الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٥٠ من سورة سبأ
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٠ من سورة سبأ: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ) أي : الخير كله من عند الله ، وفيما أنزله الله عز وجل من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد ، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه ، كما قال عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة : أقول فيها برأيي ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه .
وقوله : ( إنه سميع قريب ) أي : سميع لأقوال عباده ، قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه .
وقد روى النسائي هاهنا حديث أبي موسى الذي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنما تدعون سميعا " قريبا مجيبا " .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك: إن ضللت عن الهدى فسلكت غير طريق الحق، إنما ضلالي عن الصواب على نفسي، يقول: فإن ضلالي عن الهدى على نفسي ضره، (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ) يقول: وإن استقمت على الحق (فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) يقول: فبوحي الله الذي يوحِي إلي، وتوفيقه للاستقامة على محجة الحق وطريق الهدى.
وقوله (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) يقول: إن ربي سميع لما أقول لكم حافظ له، وهو المجازي لي على صدقي في ذلك، وذلك مني غير بعيد، فيتعذر عليه سماع &; 20-421 &; ما أقول لكم، وما تقولون، وما يقوله غيرنا، ولكنه قريب من كل متكلم يسمع كل ما ينطق به، أقرب إليه من حبل الوريد.
قوله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب .قوله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وذلك أن الكفار قالوا تركت دين آبائك فضللت .
فقال له : قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي .
وقراءة العامة ضللت بفتح اللام .
وقرأ يحيى بن وثاب وغيره : ( قل إن ضللت ) بكسر اللام وفتح الضاد من ( أضل ) ، والضلال والضلالة ضد الرشاد .
وقد ضللت ( بفتح اللام ) أضل ( بكسر الضاد ) ، قال الله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي فهذه لغة نجد وهي [ ص: 282 ] الفصيحة .
وأهل العالية يقولون ( ضللت ) بالكسر ( أضل ) ، أي إثم ضلالتي على نفسي .
وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي من الحكمة والبيان إنه سميع قريب أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة .
وقيل وجه النظم : قل إن ربي يقذف بالحق ويبين الحجة ، وضلال من ضل لا يبطل الحجة ، ولو ضللت لأضررت بنفسي ، لا أنه يبطل حجة الله ، وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سميع قريب .
ولما تبين الحق بما دعا إليه الرسول, وكان المكذبون له, يرمونه بالضلال, أخبرهم بالحق, ووضحه لهم, وبين لهم عجزهم عن مقاومته, وأخبرهم أن رميهم له بالضلال, ليس بضائر الحق شيئا, ولا دافع ما جاء به.وأنه إن ضل - وحاشاه من ذلك, لكن على سبيل التنزل في المجادلة - فإنما يضل على نفسه, أي: ضلاله قاصر على نفسه, غير متعد إلى غيره.{ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ } فليس ذلك من نفسي, وحولي, وقوتي, وإنما هدايتي بما { يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي } فهو مادة هدايتي, كما هو مادة هداية غيري.
إن ربي { سَمِيعٌ } للأقوال والأصوات كلها { قَرِيبٌ } ممن دعاه وسأله وعبده.
( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ) وذلك أن كفار مكة كانوا يقولون له : إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك ، فقال الله تعالى : ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ) أي : إثم ضلالتي على نفسي ( وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ) من القرآن والحكمة ( إنه سميع قريب )
«قل إن ضللت» عن الحق «فإنما أضل على نفسي» أي إثم ضلالي عليها «وإن اهتديت فيما يوحي إليَّ ربي» من القرآن والحكمة «إنه سميع» للدعاء «قريب».
قل: إن مِلْت عن الحق فإثم ضلالي على نفسي، وإن استقمت عليه فبوحي الله الذي يوحيه إليَّ، إن ربي سميع لما أقول لكم، قريب ممن دعاه وسأله.
ثم أمره - سبحانه - للمرة الخامسة أن يصارحهم بأنه مسئول أمام الله عما يرشدهم إليه ، وأنهم ليسوا مسؤولين عن هدايته أو ضلاله ، فقال - تعالى - : ( قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ على نَفْسِي وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ) .أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الإِرشاد والتنبيه ، إنى إن ضللت عن الصراط المستقيم ، وعن ابتاع الحق ، فإنهما غثم ضلالى على نفسى وحدها لا عليكم ، وإن اهتديت إلى طريق الحق والصواب ، فاهتدائى بسبب ما يوحيه الله - تعالى - إلى من توجيهات حكيمة ، وإرشادات قويمة ، ( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( سَمِيعٌ ) لكل شئ ( قَرِيبٌ ) منى ومنكم .وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة قد أمرت الرسول صلى الله عليه وسلم خمس مرات ، أن يخاطب المشركين بما يقطع عليهم كل طريق للتشكيك فى شأن دعوته ، وبما يوصلهم إلى طريق الهداية والسعادة لو كانوا يعقلون :
هذا فيه تقرير الرسالة أيضاً وذلك لأن الله تعالى قال على سبيل العموم: ﴿ مَّنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ ﴾ وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى ﴾ يعني ضلالي على نفسي كضلالكم، وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم، وإنما هو بالوحي المبين، وقوله: ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ ﴾ أي يسمع إذا ناديته واستعديت به عليكم قريب يأتيكم من غير تأخير، ليس يسمع عن بعد ولا يلحق الداعي.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ ضللت أضلّ ﴾ بفتح العين مع كسرها.
وضللت أضلّ، بكسرها مع فتحها، وهما لغتان، نحو: ظللت أظلّ وظللت أظل.
وقرئ: ﴿ إضلّ ﴾ بكسر الهمزة مع فتح العين.
فإن قلت: أين التقابل بين قوله: ﴿ فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى ﴾ وقوله: ﴿ يُوحِى إِلَىَّ رَبّى ﴾ وإنما كان يستقيم أن يقال: فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت فإنما اهتدى لها، كقوله تعالى: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ﴾ [فصلت: 46] فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها.
أو يقال: فإنما أضلّ بنفسي.
قلت: هما متقابلان من جهة المعنى؛ لأنّ النفس كل ما عليها فهو بها، أعني: أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بها وبسببها: لأنّ الأمّارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عامّ لكل مكلف، وإنما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسنده إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة حمله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ يدرك قول كل ضالّ ومهتد، وفعله لا يخفى عليه منهما شيء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنْ ضَلَلْتُ ﴾ عَنِ الحَقِّ.
﴿ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي ﴾ فَإنَّ وبالَ ضَلالِي عَلَيْها لِأنَّهُ بِسَبَبِها إذْ هي الجاهِلَةُ بِالذّاتِ والأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ قابِلَ الشُّرْطِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي ﴾ فَإنَّ الِاهْتِداءَ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ.
﴿ إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ يُدْرِكُ قَوْلَ كُلِّ ضالٍّ ومُهْتَدٍ وفِعْلَهُ وإنْ أخْفاهُ.
<div class="verse-tafsir"
ولما قالوا قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى {قُلْ إِن ضَلَلْتُ} عن الحق {فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى} إن ضللت فمني وعليّ {وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ ربي} أى فبتسديده بالوحي إلي وكان قياس التقابل أن يقال وإن اهتديت فإنما أهتدي لها كقوله فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ولكن هما متقابلان معنى لأن النفس كل ما عليها وضار لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء ومالها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه وهذا حكم عام لكل مكلف وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به {إِنَّهُ سَمِيعٌ} لما أقوله لكم {قَرِيبٌ} مني ومنكم يجازيني ويجازيكم
﴿ قُلْ إنْ ضَلَلْتُ ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي ﴾ أيْ عائِدًا ضَرَرَ ذَلِكَ ووَبالَهُ عَلَيْها فَإنَّها الكاسِبَةُ لِلشُّرُورِ والأمّارَةُ بِالسُّوءِ ﴿ وإنِ اهْتَدَيْتُ ﴾ إلى الحَقِّ ﴿ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي ﴾ فَإنَّ الِاهْتِداءَ بِهِدايَتِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وكانَ الظّاهِرُ وإنِ اِهْتَدَيْتُ فَلَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها ﴾ أوْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ بِنَفْسِي لِيَظْهَرَ التَّقابُلُ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ اِكْتِفاءً بِالتَّقابُلِ بِحَسَبِ المَعْنى لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أجْمَعَ، فَإنَّ كُلَّ ضَرَرٍ فَهو مِنَ النَّفْسِ وبِسَبَبِها وعَلَيْها وبالُهُ، وقَدْ دَلَّ لَفْظُ عَلى في القَرِينَةِ الأُولى عَلى مَعْنى اللّامِ في الثّانِيَةِ والباءُ في الثّانِيَةِ عَلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ في الأُولى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ بِسَبَبِ نَفْسِي عَلى نَفْسِي، وإنْ اِهْتَدَيْتُ فَإنَّما أهْتَدِي لِنَفْسِي بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا بِما ﴿ يُوحِي إلَيَّ رَبِّي ﴾ لِأنَّهُ لازَمَهُ، وجَعْلُ عَلى لِلتَّعْلِيلِ وإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ التَّقابُلُ اِرْتِكابٌ لِخِلافِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى القَرِينَةِ الأُولى قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلَيَّ لا عَلى غَيْرِي، ولا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّقابُلِ مُطْلَقًا، والحُكْمُ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عامٌّ، وإنَّما أمَرَ أنْ يُسْنِدَهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّ الرَّسُولَ إذا دَخَلَ تَحْتَهُ مَعَ جَلالَةِ مَحَلِّهِ وسِدادِ طَرِيقَتِهِ كانَ غَيْرُهُ أوْلى بِهِ، وقالَ الإمامُ: أيْ إنَّ ضَلالَ نَفْسِي كَضَلالِكم لِأنَّهُ صادِرٌ مِن نَفْسِي ووَبالُهُ عَلَيْها وأمّا اِهْتِدائِي فَلَيْسَ كاهْتِدائِكم بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وإنَّما هو بِالوَحْيِ المُنِيرِ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الحُكْمَيْنِ عِنْدَهُ مُخْتَصًّا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيما ذَكَرَهُ دَلالَةٌ عَلى ما قالَهُ الطِّيبِيُّ عَلى أنَّ دَلِيلَ النَّقْلِ أعْلى وأفْخَمُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ وفِيهِ بَحْثٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ المُقْرِئُ «ضَلِلْتُ» بِكَسْرِ اللّامِ و«أضَلُّ» بِفَتْحِ الضّادِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وكَسَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَمْزَةَ «أضِلُّ» وقُرِئَ «رَبِّيَ» بِفَتْحِ الياءِ.
﴿ إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ قَوْلُ كُلٍّ مِنَ المُهْتَدِي والضّالِّ وفِعْلُهُ وإنْ بالَغَ في إخْفائِهِما فَيُجازِي كُلًّا بِما يَلِيقُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قُلْ يا محمد إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي يعني: وزور الضلال على نفسي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ إلى الحق والهدى فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي يعني: اهتديت بما يُوحَى إِلَىَّ من القرآن إِنَّهُ سَمِيعٌ للدعاء قَرِيبٌ بالإجابة ممن دعاه.
وقيل للنابغة حين أسلم: أصبوت؟
يعني: آمنت بمحمد .
قال: بلى.
هو غلبني بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل.
فأردت أن أقول ثلاثة أبيات من الشعر على قافيتها.
فلما سمعت هذه الآيات فعييت فيها ولم أطق، فعلمت أنه ليس من كلام البشر وهي هذه قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.
قوله عز وجل: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا يعني: خافوا من العذاب فَلا فَوْتَ يعني: فلا نجاة لهم منها وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ.
روي عن الكلبي أنه قال: نزلت الآية في قوم يقال لهم: السفيانية يخرجون في آخر الزمان، عددهم ثلاثون ألف رجل إلى أن يبلغوا أرض الحجاز.
فافترقوا فرقتين.
فتقدمت فرقة إلى موضع يقال له: بيداء، صاح بهم جبريل- - صيحة، فخسف بهم الأرض كلهم إلا واحداً منهم ينجو.
فيحول وجهه إلى خلفه.
فيرجع إلى الفرقة الأخرى، فيخبرهم بما أصابهم يعني: ولو ترى يا محمد فزعهم حين صاح بهم جبريل- - فَلا فَوْتَ أي: لا يفوت منهم فائت وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يعني: خسف بهم البيداء بقرب مكة.
ويقال: يعني: يوم القيامة.
وَلَوْ تَرى يا مُحَمَّدٌ إِذْ فَزِعُوا حين نزل بهم العذاب يوم القيامة فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ كما قال: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ [النازعات: 36] .
وقال الحسن: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا من قبورهم يوم القيامة وقال الضحاك: يعني: يوم بدر.
ثم قال عز وجل: وَقالُوا آمَنَّا بِهِ يعني: العذاب حين رأوه، يقول الله تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ يعني: من أين لهم التوبة.
ويقال: من أين لهم الرجفة.
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في إحدى الروايتين التناؤش بالهمز.
وقرأ الباقون بغير همز.
فمن قرأ بالهمز فهو من التَّناوُشُ وهو الحركة في إبطاء.
والمعنى من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه.
ومن قرأ بغير همز فهو من التناول.
ويقال: تناول إذا مدّ يده إلى شيء ليصل إليه، وتناوش يده إذا مدّ يده إلى شيء لا يصل إليه.
ثم قال: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعني: من الآخرة إلى الدنيا.
وروي عن ابن عباس أنه قال: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قال: سألوا الرد حين لا رد.
ثم قال عز وجل: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ يعني: كفروا بالله من قبل الموت.
ويقال به، يعني: بمحمد ويقال: بالقرآن وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ يعني: يتكلمون بالظن في الدنيا مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أنه لا جنة ولا نار ولا بعث.
ثم قال: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ يعني: من الرجفة إلى الدنيا ويقال: من التسوية.
كيف ينالون التسوية في هذا الوقت وقد كفروا به من قبل كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ يعني: الأقدمون أهل دينهم، الأولون من قبل الأشياع جمع الجمع.
يقال: شيعة وشيع وأشياع.
ثم قال: إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ يعني: هم في شكّ مما نزل بهم مريب.
يعني: إنهم لا يعرفون شكهم.
وقال القتبي في قوله: فلا فوت يعني: لا مهرب ولا ملجأ وهذا مثل قوله: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ [ص: 3] أي: نادوا حين لا مهرب والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أعِظُكُمْ ﴾ أيْ: آمُرُكم وأُوصِيكم ﴿ بِواحِدَةٍ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: طاعَةُ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها قَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.
والمَعْنى: أنَّ الَّتِي أعِظُكم بِها، قِيامُكم وتَشْمِيرُكم لِطَلَبِ الحَقِّ، ولَيْسَ بِالقِيامِ عَلى الأقْدامِ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مَثْنى ﴾ أيْ: يَجْتَمِعُ اثْنانِ فَيَتَناظَرانِ في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ، والمُرادُ بِـ ﴿ فُرادى ﴾ : أنْ يَتَفَكَّرَ الرَّجُلُ وحْدَهُ، ومَعْنى الكَلامِ: لِيَتَفَكَّرِ الإنْسانُ مِنكم وحْدَهُ، ولْيَخْلُ بِغَيْرِهِ، ولِيُناظِرْ، ولْيَسْتَشِرْ، فَيَسْتَدِلَّ بِالمَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، ويُصَدِّقَ الرَّسُولَ عَلى اتِّباعِهِ، ولْيَقُلِ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: هَلُمَّ فَلْنَتَصادَقْ هَلْ رَأيْنا بِهَذا الرَّجُلِ جِنَّةً قَطُّ، أوْ جَرَّبْنا عَلَيْهِ كَذِبًا قَطُّ.
وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ ﴾ ، وفِيهِ اخْتِصارٌ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا لِتَعْلَمُوا صِحَّةَ ما أمَرْتُكم بِهِ وأنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، ﴿ إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ في الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ ﴾ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿ فَهُوَ لَكُمْ ﴾ والمَعْنى: ما أسْألُكم شَيْئًا؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ القائِلِ ما لِي في هَذا فَقَدْ وهَبْتُهُ لَكَ، يُرِيدُ: لَيْسَ لِي فِيهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: يُلْقِي الوَحْيَ إلى أنْبِيائِهِ ﴿ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: " عَلّامَ " بِنَصْبِ المِيمِ.
﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ وهو الإسْلامُ والقُرْآنُ.
وَفِي المُرادِ بِالباطِلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ، لا يَخْلُقُ أحَدًا ولا يَبْعَثُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الأصْنامُ، لا تُبْدِئُ خَلْقًا ولا تُحْيِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: لا يَبْتَدِئُ الصَّنَمُ مِن عِنْدِهِ كَلامًا فَيُجابَ، ولا يَرُدُّ ما جاءَ مِنَ الحَقِّ بِحُجَّةٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الباطِلُ الَّذِي يُضادُّ الحَقَّ؛ فالمَعْنى: ذَهَبَ الباطِلُ بِمَجِيءِ الحَقِّ، فَلَمْ تَبْقَ مِنهُ بَقِيَّةٌ يُقْبِلُ بِها أوْ يُدْبِرُ أوْ يُبْدِئُ أوْ يُعِيدُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي ﴾ أيْ: إثْمُ ضَلالَتِي عَلى نَفْسِي، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ زَعَمُوا أنَّهُ قَدْ ضَلَّ حِينَ تَرَكَ دِينَ آبائِهِ ﴿ وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي ﴾ مِنَ الحِكْمَةِ والبَيانِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ ﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ أمَرَهُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِالتَبَرِّي مِن طَلَبِ الدُنْيا وطَلَبِ الأجْرِ عَلى الرِسالَةِ، وتَسْلِيمِ كُلِّ دُنْيًا إلى أرْبابِها، والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ في الأجْرِ وجَزاءِ الحَدِّ، والإقْرارِ بِأنَّهُ شَهِيدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ البَشَرِ وأقْوالِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ يُرِيدُ: بِالوَحْيِ وآياتِ القُرْآنِ، واسْتَعارَ لَهُ القَذْفَ مِن حَيْثُ كانَ الكَفّارُ يَرْمُونَ بِآياتِهِ وحِكَمِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلّامُ" بِالرَفْعِ، أيْ: هو عَلّامُ، ونَصَبَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، إمّا عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ "إنَّ"، أو عَلى المَدْحِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهُوَ عَلّامُ الغُيُوبِ"، وقَرَأ عاصِمٌ: "الغِيُوبِ" بِكَسْرِ الغَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ يُرِيدُ الشَرْعَ وأمْرَ اللهِ ونَهْيَهُ، وقالَ قَوْمٌ: يَعْنِي السَيْفَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ غَيْرُ الحَقِّ، مِنَ الكَذِبِ والكُفْرِ ونَحْوِهِ، اسْتَعارَ لَهُ الإبْداءَ والإعادَةَ ونَفاهُما عنهُ، كَأنَّهُ قالَ: وما يَصْنَعُ الباطِلُ شَيْئًا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الباطِلُ: الشَيْطانُ، والمَعْنى: ما يَفْعَلُ الباطِلُ شَيْئًا مُفِيدًا، أيْ: لَيْسَ يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: وأيُّ شَيْءٍ يَصْنَعُ الباطِلُ؟
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ضَلَلْتُ" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ، "فَإنَّما أضِلُّ" بِكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ: "ضَلِلْتُ" بِكَسْرِ اللامِ "أضَلُّ" بِفَتْحِ اللامِ، وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "فَبِما" ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، و"قَرِيبٌ" مَعْناهُ: بِإحاطَتِهِ وإجابَتِهِ وقُدْرَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى ﴾ الآيَةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هَذا في عَذابِ الدُنْيا، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ أبْزى قالَ: ذَلِكَ في جَيْشٍ يَغْزُو الكَعْبَةَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ في بَيْداءَ مِنَ الأرْضِ، ولا يَنْجُو إلّا رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ، فَيُخْبِرُ الناسَ بِما نالَ الجَيْشَ، قالُوا: بِسَبَبِهِ قِيلَ: وعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ مُطَوَّلٌ عن حُذَيْفَةَ، ورَوى الطَبَرِيُّ أنَّهُ ضَعِيفُ السَنَدِ مَكْذُوبٌ فِيهِ عَلى داوُدَ بْنِ الجَرّاحِ وقالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ في الكُفّارِ في بَدْرٍ ونَحْوِها.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في الكُفّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ في القِيامَةِ.
وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ عِنْدِي.
وأمّا مَعْنى الآيَةِ فَهو التَعَجُبُ مِن حالِهِمْ إذا فَزِعُوا مِن أخْذِ اللهَ إيّاهُمْ، ولَمْ يَتَمَكَّنْ لَهم أنْ يَفُوتَ مِنهم أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ مَعْناهُ: أنَّهم لِلْقُدْرَةِ قَرِيبٌ حَيْثُ كانُوا، قِيلَ: مِن تَحْتِ الأقْدامِ، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، والَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَها أنْ يُقالَ: إنَّ الأخْذَ يَجِيئُهم مَن قُرْبٍ في طُمَأْنِينَتِهِمْ، بَيْنا الكافِرُ يُؤَمِّلُ ويَظُنُّ ويَتَرَجّى إذْ غَشِيَهُ الأخْذُ، ومَن غَشِيَهُ أُخِذَ مِن قَرِيبٍ فَلا حِيلَةَ لَهُ ولا رَوِيَّةَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُخِذُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَلا فَوْتَ وأخْذٌ"، كَأنَّهُ قالَ: وحالُهم أخْذٌ.
<div class="verse-tafsir"
لما جرى ذكر الحق والباطل وكانوا يزعمون من مجموع أقوالهم أن النبي عليه الصلاة والسلام غير صادق في دعوى الرسالة من الله كانت أقوالهم تقتضي زعمهم إياه على ضلال وكان الردّ عليهم قاطعاً بأنه على هدى بقوله: ﴿ قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ﴾ [سبأ: 49] انتُقل هنا إلى متاركة جِدالهم وتركهم وشأنَهم لقلة جدوى مراجعتهم.
وهذا مَحْضَر خاص وطَيّ بساط مجلس واحد، فلا يقتضي أنه يستمر على ترك مجادلتهم لأن الواقع ينافي ذلك فقد نزل القرآن بعد ذلك طويلاً مشتملاً على دعوتهم وتحذيرهم وإنذارهم.
وصيغة القصر التي في قوله: ﴿ فإنما أضل على نفسي ﴾ لقصر الضلال المفروض، أي على نفسي لاَ عليكم لأنهم كانوا يحاولون أن يقلعَ عمَّا دعاهم إليه ولم يقتصروا على صدودهم.
وتعدية ﴿ أَضل ﴾ بحرف ﴿ على ﴾ تتضمن استعارة مكنية إذ شُبه الضلال بجريرة عليه فعدّاه بالحرف الشائع استعماله في الأشياء المكرَه عليها غير الملائمة، عكس اللام، وذكر حرف الاستعلاء تخييل للمكنية ولا يُقال: ضُمِّن ﴿ أَضِلّ ﴾ معنى أَجنِي، لأن ﴿ ضللت ﴾ الذي هو فعل الشرط المفروض غير مضمن معنى فعل آخر.
وأما قوله: ﴿ وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي ﴾ فكالاحتراس من أن يكون حاله مقتصراً على فرض كونه مظنة الضلال مع ما فيه من الاعتراف لله بنعمته بأن ما يناله من خير فهو بإرشاد الله لا من نفسه لأنه ما كان يصِل لذلك وهو مغمور بأمة جاهلية لولا إرشاد الله إياه كما قال تعالى: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ [الشورى: 52].
واختير في جانب الهدى فعل ﴿ اهتديت ﴾ الذي هو مطاوع (هَدَى) لما فيه من الإِيماء إلى أن له هادياً، وبيَّنه بقوله: ﴿ فبما يوحي إلي ربي ﴾ ليحصل شكره لله إجمالاً ثم تفصيلاً، وفي قوله: ﴿ فبما يوحي إلي ربي ﴾ إيماء إلى أنه على هدى لأنه أثبت أن وحياً من الله وارِد إليه.
وقد استفيد أن الضلال المفروض إن حصل فسببه من قبل نفسه، من إسناد فعل ﴿ أَضِلّ ﴾ إلى ضمير المتكلم ثم مما عقبه من قصر الضلال على الحصول من المتكلم، وهو أغرق في التعلق به، وليس الغرض من ذلك الكلاممِ بيانَ التسبب ولكن عدم مجاوزة الضلال المفروض إليهم إذ هم يتبعوه فيما تلبس به، ولم يُرتكب مثل هذا في جانب فرض اهتدائه لأن اهتداءه كان هو الحاصل في الواقع وكان شاملاً له ولغيره من الذين اتبعوه لأن اهتداءه ملابس لدعوته الناسَ إلى اتّباعه، ولأن الغرض من الشرطين مختلف وإن كان يُعلم من المقابلة أن سبب الضلال والاهتداء مختلف من جهة المعنى ولا سيما حين رجَّح جانب اهتدائه بقوله: ﴿ فبما يوحي إلي ربي ﴾ .
على أن المقابلة بين الشرطين ينقدح بها في ذهن السامع أن الضلال من تسويل النفس ولو حصل لكان جناية من النفس عليه وأن الاهتداء من الله وأنه نفع ساقه إليه بوحيه.
وجملة ﴿ إنه سميع قريب ﴾ تذييل لما أفادته الجملتان المقولتان قبله من الترديد في نسبة الاهتداء والضلال، أي أن الله يعلم أني على هدى أو ضده ويحصل من ذلك علم مقابله من أحوال خصومه لأنه سميع لما يقوله الفريقان قريب مما يضمرونه فلا يخفى عليه.
والقرب هنا كناية عن العلم والإِحاطة فيه قرب مجازي.
وهذا تعريض بالتهديد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن مَوَدَّةٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، «لِأنَّ النَّبِيَّ سَألَ قُرَيْشًا أنْ يَكُفُّوا عَنْ أذِيَّتِهِ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ» .
الثّانِي: مِن جُعْلٍ قالَهُ قَتادَةُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ في الزَّكاةِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ أجْرَ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن إجابَتِي فَهو لَكم دُونِي.
﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ ما ثَوابِي إلّا عَلى اللَّهِ في الآخِرَةِ.
﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شَهِيدٌ أنْ لَيْسَ بِي جُنُونٌ.
الثّانِي: شَهِيدٌ أنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالوَحْيِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِالقُرْآنِ، رَواهُ مَعْمَرٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يَقْذِفُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَتَكَلَّمُ.
الثّانِي: يُوحِي.
الثّالِثُ: يُلْقِي.
﴿ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: الخَفِّياتِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: الجِهادُ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
﴿ وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الباطِلَ الشَّيْطانُ.
رَواهُ مَعْمَرٌ.
الثّانِي: أنَّهُ إبْلِيسُ.
رَواهُ خُلَيْدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ دِينُ الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفِي إبْداءِ الباطِلِ وإعادَتِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَخْلُقُ ولا يَبْعَثُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لا يُحْيِي ولا يُمِيتُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: لا يَثْبُتُ إذا بَدا، ولا يَعُودُ إذا زالَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتاده رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل ما سألتكم من أجر ﴾ أي من جعل ﴿ فهو لكم ﴾ يقول: لم أسألكم على الإِسلام جعلا وفي قوله: ﴿ قل إن ربي يقذف بالحق...
وما يبدئ الباطل ﴾ قال: الشيطان لا يبدئ ولا يعيد إذا هلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يقذف بالحق ﴾ قال: ينزل بالوحي.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ جاء الحق ﴾ قال: جاء القرآن ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيد ﴾ قال: ما يخلق إبليس شيئاً، ولا يبعثه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن سعد رضي الله عنه ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ قال: اؤخذ بخيانتي.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي - -: لقد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله: ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ ﴾ كما تزعمون فإنما أضل على نفسي، أي: إثم ضلالتي على نفسي (١) ﴿ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ﴾ من الحكمة والبيان.
﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ ﴾ الدعاء ﴿ قَرِيبٌ ﴾ مني.
قاله ابن عباس (٢) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.
(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس.
انظر: "القرطبي" 14/ 314.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ جَآءَ الحق ﴾ يعني الإسلام ﴿ وَمَا يُبْدِىءُ الباطل وَمَا يُعِيدُ ﴾ الباطل الكفر، ونفى الإبداء والإعادة، على أنه لا يفعل شيئاً ولا يكون له ظهور أو عبارة عن ذهابه كقوله: ﴿ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل ﴾ [الإسراء: 81] وقيل: الباطل الشيطان ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ يعني قربه تعالى بعلمه وإحاطته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أذن له ﴾ على البناء للمفعول: أبو عمرو وعي وخلف والأعشى والبرجمي ﴿ فزع علي ﴾ البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب ﴿ جزاء ﴾ بالنصب ﴿ الضعف ﴾ مرفوعاً: يعقوب ﴿ في الغرفة ﴾ على التوحيد: حمزة ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ ثم يقول ﴾ على الغيبة فيهما: حفص ويعقوب.
الباقون: بالنون ﴿ ثم تفكروا ﴾ بتشديد التاء: رويس ﴿ أجري إلا ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ﴿ التناؤش ﴾ مهموزاً: ابو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص والشموني والبرجمي.
﴿ حيل ﴾ بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس.
الوقوف: ﴿ من دون الله ﴾ ج لاحتمال الجملة بعده حالاً واستئنافاً ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ أذن له ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ لا لاتصال المقول ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ كلا ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ولا تستقدمون ﴾ ه ﴿ بين يديه ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً وهذا أوجه ﴿ القول ﴾ ج لمثل ذلك ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ أنداداً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كافرونه ﴾ ه ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ لا يعملون ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء ﴿ آمنون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ ويقدر له ﴾ ه ﴿ يخلفه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ من دونهم ﴾ ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول ﴿ الجن ﴾ ج لذلك ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ ضراً ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ آباؤكم ﴾ ج للعطف مع طول الكلام والتكرار ﴿ مفترى ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من نذير ﴾ ه ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ بواحدة ﴾ ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا ﴿ من جنة ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي هو علام ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ على نفسي ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ لا لأن ما بعده معطوف على ﴿ أخذوا ﴾ : ﴿ آمنا به ﴾ ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية مبتدأ بها أو حالاً ﴿ بعيد ﴾ ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل معنى الفعل في التناوش ﴿ من قبل ﴾ ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو للاستئناف اي وهم يقذفون ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه.
التفسير: لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلاً عاد إلى مخاطبة كفار قريش وتقريعهم.
ومفعولاً زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأوّل استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي ﴿ من دون الله ﴾ مقام الموصوف.
وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم فالله قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والارضيات في حكمهم.
وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾ أي الأرض كالسماء لله لغيره فيها نصيب.
وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾ ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فبين بطلان مذهبهم بقوله ﴿ ولا تنفع الشفاعة ﴾ قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع له أي لا تنفع الشفاعة ﴿ إلا ﴾ كائنة ﴿ لمن أذن له ﴾ من الشافعين أو إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله.
و"حتى" غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن كأنه قيل: يتربصون ويقفون ملياً فزعين ﴿ حتى إذا فزع ﴾ أي كشف الفزع في القيامة عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً ﴿ ماذا قال ربكم قالوا ﴾ قال ﴿ الحق ﴾ أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يريد هذا التفسير قول ابن عباس عن النبي "فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة" والتشديد للسلب والإزالة على نحو "قردته وجلدته" أي أزلت قراده وسلخت جلده.
وقيل: إن "حتى" على هذا التفسير متعلق بقوله ﴿ زعمتم ﴾ أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق.
ومنهم من ذهب إلى أن التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما جاء في حديث "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيه جبرائيل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟
فيقول الحق" أي يقول الحق الحق.
وقيل: أراد بالفزع أنه لما أوحى إلى محمد فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد من أشراطها فلما زال عنهم ذلك قالوا: ماذا قال الله؟
قال جبرائيل وأتباعه: الحق.
وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها أهل الكفر.
وحين بين بقوله ﴿ قل ادعوا ﴾ أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله ﴿ قل من يرزقكم ﴾ إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به.
وههنا نكتة هي أنه قال في دفع الضر ﴿ قالوا الحق ﴾ وفي طلب النفع قال ﴿ قل الله ﴾ تنبيهاً على أنهم في الضراء مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا ينتبهون إلا بمسه.
وقوله ﴿ وإنا أو إياكم ﴾ من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا.
وفي تخالف حرفي الجر في قوله ﴿ لعلى هدى أو في ضلال ﴾ إشارة إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون.
وإنما وصف الضلال بالمبين وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وابين.
وقوله ﴿ عما أجرمنا ﴾ إلى قوله ﴿ عما تعملون ﴾ أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل.
وفيه إرشاد إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض.
ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض وحساب.
وفي قوله ﴿ العليم ﴾ إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم بمجرد الغلبة والهوى.
ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو.
ومعنى ﴿ أروني ﴾ وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي صفة الحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء فـ ﴿ ـشركاء ﴾ نصب على الحال والعائد محذوف و ﴿ كلا ﴾ ردع لهم عن مذهبهم بعدما كسده بإبطال المقايسة وردّ الإلحاق.
ثم زاد في توبيخهم بقوله ﴿ بل هو الله العزيز الحكيم ﴾ كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن القدرة الكاملة والحكمة الشاملة.
وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن.
وحين فرغ من التوحيد شرع في الرسالة.
ومعنى ﴿ كافة ﴾ عامة لأن الرسالة إذا شملتهم قد منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة.
وقال الزجاج: التاء للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعاً للناس في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعاً للناس من الكفر والمعاصي.
وبعض النحويين جعله حالاً من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه.
ومن هؤلاء من جعل اللام بمعنى "إلى" لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن استعمال اللام بمعنى.
"إلى" ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي ﴿ أرسلنا ﴾ على غير هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.
وحين ذكر الرسالة بين الحشر وذكر أنهم استعجلوه تعنتاً منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال.
قال جار الله ﴿ ميعاد يوم ﴾ كقولك "سحق عمامة" في أن الإضافة للتبيين يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ميعاد يوم ﴾ بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم.
وفي إسناد الفعل إليهم بقوله ﴿ لا تستأخرون عنه ﴾ دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع اليوم.
ولما بين الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون بالكل قائلين ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.
يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب.
وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو صدّقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم.
وحين وقع اليأس من إيمانهم بقولهم ﴿ لن نؤمن ﴾ وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في تدبير أمره وجواب "لو" محذوف أي لقضيت العجب.
وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ.
وفي قوله ﴿ لولا أنتم ﴾ إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ.
ثم ذكر جواب المستكبرين وهم الرؤوس والمتبوعين على طريقة الاستئناف.
وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن المانع لم يكن راجحاً على المقتضى ولا مساوياً له وأكدوا ذلك بقولهم ﴿ بل كنتم مجرمين ﴾ أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا التسويل والتزيين.
ثم عطف قولاً آخر للمستضعفين على قولهم الأول.
والإضافة في ﴿ مكر الليل والنهار ﴾ من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل مكرهم في الليل والنهار.
أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي.
أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمراً دائماً دائباً ليلاً ونهاراً.
وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل.
وقرئ ﴿ مكرّ الليل ﴾ بالتشديد أي سبب ذلك أنكم تكرّون الإغواء مكراً دائباً.
والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع القويّ ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب.
وفي قوله ﴿ أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ﴾ إشارة إلى أن الشرك وإن كان مثبتاً لله في الظاهر ولكنه نافٍ له على الحقيقة لأنه جعل مساوياً للصنم.
ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم بالإشراك به.
وتفسير قوله ﴿ واسروا الندامة لما رأوا العذاب ﴾ مذكور في سورة يونس.
والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين.
وقوله ﴿ في أعناق الذين كفروا ﴾ أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق.
وفي قوله ﴿ هل تجزون ﴾ إشارة إلى أنهم استحقوها عدلاً.
ثم سلى نبيه بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً وإنما ذلك هجيراهم قدماً.
وإنما خص المترفين بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا فقالوا ﴿ وما نحن بمعذبين ﴾ فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط ه والله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعملون ﴾ أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم من شقيّ موسر وتقي معسر.
ثم زاد في البيان بقوله ﴿ وما أموالكم ﴾ اي وما جماعة أموالكم ﴿ ولا ﴾ جماعة ﴿ أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ﴾ أي قربى اسم بمعنى القربة وقع موقع المصدر كقوله ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ ثم استثنى من ضمير المفعول في تقرّبكم بقوله ﴿ إلا من آمن ﴾ والمراد أن الأموال والأولاد لا تقرّب أحداً إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين.
ويحتمل أن يكون الاستثناء من الفاعل والمعنى أن شيئاً من الأشياء لا يقرّب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية.
ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب شيئاً من الله حصل.
وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجاوزوا الضعف.
ومعنى قراءة يعقوب: أولئك لهم الضعف جزاء.
والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت.
والباقي إلى قوله ﴿ محضرون ﴾ قد سبق.
وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده المؤمنين.
ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله.
ومما يؤكد الآية قوله "اللهم أعط منفقاً خلفاً" الحديث.
وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، وأن التاجر إذا علم أن مالاً من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند العاقل أربح من هذا؟
﴿ وهو خير الرازقين ﴾ لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي إليه.
وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي.
ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ وفي خطاب الملائكة تقريع الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله لعيسى ﴿ ءَأَنتَ قلت للناس ﴾ ﴿ قالوا سبحانك ﴾ ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة ﴿ بل كانوا يعبدون الجن ﴾ حيث أطاعوهم في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في أجواب الأصنام فيعبدون بعبادتها.
وإنما قالوا ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ وما ادّعوا الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار.
وأيضاً أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري.
ثم ذكر أن الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله ﴿ لا يملك بعضكم ﴾ للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا.
ويحتمل أن يكون الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضاً بهذا التأويل، وعلى الأول يكون قوله ﴿ ونقول للذين ظلموا ﴾ إفراداً للكفرة بالذكر، وعلى الوجه الآخر يكون تأكيداً لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم تملكهم شيئاً وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم.
وإنما قال ههنا ﴿ عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ﴾ وفي السجدة ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في قولكم ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ وههنا لم يروا النار.
وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار.
ثم حكى أكاذيبهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ الآية.
ولا يخفى ما فيه من المبالغات.
ثم بين أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال ﴿ وما آتيناهم من كتب يدرسونها ﴾ فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ كعاد وثمود ﴿ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ﴾ والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع.
قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر.
ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال هؤلاء الضعفاء؟.
وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا قوم محمد من البيان والبرهان لأن محمداً أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب.
ثنم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم فكيف لا ينكر على هؤلاء؟
قال جار الله: قوله ﴿ فكذبوا رسلي ﴾ بعد قوله ﴿ وكذب الذين من قبلهم ﴾ تخصيص بعد تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب فكذبوا رسلي؟
نظيره قول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد .
ويجوز أن ينعطف على قوله ﴿ وما بلغوا معشار ما ﴾ كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه.
قلت: فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه؟
وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا؟
﴿ فكيف كان نكير ﴾ للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله.
ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريراً للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص.
وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله ﴿ قل إنما أعظكم بواحدة ﴾ أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله ﴿ أن تقوموا ﴾ على أنه عطف بيان لها.
والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيُّ متفرقين إلى أوطانهم.
وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد.
فقوله ﴿ مثنى وفرادى ﴾ إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله.
وقوله ﴿ ثم تتفكروا ﴾ يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعدما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما اقول بعده، وهو الرسالة المشار إليها بقوله ﴿ ما بصاحبكم من جنة ﴾ والحشر المشار إليه بقوله ﴿ بين يدي عذاب شديد ﴾ قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد.
فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد.
وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه الله خالصاً متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإن ما فوق الإثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الإثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفه حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان.
لكن محمداً بالاتفاق أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأوفرهم حياء وأمانة، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها.
وقوله ﴿ ما بصاحبكم ﴾ إما أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ والمراد: ثم تتفكروا فتعلموا ذلك.
وجوز بعضهم أن تكون "ما" استفهامية.
وحين ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه صحة نبوّته وهو قوله ﴿ ما سألتكم من أجر ﴾ الآية.
وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو غير موجود ههنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب.
هذا إذا أريد بقوله ﴿ فهو لكم ﴾ نفي سؤال الآخر رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئاً فخذه وهو لم يعطه شيئاً.
ويحتمل أن يراد بالأجر قوله ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى ﴾ وقوله ﴿ ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً ﴾ لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم.
﴿ وهو على كل شيء شهيد ﴾ يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم.
قوله ﴿ يقذف بالحق ﴾ اي في قلوب المحقين وفيه إزالة استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه ﴿ علام الغيوب ﴾ يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت.
وفي قوله ﴿ علام الغيوب ﴾ إشارة إلى أن البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه إخبار علام الغيوب عنه.
وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي وعلى يده.
وقيل: السيف.
وقوله ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيده ﴾ مثل في الهلاك لأن الحيّ إما أن يبدئ فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة.
والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت.
ولما كان ما جاء به النبي من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتاً في نفسه بيناً لمن نظر إليه كان جائياً، وحين كان ماأتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل له قيل: إنه لا يبدئ ولا يعيد أي لا يعيد شيئاً لا في الأوّل ولا في الآخر.
وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشئ خلقاً ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله.
وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.
وقال الزجاج: "ما" استفهامية والمعنى أي شيء ينشئ إبليس ويعيده؟
ثم قرر أمر الرسالة بوجه آخر وهو قوله ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ يعني كضلالكم وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين.
قال جار الله: هذا حكم عام لكل مكلف، والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضارّ لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه.
وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إنه سميع قريب ﴾ يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول إذا دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي.
ثم عجب نبيه أو كل راءٍ من مآل حال أهل العناد بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ وجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً.
والأفعال الماضية التي هي ﴿ فزعوا ﴾ ﴿ وأخذوا ﴾ ﴿ وقالوا ﴾ ﴿ وحيل ﴾ كلها من قبيل ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ ووقت الفزع وقت البعث أو الموت أو يوم بدر.
وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفاً أرادوا غزو الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء ﴿ فلا فوت ﴾ أي فلا يفوتون الله ولا يسبقونه.
والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض,.
وجوّز جار الله أن يعطف ﴿ وأخذوا ﴾ على ﴿ لافوت ﴾ على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.
ثم بين أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه سولم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع الإيمان وذلك قوله ﴿ وأنى لهم التناوش ﴾ وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولاً سهلاً لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب.
وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت.
والصح أنه من النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت فلي أجوه.
وقيل: التناوش بلغة اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "المدخل في تفسير القرآن" والضمير في قوله ﴿ وقد كفروا ﴾ عائد إلى ما يعود إليه في قوله ﴿ آمنا به ﴾ .
قوله ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله عيله وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور.
وثانيهاك أخذوا الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون فقاسوا الأمر الإلهي عليه.
وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على المخلوق بعيد المأخذ.
ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن يعذبنا.
وخامسها: قالوا ﴿ ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا.
﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ من نفع الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا ﴿ كما فعل باشياعهم ﴾ أي بأشباههم من كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله و ﴿ مريب ﴾ موقع في الريب منقول من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين وقد مر في هود.
التأويل: ﴿ مثقال ذرة في السموات ﴾ القلوب ﴿ ولا في الأرض ﴾ النفوس من سعادة أو شقاوة ﴿ قالوا الحق ﴾ يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا الحق ﴿ قل من يرزقكم ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء الفيض على أرض الشرعية.
﴿ ألحقتم به شركاء ﴾ من الدنيا والهوى والشيطان كافة للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح تبشرها بأن لها كمالاً عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار.
فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء والبشير والنذير كالآكار.
وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة من بذر روحه وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين ولكن بتبعية محمد ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة دونهم.
يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به.
ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتاً معلوماً لا تتجاوزه ﴿ أكثرهم بهم مؤمنون ﴾ اي أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون ﴿ ويقذفون بالغيب ﴾ فيه أن معارف الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو اسير في أيدي صفات النفس ﴿ وحيل بينهم ﴾ لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق.
قوله: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ .
قد ذكرنا الآيات والبينات في غير موضع.
وقوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ ﴾ : كل رسول [يريد] أن يصد قومه عما كان يعبد آباؤهم من الأصنام والأوثان، لكن هذا القول من أولئك الرؤساء إغراء للأتباع على الرسل، يقولون: ألا ترون أن واحداً قد خالف الآباء في دينهم، ويريد أن يصدّكم عن دين آبائكم.
و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ .
أي: ما يدعو محمد إليه ليس إلا إفك مفترى.
و ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ ، أي: ما جاء للحق وهو القرآن والتوحيد من البيان والإيضاح له أنه الحق، وأنه من عند الله جاء، وهو الآيات والبراهين التي جاءت له أنه حق وأنه من عند الله جاء، لا أنه مفترى وإفك وسحر ما تزعمون، ولم تزعموا، ولم يزل طعن أولئك الكفرة في الآيات والحجج: بأنها سحر، وأنها إفك، وأنها مفترى، يلبسون بذلك على أولئك الأتباع والسفلة، ويموهون عليهم ويغرون؛ لئلا يتبعوه، ويستسلموا لهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ ﴾ ، وهو - والله أعلم - صلة ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ ﴾ وقالوا ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ، يقول - والله أعلم - جواباً لقولهم: ﴿ وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ﴾ فتخبرهم أن ما يقول محمد إفك مفترى، ولا أرسلنا إليهم أيضاً من قبله رسولا يخبرهم: أنه كذب مفترى، وظهور الكذب في القول والخبر إنما يكون بأحد هذين الأمرين إما بكتاب أو نبي، وهم لا يؤمنون بكتاب ولا نبي، فكيف يدعون عليه الكذب والافتراء؟!
يخبر عن سفههم وقلة عقولهم وعنادهم بعدما خصهم - عز وجل - وفضلهم على غيرهم من البشر؛ حيث بعث الرسول منهم ومن أنفسهم، والكتاب على لسانهم وبلغتهم بعد قسمهم: إنه لو بعث إليهم نذيراً ورسولا اتبعوه حيث قالوا: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ ﴾ لم يؤمنوا به، ولم يعرفوا منة الله عليهم وخصوصيتهم فيما خصهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ ﴾ .
يذكر رسوله ويصبره على تكذيب أولئك له، يقول: قد كذب الذين كانوا من قبلهم رسلهم، لست أنت بأول مكذب بل كذب إخوانك من قبل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: لم يبلغ هؤلاء الذين كذبوك عشر أولئك في القوة والغناء والفضل والعلم والأتباع والأعوان وغير ذلك مع ما كانوا كذلك لم يقوموا في دفع العذاب الذي نزل بهم بالتكذيب عن أنفسهم، فقومك الذين هم دون أولئك بما ذكروا أحق ألا يقوموا لدفع العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم بالتكذيب.
وقوله: ﴿ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: أليس وجدوا عذابي حقّاً.
قال الزجاج: هو "نكيرى" بالياء، لكن طرحت الياء؛ لأنه آخر الآية وختمها، فأبقيت الكسرة علامة لها أو كلام يشبه هذا.
قال أبو عوسجة: نكيري: عقوبتي.
وقال القتبي: أي: إنكاري.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ بِوَاحِدَةٍ ﴾ أي: بكلمة الإخلاص والتوحيد.
وقال بعضهم: أي: بطاعة الله.
وقال بعضهم: ﴿ بِوَاحِدَةٍ ﴾ أي: بكلمة واحدة؛ كقول الرجل لصاحبه: أكلمك كلمة واحدة، واسمع مني كلمة.
لكن الواحدة التي وعظهم بها عندنا ما ذكر على أثره حيث قال: ﴿ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ﴾ جميعاً ﴿ وَفُرَادَىٰ ﴾ وتتفكروا وتنظروا فيما بينكم: هل رأى أحد منكم به جنوناً قط؟
وقال بعضهم: يريد بالمثنى: أن يتناظر الرجلان في أمر النبي ﴿ وَفُرَادَىٰ ﴾ ، أي: تفكير واحد.
وقال بعضهم: يريد بالمثنى: أن يتناظر الرجلان في أمر النبي؛ فإن ذلك ما دل على أن النبي ليس بمجنون، ولا كذاب على ما تزعمون.
ثم كان الذي حملهم على أن نسبوه إلى الجنون وجوهاً: أحدها: أنهم رأوه قد خالف الفراعنة والجبابرة الذين كانوا يقتلون من خالفهم على الغضب في أدنى شيء بلا أعوان ولا أتباع له، فقالوا: لا يخاطر بهذا إلا من به جنون؛ فنسبوه إلى الجنون.
والثاني: أنهم رأوه قد خالف دينهم ودين آبائهم جملة من بينهم، فقالوا: لا يحتمل أن يصيب ديناً بعقله من بين الكل لا يصيب أحد ذلك، فاتهموه في العقل.
والثالث: أنه كان في حال صغره وصباه، لم يروه اشتغل بشيء من اللعب وخالط الصبيان في شيء من أمورهم، بل اعتزلهم من حال صباه إلى آن الوقت الذي بلغ، فقالوا: إن به جنوناً وإلا لم يعتزل الناس كل هذا الاعتزال.
ثم أخبر أنكم لو تفكرتم ونظرتم ثم عرفتم أن ليس بصاحبكم جنون: ﴿ إِنْ هُوَ ﴾ أي: ما هو ﴿ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ في الآخرة إن عصيتم، أي رسول الله إليكم ونذير مبين، [بين] يدي عذاب شديد في الآخرة إن عصيتم عوقبتم في الآخرة.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: ألا يتفكر الرجل منكم وحده أو مع صاحبه، فينظر أن في خلق السماوات والأرض وما بينهما الذي خلق هذه الأشياء وحده أنه واحد لا شريك له، وأن محمداً لصادق في قوله بأن الله واحد لا شريك له، وما به جنون إن هو إلا نذير.
وقوله: ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه سأل، قال بعضهم: إنه سأل قومه أن يودّوا قرابته وألاَّ يؤذوهم؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ ، وما قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ يقول: ﴿ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ ﴾ يعني: المودة في القربى ﴿ فَهُوَ لَكُم ﴾ ، أي: الذي سألتكم هو لكم وهو المودة في القربى واتخاذ السبيل إلى ربي، والثاني: قوله: ﴿ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم ﴾ ، أي: لم أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم أجراً منكم، فيمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عليكم عن الإجابة؛ كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .
أي: ما أجري إلا على الله.
﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .
بأني نذير وما بي جنون.
أو هو على كل شيء شهيد بأني لم أسألكم عليه أجراً.
أو على كل شيء من صنيعكم شهيد عالم به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يقضي بالحق، أو ﴿ يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يتكلم بالوحي ويلقيه.
وقوله: ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .
كل شيء غاب عن الخلق، وقد ذكر في غير موضع.
وقوله: ﴿ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ...
﴾ الآية، اختلف فيه: قال بعضهم: ما يبدئ الأوثان والأصنام التي عبدوها ﴿ وَمَا يُعِيدُ ﴾ ، أي: لا تخلق شيئاً ولا تحييه ولا تميته؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ وَمَا يُبْدِىءُ ﴾ الشيطان الخلق فيخلقهم ﴿ وَمَا يُعِيدُ ﴾ خلقهم في الآخرة فيبعثهم بعد الموت، بل الله يفعل ذلك.
أو أن يكون قوله: ﴿ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: حجج الحق، ﴿ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، وما أبدأ الباطل، أي: لا يقذف بحجج الحق علام الغيوب: قال بعضهم: هو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ...
﴾ إلى آخر الآية [الأنبياء: 18]، قال: يزهق الباطل ويثبت الحق، أي: نقذف بالحق على الباطل فيهلك الباطل ويثبت الحق، وهو أيضاً ما ذكر: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وقوله: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ ﴾ ، بكسر اللام ونصبها كلاهما لغتان.
قال الكسائي: تقول العرب: ضَلَّ يَضَلُّ ضلالة، وضَلَّ يَضِلُّ بالخفض والنصب جميعاً.
ثم قوله: ﴿ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: إن ضللت فإنما يكون ضرر ضلالي على نفسي، لا يكون على الله من ذلك شيء؛ كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ .
والثاني: إن ضللت فإنما يكون ذلك على نفسي، ولا يكون على أنفسكم من ضلالي شيء؛ كقوله: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ ، ونحوه.
وقوله: ﴿ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ﴾ ، هذا يخرج أيضاً على وجهين: أحدهما: وإن اهتديت إلى طاعة الله وشرائع الدين فبما يوحي إليّ ربي في ذلك، أي: فبوحيه اهتديت إلى ذلك.
والثاني: وإن اهتديت إلى دينه وهدايته فبتوفيقه إياي وعصمته اهتديت، أضاف الهداية إلى الله والضلال إلى نفسه، فهو لما ذكرنا أن كان من الله إليه لطف في ذلك ليس ذلك في الضلال، وعلى قول المعتزلة يجيء أن يكون المعنى فيها واحداً؛ لأنهم يقولون: إنه لا يكون من الله سوى [الأمر] والنهي؛ فلا يكون منه إليه في الهداية إلا كما كان منه إليه في الضلال، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ أي: مجيب للداعي؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ...
﴾ الآية [البقرة: 186].
وقال بعضهم: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لمقالتكم لمحمد، حيث قالوا له: لقد ضللت حين تركت دين آبائك، ﴿ قَرِيبٌ ﴾ ، أي: مجيب له.
وقيل: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ الدعاء ﴿ قَرِيبٌ ﴾ الإجابة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: إن ضللتُ عن الحق فيما أبلغكم فضرر ضلالي قاصر علي، لا ينالكم منه شيء، وإن اهتديتُ إليه فبسبب ما يوحيه إليَّ ربي سبحانه، إنه سميع لأقوال عباده، قريب لا يتعذر عليه سماع ما أقول.
<div class="verse-tafsir" id="91.6JN7v"