الآية ١٠٢ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ١٠٢ من سورة الصافات

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٠٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 186 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٢ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٠٢ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فلما بلغ معه السعي ) أي : كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه .

وقد كان إبراهيم - عليه السلام - يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد " فاران " وينظر في أمرهما ، وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعا إلى هناك ، فالله أعلم .

وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعطاء الخراساني ، وزيد بن أسلم ، وغيرهم : ( فلما بلغ معه السعي ) يعني : شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل ، ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ) قال عبيد بن عمير : رؤيا الأنبياء وحي ، ثم تلا هذه الآية : ( قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ) وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد ، حدثنا أبو عبد الملك الكرندي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن إسرائيل بن يونس ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " رؤيا الأنبياء في المنام وحي " ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه .

وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه ، وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه .

( قال يا أبت افعل ما تؤمر ) أي : امض لما أمرك الله من ذبحي ، ( ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) أي : سأصبر وأحتسب ذلك عند الله - عز وجل - .

وصدق ، صلوات الله وسلامه عليه ، فيما وعد ; ولهذا قال الله تعالى : ( واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ) [ مريم : 54 ، 55 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) يقول: فلما بلغ الغلام الذي بشر به إبراهيم مع إبراهيم العمل، وهو السعي، وذلك حين أطاق معونته على عمله.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قولهِ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) يقول: العمل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) قال: لما شبّ حتى أدرك سعيه سَعْي إبراهيمَ في العمل.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: لما شبّ حين أدرك سعيه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) قال: سَعي إبراهيم.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) : سَعي إبراهيم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) قال: السَّعْيُ ها هنا العبادة.

وقال آخرون: معنى ذلك: فلما مشى مع إبراهيم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) : أي لما مشى مع أبيه.

وقوله ( قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم خليل الرحمن لابنه: ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) وكان فيما ذكر أن إبراهيم نذر حين بشَّرته الملائكة بإسحاق ولدًا أن يجعله إذا ولدته سارَة لله ذبيحا; فلما بلغ إسحاقُ مع أبيه السَّعْي أرِي إبراهيم في المنام، فقيل له: أوف لله بنذرك، ورؤيا الأنبياء يقين، فلذلك مضى لما رأى في المنام، وقال له ابنه إسحاق ما قال.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: قال جبرائيل لسارَة: أبشري بولد اسمه إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فضربت جبهتها عَجَبا، فذلك قوله فَصَكَّتْ وَجْهَهَا و قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ إلى قوله حَمِيدٌ مَجِيدٌ قالت سارَة لجبريل: ما آية ذلك ؟

فأخذ بيده عودا يابسا، فلواه بين أصابعه، فاهتز أخضر، فقال إبراهيم: هو لله إذن ذَبيح; فلما كبر إسحاق أُتِيَ إبراهيمُ في النوم، فقيل له: أوف بنذرك الذي نَذَرْت، إن الله رزقك غلاما من سارَة أن تذبحه، فقال لإسحاق: انطلق نقرب قُرْبَانا إلى الله، وأخذ سكينا وحبلا ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام: يا أبت أين قُرْبانك؟( قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ؟

قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) فقال له إسحاق: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكففْ عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء، فتراه سارَة فتحزن، وأَسْرِعْ مرّ السكين على حَلْقي؛ ليكون أهون للموت عليّ، فإذا أتيت سارَة فاقرأ عليها مني السلام; فأقبل عليه إبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي، حتى استنقع الدموع تحت خدّ إسحاق، ثم إنه جرّ السكين على حلقه، فلم تَحِكِ السكين، وضرب الله صفيحة من النحاس على حلق إسحاق; فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه، وحزّ من قفاه، فذلك قوله فَلَمَّا أَسْلَمَا يقول: سلما لله الأمر وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ فنودي يا إبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا بالحق فالتفت فإذا بكبش، فأخذه وخَلَّى عن ابنه، فأكبّ على ابنه يقبله، وهو يقول: اليوم يا بُنَيّ وُهِبْتَ لي; فلذلك يقول الله: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فرجع إلى سارَة فأخبرها الخبر، فجَزِعَت سارَة وقالت: يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تُعْلِمني!.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) قال: رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا فى المنام شيئا فعلوه.

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، قال: رؤيا الأنبياء وحي، ثم تلا هذه الآية: ( إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ).

قوله ( فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ) : اختلفت القرّاء في قراءة قوله ( مَاذَا تَرَى ؟

) ، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة، وبعض قراء أهل الكوفة: ( فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ؟) بفتح التاء، بمعنى: أي شيء تأمر، أو فانظر ما الذي تأمر، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: " مَاذَا تُرَى " بضم التاء، بمعنى: ماذا تُشير، وماذا تُرَى من صبرك أو جزعك من الذبح؟.

والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه: ( مَاذَا تَرَى ) بفتح التاء، بمعنى: ماذا ترى من الرأي.

فإن قال قائل: أو كان إبراهيم يؤامر ابنه في المضيّ لأمر الله، والانتهاء إلى طاعته؟

قيل: لم يكن ذلك منه مشاورة لابنه في طاعة الله، ولكنه كان منه ليعلم ما عند ابنه من العَزْم: هل هو من الصبر على أمر الله على مثل الذي هو عليه، فيسر بذلك أم لا وهو في الأحوال كلها ماض لأمر الله.

وقوله ( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) يقول تعالى ذكره: قال إسحاق لأبيه: يا أبت افعل ما يأمرك به ربك من ذبحي.( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) يقول: ستجدني إن شاء الله صابرا من الصابرين لما يأمرنا به ربنا، وقال: (افعل ما تُؤْمَرُ، ولم يقل: ما تؤمر به، لأن المعنى: افعل الأمر الذي تؤمره، وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: " إني أرى في المنام: افعل ما أُمِرْت به ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلما بلغ معه السعي أي فوهبنا له الغلام ، فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمور دنياه معينا له على أعماله قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك .

وقال مجاهد : فلما بلغ معه السعي أي : شب وأدرك سعيه سعي إبراهيم .

وقال الفراء : كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة .

وقال ابن عباس : هو الاحتلام .

قتادة : مشى مع أبيه .

الحسن ومقاتل : هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة .

ابن زيد : هو السعي في العبادة .

ابن عباس : صام وصلى ، ألم تسمع الله - عز وجل - يقول : وسعى لها سعيهااختلف العلماء في المأمور بذبحه .

فقال أكثرهم : الذبيح إسحاق .

وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله وهو الصحيح عنه .

روى الثوري وابن جريج يرفعانه إلى ابن عباس قال : الذبيح إسحاق .

وهو الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رجلا قال له : يا ابن الأشياخ الكرام .

فقال عبد الله : ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم .

وقد روى حماد بن زيد يرفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليهم وسلم .

وروى أبو الزبير عن [ ص: 91 ] جابر قال : الذبيح إسحاق .

وذلك مروي أيضا عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .

وعن عبد الله بن عمر : أن الذبيح إسحاق .

وهو قول عمر - رضي الله عنه - .

فهؤلاء سبعة من الصحابة .

وقال به من التابعين وغيرهم علقمة والشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي بزة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط والزهري والسدي وعبد الله بن أبي الهذيل ومالك بن أنس ، كلهم قالوا : الذبيح إسحاق .

وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى ، واختاره غير واحد منهم النحاس والطبري وغيرهما .

قال سعيد بن جبير : أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام ، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة ، حتى أتى به المنحر من منى ، فلما صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه ، وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة طويت له الأودية والجبال .

وهذا القول أقوى في النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة والتابعين .

وقال آخرون : هو إسماعيل .

وممن قال ذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة .

وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس أيضا ، ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وعلقمة .

وسئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد :إن الذبيح هديت إسماعيل نطق الكتاب بذاك والتنزيل شرف به خص الإله نبيناوأتى به التفسير والتأويل إن كنت أمته فلا تنكر لهشرفا به قد خصه التفضيلوعن الأصمعي قال : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ، فقال : يا أصمعي أين عزب [ ص: 92 ] عنك عقلك!

ومتى كان إسحاق بمكة ؟

وإنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن الذبيح إسماعيل .

والأول أكثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه وعن التابعين .

واحتجوا بأن الله - عز وجل - قد أخبر عن إبراهيم حين فارق قومه ، فهاجر إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط فقال : إني ذاهب إلى ربي سيهدين أنه دعا فقال : رب هب لي من الصالحين فقال تعالى : فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب ولأن الله قال : وفديناه بذبح عظيم فذكر أن الفداء في الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم وإنما بشر بإسحاق ; لأنه قال : وبشرناه بإسحاق ، وقال هنا : بغلام حليم ، وذلك قبل أن يتزوج هاجر وقبل أن يولد له إسماعيل ، وليس في القرآن أنه بشر بولد إلا إسحاق .

احتج من قال إنه إسماعيل : بأن الله تعالى وصفه بالصبر دون إسحاق في قوله تعالى : وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وهو صبره على الذبح ، ووصفه بصدق الوعد في قوله : إنه كان صادق الوعد لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به ، ولأن الله تعالى قال : وبشرناه بإسحاق نبيا فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيا ، وأيضا فإن الله تعالى قال : فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فكيف يؤمر بذبح إسحاق قبل إنجاز الوعد في يعقوب .

وأيضا ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة ، فدل على أن الذبيح إسماعيل ، ولو كان إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس .

وهذا الاستدلال كله ليس بقاطع ، أما قولهم : كيف يأمره بذبحه وقد وعده بأنه يكون نبيا ، فإنه يحتمل أن يكون المعنى : وبشرناه بنبوته بعد أن كان من أمره ما كان ، قاله ابن عباس وسيأتي .

ولعله أمر بذبح إسحاق بعد أن ولد لإسحاق يعقوب .

ويقال : لم يرد في القرآن أن يعقوب يولد من إسحاق .وأما قولهم : ولو كان الذبيح إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس ، فالجواب عنه ما قاله سعيد بن جبير على ما تقدم .

وقال الزجاج : الله أعلم أيهما الذبيح .

وهذا مذهب ثالث .قوله تعالى : قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال مقاتل : رأى ذلك إبراهيم - عليه السلام - ثلاث ليال متتابعات .

وقال محمد بن كعب : كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى أيقاظا ورقودا ، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم .

وهذا ثابت في [ ص: 93 ] الخبر المرفوع ، قال - صلى الله عليه وسلم - : إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا .

وقال ابن عباس : رؤيا الأنبياء وحي ، واستدل بهذه الآية .

وقال السدي : لما بشر إبراهيم بإسحاق قبل أن يولد له قال : هو إذن لله ذبيح ، فقيل له في منامه : قد نذرت نذرا فف بنذرك .

ويقال : إن إبراهيم رأى في ليلة التروية كأن قائلا يقول : إن الله يأمرك بذبح ابنك ؛ فلما أصبح روى في نفسه أي فكر ، أهذا الحلم من الله أم من الشيطان ؟

فسمي يوم التروية .

فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضا وقيل له : الوعد ، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي يوم عرفة .

ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر ، وروي أنه لما ذبحه قال جبريل : الله أكبر الله أكبر .

فقال الذبيح : لا إله إلا الله والله أكبر .

فقال إبراهيم : الله أكبر ، والحمد لله ، فبقي سنة ، وقد اختلف الناس في وقوع هذا الأمر وهي : الثالثة : فقال أهل السنة : إن نفس الذبح لم يقع ، وإنما وقع الأمر بالذبح قبل أن يقع الذبح ، ولو وقع لم يتصور رفعه ، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل ؛ لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفداء ، وقوله تعالى : " قد صدقت الرؤيا " ، أي حققت ما نبهناك عليه ، وفعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك .

هذا أصح ما قيل به في هذا الباب .

وقالت طائفة : ليس هذا مما ينسخ بوجه ؛ لأن معنى ذبحت الشيء قطعته .

واستدل على هذا بقول مجاهد : قال إسحاق لإبراهيم : لا تنظر إلي فترحمني ، ولكن اجعل وجهي إلى الأرض ، فأخذ إبراهيم السكين ، فأمرها على حلقه فانقلبت .

فقال له : ما لك ؟

قال : انقلبت السكين ، قال : اطعني بها طعنا ، وقال بعضهم : كان كلما قطع جزءا التأم .

وقالت طائفة : وجد حلقه نحاسا أو مغشى بنحاس ، وكان كلما أراد قطعا وجد منعا ، وهذا كله جائز في القدرة الإلهية ، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح ، فإنه أمر لا يدرك بالنظر ، وإنما طريقه الخبر .

ولو كان قد جرى ذلك لبينه الله تعالى تعظيما لرتبة إسماعيل وإبراهيم صلوات الله عليهما ، وكان أولى بالبيان من الفداء ، وقال بعضهم : إن إبراهيم ما أمر بالذبح الحقيقي الذي هو فري الأوداج وإنهار الدم ، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي ، فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له : " قد صدقت الرؤيا " ، وهذا كله خارج عن المفهوم ، ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهم .

وأيضا لو صحت هذه الأشياء لما احتيج إلى الفداء .

الرابعة : قوله تعالى : " فانظر ماذا ترى " قرأ أهل الكوفة غير عاصم : {ماذا تري} بضم التاء وكسر الراء من أري يري .

قال الفراء : أي فانظر ماذا تري من صبرك وجزعك .

قال الزجاج : لم يقل هذا أحد غيره ، وإنما قال العلماء ماذا تشير ، أي ما تريك نفسك من الرأي ، وأنكر أبو عبيد {تري} ، وقال : إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة ، وكذلك قال أبو حاتم .

النحاس : وهذا غلط ، وهذا يكون من رؤية العين وغيرها وهو مشهور ، يقال : أريت فلانا الصواب ، وأريته رشده ، وهذا ليس من رؤية العين .

الباقون : {ترى} مضارع رأيت ، وقد روي عن الضحاك والأعمش {ترى} غير مسمى الفاعل .

ولم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر الله ، وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر الله ، أو لتقر عينه إذا رأى من ابنه طاعة في أمر الله ف{قال يا أبت افعل ما تؤمر} أي ما تؤمر به فحذف الجار كما حذف من قوله : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فوصل الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ، ثم حذفت الهاء ؛ كقوله : {وسلام على عباده الذين اصطفى} أي اصطفاهم على ما تقدم .

و ( ما ) بمعنى الذي {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} قال بعض أهل الإشارة : لما استثنى وفقه الله للصبر .

وقد مضى الكلام في {يا أبت} وكذلك في {يا بني} في ( يوسف ) وغيرها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَلَمَّا بَلَغَ } الغلام { مَعَهُ السَّعْيَ } أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنا يكون في الغالب، أحب ما يكون لوالديه، قد ذهبت مشقته، وأقبلت منفعته، فقال له إبراهيم عليه السلام: { إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } أي: قد رأيت في النوم والرؤيا، أن اللّه يأمرني بذبحك، ورؤيا الأنبياء وحي { فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى } فإن أمر اللّه تعالى، لا بد من تنفيذه، { قَالَ } إسماعيل صابرا محتسبا، مرضيا لربه، وبارا بوالده: { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } أي: [امض] لما أمرك اللّه { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } أخبر أباه أنه موطن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة اللّه تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة اللّه تعالى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما بلغ معه السعي ) قال ابن عباس وقتادة : يعني المشي معه إلى الجبل .

وقال مجاهد عن ابن عباس : لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم والمعنى : بلغ أن يتصرف معه ويعينه في عمله .

قال الكلبي : يعني العمل لله تعالى ، وهو قول الحسن ومقاتل بن حيان وابن زيد ، قالوا : هو العبادة لله تعالى .

واختلفوا في سنه ، قيل : كان ابن ثلاث عشرة سنة .

وقيل : كان ابن سبع سنين .

( قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك ) واختلف العلماء من المسلمين في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم بذبحه بعد اتفاق أهل الكتابين على أنه إسحاق ، فقال قوم : هو إسحاق وإليه ذهب من الصحابة : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، ومن التابعين وأتباعهم : كعب الأحبار ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، ومسروق ، وعكرمة ، وعطاء ، ومقاتل ، والزهري ، والسدي ، وهي رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقالوا : كانت هذه القصة بالشام .

وروي عن سعيد بن جبير قال : أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام ، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى ، فلما أمره الله تعالى بذبح الكبش ، ذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة وطويت له الأودية والجبال .

وقال آخرون : هو إسماعيل ، وإليه ذهب عبد الله بن عمر ، وهو قول سعيد بن المسيب ، والشعبي ، والحسن البصري ، ومجاهد ، والربيع بن أنس ، ومحمد بن كعب القرظي ، والكلبي ، وهي رواية عطاء بن أبي رباح ، ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال : المفدى إسماعيل .

وكلا القولين يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ذهب إلى أن الذبيح إسحاق احتج من القرآن بقوله : " فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي " ( الصافات - 101 ) أمره بذبح من بشره به ، وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى إسحاق ، كما قال في سورة هود : " فبشرناها بإسحاق " ( هود - 71 ) .

ومن ذهب إلى أنه إسماعيل احتج بأن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح فقال : " وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين " ( الصافات - 112 ) دل على أن المذبوح غيره ، وأيضا قال الله - تعالى - في سورة هود : " فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب " ( هود - 71 ) فكما بشره بإسحاق بشره بابنه يعقوب ، فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه .

قال القرظي : سأل عمر بن عبد العزيز رجلا كان من علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه : أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟

فقال : إسماعيل ، ثم قال : يا أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله - تعالى - بذبحه ، ويزعمون أنه إسحاق .

ومن الدليل عليه : أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج .

قال الشعبي : رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة .

وعن ابن عباس قال : والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة ، قد وحش يعني يبس .

قال الأصمعي : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل ؟

فقال : يا صميع أين ذهب عقلك متى كان إسحاق بمكة ؟

إنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه .

وأما قصة الذبح قال السدي : لما دعا إبراهيم فقال : رب هب لي من الصالحين ، وبشر به ، قال : هو إذا لله ذبيح ، فلما ولد وبلغ معه السعي قيل له : أوف بنذرك ، هذا هو السبب في أمر الله تعالى إياه بذبح ابنه ، فقال عند ذلك لإسحاق : انطلق فقرب قربانا لله - تعالى - فأخذ سكينا وحبلا وانطلق معه حتى ذهب به بين الجبال ، فقال له الغلام : يا أبت أين قربانك ؟

فقال : " يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر " .

وقال محمد بن إسحاق : كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام ، حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي ، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته ، أمر في المنام أن يذبحه ، وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له : إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا ، فلما أصبح روي في نفسه أي : فكر من الصباح إلى الرواح ، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان ؟

فمن ثم سمي يوم التروية فلما أمسى رأى في المنام ثانيا ، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله - عز وجل - ، فمن ثم سمي يوم عرفة .

قال مقاتل : رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متواليات ، فلما تيقن ذلك أخبر به ابنه ، فقال : " يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى " .

قرأ حمزة والكسائي : " ترى " بضم التاء وكسر الراء : ماذا تشير .

وإنما أمره ليعلم صبره على أمر الله تعالى ، وعزيمته على طاعته .

وقرأ العامة بفتح التاء والراء إلا أبا عمرو فإنه يميل الراء .

قال له ابنه : ( ياأبت افعل ما تؤمر ) وقال ابن إسحاق وغيره : فلما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه : يا بني خذ الحبل والمدية ننطلق إلى هذا الشعب نحتطب ، فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما أمر ، ( قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما بلغ معه السعي» أي أن يسعى معه ويعينه قيل بلغ سبع سنين وقيل ثلاث عشرة سنة «قال يا بنيَّ إني أرى» أي رأيت «في المنام أني أذبحك» ورؤيا الأنبياء حق وأفعالهم بأمر الله تعالى «فانظر ماذا ترى» من الرأي شاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به «قال يا أبت» التاء عوض عن ياء الإضافة «افعل ما تؤمر» به «ستجدني إن شاء الله من الصابرين» على ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما كَبِر إسماعيل ومشى مع أبيه قال له أبوه: إني أرى في المنام أني أذبحك، فما رأيك؟

(ورؤيا الأنبياء حق) فقال إسماعيل مُرْضيًا ربه، بارًّا بوالده، معينًا له على طاعة الله: أمض ما أمرك الله به مِن ذبحي، ستجدني -إن شاء الله- صابرًا طائعًا محتسبًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي ) فصيحة ، أى : بشرناه بهذا الغلام الحليم ، ثم عاش هذا الغلام حتى بلغ السن التى فى إمكانه أن يسعى معه فيها ، ليساعده فى قضاء مصالحه .قيل : كانت سن إسماعيل فى ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة .( قَالَ يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى ) .أى : فلام بلغ الغلام مع أبيه هذه السن ، قال الأب لابنه : يا بنى إنى رأيت فى منامى أنى أذبحك ، فانظرماذا ترى فى شأن نفسك .قال الآلوسى ما ملخصه : يحتمل أنه - عليه السلام - رأى فى منامه أنه فعل ذلك .

.

ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك ، ولكنه لم يذكره وذكر التأويل ، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة : رأيت فى المنام أنى ناج من هذه المحنة .ورؤيا الأنبياء وحى كالوحى فى اليقظة ، وفى رواية أنه رأى ذلك فى ليلة التروية فأخذ بفكر فى أمره ، فسميت بذلك ، فلما رأى ما رآه سابقا عرف أن هذه الرؤيا من الله ، فسمى بيوم عرفة ، ثم رأى مثل ذلك فى الليلة الثالثة فهمَّ بنحره فسمى بيوم النحر .ولعل السر فى كونه مناما لا يقظة ، أن تكون المبادرة إلى الامتثال ، أدل على كمال الانقياد والإِخلاص .وإنما شاوره بقوله : ( فانظر مَاذَا ترى ) مع أنه سينفذ ما أمره الله - تعالى - به فى منامه سواء رضى إسماعيل أم لم يرض ، لأن فى هذه المشاورة إعلاما له بما رآه ، لكى يتقبله بثبات وصبر ، وليكون نزول هذا الأمر عليه أهون ، وليختبر عزمه وجلده .وقوله : ( قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين ) حكاية لما رد به إسماعيل على أبيه إبراهيم - عليهما السلام - وهو رد يدل على علو كعبه فى الثبات ، وفى احتمال البلاء ، وفى الاستسلام لقضاء الله وقدره .أى : قال الابن لأبيه : يا أبت افعل ما تؤمر به من قبل الله - تعالى - ولا تتردد فى ذلك وستجدنى ن شاء الله من الصابرين على قضائه .وفى هذا الرد ما فيه من سمو الأدب ، حيث قدم مشيئة الله - تعالى - ، ونسب الفضل إليه ، واستعان به - سبحانه - فى أن يجعله من الصابرين على البلاء .وهكذا الأنبياء - عليهم السلام - يلهمهم الله - تعالى - فى جميع مراحل حياتهم ما يجعلهم فى أعلى درجات السمو النفسى ، واليقين القلبى .

والكمال الخلقى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن سبحانه وتعالى لما قال: ﴿ فبشرناه بغلام حَلِيمٍ  ﴾ أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به وبلغه، فقال: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى ﴾ ومعناه فلما أدرك وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي، وقوله: ﴿ مَعَهُ ﴾ في موضع الحال والتقدير كائناً معه، والفائدة في اعتبار هذا المعنى أن الأب أرفق الناس بالولد، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته، قال بعضهم: كان في ذلك الوقت ابن ثلاث عشرة سنة، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده في الآية الأولى بكون ذلك الغلام حليماً، بين في هذه الآية ما يدل على كمال حلمه، وذلك لأنه كان به من كمال الحلم وفسحة الصدر ما قواه على احتمال تلك البلية العظيمة، والإتيان بذلك الجواب الحسن.

أما قوله: ﴿ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير هذه اللفظة وجهان الأول: قال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له قال: هو إذن لله ذبيح فقيل لإبراهيم قد نذرت نذراً فف بنرك فلما أصبح ﴿ قَالَ يَا بُنَىَّ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ .

وروي من طريق آخر أنه رأى ليلة التروية في منامه، كأن قائلاً يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان؟

فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر وهذا هو قول أهل التفسير وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة، وعلى هذا فتقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك والقول الثاني: أنه رأى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء عليهم السلام من باب الوحي، وعلى هذا القول فالمرئي في المنام ليس إلا أنه يذبح، فإن قيل إما أن يقال إنه ثبت بالدليل عند الأنبياء عليهم السلام أن كل ما رآه في المنام فهو حق حجة أو لم يثبت ذلك بالدليل عندهم، فإن كان الأول فلم راجع الولد في هذه الواقعة، بل كان من الواجب عليه أن يشتغل بتحصيل ذلك المأمور، وأن لا يراجع الولد فيه، وأن لا يقول له؛ ﴿ فانظر مَاذَا ترى ﴾ وأن لا يوقف العمل على أن يقول له الولد ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ؟، وأيضاً فقد قلتم إنه بقي في اليوم الأول متفكراً، ولو ثبت عنده بالدليل أن كل ما رآه في النوم فهو حق لم يكن إلى هذا التروي والتفكر حاجة، وإن كان الثاني، وهو أنه لم يثبت بالدليل عندهم أن ما يرونه في المنام حق، فكيف يجوز له أن يقدم على ذبح ذلك الطفل بمجرد رؤيا لم يدل الدليل على كونها حجة؟

والجواب: لا يبعد أن يقال إنه كان عند الرؤيا متردداً فيه ثم تأكدت الرؤيا بالوحي الصريح، والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا الذبيح من هو؟

فقيل إنه إسحاق وهذ قول عمر وعلي والعباس بن عبد المطلب وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد بن جبير ومسروق وعكرمة والزهري والسدي ومقاتل رضي الله عنهم، وقيل إنه إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والكلبي، واحتج القائلون بأنه إسماعيل بوجوه: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا ابن الذبيحين».

وقال له أعرابي: يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال: «إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل، والذبيح الثاني إسماعيل».

الحجة الثانية: نقل عن الأصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة؟.

الحجة الثالثة: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله: ﴿ وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مّنَ الصابرين  ﴾ وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد في قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد  ﴾ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به.

الحجة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ  ﴾ فنقول لو كان الذبيح إسحاق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب، منه أو بعد ذلك فالأول: باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحاق، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه، وإلا حصل الخلف في قوله: ﴿ وَمِن وَرَاء إسحاق يعقوب ﴾ والثاني: باطل لأن قوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى قَالَ يابنى إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحاق.

الحجة الخامسة: حكى الله تعالى عنه أنه قال: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ  ﴾ ثم طلب من الله تعالى ولداً يستأنس به في غربته فقال: ﴿ رَبّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين  ﴾ وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد، لأن طلب الحاصل محال وقوله: ﴿ هَبْ لِى مِنَ الصالحين ﴾ لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله: ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحاق، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء وهو إسماعيل، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل.

الحجة السادسة: الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة، فكأن الذبيح بمكة.

ولو كان الذبيح إسحاق كان الذبح بالشام، واحتج من قال إن ذلك الذبيح هو إسحاق بوجهين: الوجه الأول: أن أول الآية وآخرها يدل على ذلك، أما أولها فإنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال: ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سَيَهْدِينِ ﴾ وأجمعوا على أن المراد منه مهاجرته إلى الشام ثم قال: ﴿ فبشرناه بغلام حليم  ﴾ فوجب أن يكون هذا الغلام ليس إلا إسحاق، ثم قال بعده: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى ﴾ وذلك يقتضي أن يكون المراد من هذا الغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في الشام، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحاق، وأما آخر الآية فهو أيضاً يدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده: ﴿ وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً مّنَ الصالحين ﴾ ومعناه أنه بشره بكونه نبياً من الصالحين، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح، فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام.

الحجة الثانية: على صحة ذلك ما اشتهر من كتاب يعقوب إلى يوسف عليه السلام من يعقوب إسرائيل نبي الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فهذا جملة الكلام في هذا الباب، وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح، والله أعلم.

واعلم أنه يتفرع على ما ذكرنا اختلافهم في موضع الذبح فالذين قالوا الذبيح هو إسماعيل قالوا: كان الذبح بمنى، والذين قالوا: إنه إسحاق قالوا هو بالشام وقيل ببيت المقدس، والله أعلم.

المسألة الثالثة: اختلف الناس في أن إبراهيم عليه السلام كان مأموراً بهذا بما رأى، وهذا الاختلاف مفرع على مسألة من مسائل أصول الفقه، وهي أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال فقال أكثر أصحابنا إنه يجوز، وقالت المعتزلة وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية إنه لا يجوز، فعلى القول الأول أنه سبحانه وتعالى أمره بالذبح، ثم إنه تعالى نسخ هذا التكليف قبل حضور وقته، وعلى القول الثاني أنه تعالى ما أمره بالذبح، وإنما أمره بمقدمات الذبح وهذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ، واحتج أصحابنا على أنه يجوز نسخ الأمر قبل مجيء مدة الامتثال بأن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه وذلك يفيد المطلوب إنما قلنا إنه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين: الأول: أنه عليه السلام قال لولده إني أرى في المنام أني أذبحك فقال الولد افعل ما تؤمر وهذا يدل على أنه عليه السلام كان مأموراً بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح، ثم إنه أتى بمقدمات الذبح وأدخلها في الوجود، فحينئذٍ يكون قد أمر بشيء وقد أتى به، وفي هذا الموضع لا يحتاج إلى الفداء، لكنه احتاج إلى الفداء بدليل قوله تعالى: ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ فدل هذا على أنه أتى بالمأمور به، وقد ثبت أنه أتى بكل مقدمات الذبح، وهذا يدل على أنه تعالى كان قد أمره بنفس الذبح، وإذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته وذلك يدل على المقصود، وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الله أمره بذبح الولد بل نقول إنه تعالى أمره بمقدمات الذبح، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه ما أتى بالذبح وإنما أتى بمقدمات الذبح، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما أمر به بدليل قوله تعالى: ﴿ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ وذلك يدل على أنه تعالى إنما أمره في المنام بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح وتلك المقدمات عبارة عن إضجاعه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل إن ورد الأمر الثاني: الذبح عبارة عن قطع الحلقوم فلعل إبراهيم عليه السلام قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع جزءاً أعاد الله التأليف إليه، فلهذا السبب لم يحصل الموت والوجه الثالث: وهو الذي عليه تعويل القوم أنه تعالى لو أمر شخصاً معيناً بإيقاع فعل معين في وقت معين، فهذا يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن، فإذا أنهاه عنه فذلك النهي يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت قبيح، فلو حصل هذا النهي عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين، لأنه تعالى إن كان عالماً بحال ذلك الفعل لزم أن يقال إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله تعالى الحسن، وإن لم يكن عالماً به لزم جهل الله تعالى وإنه محال، فهذا تمام الكلام في هذا الباب والجواب: عن الأول أنا قد دللنا على أنه تعالى إنما أمره بالذبح.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ فهذا يدل على أنه اعترف بكون تلك الرؤيا واجب العمل بها ولا يدل على أنه أتى بكل ما رآه في ذلك المنام.

وأما قوله ثانياً كلما قطع إبراهيم عليه السلام جزءاً أعاد الله تعالى التأليف إليه، فنقول هذا باطل لأن إبراهيم عليه السلام لو أتى بكل ما أمر به لما احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بما أمر به.

وأما قوله ثالثاً إنه يلزم، إما الأمر بالقبيح وإما الجهل، فنقول هذا بناءً على أن الله تعالى لا يأمر إلا بما يكون حسناً في ذاته ولا ينهي إلا عما يكون قبيحاً في ذاته، وذلك بناءً على تحسين العقل وتقبيحه وهو باطل، وأيضاً فهب أنا نسلم ذلك إلا أنا نقول لم لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء تارة يحسن لكون المأمور به حسناً وتارة لأجل أن ذلك الأمر يفيد صحة مصلحة من المصالح وإن لم يكن المأمور به حسناً ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يروض عبده، فإنه يقول له إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلاني، ويكون ذلك الفعل من الأفعال الشاقة، ويكون مقصود السيد من ذلك الأمر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل، بل أن يوطن العبد نفسه على الانقياد والطاعة، ثم إن السيد إذا علم منه أنه وطن نفسه على الطاعة فقد يزيل الألم عنه ذلك التكليف، فكذا هاهنا، فما لم تقيموا الدلالة على فساد هذا الاحتمال لم يتم كلامكم.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد وقوعه، والدليل عليه أنه أمر بالذبح وما أراد وقوعه، أما أنه أمر بالذبح فلما تقدم في المسألة الأولى.

وأما أنه ما أراد وقوعه فلأن عندنا أن كل ما أراد الله وقوعه فإنه يقع، وحيث لم يقع هذا الذبح علمنا أنه تعالى ما أراد وقوعه، وأما عند المعتزلة فلأن الله تعالى نهى عن ذلك الذبح، والنهي عن الشيء يدل على أن الناهي لا يريد وقوعه فثبت أنه تعالى أمر بالذبح، وثبت أنه تعالى ما أراده، وذلك يدل على أن الأمر قد يوجد بدون الإرادة، وتمام الكلام في أن الله تعالى أمر بالذبح ما تقدم في المسألة المتقدمة، والله أعلم.

المسألة الخامسة: في بيان الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة وبيانه من وجوه: الأول: أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح، فورد أولاً في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة، فحينئذٍ لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة بل شيئاً فشيئاً الثاني: أن الله تعالى جعل رؤيا الأنبياء عليهم السلام حقاً، قال الله تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام  ﴾ وقال عن يوسف عليه السلام: ﴿ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ  ﴾ وقال في حق إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ والمقصود من ذلك تقوية الدلالة على كونهم صادقين، لأن الحال إما حال يقظة وإما حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق، كان ذلك هو النهاية في بيان كونهم محقين صادقين في كل الأحوال، والله أعلم.

ثم نقول مقامات الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أقسام منها ما يقع على وفق الرؤية كما في قوله تعالى في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام ﴾ ثم وقع ذلك الشيء بعينه، ومنها ما يقع على الضد كما في حق إبراهيم عليه السلام فإنه رأى الذبح وكان الحاصل هو الفداء والنجاة، ومنها ما يقع على ضرب من التأويل والمناسبة كما في رؤيا يوسف عليه السلام، فلهذا السبب أطبق أهل التعبير على أن المنامات واقعة على هذه الوجوه الثلاثة.

المسألة السادسة: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ تَرَى ﴾ بضم التاء وكسر الراء، أن ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم؟

وقيل ما تشير، والباقون بفتح التاء، ثم منهم من يميل ومنهم من لا يميل.

المسألة السابعة: الحكمة في مشاورة الإبن في هذا الباب أن يطلع ابنه على هذه الواقعة ليظهر له صبره في طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحلم إلى هذا الحد العظيم، وفي الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا، ثم إنه تعالى حكى عن ولد إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ومعناه افعل ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله: أمرتك الخبر فافعل ما أمرت به *** ثم قال: ﴿ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين ﴾ وإنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك والتيمن، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا ﴾ يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد، وقد قرئ بهن جميعاً إذ انقاد له وخضع، وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له، ومعناه سلم من أن ينازع فيه، وقولهم سلم لأمر الله وأسلم له منقولان عنه بالهمزة، وحقيقة معناها أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة، وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه لله وعن قتادة في أسلما أسلم هذا ابنه وهذا نفسه، ثم قال تعالى: ﴿ وتله للجبين ﴾ أي صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه على الأرض وللوجه جبينان، والجبهة بينهما، قال ابن الأعرابي التليل والمتلول المصروع والمتل الذي يتل به أي يصرع، فالمعنى أنه صرعه على جبينه، وقال مقاتل كبه على جبهته، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة.

ثم قال تعالى: ﴿ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ وفيه قولان الأول: أن هذا جواب فلما عند الكوفيين والفراء والواو زائدة والقول الثاني: أن عند البصريين لا يجوز ذلك والجواب مقدر والتقدير: فلما فعل ذلك وناداه الله أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، سعد سعادة عظيمة وآتاه الله نبوة ولده وأجزل له الثواب، قالوا: وحذف الجواب ليس بغريب في القرآن والفائدة فيه أنه إذا كان محذوفاً كان أعظم وأفخم، قال المفسرون لما أضجعه للذبح نودي من الجبل: ﴿ ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا ﴾ قال المحققون: السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذا التكليف الشاق الشديد وظهر منه كمال الطاعة وظهر من ولده كمال الطاعة والانقياد، لا جرم قال قد صدقت الرؤيا، يعني حصل المقصود من تلك الرؤيا.

وقوله: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين ﴾ ابتداء إخبار من الله تعالى، وليس يتصل بما تقدم من الكلام، والمعنى أن إبراهيم وولده كانا محسنين في هذه الطاعة، فكما جزينا هذين المحسنين فكذلك نجزي كل المحسنين.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين ﴾ أي الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها ﴿ وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ الذبح مصدر ذبحت والذبح أيضاً ما يذبح وهو المراد في هذه الآية، وهاهنا مباحث تتعلق بالحكايات فالأول: حكي في قصة الذبيح أن إبراهيم عليه السلام لما أراد ذبحه قال: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب، فلما توسطا شعب ثبير أخبره بما أمر به، فقال: يا أبت اشدد رباطي فيَّ كيلا أضطرب، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن، واستحد شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان ثم وضع السكين على حلقه فقال: كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة وقد تحول بينك وبين أمر الله سبحانه وتعالى ففعل ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.

البحث الثاني: اختلفوا في ذلك الكبش فقيل إنه الكبش الذي تقرب به هابيل بن آدم إلى الله تعالى فقبله، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله تعالى به إسماعيل، وقال آخرون أرسل الله كبشاً من الجنة قد رعى أربعين خريفاً، وقال السدي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل، فقام عنه إبراهيم فأخذه فذبحه، وخلى عن ابنه، ثم اعتنق ابنه وقال: يا بني اليوم وهبت لي، وأما قوله: ﴿ عظِيمٌ ﴾ فقيل سمي عظيماً لعظمه وسمنه، وقال سعيد بن جبير حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً، وقيل سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله تعالى فداء عن ولد إبراهيم، ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين ﴾ الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهُ ﴾ عائد إلى إبراهيم، ثم قال تعالى: ﴿ وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً مّنَ الصالحين ﴾ فقوله: ﴿ نَبِيّاً ﴾ حال مقدرة أي بشرناه بوجود إسحاق مقدرة نبوته، ولمن يقول إن الذبيح هو إسماعيل أن يحتج بهذه الآية، وذلك لأن قوله: ﴿ نَبِيّاً ﴾ حال ولا يجوز أن يكون المعنى فبشرناه بإسحاق حال كون إسحاق نبياً لأن البشارة به متقدمة على صيرورته نبياً، فوجب أن يكون المعنى وبشرناه بإسحاق حال ما قدرناه نبياً، وحال ما حكمنا عليه فصبر، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ كانت هذه البشارة بشارة بوجود إسحاق حاصلة بعد قصة الذبيح، فوجب أن يكون الذبيح غير إسحاق، أقصى ما في الباب أن يقال لا يبعد أن يقال هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة عن قصة الذبيح إلا أنها كانت متقدمة عليها في الوقوع والوجود، إلا أنا نقول الأصل رعاية الترتيب وعدم التغيير في النظم، والله أعلم بالصواب.

ثم قال تعالى: ﴿ وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق ﴾ وفي تفسير هذه البركة وجهان الأول: أنه تعالى أخرج جميع أنبياء بني إسرائيل من صلب إسحاق والثاني: أنه أبقى الثناء الحسن على إبراهيم وإسحاق إلى يوم القيامة، لأن البركة عبارة عن الدوام والثبات، ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ وفي ذلك تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن، لئلا تصير هذه الشبهة سبباً لمفاخرة اليهود، ودخل تحت قوله: ﴿ مُحْسِنٌ ﴾ الأنبياء والمؤمنين وتحت قوله: ﴿ ظَالِمٌ ﴾ الكافر والفاسق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فلما بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه.

فإن قلت: ﴿ مَعَهُ ﴾ بم يتعلق؟

قلت: لا يخلو إما أن يتعلق ببلغ، أو بالسعي، أو بمحذوف، فلا يصح تعلقه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معاً حدّ السعي، ولا بالسعي لأنّ صلة المصدر لا تتقدم عليه، فبقي أن يكون بياناً، كأنه لما قال: فلما بلغ السعي أي الحدّ الذي يقدر فيه على السعي قيل: مع من؟

فقال مع أبيه.

والمعنى في اختصاص الأب أنه أرفق الناس به، وأعطفهم عليه، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله، لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة.

والمراد: أنه على غضاضة سنة وتقلبه في حدّ الطفولة، كان فيه من رصانة الحلم وفسحة الصدر ما جسره على احتمال تلك البلية العظيمة والإجابة بذلك الجواب الحكيم: أتي في المنام فقيل له: اذبح ابنك، ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة، فلهذا قال: ﴿ إِنّى أرى فِي المنام أَنّى أَذْبَحُكَ ﴾ فذكر تأويل الرؤيا، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب في سفينة: رأيت في المنام أني ناج من هذه المحنة، وقيل: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إنّ الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روَّى في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أو من الشيطان؟

فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من الله، فمن ثم سمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره فسمي يوم النحر.

وقيل: إنّ الملائكة حين بشّرته بغلام حليم قال: هو إذن ذبيح الله.

فلما ولد وبلغ حدّ السعي معه قيل له: أوف بنذرك ﴿ فانظر مَاذَا ترى ﴾ من الرأي على وجه المشاورة.

وقرئ: ﴿ ماذا ترى ﴾ ، أي: ماذا تبصر من رأيك وتبديه.

وماذا ترى، على البناء للمفعول: أي: ماذا تريك نفسك من الرأي ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ أي ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ أوأمرك على إضافة المصدر إلى المفعول، وتسمية المأمور به أمراً.

وقرئ: ﴿ ما تؤمر به ﴾ فإن قلت: لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟

قلت: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته، ولكن ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله، فيثبت قدمه ويصبره إن جزع، ويأمن عليه الزلل إن صبر وسلم، وليعلمه حتى يراجع نفسه فيوطنها ويهون عليها، ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله قبل نزوله، لأنّ المغافصة بالذبح مما يستمسج وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك.

فإن قلت: لم كان ذلك بالمنام دون اليقظة؟

قلت: كما أرى يوسف عليه السلام سجود أبويه وإخوته له في المنام من غير وحي إلى أبيه، وكما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخول المسجد الحرام في المنام، وما سوى ذلك من منامات الأنبياء، وذلك لتقوية الدلالة على كونهم صادقين مصدوقين؛ لأنّ الحال إما حال يقظة أو حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق كان ذلك أقوى للدلالة من انفراد أحدهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ أيْ فَلَمّا وجَدَ وبَلَغَ أنْ يَسْعى مَعَهُ في أعْمالِهِ، و ( مَعَهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ( السَّعْيُ ) لا بِهِ لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُهُ ولا بِـ ( بَلَغَ ) فَإنَّ بُلُوغَهُما لَمْ يَكُنْ مَعًا كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ( فَلَمّا بَلَغَ السَّعْيَ ) فَقِيلَ مَعَ مَن فَقِيلَ ( مَعَهُ )، وتَخْصِيصُهُ لِأنَّ الأبَ أكْمَلَ في الرِّفْقِ والِاسْتِصْلاحِ لَهُ فَلا يَسْتَسْعِيهِ قَبْلَ أوانِهِ، أوْ لِأنَّهُ اسْتَوْهَبَهُ لِذَلِكَ وكانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَ عَشَرَةَ سَنَةً.

﴿ قالَ يا بُنَيَّ ﴾ وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِ الياءِ.

﴿ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنَّهُ رَأى ذَلِكَ وأنَّهُ رَأى ما هو تَعْبِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ أنَّ قائِلًا يَقُولُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ، فَلَمّا أصْبَحَ رَوى أنَّهُ مِنَ اللَّهِ أوْ مِنَ الشَّيْطانِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ وقالَ لَهُ ذَلِكَ، ولِهَذا سُمِّيَتِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ بِالتَّرْوِيَةِ وعَرَفَةَ والنَّحْرِ، والأظْهَرُ أنَّ المُخاطَبَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ الَّذِي وهَبَ لَهُ أثَرَ الهِجْرَةِ ولِأنَّ البِشارَةَ بِإسْحاقَ بَعْدُ مَعْطُوفَةٌ عَلى البِشارَةِ بِهَذا الغُلامِ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» .

فَأحَدُهُما جَدُّهُ إسْماعِيلُ والآخَرُ أبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَإنَّ جَدَّهُ عَبْدَ المُطَّلِبِ نَذَرَ أنْ يَذْبَحَ ولَدًا إنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ حَفْرَ زَمْزَمَ أوْ بَلَغَ بَنُوهُ عَشَرَةً، فَلَمّا سَهَّلَ أقْرَعَ فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ فَفَداهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، ولِذَلِكَ سُنَّتِ الدِّيَةُ مِائَةً ولِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَكَّةَ وكانَ قَرْنا الكَبْشِ مُعَلَّقَيْنِ بِالكَعْبَةِ حَتّى احْتَرَقا مَعَها في أيّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ولَمْ يَكُنْ إسْحاقُ ثَمَّةَ، ولِأنَّ البِشارَةَ بِإسْحاقَ كانَتْ مَقْرُونَةً بِوِلادَةِ يَعْقُوبَ مِنهُ فَلا يُناسِبُها الأمْرُ بِذَبْحِهِ مُراهِقًا، وما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ أيُّ النَّسَبِ أشْرَفُ فَقالَ: يُوسُفُ صِدِّيقُ اللَّهِ ابْنُ يَعْقُوبَ إسْرائِيلِ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ فالصَّحِيحُ أنَّهُ قالَ: «يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ» والزَّوائِدُ» مِنَ الرّاوِي.

وَما رُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ كَتَبَ إلى يُوسُفَ مِثْلَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما.

﴿ فانْظُرْ ماذا تَرى ﴾ مِنَ الرَّأْيِ، وإنَّما شاوَرَهُ فِيهِ وهو حَتْمٌ لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ فِيما نَزَلَ مِن بَلاءِ اللَّهِ فَيُثَبِّتُ قَدَمَهُ إنْ جَزِعَ، ويَأْمَنُ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ ولِيُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَيُهَوِّنَ ويَكْتَسِبَ المَثُوبَةَ بِالِانْقِيادِ لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( ماذا تُرِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ خالِصَةً، والباقُونَ بِفَتْحِهِما وأبُو عَمْرٍو يُمِيلُ فَتْحَةَ الرّاءِ ووَرْشٌ بَيْنَ بَيْنَ والباقُونَ بِإخْلاصِ فَتْحِها.

﴿ قالَ يا أبَتِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ التّاءِ.

﴿ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُ بِهِ فَحُذِفا دُفْعَةً، أوْ عَلى التَّرْتِيبِ كَما عَرَفْتَ أوْ أمْرُكَ عَلى إرادَةِ المَأْمُورِ بِهِ والإضافَةُ إلى المَأْمُورِ، أوْ لَعَلَّهُ فَهِمَ مِن كَلامِهِ أنَّهُ رَأى أنَّهُ يَذْبَحُهُ مَأْمُورًا بِهِ، أوْ عَلِمَ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ وأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ إلّا بِأمْرٍ، ولَعَلَّ الأمْرَ بِهِ في المَنامِ دُونَ اليَقَظَةِ لِتَكُونَ مُبادَرَتُهُما إلى الِامْتِثالِ أدَلُّ عَلى كَمالِ الِانْقِيادِ والإخْلاصِ، وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ المُضارِعِ لِتَكَرُّرِ الرُّؤْيا.

﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى الذَّبْحِ أوْ عَلى قَضاءِ اللَّهِ، وقَرَأ نافِعٌ بِفَتْحِ الياءِ.

﴿ فَلَمّا أسْلَما ﴾ اسْتَسْلَما لِأمْرِ اللَّهِ أوْ سَلَّما الذَّبِيحُ نَفْسَهُ وإبْراهِيمُ ابْنَهُ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما وأصْلُها سَلِمَ هَذا لِفُلانٍ إذا خَلَصَ لَهُ فَإنَّهُ سَلِمَ مِن أنْ يُنازِعَ فِيهِ.

﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ صَرَعَهُ عَلى شِقِّهِ فَوَقَعَ جَبِينُهُ عَلى الأرْضِ وهو أحَدُ جانِبَيِ الجَبْهَةِ.

وقِيلَ: كَبَّهُ عَلى وجْهِهِ بِإشارَتِهِ لِئَلّا يَرى فِيهِ تَغَيُّرًا يَرِقُّ لَهُ فَلا يَذْبَحُهُ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ بِمِنًى أوْ في المَوْضِعِ المُشْرِفِ عَلى مَسْجِدِهِ، أوِ المَنحَرِ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ اليَوْمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى} بلغ أن يسعى مع أبيه فى أشغاله وحوائجه ومعه لا يتعلق مبلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعى ولا بالسعى لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه فبقي أن يكون بياناً كأنه لما قال فَلَمَّا بَلَغَ السعى أي الحد الذي يقدر فيه على السعى قبل مع من قال مع أبيه

وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة {قال يا بني} حفص والباقون بكسر الياء {إِنّى أرى فِى المنام أَنِّى أَذْبَحُكَ} وبفتح الياء فيهما حجازي وأبو عمرو قيل له في المنام اذبح

الصافات (١٠٧ - ١٠٢)

ابنك ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة وإنما لم يقل رأيت لأنه رأى مرة بعد مرة فقد قيل رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فلما أصبح روّى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان فمن ثَمَّ سمي يوم الترويه فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فمن ثَمَّ سُمي يوم عرفة ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمى اليوم يوم النحر {فانظر مَاذَا ترى} من الرأي على وجه المشاورة لا من رؤية العين ولم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته ولكن ليعلم أيجزع أم يصبر تُرِى علي وحمزة أى ماذا تبصر من رأيك وتبديه {قال يا أبت افعل مَا تُؤمَرُ} أي ما تؤمر به وقرء به {سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين} على الذبح رُوي أن الذبيح قال لأبيه يا أبت خذ بناصيتي واجلس بين كتفي حتى لا أوذيك إذا أصابتني الشفرة ولا تذبحني وأنت تنظر في وجهي عسى أن ترحمني واجعل وجهي إلى الأرض ويُروى اذبحني وأنا ساجد واقرأ على أمي السلام وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فَصِيحَةٌ تُعْرِبُ عَنْ مُقَدَّرٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ وإيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ لِاسْتِحالَةِ التَّخَلُّفِ؛ أيْ: فَوَهَبْناهُ لَهُ ونَشَأ، فَلَمّا بَلَغَ رُتْبَةَ أنْ يَسْعى مَعَهُ في أشْغالِهِ وحَوائِجِهِ، و”مَعَ“ ظَرْفٌ لِلسَّعْيِ وهي تَدُلُّ عَلى مَعْنى الصُّحْبَةِ واسْتِحْداثِها، وتَعَلُّقِها بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُهُ لِأنَّهُ عِنْدَ العَمَلِ مُؤَوَّلٌ بِأنِ المَصْدَرِيَّةِ، والفِعْلُ ومَعْمُولُ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ؛ لِأنَّهُ كَتَقَدُّمِ جُزْءِ الشَّيْءِ المُرَتَّبِ الأجْزاءِ عَلَيْهِ، أوْ لِضَعْفِهِ عَنِ العَمَلِ، فِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ التَّأْوِيلَ المَذْكُورَ عَلى المَشْهُورِ في المَصْدَرِ المُنَكَّرِ دُونَ المُعَرَّفِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ إذا سُلِّمَ العُمُومُ فَلَيْسَ كُلُّ ما أُوِّلَ بِشَيْءٍ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُوِّلَ بِهِ، وأما ثالِثًا فَلِأنَّ المُقَدَّمَ هُنا ظَرْفٌ وقَدِ اشْتَهَرَ أنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ.

وصَرَّحُوا بِأنَّهُ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ وبِهَذا يَضْعُفُ حَدِيثُ المَنعِ لِضَعْفِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ، فالحَقُّ أنَّهُ لا حاجَةَ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى التَّقْدِيرِ مُعَرَّفًا كانَ المَصْدَرُ أوْ مُنَكَّرًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ ﴾ وهو الَّذِي ارْتَضاهُ الرِّضى وقالَ بِهِ العَلّامَةُ الثّانِي، واخْتارَ صاحِبُ الفَرائِدِ كَوْنَها مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (السَّعْيَ) أيْ فَلَمّا بَلَغَ السَّعْيَ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ السَّعْيِ كائِنًا مَعَهُ، وفِيهِ أنَّ السَّعْيَ مَعَهُ مَعْناهُ اتِّفاقُهُما فِيهِ، فالصُّحْبَةُ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ فِيهِ، وما قَدَّرَهُ يَقْتَضِي الصُّحْبَةَ بَيْنَ السَّعْيِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا يُطابِقُ المَقامَ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ”بَلَغَ“، ورُدَّ بِأنَّهُ يَقْتَضِي بُلُوغَهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ لِما سَمِعْتَ مِن مَعْنى (مَعَ)، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَعَ عَلى ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ الصُّحْبَةِ عَلى أنْ تَكُونَ مُرادِفَةَ ”عِنْدَ“ نَحْوُ: فُلانٌ يَتَغَنّى مَعَ السُّلْطانِ، أيْ عِنْدَهُ، ويَكُونُ حاصِلُ المَعْنى: بَلَغَ عِنْدَ أبِيهِ وفي صُحْبَتِهِ مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِهِ مُتَطَبِّعًا بِطِباعِهِ، ويَسْتَدْعِي ذَلِكَ كَمالَ مَحَبَّةِ الأبِ إيّاهُ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (بَلَغَ).

ومِن مَجِيءِ (مَعَ) لِمُجَرَّدِ الصُّحْبَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةَ عَنْ بِلْقِيسَ ﴿ وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ فَلْتَكُنْ فِيما نَحْنُ فِيهِ مِثْلَها في تِلْكَ الآيَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذاكَ مَعْنى مَجازِيٌّ، والحِمْلُ عَلى المَجازِ هُنالِكَ لِلصّارِفِ، ولا صارِفَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَلْيُحْمَلْ عَلى الحَقِيقَةِ، عَلى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ هُنالِكَ أنْ تَكُونَ لِمَعِيَّةِ الفاعِلِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ أسْلَمْتُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مَثَلًا، وتَقْدِيمُ (مَعَ) إشْعارٌ مِنها بِأنَّها كانَتْ تَظُنُّ أنَّها عَلى دِينٍ قَبْلُ، وأنَّها مُسْلِمَةٌ لِلَّهِ تَعالى فِيما كانَتْ تَعْبُدُ مِنَ الشَّمْسِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ إسْلامٌ يُعْتَدُّ بِهِ مِن أثَرِ مُتابَعَةِ نَبِيِّهِ لا إسْلامٌ كالأوَّلِ فاسِدٌ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى، وإنْ حُمِلَ عَلى مَعِيَّةِ الفاعِلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَحْذُوفٍ، نَحْوُ: مَعَ بُلُوغِ دَعَوْتِهِ وإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ؛ لِأنَّ فَرْقَ ما بَيْنَ المُقَيَّدِ ومُطْلَقِ الجَمْعِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّهُ لا مانِعَ مِن إرادَةِ الحَقِيقَةِ واسْتِحْداثِ إسْلامِهِما مَعًا عَلى مَعْنى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وافَقَها أوْ لَقَّنَها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

وقِيلَ يُرادُ بِالسَّعْيِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ (مَعَ) بِـ(بَلَغَ) المَسْعى، وهو الجَبَلُ المَقْصُودُ إلَيْهِ بِالمَشْيِ، وهو تَكَلُّفٌ لا يُصارُ إلَيْهِ.

وبِالجُمْلَةِ، الأوْلى تَعَلُّقُها بِالسَّعْيِ، والتَّخْصِيصُ لِأنَّ الأبَ أكْمَلُ في الرِّفْقِ وبِالِاسْتِصْلاحِ لَهُ فَلا يَسْتَسْعِيهِ قَبْلَ أوانِهِ، أوْ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَوْهَبَهُ لِذَلِكَ، وفِيهِ عَلى الأوَّلِ بَيانُ أوانِهِ، وأنَّهُ في غَضاضَةِ عُودِهِ كانَ فِيهِ ما فِيهِ مِن رَصانَةِ العَقْلِ ورَزانَةِ الحِلْمِ حَتّى أجابَ بِما أجابَ، وعَلى الثّانِي بَيانُ اسْتِجابَةِ دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ لِلْغُلامِ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، والوَلَدُ أحَبُّ ما يَكُونُ عِنْدَ أبِيهِ في سِنٍّ يَقْدِرُ فِيهِ عَلى إعانَةِ الأبِ وقَضاءِ حاجَةٍ ولا يَقْدِرُ فِيهِ عَلى العِصْيانِ.

﴿ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى في مَنامِهِ أنَّهُ فَعَلَ ذَبْحَهُ، فَحَمَلَهُ عَلى ما هو الأغْلَبُ في رُؤْيا الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِن وُقُوعِها بِعَيْنِها، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ رَأى ما تَأْوِيلُهُ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ وذَكَرَ التَّأْوِيلَ، كَما يَقُولُ المُمْتَحَنُ وقَدْ رَأى أنَّهُ راكِبٌ في سَفِينَةٍ رَأيْتُ في المَنامِ أنِّي ناجٍ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ رَأى مُعالَجَةَ الذَّبْحَ ولَمْ يَرَ إنْهارَ الدَّمِ فَـ(أنِّي أذْبَحُكَ) أنِّي أُعالِجُ ذَبْحَكَ، ويُشْعِرُ صَنِيعَ بَعْضِهِمُ اخْتِيارَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُتِيَ في المَنامِ، فَقِيلَ لَهُ: اذْبَحِ ابْنَكَ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ كالوَحْيِ في اليَقَظَةِ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ رَأى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ، فَلَمّا أصْبَحَ رَوَّأ في ذَلِكَ وفَكَّرَ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ أمِنَ اللَّهِ تَعالى هَذا الحُلُمُ أمْ مِنَ الشَّيْطانِ؟

فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَمّا أمْسى رَأى مِثْلَ ذَلِكَ فَعَرَفَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَمِن ثَمَّ سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ، ثُمَّ رَأى مِثْلَهُ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْمَ النَّحْرِ، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، قالَ: هو إذَنْ ذَبِيحُ اللَّهِ، فَلَمّا وُلِدَ وبَلَغَ حَدَّ السَّعْيِ مَعَهُ قِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ، ولَعَلَّ هَذا القَوْلَ كانَ في المَنامِ وإلّا فَما يَصْنَعُ قَوْلُهُ ﴿ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ وفي كَلامِ التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ ما يَرْمُزُ إلى أنَّ الأمْرَ بِالذَّبْحِ كانَ لَيْلًا، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خُذِ ابْنَكَ وامْضِ إلى بَلَدِ العِبادَةِ وأصْعِدْهُ ثَمَّ قُرْبانًا عَلى أحَدِ الجِبالِ الَّذِي أُعَرِّفُكَ بِهِ، قِيلَ: فَأدْلَجَ إبْراهِيمُ بِالغَداةِ...

إلَخْ، فالأمْرُ إمّا مَنامًا وإمّا يَقَظَةً لَكِنْ وقَعَ تَأْكِيدًا لِما في المَنامِ؛ إذْ لا مَحِيصَ عَنِ الإيمانِ بِما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا فِيما أعْجَزَ بِهِ الثَّقَلَيْنِ مِنَ القُرْآنِ، والحَزْمُ الجَزْمُ بِكَوْنِهِ في المَنامِ لا غَيْرَ؛ إذْ لا يُعَوَّلُ عَلى ما في أيْدِي اليَهُودِ ولَيْسَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ يَقَظَةً أيْضًا.

ولَعَلَّ السِّرَّ في كَوْنِهِ مَنامًا لا يَقَظَةً أنْ تَكُونَ المُبادَرَةُ إلى الِامْتِثالِ أدُلَّ عَلى كَمالِ الِانْقِيادِ والإخْلاصِ.

وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في المَنامِ دُونَ اليَقَظَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ حالَتَيِ الأنْبِياءِ يَقِظَةً ومَنامًا سَواءٌ في الصِّدْقِ، والأوَّلُ أوْلى، والتَّأْكِيدُ لِما في تَحَقُّقِ المُخْبَرِ بِهِ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ قِيلَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِنَوْعِ غَرابَةٍ، وقِيلَ: في الأوَّلِ لِتَكَرُّرِ الرُّؤْيا، وفي الثّانِي لِلِاسْتِحْضارِ المَذْكُورِ أوْ لِتُكَرُّرِ الذَّبْحِ حَسَبَ تَكَرُّرِ الرُّؤْيا، أوْ لِلْمُشاكَلَةِ، ومَن نَظَرَ بَعْدُ ظَهَرَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ فانْظُرْ ماذا تَرى ﴾ مِنَ الرَّأْيِ، وإنَّما شاوَرَهُ في ذَلِكَ - وهو حَتْمٌ - لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهُ فِيما نَزَلَ مِن بَلاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَيُثَّبِتَ قَدَمَهُ إنْ جَزِعَ، ويَأْمَنَ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ، ولِيُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَيُهَوِّنَ عَلَيْهِ ويَكْتَسِبَ المَثُوبَةَ بِالِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ نُزُولِهِ، ولِيَكُونَ سُنَّةً في المُشاوَرَةِ، فَقَدْ قِيلَ: لَوْ شاوَرَ آدَمُ المَلائِكَةَ في أكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ لَما فَرَطَ مِنهُ ذَلِكَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ماذا تُرِي“ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ خالِصَةً، أيْ ما الَّذِي تُرِينِي إيّاهُ مِنَ الصَّبْرِ وغَيْرِهِ؟

أوْ أيَّ شَيْءٍ تُرِينِي؟

عَلى أنَّ ما مُبْتَدَأٌ وذا مَوْصُولٌ خَبَرُهُ ومَفْعُولَيْ ”تَرى“ مَحْذُوفانِ، أوْ ”ماذا“ كالشَّيْءِ الواحِدِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ ”ماذا تُرى“ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ ماذا تُرِيكَ نَفْسُكَ مِنَ الرَّأْيِ، و(انْظُرْ) في جَمِيعِ القِراءاتِ مُعَلَّقَةٌ عَنِ العَمَلِ وفي ”ماذا“ الِاحْتِمالانِ.

فَلا تَغْفُلْ.

﴿ قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ أيِ الَّذِي تُؤْمَرُ بِهِ فَحُذِفَ الجارُّ والمَجْرُورُ دَفْعَةً، أوْ حُذِفَ الجارُّ أوَّلًا فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، نَحْوُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، ثُمَّ حُذِفَ المَجْرُورُ بَعْدَ أنْ صارَ مَنصُوبًا ثانِيًا، والحَذْفُ الأوَّلُ شائِعٌ مَعَ الأمْرِ حَتّى كادَ يُعَدُّ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ حَذْفانِ، أوِ افْعَلْ أمْرَكَ عَلى أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِالمَصْدَرِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ، أيِ: المَأْمُورُ بِهِ، ولا فَرْقَ في جَوازِ إرادَةِ ذَلِكَ مِنَ المَصْدَرِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ صَرِيحًا وأنْ يَكُونَ مَسْبُوكًا.

وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ إبْراهِيمَ إضافَةٌ إلى المَفْعُولِ، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا الوَجْهِ، وهَذا الكَلامُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الأمْرِ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ فُهِمَ مِن كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ رَأى أنَّهُ يَذْبَحُهُ مَأْمُورًا، أوْ عَلِمَ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ وأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ إلّا بِأمْرٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِغَرابَةِ ذَلِكَ، مِثْلُها في كَلامِ إبْراهِيمَ عَلى وجْهٍ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما قالَهُ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنْ حُلُمٍ غَيْرِ مَشُوبٍ بِجَهْلٍ بِحالِ المَأْمُورِ بِهِ، وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الِامْتِثالِ بِهِ، وقِيلَ: لِتَكَرُّرِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: جِيءَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ أمْرٌ، وإنَّما كانَتْ رُؤْيا الذَّبْحِ، فَأخْبَرَهُ بِها، فَعَلِمَ لِعِلْمِهِ بِمَقامِ أبِيهِ، وإنَّهُ مِمَّنْ لا يَجِدُ الشَّيْطانُ سَبِيلًا بِإلْقاءِ الخَيالاتِ الباطِلَةِ إلَيْهِ في المَنامِ - أنَّهُ سَيَكُونُ ذَلِكَ، ولا يَكُونُ إلّا بِأمْرٍ إلَهِيٍّ، فَقالَ لَهُ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ بَعْدُ مِنَ الذَّبْحِ الَّذِي رَأيْتَهُ في مَنامِكَ، ولَمّا كانَ خِطابُ الأبِ (يا بُنَيَّ) عَلى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ قالَ هُوَ: (يا أبَتِ) عَلى سَبِيلِ التَّوْقِيرِ والتَّعْظِيمِ، ومَعَ ذَلِكَ أتى بِجَوابٍ حَكِيمٍ لِأنَّهُ فَوَّضَ الأمْرَ حَيْثُ اسْتَشارَهُ، فَأجابَ بِأنَّهُ لَيْسَ مُجاوِزَها وإنَّما الواجِبُ إمْضاءُ الأمْرِ.

﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى ذَبْحًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، وقِيلَ: عَلى الذَّبْحِ، والأوَّلُ أوْلى لِلِعُمُومِ، ويَدْخُلُ الذَّبْحُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي قَوْلِهِ ﴿ مِنَ الصّابِرِينَ ﴾ دُونَ صابِرًا وإنْ كانَتْ رُؤُوسُ الآيِ تَقْتَضِي ذَلِكَ مِنَ التَّواضُعِ ما فِيهِ، وقِيلَ ولَعَلَّهُ وُفِّقَ لِلصَّبْرِ بِبَرَكَتِهِ مَعَ بَرَكَةِ الِاسْتِثْناءِ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا لَمْ يَسْلُكْ هَذا المَسْلَكَ مِنَ التَّواضُعِ في قَوْلِهِ: ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ﴾ حَيْثُ لَمْ يَنْظِمْ نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ في سِلْكِ الصّابِرِينَ؛ بَلْ أخْرَجَ الكَلامَ عَلى وجْهٍ لا يُشْعِرُ بِوُجُودِ صابِرٍ سِواهُ - لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الصَّبْرُ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُهْمِلْ أمْرَ الِاسْتِثْناءِ.

وفِيهِ أيْضًا إغْراءٌ لِأبِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الصَّبْرِ لِما يَعْلَمُ مِن شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، حَيْثُ أشارَ إلى أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِبادًا صابِرِينَ، وهي زَهْرَةُ رَبِيعٍ لا تَتَحَمَّلُ الفَرْكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

.

وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي يعني: إني مهاجر إلى طاعة ربي.

ويقال: من أرض ربي.

إلى أرض ربي.

وقال مقاتل: يعني: من بابل إلى بيت المقدس.

ويقال: من أرض حران إلى بيت المقدس، سَيَهْدِينِ يعني: يحفظني ويقال: إني مهاجر إلى ربي يعني: مقبل إلى طاعة ربي سَيَهْدِينِ أي سيرشدني ربي.

ويقال: سيعينني.

قوله عز وجل: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: يا رب أعطني ولداً صالحاً من المسلمين فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ يعني: حليم في صغره، عليم في كبره.

قوله عز وجل: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ إلى الحج، ويقال: إلى الجبل قالَ إبراهيم-  - لابنه يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ قال مقاتل: هو إسحاق.

وقال الكلبي: هو إسماعيل.

وروى معمر عن الزهري قال في قوله: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قال ابن عباس: هو إسماعيل.

وكان ذلك بمنًى.

وقال كعب: هو إسحاق.

وكان ذلك ببيت المقدس.

وقال مجاهد، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي هو إسماعيل.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو إسحاق.

وهكذا روي عن ابن عباس، وهكذا قال وعكرمة، وقتادة، وأبو طالب أنه قال: هو إسحاق.

وهكذا روي عن ابن عباس، وهكذا قال وعكرمة، وقتادة، وأبو هريرة، وعبد الله بن سلام-  م- وهكذا قال أهل الكتابين كلهم، والذي قال: هو إسماعيل احتج بالكتاب والخبر، أما الكتاب فهو أنه لما ذكر قصة الذبح قال على أثر ذلك: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا وأما الخبر فما روي عن رسول الله  أنه قال «أنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْن» يعني: أباه عبد الله بن عبد المطلب، وإسماعيل بن إبراهيم.

وأما الذي يقول: هو إسحاق يحتج بما روي في الخبر، أنه ذكر نسبة يوسف، فقال: كان يوسف أشرف نسباً.

يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله قد اختلفوا فيه هذا الاختلاف، والله أعلم بالصواب، والظاهر عند العامة هو إسحاق.

فذلك قوله: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فظاهر اللفظ أنه رأى في المنام أنه يذبحه، ولكن معناه: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أني قد أمرت بذبحك بدليل ما قال في سياق الآية: يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ وروي في الخبر: «أنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَذْبَحَ وَلَدَكَ فَاسْتَيْقَظَ خَائِفاً، وَقَالَ: أَعُوذُ بِالله من الشيطان الرجيم.

ثم رَأَى فِي المَنَامِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِثْلَ ذلك، فَاسْتَيْقَظَ وَضَمَّ ابْنَهُ إلى نَفْسِهِ، وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ، فَانقادَ لأمْرِ الله تَعَالَى، وَقَالَ لامْرَأتِهِ سَارَّة إنِّي أرِيدُ أنْ أَخْرُجَ إلى طَاعَةِ رَبِّي، فَابْعَثِي ابْنِي مَعِي، فَجَهَّزَتْهُ، وَبَعَثَتْهُ مَعَهُ» قال كعب الأحبار: قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبداً.

فلما خرج إبراهيم بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان، ودخل على سارة.

فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟

فقالت: غدا به لبعض حاجته.

قال: إنه لم يغد به لحاجته، ولكنه إنما ذهب به ليذبحه، فقالت: ولم يذبحه؟

قال: يزعم أن ربه أمره بذلك.

فقالت: قد أحسن أن يطيع ربه، فخرج في أثرهما، فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟

قال لبعض حاجته.

قال: فإنه لا يذهب بك لحاجته، ولكنه إنما يذهب بك ليذبحك.

فقال: ولم يذبحني؟

قال: يزعم أن ربه أمره بذلك.

قال: فو الله لئن كان الله أمره بذلك، ليفعلن.

فتركه ولحق بإبراهيم، فقال: أين غدوت بابنك؟

قال: لحاجة.

قال: فإنك لم تغد به لحاجة، وإنما غدوت به لتذبحه.

قال ولم أذبحه؟

قال: تزعم أن الله تعالى أمرك بذلك.

قال: فو الله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن.

فتركه، وأيس من أن يطاع.

قوله عز وجل: فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ فأوحى الله تعالى إلى إسحاق أن ادعو، فإن لك دعوة مستجابة.

فقال إسحاق: اللَّهم إني أدعوك أن تستجيب لي في أيما عبد من الأولين والآخرين لقيك لا يشرك بك شيئاً أن تدخله الجنة.

وقال مجاهد: إن إبراهيم-  - لما أراد أن يذبح ابنه بالسكين، قال ابنه: يا أبت خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي، حتى لا أوذيك إذا أصابني حدّ السكين، ولا تذبحني وأنت تنظر في وجهي، عسى أن ترحمني، واجعل وجهي إلى الأرض، ففعل إبراهيم.

فلما أمرّ السكينة على حلقه، انقلبت.

فقال: يا أبت ما لك؟

قال: قد انقلبت السكين.

قال: فاطعن بها طعناً.

قال: فطعن، فانثنت.

قال: فعرف الله عز وجل الصدق منه، ففداه بذبح عظيم، وقال: هو إسحاق.

وروى أسباط عن السدي قال: كان من شأن إسحاق حين أراد أبوه أن يذبحه.

أنه ركب مع أبيه في حاجة، فأعجبه شبابه، وحسن هيئته، وكان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له، قال: هو إذاً لله ذبيح.

فقيل لإبراهيم في منامه: قد نذرت لله نذراً فاوفيه، فلما أصبح قال: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ يقول: قد أمرت بذبحك قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ قال: فانطلق معي، وأخبر أمك أنك تنطلق إلى أخوالك، وأخذ إبراهيم معه حبلاً، ومدية، يعني: السكين.

فقال له: يا أبتاه حدها فإنه أهون للموت.

فانطلق به، حتى أتى به جبلاً من جبال الشام.

فأضجعه في أصرة، وربط يديه ورجليه، فقال له إسحاق: يا أبتاه شدّ رباطي، لكي لا أضطرب، فيصيب الدم ثيابك، فتراه سارة، فتحزن، فبكى إبراهيم بكاء شديداً.

وأخذ الشفرة، فوضعها على حلقه، وضرب الله تعالى على حلقه صفيحة نحاس، فجعل يحز، فلا تصنع شيئاً.

فلما رأى إبراهيم ذلك، قلّبه على وجهه، فضرب الله تعالى على قفاه صفيحة نحاس، وبكيا حتى ابتلت الأرض من دموعهما.

فجعل يحز، فلا تقطع شيئاً فنودي: أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ودونك هذا الكبش فهو فداه.

فالتفت فإذا هو بكبش أبيض، أملح، ينحط من الجبل، وقد كان رعي في الجنة أربعين خريفاً، فخلّى عن ابنه، وأخذ الكبش فذبحه.

وقال وهب بن منبه: لما قال لإسحاق: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ثم قال: يا أبت إني أوصيك بثلاثة أشياء.

قال: وكان إسحاق في ذلك اليوم ابن سبع سنين.

أحدهما: أن تربط يدي لكيلا أضطرب فأؤذيك، والثاني أن تجعل وجهي إلى الأرض لكيلا تنظر إلى وجهي فترحمني، والثالث أن تذهب بقميصي إلى أمي ليكون القميص عندها تذكرة مني.

فذلك قوله: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قرأ حمزة والكسائي مَاذَا تَرى بضم التاء.

يعني: ماذا ترى من صبرك.

ويقال: معناه ماذا تشير.

وقرأ الباقون: بالنصب، وهو من الرأي.

يعني: ماذا ترى من صبرك.

ويقال: معناه ماذا تشير فيما أمر الله به.

ويقال: هو من المشورة والرأي قال أبو عبيد: بالنصب تقرأ لأن هذا في موضع المشورة والرأي، والآخر يستعمل في رؤية العين قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ على الذبح.

قوله عز وجل: فَلَمَّا أَسْلَما يعني: اتفقا على أمر الله تعالى.

قال قتادة: أسلم هذا نفسه لله تعالى.

وأسلم هذا ابنه لله تعالى.

وروي عن ابن مسعود-  - أنه قرأ: فلما سلما يعني: رضيا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: صرعه على جبينه.

أي: على وجهه.

وقال القتبي وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ يعني: جعل إحدى جبينيه على الأرض، وهما جبينان، والجبهة بينهما وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا وقال القتبي: الواو زيادة.

ومعناه: فلما أسلما وتله للجبين ناديناه وهذا كما قال امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحَيِّ وانْتَحَى ...

بِنَا بَطْنُ خَبْت ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ يعني: انتحى، والواو زيادة.

وقال بعضهم: في الآية مضمر.

ومعناه فَلَمَّا أَسْلَما سلما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وذكر عن الخليل بن أحمد أنه سئل عن هذه الآية: فقال: ليس لنا في كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ متكلم.

فقيل له: فما مثله في العربية.

فقال: قول امرئ القيس: فلما أجزنا، ساحة الحي أجزنا وانتحى بنا.

كذلك قوله: أَسْلَما سلما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ.

وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا يعني: أوفيت الوعد، وائتمرت ما أمرت لقول الله تعالى: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ كما فعلت يا إبراهيم.

قوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ يعني: الاختبار البيّن.

ثم قال: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ يعني: بكبش عظيم.

والذبح بكسر الذال اسم لما يذبح، وبالنصب مصدر.

وروي عن ابن عباس أنه قال: حدثني من رأى قرني الكبش، معلقين في الكعبة، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم عن إسماعيل- عليهما السلام-.

ثم قال: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ قال: الثناء الحسن سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ يعني: سلام الله على إبراهيم.

ويقال: هذا موصول بالأول.

يعني: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ يعني: أثنينا  في الآخرين.

قوله: كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين، المخلصين.

ثم قال عز وجل: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: بشرناه بنبوة إسحاق بعد ما أمر بذبح إسحاق.

وقال ابن عباس: بشر بإسحاق بعد ما أمر بذبح إسماعيل.

وكان إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة.

ثم قال عز وجل: وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي: على إبراهيم وعلى إسحاق، وبركته النماء، والزيادة في الأموال، والأولاد، فكان من صلبه ذرية لا تحصى وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ مثل موسى، وهارون، وداود، وسليمان، وعيسى- عليهم السلام- ومؤمنو أهل الكتاب وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ يعني: الذين كَفَرُواْ بآيات الله عزَّ وجلَّ.

وروي عن ابن عباس أنه قال: قد رعي الكبش في الجنة أربعين خريفاً.

وقال بعضهم: هي الشاة التي تقرب بها هابيل ابن آدم- عليهما السلام- فتقبل منه قربانه، ورفع إلى السماء حياً، ثم جعل بدلاً عن ذبح إسماعيل أو إسحاق.

ويقال: هي الشاة التي خلقها الله تعالى لأجله.

وقال بعضهم: إنها وعلة من البر، يعني: بقرة وحش من البر جبلية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما أي: أسلما أنفسهمَا، واستسلما لله- عز وجل-، وقَرَأ ابن عبَّاس وجماعة: «سَلَّمَا» «١» ، والمعنى فَوَّضَا إليه في قضائه وقَدَرِهِ- سبحانه-، فأسْلَم إبراهيمُ ابْنَهُ، وأسْلَمَ الابْنُ نَفْسَهُ، قال بعْضُ البَصْرِيين «٢» : جوابُ «لما» محذوفٌ تقديره:

فلما أسْلَمَا وَتَلَّهُ للجبينِ، أُجْزِلَ أجْرُهُما، ونحوُ هذا مِمَّا يَقْتَضِيهِ المعنى، وَتَلَّهُ معناه:

وَضَعَه بقوَّةٍ ومنْه الحديثُ في القدح: فتلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في يده «٣» ، أي: وضعه بقوّة، ولِلْجَبِينِ معناه: لتلك الجهةِ وعليها، كما يقولون في المثل: [الطويل]

...............

..

...

وخرّ صريعا لليدين وللفم

وكما تقول: سَقَطَ لِشِقِّهِ الأيْسَرِ، والجَبِينانِ: ما اكتنف الجبهة من هاهنا، ومن هاهنا، و «أن» من قوله: أَنْ يا إِبْراهِيمُ مفسّرة لا موضع لها من الإعراب، وصَدَّقْتَ الرُّؤْيا يحتملُ أنْ يريدَ بقَلْبِكَ أو بِعَمَلِكَ، و «الرؤيا» اسمٌ لِمَا يرى مِن قِبَلِ اللَّهِ- تعالى-، والمَنَامُ والحُلْمُ: اسمٌ لما يرى منْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ ومنه الحديث الصحيح: «الرُّؤْيَا من الله، والحلم من الشيطان» ، والْبَلاءُ: الاخْتِبَارُ، والذَّبْحُ العظيمُ» في قول الجمهور: كَبْشٌ أبْيَضُ أعْيَنُ، وَجَدَهُ وَرَاءَهُ مَرْبُوطاً بسَمُرَةٍ، وأَهْلُ السُّنَّةِ على أَنَّ هذه الْقِصَّةَ نُسِخَ فيها العَزْمُ على الْفِعْلِ خلافاً للمعتزلة، قال أحمد بن نصر الداوديّ: وإنْ نَسَخَ اللَّهُ آيةً قَبْلَ العَمَلِ بِهَا فإنَّما يَنْسَخُها بَعْدَ اعْتِقَادِ قَبُولِها وهُوَ عَمَلٌ انتهى من تفسيره عند قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ [البقرة: ١٠٦] ، قال ع «١» : ولا خلافَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ أَمَرَّ الشَّفْرَةَ على حَلْقِ ابنه فَلَمْ تَقْطَعْ، والجمهورُ أَنَّ أمْرَ الذَّبْحِ كانَ بِمِنًى، وقال الشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيْ كَبْشِ إبْرَاهِيمَ مُعَلَّقَتَيْنِ في الكَعْبَةِ «٢» ، وروى عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يَا فَاطِمَةُ، قُومِي لاٌّضْحِيَتِكِ، فاشهديها فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إنَّ صَلاَتِي ونُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَه وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ» قال عِمْرَانُ: قلت: يا رسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَكَ وَلأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً، أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟

قَال:

«لاَ، بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً» رواه الحاكم في «المستدرك» «٣» انتهى من «السِّلاَح» .

وقوله تعالى: وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ توعُّد لمنْ كَفَرَ من اليهودِ بمحمَّد ع، والْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ: هو التوراةُ، قال قتادة وابن مَسْعُود: إلياس: هو إدريس- عليه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ هاهُنا: العَمَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المَشْيُ، والمَعْنى: مَشى مَعَ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَلَغَ أنْ يَنْصَرِفَ مَعَهُ ويُعَيِّنَهُ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالسَّعْيِ: العِبادَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا، يَكُونُ قَدْ بَلَغَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ أنَّهُ ذَبَحَهُ في المَنامِ، وإنَّما المَعْنى أنَّهُ أُمِرَ في المَنامِ بِذَبْحِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ .

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ رَأى أنَّهُ يُعالِجُ ذَبْحَهُ، ولَمْ يَرَ إراقَةَ الدَّمِ قالَ قَتادَةُ: ورُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ، إذا رَأوْا شَيْئًا، فَعَلُوهُ.

وذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّهُ لَمّا بَشَّرَ جِبْرِيلُ سارَّةَ بِالوَلَدِ، قالَ إبْراهِيمَ: هو إذًا لِلَّهِ ذَبِيحٌ، فَلَمّا فَرَغَ مِن بُنْيانِ البَيْتِ، أُتِيَ في المَنامِ، فَقِيلَ لَهُ: أوْفِ بِنَذْرِكَ.

واخْتَلَفُوا في الذَّبِيحِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] إسْحاقُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والعَبّاسُ ابْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ، وكَعْبُ الأحْبارِ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، [وَمَسْرُوقٌ]، وعَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والقاسِمُ ابْنُ أبِي بَزَّةَ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِالشّامِ.

وقِيلَ: طُوِيَتْ لَهُ الأرْضُ حَتّى حَمَلَهُ إلى المَنحَرِ بِمِنًى في ساعَةٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، ويُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ، وأبُو صالِحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِابِطٍ.

واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَرَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أنَّهُ إسْحاقُ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، ويُوسُفُ بْنُ مَهْرانِ أنَّهُ إسْماعِيلُ، ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كالقَوْلَيْنِ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةِ، والسُّدِّيِّ رِوايَتانِ.

وكَذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوايَتانِ.

ولِكُلِّ قَوْمٍ حُجَّةٌ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُها، وأصْحابُنا يَنْصُرُونَ القَوْلَ الأوَّلَ.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ الذَّبْحِ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسَّيْرِ والتَّفْسِيرِ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أرادَ ذَبْحَ ولَدِهِ، قالَ لَهُ: انْطَلِقْ فَنُقَرِّبَ قُرْبانًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَأخَذَ سِكِّينًا وحَبْلًا، ثُمَّ انْطَلَقَ، حَتّى إذا ذَهَبا بَيْنَ الجِبالِ، قالَ لَهُ الغُلامُ: يا أبَتِ أيْنَ قُرْبانُكَ؟

قالَ: يا بُنَيَّ إنِّي رَأيْتُ في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ، فَقالَ لَهُ: اشْدُدْ رِباطِي حَتّى لا أضْطَرِبَ، واكْفُفْ عَنِّي ثِيابَكَ حَتّى لا يَنْتَضِحَ عَلَيْكَ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، وأسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلى حَلْقِي لِيَكُونَ أهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ، فَإذا أتَيْتَ أُمِّي فاقْرَأْ عَلَيْها السَّلامَ مِنِّي؛ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ يُقَبِّلُهُ ويَبْكِي ويَقُولُ: نِعْمَ العَوْنُ أنْتَ يا بُنَيَّ عَلى أمْرِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ إنَّهُ أمْرَّ السِّكِّينَ عَلى حَلْقِهِ فَلَمْ يَحْكِ شَيْئًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا أمَرَّها عَلى حَلْقِهِ انْقَلَبَتْ، فَقالَ: مالِكٌ؟

انْقَلَبَتْ، قالَ: اطْعَنْ بِها طَعْنًا.

وقالَ السُّدِّيُّ: ضَرَبَ اللَّهُ عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ؛ وهَذا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، بَلْ مَنعُها بِالقُدْرَةِ أبْلَغُ.

قالُوا: فَلَمّا طَعَنَ بِها، نَبَتَ، وعِلْمَ اللَّهُ مِنهُما الصِّدْقَ في التَّسْلِيمِ، فَنُودِيَ: يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، هَذا فِداءُ ابْنِكَ؛ فَنَظَرَ إبْراهِيمُ، فَإذا جِبْرِيلُ مَعَهُ كَبْشٌ أمْلَحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْظُرْ ماذا تَرى ﴾ لَمْ يُقُلْ لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُؤامَرَةِ في أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يَنْظُرَ ما عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ؛ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ماذا تُرِينِي مَن صَبْرِكَ أوْ جَزَعِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: ماذا تَبَيَّنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ غَيْرُهُ: ماذا تُشِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: افْعَلْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن ذَبْحِي ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى البَلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما ﴾ أيِ: اسْتَسْلَما لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَأطاعا ورَضِيا.

وقَرَأ عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَلَمّا سَلَّما" بِتَشْدِيدِ اللّامِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ قَبْلَ السِّينِ؛ والمَعْنى: سَلَّما لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَفِي جَوابِ قَوْلِهِ: "فَلَمّا أسْلَما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ جَوابَهُ: "وَنادَيْناهُ"، والواوُ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، سَعِدَ وأجْزَلَ ثَوابَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ فَصارَ أحَدُ جَبِينَيْهِ عَلى الأرْضِ، وهُما جَبِينانِ والجَبْهَةُ بَيْنَهُما، وهي ما أصابَ الأرْضَ في السُّجُودِ، والنّاسُ لا يَكادُونَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الجَبِينِ والجَبْهَةِ، فالجَبْهَةُ مَسْجِدُ الرَّجُلِ الَّذِي يُصِيبُهُ نَدَبُ السُّجُودِ، والجَبِينانِ يَكْتَنِفانِها، مِن كُلِّ جانِبٍ جَبِينٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَيْناهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نُودِيَ مِنَ الجَبَلِ: ﴿ يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدْ عَمِلَتَ ما أُمِرْتَ، وذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ الذَّبْحَ بِما أمْكَنَهُ، وطاوَعَهُ الِابْنُ بِالتَّمْكِينِ مِنَ الذَّبْحِ، إلّا أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ صَرَفَ ذَلِكَ كَما شاءَ، فَصارَ كَأنَّهُ قَدْ ذَبَحَ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الذَّبْحُ.

والثّانِي: أنَّهُ رَأى في المَنامِ مُعالَجَةَ الذَّبْحِ، ولَمْ يَرَ إراقَةَ الدَّمِ، فَلَمّا فَعَلَ في اليَقَظَةِ ما رَأى في المَنامِ، قِيلَ لَهُ: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" .

وَقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ: "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا" بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وهاهُنا تَمَّ الكَلامُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنّا كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما ذَكَرْنا مِنَ العَفْوِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ ﴿ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ .

﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النِّعَمُ البَيِّنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الِاخْتِبارُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَعَلى الأوَّلِ، يَكُونُ قَوْلُهُ هَذا إشارَةً إلى العَفْوِ عَنِ الذَّبْحِ.

وعَلى الثّانِي، يَكُونُ إشارَةً إلى امْتِحانِهِ بِذَبْحِ ولَدِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَدَيْناهُ ﴾ يَعْنِي: الذَّبِيحَ ﴿ بِذِبْحٍ ﴾ وهو بِكَسْرِ الذّالِ: اسْمُ ما ذُبِحَ، وبِفَتْحِ الذّالِ: مَصْدَرُ ذَبَحْتُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

ومَعْنى الآَيَةِ: خَلَّصْناهُ مِنَ الذَّبْحِ بِأنْ جَعْلَنا الذَّبْحَ فِداءً لَهُ.

وفي هَذا الذَّبْحِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ كَبْشًا أقْرَنَ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ أرْبَعِينَ عامًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ مُجاهِدٍ، وقالَ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: هو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آَدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنهُ، كانَ في الجَنَّةِ حَتّى فُدِيَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ فَدى ابْنَهُ بِكَبْشَيْنِ أبْيَضَيْنِ أعْيَنَيْنِ أقْرَنَيْنِ، رَواهُ أبُو الطُّفَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: [أنَّهُ] ما فُدِيَ إلّا بِتَيْسٍ مِنَ الأوْرى، أُهْبِطَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِي مَعْنى ﴿ عَظِيمٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: لِأنَّهُ كانَ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: لِأنَّهُ ذُبِحَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وسُنَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا قَرَّبَهُ ابْنُ آَدَمَ، رُفِعَ حَيًّا، فَرَعى في الجَنَّةِ، ثُمَّ جُعِلَ فِداءَ الذَّبِيحِ، فَتُقُبِّلَ مَرَّتَيْنِ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ الشَّخْصِ والبَرَكَةِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [الصّافّاتِ: ٧٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ ﴾ مِن قالَ: إنَّ إسْحاقَ الذَّبِيحُ، قالَ: بَشَّرَ إبْراهِيمَ بِنُبُوَّةِ إسْحاقَ، وأُثِيبَ إسْحاقُ بِصَبْرِهِ النُّبُوَّةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

ومَن قالَ: الذَّبِيحُ إسْماعِيلُ، قالَ: بَشَّرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، جَزاءً لِطاعَتِهِ وصَبْرِهِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ ابْنِ المُسَيِّبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبارَكْنا عَلَيْهِ وعَلى إسْحاقَ ﴾ يَعْنِي بِكَثْرَةِ ذُرِّيَّتِهِما، وهُمُ الأسْباطُ كُلُّهم ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ ﴾ أيْ: مُطِيعٌ لِلَّهِ ﴿ وَظالِمٌ ﴾ وهو العاصِي لَهُ وقِيلَ: المُحْسِنُ: المُؤْمِنُ، والظّالِمُ: الكافِرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصابِرِينَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ ﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النارِ، وأنَّهُ أشارَ بِذَهابِهِ إلى هِجْرَتِهِ مِن أرْضِ بابِلَ حَيْثُ كانَتْ مَمْلَكَةُ نَمْرُوذَ، فَخَرَجَ إلى الشامِ، ويُرْوى: إلى بِلادِ مِصْرَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنِّي ذاهِبٌ ﴾ لَيْسَ مُرادُهُ بِهِ الهِجْرَةَ كَما في آيَةٍ أُخْرى، وإنَّما مُرادُهُ لِقاءَ اللهِ بَعْدَ الِاحْتِراقِ؛ لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّ النارَ سَيَمُوتُ فِيها، فَقالَ هَذِهِ المَقالَةَ قَبْلَ أنْ يُطْرَحَ في النارِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي سائِرٌ بِهَذا العَمَلِ إلى رَبِّي، وهو سَيَهْدِينِي إلى الجَنَّةِ، نَحا إلى هَذا المَعْنى قَتادَةُ، ولِلْعارِفِينَ بِهَذا الذَهابِ تَمَسُّكٌ واحْتِجاجٌ في الصَفاءِ، وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ في ﴿ إنِّي ذاهِبٌ ﴾ وحْدَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ مِن نَمَطِ الآيَةِ بِما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مَعَهُ تَتَرَتَّبُ، والدُعاءَ في الوَلَدِ كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ مَعَ ذَهابِ الفَناءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ، "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: ولَدًا يَكُونُ في عِدادِ الصالِحِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ ﴾ ، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، مِنهُمُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - وقَدْ رَفَعَهُ - وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وكَعْبٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرَةَ: هي البِشارَةُ المَعْرُوفَةُ بِإسْحَقَ، وهو الذَبِيحُ، وكانَ أمْرُ ذَبْحِهِ بِالشامِ، وقالَ عَطاءُ، ومُقاتِلٌ: كانَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بِالحِجازِ، جاءَ مَعَ أبِيهِ عَلى البُراقِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والبِشارَةُ الَّتِي بَعُدَ هَذِهِ في هَذِهِ الآيَةِ هي بِشارَةٌ بِنُبُوَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا  ﴾ ، وهو قَدْ كانَ وهَبَهُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما أرادَ النُبُوَّةَ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ.

وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "يا بْنَ الذَبِيحَيْنِ": أرادَ إسْحَقَ، والعَمُّ أبٌ، وقِيلَ: إنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِهِ بَعْدَ ما وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ، فَلَمْ يَتَعارَضِ الأمْرُ بِالذَبْحِ مَعَ البِشارَةِ بِوَلَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ البِشارَةُ هي بِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وهو الذَبِيحُ، وأمْرُ ذَبْحِهِ كانَ مُحَمَّدٌ بِالحِجازِ وبِمِنى، ثُمَّ رَمى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الشَيْطانَ بِالجَمَراتِ، وقَبَضَ الكَبْشَ وسَنَّ السُنَنِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وابْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - ورَفَعَهُ مُعاوِيَةُ إلى النَبِيِّ  - ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وبِهِ كانَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الأعْرابِيِّ لِلنَّبِيِّ  : « "يا ابْنَ الذَبِيحَيْنِ"» وبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"،» يَعْنِي إسْماعِيلَ وعَبْدَ اللهِ أباهُ، ويَسْتَدِلُّ بِأنَّ البِشارَةَ اقْتَرَنَتْ بِأنَّ مِن ورائِهِ يَعْقُوبَ، فَلَوْ قِيلَ لَهُ في صِباهُ: اذْبَحْهُ، لَناقَضَ ذَلِكَ البِشارَةَ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَسْتَدِلُّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ بُشِّرَ بِإسْماعِيلَ، وانْقَضى أمْرُ ذَبْحِهِ، ثُمَّ بُشِّرَ بِإسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كانَ إبْراهِيمُ يَجِيءُ مِنَ الشامِ إلى مَكَّةَ عَلى البُراقِ زائِرًا ويَعُودُ مِن يَوْمِهِ.

وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ ذَلِكَ عَلى البُراقِ، وذَكَرَ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وفِيها ذِكْرُ البُراقِ كَما سَمِعْتُ أبِي يَحْكِي.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ، وتَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ إسْحَقُ، وكَذَبَتِ اليَهُودُ، وذَكَرَ أيْضًا أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ سَألَ رَجُلًا يَهُودِيًّا كانَ أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ فَقالَ: الذَبِيحُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وإنَّ اليَهُودَ تَعْلَمُ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ والفَضْلُ واللهِ في أبِيكم.

و"السَعْيُ" في هَذِهِ الآيَةِ العَمَلُ والعِبادَةُ والمَعُونَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.

وقالَ قَتادَةُ: السَعْيُ عَلى القَدَمِ، يُرِيدُ سَعْيًا مُتَمَكِّنًا، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ الأوَّلِ.

وقَرَأ الضَحّاكُ: "مَعَهُ السَعْيَ وأسَرَّ في نَفْسِهِ حُزْنًا"، قالَ: وهَكَذا في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، قَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَأى ذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ، وعُيِّنَ لَهُ وقْتُ الِامْتِثالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ أُمِرَ في نَوْمِهِ بِذَبْحِهِ فَعَبَّرَ هو عن ذَلِكَ، أيْ: إنِّي رَأيْتُ في النَوْمِ ما يُوجِبُ أنْ أذْبَحَكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "ماذا تَرى" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ والراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "ماذا تُرِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ، عَلى مَعْنى: ما يَظْهَرُ مِنكَ مِن جَلَدٍ أو جَزَعٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، ومُجاهِدٍ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، والضَحّاكُ بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الراءِ، عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ.

فَأمّا الأُولى فَهي مِن رُؤْيَةِ الرَأْيِ، وهي رُؤْيَةٌ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو - في هَذِهِ الآيَةِ - إمّا "ماذا" تَحْمِلُهُما عَلى أنْ تَجْعَلَهُما بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وإمّا "ذا" عَلى أنْ تَجْعَلَها بِمَعْنى الَّذِي، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا، وتَكُونُ الهاءُ مَحْذُوفَةً مِنَ الصِلَةِ.

وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ مَفْعُولِها كَما مَرَّ في هَذِهِ، غَيْرَ أنَّ الفِعْلَ فِيها مَنقُولٌ مِن: رَأى زَيْدٌ الشَيْءَ، وأرَيْتُهُ إيّاهُ، إلّا أنَّهُ مِن بابِ أعْطَيْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يُقْتَصَرَ عَلى أحَدِ المَفْعُولَيْنِ.

وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَقَدْ ضَعَّفَها أبُو عَلِيٍّ، وتَتَّجِهُ عَلى تَحامُلٍ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: [افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ].

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء في ﴿ فبشَّرناهُ ﴾ للتعقيب، والبشارة: الإِخبار بخير وارد عن قرب أو على بعد؛ فإن كان الله بشّر إبراهيم بأنه يولد له ولد أو يوجد له نسل عقب دعائه كما هو الظاهر وهو صريح في سفر التكوين في الإصحاح الخامس عشر فقد أخبره بأنه استجاب له وأنه يهبه ولداً بعد زمان، فالتعقيب على ظاهره؛ وإن كان الله بشره بغلام بعد ذلك حين حملت منه هاجر جاريته بعد خروجه بمدة طويلة، فالتعقيب نسبي، أي بشرناه حين قدّرنا ذلك أول بشارة بغلام فصار التعقيب آئلاً إلى المبادرة كما يقال: تزوج فولد له؛ وعلى الاحتمالين فالغلام الذي بشر به هو الولد الأول الذي ولد له وهو إسماعيل لا محالة.

والحليم: الموصوف بالحلم وهو اسم يجمع أصالة الرأي ومكارم الأخلاق والرحمة بالمخلوق.

قيل: ما نَعَتَ الله الأنبياء بأقلّ مما نعتهم بالحلم.

وهذا الغلام الذي بشر به إبراهيم هو إسماعيل ابنه البكر وهذا غير الغلام الذي بشره به الملائكة الذين أرسلوا إلى قَوم لوط في قوله تعالى: ﴿ قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم ﴾ [الذاريات: 28] فذلك وُصف بأنه ﴿ عليم ﴾ .

وهذا وصُف ب ﴿ حَلِيمٍ.

﴾ وأيضاً ذلك كانت البشارة به بمحضر سَارَة أمِّه وقد جُعلت هي المبشرة في قوله تعالى: ﴿ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت: يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً ﴾ [هود: 72]، فتلك بشارة كرامة والأولى بشارة استجابة دعائه، فلما ولد له إسماعيل تحقق أمل إبراهيم أن يكون له وارث من صلبه.

فالبشارة بإسماعيل لما كانت عقب دعاء إبراهيم أن يهب الله له من الصالحين عطفت هنا بفاء التعقيب، وبشارته بإسحاق ذكرت في هذه السورة معطوفة بالواو عطف القصة على القصة.

والفاء في ﴿ فلمَّا بلغَ معهُ السَّعي ﴾ فصيحة لأنها مفصحة عن مقدر، تقديره: فولد له ويفع وبلغ السعي فلما بلغ السعي قال يا بنيّ الخ، أي بلغ أن يسعى مع أبيه، أي بلغ سنّ من يمشي مع إبراهيم في شؤونه.

فقوله: ﴿ معه ﴾ متعلق بالسعي والضمير المستتر في ﴿ بلغ ﴾ للغلام، والضمير المضاف إليه ﴿ معه ﴾ عائد إلى إبراهيم.

و ﴿ السعي ﴾ مفعول ﴿ بلغ ﴾ ولا حجة لمن منع تقدم معمول المصدر عليه، على أن الظروف يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها من المعمولات.

وكان عمُر إسماعيل يومئذٍ ثلاث عشرة سنة وحينئذٍ حدّث إبراهيم ابنه بما رآه في المنام ورؤيا الأنبياء وحي وكان أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة ولكن الشريعة لم يوح بها إليه إلا في اليقظة مع رؤية جبريل دون رؤيا المنام، وإنما كانت الرؤيا وحياً له في غير التشريع مثل الكشف على ما يقع وما أعد له وبعض ما يحل بأمته أو بأصحابه، فقد رأى في المنام أنه يهاجِر من مكة إلى أرض ذات نخل فلم يهاجر حتى أُذن له في الهجرة كما أخبر بذلك أبا بكر رضي الله عنه، ورأى بَقراً تُذبح فكان تأويل رؤياه مَن استشهد من المسلمين يوم أحد، ولقد يُرجَّح قول القائلين من السلف بأن الإِسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقظة وبالجسد على قول القائلين بأنه كان في المنام وبالروح خاصة، فإن في حديث الإِسراء أن الله فرَض الصلاة في ليلته والصلاة ثاني أركان الإِسلام فهي حقيقة بأن تفرض في أكمل أحوال الوحي للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو حال اليقظة فافهم.

وأمر الله إبراهيم بذبح ولده أمرُ ابتلاء.

وليس المقصود به التشريع إذ لو كان تشريعاً لما نسخ قبل العمل به لأن ذلك يفيت الحكمة من التشريع بخلاف أمر الابتلاء.

والمقصود من هذا الابتلاء إظهار عزمه وإثبات علوّ مرتبته في طاعة ربّه فإن الولد عزيز على نفس الوالد، والولد الوحيد الذي هو أمل الوالد في مستقبله أشدّ عزّة على نفسه لا محالة، وقد علمتَ أنه سأل ولداً لِيرثه نسله ولا يرثه مواليه، فبعد أن أقرّ الله عينه بإجابة سؤله وترعرع ولده أمره بأن يذبحه فينعدم نسله ويخيب أمله ويزول أنسه ويتولى بيده إعدام أحب النفوس إليه وذلك أعظم الابتلاء.

فقابَل أمر ربه بالامتثال وحصلت حكمة الله من ابتلائه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ إنَّ هذا لهو البلاء المبينُ ﴾ [الصافات: 106].

وإنما برز هذا الابتلاء في صورة الوحي المنامي إكراماً لإِبراهيم عن أن يزعج بالأمر بذبح ولده بوحي في اليقظة لأن رُؤَى المنام يعقبها تعبيرها إذ قد تكون مشتملة على رموز خفيّة وفي ذلك تأنيس لنفسه لتلقّي هذا التكليف الشاقّ عليه وهو ذبح ابنه الوحيد.

والفاء في قوله: ﴿ فانظر ماذا ترى ﴾ فاء تفريع، أو هي فاء الفصيحة، أي إذا علمت هذا فانظر ماذا ترى.

والنظر هنا نظر العقل لا نظر البصر فحقه أن يتعدّى إلى مفعولين ولكن علّقه الاستفهام عن العمل.

والمعنى: تأمل في الذي تقابل به هذا الأمر، وذلك لأن الأمر لما تعلق بذات الغلام كان للغلام حظ في الامتثال وكان عرض إبراهيم هذا على ابنه عرض اختبار لمقدار طواعيته بإجابة أمر الله في ذاته لتحصل له بالرضى والامتثال مرتبة بذل نفسه في إرضاء الله وهو لا يرجو من ابنه إلا القبول لأنه أعلم بصلاح ابنه وليس إبراهيم مأموراً بذبح ابنه جبراً، بل الأمر بالذبح تعلق بمأمورين: أحدهما بتلقي الوحي، والآخرِ بتبليغ الرسول إليه، فلو قدر عصيانه لكان حاله في ذلك حال ابن نوح الذي أبى أن يركب السفينة لما دعاه أبوه فاعتُبر كافراً.

وقرأ الجمهور ﴿ ماذا ترى ﴾ بفتح التاء والراء.

وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم التاء وكسر الراء، أي مَاذا تُريني من امتثال أو عدمه.

وحكى جوابه فقال: ﴿ يأبتتِ افعل ما تُؤمرُ ﴾ دون عطف، جرياً على حكاية المقاولات كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ﴾ في سورة [البقرة: 30].

(وابتداء الجواب بالنداء واستحضار المنادى بوصف الأبوة وإضافة الأب إلى ياء المتكلم المعوض عنها التاء المشعر تعويضها بصيغة ترقيق وتحنّن.

والتعبير عن الذبح بالموصول وهو ﴿ ما تُؤمَرُ ﴾ دون أن يقول: اذْبَحني، يفيد وحده إيماء إلى السبب الذي جَعل جوابه امتثالاً لذبحه.

وحُذف المتعلق بفعل ﴿ تُؤمرُ ﴾ لظهور تقديره: أي ما تؤمر به.

وبقي الفعل كأنه من الأفعال المتعدية، وهذا الحذف يسمى بالحذف والإِيصال، كقول عمرو بن معد يكرب: أمرتك الخيرَ فافعل ما أمرتَ به *** فقد تركتُكَ ذا مال وذا نشَب وصيغة الأمر في قوله: ﴿ افْعَلْ ﴾ مستعملة في الإِذن.

وعدل عن أن يقال: اذبحني، إلى ﴿ افعل ما تؤمرُ ﴾ للجمع بين الإِذن وتعليله، أي أذنت لك أن تذبحني لأن الله أمرك بذلك، ففيه تصديق أبيه وامتثال أمر الله فيه.

وجملة ﴿ ستَجِدُني ﴾ هي الجواب لأن الجمل التي قبلها تمهيد للجواب كما علمت فإنه بعد أن حثّه على فعل ما أُمر به وَعَده بالامتثال له وبأنه لا يجزع ولا يهلع بل يكون صابراً، وفي ذلك تخفيف من عبْء ما عسى أن يعرض لأبيه من الحزن لكونه يعامل ولده بما يكره.

وهذا وعد قد وفّى به حين أمكن أباه من رقبته، وهو الوعد الذي شكره الله عليه في الآية الأخرى في قوله: ﴿ واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ﴾ [مريم: 54]، وقد قرن وعده ب ﴿ إن شاء الله ﴾ استعانةً على تحقيقه.

وفي قوله: ﴿ مِنَ الصابِرينَ ﴾ من المبالغة في اتصافه بالصبر ما ليس في الوصف: بصابر، لأنه يفيد أنه سيجده في عِداد الذين اشتهروا بالصبر وعرفوا به، ألاَ ترى أن موسى عليه السلام لما وعد الخضر قال: ﴿ ستجدني إن شاء الله صابِراً ﴾ [الكهف: 69] لأنه حُمل على التصبر إجابة لمقترح الخضر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ عِنْدَ إلْقائِهِ في النّارِ، وفِيهِ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنِّي ذاهِبٌ إلى ما قَضىَ بِهِ عَلَيَّ رَبِّي.

الثّانِي: إنِّي مَيِّتٌ كَما يُقالُ لِمَن ماتَ قَدْ ذَهَبَ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَصَوَّرَ أنَّهُ يَمُوتُ بِإلْقائِهِ في النّارِ عَلى المَعْهُودِ مِن حالِها في تَلَفِ ما يُلْقى فِيها إلى أنْ قِيلَ لَها كُونِي بَرْدًا وسَلامًا، فَحِينَئِذٍ سَلِمَ إبْراهِيمُ مِنها.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَيَهْدِينِ إلى الخَلاصِ مِنَ النّارِ.

الثّانِي: إلى الجَنَّةِ.

فاحْتَمَلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ مِن هَذا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن يُلْقِيهِ في النّارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْوِيفًا لَهم.

الثّانِي: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن شاهَدَهُ مِنَ النّاسِ الحُضُورِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ إنْذارًا لَهم، فَهَذا تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن ذَكَرَ أنَّهُ قالَ قَبْلَ إلْقائِهِ في النّارِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قالَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ النّارِ.

﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ وفي هَذا القَوْلِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إنِّي مُنْقَطِعٌ إلى اللَّهِ بِعِبادَتِي، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: ذاهِبٌ إلَيْهِ بِقَلْبِي ودِينِي وعَمَلِي، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مُهاجِرٌ إلَيْهِ بِنَفْسِي فَهاجَرَ مِن أرْضِ العِراقِ.

قالَ مُقاتِلٌ: هو أوَّلُ مَن هاجَرَ مِنَ الخَلْقِ مَعَ لُوطٍ وسارَةَ.

وَفِي البَلَدِ الَّذِي هاجَرَ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى أرْضِ الشّامِ.

الثّانِي: إلى أرْضِ حَرّانَ، حَكاهُ النَّسائِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ عَلى هَذا القَوْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: سَيَهْدِينِ إلى قَوْلِ: حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، قالَهُ سُلَيْمانُ.

الثّانِي: إلى طَرِيقِ الهِجْرَةِ، قالَهُ يَحْيى.

واحْتَمَلَ هَذا القَوْلُ مِنهُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن فارَقَهُ مِن قَوْمِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم.

الثّانِي: أنَّ بِقَوْلِهِ لِمَن هاجَرَ مَعَهُ مِن أهْلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ تَرْغِيبًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ أيْ: وقُورٍ.

قالَ الحَسَنُ: ما سَمِعْتُ اللَّهَ يُحِلُّ عِبادَهُ شَيْئًا أجَلَّ مِنَ الحِلْمِ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ، ولَمْ يُثْنِ اللَّهُ تَعالى عَلى أحَدٍ بِالحِلْمِ إلّا عَلى إسْحاقَ وإبْراهِيمَ قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: إسْماعِيلُ وبُشِّرَ بِنُبُوَّةِ إسْحاقَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ.

قالَ الكَلْبِيُّ وكانَ إسْماعِيلُ أكْبَرَ مِن إسْحاقَ بِثَلاثِ عَشْرَةَ سَنَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَمْشِي مَعَ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أدْرَكَ مَعَهُ العَمَلَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سَعَيُ العَمَلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ السَّعْيُ في العِبادَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صامَ وصَلّى، ألَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَسَعى لَها سَعْيَها  ﴾ قالَ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ، وكانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ ثَلاثِ عَشْرَةَ سَنَةً.

﴿ قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ فَرَوى سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  « (رُؤْيا الأنْبِياءِ في المَنامِ وحْيٌ)» .

﴿ فانْظُرْ ماذا تَرى ﴾ لَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المُؤامَرَةِ في أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٌ أحَدُها: أنَّهُ قالَهُ إخْبارًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِيَكُونَ أطْوَعَ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَهُ امْتِحانًا لِصَبْرِهِ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

الثّالِثُ: أيْ ماذا تُرِينِي مِن صَبْرِكَ أوْ جَزَعِكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى الذَّبْحِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: عَلى القَضاءِ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ، فَوَجَدَهُ في الِامْتِحانِ صادِقَ الطّاعَةِ سَرِيعَ الإجابَةِ قَوِيَّ الدِّينِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا أسْلَما ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اتَّفَقا عَلى أمْرٍ واحِدٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّانِي: سَلَّما لِلَّهِ تَعالى الأمْرَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قالَ قَتادَةُ: سَلَّمَ إسْماعِيلُ نَفْسَهَ لِلَّهِ، وسَلَّمَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ لِلَّهِ تَعالى.

﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ صَرَعَهُ عَلى جَبِينِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَبِينُ ما عَنْ يَمِينِ الجَبْهَةِ وشِمالِها، قالَ الشّاعِرُ: وتَلَّهُ أبُو حَكَمٍ لِلْجَبِينِ فَصارَ إلى أُمِّهِ الهاوِيَةِ الثّانِي: أنَّهُ أكَبَّهُ لِوَجْهِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ وضَعَ جَبِينَهُ عَلى تَلٍّ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَحَكى مُجاهِدٌ عَنْ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: يا أبَتِ اذْبَحْنِي وأنا ساجِدٌ، ولا تَنْظُرْ إلى وجْهِي فَعَسى أنْ تَرْحَمَنِي فَلا تَذْبَحَنِي.

﴿ وَنادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ ﴾ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ﴾ أيْ عَمِلْتَ ما رَأيْتَهُ في المَنامِ، وفي الَّذِي رَآهُ ثَلاثَةُ أقْاَويِلَ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ قَعَدَ مِنهُ مَقْعَدَ الذّابِحِ يَنْتَظِرُ الأمْرَ بِإمْضاءِ الذَّبْحِ.

الثّانِي: أنَّ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ أمَرَ بِذَبْحِهِ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ ولَمْ يُمَكَّنْ مِنهُ لِما رُوِيَ أنَّهُ كانَ كُلَّما اعْتَمَدَ بِالشَّفْرَةِ انْقَلَبَتْ وجَعَلَ عَلى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِن نُحاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ ذَبَحَهُ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ وإنَّما وصَلَ اللَّهُ تَعالى الأوْداجَ بِلا فَصْلٍ.

﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ بِالعَفْوِ عَنْ ذَبْحِ ابْنِهِ.

وَفِي الذَّبِيحِ قَوْلانِ مِثْلَ اخْتِلافِهِمْ في الحَلِيمِ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وكَعْبُ الأحْبارِ وقَتادَةُ والحَسَنُ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ذَبَحَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ إسْحاقَ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ ووَلَدَتْهُ سارَّةُ وهي بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً.

وَفِي المَوْضِعِ الَّذِي أرادَ ذَبْحَهُ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِمَكَّةَ في المَقامِ.

الثّانِي: في المَنحَرِ بِمِنًى.

الثّالِثُ: بِالشّامِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وهو مِن بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى مِيلَيْنِ.

وَلَمّا عَلِمَتْ سارَّةُ ما أرادَ بِإسْحاقَ بَقِيَتْ يَوْمَيْنِ وماتَتْ في اليَوْمِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأنَّهُ ذَبَحَهُ بِمِنًى عِنْدَ الجِمارِ الَّتِي رَمى إبْلِيسَ في كُلِّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حِينَ عارَضَهُ في ذَبْحِهِ حَتّى جَمَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ أسْرَعَ فَسُمِّيَتْ جِمارًا.

وَحَكى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ ذَبَحَهُ عَلى الصَّخْرَةِ الَّتِي بِأصْلِ ثَبِيرٍ بِمِنًى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الِاخْتِبارُ العَظِيمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: النِّعْمَةُ البَيِّنَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وقُطْرُبٌ وأنْشَدَ قَوْلَ الحُطَيْئَةَ: وإنَّ بَلاءَهم ما قَدْ عَلِمْتُمْ ∗∗∗ عَلى الأيّامِ إنْ نَفَعَ البَلاءُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ فُدِيَ بِوَعْلٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن ثَبِيرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ كَبْشٌ رُعِيَ في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا.

الثّانِي: أنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشٍ مِن غَنَمِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ فُدِيَ بِكَبْشٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الجَنَّةِ وهو الكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ بْنُ آدَمَ فَقُبِلَ مِنهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ حَدَّثَنِي مَن رَأى قَرْنَيِ الكَبْشِ الَّذِي ذَبَحَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَلَّقَيْنِ بِالكَعْبَةِ.

والذِّبْحُ بِالكَسْرِ هو المَذْبُوحُ، والذَّبْحُ بِالفَتْحِ هو فِعْلُ الذَّبْحِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَظِيمٍ ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ قَدْ رَعى في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِأنَّهُ ذُبِحَ بِحَقٍّ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ الشَّخْصِ.

الرّابِعُ: لِأنَّهُ عَظِيمُ البَرَكَةِ.

الخامِسُ: لِأنَّهُ مُتَقَبَّلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الثَّناءُ الحَسَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: هو السَّلامُ عَلى إبْراهِيمَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بلغ معه السعي ﴾ قال: العمل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ قال: أدرك معه العمل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ قال: لما مشى مع أبيه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ قال: لما مشى، فأسر في نفسه حزناً في قراءة عبد الله ﴿ قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ قال: لما شب حتى أدرك سعيه، سعى إبراهيم في العمل ﴿ فلما أسلما ﴾ قال: سلما ما أمرا به ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: وضع وجهي للأرض.

ففعل، فلما أدخل يده ليذبحه ﴿ نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ فأمسك يده ورفع رأسه، فرأى الكبش ينحط إليه حتى وقع عليه، فذبحه.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أراد إبراهيم عليه السلام أن يذبح إسحاق قال لأبيه: إذا ذبحتني فاعتزل لا أضطرب، فينتضح عليك دمي فشده، فلما أخذ الشفرة وأراد أن يذبحه، نودي من خلفه ﴿ أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ .

وأخرج أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى به الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع فساخ، فلما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق عليهما السلام قال لأبيه: يا أبت أوثقني لا أضطرب، فينتضح عليك دمي إذا ذبحتني فشده، فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه، نودي من خلفه ﴿ أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإن من شيعته لإِبراهيم ﴾ قال: من شيعة نوح على منهاجه وسننه ﴿ بلغ معه السعي ﴾ شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم في العمل ﴿ فلما أسلما ﴾ سلما ما أمرا به ﴿ وتله ﴾ وضع وجهه للأرض فقال: لا تذبحني وأنت تنظر، عسى أن ترحمني فلا تجهز علي، وإن أجزع فانكص فامتنع منك، ولكن أربط يدي إلى رقبتي، ثم ضع وجهي إلى الأرض، فلما أدخل يده ليذبحه فلم تصل المدية حتى نودي ﴿ أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ فأمسك يده فذلك قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ بكبش ﴿ عظيم ﴾ متقبل.

وزعم ابن عباس رضي الله عنهما أن الذبيح إسماعيل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا الأنبياء وحي» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: رؤيا الأنبياء وحي.

ثم تلا هذه الآية ﴿ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: رؤيا الأنبياء عليهم السلام حق.

إذا رأوا شيئاً فعلوه.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بالمناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه، فسبقه إبراهيم عليه السلام، ثم ذهب به جبريل عليه السلام إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات ﴿ وتله للجبين ﴾ وعلى إسماعيل عليه السلام قميص أبيض فقال: يا أبت ليس لي ثوب تكفني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفني فيه، فعالجه ليخلعه، فنودي من خلفه ﴿ أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ فالتفت فإذا كبش أبيض، أعين، أقرن، فذبحه.

وأخرج ابن جرير والحاكم من طريق عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق.

وكذبت اليهود.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طريق الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد ويوسف بن ماهك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق يوسف بن مهران وأبي الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير قالا: الذي أراد إبراهيم عليه السلام، ذبحه إسماعيل عليه السلام.

وأخرج ابن جرير عن الشعبي ومجاهد والحسن ويوسف بن مهران ومحمد بن كعب القرظي، مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: إسماعيل ذبح عنه إبراهيم الكبش.

وأخرج ابن جرير والآمدي في مغازيه والخلعي في فوائده والحاكم وابن مردويه بسند ضعيف عن عبد الله بن سعيد الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق أيهما الذبيح؟

فقال معاوية: سقطتم على الخبير كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه أعرابي فقال: يا رسول الله خلفت الكلأ يابساً، والماء عابساً، هلك العيال، وضاع المال، فعد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين.

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه فقال القوم: من الذبيحان يا أمير المؤمنين؟

قال: إن عبد المطلب لما حفر زمزم، نذر لله إن سهل حفرها أن ينحر بعض ولده، فلما فرغ أسهم بينهم وكانوا عشرة، فخرج السهم على عبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم وقالوا: ارضِ ربك وافْدِ ابنك.

ففداه بمائة ناقة فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وانا لنجد ذلك في كتاب الله، وذلك إن الله يقول حين فرغ من قصة المذبوح ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ وقال: ﴿ فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ﴾ [ هود: 71] بابن، وابن ابن، فلم يكن يأمر بذبح إسحاق وله فيه موعود بما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل.

وأخرج الحاكم بسند فيه الواقدي عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال سألت خوات بن جبير رضي الله عنه عن ذبيح الله قال: إسماعيل عليه السلام لما بلغ سبع سنين رأى إبراهيم عليه السلام في النوم في منزله بالشام أن يذبحه، فركب إليه على البراق حتى جاءه، فوجده عند أمه، فأخذ بيديه، ومضى به لما أمر به، وجاء الشيطان في صورة رجل يعرفه، فذبح طرفي حلقه، فإذا هو نحر في نحاس، فشحذ الشفرة مرتين أو ثلاثاً بالحجر ولا تحز قال إبراهيم: إن هذا الأمر من الله، فرفع رأسه، فإذا هو بوعل واقف بين يديه فقال إبراهيم: قم يا بني قد نزل فداؤك، فذبحه هناك بمنى.

وأخرج الحاكم بسندٍ فيه الواقدي من طريق عطاء بن يسار رضي الله عنه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: الذبيح إسماعيل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد والحسن رضي الله عنهما قال: الذبيح إسماعيل.

وأخرج عبد بن حميد من طريق الفرزدق الشاعر قال: رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: إن الذي أمر بذبحه إسماعيل.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن كعب رضي الله عنه، أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أرسل إلى رجل كان يهودياً، فاسلم وحسن إسلامه، وكان من علمائهم فسأله: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟

فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن اليهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب.

وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال نبي الله داود: يا رب أسمع الناس يقولون رب إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فاجعلني رابعاً قال: إن إبراهيم ألقي في النار فصبر من أجلي، وإن إسحاق جاد لي بنفسه، وإن يعقوب غاب عنه يوسف، وتلك بلية لم تَنَلكَ» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: قال موسى عليه السلام: يا رب يقولون يا رب إبراهيم وإسحاق، ويعقوب، لأي شيء يقولون ذلك؟

قال: لأن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بنفسه فهو على ما سواه أجود، وأما يعقوب فما ابتليت ببلاء إلا ازداد بي حسن الظن.

وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن داود سأل ربه مسألة فقال: اجعلني مثل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فأوحى الله إليه أني: ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر» .

وأخرج الدارقطني في الأفراد والديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذبيح إسحاق» .

وأخرج ابن مردويه عن بهار وكانت له صحبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إسحاق ذبيح» .

وأخرج عبد بن حميد والطبراني عن أبي الأحوص قال: فاخر أسماء بن خارجة عند ابن مسعود فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام فقال ابن مسعود رضي الله عنه: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق، ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس؟

قال يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله» .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، أو شفاعتي، فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي، إن الله لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له: يا ابا إسحاق سل تعطه قال: أما والله لا تعجلها قبل نزغات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بك شيئاً قد أحسن، فاغفر له» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن كعب رضي الله عنه.

أنه قال لأبي هريرة: ألا أخبرك عن إسحاق؟

قال: بلى.

قال: رأى إبراهيم أن يذبح إسحاق، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذه آل إبراهيم لا أفتن أحداً منهم أبداً، فتمثل الشيطان رجلاً يعرفونه، فاقبل حتى خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة، فقال: أين أصبح إبراهيم غادياً بإسحاق؟

قالت: لبعض حاجته قال: لا والله قالت: فَلِمَ غدا؟

قال: ليذبحه قالت: لم يكن ليذبح ابنه!

قال: بلى والله قالت سارة: فلم يذبحه؟

قال: زعم أن ربه أمره بذلك قالت: قد أحسن أن يطيع ربه إن كان أمره بذلك.

فخرج الشيطان، فأدرك إسحاق وهو يمشي على أثر أبيه قال: أين أصبح أبوك غادياً؟

قال: لبعض حاجته قال: لا والله بل غدا بك ليذبحك قال: ما كان أبي ليذبحني، قال: بلى قال: لِمَ؟

قال: زعم أن الله أمره بذلك قال إسحق: فوالله لئن أمره ليطيعنه.

فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم، فقال أين أصبحت غادياً بابنك؟

قال: لبعض حاجتي قال: لا والله ما غدوت به إلا لتذبحه.

قال: ولِمَ أذبحه؟

قال: زعمت أن الله أمرك بذلك فقال: والله لئن كان الله أمرني لأفعلن.

قال فتركه ويئس أن يطاع، فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه، وسلم إسحاق عافاه الله، وفداه بذبح عظيم.

فقال: قم أي بني فإن الله قد عافاك، فأوحى الله إلى إسحاق: أني قد أعطيتك دعوة استجيب لك فيها قال: فإني أدعوك أن تستجيب لي.

أيما عبد لقيك من الأوّلين والآخرين لا يشرك بك شيئاً، فادخله الجنة.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما رأى إبراهيم عليه السلام في المنام ذبح إسحاق، سار به من منزله إلى المنحر بمنى مسيرة شهر في غداة واحدة، فلما صرف عنه الذبح، وأمر بذبح الكبش، ذبحه ثم راح به، وراحا إلى منزله في عشية واحدة مسيرة شهر طويت له الأودية والجبال.

وأخرج الحاكم بسند فيه الواقدي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أن يذبح إسحاق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مسروق رضي الله عنه قال: الذبيح إسحاق.

وأخرج ابن عساكر عن نوح بن حبيب قال: سمعت الشافعي يقول كلاماً ما سمعت قط أحسن منه، سمعته يقول: قال خليل الله إبراهيم لولده في وقت ما قص عليه ما رأى ماذا ترى؟

أي ماذا تشير به، ليستخرج بهذه اللفظة منه ذكر التفويض، والصبر، والتسليم، والانقياد لأمر الله، لا لمواراته لدفع أمر الله تعالى، ﴿ يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ قال الشافعي رضي الله عنه: والتفويض هو الصبر، والتسليم هو الصبر، والانقياد هو ملاك الصبر، فجمع له الذبيح جميع ما ابتغاه بهذه اللفظة اليسيرة.

وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن فضيل بن عياض قال: أضجعه ووضع الشفرة، فاقلب جبريل الشفرة، فقال: يا أبت شدني فإني أخاف أن ينتضح عليك من دمي، ثم قال: يا أبت حلني فإني أخاف أن تشهد عليَّ الملائكة أني جزعت من أمر الله تعالى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: أتى إبراهيم في النوم فقيل له: أوف بنذرك الذي نذرت.

إن الله رزقك غلاماً من سارة أن تذبحه.

فقال: يا إسحاق انطلق فقرب قرباناً إلى الله، فأخذ سكيناً وحبلاً ثم انطلق به، حتى إذا ذهب به بين الجبال قال الغلام: يا أبت أين قربانك؟

﴿ قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ قال له إسحاق: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، وأكفف عني ثيابك حتى لا ينضح عليها من دمي شيء، فتراه سارة فتحزن، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليَّ فإذا أتيت سارة، فاقرأ عليها السلام مني.

فأقبل عليه إبراهيم بقلبه وهو يبكي، وإسحاق يبكي، ثم إنه جر السكين على حلقه، فلم تنحر، وضرب الله على حلق إسحاق صفيحة من نحاس، فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه، وحز من قفاه.

وذلك قول الله: ﴿ فلما أسلما ﴾ يقول: سلما لله الأمر ﴿ وتله للجبين ﴾ فنودي يا إبراهيم ﴿ قد صدقت الرؤيا ﴾ بإسحاق، فالتفت فإذا هو بكبش، فأخذه وحل عن ابنه، وأكب عليه يقبله، وجعل يقول: اليوم يا بني وهبت لي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الله لما أمر إبراهيم بذبح ابنه قال له: يا بني خذ الشفرة فقال الشيطان: هذا أوان أصيب حاجتي من آل إبراهيم، فلقي إبراهيم متشبهاً بصديق له، فقال له: يا إبراهيم أين تعمد؟

قال: لحاجة قال: والله ما تذهب إلا لتذبح ابنك من أجل رؤيا رأيتها، والرؤيا تخطئ وتصيب، وليس في رؤيا رأيتها ما تذهب إسحاق، فلما رأى أنه لم يستفد من إبراهيم شيئاً؛ لقي إسحاق، فقال: أين تعمد يا إسحاق؟

قال: لحاجة إبراهيم قال: إن إبراهيم إنما يذهب بك ليذبحك فقال إسحاق: وما شأنه يذبحني، وهل رأيت أحداً يذبح ابنه؟

قال: يذبحك لله قال: فإن يذبحني لله أصبر والله لذلك أهل، فلما رأى أنه لم يستفد من إسحاق شيئاً جاء إلى سارة فقال: أين يذهب إسحاق؟

قالت: ذهب مع إبراهيم لحاجته فقال: إنما ذهب به ليذبحه فقالت: وهل رأيت أحداً يذبح ابنه؟

قال: يذبحه لله قالت: فإن ذبحه لله، فإن إبراهيم وإسحاق لله، والله لذلك أهل، فلما رأى أنه لم يستفد منهما شيئاً أتى الجمرة، فانتفخ حتى سد الوادي، ومع إبراهيم الملك فقال الملك: ارم يا إبراهيم، فرمى بسبع حصيات، يكبر في أثر كل حصاة، فأفرج له عن الطريق، ثم انطلق حتى أتى الجمرة الثانية، فانتفخ حتى سد الوادي فقال له الملك: ارم يا إبراهيم، فرمى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، فافرج له عن الطريق، ثم انطلق حتى أتى الجمرة الثالثة، فانتفخ حتى سد الوادي عليه فقال له الملك: ارم يا إبراهيم فرمى بسبع حصيات، يكبر في أثر كل حصاة، فأفرج له عن الطريق حتى أتى المنحر.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سميت تروية، وعرفة، لأن إبراهيم عليه السلام أتاه الوحي في منامه: أن يذبح ابنه، فرأى في نفسه أمن الله هذا، أم من الشيطان؟

فاصبح صائماً، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحق من ربه، فسميت عرفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما أسلما ﴾ قال: أسلم هذا نفسه لله، وأسلم هذا ابنه لله ﴿ وتله ﴾ أي كبه لفيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما أسلما ﴾ قال: اتفقا على أمر واحد ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: أكبه للجبين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: أكبه على وجهه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: صرعه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: لما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه قال: يا أبتاه خذ بناصيتي، واجلس بين كتفي حتى لا أؤذيك إذا مسني حر السكين، ففعل، فانقلبت السكين قال: ما لك يا أبتاه؟

قال: انقلبت السكين قال: فاطعن بها طعناً قال: فتثنت قال: ما لك يا أبتاه؟

قال: تثنت، فعرف الصدق، ففداه الله بذبح عظيم، وهو إسحاق.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتله للجبين ﴾ قال: ساجداً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنه قال: لما أن وضع السكين على حلقه، انقلبت صارت نحاساً.

وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن حاضر قال: لما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق ترك أمه سارة في مسجد الخيف، وذهب بإسحاق معه، فلما بلغ حيث أراد أن يذبحه قال إبراهيم لمن كان معه: استأخروا مني، وأخذ بيد ابنه إسحاق، فعزله فقال: يا بني ﴿ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ﴾ قال له إسحاق: يا أبتِ ربي أمرك قال إبراهيم: نعم يا إسحاق.

قال إسحاق: ﴿ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، فلما أسلما ﴾ لأمر الله ﴿ وتله ﴾ قال إسحاق لأبيه: يا أبتِ أوثقتني لأطيش بك نودي ﴿ يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ وهبط عليه الكبش من ثبير، وقد قيل: إنه ارتعى في الجنة أربعين سنة، فلما كشف عن إسحاق دعا ربه، ورغب إليه، وحمده، وأوحى إليه: أن أدع فإن دعاءك مستجاب، فقال: اللهم من خرج من الدنيا لا يشرك بك شيئاً فادخله الجنة.

قال ابن خاضر: إن إبراهيم كان قال لربه: يا رب أي ولدي أذبح؟

فأوحى الرب إليه: أحبهما إليك.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه: أن داود قال: يا رب إن الناس يقولون رب إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فاجعلني لهم رابعاً.

فأوحى الله إليه: أن تلك بلية لم تصل إليك بعد.

إن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً إلا اختارني، ووفى بجميع ما أمرته.

وإن إسحاق جاد لي بنفسه.

وإن يعقوب أخذت خاصته، غيبته عنه طول الدهر، فلم ييأس من روحي.

وأخرج سعد بن منصور وابن المنذر عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: خرج إبراهيم عليه السلام بابنه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، فتمثل له الشيطان في صورة رجل، فقال له: أين تذهب؟

فقال إبراهيم: عليه السلام ما لك ولذلك...

!

اذهب في حاجتي قال: فإنك تزعم أنك تذهب بابنك فتذبحه قال: والله إن كان الله أمرني بذلك أني لحقيق أن أطيع ربي، ثم ذهب إلى ابنه وهو وراءه يمشي، فقال له: أين تذهب؟

قال: اذهب مع أبي فقال: إن أباك يزعم أن الله أمره بذبحك، فقال له مثل ما قال إبراهيم، ثم انطلق إبراهيم عليه السلام، حتى إذا كانوا على جبل قال لابنه ﴿ يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ويا أبت أوثقني رباطاً، لا ينتضح عليك من دمي، فقام إليه إبراهيم بالشفرة، فبرك عليه، فجعل ما بين ليته إلى منحره نحاساً لا تحيك فيه الشفرة، ثم إن إبراهيم التفت وراء، فإذا هو بالكبش فقال له: أي بني قم فإن الله فداك، فذبح إبراهيم الكبش، وترك ابنه، ثم إن إبراهيم عليه السلام قال: يا بني إن الله قد أعطاك بصبرك اليوم، فسل ما شئت تعطى قال: فإني أسأل الله أن لا يلقاه له عبد مؤمن به، يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلا غفر له وأدخله الجنة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: كبش أبيض، أعين، أقرن، قد ربط بسمرة في أصل ثبير.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً.

وأخرج البخاري في تاريخه عن علي بن أبي طالب قال: هبط الكبش الذي فدى ابن إبراهيم من هذه الخيبة، على يسار الجمرة الوسطى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير، هي التي ذبح عليها إبراهيم عليه السلام فدى ابنه إسحاق، هبط عليه من ثبير كبش أعين، أقرن، له ثغاء، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم، فتقبل منه، وكان مخزوناً في الجنة حتى فدى به إسحاق عليه السلام.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبيهقي في سننه عن امرأة من بني سليم قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة، فسألت عثمان لما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت الكعبة، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلين» .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فدى الله إسماعيل عليه السلام بكبشين، أَمْلَحَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، أَعْيَنَيْنِ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: بكبش متقبل.

وأخرج البغوي عن عطاء بن السائب رضي الله عنه قال: كنت قاعداً بالمنحر مع رجل من قريش، فحدثني القرشي قال: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إن الكبش الذي نزل على إبراهيم في هذا المكان» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ قال: خرج عليه كبش من الجنة، وقد رعاها قبل ذلك أربعين خريفاً، فأرسل إبراهيم عليه السلام ابنه، واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات، فأفلته عنده، فجاء الجمرة الوسطى، فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات، ثم أفلته عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات، فأخرجه عندها، ثم أخذه، فأتى به المنحر من منى، فذبحه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان اسم كبش إبراهيم؛ جرير.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال له رجل: نذرت لأنحرن نفسي فقال ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ [ الأحزاب: 21] ثم تلا ﴿ وفديناه بذبحٍ عظيم ﴾ فأمره بكبش، فذبحه.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من نذر أن يذبح نفسه فليذبح كبشاً، ثم تلا ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ﴾ .

وأخرج الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه «لما فدى الله إسحاق من الذبح، أتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا إسحاق إنه لم يصبر أحد من الأولين والآخرين، يشهد أن لا إله إلا الله فاغفر له.

سبقني أخي إسحاق عليه السلام إلى الدعوة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ قال مجاهد: لما شب وأدرك سعيه سعى إبراهيم (١) (٢) وقال الزجاج: أدرك معه العمل (٣) وقال أبو عبيدة: أدرك أن يسعى على أهله معه وأعانه (٤) وقال ابن قتيبة: أي بلغ أن يتصرف معه ويعينه (٥) وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني المشي مع أبيه إلى الجبل (٦) (٧) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد العمل لله تعالى وهو الاحتلام (٨) (٩) (١٠) قوله: ﴿ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات (١١) وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله أيقاظًا ورقوداً (١٢) وقال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحاق قبل أن يولد له قال: هو إذًا لله ذبيح (١٣) ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ .

وقال أبو إسحاق: رؤيا الأنبياء وحي بمنزلة الوحي إليهم في اليقظة (١٤) (١٥) ﴿ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ فدل أنه أمر في المنام بذبح ابنه.

وقد صرح مقاتل بما ذكر فقال: يقول إني أمرت في المنام أني أذبحك (١٦) وقال ابن قتيبة: (لم يرد أنه ذبحه في المنام، ولكنه أمر في المنام بذبحه، فقال: ﴿ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ أي: أني سأذبحك، ومثل هذا رجل رأى في المنام أنه يؤذن، والأذن دليل الحج، فقال: إني رأيت في المنام أني أحج أي سأحج) (١٧) واختلفوا في الذبيح من هو من ابني إبراهيم.

فالأكثرون على أنه إسحاق، وهو قول علي وابن مسعود وكعب وقتادة ومجاهد في بعض الروايات وعكرمة وابن عباس، وهؤلاء قالوا: كانت هذه القصة بالشام (١٨) وقال سعيد بن جبير لما رأى إبراهيم في المنام ذبح إسحاق، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر، فلما صرف الله عنه الذبح وذبح الكبش، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة طويت له الأودية والجبال (١٩) وقال آخرون: الذي أمر بذبحه إسماعيل، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والحسن ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وابن عباس في رواية عطاء، وعامر ومجاهد بن كعب ومحمد بن إسحاق (٢٠) ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ ، ولا خلاف (٢١) ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ فعطف بقصة الذبح على ذكر إسحاق، وقوله بعد ذكر هذه القصة: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ قال عكرمة: بشر بنبوته (٢٢) وقال قتادة: بعد الذي كان من أمره (٢٣) ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ قال: يقول بابن وابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق ولد من الله من الموعود ما وعده (٢٤) (٢٥) .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

قوله: ﴿ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ وقرأ حمزة والكسائي: تُري بضم التاء وكسر الراء.

قال إبراهيم: ماذا تُرى تأمر وماذا تَرى تشير) (٢٦) قال أبو علي الفارسي: (من فتح التاء كان مفعول ترى أحد شيئين أحدهما: أن يكون ما مع ذا بمنزلة اسم واحد، فيكونان في موضع نصب بأنه مفعول ترى، والآخر أن يكون ذا بمنزلة الذي، والهاء محذوفة من الصلة، ويكون ترى على هذه القراءة الذي معناه الرأي وليس إدراك المرى (٢٧) (٢٨) (٢٩) ويجوز أن يجعل ما مبتدأ وذا بمنزلة الذي ويعود إليه الذكر المحذوف من الصلة، والفعل منقول من رأى زيد الشيء وأريته الشيء إلا أنه من باب أعطيت، فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين دون الآخر كما أن أعطيت كذلك) (٣٠) (٣١) وقال أبو إسحاق: ولا أعلم أحدًا قال هذا، وفي كل التفسير ماذا ترى ماذا تشير (٣٢) (٣٣) وأما وجه مشاورته الابن فيما أمر به، فيجوز أن يكون أمر بأن طلع ابنه على ذلك ويشاوره ليعلم صبره لأمر الله، فيكون في ذلك قرة عين لإبراهيم حيث يرى من ابنه طاعته في أمر الله وصبره على أعظم المكروه، وهو القتل في رضا الله ورضا أبيه.

ويكون فيه أيضًا ثواب للابن وثناء حسن يبقى له، حيث قال في جوابه لأبيه (٣٤) ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أوحي إليك من ربك (٣٥) قال أبو علي: (التقدير ما تؤمر به، فحذف الجار فوصل الفعل إلى الضمير، فصار تؤمره، ثم حذفت الهاء من الصلة كما حذفت من قوله (٣٦) ﴿ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى  ﴾ أي اصطفاهم) (٣٧) ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ على بلاء الله.

(١) "تفسير مجاهد" ص 544.

(٢) هكذا هي في النسخ، والصواب ثلاث عشرة سنة.

وانظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 389.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.

(٤) "مجاز القرآن" 2/ 171.

(٥) "تفسير غريب القرآن" ص 373.

(٦) انظر: "البغوي" 4/ 32، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 119، ولم ينسبه لأحد.

(٧) "تفسير مقاتل" 112 ب.

(٨) انظر: "القرطبي" 15/ 99، وأورده الشوكاني في "فتح القدير" 4/ 403 ولم ينسبه لأحد.

(٩) انظر: "البغوي" 4/ 32، "مجمع البيان" 8/ 706.

(١٠) انظر: "الطبري" 23/ 77، "البغوي" 4/ 32، "القرطبي" 15/ 99.

(١١) "تفسير مقاتل" 112 ب.

(١٢) انظر: "القرطبي" 15/ 101، وقد ذكر القول مقاتل في "تفسيره" 112 ب، وذكره البغوي 4/ 33 عن مقاتل.

(١٣) انظر: "البغوي" 4/ 33، "القرطبي" 15/ 102.

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.

(١٥) ما بين المعقوفين بياض في (ب).

(١٦) "تفسير مقاتل" 112ب.

(١٧) "تفسير غريب القرآن" ص 373.

(١٨) انظر: "الطبري" 23/ 81 - 82، "بحر العلوم" 9/ 113، "تفسير الثعلبي" 3/ 243 ب، "القرطبي" 15/ 99 - 101، "البغوي" 4/ 32.

(١٩) انظر: "البغوي" 4/ 32، "القرطبي" 15/ 100، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 109، وعزاه لعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن سعيد بن جبير.

(٢٠) انظر: "الطبري" 23/ 82، "بحر العلوم" 3/ 119، "تفسير الثعلبي" 3/ 243 ب، "القرطبي" 15/ 99 - 101، "البغوي" 4/ 32.

(٢١) قول المؤلف رحمه الله هنا ولا خلاف أن هذا إسحاق.

فيه نظر إذ الخلاف مشهور جدًّا في تحديد الذبيح، وإن كان الراجح والله أعلم أنه إسماعيل كما سيأتي معنا.

(٢٢) انظر: "الطبري" 23/ 89، "القرطبي" 15/ 101، "زاد المسير" 7/ 78.

(٢٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 154، "زاد المسير" 7/ 87.

(٢٤) أخرجه: الطبري في "تفسيره" 23/ 84، والحاكم في "المستدرك" "كتاب التاريخ" ذكر إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما 2/ 555، ووافقه الذهبي.

وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 106، وزاد نسبته لعبد بن حميد عن محمد بن كعب.

(٢٥) اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في تعيين الذبيح من هو من ولدي إبراهيم، هل هو إسماعيل أم إسحاق إلى ثلاثة أقوال: فمنهم من يرى أنه إسماعيل، وقد ذكر المؤلف بعضًا ممن قال بهذا القول.

ومنهم من يرى أنه إسحاق، وقد ذكر المؤلف كذلك بعضًا ممن قال بهذا القول.

وذهب بعضهم إلى التوقف في المسألة نظرًا لطول الخلاف فيها وقدِمه، ولعدم وجود دليل صريح وواضح من الكتاب أو == السنة حسب فهمهم يفيد تعيين الذبيح من هو، ومن هؤلاء الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله، يقول في آخر كتابه القول الفصيح في تعيين الذبيح ص 86 بعد أن ذكر القولين: وأنا الآن متوقف في ذلك، والله أعلم.

وكذا الشوكاني، فقد قال في "فتح القدير": 4/ 392 بعد أن ذكر القولين وأدلة كل فريق.

قال: وكل ذلك يحتمل المناقشة.

ولعل الراجح والله أعلم هو القول القائل بان الذبيح هو إسماعيل -  -، والقائلون بهذا القول يستدلون بالشواهد التاريخية، وبما عند أهل الكتاب في التوراة والإنجيل، وكذلك بالقرآن.

ونحن هنا نذكر أدلة هؤلاء من وجهة النظر الإسلامية بعيدًا عن الشواهد التاريخية وما يستنبط من التوراة والإنجيل، وذلك من أجل الاختصار والإيجاز وبُعدًا عن الإطالة، ومن أراد الاستزادة من الأدلة فليرجع إلى المراجع التي سوف أشير إليها بعد ذكر أدلة القول الراجح.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد في هدي خير العباد" 1/ 71: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقول: هذا القول -أن الذبيح إسحاق- إنما هو متلقى من أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم.

فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره وفي لفظ وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده.

والذي غرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف ...

ثم قال: وكيف يسوغ أن يقال إن الذبيح إسحاق والله تعالى قد بشَّر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: ﴿ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ  ﴾ فمحال أن يبشرها بأنه يولد له ولد ثم يأمر بذبحه.

ويدل عليه أيضًا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات قال: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي = (٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.

(٢٧) في "الحجة": (إدراك الحاجة).

(٢٨) في (أ): (أبي)، وهو خطأ.

(٢٩) في (ب): (خورًا)، وهو خطأ.

(٣٠) "الحجة" 6/ 57 - 58.

(٣١) "معاني القرآن" 2/ 390.

(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 310.

(٣٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 433، "القرطبي" 15/ 103، "فتح القدير" 4/ 404.

(٣٤) انظر: "الطبري" 23/ 79، "الماوردي" 5/ 60، "القرطبي" 15/ 103.

(٣٥) لم أقف عليه عن ابن عباس.

وانظر: "الماوردي" 5/ 61، "البغوي" 4/ 33، "القرطبي" 15/ 103.

(٣٦) زيدت من هنا في (ب).

(٣٧) "الحجة" 6/ 99.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين ﴾ يعني ولداً من الصالحين ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ﴾ أي عاقل واختلف الناس في هذا الغلام المبشر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟

فقال ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين هو إسماعيل: وحجتهم من ثلاثة أوجه الأول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا ابن الذابحين يعني إسماعيل عليه السلام، ووالده عبد الله، حين نذر والده عبد المطلب أن ينحر أحد أولاده وأصابت القرعة عبد الله إن يسر الله له أمر زمزم، ففداه بمائة من الإبل والثاني أن الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ فدل ذلك على أن الذبيح غيره والثالث أنه روي أنه إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة، وإنما كان معه بمكة إسماعيل.

وذهب عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين إلى أن الذبيح إسحاق وحجتهم من وجهين الأول أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالوادي إنما كانت بإسحاق لقوله: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ ﴾ ومن وراء إسحاق يعقوب، والثاني أنه روي أن يعقوب كان يكتب من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله.

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي ﴾ يريد بالسعي هنا العمل والعبادة، وقيل: المشي وكان حينئذ ابن ثلاثة عشرة سنة ﴿ قَالَ يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ يحتمل أن يكون رأى في المنام الذبح وهو الفعل، أو أمر في المنام أن يذبحه، والأول أظهر في اللفظ هنا، والثاني أظهر في قوله: ﴿ افعل مَا تُؤمَرُ ﴾ ورؤيا الأنبياء حق، فوجب عليه الامتثال على الوجهين ﴿ فانظر مَاذَا ترى ﴾ إن قيل: لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟

فالجواب: أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، ولكن ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا ﴾ أي إستسلما وانقيادا لأمر الله ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ أي صرعه بالأرض على جبينه وللإنسان جبينان حول الجبهة، وجواب لما محذوف عند البصريين تقديره، فلما أسلما كان ما كان من الأمر العظيم، وقال الكوفيون: جوابها تله والواو زائدة، وقال بعضهم: جوابها: ناديناه والواو زائدة ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ ﴾ يحتمل أنه يريد بقلبك أي كانت عندك رؤيا صادقة فعملت بحسبها، ويحتمل أن يريد بعملك أي وفيت حقها من العمل، فإن قيل: إنه أمر بالذبح ولم يذبح، فكيف قيل له: صدقت الرؤيا؟

فالجواب أنه قد بذل جهده إذ قد عزم على الذبح ولو لم يَفْدِه الله لذبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناع ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد مضى إبراهيم ما عليه ﴿ البلاء المبين ﴾ الذي يظهر به طاعة الله أو المحنة البينة الصعوبة.

﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ الذبح اسم لما يذبح، وأراد به هنا الكبش الذي فدى به، وروي أنه من كباش الجنة، وقيل: إنه الكبش الذي قرب به ولد آدم، ووصفه بعظيم لذلك، أو لأنه من عند الله أو لأنه متقبل، وروي في القصص أن الذبيح قال لإبراهيم: أشدد رباطي لئلا أضطرب، وأصرف بصرك عني لئلا ترحمني، وأنه أمر الشفرة على حلقه فلم تقطع، فحينئذ جاء الكبش من عند الله، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية وتركناه لعدم صحته ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين ﴾ إن قيل: لم قال هنا في قصة إبراهيم كذلك دون قوله إنا، وقال في غيرها إنا، فالجواب أنه قد تقدم في قصة إبراهيم نفسها، إنا كذلك فأغنى عن تكرار أنا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة.

الباقون: بفتح الياء ﴿ إني أرى ﴾ ﴿ إني أذبحك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابو عمرو.

﴿ وترى ﴾ بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة.

﴿ ستجدني ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وإن إلياس ﴾ موصولاً كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بكسر الهمزة ﴿ الله ربكم ورب ﴾ بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

الباقون: برفعها على الابتداء والخبر.

﴿ آل ياسين ﴾ ابن عامر ونافع ورويس.

الآخرون ﴿ إلياسين ﴾ كأنه جمع إلياس ﴿ لكاذبون اصطفى ﴾ موصلاً والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين.

الوقوف: ﴿ لإبراهيم ﴾ ه ط لأن التقدير "واذكر".

وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف ﴿ سليم ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تريدون ﴾ ه ط لاستفهام آخر ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ في النجوم ﴾ ه لا للفاء واتحاد المعنى ﴿ سقيم ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر ﴿ لا تنطقون ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه ﴿ يزفون ﴾ ه ﴿ تنحتون ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في الجحيم ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ماذا ترى ﴾ ط ﴿ ما تؤمر ﴾ ز للسين مع اتصال المقول ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ للجبين ﴾ ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة ﴿ وناديناه ﴾ جواب "لما"، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه لا ﴿ الرؤيا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وهارون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ العظيم ﴾ ه ج لذلك ﴿ الغالبين ﴾ ه لا ﴿ المستبين ﴾ ه ج ﴿ المستقيم ﴾ ه ج ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ وهارون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصوداً فلهذا لم يكن الوقف لازماً.

﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الخالقين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالنصب ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ لمحضرون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ الياسين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه لا ﴿ وبالليل ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ المدحضين ﴾ ه ج لحق المحذوف مع الفاء ﴿ مليم ﴾ ه ﴿ من المسبحين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ سقيم ﴾ ه ج ﴿ يقطين ﴾ ه ج ﴿ أو يزيدون ﴾ ه ط ﴿ إلى حين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ شاهدون ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ ولد الله ﴾ لا تعجيلاً لتكذيبهم ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ البنين ﴾ ه ط لابتداء استفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ج لأن "أم" تصلح استئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعجيل أمر التعجيز ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ نسباً ﴾ ط ﴿ لمحضرون ﴾ ه لا لتعلق الاستثناء و ﴿ سبحان الله ﴾ معترض ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ بفاتنين ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ الصافون ﴾ ه ج للعطف مع الاتفاق ﴿ المسبحون ﴾ ه ج ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ من الأوّلين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولاً للكلمة ﴿ المنصورون ﴾ ه ص لعطف الجملتين المفقتين ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ عما يصفون ﴾ ه ج لعطف جملتين مختلفتين ﴿ المرسلين ﴾ ه ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: الضمير في ﴿ شيعته ﴾ يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحاً على أصول الدين أو على التصلب في الدين.

وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً والأوّل لتقدّم ذكر نوح.

ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.

ومعنى ﴿ جاء ربه ﴾ أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له.

والقلب السليم قد مرّ في "الشعراء".

ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد.

ومعنى ﴿ ماذا تعبدون ﴾ أي شيء تعبدونه كقوله في "الشعراء" ﴿ وما تعبدون  ﴾ سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله ﴿ أئفكاً ﴾ هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل.

ويجوز أن يكون ﴿ إفكاً ﴾ حالاً معنى أو مفعولاً به ﴿ آلهة ﴾ بدل منه على أنها إفك في أنفسها.

﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ حتى جعلتم الجمادات أنداداً له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته.

وفي قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قولان: الأوّل أنه صدر منه كذباً لمصلحة رأى فيه، ولما جاء في الحديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعلهم كبيرهم ﴾ وقوله لسارة إنها أختي" وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء.

والثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة.

وأما الحديث فنسبه الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك.

وفي التوجيه وجوه: الأوّل إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه  خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا نيفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقماً كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولا داء أعي منه.

الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ إلى آخر الآية.

أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة.

وقوله ﴿ إني سقيم ﴾ أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم.

الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحرياً منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به.

وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذراً أحسن من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله  ﴿ فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم ﴾ ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغاً قومه من روغان الثعلب.

وقيل: راغ بقوله ﴿ إني سقيم ﴾ حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم.

وقوله ﴿ ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون ﴾ استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه.

وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه.

وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق.

وإنما جاء في هذه السورة ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾ بالفاء وفي "الذاريات" ﴿ قال ألا تأكلون ﴾ بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي الذاريات" يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون.

﴿ فراغ عليهم ﴾ عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كما يقال في المحبوب: مال إليه.

وفي المكروه: مال عليه.

وقوله ﴿ ضرباً ﴾ مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي بضرب ضرباً أو ضارباً.

ومعنى ﴿ باليمين ﴾ اي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو باقوّة مجازاً، أو بسبب الحلف وهو قوله ﴿ تالله لأكيدن أصنامكم ﴾ ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ أي إلى إبراهيم ﴿ يزفون ﴾ بمشون على سرعة.

وزفيف النعامة ابتداء عدوها.

ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعدٍ والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضاً وقد مر نظيره في التوبة في قوله ﴿ ولأوضعوا خلالكم  ﴾ قال بعض الطاعنين، قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم.

وقوله في "الأنبياء" ﴿ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم  ﴾ دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض.

وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه.

على أن قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر.

وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم فـ ﴿ ـقال أتعبدون ما تنحتون ﴾ وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم.

وزيف بأن "ما" موصولة لتناسب قرينتها في قوله ﴿ ما تنحتون ﴾ وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم.

والصحيح أن الآية كقوله ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن  ﴾ أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً ﴾ قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون.

وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها.

والجحيم النار العظيمة.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فأرادوا ﴾ كقوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها.

وقد صح أنهم أرادوا به كيداً ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ الأسفلين ﴾ لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في طباقه أنسب.

ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ إني مهاجر إلى ربي  ﴾ وإنما حكم بقوله ﴿ سيهدين ﴾ ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتماداً على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي.

وحين هاجر إلى الرض المقدسة أراد الولد فقال ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ والله  بين استجابته بقوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم ههنا.

فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليماً، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلوم كما وصف به إبراهيم في قوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ .

وقيل: العليم إسحق لقوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة  ﴾ والحليم إسماعيل.

ثم حكى حديث ذبحه قائلاً ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه.

والظرف بيان كأنه قال أوّلاً ﴿ فلما بلغ السعي ﴾ فقيل: مع من؟

فأجيب مع أبيه.

ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله ﴿ بلغ ﴾ لأنهما لم يبلغا معاً حد السعي - والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب.

وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته.

يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله.

اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل لقوله  "أنا ابن الذبيحين" فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله.

وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحداً منهم تقرباً، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد اتلله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة.

وفي رواية أن أعرابياً قال للنبي  "يا ابن الذبيحين".

فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده.

فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل.

حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟

ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة.

وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين  ﴾ وهو صبره على الذبح في قوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ووصفه بصدق الوعد ﴿ إنه كان صادق الوعد  ﴾ وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به.

أخرى: ﴿ ومن وراء إسحق يعقوب  ﴾ فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه.

أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح.

وأيضاً قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ يجب أن يكون غير قوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وإلا لزم التكرار.

حجة أخرى: ان قرني الكبش كانا ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج.

وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما روي أن النبي  سئل اي النسب أشرف؟

فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.

وأجابوا عن قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ أنه بشر بغلام أوّلاً ثم بنبوته ثانياً.

وايضاً صرح بالمبشر به في قوله ﴿ فبشرناه بإسحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ فيحمل عليه المبهم في قوله ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ وأيضاً لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتباراً بقراءة من قرأ ﴿ يعقوب  ﴾ بالرفع.

وأيضاً أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ هو مهاجرته إلى الشام ثم قال ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة.

وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح.

ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا ان الذبح كان بالشام وخصه بعضهم ببيت المقدس.

إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله ﴿ يا بني إني أرى في المنام ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثانٍ فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناجٍ من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك.

ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه.

قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية.

فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر.

وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي.

ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك.

وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك ﴿ قال يا أبت افعل ما تؤمر ﴾ أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير.

اي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: ﴿ فلما اسلما ﴾ أي انقادا وخضعا لأمر الله.

قال قتادة: اسلم هذا ابنه وهذا نفسه.

﴿ وتله ﴾ أي صرعه.

واللام في ﴿ للجبين ﴾ كهي في قوله ﴿ ويخرون للأذقان  ﴾ والجبين أحد جانبي الجبهة.

وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد.

يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك واسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون اسهل.

فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله.

ثم اقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله.

قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد اشير إلى جميع ذلك بقوله ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا ﴾ الأمر الذي قد وقع ﴿ لهو البلاء المبين ﴾ الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه.

يروى أنه لما وصل موضع السجود منه الأرض جاء الفرج.

وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين وونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا.

فنظر فإذا جبرائيل  معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه وذلك قوله  ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه،.

والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن.

وقوله ﴿ عظيم ﴾ أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي.

قال  "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" .

والاستشراف جعلها شريفة وكريمة.

وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً.

وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل.

وقيل: سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله  فداء عن ولد خليله.

وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله.

وعن الحسن: أنه وعل أهبط عليه من ثبير.

وقال السدّي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم  فذبحه وخلى ابنه.

استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته.

وقالت المعتزلة.

وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه  أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر.

سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءاً فجزءاً فلهذا قيل له ﴿ قد صدّقت الرؤيا ﴾ .

والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلاً من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال ﴿ وفديناه ﴾ .

بإسناد الفداء إلى ذاته  .

والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا.

وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة.

وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي.

وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر.

فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله واله أكبر.

فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد.

فبقي سنة.

قوله ﴿ وتركنا ﴾ إلى قوله ﴿ المؤمنين ﴾ قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ههنا ﴿ في العالمين ﴾ اكتفاء بما علم في قصة نوح.

ولم يقل ههنا ﴿ إنا كذلك ﴾ بل اقتصر على ﴿ كذلك ﴾ لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض.

قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحق بعد إسماعيل.

ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده.

قوله ﴿ نبياً من الصالحين ﴾ كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدراً وعالماً وحاكماً بأنه نبي صالح.

وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق.

وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل.

﴿ وباركنا عليه ﴾ قيل: أي على الغلام المبشر به.

قيل: على إبراهيم: ﴿ وعلى إسحق ﴾ اي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا.

ومن جملة ذلك ما روي أنه أخرج من صلب غسحق ألفي نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى وهم المشار إليهم بقوله ﴿ ومن ذريتهما محسن ﴾ ويعلم من قوله ﴿ وظالم لنفسه ﴾ أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب.

وأما قصة موسى فلا خفاء بها.

والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه.

وقيل: الغرق.

والضمير في ﴿ نصرناهم ﴾ لها ولقومهما.

والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ.

والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل.

وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون.

وقيل: هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم.

و"إذ" ظرف لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك ﴿ إذ قال لقومه ألا تتقون ﴾ الله.

قال الكلبي.

أي ألا تخافون عبادة غير الله.

وحين خوّفهم مجملاً ذكر سببه فقال ﴿ أتدعون ﴾ أي أتعبدون ﴿ بعلاً ﴾ وهم اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعاً وله اربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس.

قال الإمام فخر الدين الرازي  : لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحاً في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل.

قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر.

وقيل: البعل الرب بلغة اليمن.

والمعنى أتبعدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين.

ثم بين أجزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غداً.

وباقي القصة ظاهر إلا قوله ﴿ إلياسين ﴾ فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين.

وقيل: آل ياسين آل محمد  .

وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله.

والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال.

ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة.

وقيل: إنه لغة في إلياس.

قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا ههنا.

حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له "أحب" وله امرأة يقال لها "إزبيل" وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله  فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف.

فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟

فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل.

ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً.

وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم.

وكان الحسن يقول: قد هلك إليا والخضر ولا نقول كما يقول الناس.

وقصة لوط مذكورة مراراً.

ومعنى ﴿ مصبحين وبالليل ﴾ أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشأم فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره.

وقصة يونس أيضاً مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي  قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله  .

فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله  .

وأما الجواب عن إباقة فقد مر في قوله ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً  ﴾ قوله ﴿ المشحون ﴾ كالعلة لقوله ﴿ فساهم ﴾ والمساهمة المقارعة.

يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا.

قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة.

يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما رناه من غير ريح ولا سبب ظاهر.

وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس.

فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله.

ثم عادوا ثانياً وثالثاً فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى نفسه إلى الماء.

﴿ فالتقمه الحوت ﴾ أي ابتلعه كاللقمة ﴿ وهو مليم ﴾ داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم.

أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قيل: أي من المصلين.

قيل: أي من المصلين.

عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.

وقيل: من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات.

والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ .

والضمير في ﴿ يبعثون ﴾ للخلائق بالقيرنة وقوله ﴿ للبث ﴾ في أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث.

والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه.

والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه.

واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلاً.

وقيل: ثلاثة ايام.

وعن عطاء: سبعة.

وعن الضحاك: عشرون.

وقال الكلبي: أربعون.

روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً راسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.

عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال "سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة.

فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح.

قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل" وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له.

قال المبرد والزجاج: هو "يفعيل" من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده وقيل لرسول الله  : إنك لتحب القرع.

قال: أجل هي شجرة أخي يونس.

قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلاً على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله.

والآخر أن اليقطين كان قائماً بحيث يحصل له ظل.

قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم.

وقيل: هي التين.

وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها.

وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها.

وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعاً فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه.

وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و"أو" في قوله ﴿ أو يزيدون ﴾ ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر.

ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل: وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون.

وقيل: التقدير وأرسلناه إلى مائة ألف وارسلناه إلى قوم ثزيدون في الإيهام.

وكم الزائد؟

قيل: ثلاثون ألفاً.

عن ابن عباس.

وقيل: بضعة وثلاثون.

وقيل: بضعة وأربعون.

وقيل: سبعون.

وجاء مرفوعاً عشرون الفاً.

ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ هو انقضاء آجالهم.

وقيل: القيامة وقد مر.

ثم عطف قوله ﴿ فاستفتهم ﴾ على مثله في أول السورة.

والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلاً بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله  قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين.

وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حساً أو خبراً أو نظراً.

أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ﴾ وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعاً وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ وأما النظر فمفقود أياضً وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه  أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله ﴿ أَصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ﴾ من قرا اصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة.

الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله ﴿ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ وقوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاحتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسباً لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله ﴿ إنهم لمحضرون ﴾ للكفرة.

والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون.

وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان واهر من كما مر في "الأنعام" في قوله ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين.

روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن.

وقال الكلبي: زعموا أن الله  تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة.

والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة.

قال جار الله: الاستثناء في قوله ﴿ إلا عباد الله ﴾ منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه.

وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في ﴿ يصفون ﴾ اي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي.

وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار.

وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.

وجوز جار الله أن تكون الواو في ﴿ وما تعبدون ﴾ بمعنى "مع" وجاز السكوت على ﴿ تعبدون ﴾ كما في قولهم "كل رجل وضيعته".

ثم قال ﴿ ما أنتم عليه ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين إلا من هو صال ﴾ مثلكم.

وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله ﴿ سبحان الله ﴾ إلى قوله ﴿ المسبحون ﴾ من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين.

وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار.

وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السروة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلا طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلاً عن دعوى الأفضلية؟

قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم.

وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله  أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله.

ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه.

ثم حكى أن مشركي قريش ﴿ كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً ﴾ أي كتاباً من جملة كتب الأوّلين اي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله.

وإن مخففة واللام فارقة ﴿ فكفروا به ﴾ الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وخامة عاقبة التكذيب.

وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد  لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه.

ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلاً وآجلاً، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني.

ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلاً ﴿ فتوّل عنهم ﴾ أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر.

عن السدي: أو إلى الموت والقيامة.

﴿ وأبصرهم ﴾ وما يقضى عليهم من السر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل غليه أمرك من النصر والثواب في الدارين.

وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي  وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قرباً وتحققاً.

و ﴿ سوف ﴾ في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه.

وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعدما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم.

وقيل: نزل في فتح مكة.

وعن أنس: لما أتى رسول الله  خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس.

ورجعوا إلى حصنهم فقال  : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم.

واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس.

وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية.

والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني ايضاً اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة.

واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني.

ومعنى ﴿ رب العزة ﴾ كقوله ﴿ قل اللهم مالك الملك  ﴾ والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه.

عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله.

والظاهر أن قوله ﴿ عما يصفون ﴾ يتعلق ﴿ بسبحان ﴾ كما في قوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر يس.

قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ عن علي  : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس ﴿ سبحان ربك رب العزة ﴾ إلى آخر السورة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ .

قال بعضهم: ذاهب إلى ربي بقلبي وعملي ونيتي وذلك في الآخرة.

ويحتمل: ذاهب إلى ما أمرني ربي، أو إلى ما أذن لي، أي: وقد أمر بالهجرة إلى الأم من مكة.

أو ذاهب إلى ما فيه رضاء ربي، أو طاعة ربي ونحو ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: سينجيني مما رأيت من قومي.

وقال بعضهم: سيهديني الطريق، وذلك جائز نحو قول موسى -  -: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ لما توجه إلى مدين؛ فعلى ذلك جائز قول إبراهيم: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي ﴾ أي: ذاهب إلى أمر ربي، أي: متوجه إلى ما أمرني ربي أن أتوجه سيهديني ذلك الطريق، والله أعلم.

وقال بعضهم: سيهديني لدينه وذلك أول ما هاجر من الخلق، أي: ليعلم دينه، وقد ذكر في حرف حفصة: ﴿ إني مهاجر إلى ربي سيهدين ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

كأنه قال: رب هب لي غلاماً واجعله من الصالحين، دليل ذلك ما ذكر له من البشارة بالغلام، فدلت البشارة له بالغلام على أثر ذلك [على أن] سؤاله كان سؤال الغلام.

ثم فيه دليل جواز سؤال الولد الذكر ربَّه، لكنه يسأله بشرط الصلاح والطيب كما سأل الأنبياء وسأله إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وقال زكريا -  -: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، وما ذكر وحكي عنهم مدحاً لهم وثناء عليهم حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً  ﴾ يجب على من يسأل ربه الولد أن يسأله على هذه الشرائط التي سألته الأنبياء - عليهم السلام - فيكون سؤالهم الولد على ذلك سؤالا لله - عز وجل - وما يصلح لقيامه لأمره وعبادته، فأما أن يسأله إياه لذة لنفسه وسروراً له في الدنيا فلا.

ثم يحتمل قوله: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر وجهين: أحدهما: أي: هب لنا من أزواجنا وذريتنا ما تقر به أعيينا.

أو هب لنا من أزواجنا من الولد والذرية ما تقر به أعيننا على ما سأل زكريا -  - حيث قال: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ .

ثم فيه دلالة أن الولد هبة الله لهم وعطاء لهم؛ ولذلك قال: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً  ﴾ ، ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ  ﴾ ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم - والله أعلم - نعني: ما صار الولد هبة من الله.

وقوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ ﴾ .

يصير حليماً إذا بلغ مبلغ الامتحان بالأعمال والأمر والنهي، أي: بشرناه بغلام حليم يحلم فيما امتحن إذا بلغ مبلغاً يمتحن فيه، قال قتادة: "إن الله - عز وجل - لم يذكر أحدا ولا وصفه بالحلم سوى إبراهيم وولده الذي بشر به"، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ ﴾ .

أي: بلغ بحيث يقدر أن يسعى معه إلى حيث أمر هو أن يسعى ويمشي معه وهي الهجرة.

وقال بعضهم: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ ﴾ ، أي: بلغ بحيث يعمل ويمتحن عندنا.

قال له: ﴿ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ﴾ .

وترى بالنصب والرفع جميعاً - فيه دلالة أن رؤيا الأنبياء والرسل - عليهم السلام - على حق تخرج كالأمر المصرح؛ ألا ترى أنه لما قال له: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم قال له ولده: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ولو لم يكن أمراً لم يقل: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ، ولا قال له إبراهيم: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم الذي لا يسع الإقدام عليه، والله أعلم.

ثم [في] قوله لأبيه: ﴿ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ دلالة أن لا كل مأمور بأمر من الله شاء الله أن يفعل ما أمره؛ حيث أخبر [أنه] سيجده من الصابرين إن شاء الله، وقد ذكرنا أن إبراهيم -  - كان مأموراً بالذبح، فإذا أمر هو بالذبح أمر هذا أن يصبر على الذبح ولا يجزع، ثم أخبر أنه يصبر إن شاء الله دل أن لا كل مأمور لله بأمر شاء منه أن يفعل ذلك، ولكن شاء أن يفعل ذلك ممن علم منه أنه يختار ذلك الفعل ويفعله، ومن علم منه أنه لا يفعل ذلك لا يجوز أن يشاء منه ذلك الفعل؛ وكذلك قول موسى -  -: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً  ﴾ ، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن الله  إذا أمر أحدا بأمر شاء أن يفعل ما أمره به، لكنه تركه لما لم يشأ هو، والله أعلم.

وقد بينا فساد قولهم في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَسْلَمَا ﴾ أي: استسلما لأمر الله فيما أمرهما: هذا بالذبح، وهذا بالبذل والطاعة في ذلك.

أو أسلم هذا ابنه وهذا نفسه لله - عز وجل - وأصله: أسلما أنفسهما لأمر الله وإطاعته في ذلك.

وقوله: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ، أي: صرعه، وكبه على وجهه، فيه أنه لم يضجعه كما يضجع المرء ما يريد أن يذبحه من الشياه وغيرها، ولكنه أضجعه على وجهه، فهو - والله أعلم - لما أراد أن ينفذ أمر الله ويقدر على أداء ما أمر به، فلعله لو أضجعه على ما يضجع غيره من الذبح نظر كل واحد منهما إلى وجه الآخر، فيرحمه هذا بترك ذبحه وهذا ينظر في وجهه في جزع ويترك طاعته.

أو على ما قال أهل التأويل: إنّ ولده قال لإبراهيم -  -: كذا، ففعل ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ يجوز أن يحتج بهذه الآية على المعتزلة لقولهم: إن الله - عز وجل - إذا أمر أحداً بأمر يجوز ذلك الفعل منه وأراد أن يفعل ما أمره به، ونحن نقول: يجوز أن يريد غير الذي أمره به، يريد أن يكون ما علم أنه يكون منه ويختاره حيث قال - عز وجل -: ﴿ يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ ، ولم يكن منه حقيقة ذبح الولد وقد أمره بذبحه، فلو كان في الأمر إرادة كون ما أمره به، لكان لا يصدقه في الوفاء بالرؤيا، ولم يكن ذلك منه حقيقة.

لكنهم يقولون: إن الأمر بالذبح لم يكن إلا ما كان منه من ذبح الكبش من ذلك أراد فكان ما أراد، ومذاهبهم الاحتيال لدفع ما ذكرنا.

لكن نقول: إن الأمر بالذبح إنما كان بذبح الولد حقيقة لا بذبح الكبش؛ دليله وجوه: أحدها: قول إبراهيم حيث قال: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ ، وقول ولده - عليهما السلام -: ﴿ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ ﴾ ، لو لم يجعل الأمر من الله له بالذبح أمراً بالذبح على ذبح الولد حقيقة لكان يجهلهما في قولهما: أمر الله، وفي تسميتهما ما سميا، ولم يجهلهما في ذلك، فدل أن الأمر كان على حقيقة ذبح الولد لا على ذبح الكبش على ما يقولون، والله أعلم.

والثاني: أن إبراهيم وولده - عليهما السلام - قد مدحا وأثنى عليهما بالصنيع الذي صنعا: هذا بإضجاعه إياه للذبح، وهذا لبذله نفسه له والطاعة له في ذلك، فلو كان الأمر منه لهما لا غير الإضجاع والبذل لذلك لم يكن لهما في ذلك الصنيع فضل مدح ولا فضل ثناء ومنقبة؛ إذ لكل أحد إضجاع الولد لذلك وللآخر البذل له، فإذا مُدحا وأُثني عليهما في صنيعهما الذي صنعا وصار لهما منقبة عظيمة إلى يوم القيامة، حتى سمي هذا: ذبيح الله، وهذا: فداء الله؛ حيث قال الله - عز وجل -: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ ، فلو كان الأمر بالذبح ذبح الكبش لا ذبح الولد لم يكن الكبش فداء منه؛ إذ لا يسمى الفداء إلا بعد إبدال غير عنه وإقامة غير مقامه، دل على ما ذكرنا، والله أعلم.

لكنه إذا أضجعه وتله للجبين على [ما] ذكر صارا ممنوعين عن ذلك الفعل غير تاركين أمر الله - عز وجل - على ما ذكر في القصة: أن الشفرة قد انقلبت عن وجهها فلم تقطع، فمن أمر بأمر ثم منع عمّا أمره به وحيل بينه وبين ما أمر به، لم يصر تاركاً للأمر، ولا كان موصوفاً بالترك له، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية لمسائل لأصحابنا: إحداها: في المرأة إذا أسلمت [نفسها للزوج وهناك] ما يمنع الزوج عن الاستمتاع بها والجماع صارت موفية مسلمة ما على نفسها إلى زوجها، فاستوجبت بذلك كمال الصداق ولزمتها العدة؛ إذ لا تملك سوى ما فعلت وإن لم يجامعها زوجها.

وفيمن عنده أمانة إذا سلمها إلى صاحبها وصيرها بحال يقدر على أخذها وقبضها يصير مسلماً إليه مؤدياً خارجاً منها موفيا، وإن لم يقبض الآخر ولم تقع في يده.

وفي البائع إذا سلم المبيع إلى المشتري وخلى بينه وبين ذلك يصير مسلماً إليه خارجاً من ضمان ذلك وعهدته وإن لم يقبضه المشتري، ونحوه من المسائل مما يكثر إحصاؤها؛ إذ ليس في وسعهم إلا ذلك المقدار من الفعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ .

لو كان هذا القول بعد ذبح الكبش، ففيه حجة لقول أصحابنا حيث قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن من أوجب على نفسه ذبح ولده يخرج منه بذبح الكبش؛ لما أخبر أنه قد صدق الرؤيا بذبح الكبش؛ فعلى ذلك يصير هذا موجباً على نفسه ذبح كبش لا غير، والله أعلم، وإن كان قوله: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ﴾ قبل ذبح الكبش بإضجاعه إياه وإسلامه لذلك، ففيه ما ذكرنا أنه بذل تسليمهما نفسه منزلة إتيان عين ذلك؛ إذ منع عن ذلك لا أنه ترك ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

إن الأمر بذبح الولد الذي أمر به إبراهيم محنة عظيمة.

ويقول بعض أهل التأويل: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ، أي: النعمة العظيمة، أي: في الفداء الذي فدى لإبراهيم -  - نعمة عظيمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ .

وهو الكبش، قال بعض أهل التأويل: سماه: عظيماً؛ لأنه كان يرعى في الجنة أربعين خريفاً.

ويقول بعضهم: كان ذلك الكبش في نفسه عظيماً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ .

قال أهل التأويل: أي: تركنا عليه في الآخرين الثناء الحسن.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ ﴾ ذلك السلام الذي ذكر على أثره حيث قال - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ ترك ذلك فينا؛ لنسلم عليه وعلى جميع المرسلين؛ كقوله: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ قد أمرنا أن نثني ونسلم على جميع الأنبياء والمرسلين؛ وكقوله: "اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد" ويكون [سلام] الأنبياء - عليهم السلام - بعضهم إلى بعض كما كان بعضهم من شيعة البعض.

أو أن يكون ذلك السلام من الله لهم أمناً من كل خوف وسلامة عن كل خبث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل محسن أن يترك له السلام والثناء الحسن في الآخرين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يحتمل هذا وجوهاً: أحدها: أنه كان من عبادنا المؤمنين قبل أن يُوحى إليه وقبل أن يبعث رسولا.

ويحتمل أنه من عبادنا المؤمنين الذين حققوا الإيمان في قوله وفعله ووفاء ما عليه.

أو أنه كان من عبادنا المؤمنين بمحمد  والأنبياء جميعاً بعضهم يصدق بعضا ويؤمن به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

كان سأل ربه الولد يقول: ﴿ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ فاستجاب الله دعاءه وبشره بما ذكر، ثم أخبر أنه نبي من الصالحين.

يحتمل قوله -  -: ﴿ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: نبيّاً من السلف؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ أي: نبيّاً نصيره ونجعله من الأنبياء؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ  ﴾ .

ويحتمل أن تكون البشارة في الولادة [أي: في] الولد الذي سأل ربه.

ويحتمل أن بشر له بنبوته، أو بشر لهما بهما بالولادة وبالنبوة جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ﴾ .

البركة هي اسم كل خير لا يزال على الزيادة والنماء.

أو يقول: إن البركة شيء من أعطى كان لا تبعة عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ﴾ .

﴿ مُحْسِنٌ ﴾ أي: مؤمن مصدق ﴿ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ ، أي: كافر، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً  ﴾ ، فقال إبراهيم -  -: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ أخبر أن في ذريته من لا ينال عهده كما ذكر هاهنا: أن في ذريته محسناً وهو مؤمن وظالم لنفسه مبين، أي: كافر ظاهر مبين.

أو أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مُحْسِنٌ ﴾ إلى نفسه، أو محسن إلى الناس، وهو إسحاق، و[إن ثبت] ما روي "أن رجلا سأل فقال: يا رسول الله، أي الناس أكرمهم حسباً؟

قال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله" فهو ذلك، وإلا فلا حاجة لنا إلى معرفة ذلك أنه فلان أو فلان؛ إذ لو كان لنا إلى بيان ذلك حاجة لبين وأزال الإشكال واختلاف الناس في ذلك والتكلم فيه فضل وتكلف؛ إذ لا يحتمل أن يكون بالناس حاجة إلى معرفة ذلك وبيانه، ثم لا يبين لهم ولا يعرف ذلك، فدل ترك التنازع لذلك على أن لا حاجة إلى ذلك، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة والقتبي: الذِّبح: الكبش واسم ما يذبح، والذَّبح بنصب الذال مصدر ذبحت؛ هذا قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: الذَّبح بالنصب هو الفعل وهما واحد.

وقال القتبي: البلاء المبين: الإحسان المبين العظيم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما شب إسماعيل، وأدرك سعيُه سعي أبيه رأى أبوه إبراهيم رؤيا، ورؤيا الأنبياء وحي، قال إبراهيم مخبرًا ابنه عن فحوى هذه الرؤيا: يا بني، إني رأيت في النوم أني أذبحك، فانظر ما ترى في ذلك، فأجاب إسماعيل أباه قائلًا: يا أبي، افعل ما أمرك الله به من ذبحي، ستجدني من الصابرين الراضين بحكم الله.

من فوائد الآيات من مظاهر الإنعام على نوح: نجاة نوح ومن آمن معه، وجعل ذريته أصول البشر والأعراق والأجناس، وإبقاء الذكر الجميل والثناء الحسن.

أفعال الإنسان يخلقها الله ويفعلها العبد باختياره.

الذبيح بحسب دلالة هذه الآيات وترتيبها هو إسماعيل  ؛ لأنه لمُبَشَّر به أولًا، وأما إسحاق  فبُشِّر به بعد إسماعيل  .

قول إسماعيل: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ سبب لتوفيق الله له بالصبر؛ لأنه جعل الأمر لله.

<div class="verse-tafsir" id="91.NoP3l"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله