تفسير الآية ٤٩ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٤٩ من سورة سبأ

قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ ٤٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 57 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤٩ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) أي : جاء الحق من الله والشرع العظيم ، وذهب الباطل وزهق واضمحل ، كقوله : ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ) [ فإذا هو زاهق ] ) [ الأنبياء : 18 ] ، ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح ، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة ، جعل يطعن الصنم بسية قوسه ، ويقرأ : ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) ، ( قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) .

رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية ، كلهم من حديث الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة ، عن ابن مسعود ، به .

أي : لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة .

وزعم قتادة والسدي : أن المراد بالباطل هاهنا إبليس ، إنه لا يخلق أحدا ولا يعيده ، ولا يقدر على ذلك .

وهذا وإن كان حقا ولكن ليس هو المراد هاهنا والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ) يقول: قل لهم يا محمد: جاء القرآن ووحي الله ( وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ ) يقول: وما ينشىء الباطل خلقًا، والباطل هو فيما فسره أهل التأويل: إبليس (وَمَا يُعِيدُ) يقول: ولا يعيده حيًّا بعد فنائه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ : أي بالوحي عَلامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ أي: القرآن ( وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ) والباطل: إبليس، أي: ما يخلق إبليس أحدًا ولا يبعثه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلامُ الْغُيُوبِ فقرأ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ ...

إلى قوله وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ قال: يزهق الله الباطل، ويثبت الله الحق الذي دمغ به الباطل، يدمغ بالحق على الباطل، فيهلك الباطل ويثبت الحق، فذلك قوله: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلامُ الْغُيُوبِ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد .قوله تعالى : قل جاء الحق قال سعيد عن قتادة : يريد القرآن .

النحاس : والتقدير جاء صاحب الحق أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج .

وما يبدئ الباطل قال قتادة : الشيطان ; أي ما يخلق الشيطان أحدا وما يعيد ف ( ما ) نفي .

ويجوز أن يكون استفهاما بمعنى أي شيء ; أي جاء الحق فأي شيء بقي للباطل حتى يعيده ويبدئه أي فلم يبق منه شيء ، كقوله : فهل ترى لهم من باقية أي لا ترى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فيعلم بها عباده, ويبينها لهم, ولهذا قال: { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ } أي: ظهر وبان, وصار بمنزلة الشمس, وظهر سلطانه، { وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } أي: اضمحل وبطل أمره, وذهب سلطانه, فلا يبدئ ولا يعيد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل جاء الحق ) يعني : القرآن والإسلام ( وما يبدئ الباطل وما يعيد ) أي : ذهب الباطل وزهق فلم يبق منه بقية يبدئ شيئا أو يعيد ، كما قال تعالى : " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه " ( الأنبياء - 48 ) ، وقال قتادة : " الباطل " هو إبليس ، وهو قول مقاتل والكلبي ، وقيل : " الباطل " : الأصنام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل جاء الحق» الإسلام «وما يبدئ الباطل» الكفر «وما يعيد» أي لم يبق له أثر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: جاء الحق والشرع العظيم من الله، وذهب الباطل واضمحلَّ سلطانه، فلم يبق للباطل شيء يبدؤه ويعيده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمره - عز وجل - للمرة الرابعة أن يبين لهم أن باطلهم سيزول لا محالة وسينتهى أمره انتهاء لن تقوم له بعد قائمة فقال - تعالى - ( قُلْ جَآءَ الحق وَمَا يُبْدِىءُ الباطل وَمَا يُعِيدُ ) .والإِبداء : هو فعل الأمر ابتداء .

والإِعادة : فعله مرة أخرى ، ولا يخلو الحى منهما ، فعدمها كناية عن هلاكه .

كما يقول : فلان لا يأكل ولا يشرب ، كناة عن هلاكه .أى : قل أيها الرسول لهؤلاء الكافرين ، لقد جاء الحق المتمثل فى دين الإِسلام الذى ارسلنى به إليكم ربى ، وما دام الإِسلام قد جاء ، فإن الباطل المتمثل فى الكفر الذى أنتم عليه ، قد آن له أن يذهب وأن يزول ، وأن لا يبقى له أبداء أو إعادة ، فقد اندثر وأهيل عليه بالتراب إلى غير رجعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما ذكر الله أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال، ذكر أن ذلك الحق قد جاء وفيه وجوه: أحدها: أنه القرآن الثاني: أنه بيان التوحيد والحشر وكل ما ظهر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم الثالث: المعجزات الدالة على نبوة محمد عليه السلام، ويحتمل أن يكون المراد من ﴿ جَاء الحق ﴾ ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ظهر والباطل خلاف الحق، وقد بينا أن الحق هو الموجود، ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لم يمكن انتفاؤه كالتوحيد والرسالة والحشر، كان حقاً لا ينتفي، ولما كان ما يأتون به من الإشراك والتكذيب لا يمكن وجوده كان باطلاً لا يثبت، وهذا المعنى يفهم من قوله: ﴿ وَمَا يُبْدِئ الباطل ﴾ أي الباطل لا يفيد شيئاً في الأولى ولا في الآخرة فلا إمكان لوجوده أصلاً، والحق المأتي به لا عدم له أصلاً، وقيل المراد لا يبدئ الشيطان ولا يعيد، وفيه معنى لطيف وهو أن قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق ﴾ لما كان فيه معنى قوله تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ ﴾ كان يقع لمتوهم أن الباطل كان فورد عليه الحق فأبطله ودمغه، فقال هاهنا ليس للباطل تحقق أولاً وآخراً، وإنما المراد من قوله: ﴿ فَيَدْمَغُهُ ﴾ أي فيظهر بطلانه الذي لم يزل كذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى في موضع آخر: ﴿ وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا  ﴾ يعني ليس أمراً متجدداً زهوق الباطل، فقوله: ﴿ وَمَا يُبْدِئ الباطل ﴾ أي لا يثبت في الأول شيئاً خلاف الحق ﴿ وما يُعِيدُ ﴾ أي لا يعيد في الآخرة شيئاً خلاف الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

والحيّ إمّا أن يبدئ فعلاً أو يعيده فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، فجعلوا قولهم: لا يبدئ ولا يعيد مثلاً في الهلاك.

ومنه قول عبيد: أَقْفَرَ مِنْ أَهْلِهِ عَبِيدُ ** فَالْيَوْمَ لاَ يُبْدِي وَلاَ يُعِيدُ والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله تعالى: ﴿ جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل ﴾ [الإسراء: 81] وعن ابن مسعود رضي الله عنه: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود نبعة ويقول: ﴿ جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81] ، ﴿ جَاء الحق وَمَا يُبْدِئ الباطل وَمَا يُعِيدُ ﴾ .

والحق: القرآن.

وقيل: الإسلام.

وقيل: السيف.

وقيل: الباطل: إبليس لعنه الله، أي: ما ينشئ خلقاً ولا يعيده، المنشيء والباعث: هو الله تعالى.

وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده، أي: لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.

وقال الزجاج: أيّ شيء ينشيء إبليس ويعيده، فجعله للاستفهام.

وقيل للشيطان: الباطل؛ لأنه صاحب الباطل؛ أو لأنه هالك كما قيل له: الشيطان، من شاط إذا هلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ يُلْقِيهِ ويُنْزِلُهُ عَلى مَن يَجْتَبِيهِ مِن عِبادِهِ، أوْ يَرْمِي بِهِ الباطِلَ فَيَدْمَغُهُ أوْ يَرْمِي بِهِ إلى أقْطارِ الآفاقِ، فَيَكُونُ وعْدًا بِإظْهارِ الإسْلامِ وإفْشائِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ.

﴿ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ صِفَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلى مَحَلِّ ( إنَّ ) واسْمِها، أوْ بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في ( يَقْذِفُ ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ.

وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ صِفَةً لِـ ( رَبِّي ) أوْ مُقَدَّرًا بِأعْنِي.

وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ «الغُيُوبِ» بِالكَسْرِ كالبُيُوتِ وبِالضَّمِّ كالعُشُورِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ كالصَّبُورِ عَلى أنَّهُ مُبالَغَةُ غائِبٍ.

﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ أيِ الإسْلامُ.

﴿ وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ ﴾ وزَهَقَ الباطِلُ أيِ الشِّرْكُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ مَأْخُوذٌ مِن هَلاكِ الحَيِّ، فَإنَّهُ إذا هَلَكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ إبْداءٌ ولا إعادَةٌ قالَ: أقْفَرَ مِن أهْلِهِ عَبِيدُ.

.

.

فاليَوْمَ لا يُبْدِي ولا يُعِيدُ وَقِيلَ الباطِلُ إبْلِيسُ أوِ الصَّنَمُ، والمَعْنى لا يُنْشِئُ خَلْقًا ولا يُعِيدُهُ، أوْ لا يُبْدِئُ خَيْرًا لِأهْلِهِ ولا يُعِيدُهُ.

وَقِيلَ ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُنْتَصِبَةٌ بِما بَعْدَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل جاء الحق} الإسلام والقرى ن {وما يبدئ الباطل وَمَا يُعِيدُ} أي زال الباطل وهلك لأن الابداء والاعاردة من صفات الحي فعدمهما عبارة عن الهلاك والمعنى جاء الحق وزهق الباطل كقوله جَاء الحق وزهق الباطل وعن ابن مسعود رضى الله عنه دخل النبى صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة أصنام فجعل يطعنها بعود معه ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن كان زهو قاجاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد وقيل الباطل الأصنام وقيل

سبأ (٣٥ - ٥٠)

إبليس لأنه صاحب الباطل أو لأنه هالك كما قيل له الشيطان من شاط إذا هلك أي لا يخلق الشيطان ولا الصنم أحداً ولا يبعثه فالمنشيء والباعث هو الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ أيِ الإسْلامُ والتَّوْحِيدُ أوِ القُرْآنُ، وقِيلَ السَّيْفُ لِأنَّ ظُهُورَ الحَقِّ بِهِ وهو كَما تَرى ﴿ وما يُبْدِئُ الباطِلُ ﴾ أيِ الكُفْرُ والشِّرْكُ ﴿ وما يُعِيدُ ﴾ أيْ ذَهَبَ واضْمَحَلَّ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ مَأْخُوذٌ مِن هَلاكِ الحَيِّ، فَإنَّهُ إذا هَلَكَ لَمْ يَبْقَ لَهُ إبْداءُ أيِّ فِعْلِ أمْرٍ اِبْتِداءً ولا إعادَةً، أيْ فِعْلُهُ ثانِيًا كَما يُقالُ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، أيْ مَيِّتٌ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَمّا ذُكِرَ أوْ مَجازٌ مُتَفَرِّعٌ عَلى الكِنايَةِ، وأنْشَدُوا لِعُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ: أقْفَرَ مِن أهْلِهِ عُبَيْدُ فاليَوْمَ لا يُبْدِي ولا يُعِيدُ وقالَ جَماعَةٌ: الباطِلُ إبْلِيسُ وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مَبْدَؤُهُ ومَنشَؤُهُ، ولا كِنايَةَ في الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى لا يُنْشِئُ خَلْقًا ولا يُعِيدُ أوْ لا يُبْدِئُ خَيْرًا لِأهْلِهِ ولا يُعِيدُ، أيْ لا يَنْفَعُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ هو الصَّنَمُ والمَعْنى ما سَمِعْتَ، وعَنْ أبِي سُلَيْمانَ أنَّ المَعْنى أنَّ الصَّنَمَ لا يَبْتَدِئُ مِن عِنْدِهِ كَلامًا فَيُجابُ ولا يُرَدُّ ما جاءَ مِنَ الحَقِّ بِحُجَّةٍ.

وما عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ نافِيَةٌ، وقِيلَ: هي عَلى ما عَدا القَوْلَ الأوَّلَ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مُنْتَصِبَةٌ بِما بَعْدَها، أيْ أيُّ شَيْءٍ يُبْدِئُ الباطِلَ وأيُّ شَيْءٍ يُعِيدُ ومَآلُهُ النَّفْيُ، والكَلامُ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَكْمِيلًا لِما تَقَدَّمَ، وأنْ يَكُونَ مِن بابِ العَكْسِ والطَّرْدِ، وأنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا مُقَرِّرًا لِذَلِكَ، فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِذا تُتْلى يعني: يقرأ وتعرض عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ بالأمر والنهي والحلال والحرام قالُوا ما نعرف هذا مَا هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ يعني: يصرفكم عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ من عبادة الأصنام وَقالُوا مَا هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً يعني: كذباً مختلقاً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ يعني: للقرآن لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: كذب بيّن.

ثم قال عز وجل: وَما آتَيْناهُمْ يعني: ما أعطيناهم مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها يعني: من كتب يقرءونها وفيها حجة لهم بأن مع الله شريكاً وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ يعني: من رسول في زمانهم وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: من قبل قومك رسلهم كما كذبك قومك وَما بَلَغُوا أي: ما بلغ قومك مِعْشارَ مَا آتَيْناهُمْ يعني: ما بلغ أهل مكة عشر الذي أعطينا الأمم الخالية من الأموال والقوة، فأهلكتهم بالعذاب حين كذبوا رسلي فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ يعني: كيف كان إنكاري وتغييري عليهم وإيش خطر هؤلاء بجنب أولئك فاحذروا مثل عذابهم قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ يعني: بكلمة واحدة ويقال: بخصلة واحدة أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ بالحق مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني: أمركم بالإنصاف أن تتأملوا حق التأمل، وتتفكروا في أنفسكم، هل لهذا الرجل الذي يدعوكم إلى خالقكم وخالق السموات والأرض هل رأيتم به جنوناً.

ثم قال: مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني: من جنون.

وقال القتبي: تأويله أن المشركين لما قالوا: إنه ساحر ومجنون وكذاب فقال الله تعالى لنبيه  قل لهم اعتبروا أمري بواحدة أن تنصحوا لأنفسكم ولا يميل بكم هوى فتقوموا لله في دار يخلو فيها الرجل منكم بصاحبه.

فيقول له: هلمّ فلنتصادق.

هل رأينا بهذا الرجل جنة أم جربنا عليه كذباً.

ثم ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه فيتفكر، وينظر.

فإن ذلك يدل على أنه نذير.

قال: وكل من تحيّر في أمر قد اشتبه عليه واستبهم، أخرجه من الحيرة أن يسأل ويناظر فيه ثم يتفكر ويعتبر.

ثم قال: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ أي: ما هو إلا مخوف لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ أي: بين يدي القيامة.

ثم قال عز وجل: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ وذلك أن النبيّ  أمر كفار مكة أن لا يؤذوا أقربائه فكفوا عن ذلك فنزل قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: 23] فكفوا عن ذلك.

ثم سمعوا بذكر آلهتهم فقالوا: لا تنظرون إليه ينهانا عن إيذاء أقربائه.

وسألناه أن لا يؤذينا في آلهتنا فلا يمتنع فنزل قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إن شئتم آذوهم، وإنْ شئتم امتنعتم.

إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ فهو الحافظ والناصر وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ بأني نذير وما بي جنون.

ثم قال عز وجل: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ يعني: يبين الحق من الباطل.

ويقال: يأمر بالحق.

ويقال: يتكلم بالحق.

يعني: بالوحي عَلَّامُ الْغُيُوبِ يعني: هو عالم كل غيب.

قوله عز وجل: قُلْ جاءَ الْحَقُّ يعني: ظهر الإسلام وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ يعني: لا يقدر الشيطان أن يخلق أحداً وَما يُعِيدُ يعني: لا يقدر أن يحييه بعد الموت، والله تعالى يفعل ذلك.

ويقال: الْباطِلُ أيضاً الصنم.

وروى ابن مسعود أن النبيّ  دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول «جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ.

قُلْ: جاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِي البَاطِلُ وَمَا يعيد» .

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي المَلائِكَةَ ومَن عَبَدَها ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ وهَذا اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ لِلْعابِدِينَ؛ فَنَزَّهَتِ المَلائِكَةُ رَبَّها عَنِ الشِّرْكِ فـَ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ مِمّا أضافُوهُ إلَيْكَ مِنَ الشُّرَكاءِ ﴿ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ ﴾ أيْ: نَحْنُ نَتَبَرَّأُ إلَيْكَ مِنهُمْ، ما تَوَلَّيْناهم ولا اتَّخَذْناهم عابِدِينَ، ولَسْنا نُرِيدُ ولِيًّا غَيْرَكَ ﴿ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ ﴾ أيْ: يُطِيعُونَ الشَّياطِينَ في عِبادَتِهِمْ إيّانا ﴿ أكْثَرُهم بِهِمْ ﴾ أيْ: بِالشَّياطِينِ ﴿ مُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: مُصَدِّقُونَ لَهم فِيما يُخْبِرُونَهم مِنَ الكَذِبِ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فاليَوْمَ ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ ﴾ يَعْنِي العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ ﴿ نَفْعًا ﴾ بِالشَّفاعَةِ ﴿ وَلا ضَرًّا ﴾ بِالتَّعْذِيبِ ﴿ وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ فَعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ ﴿ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ ﴾ الآيَةُ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا والقُرْآنَ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وتَفْسِيرُها ظاهِرٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، ولَمْ يُكَذِّبُوا مُحَمَّدًا عَنْ يَقِينٍ، ولَمْ يَأْتِهِمْ قَبْلَهُ كِتابٌ ولا نَبِيٌّ يُخْبِرُهم بِفَسادِ أمْرِهِ، فَقالَ: ﴿ وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها ﴾ قالَ قَتادَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى العَرَبِ كِتابًا قَبْلَ القُرْآنِ وَلا بَعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيًّا قَبْلَ مُحَمَّدٍ؛ وهَذا مَحْمُولٌ عَلى الَّذِينَ أنْذَرَهم نَبِيُّنا [مُحَمَّدٌ]  ؛ وقَدْ كانَ إسْماعِيلُ نَذِيرًا لِلْعَرَبِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم مُخَوِّفًا لَهُمْ، فَقالَ: ﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ الكافِرَةَ ﴿ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما بَلَغَ كُفارُّ مَكَّةَ مِعْشارَ ما آتَيْنا الأُمَمَ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهم مِنَ القُوَّةِ والمالِ وطُولِ العُمُرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: ما بَلَغَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِعْشارَ ما أعْطَيْنا هَؤُلاءِ مِنَ الحُجَّةِ والبُرْهانِ.

والثّالِثُ: ما بَلَغَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِعْشارَ شُكْرِ ما أعْطَيْناهُمْ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

والمِعْشارُ: العُشْرُ.

والنَّكِيرُ: اسْمٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِي؛ وإنَّما حُذِفَتِ الياءُ، لِأنَّهُ آخِرُ آيَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ ﴾ ﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَقُولُونَ بِآرائِهِمْ في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وبَعْضُهُمُ: افْتِراءٌ، وهو مِنهم تَجَرُّؤٌ لا يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إلى إثارَةِ عِلْمٍ، ولا إلى خَبَرِ مَن يُقْبَلُ خَبَرُهُ، فَإنّا ما آتَيْناهم كُتُبًا يَدْرُسُونَها، ولا أرْسَلَنا إلَيْهِمْ نَذِيرًا فَيُمْكِنَهم أنْ يَدَّعُوا أنَّ أقْوالَهم تَسْتَنِدُ إلى أمْرِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَدْرُسُونَها" ﴾ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُدَّرِسُونَها" بِفَتْحِ الدالِّ وشَدِّها وكَسْرِ الراءِ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن نَذِيرٍ يُشافِهُهم بِشَيْءٍ، ولا يُباشِرُ أهْلَ عَصْرِهِمْ ولا مَن قَرُبَ مِن آبائِهِمْ، وإلّا فَقَدَ كانَتِ النِذارَةُ في العالَمِ وفي العَرَبِ مَعَ شُعَيْبٍ وصالِحٍ وهُودٍ، ودَعْوَةُ اللهِ وتَوْحِيدُهُ أمْرٌ قَدِيمٌ، لَمْ تَخْلُ الأرْضُ مِن داعٍ إلَيْهِ، فَإنَّما المَعْنى: مِن نَذِيرٍ يَخْتَصُّ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ بَعَثْناكَ إلَيْهِمْ، وقَدْ كانَ عِنْدَ العَرَبِ كَثِيرٌ مِن نِذارَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا  ﴾ ، ولَكِنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لِلنِّذارَةِ ولا قاتَلَ عَلَيْها إلّا مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ مَثَّلَ لَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في ﴿ "بَلَغُوا" ﴾ عَلى قُرَيْشٍ، وفي ﴿ "آتَيْناهُمْ" ﴾ عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والمَعْنى: مِنَ القُوَّةِ والنِعَمِ والظُهُورِ في الدُنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، والثانِي بِالعَكْسِ، والمَعْنى: مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ والنُورِ الَّذِي جِئْتَهم بِهِ، والثالِثُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: مِن شُكْرِ النِعْمَةِ وجَزاءِ المِنَّةِ.

و"المِعْشارُ": العُشْرُ، ولَمْ يَأْتِ هَذا البِناءُ إلّا في العَشَرَةِ والأرْبَعَةِ، فَقالُوا: مِرْباعٌ ومِعْشارٌ، وقالَ قَوْمٌ: المِعْشارُ: عُشْرُ العُشْرِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ.

و"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ كالإنْكارِ في المَعْنى، وكالعَرِينِ في الوَزْنِ، وسَقَطَتِ الياءُ مِنهُ تَخْفِيفًا لِأنَّها آخِرُ آيَةٍ، و"كَيْفَ" تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ، ولَيْسَتِ اسْتِفْهامًا مُجَرَّدًا، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ، أيْ: أنَّهم مُعَرَّضُونَ لِنَكِيرٍ مِثْلِهِ.

ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ  أنْ يَدْعُوَهم إلى عِبادَةِ اللهِ، والنَظَرِ في حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ هُوَ، ويَعِظَهم بِأمْرٍ يَقْرُبُ لِلْأفْهامِ، فَقَوْلُهُ: "بِواحِدَةٍ" مَعْناهُ: بِقَضِيَّةٍ واحِدَةٍ إيجازًا لَكم وتَقْرِيبًا عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "واحِدَةٍ".

وقَوْلُهُ: ﴿ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالطاعَةِ والإخْلاصِ والعِبادَةِ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها هَذِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها أنْ يَتَفَكَّرُوا في أمْرِهِ هُوَ، هَلْ بِهِ جِنَّةٌ أو هو بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ؟

والوَقْفُ عِنْدَ أبِي حاتِمٍ "تَتَفَكَّرُوا"، فَيَجِيءُ "ما بِصاحِبِكُمْ" نَفْيًا مُسْتَأْنَفًا، وهو عِنْدُ سِيبَوَيْهِ جَوابُ ما تَنَزَّلَ مَنزِلَةَ القَسَمِ؛ لِأنَّ "تَفَكَّرَ" مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعْطِي التَحْقِيقَ كَتَبَيَّنَ، وتَكُونُ الفِكْرَةُ - عَلى هَذا - في آياتِ اللهِ والإيمانِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقِيامِهِمْ أنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللهِ في مَعْنى التَفَكُّرِ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها "أنْ يَقُومُوا"، لِمَعْنى: أنْ تَقُومُوا لِلْفِكْرَةِ في أمْرِ حاجَتِهِمْ، وكَأنَّ المَعْنى أنْ يُفَكِّرَ الواحِدُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ويَتَناظَمَ الِاثْنانِ عَلى جِهَةِ طَلَبِ التَحْقِيقِ، هَلْ بِمُحَمَّدٍ -  - جِنَّةٌ أمْ لا؟

وعَلى هَذا لا يُوقَفُ عَلى الفِكْرَةِ.

وقَدَّمَ المُثَنّى لِأنَّ الحَقائِقَ مِن مُتَعاضِدَيْنِ في النَظَرِ أجْدى مِن فِكْرَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا انْقَدَحَ الحَقُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَكَّرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بَعْدَ ذَلِكَ فَيَزِيدُ بَصِيرَةً، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: إذا اجْتَمَعُوا جاءُوا بِكُلِّ غَرِيبَةٍ ∗∗∗ فَيَزْدادُ بَعْضُ القَوْمِ مِن بَعْضِهِمْ عِلْما وقَرَأ يَعْقُوبُ: "ثُمَّ تَفَكَّرُوا" بِتاءٍ واحِدَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ (بِواحِدَةٍ) مَعْناهُ: بِلا إلَهٍ إلّا اللهُ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا تُعْطِيهِ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ: "بَيْنَ يَدَيْ" مُرَتَّبٌ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا  جاءَ في الزَمَنِ مِن قَبْلِ العَذابِ الشَدِيدِ الَّذِي تُوُعِّدُوا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعيد فعل ﴿ قل ﴾ للاهتمام بالمقول كما تقدم آنفاً.

وجملة ﴿ قل جاء الحق ﴾ تأكيد لجملة ﴿ قل إن ربي يقذف بالحق ﴾ [سبأ: 48] فإن الحق قد جاء بنزول القرآن ودعوة الإِسلام.

وعُطف ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيد ﴾ على ﴿ جاء الحق ﴾ لأنه إذا جاء الحق انقشع الباطل من الموضع الذي حلّ فيه الحق.

و ﴿ يبدئ ﴾ مضارع أبدأَ بهمزة في أوله وهمزة في آخره والهمزة التي في أوله للزيادة مثل همزة: أجاء، وأسرى.

وإسناد الإِبداء والإِعادة إلى الباطل مجاز عقلي أو استعارة.

ومعنى ﴿ ما يبدئ الباطل وما يعيد ﴾ الكناية عن اضمحلاله وزواله وهو ما عبر عنه بالزهوق في قوله تعالى: ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ في سورة الإِسراء (81).

وذلك أن الموجود الذي تكون له آثارٌ إمّا أن تكون آثاره مستأنفة أو معادة فإذا لم يكن له إِبداء ولا إعادة فهو معدوم وأصله مأخوذ من تصرف الحي فيكون ما يبدئ وما يعيد } كناية عن الهلاك كما قال عَبيد بن الأبرص: أفقر من أهله عَبيد *** فاليوم لا يُبدي ولا يعيد (يعني نفسه).

ويقولون أيضاً: فلان ما يبدئ وما يعيد، أي ما يتكلم ببادئة ولا عائدة، أي لا يرتجل كلاماً ولا يجيب عن كلام غيره.

وأكثر ما يستعمل فعل (أبدأ) المهموز أوله مع فعل (أعاد) مزدوجين في إثبات أو نفي، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ﴾ في سورة العنكبوت (19).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: بِالقُرْآنِ لِأنَّهُ يَجْمَعُ كُلَّ المَواعِظِ.

﴿ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ﴾ يَعْنِي أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ بِالحَقِّ، ولَمْ يُرِدِ القِيامَ عَلى الأرْجُلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ  ﴾ .

وفي قَوْلِهِ: ﴿ مَثْنى وفُرادى ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ جَماعَةً وفُرادى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مُنْفَرِدًا بِرَأْيِهِ ومُشاوِرًا لِغَيْرِهِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ.

الثّالِثُ: مُناظِرًا مَعَ غَيْرِهِ ومُفَكِّرًا في نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ المَثْنى عَمَلُ النَّهارِ، والفُرادى عَمَلُ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ في النَّهارِ مُعانٌ وفي اللَّيْلِ وحِيدٌ.

﴿ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: أيْ لَيْسَ بِمُحَمَّدٍ جُنُونٌ.

﴿ إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  سَألَ كُفّارَ قُرَيْشٍ ألّا يُؤْذُوهُ ويَمْنَعُوا مِنهُ لِقَرابَتِهِ مِنهم حَتّى يُؤَدِّيَ رِسالَةَ رَبِّهِ، فَسَمِعُوهُ يَذْكُرُ اللّاتَ والعُزّى في القُرْآنِ فَقالُوا يَسْألُنا ألّا نُؤْذِيَهُ لِقَرابَتِهِ مِنّا ويُؤْذِينا بِسَبِّ آلِهَتِنا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ قال: بطاعة الله ﴿ أن تقوموا لله مثنى وفرادى ﴾ قال: واحداً واثنين.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ قال: بلا إله إلا الله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ قال: لا إله إلا الله.

وفي قوله: ﴿ أن تقوموا لله ﴾ قال: ليس بالقيام على الأرجل كقوله: ﴿ كونوا قوامين بالقسط ﴾ [ النساء: 135] .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في الآيه قال: يقوم الرجل مع الرجل أو وحده، فيتفكر ما بصاحبكم من جنة يقول: إنه ليس بمجنون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أعطيت ثلاثاً لم يعطهن نبي قبلي ولا فخر.

أحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، كانوا يجمعون غنائمهم فيحرقونها.

وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه.

وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أتيمم بالصعيد، وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة قال الله تعالى ﴿ أن تقوموا لله مثنى وفرادى ﴾ .

وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ ﴾ قال ابن عباس: يريد الدين والإيمان (١) (٢) (٣) وقال أبو إسحاق: جاء أمر الله الذي هو الحق (٤) ﴿ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ أي: ذهب ذهابًا كليًا وزهق فلم يبق له بقية، ويقال: لكل ذاهب ما يبدي وما يعيد، ومنه قول عبيد: فاليوم لا يبدئ ولا يعيد (٥) وهذا معنى قول ابن عباس: يريد إقبال الباطل وإدباره (٦) وقال قتادة: الباطل: السلطان (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) وقال الحسن: الباطل كل معبود من دون الله، بقول ما يبدي لأهله خيرًا في الدنيا وما يعيده في الآخرة (١٢) (١) لم أقف عليه.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.

(٣) ونسب هذا القول لقتادة.

انظر: "تفسير الطبري" 22/ 106، "تفسير الماوردي" 4/ 457.

(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 258.

(٥) عجز بيت، وصدره: أقفر من أهله عبيد وهو من البسيط لعبيد بن الأبرص في "ديوانه" ص 45 "الشعر والشعراء" ص 144، "شعراء النصرانية" 4/ 601، "اللسان" 5/ 110، كتاب "العين" 5/ 151.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) هكذا في النسخ!

وهو تصحيف، والصواب: الشيطان.

(٨) (يبدي) مكررة في (ب).

(٩) (أي) ساقطة من (ب).

(١٠) انظر: "الوسيط" (3/ 499)، "القرطبي" 14/ 313، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 425.

(١١) انظر "تفسير مقاتل" 101/ أ، "الوسيط" 3/ 499.

(١٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 222 ب <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحق ﴾ القذف الرمي ويستعار للإلقاء، فالمعنى يلقي الحق إلى أصفيائه، أو يرمي الباطل بالحق فيذهبه ﴿ عَلاَّمُ الغيوب ﴾ خبر ابتداء مضمر أو بدل من الضمير في ﴿ يَقْذِفُ ﴾ أو من اسم إن على الموضع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.

﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.

الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.

﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.

الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.

الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.

وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.

الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.

الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.

الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".

الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.

التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله  ﴿ هو الذي خلقكم من طين  ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله  ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة  ﴾ وقال  في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.

واعلم أنه  وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.

ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.

ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.

وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.

ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.

وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.

وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".

وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.

ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.

وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.

وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.

وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.

ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد  هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.

وأولو العلم هم أصحاب الرسول  والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.

ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.

وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.

والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.

ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي  كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.

ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.

والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.

وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.

وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.

وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.

وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.

وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.

ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب  ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب  ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.

ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.

قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.

والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.

وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.

وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.

و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.

﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.

والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه فقيض الله  ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.

فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.

وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.

وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.

ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.

ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.

يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.

ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.

روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.

زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو  يففقه تسبيحهم فيسبح.

والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.

وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.

والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.

والمراد بالشياطين ناس أقوياء.

ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.

وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.

أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.

وههنا نكتة وهي أن الله  ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.

لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.

وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.

وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.

وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.

وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.

قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.

وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.

ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".

والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.

ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.

والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.

ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.

ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.

وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.

وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.

قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.

يروى أن داود  جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.

وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.

يروى أن داود  أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.

فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟

فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟

فقالت: لخراب هذا المسجد.

فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.

فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.

فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.

فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟

فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.

والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.

والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.

وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.

أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.

وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.

وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.

ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.

عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.

قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  ﴾ .

وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.

وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.

وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.

وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب  ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.

وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.

ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.

يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.

وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.

وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.

والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.

ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.

والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.

والخمط شجر الأراك.

أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.

الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.

والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.

عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.

من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.

قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله  ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.

وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.

وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.

﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.

ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.

قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.

والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.

ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.

ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.

ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.

ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.

واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.

وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.

والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.

ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.

وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم  ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.

ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.

ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.

والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.

التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.

﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.

يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.

كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا  "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.

قال جبرائيل  : لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.

فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.

فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.

﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.

وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.

﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ : الملائكة ومن عندهم، ثم نقول للملائكة: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ ؛ لأنه قال لهم: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ .

ليس قول الملائكة فيما خاطبهم ربهم لما خوطبوا بقوله: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ ؛ حيث قالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ ؛ لأنه قال لهم: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ ؛ فجوابهم أن يقولوا: بلى أو لا، فأما أن يكون قولهم: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ أعلم منا - ﴿ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ...

﴾ الآية - جواباً لذلك؛ فلا يحتمل إلا أن يقال: إن أولئك الكفرة ادعوا على الملائكة الأمر لهم بالعبادة إياهم دون الله؛ فهنالك يحتمل أن يقول: أهؤلاء عن أمركم عبدوكم؛ فعند ذلك قالو: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ ، ونحن براء منهم، ما أمرناهم بعبادتنا، وأنت أعلم منا، بل كانوا يعبدون الجن؛ بل كانوا أطاعوا أمر الجن والشياطين في ذلك؛ إذ لو كنا أمرناهم بذلك - لم نكن أولياءك، ولا كنت أنت ولينا من دونهم، وهذا كما يقول لعيسى؛ حيث قال الله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقد كان علم - جل وعلا - أنه لم يقل ذلك، ولكن كأن أولئك ادّعوا عليه الأمر والقول لهم في ذلك، فذكر ذلك لعيسى؛ تعييراً لهم وتوبيخاً على صنيعهم، وإظهاراً لكذبهم في دعواهم؛ فعلى ذلك الأول يحتمل أن يخرج على ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ ﴾ .

هم كانوا لا يقصدون عبادة الجن؛ ولكن لما بأمرهم كانوا يعبدون ما يعبدون؛ نسب العبادة إليهم كقوله: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ  ﴾ وهو كقول إبراهيم: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ، وهم كانوا لا يقصدون بعبادتهم الشيطان، لكنهم لما عبدوا من دونه بأمر الشيطان - نسب العبادة إليه؛ كأنهم عبدوه.

وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ .

أي: لا يملك يوم القيامة ما أملوا أو طمعوا من عبادتهم لأولئك من التقريب لهم إلى الله زلفى، والشفاعة لهم عنده؛ لقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ يقول: لا يملك بعضكم لبعض ما أملوا أو طمعوا من عبادتهم لأولئك.

﴿ وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ .

أي: كنتم تكذبون الرسل بما أوعدكم بها في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: جاء الحق الذي هو الاسلام، وزال الباطل الذي لا يبدو له أي أثر أو قوة ولا يعود إلى نفوذه.

<div class="verse-tafsir" id="91.rozP3"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله