تفسير الآية ٥٠ من سورة سبأ

الإسلام > القرآن > سور > سورة 34 سبأ > الآية ٥٠ من سورة سبأ

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌۭ قَرِيبٌۭ ٥٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٥٠ من سورة سبأ من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة سبأ عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ) أي : الخير كله من عند الله ، وفيما أنزله الله عز وجل من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد ، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه ، كما قال عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة : أقول فيها برأيي ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه .

وقوله : ( إنه سميع قريب ) أي : سميع لأقوال عباده ، قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه .

وقد روى النسائي هاهنا حديث أبي موسى الذي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنما تدعون سميعا " قريبا مجيبا " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك: إن ضللت عن الهدى فسلكت غير طريق الحق، إنما ضلالي عن الصواب على نفسي، يقول: فإن ضلالي عن الهدى على نفسي ضره، (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ) يقول: وإن استقمت على الحق (فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) يقول: فبوحي الله الذي يوحِي إلي، وتوفيقه للاستقامة على محجة الحق وطريق الهدى.

وقوله (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) يقول: إن ربي سميع لما أقول لكم حافظ له، وهو المجازي لي على صدقي في ذلك، وذلك مني غير بعيد، فيتعذر عليه سماع &; 20-421 &; ما أقول لكم، وما تقولون، وما يقوله غيرنا، ولكنه قريب من كل متكلم يسمع كل ما ينطق به، أقرب إليه من حبل الوريد.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب .قوله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وذلك أن الكفار قالوا تركت دين آبائك فضللت .

فقال له : قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي .

وقراءة العامة ضللت بفتح اللام .

وقرأ يحيى بن وثاب وغيره : ( قل إن ضللت ) بكسر اللام وفتح الضاد من ( أضل ) ، والضلال والضلالة ضد الرشاد .

وقد ضللت ( بفتح اللام ) أضل ( بكسر الضاد ) ، قال الله تعالى : قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي فهذه لغة نجد وهي [ ص: 282 ] الفصيحة .

وأهل العالية يقولون ( ضللت ) بالكسر ( أضل ) ، أي إثم ضلالتي على نفسي .

وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي من الحكمة والبيان إنه سميع قريب أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة .

وقيل وجه النظم : قل إن ربي يقذف بالحق ويبين الحجة ، وضلال من ضل لا يبطل الحجة ، ولو ضللت لأضررت بنفسي ، لا أنه يبطل حجة الله ، وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سميع قريب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما تبين الحق بما دعا إليه الرسول, وكان المكذبون له, يرمونه بالضلال, أخبرهم بالحق, ووضحه لهم, وبين لهم عجزهم عن مقاومته, وأخبرهم أن رميهم له بالضلال, ليس بضائر الحق شيئا, ولا دافع ما جاء به.وأنه إن ضل - وحاشاه من ذلك, لكن على سبيل التنزل في المجادلة - فإنما يضل على نفسه, أي: ضلاله قاصر على نفسه, غير متعد إلى غيره.{ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ } فليس ذلك من نفسي, وحولي, وقوتي, وإنما هدايتي بما { يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي } فهو مادة هدايتي, كما هو مادة هداية غيري.

إن ربي { سَمِيعٌ } للأقوال والأصوات كلها { قَرِيبٌ } ممن دعاه وسأله وعبده.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ) وذلك أن كفار مكة كانوا يقولون له : إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك ، فقال الله تعالى : ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ) أي : إثم ضلالتي على نفسي ( وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ) من القرآن والحكمة ( إنه سميع قريب )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل إن ضللت» عن الحق «فإنما أضل على نفسي» أي إثم ضلالي عليها «وإن اهتديت فيما يوحي إليَّ ربي» من القرآن والحكمة «إنه سميع» للدعاء «قريب».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل: إن مِلْت عن الحق فإثم ضلالي على نفسي، وإن استقمت عليه فبوحي الله الذي يوحيه إليَّ، إن ربي سميع لما أقول لكم، قريب ممن دعاه وسأله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمره - سبحانه - للمرة الخامسة أن يصارحهم بأنه مسئول أمام الله عما يرشدهم إليه ، وأنهم ليسوا مسؤولين عن هدايته أو ضلاله ، فقال - تعالى - : ( قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ على نَفْسِي وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ) .أى : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل الإِرشاد والتنبيه ، إنى إن ضللت عن الصراط المستقيم ، وعن ابتاع الحق ، فإنهما غثم ضلالى على نفسى وحدها لا عليكم ، وإن اهتديت إلى طريق الحق والصواب ، فاهتدائى بسبب ما يوحيه الله - تعالى - إلى من توجيهات حكيمة ، وإرشادات قويمة ، ( إِنَّهُ ) - سبحانه - ( سَمِيعٌ ) لكل شئ ( قَرِيبٌ ) منى ومنكم .وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة قد أمرت الرسول صلى الله عليه وسلم خمس مرات ، أن يخاطب المشركين بما يقطع عليهم كل طريق للتشكيك فى شأن دعوته ، وبما يوصلهم إلى طريق الهداية والسعادة لو كانوا يعقلون :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذا فيه تقرير الرسالة أيضاً وذلك لأن الله تعالى قال على سبيل العموم: ﴿ مَّنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ  ﴾ وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى ﴾ يعني ضلالي على نفسي كضلالكم، وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم، وإنما هو بالوحي المبين، وقوله: ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ ﴾ أي يسمع إذا ناديته واستعديت به عليكم قريب يأتيكم من غير تأخير، ليس يسمع عن بعد ولا يلحق الداعي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ ضللت أضلّ ﴾ بفتح العين مع كسرها.

وضللت أضلّ، بكسرها مع فتحها، وهما لغتان، نحو: ظللت أظلّ وظللت أظل.

وقرئ: ﴿ إضلّ ﴾ بكسر الهمزة مع فتح العين.

فإن قلت: أين التقابل بين قوله: ﴿ فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى ﴾ وقوله: ﴿ يُوحِى إِلَىَّ رَبّى ﴾ وإنما كان يستقيم أن يقال: فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت فإنما اهتدى لها، كقوله تعالى: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ﴾ [فصلت: 46] فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها.

أو يقال: فإنما أضلّ بنفسي.

قلت: هما متقابلان من جهة المعنى؛ لأنّ النفس كل ما عليها فهو بها، أعني: أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بها وبسببها: لأنّ الأمّارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عامّ لكل مكلف، وإنما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسنده إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة حمله وسداد طريقته كان غيره أولى به ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ يدرك قول كل ضالّ ومهتد، وفعله لا يخفى عليه منهما شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ إنْ ضَلَلْتُ ﴾ عَنِ الحَقِّ.

﴿ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي ﴾ فَإنَّ وبالَ ضَلالِي عَلَيْها لِأنَّهُ بِسَبَبِها إذْ هي الجاهِلَةُ بِالذّاتِ والأمّارَةُ بِالسُّوءِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ قابِلَ الشُّرْطِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي ﴾ فَإنَّ الِاهْتِداءَ بِهِدايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ.

﴿ إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ يُدْرِكُ قَوْلَ كُلِّ ضالٍّ ومُهْتَدٍ وفِعْلَهُ وإنْ أخْفاهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما قالوا قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى {قُلْ إِن ضَلَلْتُ} عن الحق {فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى} إن ضللت فمني وعليّ {وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ ربي} أى فبتسديده بالوحي إلي وكان قياس التقابل أن يقال وإن اهتديت فإنما أهتدي لها كقوله فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ولكن هما متقابلان معنى لأن النفس كل ما عليها وضار لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء ومالها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه وهذا حكم عام لكل مكلف وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به {إِنَّهُ سَمِيعٌ} لما أقوله لكم {قَرِيبٌ} مني ومنكم يجازيني ويجازيكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ إنْ ضَلَلْتُ ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي ﴾ أيْ عائِدًا ضَرَرَ ذَلِكَ ووَبالَهُ عَلَيْها فَإنَّها الكاسِبَةُ لِلشُّرُورِ والأمّارَةُ بِالسُّوءِ ﴿ وإنِ اهْتَدَيْتُ ﴾ إلى الحَقِّ ﴿ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي ﴾ فَإنَّ الِاهْتِداءَ بِهِدايَتِهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وكانَ الظّاهِرُ وإنِ اِهْتَدَيْتُ فَلَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها  ﴾ أوْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ بِنَفْسِي لِيَظْهَرَ التَّقابُلُ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ اِكْتِفاءً بِالتَّقابُلِ بِحَسَبِ المَعْنى لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أجْمَعَ، فَإنَّ كُلَّ ضَرَرٍ فَهو مِنَ النَّفْسِ وبِسَبَبِها وعَلَيْها وبالُهُ، وقَدْ دَلَّ لَفْظُ عَلى في القَرِينَةِ الأُولى عَلى مَعْنى اللّامِ في الثّانِيَةِ والباءُ في الثّانِيَةِ عَلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ في الأُولى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ بِسَبَبِ نَفْسِي عَلى نَفْسِي، وإنْ اِهْتَدَيْتُ فَإنَّما أهْتَدِي لِنَفْسِي بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا بِما ﴿ يُوحِي إلَيَّ رَبِّي ﴾ لِأنَّهُ لازَمَهُ، وجَعْلُ عَلى لِلتَّعْلِيلِ وإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ التَّقابُلُ اِرْتِكابٌ لِخِلافِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى القَرِينَةِ الأُولى قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلَيَّ لا عَلى غَيْرِي، ولا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّقابُلِ مُطْلَقًا، والحُكْمُ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عامٌّ، وإنَّما أمَرَ  أنْ يُسْنِدَهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّ الرَّسُولَ إذا دَخَلَ تَحْتَهُ مَعَ جَلالَةِ مَحَلِّهِ وسِدادِ طَرِيقَتِهِ كانَ غَيْرُهُ أوْلى بِهِ، وقالَ الإمامُ: أيْ إنَّ ضَلالَ نَفْسِي كَضَلالِكم لِأنَّهُ صادِرٌ مِن نَفْسِي ووَبالُهُ عَلَيْها وأمّا اِهْتِدائِي فَلَيْسَ كاهْتِدائِكم بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وإنَّما هو بِالوَحْيِ المُنِيرِ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الحُكْمَيْنِ عِنْدَهُ مُخْتَصًّا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيما ذَكَرَهُ دَلالَةٌ عَلى ما قالَهُ الطِّيبِيُّ عَلى أنَّ دَلِيلَ النَّقْلِ أعْلى وأفْخَمُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ وفِيهِ بَحْثٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ المُقْرِئُ «ضَلِلْتُ» بِكَسْرِ اللّامِ و«أضَلُّ» بِفَتْحِ الضّادِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وكَسَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَمْزَةَ «أضِلُّ» وقُرِئَ «رَبِّيَ» بِفَتْحِ الياءِ.

﴿ إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ قَوْلُ كُلٍّ مِنَ المُهْتَدِي والضّالِّ وفِعْلُهُ وإنْ بالَغَ في إخْفائِهِما فَيُجازِي كُلًّا بِما يَلِيقُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِذا تُتْلى يعني: يقرأ وتعرض عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ بالأمر والنهي والحلال والحرام قالُوا ما نعرف هذا مَا هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ يعني: يصرفكم عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ من عبادة الأصنام وَقالُوا مَا هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً يعني: كذباً مختلقاً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ يعني: للقرآن لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: كذب بيّن.

ثم قال عز وجل: وَما آتَيْناهُمْ يعني: ما أعطيناهم مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها يعني: من كتب يقرءونها وفيها حجة لهم بأن مع الله شريكاً وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ يعني: من رسول في زمانهم وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: من قبل قومك رسلهم كما كذبك قومك وَما بَلَغُوا أي: ما بلغ قومك مِعْشارَ مَا آتَيْناهُمْ يعني: ما بلغ أهل مكة عشر الذي أعطينا الأمم الخالية من الأموال والقوة، فأهلكتهم بالعذاب حين كذبوا رسلي فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ يعني: كيف كان إنكاري وتغييري عليهم وإيش خطر هؤلاء بجنب أولئك فاحذروا مثل عذابهم قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ يعني: بكلمة واحدة ويقال: بخصلة واحدة أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ بالحق مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني: أمركم بالإنصاف أن تتأملوا حق التأمل، وتتفكروا في أنفسكم، هل لهذا الرجل الذي يدعوكم إلى خالقكم وخالق السموات والأرض هل رأيتم به جنوناً.

ثم قال: مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني: من جنون.

وقال القتبي: تأويله أن المشركين لما قالوا: إنه ساحر ومجنون وكذاب فقال الله تعالى لنبيه  قل لهم اعتبروا أمري بواحدة أن تنصحوا لأنفسكم ولا يميل بكم هوى فتقوموا لله في دار يخلو فيها الرجل منكم بصاحبه.

فيقول له: هلمّ فلنتصادق.

هل رأينا بهذا الرجل جنة أم جربنا عليه كذباً.

ثم ينفرد كل واحد منهما عن صاحبه فيتفكر، وينظر.

فإن ذلك يدل على أنه نذير.

قال: وكل من تحيّر في أمر قد اشتبه عليه واستبهم، أخرجه من الحيرة أن يسأل ويناظر فيه ثم يتفكر ويعتبر.

ثم قال: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ أي: ما هو إلا مخوف لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ أي: بين يدي القيامة.

ثم قال عز وجل: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ وذلك أن النبيّ  أمر كفار مكة أن لا يؤذوا أقربائه فكفوا عن ذلك فنزل قُلْ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: 23] فكفوا عن ذلك.

ثم سمعوا بذكر آلهتهم فقالوا: لا تنظرون إليه ينهانا عن إيذاء أقربائه.

وسألناه أن لا يؤذينا في آلهتنا فلا يمتنع فنزل قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إن شئتم آذوهم، وإنْ شئتم امتنعتم.

إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ فهو الحافظ والناصر وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ بأني نذير وما بي جنون.

ثم قال عز وجل: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ يعني: يبين الحق من الباطل.

ويقال: يأمر بالحق.

ويقال: يتكلم بالحق.

يعني: بالوحي عَلَّامُ الْغُيُوبِ يعني: هو عالم كل غيب.

قوله عز وجل: قُلْ جاءَ الْحَقُّ يعني: ظهر الإسلام وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ يعني: لا يقدر الشيطان أن يخلق أحداً وَما يُعِيدُ يعني: لا يقدر أن يحييه بعد الموت، والله تعالى يفعل ذلك.

ويقال: الْباطِلُ أيضاً الصنم.

وروى ابن مسعود أن النبيّ  دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول «جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ.

قُلْ: جاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِي البَاطِلُ وَمَا يعيد» .

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أعِظُكُمْ ﴾ أيْ: آمُرُكم وأُوصِيكم ﴿ بِواحِدَةٍ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: طاعَةُ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها قَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ﴾ ، قالَهُ قَتادَةُ.

والمَعْنى: أنَّ الَّتِي أعِظُكم بِها، قِيامُكم وتَشْمِيرُكم لِطَلَبِ الحَقِّ، ولَيْسَ بِالقِيامِ عَلى الأقْدامِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مَثْنى ﴾ أيْ: يَجْتَمِعُ اثْنانِ فَيَتَناظَرانِ في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، والمُرادُ بِـ ﴿ فُرادى ﴾ : أنْ يَتَفَكَّرَ الرَّجُلُ وحْدَهُ، ومَعْنى الكَلامِ: لِيَتَفَكَّرِ الإنْسانُ مِنكم وحْدَهُ، ولْيَخْلُ بِغَيْرِهِ، ولِيُناظِرْ، ولْيَسْتَشِرْ، فَيَسْتَدِلَّ بِالمَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، ويُصَدِّقَ الرَّسُولَ عَلى اتِّباعِهِ، ولْيَقُلِ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: هَلُمَّ فَلْنَتَصادَقْ هَلْ رَأيْنا بِهَذا الرَّجُلِ جِنَّةً قَطُّ، أوْ جَرَّبْنا عَلَيْهِ كَذِبًا قَطُّ.

وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ ﴾ ، وفِيهِ اخْتِصارٌ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا لِتَعْلَمُوا صِحَّةَ ما أمَرْتُكم بِهِ وأنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، ﴿ إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ ﴾ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ ﴿ فَهُوَ لَكُمْ ﴾ والمَعْنى: ما أسْألُكم شَيْئًا؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ القائِلِ ما لِي في هَذا فَقَدْ وهَبْتُهُ لَكَ، يُرِيدُ: لَيْسَ لِي فِيهِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: يُلْقِي الوَحْيَ إلى أنْبِيائِهِ ﴿ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: " عَلّامَ " بِنَصْبِ المِيمِ.

﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ وهو الإسْلامُ والقُرْآنُ.

وَفِي المُرادِ بِالباطِلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ، لا يَخْلُقُ أحَدًا ولا يَبْعَثُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الأصْنامُ، لا تُبْدِئُ خَلْقًا ولا تُحْيِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: لا يَبْتَدِئُ الصَّنَمُ مِن عِنْدِهِ كَلامًا فَيُجابَ، ولا يَرُدُّ ما جاءَ مِنَ الحَقِّ بِحُجَّةٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الباطِلُ الَّذِي يُضادُّ الحَقَّ؛ فالمَعْنى: ذَهَبَ الباطِلُ بِمَجِيءِ الحَقِّ، فَلَمْ تَبْقَ مِنهُ بَقِيَّةٌ يُقْبِلُ بِها أوْ يُدْبِرُ أوْ يُبْدِئُ أوْ يُعِيدُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي ﴾ أيْ: إثْمُ ضَلالَتِي عَلى نَفْسِي، وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ زَعَمُوا أنَّهُ قَدْ ضَلَّ حِينَ تَرَكَ دِينَ آبائِهِ ﴿ وَإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي ﴾ مِنَ الحِكْمَةِ والبَيانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ ﴾ ﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَقُولُونَ بِآرائِهِمْ في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وبَعْضُهُمُ: افْتِراءٌ، وهو مِنهم تَجَرُّؤٌ لا يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إلى إثارَةِ عِلْمٍ، ولا إلى خَبَرِ مَن يُقْبَلُ خَبَرُهُ، فَإنّا ما آتَيْناهم كُتُبًا يَدْرُسُونَها، ولا أرْسَلَنا إلَيْهِمْ نَذِيرًا فَيُمْكِنَهم أنْ يَدَّعُوا أنَّ أقْوالَهم تَسْتَنِدُ إلى أمْرِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يَدْرُسُونَها" ﴾ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُدَّرِسُونَها" بِفَتْحِ الدالِّ وشَدِّها وكَسْرِ الراءِ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن نَذِيرٍ يُشافِهُهم بِشَيْءٍ، ولا يُباشِرُ أهْلَ عَصْرِهِمْ ولا مَن قَرُبَ مِن آبائِهِمْ، وإلّا فَقَدَ كانَتِ النِذارَةُ في العالَمِ وفي العَرَبِ مَعَ شُعَيْبٍ وصالِحٍ وهُودٍ، ودَعْوَةُ اللهِ وتَوْحِيدُهُ أمْرٌ قَدِيمٌ، لَمْ تَخْلُ الأرْضُ مِن داعٍ إلَيْهِ، فَإنَّما المَعْنى: مِن نَذِيرٍ يَخْتَصُّ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ بَعَثْناكَ إلَيْهِمْ، وقَدْ كانَ عِنْدَ العَرَبِ كَثِيرٌ مِن نِذارَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولا نَبِيًّا  ﴾ ، ولَكِنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لِلنِّذارَةِ ولا قاتَلَ عَلَيْها إلّا مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ مَثَّلَ لَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في ﴿ "بَلَغُوا" ﴾ عَلى قُرَيْشٍ، وفي ﴿ "آتَيْناهُمْ" ﴾ عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والمَعْنى: مِنَ القُوَّةِ والنِعَمِ والظُهُورِ في الدُنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، والثانِي بِالعَكْسِ، والمَعْنى: مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ والنُورِ الَّذِي جِئْتَهم بِهِ، والثالِثُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَعْنى: مِن شُكْرِ النِعْمَةِ وجَزاءِ المِنَّةِ.

و"المِعْشارُ": العُشْرُ، ولَمْ يَأْتِ هَذا البِناءُ إلّا في العَشَرَةِ والأرْبَعَةِ، فَقالُوا: مِرْباعٌ ومِعْشارٌ، وقالَ قَوْمٌ: المِعْشارُ: عُشْرُ العُشْرِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ.

و"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ كالإنْكارِ في المَعْنى، وكالعَرِينِ في الوَزْنِ، وسَقَطَتِ الياءُ مِنهُ تَخْفِيفًا لِأنَّها آخِرُ آيَةٍ، و"كَيْفَ" تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ، ولَيْسَتِ اسْتِفْهامًا مُجَرَّدًا، وفي هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ، أيْ: أنَّهم مُعَرَّضُونَ لِنَكِيرٍ مِثْلِهِ.

ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ  أنْ يَدْعُوَهم إلى عِبادَةِ اللهِ، والنَظَرِ في حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ هُوَ، ويَعِظَهم بِأمْرٍ يَقْرُبُ لِلْأفْهامِ، فَقَوْلُهُ: "بِواحِدَةٍ" مَعْناهُ: بِقَضِيَّةٍ واحِدَةٍ إيجازًا لَكم وتَقْرِيبًا عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "واحِدَةٍ".

وقَوْلُهُ: ﴿ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالطاعَةِ والإخْلاصِ والعِبادَةِ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها هَذِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْها أنْ يَتَفَكَّرُوا في أمْرِهِ هُوَ، هَلْ بِهِ جِنَّةٌ أو هو بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ؟

والوَقْفُ عِنْدَ أبِي حاتِمٍ "تَتَفَكَّرُوا"، فَيَجِيءُ "ما بِصاحِبِكُمْ" نَفْيًا مُسْتَأْنَفًا، وهو عِنْدُ سِيبَوَيْهِ جَوابُ ما تَنَزَّلَ مَنزِلَةَ القَسَمِ؛ لِأنَّ "تَفَكَّرَ" مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعْطِي التَحْقِيقَ كَتَبَيَّنَ، وتَكُونُ الفِكْرَةُ - عَلى هَذا - في آياتِ اللهِ والإيمانِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقِيامِهِمْ أنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللهِ في مَعْنى التَفَكُّرِ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَتَكُونَ الواحِدَةُ الَّتِي وعَظَ بِها "أنْ يَقُومُوا"، لِمَعْنى: أنْ تَقُومُوا لِلْفِكْرَةِ في أمْرِ حاجَتِهِمْ، وكَأنَّ المَعْنى أنْ يُفَكِّرَ الواحِدُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ويَتَناظَمَ الِاثْنانِ عَلى جِهَةِ طَلَبِ التَحْقِيقِ، هَلْ بِمُحَمَّدٍ -  - جِنَّةٌ أمْ لا؟

وعَلى هَذا لا يُوقَفُ عَلى الفِكْرَةِ.

وقَدَّمَ المُثَنّى لِأنَّ الحَقائِقَ مِن مُتَعاضِدَيْنِ في النَظَرِ أجْدى مِن فِكْرَةٍ واحِدَةٍ، فَإذا انْقَدَحَ الحَقُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَكَّرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بَعْدَ ذَلِكَ فَيَزِيدُ بَصِيرَةً، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: إذا اجْتَمَعُوا جاءُوا بِكُلِّ غَرِيبَةٍ ∗∗∗ فَيَزْدادُ بَعْضُ القَوْمِ مِن بَعْضِهِمْ عِلْما وقَرَأ يَعْقُوبُ: "ثُمَّ تَفَكَّرُوا" بِتاءٍ واحِدَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ (بِواحِدَةٍ) مَعْناهُ: بِلا إلَهٍ إلّا اللهُ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا تُعْطِيهِ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ: "بَيْنَ يَدَيْ" مُرَتَّبٌ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا  جاءَ في الزَمَنِ مِن قَبْلِ العَذابِ الشَدِيدِ الَّذِي تُوُعِّدُوا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جرى ذكر الحق والباطل وكانوا يزعمون من مجموع أقوالهم أن النبي عليه الصلاة والسلام غير صادق في دعوى الرسالة من الله كانت أقوالهم تقتضي زعمهم إياه على ضلال وكان الردّ عليهم قاطعاً بأنه على هدى بقوله: ﴿ قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ﴾ [سبأ: 49] انتُقل هنا إلى متاركة جِدالهم وتركهم وشأنَهم لقلة جدوى مراجعتهم.

وهذا مَحْضَر خاص وطَيّ بساط مجلس واحد، فلا يقتضي أنه يستمر على ترك مجادلتهم لأن الواقع ينافي ذلك فقد نزل القرآن بعد ذلك طويلاً مشتملاً على دعوتهم وتحذيرهم وإنذارهم.

وصيغة القصر التي في قوله: ﴿ فإنما أضل على نفسي ﴾ لقصر الضلال المفروض، أي على نفسي لاَ عليكم لأنهم كانوا يحاولون أن يقلعَ عمَّا دعاهم إليه ولم يقتصروا على صدودهم.

وتعدية ﴿ أَضل ﴾ بحرف ﴿ على ﴾ تتضمن استعارة مكنية إذ شُبه الضلال بجريرة عليه فعدّاه بالحرف الشائع استعماله في الأشياء المكرَه عليها غير الملائمة، عكس اللام، وذكر حرف الاستعلاء تخييل للمكنية ولا يُقال: ضُمِّن ﴿ أَضِلّ ﴾ معنى أَجنِي، لأن ﴿ ضللت ﴾ الذي هو فعل الشرط المفروض غير مضمن معنى فعل آخر.

وأما قوله: ﴿ وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي ﴾ فكالاحتراس من أن يكون حاله مقتصراً على فرض كونه مظنة الضلال مع ما فيه من الاعتراف لله بنعمته بأن ما يناله من خير فهو بإرشاد الله لا من نفسه لأنه ما كان يصِل لذلك وهو مغمور بأمة جاهلية لولا إرشاد الله إياه كما قال تعالى: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ [الشورى: 52].

واختير في جانب الهدى فعل ﴿ اهتديت ﴾ الذي هو مطاوع (هَدَى) لما فيه من الإِيماء إلى أن له هادياً، وبيَّنه بقوله: ﴿ فبما يوحي إلي ربي ﴾ ليحصل شكره لله إجمالاً ثم تفصيلاً، وفي قوله: ﴿ فبما يوحي إلي ربي ﴾ إيماء إلى أنه على هدى لأنه أثبت أن وحياً من الله وارِد إليه.

وقد استفيد أن الضلال المفروض إن حصل فسببه من قبل نفسه، من إسناد فعل ﴿ أَضِلّ ﴾ إلى ضمير المتكلم ثم مما عقبه من قصر الضلال على الحصول من المتكلم، وهو أغرق في التعلق به، وليس الغرض من ذلك الكلاممِ بيانَ التسبب ولكن عدم مجاوزة الضلال المفروض إليهم إذ هم يتبعوه فيما تلبس به، ولم يُرتكب مثل هذا في جانب فرض اهتدائه لأن اهتداءه كان هو الحاصل في الواقع وكان شاملاً له ولغيره من الذين اتبعوه لأن اهتداءه ملابس لدعوته الناسَ إلى اتّباعه، ولأن الغرض من الشرطين مختلف وإن كان يُعلم من المقابلة أن سبب الضلال والاهتداء مختلف من جهة المعنى ولا سيما حين رجَّح جانب اهتدائه بقوله: ﴿ فبما يوحي إلي ربي ﴾ .

على أن المقابلة بين الشرطين ينقدح بها في ذهن السامع أن الضلال من تسويل النفس ولو حصل لكان جناية من النفس عليه وأن الاهتداء من الله وأنه نفع ساقه إليه بوحيه.

وجملة ﴿ إنه سميع قريب ﴾ تذييل لما أفادته الجملتان المقولتان قبله من الترديد في نسبة الاهتداء والضلال، أي أن الله يعلم أني على هدى أو ضده ويحصل من ذلك علم مقابله من أحوال خصومه لأنه سميع لما يقوله الفريقان قريب مما يضمرونه فلا يخفى عليه.

والقرب هنا كناية عن العلم والإِحاطة فيه قرب مجازي.

وهذا تعريض بالتهديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن مَوَدَّةٍ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، «لِأنَّ النَّبِيَّ  سَألَ قُرَيْشًا أنْ يَكُفُّوا عَنْ أذِيَّتِهِ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ» .

الثّانِي: مِن جُعْلٍ قالَهُ قَتادَةُ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ في الزَّكاةِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ أجْرَ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن إجابَتِي فَهو لَكم دُونِي.

﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ ما ثَوابِي إلّا عَلى اللَّهِ في الآخِرَةِ.

﴿ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شَهِيدٌ أنْ لَيْسَ بِي جُنُونٌ.

الثّانِي: شَهِيدٌ أنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالوَحْيِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِالقُرْآنِ، رَواهُ مَعْمَرٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يَقْذِفُ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَتَكَلَّمُ.

الثّانِي: يُوحِي.

الثّالِثُ: يُلْقِي.

﴿ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: الخَفِّياتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ جاءَ الحَقُّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: الجِهادُ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

﴿ وَما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الباطِلَ الشَّيْطانُ.

رَواهُ مَعْمَرٌ.

الثّانِي: أنَّهُ إبْلِيسُ.

رَواهُ خُلَيْدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ دِينُ الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَفِي إبْداءِ الباطِلِ وإعادَتِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَخْلُقُ ولا يَبْعَثُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لا يُحْيِي ولا يُمِيتُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: لا يَثْبُتُ إذا بَدا، ولا يَعُودُ إذا زالَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتاده رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل ما سألتكم من أجر ﴾ أي من جعل ﴿ فهو لكم ﴾ يقول: لم أسألكم على الإِسلام جعلا وفي قوله: ﴿ قل إن ربي يقذف بالحق...

وما يبدئ الباطل ﴾ قال: الشيطان لا يبدئ ولا يعيد إذا هلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يقذف بالحق ﴾ قال: ينزل بالوحي.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ جاء الحق ﴾ قال: جاء القرآن ﴿ وما يبدئ الباطل وما يعيد ﴾ قال: ما يخلق إبليس شيئاً، ولا يبعثه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن سعد رضي الله عنه ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ﴾ قال: اؤخذ بخيانتي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي -  -: لقد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله: ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ ﴾ كما تزعمون فإنما أضل على نفسي، أي: إثم ضلالتي على نفسي (١) ﴿ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ﴾ من الحكمة والبيان.

﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ ﴾ الدعاء ﴿ قَرِيبٌ ﴾ مني.

قاله ابن عباس (٢) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 101 أ.

(٢) لم أقف عليه عن ابن عباس.

انظر: "القرطبي" 14/ 314.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ جَآءَ الحق ﴾ يعني الإسلام ﴿ وَمَا يُبْدِىءُ الباطل وَمَا يُعِيدُ ﴾ الباطل الكفر، ونفى الإبداء والإعادة، على أنه لا يفعل شيئاً ولا يكون له ظهور أو عبارة عن ذهابه كقوله: ﴿ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل ﴾ [الإسراء: 81] وقيل: الباطل الشيطان ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ يعني قربه تعالى بعلمه وإحاطته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عالم الغيب ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس.

﴿ علام ﴾ بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي.

الباقون ﴿ عالم ﴾ بالجر وبدون المبالغة.

﴿ معاجزين ﴾ بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد ﴿ رجز أليم ﴾ بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة.

الآخرون: بالجر ﴿ إن يشأ يخسف ﴾ ﴿ أو يسقط ﴾ على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالنون ﴿ نخسف بهم ﴾ بإدغام الفاء في الباء: علي ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: حفص غير الخزاز ﴿ والطير ﴾ بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على ﴿ فضلاً ﴾ بمعنى وسخرنا له الطير ﴿ الريح ﴾ بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ﴿ الرياح ﴾ بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد.

الباقون: موحداً منصوباً ﴿ كالجوابي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ﴿ عبادي الشكور ﴾ يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير ﴿ منساته ﴾ بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب.

وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة.

الآخرون: بفتح الهمزة ﴿ تبينت الجن ﴾ على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد ﴿ سبأ ﴾ غير مصروف: أبو عمرو والبزي ﴿ سبأ ﴾ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ سبأ ﴾ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ﴿ مسكنهم ﴾ بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون ﴿ مساكنهم ﴾ مجموعة ﴿ بجنتيهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب ﴿ أكل خمط ﴾ بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالسكون والتنوين ﴿ نجازي ﴾ بضم النون وكسر الزاي ﴿ إلا الكفور ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب.

الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ﴿ الكفور ﴾ ﴿ ربنا ﴾ بالرفع ﴿ باعد ﴾ بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل.

الآخرون: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ باعد ﴾ على الأمر.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام ﴿ بعد ﴾ أمراً من التبعيد ﴿ صدّق ﴾ بالتشديد: عاصم وعلي وخلف.

الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك".

الوقوف: ﴿ في الآخرة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الغفور ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ لتأتينكم ﴾ ه لمن قرأ ﴿ عالم ﴾ بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف ﴿ بالغيب ﴾ ج لأن قوله ﴿ لا يعزب ﴾ يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لأن قولهن ﴿ ويهدي ﴾ عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ ﴿ ينبئكم ﴾ وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها ﴿ جديد ﴾ ه ج للآية ولاتحاد المقول ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ السماء ﴾ ط ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ فضلاً ﴾ ط ﴿ والطير ﴾ ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ الحديد ﴾ ه لا لتعلق "أن" ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ ورواحها شهر ﴾ ط لأن قوله ﴿ واسلنا ﴾ عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح ﴿ القطر ﴾ ط ﴿ ربه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ راسيات ﴾ ط ﴿ شكراً ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ منسأته ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية ﴿ وشمال ﴾ ط ﴿ له ﴾ ط اي لكم بلدة ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ الكفور ﴾ ه ﴿ السير ﴾ ط ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ ممزق ﴾ ط ﴿ الشكور ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ شك ﴾ ط ﴿ حفيظ ﴾ ه.

التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله  ﴿ هو الذي خلقكم من طين  ﴾ واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله  ﴿ وله الحمد في الآخرة ﴾ وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله ﴿ وتتلقاهم الملائكة  ﴾ وقال  في تحتهم ﴿ سلام عليكم طبتم  ﴾ وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعلى نعمة الآخرة بقوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام.

واعلم أنه  وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه.

ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف ﴿ وهو الحكيم ﴾ في الابتداء ﴿ الخبير ﴾ بالانتهاء.

ثم أكد علمه بقوله ﴿ يعلم ما يلج في الأرض ﴾ أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات ﴿ وما ينزل من السماء ﴾ من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من الملائكة وأعمال العباد.

وقد أشار بقوله ﴿ فيها ﴾ دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به ﴿ وهو الرحيم ﴾ حين الإنزال ﴿ الغفور ﴾ وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال.

ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله ﴿ بلى ﴾ وأكد ذلك بقوله ﴿ وربي ﴾ ثم برهن على ذلك بقوله ﴿ عالم الغيب ﴾ لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها.

وفي قوله ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ﴾ إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه.

وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس".

وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت.

ثم ذكر غاية الإعادة بقوله ﴿ ليجزي ﴾ إلى قوله ﴿ من رجز أليم ﴾ ومعنى ﴿ سعوا في آياتنا ﴾ أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا.

وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.

وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.

وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه.

ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد  هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه.

وأولو العلم هم أصحاب الرسول  والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا.

ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل.

وقيل: إن ﴿ يرى ﴾ معطوف على ﴿ ليجزي ﴾ فلا وقف على ﴿ أليم ﴾ أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة.

والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث.

ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي  كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما.

ومعنى ﴿ مزقتم كل ممزق ﴾ فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح.

والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله ﴿ إنكم لفي خلق جديد ﴾ وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين ﴿ افترى على الله كذبا ﴾ إن كان يعتقد خلافه ﴿ أ به جنة ﴾ إن كان لا يعتقد خلافه.

وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله ﴿ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴾ جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم ﴿ أفترى ﴾ بالعذاب وقولهم ﴿ به جنة ﴾ بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه.

وقد أسقطت همزة الوصل في قوله ﴿ أفترى ﴾ استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس.

وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم.

وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال ﴿ أفلم يروا ﴾ معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله ﴿ أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم  ﴾ ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف.

وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.

﴿ إن في ذلك ﴾ النظر والاعتبار ﴿ لآية لكل عبد منيب ﴾ لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار.

ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب  ﴾ وقال في سليمان ﴿ وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب  ﴾ وفي قوله ﴿ منا ﴾ تنويه بالفضل وشأنه.

ثم بين الفضل بقوله ﴿ يا جبال أوّبي ﴾ لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح.

قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء.

والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه.

وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته.

وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة.

و"أن" في قوله ﴿ أن أعمل ﴾ مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل.

﴿ سابغات ﴾ أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها.

والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق.

يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟

فيثنون عليه فقيض الله  ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه.

فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس.

وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف.

وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله ﴿ واعملوا صالحاً ﴾ اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه.

ثم أكد الفعل الصالح بقوله ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن.

ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره ﴿ غدوّها شهر ﴾ أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك.

يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله.

ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر.

روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام.

زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو  يففقه تسبيحهم فيسبح.

والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح.

وقوله ﴿ غدوها شهر ﴾ أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع.

والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها.

والمراد بالشياطين ناس أقوياء.

ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات.

وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة.

أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح.

وههنا نكتة وهي أن الله  ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان.

لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح.

وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير.

وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر.

وفي قوله ﴿ بإذن ربه ﴾ إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة.

وفي قوله ﴿ عن أمرنا ﴾ دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة.

قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة.

وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني.

ثم فصل عمل الجن بقوله ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران".

والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم.

عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها.

ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما.

وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه.

والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل.

وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها.

ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام.

ثم بين بقوله ﴿ اعملوا آل داود شكراً ﴾ أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة.

وانتصب ﴿ شكراً ﴾ على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن ﴿ اعلموا ﴾ في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح.

وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً.

قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي.

يروى أن داود  جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين.

وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.

وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك.

يروى أن داود  أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً.

فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟

فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟

فقالت: لخراب هذا المسجد.

فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ.

فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب.

وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.

فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة.

فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟

فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة.

والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة.

والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها.

وقرئ ﴿ من سأته ﴾ أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة.

وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً.

أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل.

وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك.

وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة.

وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.

من قرأ ﴿ مساكنهم ﴾ فظاهر.

ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم.

عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره.

قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  ﴾ .

وقوله ﴿ كلوا من رزق ﴾ حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي.

وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض.

وكذا قوله ﴿ واشكروا له ﴾ لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة.

وكذا قوله ﴿ بلدة طيبة ﴾ اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله ﴿ والبلد الطيب  ﴾ ﴿ ورب غفور ﴾ أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين.

وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد.

وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله ﴿ فأعرضوا ﴾ أي عن الشكر.

ثم ذكر جزاءهم بقوله ﴿ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴾ وهو الجرذ.

يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله.

وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً.

وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد.

والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس.

ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه ﴿ ذواتي أكل ﴾ صاحبتي ثمر.

والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع.

والخمط شجر الأراك.

أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك.

الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله.

والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة.

عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ.

من قرأ ﴿ أكل خمط ﴾ بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع.

وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم.

قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على ﴿ أكل ﴾ لا على ﴿ خمط ﴾ لأن الأثل لا أكل له ﴿ ذلك ﴾ الإرسال والتبديل ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ النعمة وغمطوها ﴿ وهل مجازي ﴾ مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل ﴿ ألا الكفور ﴾ قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله  ﴿ جزيناهم بما كفروا ﴾ وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك.

وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم.

وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال ﴿ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ﴾ وهي قرى الشام ﴿ قرى ظاهرة ﴾ متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق.

﴿ وقدرنا فيها السير سيروا ﴾ فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها.

ثم بين أمن تلك الطريق بقوله ﴿ سيروا ﴾ أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار.

قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك.

والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات.

ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن.

ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد.

ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه.

ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم ﴿ وظلموا أنفسهم ﴾ بوضع الكفر موضع الشكر ﴿ فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق ﴾ فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى.

واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر.

وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي.

والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان ﴿ إن في ذلك ﴾ الجعل والتمزيق ﴿ لآيات لكل صبار ﴾ عن المعاصي ﴿ شكور ﴾ للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها.

ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ﴿ ولقد صدّق عليهم ﴾ أي على بني آدم لقرينة الحال.

وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله ﴿ لأغوينهم  ﴾ أو قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ بدليل قوله ﴿ فاتبعوه ﴾ والمتبوع خير من التابع.

ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به.

ثم بين قوله ﴿ وما كان له ﴾ أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك.

والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز.

التأويل: ﴿ يعلم ما يلج ﴾ في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام ﴿ وما يخرج منها ﴾ من الصفات المتولدة منها.

﴿ وما ينزل ﴾ من سماء القلب من الفيوض والإلهامات ﴿ وما يعرج فيها ﴾ من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين  ﴾ ﴿ يا جبال أوبي ﴾ قد مر تأويله في سورة الأنبياء ﴿ وقدّر في السرد ﴾ وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس ﴿ ولسليمن ﴾ القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن.

يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت.

كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ ﴿ وأسلنا له عين القطر ﴾ الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا  "شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير" ﴿ من محاريب ﴾ وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة.

قال جبرائيل  : لو دنوت أنملة لاحترقت.

﴿ وجفان كالجواب ﴾ فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده ﴿ اعملوا آل داود ﴾ وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه.

فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل.

فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة ﴿ تاكل منسأته ﴾ اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه ﴿ لقد كان لسبأ ﴾ السر ﴿ جنتان ﴾ جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر ﴿ بلدة طيبة ﴾ هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ﴿ ورب غفور ﴾ يستر العيوب ﴿ فأعرضوا ﴾ عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء ﴿ فأرسلنا عليهم سيل ﴾ سطوات ﴿ العرم ﴾ قهرنا ﴿ وبدلناهم بجنتيهم ﴾ الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة ﴿ جنيتن ﴾ من الأوصاف الذميمة ﴿ وهل نجازي ﴾ وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة.

﴿ قرى ظاهرة ﴾ منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية.

وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة ﴿ آمنين ﴾ في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد.

﴿ وما كان له عليهم من سلطان ﴾ فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ .

قد ذكرنا الآيات والبينات في غير موضع.

وقوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ ﴾ : كل رسول [يريد] أن يصد قومه عما كان يعبد آباؤهم من الأصنام والأوثان، لكن هذا القول من أولئك الرؤساء إغراء للأتباع على الرسل، يقولون: ألا ترون أن واحداً قد خالف الآباء في دينهم، ويريد أن يصدّكم عن دين آبائكم.

و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ .

أي: ما يدعو محمد إليه ليس إلا إفك مفترى.

و ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ﴾ ، أي: ما جاء للحق وهو القرآن والتوحيد من البيان والإيضاح له أنه الحق، وأنه من عند الله جاء، وهو الآيات والبراهين التي جاءت له أنه حق وأنه من عند الله جاء، لا أنه مفترى وإفك وسحر ما تزعمون، ولم تزعموا، ولم يزل طعن أولئك الكفرة في الآيات والحجج: بأنها سحر، وأنها إفك، وأنها مفترى، يلبسون بذلك على أولئك الأتباع والسفلة، ويموهون عليهم ويغرون؛ لئلا يتبعوه، ويستسلموا لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ ﴾ ، وهو - والله أعلم - صلة ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ ﴾ وقالوا ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ، يقول - والله أعلم - جواباً لقولهم: ﴿ وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ﴾ فتخبرهم أن ما يقول محمد إفك مفترى، ولا أرسلنا إليهم أيضاً من قبله رسولا يخبرهم: أنه كذب مفترى، وظهور الكذب في القول والخبر إنما يكون بأحد هذين الأمرين إما بكتاب أو نبي، وهم لا يؤمنون بكتاب ولا نبي، فكيف يدعون عليه الكذب والافتراء؟!

يخبر عن سفههم وقلة عقولهم وعنادهم بعدما خصهم - عز وجل - وفضلهم على غيرهم من البشر؛ حيث بعث الرسول منهم ومن أنفسهم، والكتاب على لسانهم وبلغتهم بعد قسمهم: إنه لو بعث إليهم نذيراً ورسولا اتبعوه حيث قالوا: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ  ﴾ لم يؤمنوا به، ولم يعرفوا منة الله عليهم وخصوصيتهم فيما خصهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ ﴾ .

يذكر رسوله ويصبره على تكذيب أولئك له، يقول: قد كذب الذين كانوا من قبلهم رسلهم، لست أنت بأول مكذب بل كذب إخوانك من قبل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: لم يبلغ هؤلاء الذين كذبوك عشر أولئك في القوة والغناء والفضل والعلم والأتباع والأعوان وغير ذلك مع ما كانوا كذلك لم يقوموا في دفع العذاب الذي نزل بهم بالتكذيب عن أنفسهم، فقومك الذين هم دون أولئك بما ذكروا أحق ألا يقوموا لدفع العذاب عن أنفسهم إذا نزل بهم بالتكذيب.

وقوله: ﴿ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: أليس وجدوا عذابي حقّاً.

قال الزجاج: هو "نكيرى" بالياء، لكن طرحت الياء؛ لأنه آخر الآية وختمها، فأبقيت الكسرة علامة لها أو كلام يشبه هذا.

قال أبو عوسجة: نكيري: عقوبتي.

وقال القتبي: أي: إنكاري.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِوَاحِدَةٍ ﴾ أي: بكلمة الإخلاص والتوحيد.

وقال بعضهم: أي: بطاعة الله.

وقال بعضهم: ﴿ بِوَاحِدَةٍ ﴾ أي: بكلمة واحدة؛ كقول الرجل لصاحبه: أكلمك كلمة واحدة، واسمع مني كلمة.

لكن الواحدة التي وعظهم بها عندنا ما ذكر على أثره حيث قال: ﴿ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ﴾ جميعاً ﴿ وَفُرَادَىٰ ﴾ وتتفكروا وتنظروا فيما بينكم: هل رأى أحد منكم به جنوناً قط؟

وقال بعضهم: يريد بالمثنى: أن يتناظر الرجلان في أمر النبي ﴿ وَفُرَادَىٰ ﴾ ، أي: تفكير واحد.

وقال بعضهم: يريد بالمثنى: أن يتناظر الرجلان في أمر النبي؛ فإن ذلك ما دل على أن النبي ليس بمجنون، ولا كذاب على ما تزعمون.

ثم كان الذي حملهم على أن نسبوه إلى الجنون وجوهاً: أحدها: أنهم رأوه قد خالف الفراعنة والجبابرة الذين كانوا يقتلون من خالفهم على الغضب في أدنى شيء بلا أعوان ولا أتباع له، فقالوا: لا يخاطر بهذا إلا من به جنون؛ فنسبوه إلى الجنون.

والثاني: أنهم رأوه قد خالف دينهم ودين آبائهم جملة من بينهم، فقالوا: لا يحتمل أن يصيب ديناً بعقله من بين الكل لا يصيب أحد ذلك، فاتهموه في العقل.

والثالث: أنه كان في حال صغره وصباه، لم يروه اشتغل بشيء من اللعب وخالط الصبيان في شيء من أمورهم، بل اعتزلهم من حال صباه إلى آن الوقت الذي بلغ، فقالوا: إن به جنوناً وإلا لم يعتزل الناس كل هذا الاعتزال.

ثم أخبر أنكم لو تفكرتم ونظرتم ثم عرفتم أن ليس بصاحبكم جنون: ﴿ إِنْ هُوَ ﴾ أي: ما هو ﴿ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ في الآخرة إن عصيتم، أي رسول الله إليكم ونذير مبين، [بين] يدي عذاب شديد في الآخرة إن عصيتم عوقبتم في الآخرة.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: ألا يتفكر الرجل منكم وحده أو مع صاحبه، فينظر أن في خلق السماوات والأرض وما بينهما الذي خلق هذه الأشياء وحده أنه واحد لا شريك له، وأن محمداً لصادق في قوله بأن الله واحد لا شريك له، وما به جنون إن هو إلا نذير.

وقوله: ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه سأل، قال بعضهم: إنه  سأل قومه أن يودّوا قرابته وألاَّ يؤذوهم؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ  ﴾ ، وما قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً  ﴾ يقول: ﴿ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ ﴾ يعني: المودة في القربى ﴿ فَهُوَ لَكُم ﴾ ، أي: الذي سألتكم هو لكم وهو المودة في القربى واتخاذ السبيل إلى ربي، والثاني: قوله: ﴿ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم ﴾ ، أي: لم أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم أجراً منكم، فيمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عليكم عن الإجابة؛ كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

أي: ما أجري إلا على الله.

﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .

بأني نذير وما بي جنون.

أو هو على كل شيء شهيد بأني لم أسألكم عليه أجراً.

أو على كل شيء من صنيعكم شهيد عالم به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يقضي بالحق، أو ﴿ يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: يتكلم بالوحي ويلقيه.

وقوله: ﴿ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

كل شيء غاب عن الخلق، وقد ذكر في غير موضع.

وقوله: ﴿ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ...

﴾ الآية، اختلف فيه: قال بعضهم: ما يبدئ الأوثان والأصنام التي عبدوها ﴿ وَمَا يُعِيدُ ﴾ ، أي: لا تخلق شيئاً ولا تحييه ولا تميته؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا يُبْدِىءُ ﴾ الشيطان الخلق فيخلقهم ﴿ وَمَا يُعِيدُ ﴾ خلقهم في الآخرة فيبعثهم بعد الموت، بل الله يفعل ذلك.

أو أن يكون قوله: ﴿ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: حجج الحق، ﴿ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، وما أبدأ الباطل، أي: لا يقذف بحجج الحق علام الغيوب: قال بعضهم: هو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ...

﴾ إلى آخر الآية [الأنبياء: 18]، قال: يزهق الباطل ويثبت الحق، أي: نقذف بالحق على الباطل فيهلك الباطل ويثبت الحق، وهو أيضاً ما ذكر: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ ﴾ ، بكسر اللام ونصبها كلاهما لغتان.

قال الكسائي: تقول العرب: ضَلَّ يَضَلُّ ضلالة، وضَلَّ يَضِلُّ بالخفض والنصب جميعاً.

ثم قوله: ﴿ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: إن ضللت فإنما يكون ضرر ضلالي على نفسي، لا يكون على الله من ذلك شيء؛ كقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا  ﴾ .

والثاني: إن ضللت فإنما يكون ذلك على نفسي، ولا يكون على أنفسكم من ضلالي شيء؛ كقوله: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ  ﴾ ، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ﴾ ، هذا يخرج أيضاً على وجهين: أحدهما: وإن اهتديت إلى طاعة الله وشرائع الدين فبما يوحي إليّ ربي في ذلك، أي: فبوحيه اهتديت إلى ذلك.

والثاني: وإن اهتديت إلى دينه وهدايته فبتوفيقه إياي وعصمته اهتديت، أضاف الهداية إلى الله والضلال إلى نفسه، فهو لما ذكرنا أن كان من الله إليه لطف في ذلك ليس ذلك في الضلال، وعلى قول المعتزلة يجيء أن يكون المعنى فيها واحداً؛ لأنهم يقولون: إنه لا يكون من الله سوى [الأمر] والنهي؛ فلا يكون منه إليه في الهداية إلا كما كان منه إليه في الضلال، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ أي: مجيب للداعي؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ...

﴾ الآية [البقرة: 186].

وقال بعضهم: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لمقالتكم لمحمد، حيث قالوا له: لقد ضللت حين تركت دين آبائك، ﴿ قَرِيبٌ ﴾ ، أي: مجيب له.

وقيل: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ الدعاء ﴿ قَرِيبٌ ﴾ الإجابة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المكذبين: إن ضللتُ عن الحق فيما أبلغكم فضرر ضلالي قاصر علي، لا ينالكم منه شيء، وإن اهتديتُ إليه فبسبب ما يوحيه إليَّ ربي سبحانه، إنه سميع لأقوال عباده، قريب لا يتعذر عليه سماع ما أقول.

<div class="verse-tafsir" id="91.6JN7v"

مزيد من التفاسير لسورة سبأ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله