

وخامسها: قالوا ﴿ ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً  ﴾ وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا.

﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ من نفع الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا ﴿ كما فعل باشياعهم ﴾ أي بأشباههم من كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله و ﴿ مريب ﴾ موقع في الريب منقول من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين وقد مر في هود.

التأويل: ﴿ مثقال ذرة في السموات ﴾ القلوب ﴿ ولا في الأرض ﴾ النفوس من سعادة أو شقاوة ﴿ قالوا الحق ﴾ يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا الحق ﴿ قل من يرزقكم ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء الفيض على أرض الشرعية.

﴿ ألحقتم به شركاء ﴾ من الدنيا والهوى والشيطان كافة للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح تبشرها بأن لها كمالاً عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار.

فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء والبشير والنذير كالآكار.

وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة من بذر روحه  وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين ولكن بتبعية محمد  ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة دونهم.

يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به.

ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتاً معلوماً لا تتجاوزه ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ اي أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه أن معارف الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو اسير في أيدي صفات النفس ﴿ وحيل بينهم ﴾ لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .

قال بعضهم: المترف: المتكبر.

وقال آخرون: المترف هو الذي يجمع أصناف المال مع العناد والتكبر.

وقال بعضهم: المترفون هم الرؤساء منهم.

وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله لا يفعل إلا ما هو أصلح له في الدين، ولا شك أن هؤلاء المترفين إنما قالوا لما قالوا وفعلوا ما فعلوا؛ لسعتهم وبسطهم في المال؛ فلو لم يكن ذلك لهم - ما فعلوا ذلك، دل أن المنع لهم عن ذلك أصلح لهم من البسط، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ ﴾ ، المترف ما ذكر.

[و]قال بعضهم: المتكبر المتجبر.

وقال بعضهم: المترف: الذي يجمع مع الكبر والعناد الأموال.

وقال بعضهم: ﴿ مُتْرَفُوهَآ ﴾ : أغنياؤها، وكله واحد، وهم رؤساؤها.

وفيه ردّ قول المعتزلة في الأصلح، على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ﴾ .

يخرج قولهم ذلك لوجهين: أحدهما: قالوا ذلك: إنا إذا أوتينا في الدنيا الأموال والأولاد؛ فلا يعذبنا في الآخرة على ما تزعمون.

أو أن يقولوا ذلك: إنك لو كنت بعثت رسولا على ما تزعم، فنحن أولى بالرسالة منك؛ لأنا أكثر أموالا وأولاداً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ .

هذا أيضاً ينقض على المعتزلة ومن يقول بأن الله لا يبسط على أحد الرزق؛ إذا لم يكن في البسط إصلاح له وخير، وكذلك لا يقتر على أحد ذلك إذا لم يكن في التقتير خير له.

وعندنا: يبسط الرزق لمن يشاء وإن لم يكن خيراً له، وكذلك يقتر على من يشاء، وإن كان شرّاً له؛ على ما نطق ظاهر الآية، ليس عليه حفظ الأصلح لهم ولا الخير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: لا ينتفعون بعلمهم، أو لا يعلمون حقيقة؛ لما تركوا النظر والتفكر، في أسباب العلم ليعلموا؛ فلا يعذرون لما مكن لهم العلم به.

وقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ قالوا ذلك؛ لما لم يروا في الحكمة أن يحسن أحد إلى عدوه، والسعة هي من الفضل والإحسان، ثم رأوا لأنفسهم ذلك، ظنوا أنهم أولياء الله، وأن الرسل حيث ضيقت عليهم الدنيا إنما ضيقت عليهم الدنيا؛ لأنهم ليسوا بأولياء الله؛ لذلك قالوا: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ .

وهذا القول منهم لإنكارهم البعث: فإن كانوا مقرين به، لكانوا لا يقولون ذلك، ويعلمون أن السعة في الدنيا والضيق فيها بحق الامتحان، وأما إذا كان بعث ودار أخرى للجزاء - ففي الحكمة أن يجزى الولي جزاء الولاية، والمسيء من العدو جزاء الإساءة والعداوة.

وأما الدار التي هي دار امتحان وابتلاء فيجوز ذلك بحق الامتحان في الحكمة؛ وكذلك خرج على الجواب لهم؛ حيث قال: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ ، أي: يبسط الرزق لا لفضل وقدر له ونعمة عنده، ويقتر على من يشاء لا لعداوة وجناية كانت منه إليه بحق الامتحان؛ ألا ترى أنه قد وسع على بعض المؤمنين، وضيق على بعض أولئك؛ فظهر أن التوسيع لأهل السعة ليس لفضل لهم وقدر، أو نعمة كانت لهم عنده حتى يكون ذلك منه مكافأة لذلك، وكذلك التضييق لأهل التضييق: لم يكن لخيانة أو إساءة كانت منهم إليه لما ذكر؛ ولكن لما ذكرنا؛ ألا ترى أنهم إذا رأوا أنه وسع على بعض وقتر على بعض - هلا علموا أنه يملك أن يوسع على من قتر عليه، ويقتر على من وسع عليه، فيكون في ذلك لهم ترغيب في التوحيد واختيار له، وتحذير عن الكفر وعمّا هم فيه؛ إذ يملك التقتير على من وسع عليه والتوسيع على من قتر عليه؛ فيبطل هذا كله قولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً...

﴾ الآية، ويبين أن التقتير والتوسيع ليس لفضل ولا لقدر ولا لنعمة ولا لخيانة ولا لذنب؛ ولكن للامتحان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ ﴾ .

ولكن ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ .

أي: ذلك الذي يقرب عندنا زلفى من أتى به، سواء كان له مال وولد أو لم يكن.

﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ .

من الناس من احتج بتفضيل الغناء على الفقر بهذه الآية، يقول: أخبر أن لهم جزاء الضعف إذا آمنوا وعملوا الصالحات بالأموال التي أعطاهم، وأما الفقير فليس له ذلك؛ إذ ليس له عنده ما يضاعف له، أو كلام يشبه هذا.

وأما عندنا: أن قوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ لهم جزاء الضعف للصالحات والحسنات التي عملوها؛ لأن الله وعد أن يجزي لكل من عمل بحسنة أو صالحة - عشر أمثالها، وذلك جزاء الضعف له، وذلك للغني والفقير جميعاً.

وذكرنا في غير موضع أن التكلم في فضل الغناء على الفقر والفقر على الغناء كلام لا معنى له؛ لأنهما شيئان لا صنع لأحد في ذلك يمتحنان في تلك الأحوال: أحدهما بالشكر، والآخر بالصبر؛ فمن وفي بما امتحن هو في تلك الحال، فهو أفضل ممن لم يَفِ بذلك، وبه يستوجب الفضل إن استوجب، فأمّا بنفس تلك الحال فلا، لكن من يفضل الغناء على الفقر يذهب إلى أن الله -  - سمى الضيق: بلاء وشرّاً في غير موضع من القرآن، وسمى السعة: خيراً ونعمة وحسنة في غير موضع، ولا شك أن الخير والحسنة أفضل وأحمد من الشرّ والسيئة؛ فلو لم يكن هذا شرّاً وسيئة في الحقيقة - لم يسمه بذلك، و[لو لم يكن] هذا خيرا - لم يسمه.

ومن يقول بتفضيل الفقر يذهب إلى أن الغني إذا أعطى وبذل إنما استوجب ذلك الفضل؛ لما يفقر نفسه ويحوج، وأصله ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ .

من صاحبه النعمة، ويحزنه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ .

أي: يسعون في آياتنا سعي من يكون معاجزا، لا سعي من لا يكون، وهو ما قال: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، أي: يعملون عمل من يحسب أنه يسبق، لا عمل من لا يسبق، وهو كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ لا أحد يقصد قصد مخادعة الله؛ لعلمه أنه لا يخادع؛ ولكن كأنه قال: يعملون عمل من يخادع الله، لا عمل من يعلم أنه لا يخادع؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ : إنما كان سعيهم في الآيات في آيات الوحدانية أو آيات النعمة أو آيات الرسالة؛ ليسقطوا عن أنفسهم مؤنة ذلك، وقبولها، والعمل بها.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾ .

قال القتبي: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ : لم يرد فيما يرى أهل النظر - والله أعلم - أنهم يجازون عن الواحد بواحد مثله ولا اثنين، وكيف يكون هذا والله يقول: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ و ﴿ خَيْرٌ مِّنْهَا  ﴾ ؟!

ولكنه أراد: ﴿ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ ﴾ : إنما هو مثله يضم إلى مثل إلى ما بلغ، وكأن الضعف: الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة، ويجوز أن يجعل الضعف في معنى جميع، أي: جزاء الأضعاف، ونحوه: ﴿ فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً  ﴾ ، أي: جَعَلْتَ مثله.

وخبط مضاعف، أي: قد ضم إليه خبط آخر قد قتلا.

قال: ﴿ زُلْفَىٰ ﴾ هي الدنوّ، يقال: تزلفت إليه ومنه، أزلفته: أدنيته.

وقال القتبي: أي: قربة ومنزلة عندنا، وهما واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ ﴾ ذكر الأموال والأولاد، ثم ذكر ﴿ ٱلَّتِي ﴾ بالتأنيث؛ قال بعضهم: هذا من مقاديم الكلام؛ كأنه قال: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم، ولولا ذلك لغلب فعل الآدميين، فعل الأموال.

قال أبو معاذ: يجوز أن تجمع الأموال والأولاد، ثم تقول: "التي"؛ لأنك تقول: ذهبت الأموال وهلكت الأولاد؛ كقوله: ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا  ﴾ ، و ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ  ﴾ ونحوه كثير من القرآن؛ فعلى ذلك عند الجمع.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

قال ابن عباس -  -: ﴿ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ : في الدنيا والآخرة؛ لأن ما أنفق العبد لو كان الله أخلفه له في الدنيا ما أحصى أحدكم ماله، ولا يجد مكاناً يجعله فيه، أو كلام هذا معناه.

وقال آخر: كل نفقة كانت في طاعة الله فإن الله يخلفها في الدنيا، أو يدّخرها لوليّه في الآخرة.

ومجاهد يقول: إذا أصاب أحدكم مالا، فليقصد في النفقة، ولا يتأولنّ قوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ ؛ فإن الرزق مقسوم.

وقال بعضهم: ﴿ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ إذا كانت في غير إسراف ولا تقتير.

وهذه التأويلات كلها ضعيفة؛ لأن الآية كانت - والله أعلم - في منع أولئك الإنفاق؛ مخافة الفقر وخشية الإملاق؛ لأنها نزلت على أثر قول الرجل: ﴿ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ ، يقول - والله أعلم - تعلمون أن الله هو الباسط لكم والموسع عليكم وعلى الخلق كله الرزق، وهو المقتر أيضاً على من شاء التقتير عليه، فإذا كنتم تعلمون أنه هو الفاعل لذلك؛ فكيف تمتنعون عن الإنفاق خشية الفقر؟!

فهو القادر على البسط والخلف لما أنفقتم، وهو القادر على التقتير من غير إنفاق كان منكم.

أو أن يذكر هذا؛ ليقطعوا أطماعهم عن الخلق من الناس والبذل لهم، على ما ينفق الرجل من النفقة؛ فيطمع من الناس البرّ له والمكافأة لما أنفق؛ فيقول: اقطعوا الطمع من الناس فيما تنفقون؛ فإن الله هو المخلف لذلك لا الناس.

ويحتمل ما قال ابن عباس: إنه يخلف في الآخرة؛ إذ لو أعطى لكل رجل أنفق في الدنيا خلفاً - ما أحصى أحدكم ماله، ولا أين يجعله؟

[يكون] هذا هكذا إذا كان الخلف من نوع ما أنفق وأعطى، فأمّا إذا جاز أن يكون الخلف من نوع ما أنفق، ومن غير نوعه: من نحو ما يدفع عن المرء وعن المتصلين له من أنواع البلايا والشدائد، ويعطيه من أنواع النعم من السلامة له في نفسه ودينه والصحة وغير ذلك مما لا يحصى، فذلك كله بدل وخلف عما أنفق، وذلك أنه إذا علم في سابق علمه أنه ينفق جعل ذلك في الأصل خلفاً عما أنفق؛ وعلى ذلك يخرج ما روي: "أن صلة الرحم تزيد في العمر" : إذا علم أنه يصل رحمه زاد في عمره في الأصل ما لو يعلم أنه لا يصل رحمه، لكان يجعل عمره دون ذلك؛ فعلى ذلك الأول.

وروي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  : "وكل معروف صدقة، وما أنفق المرء على نفسه وأهله، أو وقى به عرضه فهو له صدقة، وكل نفقة أنفقها مؤمن؛ فعلى الله خلفها ضامنا، إلا نفقة في معصية أو نفقة في بنيان" ، أي: لا يحتاج إليه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وليست أموالكم ولا أولادكم التي تفتخرون بها هي التي تقودكم إلى رضوان الله، لكن من آمن بالله وعمل عملًا صالحًا حاز الأجر المُضَاعَف؛ فالأموال تقربه بإنفاقها في سبيل الله، والأولاد بدعائهم له، فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات لهم ثواب مضاعف لما عملوه من حسنات؛ وهم في المنازل العليا من الجنة آمنون من كل ما يخافونه من العذاب والموت وانقطاع النعيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.8XR8K"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله