تفسير الآية ٣٧ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٣٧ من سورة سبأ

وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ ٣٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٧ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) أي : ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ، ولا اعتنائنا بكم .

قال الإمام أحمد ، رحمه الله : حدثنا كثير ، حدثنا جعفر ، حدثنا يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .

[ و ] رواه مسلم وابن ماجه ، من حديث كثير بن هشام ، عن جعفر بن برقان ، به .

ولهذا قال : ( إلا من آمن وعمل صالحا ) أي : إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح ، ( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) أي : تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ( وهم في الغرفات آمنون ) أي : في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى ، ومن كل شر يحذر منه .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي ، حدثنا القاسم وعلي بن مسهر ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن النعمان بن سعد ، عن علي رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها ، وبطونها من ظهورها " .

فقال أعرابي : لمن هي ؟

قال : " لمن طيب الكلام ، وأطعم الطعام ، وأدام الصيام ، [ وصلى بالليل والناس نيام ] " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) يقول جل ثناؤه: وما أموالكم التي تفتخرون بها أيها القوم على الناس ولا أولادكم الذين تتكبرون بهم، بالتي تقربكم منَّا قربة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله (عِنْدَنَا زُلْفَى) قال: قربى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ) لا يعتبر الناس بكثرة المال والولد، وإن الكافر قد يعطى المال، وربما حبس عن المؤمن.

وقال جل ثناؤه: ( وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ) ولم يقل باللَّتين، وقد ذكر الأموال والأولاد، وهما نوعان مختلفان، لأنه ذُكر من كل نوع منهما جمع يصلح فيه التي، ولو قال قائل: أراد بذلك أحد النوعين لم يبعد قوله، وكان ذلك كقول الشاعر: نحــنُ بِمَــا عِندَنــا وأنـتَ بمـا عِنــدكَ رَاضٍ والــرأيُ مخــتَلِفُ (2) ولم يقل راضيان.

وقوله (إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فإنه تقربهم أموالهم وأولادهم بطاعتهم الله في ذلك وأدائهم فيه حقه إلى الله زلفى دون أهل الكفر بالله.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله (إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) قال: لم تضرهم أموالهم ولا أولادهم في الدنيا للمؤمنين، وقرأ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ فالحسنى: الجنة، والزيادة: ما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به، كما حاسب الآخرين، فمن حمل على هذا التأويل نصب بوقوع تقرب عليه، وقد يحتمل أن يكون " من " في موضع رفع، فيكون كأنه قيل: وما هو إلا من آمن وعمل صالحًا.

وقوله (فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْف) يقول: فهؤلاء لهم من الله على أعمالهم الصالحة الضعف من الثواب، بالواحدة عشر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا) قال: بأعمالهم الواحد عشر، وفي سبيل الله بالواحد سبعمائة.

وقوله (فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) يقول: وهم في غرفات الجنات آمنون من عذاب الله.

------------------------ الهوامش: (2) البيت لقيس بن الخطيم من قصيدة من المنسرح، كما في معاهد التنصيص شرح شواهد التلخيص.

لعبد الرحيم العباسي وقد تقدم الكلام عليه في (10 : 122) مبسوطا.

فراجعه ثمة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى قال مجاهد : أي قربى .

والزلفة القربة .

وقال الأخفش : أي إزلافا ، وهو اسم المصدر ، فيكون موضع ( قربى ) نصبا كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا .

وزعم الفراء أن التي تكون للأموال والأولاد جميعا .

وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج ، يكون المعنى : وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا ، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه .

وأنشد الفراء :نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلفويجوز في غير القرآن : باللتين وباللاتي وباللواتي وباللذين وبالذين ; للأولاد خاصة أي لا تزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة ، ولا تقربكم تقريبا .

إلا من آمن وعمل صالحا قال سعيد بن جبير : المعنى إلا من آمن وعمل صالحا فلن يضره ماله وولده في الدنيا .

وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول : اللهم ارزقني الإيمان والعمل ، وجنبني المال والولد ، فإني سمعت فيما أوحيت وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا .قلت : قول طاوس فيه نظر ، والمعنى والله أعلم : جنبني المال والولد المطغيين أو اللذين لا خير فيهما ; فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنعم هذا !

وقد مضى هذا في ( آل عمران ومريم ، والفرقان ) .

و ( من ) في موضع نصب على الاستثناء المنقطع ، أي لكن من آمن وعمل صالحا فإيمانه وعمله يقربانه مني .

وزعم الزجاج أنه في موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في ( تقربكم ) .

النحاس : وهذا القول غلط ; لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل ، ولو جاز هذا لجاز : رأيتك زيدا .

وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء إلا أن الفراء لا يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين ، ولكن قوله [ ص: 275 ] يئول إلى ذلك ، وزعم أن مثله إلا من أتى الله بقلب سليم يكون منصوبا عنده ب ( ينفع ) .

وأجاز الفراء أن يكون من في موضع رفع بمعنى : ما هو إلا من آمن ، كذا قال ، ولست أحصل معناه .

فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا يعني قوله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فالضعف الزيادة ، أي لهم جزاء التضعيف ، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول .

وقيل : لهم جزاء الأضعاف ، فالضعف في معنى الجمع ، وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه ، نحو : حق اليقين ، وصلاة الأولى .

أي لهم الجزاء المضعف ، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة .وبهذه الآية استدل من فضل الغنى على الفقر .

وقال محمد بن كعب : إن المؤمن إذا كان غنيا تقيا أتاه الله أجره مرتين بهذه الآية .

وهم في الغرفات آمنون قراءة العامة جزاء الضعف بالإضافة .

وقرأ الزهري ويعقوب ونصر بن عاصم ( جزاء ) منونا منصوبا ( الضعف ) رفعا ; أي فأولئك لهم الضعف جزاء ، على التقديم والتأخير .

وجزاء الضعف على أن يجازوا الضعف .

و ( جزاء الضعف ) مرفوعان ، ( الضعف ) بدل من ( جزاء ) .

وقرأ الجمهور أيضا في الغرفات على الجمع ، وهو اختيار أبي عبيد ; لقوله : لنبوئنهم من الجنة غرفا .

الزمخشري : وقرئ في الغرفات بضم الراء وفتحها وسكونها .

وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة وخلف ( في الغرفة ) على التوحيد ; لقوله تعالى : أولئك يجزون الغرفة .

والغرفة قد يراد بها اسم الجمع واسم الجنس .

قال ابن عباس : هي غرف من ياقوت وزبرجد ودر .

وقد مضى بيان ذلك .

( آمنون ) أي من العذاب والموت والأسقام والأحزان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وليست الأموال والأولاد بالتي تقرب إلى الله زلفى وتدني إليه، وإنما الذي يقرب منه زلفى, الإيمان بما جاء به المرسلون, والعمل الصالح الذي هو من لوازم الإيمان, فأولئك لهم الجزاء عند اللّه تعالى مضاعفا الحسنة بعشر أمثالها, إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة, لا يعلمها إلا اللّه، { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } أي: في المنازل العاليات المرتفعات جدا, ساكنين فيها مطمئنين, آمنون من المكدرات والمنغصات, لما هم فيه من اللذات, وأنواع المشتهيات, وآمنون من الخروج منها والحزن فيها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ) أي : قربى ، قال الأخفش : " قربى " اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبا ( إلا من آمن ) يعني : لكن من آمن ( وعمل صالحا ) قال ابن عباس : يريد إيمانه وعمله يقربه مني ( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) أي : يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشر إلى سبعمائة قرأ يعقوب : " جزاء " منصوبا منونا " الضعف " رفع ، تقديره : فأولئك لهم الضعف جزاء ، وقرأ العامة بالإضافة ( وهم في الغرفات آمنون ) قرأ حمزة : " في الغرفة " على واحده ، وقرأ الآخرون بالجمع لقوله : " لنبوأنهم من الجنة غرفا " ( العنكبوت - 58 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى» قربى، أي تقريبا «إلا» لكن «من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاءُ الضعف بما عملوا» أي جزاء العمل: الحسنة مثلا بعشر فأكثر «وهم في الغرفات» من الجنة «آمنون» من الموت وغيره، وفي قراءة الغرفة بمعنى الجمع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وليست أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا قربى، وترفع درجاتكم، لكن مَن آمن بالله وعمل صالحًا فهؤلاء لهم ثواب الضعف من الحسنات، فالحسنة بعشر أمثالها إلى ما يشاء الله من الزيادة، وهم في أعالي الجنة آمنون من العذاب والموت والأحزان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم زاد - سبحانه - هذه القضية وتوضيحا وتبيينا فقال : ( وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى ) .الزلفى : مصدر كالقربى ، وانتصابه على المصدرية من معنى العامل .

أى ليست كثرة أموالكم ، ولا كثرة أولادكم بالتى من شأنها أن تقربكم إلينا قربى ، لأن هذه الكثرة ليست دليل محبة منا لكم ، ولا تكريم منالكم ، وإنما الذى يقربكم منا هو الإِيمان والعمل الصالح .كما وضح - سبحانه - هذه الحقيقة فى قوله بعد ذلك : ( إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأولئك لَهُمْ جَزَآءُ الضعف بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ ) .أى : ليس الأمر كما زعمتم - أيها المترفون - من أن كثرة الأموال والأولاد ستنجيكم من العذاب ، ولكن الحق والصدق أن الذى ينجيكم من ذلك ويقربكم منا ، هو الإِيمان والعمل الصالح .

فهلاء الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم عند الله - تعالى - الجزاء الحسن المضاعف ، وهم فى غرفات الجنات آمنون مطمئنون .قال الشوكانى ما ملخصه : قوله : ( إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) هو استثناء منقطع فيكون محله النصب .

أى : لكن من آمن وعمل صالحا .

.

.

والإِشارة بقوله : ( فأولئك ) إلى ( مَنْ ) والجمع باعتبار المعنى .

وهو مبتدأ .

وخبره ( لَهُمْ جَزَآءُ الضعف ) أى : فأولئك يجازيهم الله الضعف ، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول .

أو فأولئك لهم الجزاء المضاعف فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يعني قولكم نحن أكثر أموالاً فنحن أحسن عند الله حالاً ليس استدلالاً صحيحاً، فإن المال لا يقرب إلى الله ولا اعتبار بالتعزز به، وإنما المفيد العمل الصالح بعد الإيمان والذي يدل عليه هو أن المال والولد يشغل عن الله فيبعد عنه فكيف يقرب منه والعمل الصالح إقبال على الله واشتغال بالله ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب من الله شيئاً حصل، وقوله: ﴿ فأولئك لَهُمْ جَزَاءُ الضعف ﴾ أي الحسنة فإن الضعف لا يكون إلا في الحسنة وفي السيئة لا يكون إلا المثل.

ثم زاد وقال: ﴿ وَهُمْ فِي الغرفات ءَامِنُونَ ﴾ إشارة إلى دوام النعيم وتأبيده، فإن من تنقطع عنه النعمة لا يكون آمناً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقد أبطل الله تعالى حسبانهم بأنّ الرزق فضل من الله يقسمه كما يشاء على حسب ما يراه من المصالح، فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع، وربما عكس، وربما وسع عليهما وضيق عليهما، فلا ينقاس عليه أمر الثواب الذي مبناه على الاستحقاق.

وقدر الرزق: تضييقه.

قال تعالى: ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾ [الطلاق: 7] وقرئ: ﴿ ويقدّر ﴾ بالتشديد والتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  مِمّا مُنِيَ بِهِ مِن قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُ المُتَنَعِّمِينَ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّ الدّاعِيَ المُعَظِّمَ إلَيْهِ التَّكَبُّرُ والمُفاخَرَةُ بِزَخارِفِ الدُّنْيا والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والِاسْتِهانَةِ بِمَن لَمْ يَحْظَ مِنها، ولِذَلِكَ ضَمُّوا التَّهَكُّمَ والمُفاخَرَةَ إلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿ إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ عَلى مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ.

﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا ﴾ فَنَحْنُ أوْلى بِما تَدَّعُونَهُ إنْ أمْكَنَ.

﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ إمّا لِأنَّ العَذابَ لا يَكُونُ، أوْ لِأنَّهُ أكْرَمَنا بِذَلِكَ فَلا يُهِينُنا بِالعَذابِ.

﴿ قُلْ ﴾ رَدًّا لِحُسْبانِهِمْ.

﴿ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ ولِذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِيهِ الأشْخاصُ المُتَماثِلَةُ في الخَصائِصِ والصِّفاتِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِكَرامَةٍ وهَوانٍ يُوجِبانِهِ لَمْ يَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيَظُنُّونَ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ والأوْلادِ لِلشَّرَفِ والكَرامَةِ وكَثِيرًا ما يَكُونُ لِلِاسْتِدْراجِ كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى} أي وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتى وذلك أن الجمع الكسر عقلاؤه وغيره عقلائه سواء في حكم التأنيث والزلفى والزلفة كالقربى والقربة ومحلها النصب على المصدر أي تقربكم قربة كقوله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} الاستثناء من كم في تُقَرّبُكُمْ يعني أن الأموال

لا تقرب أحداً إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله والأولاد لا تقرب أحداً إلا من علمهم الخير وفقهم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة وعن ابن عباس إلا بمعنى لكن ومن شرط جوابه {فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضعف} وهو من إضافة المصدر إلى المفعول أصله فأولئك لهم أن يجاوز الضعف ثم جزاء الضعف ومعنى جزاء الضعف أن تضاعف لهم حسناتهم الواحدة عشراً وقرأ يعقوب جَزَاءً الضعف على فأولئك لهم الضعف جزاء {بِمَا عَمِلُواْ} بأعمالهم {وَهُمْ فِى الغرفات} أى غرف منازل

سبأ (٤٢ - ٣٨)

الجنة الغرفة حمزة {آمنون} من كل هائل وشاغل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ خُوطِبَ بِهِ النّاسُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ مُبالَغَةً في تَحْقِيقِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ ما سَبَقَ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ القُرْبُ والكَرامَةُ مَدارًا وعِلَّةً لِكَثْرَةِ الرِّزْقِ، وهَذا النَّفْيُ أنْ تَكُونَ كَثْرَةُ الرِّزْقِ سَبَبًا لِلْقُرْبِ والكَرامَةِ ويَكُونُ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، واَلَّتِي واقِعٌ عَلى الأمْوالِ والأوْلادِ، وحَيْثُ إنَّ الجَمْعَ المُكَسَّرَ عُقَلاؤُهُ وغَيْرُ عُقَلائِهِ سَواءٌ في حُكْمِ التَّأْنِيثِ، وكانَ المَجْمُوعُ بِمَعْنى جَماعَةٍ صَحَّ الإفْرادُ والتَّأْنِيثُ، أيْ وما جَماعَةُ أمْوالِكم وأوْلادِكم بِالجَماعَةِ الَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا قُرْبَةً، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وما ذُكِرَ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا إعْرابٍ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا في أوَّلِهِ لِدَلالَةِ ما في آخِرِهِ، والتَّقْدِيرُ وما أمْوالُكم بِاَلَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفًى ولا أوْلادُكم بِاَلَّتِي الخ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الَّتِي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُفْرَدٍ مُؤَنَّثٍ تَقْدِيرُهُ بِالتَّقْوى أوْ بِالخَصْلَةِ الَّتِي، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الَّتِي كِنايَةٌ عَنِ التَّقْوى لِأنَّ المُقَرَّبَ إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ إلّا تِلْكَ، أيْ وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِتِلْكَ المَوْضُوعَةِ لِلتَّقْرِيبِ.

وقَرَأ الحَسَنُ «بِاللّاتِي» جَمْعًا وهو راجِعٌ لِلْأمْوالِ والأوْلادِ كاَلَّتِي عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا، وقُرِئَ «بِالَّذِي» أيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُقَرِّبُكم.

وزُلْفى مَصْدَرٌ كالقُرْبى وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِنَ المَعْنى.

وقَرَأ الضَّحّاكُ «زُلَفًا» بِفَتْحِ اللّامِ وتَنْوِينِ الفاءِ جَمْعُ زُلْفَةٍ وهي القُرْبَةُ.

﴿ إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ اِسْتِثْناءٌ مِن مَفْعُولِ ﴿ تُقَرِّبُكُمْ ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ، وهو اِسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إذا كانَ الخِطابُ عامًّا لِلْمُؤْمِنِينَ والكَفَرَةِ ومُنْقَطِعٌ إذا كانَ خاصًّا بِالكَفَرَةِ، فالمَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ أوْ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ما بَعْدَهُ خَبَرُهُ أوْ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ أيْ لَكِنَّ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَإيمانُهُ وعَمَلُهُ يُقَرِّبانِهِ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الِانْقِطاعَ، وقالَ في البَحْرِ: فَإنَّ الزَّجّاجَ ذَهَبَ إلى بَدَلِيَّتِهِ مِنَ المَفْعُولِ المَذْكُورِ وغَلَّطَهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يَجُوزُ الإبْدالُ مِنهُ فَلا يُقالُ رَأيْتُكَ زَيْدًا، ومَذاهِبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُبَدَّلَ مِن ضَمِيرِي المُخاطَبِ والمُتَكَلِّمِ لَكِنَّ البَدَلَ في الآيَةِ لا يَصِحُّ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ تَفْرِيغُ الفِعْلِ الواقِعِ صِلَةً لِما بَعْدَ إلّا فَلَوْ قُلْتَ ما زَيْدٌ بِاَلَّذِي يَضْرِبُ إلّا خالِدًا لَمْ يَصِحَّ اه.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ جَعْلَهُ اِسْتِثْناءً مِنَ المَفْعُولِ لا يَصِحُّ عَلى جَعْلِ الَّتِي كِنايَةً عَنِ التَّقْوى لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الأمْوالُ والأوْلادُ تَقْوى في حَقِّ غَيْرِ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا لَكِنَّها غَيْرُ مُقَرِّبَةٍ، وقِيلَ لا بَأْسَ بِذَلِكَ إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِتَقْوى إلّا المُؤْمِنِينَ، وحاصِلُهُ أنَّ المالَ والوَلَدَ لا يَكُونانِ تَقْوى ومُقَرِّبِينَ لِأحَدٍ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا صَحَّ واتَّضَحَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اِسْتِثْناءً مِن ( أمْوالُكم وأوْلادُكم ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ إلّا أمْوالُ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا وأوْلادُهُمْ، وفي هَذا إذا جُعِلَ الَّتِي كِنايَةً عَنِ التَّقْوى مُبالَغَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ جُعِلَ مالُ المُؤْمِنِ الصّالِحِ ووَلَدُهُ نَفْسَ التَّقْوى.

ثُمَّ إنَّ تَقْرِيبَ الأمْوالِ المُؤْمِنَ الصّالِحَ بِإنْفاقِها فِيما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى وتَقْرِيبَ الأوْلادِ بِتَعْلِيمِهِمُ الخَيْرَ وتَفْقِيهِهِمْ في الدِّينِ وتَرْشِيحِهِمْ لِلصَّلاحِ والطّاعَةِ.

﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَن والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ فَأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ ﴾ أيْ لَهم أنْ يُجازِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى الضِّعْفَ أيِ الثَّوابَ المُضاعَفَ فَيُجازِيهِمْ عَلى الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِهِمْ أوْ بِأكْثَرَ إلى سَبْعِمِائَةٍ فَإضافَةُ جَزاءٍ إلى الضِّعْفِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.

وقَرَأ قَتادَةُ «جَزاءٌ الضِّعْفُ» بِرَفْعِهِما فالضِّعْفُ بَدَلٌ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ كَوْنَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الضِّعْفُ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ بِنَصْبِ «جَزاءً» ورَفْعِ «اَلضِّعْفَ» فَجَزاءٌ تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ ( لَهم ) إنْ كانَ الضِّعْفُ مُبْتَدَأً أوْ مِنهُ إنْ كانَ فاعِلًا أوْ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ( لَهم ) أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً، وقُرِئَ «جَزاءٌ» بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ «اَلضِّعْفَ» بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِ المَصْدَرِ.

﴿ بِما عَمِلُوا ﴾ مِنَ الصّالِحاتِ ﴿ وهم في الغُرُفاتِ ﴾ أيْ في غُرُفاتِ الجَنَّةِ ومَنازِلِها العالِيَةِ ﴿ آمِنُونَ ﴾ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ بِخِلافٍ عَنْهُ والأعْمَشُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ (فِي الغُرْفاتِ) بِإسْكانِ الرّاءِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ بِفَتْحِها، وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطِلْحَةُ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ «فِي الغُرْفَةِ» بِالتَّوْحِيدِ وإسْكانِ الرّاءِ، وابْنُ وثّابٍ أيْضًا بِالتَّوْحِيدِ وضَمِّ الرّاءِ والتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ لِأنَّ الكُلَّ لَيْسُوا في غُرْفَةٍ واحِدَةٍ والمُفْرَدُ أخْصَرُ مَعَ عَدَمِ اللَّبْسِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من التوراة والإنجيل.

يعني: لا نصدق بذلك كله فحكى الله قولهم ثم ذكر عقوبتهم في الآخرة فقال: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ يعني: لو رأيت يا محمد الظالمين يوم القيامة مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: محبوسين في الآخرة يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يعني: يرد بعضهم بعضاً الجواب.

ثم أخبر عن قولهم فقال: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم السفلة والأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: القادة والرؤساء لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ يعني: لولا دعوتكم وتعريفكم إيانا لكنا مصدقين.

قوله عز وجل: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني: القادة لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم الأتباع أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى يعني: أنحن منعناكم عن الإيمان بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ به الرسول بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.

قوله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا يعني: ردت الضعفاء عليهم الجواب.

وقالوا: لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يعني: قولكم لنا بالليل والنهار، واحتيالكم بالدعوة إلى الشرك.

إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ يعني: نجحد بوحدانية الله وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً يعني: نقول له شركاء وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ يعني: أخفوا الحسرة.

ويقال: أظهروا الندامة والحسرة لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ يعني: نجعل الأغلال يوم القيامة فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا من الرؤساء والسفلة هَلْ يُجْزَوْنَ يعني: هل يثابون في الآخرة إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.

قوله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ يعني: من رسول إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها يعني: جبابرتها ورؤساؤها للرسل إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ يعني: جاحدون بالتوحيد.

والمترف المتنعم، وإنما أراد به المتكبرين وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً في الدنيا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ في الآخرة.

ومعناه: أن الكفار المتقدمين استخفوا بالفقراء، وآذوا الرسل.

كما يفعل بك قومك، وافتخروا بما أعطاهم الله عز وجل من الأموال كما افتخر قومك.

وأمره بأن يأمرهم بأن لا يفتخروا بالمال.

فإن الله تعالى يعطي المال لمن يشاء.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يَعْنُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وذَلِكَ أنَّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ قالُوا: إنَّ صِفَةَ مُحَمَّدٍ في كِتابِنا، فَكَفَرَ أهْلُ مَكَّةَ بِكِتابِهِمْ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ ﴾ أيْ: يَرُدُّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في الجِدالِ واللَّوْمِ ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ وهُمُ الأتْباعُ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ وهُمُ الأشْرافُ والقادَةُ: ﴿ لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مُصَدِّقِينَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ؛ والمَعْنى: أنْتُمْ مَنَعْتُمُونا عَنِ الإيمانِ؛ فَأجابَهُمُ المَتْبُوعُونَ فَقالُوا: ﴿ أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى ﴾ أيْ: مَنَعْناكم عَنِ الإيمانِ ﴿ بَعْدَ إذْ جاءَكُمْ ﴾ بِهِ الرَّسُولُ؟

﴿ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ﴾ بِتَرْكِ الإيمانِ- وفي هَذا تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّ طاعَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في الدُّنْيا تَصِيرُ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ في الآخِرَةِ- فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الأتْباعُ فَقالُوا: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ: بَلْ مَكْرُكم بِنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ.

قالَ الفَرّاءُ: وَهَذا مِمّا تَتَوَسَّعُ فِيهِ العَرَبُ لِوُضُوحِ مَعْناهُ، كَما يَقُولُونَ: لَيْلُهُ قائِمٌ، ونَهارُهُ صائِمٌ، فَتُضِيفُ الفِعْلَ إلى غَيْرِ الآدَمِيِّينَ، والمَعْنى لَهم.

وقالَ الأخْفَشُ: وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ  ﴾ قالَ جَرِيرٌ: لَقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غِيلانَ في السُّرى ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ وَقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بَلْ مَكَرَ " بِفَتْحِ الكافِ والرّاءِ " اللَّيْلُ والنَّهارُ " بِرَفْعِهِما.

وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ: " بَلْ مَكْرٌ " بِإسْكانِ الكافِ ورَفْعِ الرّاءِ وتَنْوِينِها " اللَّيْلَ والنَّهارَ " بِنَصْبِهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُمْ: إنَّ دِينَنا حَقٌّ ومُحَمَّدٌ كَذّابٌ، ﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ في (يُونُسَ: ٥٤) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إذا دَخَلُوا جَهَنَّمَ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ، وقالَتْ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُ " هَلْ " هاهُنا مَجازُ الإيجابِ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ؛ والمَعْنى: ما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما أمْوالُكم ولا أولادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ  عن فِعْلِ قُرَيْشٍ وقَوْلِها، أيْ: هَذِهِ يا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُ قَوْمِكَ، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ، و"المُتْرَفُ": المُنْعَمُ البَطّالُ الغَنِيُّ القَلِيلُ تَعَبِ النَفْسِ والجِسْمِ، فَعادَتُهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَكْذِيبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "المُتْرَفِينَ"، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ، ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مِثْلَهم أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ يَقُولَ: ﴿ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ﴾ الآيَةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، ويَكُونَ كَلامُ "المُتْرَفِينَ" قَدْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ تَطَّرِدُ الآيَةُ بَعْدُ.

ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأولادًا ﴾ الِاحْتِجاجُ بِأنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنا هَذا وقَدَّرَهُ لَنا إلّا لِرِضاهُ عَنّا وعن طَرِيقَتِنا، ونَحْنُ مِمَّنْ لا يُعَذَّبُ البَتَّةَ؛ إذِ اللهُ الَّذِي تَزْعُمُ أنْتَ عِلْمَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ وإحاطَتَهُ قَدْ قَدَّرَ عَلَيْنا النِعَمَ، فَهو إذَنْ راضٍ عَنّا.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ أيْ: بِالفَقْرِ، وهَذا لَيْسَ كالأوَّلِ في القُوَّةِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يَقُولَ: إنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ظَنُّوا، بَلْ بَسْطَ الرِزْقِ وقَدْرَهُ مُعَلَّقٌ بِالمَشِيئَةِ في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى رِضى اللهِ تَعالى والقُرْبِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُعْطِي ذَلِكَ إمْلاءً واسْتِدْراجًا، وكَثِيرٌ مِنَ الناسِ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَأنْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَقْدِرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ، وهي راجِعَةٌ إلى مَعْنى التَضْيِيقِ الَّذِي هو ضِدُّ البَسْطِ.

ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ أمْوالَهم وأولادَهم لَيْسَتْ بِمُقَرِّبَةٍ مِنَ اللهِ ﴿ "زُلْفى"، ﴾ وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى القُرْبِ، وكَأنَّهُ قالَ: تُقَرِّبُكم عِنْدَنا تَقْرِيبًا، وقَرَأ الضَحّاكُ: "زُلَفًى" بِفَتْحِ اللامِ وتَنْوِينٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن آمَنَ ﴾ اسْتِثْناءٌ، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ.

وقالَ الزَجّاجُ: هي بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿ "تُقَرِّبُكُمْ"، ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما هو مُقَرَّبٌ إلّا مَن آمَنَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَزاءُ الضِعْفِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "جَزاءٌ" مُنَوَّنًا "الضِعْفُ" رَفَعًا، وحَكى عنهُ الدانِيُّ "جَزاءً" نَصْبًا مُنَوَّنًا "الضِعْفَ" نَصْبًا.

و"الضِعْفِ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ بِالتَضْعِيفِ؛ إذْ بَعْضُهم يُجازى إلى عَشْرَةٍ، وبَعْضُهم أكْثَرَ صاعِدًا إلى سَبْعِمِائَةٍ بِحَسَبِ الأعْمالِ ومَشِيئَةِ اللهِ فِيها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فِي الغُرُفاتِ" ﴾ بِالجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فِي الغُرْفَةِ" عَلى اسْمِ الجِنْسِ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، ورُوِيَتْ عَنِ الأعْمَشِ، وهُما في القِراءَةِ حَسَنَتانِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يَجِيءُ هَذا الجَمْعُ بِالألِفِ والتاءِ "الغُرُفاتِ" ونَحْوِهِ لِلتَّكْثِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَما فَلَمْ يُرِدْ إلّا كَثْرَةَ جِفانٍ، وتَأمَّلْ نَقْدَ الأعْشى في هَذا البَيْتِ.

وقَرَأ الأعْشى، والحَسَنُ، وعاصِمٌ - بِخِلافٍ -: "فِي الغُرْفاتِ" بِسُكُونِ الراءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون جملة ﴿ وما أموالكم ﴾ عطفاً على جملة ﴿ قل إن ربي يبسط الرزق ﴾ [سبأ: 36] الخ فيكون كلاماً موجهاً من جانب الله تعالى إلى الذين قالوا: ﴿ نحن أكثر أموالاً وأولاداً ﴾ [سبأ: 35] فتكون ضمائر الخطاب موجهة إلى الذين قالوا: ﴿ نحن أكثر أموالاً وأولاداً ﴾ .

ويجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ [سبأ: 36]، فيكون مما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم ويبلغه عن الله تعالى، ويكون في ضمير ﴿ عندنا ﴾ التفات، وضمائر الخطاب تكون عائدة إلى الذين قالوا: ﴿ نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين ﴾ [سبأ: 35] وفيها وجه ثالث ننبه عليه قريباً.

وهو ارتقاء من إبطال الملازمة إلى الاستدلال على أنهم ليسوا بمحل الرضى من الله تعالى على طريقة النقض التفصيلي المسمى بالمناقضة أيضاً في علم المناظرة.

وهو مقام الانتقال من المنع إلى الاستدلال على إبطال دعوى الخصم، فقد أبطلت الآية أن تكون أموالُهم وأولادهم مقربة عند الله تعالى، وأنه لا يقرّب إلى الله إلا الإِيمان والعمل الصالح.

وجيء بالجملة المنفية في صيغة حصر بتعريف المسند إليه والمسند، لأن هذه الجملة أريد منها نفي قولهم: ﴿ نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين ﴾ أي لا أنتم، فكان كلامهم في قوة حصر التقريب إلى الله في كثرة الأموال والأولاد فنُفي ذلك بأسره.

وتكرير ﴿ لا ﴾ النافية بعد العاطف في ﴿ ولا أولادكم ﴾ لتأكيد تسلط النفي على كلا المذكورْين ليكون كل واحد مقصوداً بنفي كونه مما يقرب إلى الله وملتفتاً إليه.

ولما كانت الأموال والأولاد جمعَيْ تكسير عوملا معاملة المفرد المؤنث فجيء بخبرهما اسم موصول المفرد المؤنث على تأويل جماعة الأموال وجماعة الأولاد ولم يلتفت إلى تغلب الأولاد على الأموال فيخبر عنهما معاً ب (الذين) ونحوه.

وعدل عن أن يقال: بالتي تقربكم إلينا، إلى ﴿ تقربكم عندنا ﴾ لأن التقريب هنا مجاز في التشريف والكرامة لا تقريب مكان.

والزلفى: اسم للقرب مثل الرُّجعى وهو مفعول مطلق نائب عن المصدر، أي تقربكم تقريباً، ونظيره ﴿ واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ [نوح: 17].

وقوله: ﴿ إلا من آمن وعمل صالحاً ﴾ استثناء منقطع.

و ﴿ إلا ﴾ بمعنى (لكنْ) المخففة النون التي هي للاستدراك وما بعدها كلام مستأنف، وذلك من استعمالات الاستثناء المنقطع؛ فإنه إذا كان ما بعد ﴿ إلا ﴾ ليس من جنس المستثنى منه كان الاستثناء منقطعاً، ثم إن كان ما بعد ﴿ إلا ﴾ مفرداً فإن ﴿ إلا ﴾ تقدّر بمعنى (لكنّ) أخت (إنّ) عند أهل الحجاز فينصبون ما بعدها على توهم اسم (لكنّ) وتقدر بمعنى (لكنْ) المخففة العاطفة عند بني تميم فيتبع الاسم الذي بعدها إعراب الاسم الذي قبلها وذلك ما أشار إليه سيبويه في باب يختار فيه النصب من أبواب الاستثناء.

فأما إن كان ما بعد ﴿ إلا ﴾ جملة اسمية أو فعلية فإن ﴿ إلا ﴾ تقدر بمعنى (لكنْ) المخففة وتجعل الجملة بعدُ استئنافاً، وذلك في نحو قول العرب: «والله لأفعلن كذا إلا حِلُّ ذلك أن أفعل كذا وكذا» قال سيبويه: «فإن: أَن أفعل كذا، بمنزلة: إلاّ فِعْل كذا، وهو مبني على حِلّ (أي هو خبر له).

وحِلّ مبتدأ كأنه قال: ولكنْ حِلُّ ذلك أن أفعل كذا وكذا» ا ه.

قال ابن مالك في «شرح التسهيل»: وتقرير الإِخراج في هذا أن تجعل قولهم: إلا حلُّ ذلك، بمنزلة: لا أرى لهذا العَقد مبطِلاً إلا فِعْلَ كذا.

وجعل ابن خروف من هذا القبيل قوله تعالى: ﴿ لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه اللَّه العذاب الأكبر ﴾ [الغاشية: 22 24] على أن يكون ﴿ مَن ﴾ مبتدأ و«يعذبه الله» الخبر ودخل الفاء لتضمين المبتدأ معنى الجزاء.

وقال أبو يَسعود: إن ﴿ إلاّ ﴾ في الاستثناء المنقطع يكون ما بعدها كلاماً مستأنفاً ا ه.

وعلى هذا فقوله تعالى هنا: ﴿ إلا من آمن وعمل صالحاً ﴾ تقديره: لكن من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف، فيكون ﴿ مَن ﴾ مبتدأ مضمَّناً معنى الشرط و ﴿ لهم جزاء الضعف ﴾ جملة خبر عن المبتدأ وزيدت الفاء في الخبر لتضمين المبتدأ معنى الشرط.

وأسهل من هذا أن نجعل ﴿ مَن ﴾ شرطية وجملة ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف ﴾ جواب الشرط، واقترن بالفاء لأنه جملة اسمية.

وهذا تحقيق لمعنى الاستثناء المنقطع وتفسير للآية بدون تكلف ولا تردد في النظم.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم ﴾ الخ اعتراضاً بين جملة ﴿ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ [سبأ: 36] وجملة ﴿ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ﴾ [سبأ: 39] وتكون ضمائر الخطاب موجهة إلى جميع الناس المخاطبين بالقرآن من مؤمنين وكافرين.

وعليه فيكون قوله: ﴿ إلا من آمن وعمل صالحاً ﴾ الخ مستثنى من ضمير الخطاب، أي ما أموالكم بالتي تقربكم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم، وتكون جملة ﴿ فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ﴾ ثناء على الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

وجيء باسم الإِشارة في الإِخبار عن ﴿ من آمن ﴾ للتنويه بشأنهم والتنبيه على أنهم جديرون بما يرد بعد اسم الإِشارة من أجل تلك الأوصاف التي تقدمت اسم الإِشارة على ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] وغيره.

ووزان هذا المعنى وزان قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ﴾ إلى قوله: ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات ﴾ [آل عمران: 198] الآية.

و ﴿ الضِعف ﴾ المضاعف المكرر فيصدق بالمكرر مرة وأكثر.

وفي الحديث " والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعف إلى أضعاف كثيرة " وقد أشار إليه قوله تعالى: ﴿ كمثل حبّة أنبتت سبعَ سنابل في كل سنبلة مائةُ حبة واللَّه يضاعف لمن يشاء ﴾ [البقرة: 261].

وإضافة ﴿ جزاء ﴾ إلى ﴿ الضعف ﴾ إضافة بيانية، أي الجزاء الذي هو المضاعفة لأعمالهم، أي لما تستحقه كما تقدم.

وكنّي عن التقريب بمضاعفة الجزاء لأن ذلك أمارة كرامة المجزي عند الله، أي أولئك الذين يقربون زلفى فيجزون جزاء الضعف على أعمالهم لا على وفرة أموالهم وأولادهم، فالاستدراك ورد على جميع ما أفاده كلام المشركين من الدعوى الباطلة والفخر الكاذب لرفع توهم أن الأموال والأولاد لا تقرب إلى الله بحال، فإن من أموال المؤمنين صدقات ونفقات، ومن أولادهم أعواناً على البرّ ومجاهدين وداعين لآبائهم بالمغفرة والرحمة.

والباء في قوله: ﴿ بما عملوا ﴾ تحتمل السببية فتكون دليلاً على ما هو المضاعف وهو ما يناسب السبب من الصالحات كقوله تعالى: ﴿ هل جزاء الإِحسان إلا الإِحسان ﴾ [الرحمن: 60]، وتحتمل العوض فيكون «ما عملوا» هو المجازَى عليه كما تقول: جزيته بألف، فلا تقدير في قوله: ﴿ جزاء الضعف ﴾ .

و ﴿ الغرفات ﴾ جمع غُرفة.

وتقدم في آخر الفرقان وهي البيت المعتلي وهو أجمل منظراً وأشمل مرأى.

و ﴿ آمنون ﴾ خبر ثان يعني تلقي في نفوسهم الأمن من انقطاع ذلك النعيم.

وقرأ الجمهور ﴿ في الغرفات ﴾ بصيغة الجمع، وقرأ حمزة «في الغُرْفة» بالإِفراد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي كَفّارَ العَرَبِ، ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: التَّوْراةُ، والإنْجِيلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مِنَ الأنْبِياءِ والكُتُبِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قائِلُ ذَلِكَ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بَلْ غَرَّكُمُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: بَلْ عَمَلُكم مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: بَلْ مَعْصِيَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: بَلْ مُرُّ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الخامِسُ: بَلْ مَكْرُهم في اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أشْباهًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: شُرَكاءُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: «كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله.

ما فعل؟

فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته وأتى صاحبه فقال له: دلني عليه وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إلاَمَ تدعو؟

قال: إلى كذا وكذا..

قال: أشهد أنك رسول الله قال: ما علمك بذلك؟

قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم.

فنزلت هذه الآيات ﴿ وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها..

﴾ الآيات.

فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد أنزل تصديق ما قلت» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إلا قال مترفوها ﴾ قال: هم جبابرتهم، ورؤوسهم، وأشرافهم، وقادتهم في الشر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إلا قال مترفوها ﴾ قال: جبابرتها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم صرح بهذا المعنى فقال: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ﴾ قال الفراء: (جعل التي جامعة للأموال والأولاد؛ لأن الأولاد يقع عليها التي وكذلك الأموال، فصلح أن يقع عليهما جميعًا التي، ولو قيل بالتي أو بالذين جاز، كما تقول: أما العسكر والإبل فقد أقبلا، ولو قيل: بالذين، يذهب إلى تذكير الأولاد وتغليب بني آدم لجاز، ولو قال: لو وجهت التي إلى الأموال واكتفيت بها من ذكر الأولاد لصلح، كما قال الأسدي (١) نحن بما عندك وأنت بما ...

عندك راض والرأي مختلف (٢) (٣) واختار أبو (٤) (٥) قوله تعالى: ﴿ تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ﴾ قال ابن عباس: يريد قربي (٦) وقال مقاتل: يعني قربة (٧) قال الأخفش: زلفى هاهنا اسم المصدر، كأنه أراد بالتي تقربكم عند تقربنا (٨) وذكرنا معنى الإزلاف عند قوله: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ﴾ (٩) ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، وقوله ﴿ إِلَّا مَنْ آمَنَ ﴾ (١٠) (١١) (١٢) وعلى هذا يجب أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ ﴾ للمؤمنين والكافرين.

والوجه أن يكون قوله: إلا من، استثناء منقطعًا، على تقدير: لكن من آمن وعمل صالحًا.

وعلى هذا يدل تفسير ابن عباس، [فإنه] (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد يضعف الله لهم حسناتهم (١٥) وقال مقاتل: يجزي بالحسنة الواحدة عشرًا فصاعدًا (١٦) ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ ) (١٧) وقال ابن قتيبة: لم يرد أنهم يجازون على الواحدة بواحدة مثله ولا [اثنين] (١٨) ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ ولكنه أراد لهم جزاء الضعف، أي: التضعيف، وجزاء التضعيف الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة.

قال: ويجوز أن يجعل الضعف في معنى الجميع (١٩) ﴿ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ  ﴾ ) (٢٠) ﴿ عَذَابًا ضِعْفًا ﴾ (٢١) ﴿ جَزَاءُ الضِّعْفِ ﴾ وهو أن يجازي بالواحد (٢٢) ﴿ بِمَا عَمِلُوا ﴾ أي: من الخير في الدنيا.

﴿ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ يعني: غرف الجنة آمنون من الموت.

قاله مقاتل (٢٣) وقال ابن عباس: يريد غرفا من ياقوت ودر وزبرجد آمنون من الموت والعذاب (٢٤) (وقرأ حمزة: في الغرفة، على واحدة؛ لقوله: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا  ﴾ .

فكما أن الغرفة، يراد بها الكثرة والجمع، كذلك قوله ﴿ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ يراد بها الكثرة واسم الجنس، وحجة الجمع قوله: ﴿ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا  ﴾ .

وكما أن غرفا جمع كذلك الغرفات ينبغي أن تجمع، والجمع بالألف والتاء قد تكون للكثرة كقوله: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ  ﴾ ، وقول آخر: لنا الجفنات الغر (٢٥) (٢٦) (١) هو: أبو حسان المراد بن سعيد بن حبيب الفقعسي، نسبته إلى فقعس من بني أسد ابن خزيمة، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، كثير الشعر، وكان مفرط القصر ضئيلا.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 440، "معجم الشعراء" ص 408.

والبيت من المنسرح، وهو من الأبيات المختلف في نسبتها، فقد نسبها المؤلف -رحمه الله- للأسدي، ينما نسبه سيبويه في "الكتاب" 1/ 75 لقيس بن الخطيم، وأورده ابن هشام في "مغني اللبيب" 2/ 622 غير منسوب لأحد، وكذا في "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 677، وفي "المقتضب" 3/ 112، 4/ 73.

وقال الاْستاذ: محمد عبد الخالق عظيمة محقق كتاب "المعتصب" 4/ 73: والبيت نسبه إلى قيس بن الخطيم سيبويه، وكذلك فعل الأعلم وصاحب "معاهد التصيص" 1/ 189.

و"صحح البغدادي في الخزانة" 2/ 189 نسبة الشعر إلى عمرو بن امرئ القيس.

والقصيدة التي فيها هذا الشاهد في ديوان قيس بن الخطيم، طبع بغداد، ص 81.

أهـ.

(٢) في (ب): (يختلف).

(٣) انظر: "معاني القرآن" 2/ 363.

(٤) في (ب): (ابن)، وهو تصحيف.

(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255 (٦) لم أقف عليه عن ابن عباس.

وقد نسبه إلى مجاهد: "الطبري" 22/ 100، "الماودي"، 4/ 453، الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 615.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.

(٨) انظر: "معاني القرآن" 2/ 445، وعبارة الأخفش: بالتي تقربكم عندنا إزلافًا.

(٩) سورة الشعراء: الآية 64.

وموضعها بياض في (ب).

وقال في هذا الموضع من "البسيط": وقال أبو عبيدة: أزلفنا جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعا.

ثم قال: والزلف الفازل والمراقي؛ لأنها تدني المسافر والراقي إلى حيث يقصده، ومنه قوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

(١٠) موضع (إلا) بياض في (ب).

(١١) "معاني القرآن" 2/ 363.

(١٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255.

(١٣) ما بين المعقوفين بياض في (ب).

(١٤) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 432.

(١٥) لم أقف عليه.

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 100/ أ.

(١٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255.

(١٨) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من تفسير غريب القرآن لابن قتيبة.

(١٩) في (ب): (الجمع).

(٢٠) "تفسير غريب القرآن" ص 357 - 358.

(٢١) سورة الأعراف: الآية 38.

(٢٢) في (ب): (بالواحدة).

(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.

(٢٤) انظر: "القرطبي" 14/ 306.

(٢٥) جزء من بيت، وتمامه: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ...

وأسيافنا يقطرن من نجدة دما والبيت من الطويل، وهو لحسان بن ثابت في "ديوانه" ص 131، "الكتاب" == 3/ 578، "لسان العرب" 14/ 136 (جداً)، "المحتسب" 1/ 187، "خزانة الأدب" 8/ 106، 107، 110، 116.

والغر: الأبيض، جمع غراء، يريد بياض الشحم، يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحي بالغداة، وسيوفنا تقطر بالدم لنجدتنا وكثرة حروبنا.

والشاهد فيه: جمع جفنة على جفنات مع أنها للقلة مرادًا بها جمع الكثرة.

"الكتاب" 3/ 578.

(٢٦) إلى هنا انتهى النقل من الحجة من قوله: وقرأ حمزة.

"الحجة" 6/ 22.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ زلفى ﴾ مصدر بمعنى القرب كأنه قال: تقربكم قربى ﴿ إِلاَّ مَنْ آمَنَ ﴾ استثناء من المفعول في تقربكم، والمعنى أن الأموال لا تقرب إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، وقيل الاستثناء منقطع، والأول أحسن ﴿ جَزَآءُ الضعف ﴾ يعني تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها فما فوق ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.

﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.

الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.

﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.

الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.

الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.

وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.

الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.

الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.

الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".

الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.

التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله  ﴿ هو الذي خلقكم من طين  ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله  ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة  ﴾ وقال  في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.

واعلم أنه  وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.

ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.

ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.

وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.

ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.

وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.

وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".

وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.

ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.

وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.

وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.

وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.

ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد  هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.

وأولو العلم هم أصحاب الرسول  والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.

ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.

وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.

والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.

ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي  كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.

ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.

والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.

وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.

وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.

وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.

وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.

وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.

ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب  ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب  ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.

ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.

قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.

والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.

وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.

وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.

و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.

﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.

والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه فقيض الله  ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.

فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.

وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.

وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.

ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.

ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.

يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.

ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.

روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.

زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو  يففقه تسبيحهم فيسبح.

والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.

وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.

والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.

والمراد بالشياطين ناس أقوياء.

ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.

وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.

أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.

وههنا نكتة وهي أن الله  ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.

لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.

وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.

وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.

وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.

وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.

قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.

وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.

ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".

والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.

ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.

والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.

ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.

ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.

وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.

وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.

قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.

يروى أن داود  جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.

وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.

يروى أن داود  أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.

فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟

فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟

فقالت: لخراب هذا المسجد.

فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.

فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.

فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.

فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟

فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.

والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.

والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.

وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.

أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.

وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.

وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.

ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.

عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.

قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  ﴾ .

وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.

وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.

وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.

وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب  ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.

وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.

ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.

يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.

وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.

وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.

والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.

ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.

والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.

والخمط شجر الأراك.

أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.

الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.

والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.

عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.

من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.

قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله  ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.

وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.

وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.

﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.

ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.

قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.

والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.

ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.

ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.

ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.

ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.

واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.

وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.

والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.

ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.

وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم  ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.

ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.

ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.

والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.

التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.

﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.

يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.

كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا  "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.

قال جبرائيل  : لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.

فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.

فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.

﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.

وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.

﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ ﴾ ، يا محمد، ﴿ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً ﴾ ، بالجنة لمن اتبعه، ﴿ وَنَذِيراً ﴾ بالنار لمن خالفه وعصاه.

وقوله: ﴿ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ﴾ ، قال بعضهم، أي: ما أرسلناك إلا جامعاً للناس إلى الهدى داعياً إليه.

ومنهم [من] يقول: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ﴾ ، أي: ما أرسلناك إلا إلى الناس جميعاً إلى العرب والعجم، وإلى إلإنس والجن، ليس كسائر الأنبياء؛ إنما أرسلوا إلى قوم دون قوم، وإلى بلدة دون بلدة.

وكذلك روي عن نبي الله  أنه قال: "أعطيت أربعاً لم يعطهن نبي قبلي: أحدها (ما ذكرنا): بعثت إلى الناس جميعاً عامة: إلى الأحمر والأسود، والعرب والعجم، والثاني: جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا، وأرعب لنا عدوّنا مسيرة شهرين، وأحلت لي الغنائم" وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لا يصدّقون، ويحتمل لا يعلمون، أي: لا ينتفعون بما يعلمون، ولا يعملون.

أو لا يعلمون حقيقة؛ لما لم ينظروا إلى الحجج والآيات [التي] قد مكن لهم: لو نظروا علموا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

هذا القول منهم إنما يقولون على الاستهزاء والسخرية، ليس على الاسترشاد على أنه لا يكون ذلك، وأنه كذب؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ : أخبر أن أولئك يستعجلون بها؛ لتركهم الإيمان بها استهزاء منه، والذين آمنوا خائفون منها؛ لإيمانهم بها أنها كائنة لا محالة، لكن الله -  - لم يجبهم بما يجاب المستهزئ؛ ولكن أجابهم بما يجاب المسترشد؛ بلطفه وكرمه وجوده حيث قال: ﴿ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ ﴾ .

أي: لكم ميعاد [اليوم] الذي وعدكم محمد أنه كائن لا محالة، وهو يوم ﴿ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مسئول إذا كان سائله سؤال استهزاء أن يجيبه جواب ما يجاب المسترشد، لا ما يجاب المستهزئ، ولا يدع علمه وحكمته لسفه السفيه، ولا لهزأ الهازئ، ولكنه يحفظ حكمته وعلمه وعقله، ولا يشتغل بجواب مثله، وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .

فإن كان على طلب التأخير وطلب التقديم، ففيه تعيير وتوبيخ لهم؛ كأنه يقول: ليس لكم من الخطر والقدر والمنزلة ما يؤخر لكم ما تستأخرون أو يقدم لكم ما تستقدمون.

وإن كان على تحقيق ترك التأخير وترك التقديم، كأنه يقول: ميعادكم يوم لا تملكون تأخيره إذا جاء، ولا تقديمه عن وقته ولا رفعه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .

كأن هذا القول منهم - والله أعلم - خرج عن مخاصمة وقعت بينهم وبين المؤمنين في شأن القرآن أو في شأن محمد؛ فتحاكموا إلى [أهل] الكتاب على اتفاق منهم على ما في كتبهم، فلما خرج ذلك على موافقة قول المؤمنين، ومخالفة قول أولئك - قالوا عند ذلك: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، وإلا على الابتداء من غير تنازع وخصومة كان بينهم في ذلك مستقيم.

ويذكر بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره -: أن رهطا بعثهم قريش إلى المدينة إلى رؤساء اليهود؛ يسألونهم عن محمد وبعثه؛ فأخبروهم أنه كائن وأنه مبعوث، فلما رجعوا إليهم فأخبروهم أنهم قد عرفوه، وهو عندهم في التوراة والإنجيل - فعند ذلك قالوا ما قالوا ثم كأنه اشتد ذلك على رسول الله  وثقل عليه؛ فقال له على التعزية والتصبير على ذلك: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .

أي: محبوسون عند ربهم، أي: على محاسبة ما كان منهم من العناد والمكابرة والتكذيب، أي: لو رأيتهم ما فيهم من الذل والهوان والخضوع لرحمتهم ولأخذتك الرأفة لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ ﴾ .

أي: يلوم بعضهم بعضا؛ فيقولون ما ذكر.

﴿ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ ﴾ ، أي: السفلة والأتباع، ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ ، أي: القادة منهم والرؤساء، ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ ﴾ فيما صرفتمونا عن دين الله وصددتمونا عنه، ﴿ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ به تابعين له؛ لأنهم كانوا يصدرون لآرائهم ويقبلون قولهم؛ لما هم كانوا أهل شرف ومعرفة، والسفلة لا، فيقولون: لولا أنتم لكنا نتبع رأي أنفسنا، فنؤمن به، لكن قلتم لنا: إنه كذب، وإنه افتراء، وإنه سحر؛ فنحن صدقناكم في ذلك.

﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ ﴾ هو على التقدير: أي: لم نصدّكم، وإن كان ظاهره استفهاماً، ولكن أنتم بأنفسكم تركتم اتباعه؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يقولون للأتباع: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 33\] أخبروا أنه بشر مثلهم، ثم أخبروهم: أنكم إذا أطعتم بشراً مثلكم إذاً تكونوا خاسرين، ونحن بشر، فكيف اتبعتمونا وأطعتمونا؟.

﴿ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ﴾ .

في اتباعكم بما اتبعتموه.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: لولا تلبيسكم علينا وتمويهكم أن الرسل كذبة، وأنهم سحرة فيما يقولون ويدعون، وأنهم يفترون على الله - وإلا لكنا مؤمنين.

والثاني: لولا منعكم إيانا عن النظر والتفكر في أمورهم، والتأمل في الحجج والآيات لكنا مؤمنين؛ هذا قول الأتباع للرؤساء.

ثم أجاب لهم الرؤساء فقالوا: ﴿ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ ﴾ ، يقولون - والله أعلم -: إن صددناكم ومنعناكم عن اتباعهم ظاهراً وعلانية؛ فمتى منعناكم سرّاً من غير أن نطلع ونعلم نحن بذلك.

أو ما ذكرنا من قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ \[المؤمنون: 34\]، وقد عرفتم أنا بشر مثلكم فأطعتمونا وتركتم طاعة الرسل؛ لأنهم بشر؛ فأجاب لهم الأتباع فقالوا: ﴿ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ ، بل يمكركم إيانا، وقولكم في الليل والنهار: إنهم كذبة سحرة، وخداعكم إيانا، وإنهم بشر مثلكم؛ تركنا اتباعهم؛ ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً ﴾ .

أو يقولون: بل مكركم في الليل والنهار ﴿ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ ﴾ ، أي: من تخويفكم إيانا وتهييبكم لنا من الأخذ على البغتة والغفلة - تركنا اتباعهم في السر إذا ظهر وبلغكم الخبر به.

هذه مناظرات أهل الكفر فيما بينهم يومئذ، وردّ بعضهم على بعض، ولعن بعضهم على بعض؛ يذكرها في الدنيا، ليلزمهم الحجة، وألا يقولوا يومئذ: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

فإن قيل: إنهم كانوا لا يؤمنون بهذا القرآن ولا بالبعث؛ فكيف يلزمهم ذلك، وهم لا يستمعون له؟!.

قيل: إنهم قد مكنوا من الاستمتاع والنظر فيه؛ فيلزمهم الحجة، وإن لم يستمعوا له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .

قال بعضهم: أسروا الرؤساء الندامة؛ بصرف الأتباع وصرف أنفسهم عن دين الله واتباع الرسل لما رأوا العذاب.

وقيل: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ : الأتباع والرؤساء جميعاً.

وقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ ، قال [بعضهم]: من الإسرار والإخفاء، أخفى بعضهم من بعض.

وقال بعضهم: أخفى الكفرة الندامة عن المؤمنين.

وقال القتبي: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ ، أي: أظهروا، وهو من الأضداد، يقال: أسررت الشيء: أخفيته وأظهرته.

وأما غيره من أهل التأويل فإنهم قالوا: هو من الإخفاء.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

الأغلال: جماعة الغل: وهو ما يجعل في اليد، ثم يشد اليد إلى العنق.

﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: لا يجزون إلا جزاء عملهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وليست أموالكم ولا أولادكم التي تفتخرون بها هي التي تقودكم إلى رضوان الله، لكن من آمن بالله وعمل عملًا صالحًا حاز الأجر المُضَاعَف؛ فالأموال تقربه بإنفاقها في سبيل الله، والأولاد بدعائهم له، فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات لهم ثواب مضاعف لما عملوه من حسنات؛ وهم في المنازل العليا من الجنة آمنون من كل ما يخافونه من العذاب والموت وانقطاع النعيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.8XR8K"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر