الآية ١٦٧ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ١٦٧ من سورة الصافات

وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ١٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٧ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١٦٧ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإن كانوا ليقولون .

لو أن عندنا ذكرا من الأولين .

لكنا عباد الله المخلصين ) أي : قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله ، وما كان من أمر القرون الأولى ، ويأتيهم بكتاب الله ، كما قال تعالى : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا ) [ فاطر : 42 ] ، وقال : ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين .

أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ) [ الأنعام : 156 ، 157 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( فكفروا به فسوف يعلمون ) ، وعيد أكيد وتهديد شديد ، على كفرهم بربهم - سبحانه وتعالى - وتكذيبهم - رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: وكان هؤلاء المشركون من قريش يقولون قبل أن يبعث إليهم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نبيا، ( لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ) يعني كتابا أنـزل من السماء كالتوراة والإنجيل، أو نبي أتانا مثل الذي أتى اليهود والنصارى

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

عاد إلى الإخبار عن قول المشركين , أي كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إذا عيروا بالجهل قالوا : " لو أن عندنا ذكرا من الأولين "

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن هؤلاء المشركين، يظهرون التمني، ويقولون: لو جاءنا من الذكر والكتب، ما جاء الأولين، لأخلصنا للّه العبادة، بل لكنا المخلصين على الحقيقة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن كانوا ) وقد كانوا يعني : أهل مكة ، ) ( ليقولون ) لام التأكيد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن» مخففة من الثقيلة «كانوا» أي كفار مكة «ليقولون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن كفار "مكة" ليقولون قبل بعثتك -أيها الرسول-: لو جاءنا من الكتب والأنبياء ما جاء الأولين قبلنا، لكنا عباد الله الصادقين في الإيمان، المخلَصين في العبادة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخبر - سبحانه - عن حال المشركين قبل أن يأتيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ .

لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأولين .

لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين .

فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) .و " إن " فى قوله ( وَإِن كَانُواْ .

.

.

) هى المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير محذوف .والقائلون هم كفار مكة ، والفاء فى قوله ( فَكَفَرُواْ بِهِ ) وهى الفصيحة الدالة على محذوف مقدر .والمعنى إن حال هؤلاء الكافرين وشأنهم ، أنهم كانوا يقولون قبل مجئ الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذهب الكفار أتبعه بما نبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال إلا إذا كان قد سبق حكم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار، وذكر صاحب الكشاف في قوله: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتم عَلَيْهِ بفاتنين ﴾ قولين الأول: الضمير في ﴿ عَلَيْهِ ﴾ لله عز وجل معناه فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعاً بفاتنين على الله إلا أصحاب النار الذين سبق في علم الله كونهم من أهل النار، فإن قبل كيف يفتنونهم على الله؟

قلنا يفتنونهم عليه بإغوائهم من قولك فتن فلان على فلان امرأته كما تقول أفسدها عليه والوجه الثاني: أن تكون الواو في قوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ بمعنى مع كما في قولهم كل رجل وضيعته، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته، فكذلك جاز أن يسكت على قوله: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ لأن قوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ ساد مسد الخبر، لأن معناه فإنكم مع ما تعبدون، والمعنى فإنكم مع آلهتكم أي فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تتركون عبادتها، ثم قال تعالى: ﴿ مَا أَنتم عَلَيْهِ ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين ﴾ بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم ﴾ مثلكم.

وقرأ الحسن ﴿ صَالِ الجحيم ﴾ بضم اللام ووجهه أن يكون جمعاً وسقوط واوه لالتقاء الساكنين، فإنه قيل كيف يستقيم الجمع مع قوله: ﴿ مَنْ هُوَ ﴾ قلنا ﴿ مِنْ ﴾ موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه والصالون على معناه.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا تأثير لإغواء الشيطان ووسوسته، وإنما المؤثر قضاء الله تعالى وتقديره، لأن قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بفاتنين ﴾ تصريح بأنه لا تأثير لقولهم ولا تأثير لأحوال معبوديهم في وقوع الفتنة والضلال، وقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم ﴾ يعني إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره، وذلك تصريح بأن المقتضي لوقوع هذه الحوادث حكم الله تعالى، وكان عمر بن عبد العزيز يحتج بهذه الآية في إثبات هذا المطلوب، قال الجبائي: المراد أن الذين عبدوا الملائكة يزعمون أنهم بنات الله لا يكفرون أحداً إلا من ثبت في معلوم الله أنه سيكفر، فدل هذا على أن من ضل بدعاء الشيطان لم يكن ليؤمن بالله لو منع الله الشيطان من دعائه وإلا كان يمنع الشيطان، فصح بهذا أن كل من يعصي لم يكن ليصلح عنه شيء من الأفعال والجواب: حاصل هذا الكلام أنه لا تأثير لإغواء شياطين الإنس والجن.

وهذا لا نزاع فيه إلا أن وجه الاستدلال أنه تعالى بين أنه لا تأثير لكلامهم في وقوع الفتنة، ثم استثنى منه ما في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم ﴾ فوجب أن يكون المراد من وقوع الفتنة هو كونه محكوماً عليه بأنه صال الجحيم، وذلك تصريح بأن حكم الله بالسعادة والشقاوة هو الذي يؤثر في حصول الشقاوة والسعادة.

واعلم أن أصحابنا قرروا هذه الحجة بالحديث المشهور وهو أنه حج آدم موسى، قال القاضي هذا الحديث لم يقبله علماء التوحيد، لأنه يوجب أن لا يلام أحد على شيء من الذنوب، لأنه إن كان آدم لا يجوز لموسى أن يلومه على عمل كتبه الله عليه قبل أن يخلقه، فكذلك كل مذنب.

فإن صحت هذه الحجة لآدم عليه السلام، فلماذا قال موسى عليه السلام في الوكزة هذا من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين؟

ولما قال فلن أكون ظهيراً للمجرمين؟

ولماذا لام فرعون وجنوده على أمر كتبه الله عليهم؟

ومن عجيب أمرهم أنهم يكفرون القدرية، وهذا الحديث يوجب أن آدم كان قدرياً، فلزمهم أن يكفروه، وكيف يجوز مع قول آدم وحواء عليهما السلام: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَكُنتُم مّنَ الخاسرين  ﴾ أن يحتج على موسى بأنه لا لوم عليه، وقد كتب عليه ذلك قبل أن يخلقه، هذا جملة كلام القاضي فيقال له هب أنك لا تقبل ذلك الخبر، فهل ترد هذه الآية أم لا، فإنا بينا أن صريح هذه الآية يدل على أنه لا تأثير للوساوس في هذا الباب، فإن الكل يحصل بحكمة الله تعالى، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن الكافر إن ضل بسبب وسوسة الشيطان فضلال الشيطان إن كان بسبب شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وهو محال، وإن انتهى إلى ضلال لم يحصل بسبب وسوسة متقدمة فهو المطلوب الثاني: أن كل أحد يريد أن يحصل لنفسه الاعتقاد الحق والدين الصدق، فحصول ضده يدل على أن ذلك ليس منه الثالث: أن الأفعال موقوفة على الدواعي وحصول الدواعي بخلق الله، فيكون الكل من الله تعالى الرابع: أنه تعالى لما اقتضت حكمته شيئاً، وعلم وقوعه، فلو لم يقع ذلك الشيء لزم انقلاب ذلك الحكم كذباً وانقلاب ذلك العلم جهلاً وهو محال، وأما الآيات التي تمسك بها القاضي فهي معارضة بالآيات الدالة على أن الكل من الله والقرآن كالبحر المملوء من هذه الآيات فتبقى الدلائل العقلية التي ذكرناها سليمة، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ فالجمهور على أنهم الملائكة، وصفوا أنفسهم بالمبالغة في العبودية، فإنهم يصطفون للصلاة والتسبيح، والغرض منه التنبيه على فساد قول من يقول إنهم أولاد الله وذلك لأن مبالغتهم في العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية، واعلم أن هذه الآية تدل على ثلاثة أنواع من صفات الملائكة فأولها قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ وهذا يدل على أن لكل واحد منهم مرتبة لا يتجاوزها ودرجة لا يتعدى عنها، وتلك الدرجات إشارة إلى درجاتهم في التصرف في أجسام هذا العالم إلى درجاتهم في معرفة الله تعالى أما درجاتهم في التصرفات والأفعال فهي قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون ﴾ والمراد كونهم صافين في أداء الطاعات ومنازل الخدمة والعبودية، وأما درجاتهم في المعارف فهي قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون ﴾ والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

واعلم أن قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون * وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون ﴾ يفيد الحصر ومعناه أنهم هم الصافون في مواقف العبودية لا غيرهم وأنهم هم المسبحون لا غيرهم، وذلك يدل على أن طاعات البشر ومعارفهم بالنسبة إلى طاعات الملائكة وإلى معارفهم كالعدم، حتى يصح هذا الحصر.

وبالجملة فهذه الآلفاظ الثلاثة تدل على أسرار عجيبة من صفات الملائكة فكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال البشر تقرب درجته من الملك فضلاً عن أن يقال هل هو أفضل منه أم لا.

وأما قوله: ﴿ وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الأولين * لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين ﴾ فالمعنى أن مشركي قريش وغيرهم كانوا يقولون: ﴿ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً ﴾ أي كتاباً من كتب الأولين الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل لأخلصنا العبادة لله، ولما كذبنا كما كذبوا.

ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب المهيمن على كل الكتب، وهو القرآن فكفروا به.

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي فسوف يعلمون عاقبة هذا الكفر والتكذيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هم مشركو قريش كانوا يقولون: ﴿ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً ﴾ أي كتاباً ﴿ مِّنَ ﴾ كتب ﴿ الأولين ﴾ الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، لأخلصنا العبادة لله، ولما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب، فكفروا به.

ونحوه ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ [فاطر: 42] فسوف يعلمون مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام.

و(إن) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة.

وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادّين فيه، فكم بين أوّل أمرهم وآخره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ﴾ أيْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.

﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ كِتابًا مِنَ الكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ.

﴿ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ ولَمْ نُخالِفْ مِثْلَهم.

﴿ فَكَفَرُوا بِهِ ﴾ أيْ لَمّا جاءَهُمُ الذِّكْرُ الَّذِي هو أشْرَفُ الأذْكارِ والمُهَيْمِنُ عَلَيْها.

﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإن كانوا ليقولون} أى مشركوا قريش قبل مبعثه عليه السلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ، واللّامُ هي الفارِقَةُ والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ  : ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ كِتابًا مِن جِنْسِ الكُتُبِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، ومِثْلِها في كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، ولَكُنّا أهْدى مِنهُمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَفَرُوا بِهِ ﴾ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ ﴾ أيْ فَجاءَهم ذِكْرٌ وأيُّ ذِكْرٍ سَيِّدُ الأذْكارِ، وكِتابٌ مُهَيْمِنٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ والأخْبارِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الانْتِقامِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالذِّكْرِ العِلْمُ أيْ لَوْ أنَّ عِنْدَنا عِلْمًا مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمُونا، وما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ بَعْدَ أنْ ماتُوا، هَلْ أثابَهم أمْ عَذَّبَهم لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لَهُ تَعالى، فَجاءَهم ذَلِكَ في القُرْآنِ العَظِيمِ، فَكَفَرُوا بِهِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً يعني: وصفوا بين الرب، وبين الملائكة نسباً حين زعموا أنهم بناته.

ويقال: جعلوا بينه وبين إبليس قرابة.

وروى جبير عن الضحاك قال: قالت قريش: إن إبليس أخو الرحمن.

وقال عكرمة: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قالوا: الملائكة بنات الله، وجعلوهم من الجن.

وهكذا قال القتبي.

ثم قال: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ قال مقاتل والكلبي: يعني: علمت الملائكة الذين قالوا إنهم البنات إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أن من قال: إنهم بناته لمحضرون في النار.

ويقال: لو علمت الملائكة أنهم لو قالوا بذلك، أدخلوا النار ثم قال عز وجل: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ يعني: تنزيهاً لله عما يصف الكفار.

ثم استثنى على معنى التقديم والتأخير، يعني: فقال إنهم لمحضرون إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: الموحدين.

فإنهم لا يقولون ذلك.

ثم قال عز وجل: فَإِنَّكُمْ يا أهل مكة وَما تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ يعني: ما أنتم عليه بمضلين أحداً بآلهتكم إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ يعني: إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم.

ويقال: إلا من كان في علم الله تعالى أنه يصلى الجحيم.

ويقال: إلا من قدرت عليه الضلالة، وعلمت ذلك منه، وأنتم لا تقدرون على الإضلال والهدى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعني: قل يا جبريل لمحمد  .

وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم.

يعني: مصلى معروفاً في السماء، يصلي فيه ويعبد الله تعالى فيه وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ يعني: صفوف الملائكة في السموات.

وروي عن مسروق، عن ابن مسعود قال: إن في السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك ساجد.

وروي: أو قدماه.

وروي عن مجاهد عن أبي ذر عن رسول الله  أنه قال: «أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فيها موضع شبر إلاَّ وَفِيهِ جَبْهَةُ مَلَك سَاجِد» .

ويقال: إن جبريل-  - جاء إلى النبيّ  فقال له: أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ [المزمل: 20] وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في السموات، يعبد الله عز وجل فيه وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ يعني: المصلين وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا يعني: إن أهل مكة كانوا يقولون: لو أتانا بكتاب مثل اليهود والنصارى، لكنا نؤمن، فذلك قوله عز وجل: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني: لو جاءنا رسول لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: الموحدين.

فلما جاءهم محمد رسول الله  كفروا به.

ويقال: يعني: بالقرآن فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يعني: يعرفون في الآخرة، وهذا وعيد لهم.

ويقال في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ: أي: الملائكة أنَّ قائِلي هذه المقالةِ مِنَ الكفرةِ لَمُحْضَرُونَ في النَّارِ، وقيل للحسابِ، والأولُ أوْلَى لأنَّ الإحْضَارَ متَى جَاء في هذه الصُّورة عُنِيَ بهِ العذابُ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنَّهُمْ ناجُونَ مِنَ النَّار، انتهى، وفي البخاريِّ لَمُحْضَرُونَ أي: سيُحْضَرُونَ للحساب، انتهى.

وقوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ بمعنى: قل لهم يا محمد، إنَّكم وأصنَامَكم مَا أَنْتُم بمضلِّينَ أَحَداً بسبَبِها وَعَلْيهَا إلاَّ مَنْ قَدْ سَبَقَ عليه القضاءُ فإنَّه يَصْلَى الجَحِيمَ في الآخرةِ ولَيْسَ لَكُمْ إضْلالُ مَنْ هَدَى اللَّهُ تعالى، وقالت فرقة: عَلَيْهِ بمعنى: «به» والفَاتِنُ: المُضِلُّ في هذا الموضعِ وكذلك فسَّره ابن عَباس وغيره «١» ، وحذفت اليَاءُ مِنْ صالِ للإضَافةِ.

ثم حكى- سبحانه- قولَ الملائِكَةِ وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وهذا يؤيِّدُ أَن الجِنَّةَ أرادَ بِها الملائِكةَ، وتقديرُ الكلامَ وما منا ملك، وروت عائشة- رضي الله تعالى عنها- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَّ السَّمَاءَ مَا فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ وَاقِفٌ يُصَلِّي» ، وَعَنِ ابن مسعود وغيره نحوه «٢» .

والصَّافُّونَ معناه: الواقفون صفوفا، والْمُسَبِّحُونَ، يحتملُ أن يرِيدَ بِه الصَّلاَة، ويحتملُ أنْ يريدَ قَولَ: سبحَان اللَّهِ، قال الزَّهْرَاوِيُّ: قيل: إن المسْلِمِينَ إنما اصْطَفُّوا في الصلاةِ مُذْ نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ، ولا يصطفُّ أحَدٌ من أهلِ المِلَلِ غَيْرُ المسلِمينَ، ثمَّ ذكرَ تعالى مَقَالَةَ بَعْضِ الكفارِ، قال قتادةُ وغيرُه: فإنهم قبل نبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، قالوا: لو كَانَ لَنَا كتابٌ أو جاءَنا رسولٌ، لَكُنا عِبَادَ اللَّهِ المخْلَصِينَ، فلما جَاءهم محمّد كفروا به، فسوف

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما مِنّا ﴾ والمَعْنى: ما مَنّا مَلَكٌ ﴿ إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ أيْ: مَكانٌ في السَّمَواتِ مَخْصُوصٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ، ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: صُفُوفٌ في السَّماءِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: هو الصَّلاةُ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: صُفُوفُهم في السَّماءِ كَصُفُوفِ أهْلِ الدُّنْيا في الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المُصَلُّونَ.

والثّانِي: المُنَزَّهُونَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السُّوءِ.

وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ أقْبَلَ عَلى النّاسِ بِوَجْهِهِ وقالَ: يا أيُّها النّاسُ اسْتَوُوا، فَإنَّما يُرِيدُ اللَّهُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ، وإنّا لَنَحُنُ المُسَبِّحُونَ.

ثُمَّ عادَ إلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿ وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ﴾ اللّامُ في "لَيَقُولُونَ" لامُ تَوْكِيدٍ؛ والمَعْنى: وقَدْ كانَ كَفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ  : ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا ﴾ أيْ: كِتابًا ﴿ مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ: مِثْلَ كُتُبِ الأوَّلِينَ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، ﴿ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ أيْ: لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ فَكَفَرُوا بِهِ ﴾ فِيهِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا آَتاهم ما طَلَبُوا، كَفَرُوا بِهِ، ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ، وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم.

﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ وعْدُنا لِلْمُرْسَلِينَ بِنَصْرِهِمْ والكَلِمَةُ قَوْلُهُ: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي  ﴾ ، ﴿ إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ ﴾ بِالحُجَّةِ، ﴿ وَإنَّ جُنْدَنا ﴾ يَعْنِي حِزْبَنا المُؤْمِنِينَ ﴿ لَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ بِالحُجَّةِ أيْضًا والظَّفْرِ.

﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضْ عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ ﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ أيْ: حَتّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ إمْهالِهِمْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى نَأْمُرَكَ بِالقِتالِ؛ فَعَلى هَذا، الآَيَةُ مُحْكَمَةٌ.

وقالَ في رِوايَةٍ: حَتّى المَوْتِ؛ وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَتّى القِيامَةِ؛ فَعَلى هَذا، يَتَطَرَّقُ نَسْخُها.

وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: نَسَخَتْها آَيَةُ القِتالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأبْصِرْهُمْ ﴾ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِمْ إذا نَزَلَ العَذابُ.

قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: هو العَذابُ بِبَدْرٍ؛ وقِيلَ: أُبْصِرُ حالَهم بِقَلْبِكَ ﴿ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ ما أنْكَرُوا، وكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ تَكْذِيبًا بِهِ، فَقِيلَ: ﴿ أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ؟!

.

﴿ فَإذا نَزَلَ ﴾ يَعْنِي العَذابَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: "فَإذا نَزَلَ" بِرَفْعِ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِها ﴿ بِساحَتِهِمْ ﴾ أيْ: بِفِنائِهِمْ وناحِيَتِهِمْ.

والسّاحَةُ: فَناءُ الدّارِ.

قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَكْتَفِي بِالسّاحَةِ والعَقْوَةِ مِنَ القَوْمِ، فَيَقُولُونَ: نَزَلَ بِكَ العَذابُ وبِساحَتِكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ القَتْلُ ﴿ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ ﴾ أيْ: بِئْسَ صَباحُ الَّذِينَ أُنْذِرُوا العَذابَ.

ثُمَّ كَرَّرَ ما تَقَدَّمَ تَوْكِيدًا لِوَعْدِهِ بِالعَذابِ، فَقالَ: ﴿ وَتَوَلَّ عَنْهم.

.

.

.

﴾ الآَيَتَيْنِ.

ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي عِزَّةَ مَن يَتَعَزَّزُ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ أيْ: مِنَ اتِّخاذِ النِّساءِ والأوْلادِ.

﴿ وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: تَسْلِيمُهُ عَلَيْهِمْ إكْرامًا لَهم.

والثّانِي: إخْبارُهُ بِسَلامَتِهِمْ.

﴿ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ عَلى هَلاكِ المُشْرِكِينَ ونُصْرَةِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ﴾ ﴿ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ لَكُنّا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "وَجَعَلُوا" ﴾ لِفِرْقَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الطَبَرِيِّ: إنَّ بَعْضَهم قالَ: إنَّ اللهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قالَ قَوْمٌ لِأبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ: إنَّ اللهَ تَعالى نَكَحَ في سَرَواتِ الجِنِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ، فـَ "الجِنَّةُ" عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ يَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُسْتَجِنَّةً، أيْ: مُسْتَتِرَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ ﴾ .

مَن جَعَلَ "الجِنَّةَ" الشَياطِينَ جَعَلَ العَلامَةَ في ﴿ "عَلِمَتِ"، ﴾ والضَمِيرَ في ﴿ "إنَّهُمْ" ﴾ عائِدًا عَلَيْهِمْ.

أيْ: جَعَلُوا الشَياطِينَ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ، والشَياطِينُ تَعْلَمُ ضِدَّ ذَلِكَ مِن أنَّها سَتَحْضُرُ أمْرَ اللهِ وثَوابَهُ وعِقابَهُ.

ومِن جَعَلَ "الجِنَّةَ" المَلائِكَةَ جَعَلَ الضَمِيرَ في "إنَّهُمْ" لِلْقائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ سَيَحْضُرُونَ ثَوابَ اللهِ وعِقابَهُ، وقَدْ يَتَداخَلُ هَذانَ القَوْلانِ.

ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يَصِفُهُ الناسُ ولا يَلِيقُ بِهِ، ومِن هَذا اسْتَثْنى العِبادَ المُخْلَصِينَ؛ لِأنَّهم يَصِفُونَهُ بِصِفاتِهِ العُلى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: اسْتَثْناهم مِن قَوْلِهِ: ﴿ "لَمُحْضَرُونَ"، ﴾ وهَذا يَصِحُّ عَلى قَوْلِ مَن رَأى ﴿ "الجِنَّةِ" ﴾ المَلائِكَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ﴾ بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدٌ: إنَّكم وأصْنامَكم ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ أحَدًا بِسَبَبِها، إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ وضَمَّهُ القَدَرُ، بِأنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ في الآخِرَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكم إضْلالُ مِن هَدى اللهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "عَلَيْهِ" بِمَعْنى "فِيهِ"، و"الفاتِنُ": المُضِلُّ في هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ الزُبَيْرِ عَلى المِنبَرِ: "إنَّ اللهَ هو الهادِي والفاتِنُ"، و"مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"فاتِنِينَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ" ﴾ بِكَسْرِ اللامِ مِن "صالِ"، حُذِفَتِ الياءُ لِلْإضافَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "صالُ الجَحِيمِ" بِضَمِّ اللامِ، ولِلنُّحاةِ في مَعْناهُ اضْطِرابُ أقْوالٍ، وأقْواها أنَّهُ "صالُونَ" حُذِفَتِ النُونُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ لِلِالتِقاءِ، وخَرَجَ لَفْظُ الجَمِيعِ بَعْدَ لَفْظِ الإفْرادِ، فَهو كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ  ﴾ ، إذْ لَمّا كانَتْ (مَن) وهي مِنَ الأسْماءِ الَّتِي فِيها إبْهامٌ ويُكَنّى بِها عن أفْرادٍ وجَمْعٍ.

ثُمَّ حَكى قَوْلَ المَلائِكَةِ: ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ "الجِنَّةَ" أرادَ بِها المَلائِكَةَ، كَأنَّهُ قالَ ولَقَدْ عَلِمَتْ كَذا، وإنَّ قَوْلَنا لِكَذا، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ما مِنّا مَلَكٌ، ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ  : « "إنَّ السَماءَ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وعَلَيْهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ أو قَدَماهُ"،» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإنَّ كُلُّنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ".

و"الصافُّونَ" مَعْناهُ: الواقِفُونَ صُفُوفًا، و"المُسَبِّحُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَلاةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ قَوْلَ: "سُبْحانَ اللهِ"، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ صَرَفَ وجْهَهَ إلى الناسِ فَيَقُولُ لَهُمْ: عَدِّلُوا صُفُوفَكم وأقِيمُوها، فَإنَّ اللهَ إنَّما يُرِيدُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ، فَإنَّها تَقُولُ: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصافُّونَ ﴾ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ ، ثُمَّ يَرى تَقْوِيمَ الصُفُوفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ ويُكَبِّرُ، قالَ الزَهْراوِيُّ: قِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ إنَّما اصْطَفُّوا مُنْذُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ولا يَصْطَفُّ أحَدٌ مِن أهْلِ المِلَلِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ.

ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ: مَقالَةَ بَعْضِ الكُفّارِ، وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: فَإنَّهم قَبْلَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  قالُوا: لَوْ كانَ لَنا كِتابٌ أو جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا مِن أتْقى عِبادِ اللهِ وأشَدِّهِمْ إخْلاصًا، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا فاسْتَوْجَبُوا ألِيمَ العِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من ذكر كفر المشركين بتعدد الإله وبإنكار البعث وما وصفوا به الرسول صلى الله عليه وسلم من السحر والجنون ثم بما نسبوا لله مما لا يليق بإلهيته وما تخلل ذلك من المواعظ والوعيد لهم والوعد للمؤمنين والعبرة بمصارع المكذبين السابقين وما لقيه رسل الله من أقوامهم.

فانتقال الكلام إلى ذكر ما كفر به المشركون من تكذيب القرآن الذي أنزله الله هدى لهم، فالمقصود من هذا هو قولُه: ﴿ فكَفَروا به ﴾ أي الذكرِ، وإنما قدم له في نظم الكلام ما فيه تسجيل عليهم تهافتهم في القول إذ كانوا قبل أن يأتيهم محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب المبين يودّون أن يشرفهم الله بكتاب لهم كما شرف الأولين ويرجُون لو كان ذلك أن يكونوا عباداً لله مخلصين له فلما جاءهم ما رغبوا فيه كفروا به وذلك أفظع الكفر لأنه كفر بما كانوا على بصيرة من أمره إذ كانوا يتمنّونه لأنفسهم ويغبطون الأمم التي أنزل عليهم مثلُه فلم يكن كفرهم عن مباغتة ولا عن قلة تمكن من النظر.

وتأكيد الخبر ب ﴿ إِنْ ﴾ المخففة من الثقيلة وبلام الابتداء الفارقة بين المخففة والنافية للتسجيل عليهم بتحقيق وقوع ذلك منهم ليُسدّ عليهم باب الإِنكار.

وإقحام فعل ﴿ كانُوا ﴾ للدلالة على أن خبر (كان) ثابت لهم في الماضي.

والتعبيرُ بالمضارع في «يقولون» لإِفادة أن ذلك تكرر منهم.

و ﴿ لو ﴾ شرطية وسدّت ﴿ أنّ ﴾ وصلتها مسدّ فعل الشرط وهو كثير في الكلام.

والذكر: الكتاب المقروء، سمي ذِكراً لأنه يذكر الناس بما يجب عليهم مُسمّى بالمصدر.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ في سورة [الحجر: 6].

و ﴿ مِن الأوَّلين ﴾ صفة ل ﴿ ذِكراً، ﴾ والمراد ب ﴿ الأوَّلين ﴾ الرسل السابقون، و ﴿ من ﴾ ابتدائية، أي ذكراً جائياً من الرسل الأولين، أي مثل موسى وعيسى.

ومرادهم بهذا أن الرسل الأولين لم يكونوا مرسلين إليهم ولا بلغوا إليهم كتابهم ولو كانوا مرسلين إليهم لآمنوا بهم فكانوا عباد الله المخلصين، فذكر في جواب ﴿ لو ﴾ ما هو أخص من الإِيمان ليفيد معنى الإِيمان بدلالة الفحوى.

وفي جملة ﴿ لكُنَّا عِبَاد الله المخلصين ﴾ صيغة قصر من أجل كون المسند إليه معرفة بالإِضمار والمسند معرفة بالإِضافة، أي لكنا عباد الله دون غيرنا، ولما وصف المسند ب ﴿ المخلصين ﴾ وهو معرَّف بلام الجنس حصل قصر عباد الله الذين لهم صفة الإِخلاص في المسند إليه، وهذا قصر ادعائي للمبالغة في ثبوت صفة الإِخلاص لهم حتى كانوا شبيهين بالمنفردين بالإِخلاص لعدم الاعتداد بإخلاص غيرهم في جانب إخلاصهم.

وهو يؤول إلى معنى تفضيل أنفسهم في الإِخلاص لله حينئذٍ، كما صرح به في قوله تعالى: ﴿ أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ﴾ [الأنعام: 157].

والفاء في قوله: ﴿ فكفروا به ﴾ للتعقيب على فعل ﴿ ليقُولُونَ ﴾ ، أي استمرّ قولهم حتى كان آخره أن جاءهم الكتاب فكفروا به، أو للفصيحة، والتقدير: فكان عندهم ذكر فكفروا به، فالضمير عائد إلى الذكر وهو القرآن قال تعالى: ﴿ إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز ﴾ [فصلت: 41].

وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وأقسموا باللَّه جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونُنّ أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً ﴾ [فاطر: 42].

(وبهذا كان للوعيد بقوله: ﴿ فَسَوْفَ يعلَمُون ﴾ موقعُه المصادفُ المِجَزَّ من الكلام، وهوْلُه بما ضمنه من الإِبهام.

و«سوف» أخت السين في إفادة مطلق الاستقبال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ ﴾ أيْ بِمُضِلِّينَ، قالَ الشّاعِرُ: فَرَدَّ بِنِعْمَتِهِ كَيْدَهُ عَلَيْهِ وكانَ لَها فاتِنًا أيْ: مُضِلًّا فَكانُوا مُضِلِّينَ لِمَن يَدْعُونَهُ إلى عِبادَتِها.

﴿ إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَصْلى الجَحِيمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ في السَّماءِ مَقامٌ مَعْلُومٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: ما حَكاهُ قَتادَةُ قالَ: كانَ يُصَلِّي الرِّجالُ والنِّساءُ جَمِيعًا حَتّى نَزَلَتْ ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ قالَ فَتَقَدَّمَ الرِّجالُ وتَأخَّرَ النِّساءُ.

وَيُحْتَمَلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ.

ثالِثًا: وما مِنّا يَوْمَ القِيامَةِ إلّا مَن لَهُ فِيها مَقامٌ مَعْلُومٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ يَقِفُونَ صُفُوفًا في السَّماءِ، قِيلَ حَوْلَ العَرْشِ يَنْتَظِرُونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، وقِيلَ في الصَّلاةِ مُصْطَفِّينَ.

وَحَكى أبُو نَضْرَةَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ: يُرِيدُ اللَّهُ بِكم هَدْيَ المَلائِكَةِ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ ﴾ تَأخَّرْ يا فُلانُ، تَقَدَّمْ يا فُلانُ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُكَبِّرُ.

الثّانِي: ما حَكاهُ أبُو مالِكٍ قالَ: «كانَ النّاسُ يُصَلُّونَ مُتَبَدِّدِينَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ ﴾ فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ  أنْ يَصْطَفُّوا.

» وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُصَلُّونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: المُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَمّا أضافَهُ إلَيْهِ المُشْرِكُونَ أيْ فَكَيْفَ لا تَعْبُدُونَهُ ونَحْنُ نَعْبُدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين..

﴾ قال: لما جاء المشركين من أهل مكة ذكر الأولين، وعلم الآخرين، كفروا بالكتاب ﴿ فسوف يعلمون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن كانوا ليقولون..

﴾ قال: قالت هذه الأمة ذلك قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم قول أهل الشرك من أهل مكة، فلما جاءهم ذكر الأولين، وعلم الآخرين، كفروا به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن كانوا ليقولون ﴾ قال: قالت هذه الأمة ذلك قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ كفروا به فسوف يعلمون ﴾ وفي قوله: ﴿ ولقد سبقت كلمتنا..

﴾ قال: كانت الأنبياء تقتل وهم منصورون، والمؤمنون يقتلون وهم منصورون، نصروا بالحجج في الدنيا والآخرة، ولم يقتل نبي قط، ولا قوم يدعون إلى الحق من المؤمنين، فتذهب تلك الأمة والقرن، حتى يبعث الله قرآناً ينتصر بهم منهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم حتى حين ﴾ قال: إلى الموت ﴿ وأبصرهم فسوف يبصرون ﴾ قال: ابصروا حين لم ينفعهم البصر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم حتى حين ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم حتى حين ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فتول عنهم حتى حين ﴾ قال: يوم بدر.

وفي قوله: ﴿ فإذا نزل بساحتهم ﴾ قال: بدارهم ﴿ فساء صباح المنذرين ﴾ قال: بئسما يصبحون.

وأخرج جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا يا محمد أرنا العذاب الذي تخوّفنا به عجله لنا، فنزلت ﴿ أفبعذابنا يستعجلون ﴾ .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: «صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقد خرجوا بالمساحي، فلما نظروا إليه قالوا: محمد والخميس.

فقال: الله أكبر خربت خيبر، إنا أنزلنا بساحة قوم ﴿ فساء صباح المنذرين ﴾ فأصبنا حمراً خارجة من القرية، فطبخناها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

إن الله ورسوله ينهاكم عن الحمر الأهلية، فإنها رجس من عمل الشيطان» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتول عنهم حتى حين ﴾ قال: قيل له أعرض عنهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأبصر فسوف يبصرون ﴾ قال: يقول يوم القيامة، ما صنعوا من أمر الله، وكفرهم بالله ورسوله وكتابه، قال: ﴿ أبصر ﴾ وأبصرهم واحد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم عاد إلى الإخبار عن المشركين فقال: ﴿ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ﴾ يعني وأنهم كانوا ليقولون: ﴿ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ ﴾ .

قال السدي: قالوا لو أن عندنا كتابًا من كتب الأنبياء (١) ﴿ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾ .

وقال الكلبي: يقولون لو أتانا نبي كما أتى اليهود والنصارى لكنا عباد الله (٢) قال عطاء عن ابن عباس: يريد قرآنا من لدن إبراهيم وإسماعيل (٣) ﴿ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ ﴾ (٤) وقال مقاتل: يعني خبر الأمم الخالية كيف أهلكوا وما كان أمرهم ﴿ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ ﴾ (٥) ﴿ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ  ﴾ ، قال الله تعالى: ﴿ فَكَفَرُوا بِهِ ﴾ المعنى: فجاءهم ما طلبوا فكفروا به.

قال الزجاج: فلما جاءهم كفروا به (٦) وقال الفراء: (المعنى: وقد أرسل إليهم محمدًا بالقرآن فكفروا به، وهو مضمر لم يذكر؛ لأن معناه معروف مثل قوله: ﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ  ﴾ ، وهذا من قول الملأ ثم قال: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ ، فوصل قول فرعون بقولهم؛ لأن المعنى بيِّن) (٧) (٨) ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ  ﴾ .

وقال مقاتل: يقص الله في القرآن خبر الأولين فكفروا بالقرآن، ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وعيد القتل ببدر (٩) (١٠) وقال أبو إسحاق: فسوف يعلمون مغبة كفرهم وما نُنْزِل بهم من العذاب في الدنيا والآخرة (١١) (١) انظر: "الطبري" 23/ 113، "تفسير السدي" ص 407، "المحرر الوجيز" 4/ 489.

(٢) لم أقف عليه عن الكلبي، وقد أورد الطبري في "تفسيره" 23/ 113 نحوه عن قتادة، والقرطبي في "تفسيره" 15/ 138، ولم ينسبه.

(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد أورد الطبري في "تفسيره" 23/ 113 نحوه عن السدي والضحاك، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 93، ولم ينسبه.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 316.

(٥) "تفسير مقاتل" 114 ب.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 316.

(٧) "معانى القرآن" 2/ 395.

(٨) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 159، "الطبري" 23/ 113.

(٩) "تفسير مقاتل" 114 ب (١٠) لم أقف عليه.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 316.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الأولين ﴾ الضمير لكفار قريش وسائر العرب، والمعنى أنهم كانوا قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: أو أرسل الله إلينا رسولاً وأنزل علينا كتاباً لكنا عباد الله المخلصين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة.

الباقون: بفتح الياء ﴿ إني أرى ﴾ ﴿ إني أذبحك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابو عمرو.

﴿ وترى ﴾ بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة.

﴿ ستجدني ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وإن إلياس ﴾ موصولاً كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بكسر الهمزة ﴿ الله ربكم ورب ﴾ بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

الباقون: برفعها على الابتداء والخبر.

﴿ آل ياسين ﴾ ابن عامر ونافع ورويس.

الآخرون ﴿ إلياسين ﴾ كأنه جمع إلياس ﴿ لكاذبون اصطفى ﴾ موصلاً والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين.

الوقوف: ﴿ لإبراهيم ﴾ ه ط لأن التقدير "واذكر".

وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف ﴿ سليم ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تريدون ﴾ ه ط لاستفهام آخر ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ في النجوم ﴾ ه لا للفاء واتحاد المعنى ﴿ سقيم ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر ﴿ لا تنطقون ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه ﴿ يزفون ﴾ ه ﴿ تنحتون ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في الجحيم ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ماذا ترى ﴾ ط ﴿ ما تؤمر ﴾ ز للسين مع اتصال المقول ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ للجبين ﴾ ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة ﴿ وناديناه ﴾ جواب "لما"، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه لا ﴿ الرؤيا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وهارون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ العظيم ﴾ ه ج لذلك ﴿ الغالبين ﴾ ه لا ﴿ المستبين ﴾ ه ج ﴿ المستقيم ﴾ ه ج ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ وهارون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصوداً فلهذا لم يكن الوقف لازماً.

﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الخالقين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالنصب ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ لمحضرون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ الياسين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه لا ﴿ وبالليل ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ المدحضين ﴾ ه ج لحق المحذوف مع الفاء ﴿ مليم ﴾ ه ﴿ من المسبحين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ سقيم ﴾ ه ج ﴿ يقطين ﴾ ه ج ﴿ أو يزيدون ﴾ ه ط ﴿ إلى حين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ شاهدون ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ ولد الله ﴾ لا تعجيلاً لتكذيبهم ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ البنين ﴾ ه ط لابتداء استفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ج لأن "أم" تصلح استئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعجيل أمر التعجيز ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ نسباً ﴾ ط ﴿ لمحضرون ﴾ ه لا لتعلق الاستثناء و ﴿ سبحان الله ﴾ معترض ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ بفاتنين ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ الصافون ﴾ ه ج للعطف مع الاتفاق ﴿ المسبحون ﴾ ه ج ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ من الأوّلين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولاً للكلمة ﴿ المنصورون ﴾ ه ص لعطف الجملتين المفقتين ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ عما يصفون ﴾ ه ج لعطف جملتين مختلفتين ﴿ المرسلين ﴾ ه ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: الضمير في ﴿ شيعته ﴾ يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحاً على أصول الدين أو على التصلب في الدين.

وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً والأوّل لتقدّم ذكر نوح.

ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.

ومعنى ﴿ جاء ربه ﴾ أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له.

والقلب السليم قد مرّ في "الشعراء".

ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد.

ومعنى ﴿ ماذا تعبدون ﴾ أي شيء تعبدونه كقوله في "الشعراء" ﴿ وما تعبدون  ﴾ سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله ﴿ أئفكاً ﴾ هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل.

ويجوز أن يكون ﴿ إفكاً ﴾ حالاً معنى أو مفعولاً به ﴿ آلهة ﴾ بدل منه على أنها إفك في أنفسها.

﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ حتى جعلتم الجمادات أنداداً له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته.

وفي قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قولان: الأوّل أنه صدر منه كذباً لمصلحة رأى فيه، ولما جاء في الحديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعلهم كبيرهم ﴾ وقوله لسارة إنها أختي" وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء.

والثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة.

وأما الحديث فنسبه الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك.

وفي التوجيه وجوه: الأوّل إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه  خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا نيفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقماً كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولا داء أعي منه.

الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ إلى آخر الآية.

أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة.

وقوله ﴿ إني سقيم ﴾ أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم.

الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحرياً منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به.

وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذراً أحسن من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله  ﴿ فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم ﴾ ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغاً قومه من روغان الثعلب.

وقيل: راغ بقوله ﴿ إني سقيم ﴾ حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم.

وقوله ﴿ ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون ﴾ استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه.

وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه.

وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق.

وإنما جاء في هذه السورة ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾ بالفاء وفي "الذاريات" ﴿ قال ألا تأكلون ﴾ بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي الذاريات" يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون.

﴿ فراغ عليهم ﴾ عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كما يقال في المحبوب: مال إليه.

وفي المكروه: مال عليه.

وقوله ﴿ ضرباً ﴾ مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي بضرب ضرباً أو ضارباً.

ومعنى ﴿ باليمين ﴾ اي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو باقوّة مجازاً، أو بسبب الحلف وهو قوله ﴿ تالله لأكيدن أصنامكم ﴾ ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ أي إلى إبراهيم ﴿ يزفون ﴾ بمشون على سرعة.

وزفيف النعامة ابتداء عدوها.

ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعدٍ والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضاً وقد مر نظيره في التوبة في قوله ﴿ ولأوضعوا خلالكم  ﴾ قال بعض الطاعنين، قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم.

وقوله في "الأنبياء" ﴿ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم  ﴾ دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض.

وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه.

على أن قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر.

وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم فـ ﴿ ـقال أتعبدون ما تنحتون ﴾ وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم.

وزيف بأن "ما" موصولة لتناسب قرينتها في قوله ﴿ ما تنحتون ﴾ وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم.

والصحيح أن الآية كقوله ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن  ﴾ أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً ﴾ قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون.

وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها.

والجحيم النار العظيمة.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فأرادوا ﴾ كقوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا  ﴾ كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها.

وقد صح أنهم أرادوا به كيداً ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ الأسفلين ﴾ لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في طباقه أنسب.

ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ إني مهاجر إلى ربي  ﴾ وإنما حكم بقوله ﴿ سيهدين ﴾ ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتماداً على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي.

وحين هاجر إلى الرض المقدسة أراد الولد فقال ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ والله  بين استجابته بقوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم ههنا.

فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليماً، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلوم كما وصف به إبراهيم في قوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب  ﴾ .

وقيل: العليم إسحق لقوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة  ﴾ والحليم إسماعيل.

ثم حكى حديث ذبحه قائلاً ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه.

والظرف بيان كأنه قال أوّلاً ﴿ فلما بلغ السعي ﴾ فقيل: مع من؟

فأجيب مع أبيه.

ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله ﴿ بلغ ﴾ لأنهما لم يبلغا معاً حد السعي - والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب.

وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته.

يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله.

اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل لقوله  "أنا ابن الذبيحين" فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله.

وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحداً منهم تقرباً، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد اتلله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة.

وفي رواية أن أعرابياً قال للنبي  "يا ابن الذبيحين".

فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده.

فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل.

حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟

ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة.

وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين  ﴾ وهو صبره على الذبح في قوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ووصفه بصدق الوعد ﴿ إنه كان صادق الوعد  ﴾ وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به.

أخرى: ﴿ ومن وراء إسحق يعقوب  ﴾ فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه.

أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح.

وأيضاً قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ يجب أن يكون غير قوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وإلا لزم التكرار.

حجة أخرى: ان قرني الكبش كانا ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج.

وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما روي أن النبي  سئل اي النسب أشرف؟

فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.

وأجابوا عن قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ أنه بشر بغلام أوّلاً ثم بنبوته ثانياً.

وايضاً صرح بالمبشر به في قوله ﴿ فبشرناه بإسحق  ﴾ وفي قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ فيحمل عليه المبهم في قوله ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ وأيضاً لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتباراً بقراءة من قرأ ﴿ يعقوب  ﴾ بالرفع.

وأيضاً أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ هو مهاجرته إلى الشام ثم قال ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة.

وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح.

ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا ان الذبح كان بالشام وخصه بعضهم ببيت المقدس.

إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله ﴿ يا بني إني أرى في المنام ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثانٍ فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناجٍ من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك.

ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه.

قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية.

فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر.

وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي.

ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك.

وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك ﴿ قال يا أبت افعل ما تؤمر ﴾ أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير.

اي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: ﴿ فلما اسلما ﴾ أي انقادا وخضعا لأمر الله.

قال قتادة: اسلم هذا ابنه وهذا نفسه.

﴿ وتله ﴾ أي صرعه.

واللام في ﴿ للجبين ﴾ كهي في قوله ﴿ ويخرون للأذقان  ﴾ والجبين أحد جانبي الجبهة.

وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد.

يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك واسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون اسهل.

فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله.

ثم اقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله.

قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد اشير إلى جميع ذلك بقوله ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا ﴾ الأمر الذي قد وقع ﴿ لهو البلاء المبين ﴾ الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه.

يروى أنه لما وصل موضع السجود منه الأرض جاء الفرج.

وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين وونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا.

فنظر فإذا جبرائيل  معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه وذلك قوله  ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه،.

والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن.

وقوله ﴿ عظيم ﴾ أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي.

قال  "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" .

والاستشراف جعلها شريفة وكريمة.

وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً.

وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل.

وقيل: سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله  فداء عن ولد خليله.

وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله.

وعن الحسن: أنه وعل أهبط عليه من ثبير.

وقال السدّي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم  فذبحه وخلى ابنه.

استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته.

وقالت المعتزلة.

وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه  أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر.

سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءاً فجزءاً فلهذا قيل له ﴿ قد صدّقت الرؤيا ﴾ .

والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلاً من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال ﴿ وفديناه ﴾ .

بإسناد الفداء إلى ذاته  .

والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا.

وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة.

وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي.

وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر.

فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله واله أكبر.

فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد.

فبقي سنة.

قوله ﴿ وتركنا ﴾ إلى قوله ﴿ المؤمنين ﴾ قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ههنا ﴿ في العالمين ﴾ اكتفاء بما علم في قصة نوح.

ولم يقل ههنا ﴿ إنا كذلك ﴾ بل اقتصر على ﴿ كذلك ﴾ لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض.

قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحق بعد إسماعيل.

ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده.

قوله ﴿ نبياً من الصالحين ﴾ كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدراً وعالماً وحاكماً بأنه نبي صالح.

وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق.

وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل.

﴿ وباركنا عليه ﴾ قيل: أي على الغلام المبشر به.

قيل: على إبراهيم: ﴿ وعلى إسحق ﴾ اي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا.

ومن جملة ذلك ما روي أنه أخرج من صلب غسحق ألفي نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى وهم المشار إليهم بقوله ﴿ ومن ذريتهما محسن ﴾ ويعلم من قوله ﴿ وظالم لنفسه ﴾ أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب.

وأما قصة موسى فلا خفاء بها.

والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه.

وقيل: الغرق.

والضمير في ﴿ نصرناهم ﴾ لها ولقومهما.

والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ.

والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل.

وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون.

وقيل: هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم.

و"إذ" ظرف لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك ﴿ إذ قال لقومه ألا تتقون ﴾ الله.

قال الكلبي.

أي ألا تخافون عبادة غير الله.

وحين خوّفهم مجملاً ذكر سببه فقال ﴿ أتدعون ﴾ أي أتعبدون ﴿ بعلاً ﴾ وهم اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعاً وله اربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس.

قال الإمام فخر الدين الرازي  : لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحاً في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل.

قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر.

وقيل: البعل الرب بلغة اليمن.

والمعنى أتبعدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين.

ثم بين أجزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غداً.

وباقي القصة ظاهر إلا قوله ﴿ إلياسين ﴾ فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين.

وقيل: آل ياسين آل محمد  .

وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله.

والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال.

ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة.

وقيل: إنه لغة في إلياس.

قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا ههنا.

حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له "أحب" وله امرأة يقال لها "إزبيل" وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله  فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف.

فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟

فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل.

ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً.

وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم.

وكان الحسن يقول: قد هلك إليا والخضر ولا نقول كما يقول الناس.

وقصة لوط مذكورة مراراً.

ومعنى ﴿ مصبحين وبالليل ﴾ أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشأم فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره.

وقصة يونس أيضاً مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي  قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله  .

فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله  .

وأما الجواب عن إباقة فقد مر في قوله ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً  ﴾ قوله ﴿ المشحون ﴾ كالعلة لقوله ﴿ فساهم ﴾ والمساهمة المقارعة.

يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا.

قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة.

يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما رناه من غير ريح ولا سبب ظاهر.

وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس.

فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله.

ثم عادوا ثانياً وثالثاً فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى نفسه إلى الماء.

﴿ فالتقمه الحوت ﴾ أي ابتلعه كاللقمة ﴿ وهو مليم ﴾ داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم.

أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قيل: أي من المصلين.

قيل: أي من المصلين.

عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.

وقيل: من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات.

والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ .

والضمير في ﴿ يبعثون ﴾ للخلائق بالقيرنة وقوله ﴿ للبث ﴾ في أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث.

والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه.

والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه.

واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلاً.

وقيل: ثلاثة ايام.

وعن عطاء: سبعة.

وعن الضحاك: عشرون.

وقال الكلبي: أربعون.

روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً راسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.

عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال "سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة.

فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح.

قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل" وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له.

قال المبرد والزجاج: هو "يفعيل" من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده وقيل لرسول الله  : إنك لتحب القرع.

قال: أجل هي شجرة أخي يونس.

قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلاً على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله.

والآخر أن اليقطين كان قائماً بحيث يحصل له ظل.

قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم.

وقيل: هي التين.

وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها.

وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها.

وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعاً فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه.

وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و"أو" في قوله ﴿ أو يزيدون ﴾ ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر.

ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل: وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون.

وقيل: التقدير وأرسلناه إلى مائة ألف وارسلناه إلى قوم ثزيدون في الإيهام.

وكم الزائد؟

قيل: ثلاثون ألفاً.

عن ابن عباس.

وقيل: بضعة وثلاثون.

وقيل: بضعة وأربعون.

وقيل: سبعون.

وجاء مرفوعاً عشرون الفاً.

ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ هو انقضاء آجالهم.

وقيل: القيامة وقد مر.

ثم عطف قوله ﴿ فاستفتهم ﴾ على مثله في أول السورة.

والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلاً بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله  قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين.

وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حساً أو خبراً أو نظراً.

أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ﴾ وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعاً وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ وأما النظر فمفقود أياضً وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه  أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله ﴿ أَصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ﴾ من قرا اصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة.

الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله ﴿ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ وقوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاحتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسباً لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله ﴿ إنهم لمحضرون ﴾ للكفرة.

والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون.

وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان واهر من كما مر في "الأنعام" في قوله ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن  ﴾ وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين.

روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن.

وقال الكلبي: زعموا أن الله  تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة.

والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة.

قال جار الله: الاستثناء في قوله ﴿ إلا عباد الله ﴾ منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه.

وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في ﴿ يصفون ﴾ اي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي.

وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار.

وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.

وجوز جار الله أن تكون الواو في ﴿ وما تعبدون ﴾ بمعنى "مع" وجاز السكوت على ﴿ تعبدون ﴾ كما في قولهم "كل رجل وضيعته".

ثم قال ﴿ ما أنتم عليه ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين إلا من هو صال ﴾ مثلكم.

وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله ﴿ سبحان الله ﴾ إلى قوله ﴿ المسبحون ﴾ من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين.

وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار.

وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السروة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلا طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلاً عن دعوى الأفضلية؟

قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم.

وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله  أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله.

ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه.

ثم حكى أن مشركي قريش ﴿ كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً ﴾ أي كتاباً من جملة كتب الأوّلين اي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله.

وإن مخففة واللام فارقة ﴿ فكفروا به ﴾ الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وخامة عاقبة التكذيب.

وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد  لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه.

ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلاً وآجلاً، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني.

ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلاً ﴿ فتوّل عنهم ﴾ أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر.

عن السدي: أو إلى الموت والقيامة.

﴿ وأبصرهم ﴾ وما يقضى عليهم من السر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل غليه أمرك من النصر والثواب في الدارين.

وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي  وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قرباً وتحققاً.

و ﴿ سوف ﴾ في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه.

وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعدما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم.

وقيل: نزل في فتح مكة.

وعن أنس: لما أتى رسول الله  خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس.

ورجعوا إلى حصنهم فقال  : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم.

واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس.

وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية.

والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني ايضاً اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة.

واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني.

ومعنى ﴿ رب العزة ﴾ كقوله ﴿ قل اللهم مالك الملك  ﴾ والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه.

عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله.

والظاهر أن قوله ﴿ عما يصفون ﴾ يتعلق ﴿ بسبحان ﴾ كما في قوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر يس.

قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ عن علي  : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس ﴿ سبحان ربك رب العزة ﴾ إلى آخر السورة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم قوله: ﴿ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ بنصب اللام على ظاهر ما قالوا، يخبر أن يكون من المخلصين بكسر اللام، أي: لو كان كذا، فنحن نخلص له التوحيد والعبادة، لكن المخلص أن يخلصنا الله لو كان كذا، والله أعلم.

ثم أخبر أنهم كفروا ما آتاهم البيان وأن أولئك المتقدمين إنما أهلكوا لما ذكر محمد - عليه الصلاة والسلام - لكنهم عاندوه وكابروه وكفروا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

علم عيان ومشاهدة؛ إذ عرفوا علم خبر بالحجة والآيات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: إن الرسل - عليهم السلام - كانوا منصورين لم يغلب رسول قط فإنما قتل: الأنبياء ورسل المرسلين الذين يبلغون رسالة الرسل إلى قومهم ويخبرون عنهم، فأما الرسل أنفسهم فهم لم يقتلوا ولا قتل أحد منهم؛ عصمهم الله  عن الناس وعما هموا بهم.

وقال بعضهم: إنهم منصورون لما نصر العاقبة لهم؛ إذ لم يكن رسول إلا وقد كانت العاقبة له وإن غلب في الابتداء.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ بالحجج والآيات والبراهين أنهم يغلبون بحججهم وآياتهم ويرفعون بها الشبه والتمويهات، والله أعلم.

ويستدل صاحب التأويل الأول بقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ  ﴾ ، وفي بعض القراءات: ﴿ قُتِلَ معه ربيون كثير ﴾ ﴿ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ  ﴾ أخبر أنهم وإن قتلوا فإنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، ثم أخبر أنه آتاهم الله ذلك حيث قال: ﴿ فَآتَاهُمُ...

 ﴾ كذا، والله أعلم؛ دل [أنه] وإن غلبوا وقتلوا فهم المنصورون.

ثم قوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ ذكر ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ﴾ بحرفين ومعناهما واحد على التأكيد؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ  ﴾ ، وإن كان الواحد [كافياً] كما في قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ  ﴾ أي: رسلنا أو أتباعنا وأولياؤنا هم الغالبون على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .

يحتمل أي: لا تكافئهم بأذاهم إياك إلى حين أو لا تقاتلهم، فكيفما كان ففيه وجهان من الدليل: أحدهما: دليل على رسالته حيث أخبر أنهم يكونون على الكفر إلى الحين الذي ذكر ويهلكون على ذلك حيث قال: ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .

والثاني: فيه دليل حفظه إياه وعصمته عما كانوا يهمون به من القتل والإهلاك؛ حيث منعه من مقاتلتهم ونهاه عن التعرض لهم إلى وقت، على المعلوم ما كان منهم من الهم بقتله وإهلاكه لو وجدوا السبيل إليه؛ فدل أن الله - عز وجل - قد عصمه وحفظه عنهم حين قال لهم ما قال حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ  ﴾ ﴿ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ ﴿ فَكَفَرُوا بِهِۦ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ  ﴾ وإن المشركين من أهل مكة كانوا يقولون قبل بعثة محمد  : لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة مثلا؛ لأخلصنا لله العبادة، وهم كاذبون في ذلك، فقد جاءهم محمد  بالقرآن فكفروا به، فسوف يعلمون ما ينتظرهم من العذاب الشديد يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.anyDk"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله