الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ٤٩ من سورة الصافات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 109 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٩ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( كأنهن بيض مكنون ) وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : ( كأنهن بيض مكنون ) يقول : اللؤلؤ المكنون .
وينشد هاهنا بيت أبي دهبل الشاعر في قصيدة له : وهي زهراء مثل لؤلؤة الغو اص ميزت من جوهر مكنون وقال الحسن : ( كأنهن بيض مكنون ) يعني : محصون لم تمسه الأيدي .
وقال السدي : البيض في عشه مكنون .
وقال سعيد بن جبير : ( [ كأنهن ] بيض مكنون ) ، يعني : بطن البيض .
وقال عطاء الخراساني : هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة .
وقال السدي : ( كأنهن بيض مكنون ) يقول : بياض البيض حين ينزع قشره .
واختاره ابن جرير لقوله : ( مكنون ) ، قال : والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش ، وتنالها الأيدي بخلاف داخلها ، والله أعلم .
وقال ابن جرير : حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، حدثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي ، عن عمرو بن هاشم ، عن ابن أبي كريمة ، عن هشام ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة - رضي الله عنها - قلت : يا رسول الله ، أخبرني عن قول الله : ( كأنهن بيض مكنون ) قال : " رقتهن كرقة الجلدة التي رأيتها في داخل البيضة ، التي تلي القشر وهي الغرقئ " .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي : حدثنا أبو غسان النهدي ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن ليث ، عن الربيع بن أنس ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا حزنوا ، وأنا شفيعهم إذا حبسوا ، لواء الحمد يومئذ بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي - عز وجل - ولا فخر ، يطوف علي ألف خادم كأنهن البيض المكنون - أو : اللؤلؤ المكنون " .
وقوله ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) اختلف أهل التأويل في الذي به شبهن من البيض بهذا القول، فقال بعضهم: شبهن ببطن البيض في البياض، وهو الذي داخل القِشْر، وذلك أن ذلك لم يمسه شيء.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَير، في قوله ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) قال: كأنهن بطن البيض.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) قال: البيض حين يُقْشر قبل أن تمسَّه الأيدي.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) لم تمر به الأيدي ولم تمسه، يشبهن بياضه.
وقال آخرون: بل شبهن بالبيض الذي يحضنه الطائر، فهو إلى الصفرة، فشبه بياضهن في الصفرة بذلك.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) قال: البيض الذي يكنه الريش، مثل بيض النعام الذي قد أكنه الريش من الريح، فهو أبيض إلى الصفرة فكأنه يبرق، فذلك المكنون.
وقال آخرون: بل عنى بالبيض في هذا الموضع: اللؤلؤ، وبه شبهن في بياضه وصفائه.
* ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله (كأَنَّهُنَّ بَيضٌ مَكْنُونٌ) يقول: اللؤلؤ المكنون.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: شبهن في بياضهن، وأنهن لم يمسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان ببياض البيض الذي هو داخل القشر، وذلك هو الجلدة المُلْبَسة المُح قبل أن تمسه يد أو شيء غيرها، وذلك لا شك هو المكنون; فأما القشرة العليا فإن الطائر يمسها، والأيدي تباشرها، والعش يلقاها.
والعرب تقول لكل مصون مكنون ما كان ذلك الشيء لؤلؤا كان أو بيضا أو متاعا، كما قال أبو دَهْبَل: وَهْــيَ زَهْـرَاءُ مِثْـلُ لُؤْلُـؤةِ الغَـوَّا صِ مِــيزَتْ مِـنْ جَـوْهَرٍ مَكْنُـونِ (4) وتقول لكل شيء أضمرته الصدور: أكنته، فهو مُكَنٌّ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا محمد بن الفرج الصَّدَفي الدمياطي، عن عمرو بن هاشم عن ابن أبي كريمة، عن هشام، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة " قلت: يا رسول الله أخبرني عن قوله (كأنهن بيض مكنون) قال: " رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدَةِ الَّتِي رَأَيْتها فِي داخِلِ البَيْضَة التي تَلِي القِشْرِ وَهِيَ الغِرْقِئُ" ------------------------ الهوامش: (4) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( مصورة الجامعة الورقة 209 - 1 ) قال في قوله تعالى:" بيض مكنون" أي مصون كل لؤلؤ أو بيض أو متاع صنته، فهو مكنون.
وكل شيء أضمرته في نفسك فقد أكننته.
قال الشاعر:" وهي زهراء ...." البيت .اهـ.
ولم يصرح باسم القائل، وصرح به المؤلف.
كأنهن بيض مكنون أي مصون .
قال الحسن وابن زيد : شبهن ببيض النعام ، تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار ، فلونها أبيض في صفرة وهو أحسن ألوان النساء .
وقال ابن عباس وابن جبير والسدي : شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسه الأيدي .
وقال عطاء : شبهن بالسحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض .
وسحاة كل شيء : قشره ، والجمع سحا ، قاله الجوهري .
ونحوه قول الطبري ، قال : هو القشر الرقيق الذي على البيضة بين ذلك .
وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
والعرب تشبه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها ، قال امرؤ القيس :وبيضة خدر لا يرام خباؤها تمتعت من لهو بها غير معجلوتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة : كأنه بيض النعام المغطى بالريش .
وقيل : المكنون المصون عن الكسر ، أي : إنهن عذارى .
وقيل : المراد بالبيض اللؤلؤ ، كقوله تعالى : وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون أي : في أصدافه ، قاله ابن عباس أيضا .
ومنه قول الشاعر :وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغ واص ميزت من جوهر مكنونوإنما ذكر المكنون ، والبيض جمع ; لأنه رد النعت إلى اللفظ .
{ كَأَنَّهُنَّ } أي: الحور { بَيْضٌ مَكْنُونٌ } أي: مستور، وذلك من حسنهن وصفائهن وكون ألوانهن أحسن الألوان وأبهاها، ليس فيه كدر ولا شين.
( كأنهن بيض ) جمع البيضة ) ( مكنون ) مصون مستور ، وإنما ذكر " المكنون والبيض " جمعا ؛ لأنه رده إلى اللفظ .
قال الحسن : شبههن ببيض النعامة تكنها بالريش من الريح والغبار ، فلونها أبيض في صفرة .
ويقال : هذا أحسن ألوان النساء أن تكون المرأة بيضاء مشربة صفرة ، والعرب تشبهها ببيضة النعامة .
«كأنهن» في اللون «بيض» للنعام «مكنون» مستور بريشه لا يصل إليه غبار، ولونه وهو البياض في صفرة، أحسن ألوان النساء.
وعندهم في مجالسهم نساء عفيفات، لا ينظرن إلى غير أزواجهن حسان الأعين، كأنهن بَيْض مصون لم تمسه الأيدي.
( كَأَنَّهُنَّ ) أى : هؤلاء النسوة ( بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ) ، أى : كأنهن كبيض النعام .
الذى أخفاه الريش فى العش ، فلم تمسه الأيدى ، ولم يصبه الغبار ، فى صفاء البشرة ، ونقاء الجسد .وشبههن ببيض النعام ، لأن لونه مع بياضه وصفائه يخالطه شئ من الصرة وهو لون محبوب فى النساء عند العرب ولذا قالوا فى النساء الجميلات : بيضات الخدور .وإلى هنا تجد الآيات الكريمة قد بشرت عباد الله المخلصيو .
بالعطاء المتنوع الجزيل ، الذى تنشرح له الصدور ، وتقر به العيون ، وتبتهج له النفوس .
اعلم أنه تعالى لما وصف أحوال المتكبرين عن قبول التوحيد المصرين على إنكار النبوة أردفه بذكر حال المخلصين في كيفية الثواب، وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكرنا في فتح اللام وكسرها من المخصلين قراءتين فالفتح أن الله تعالى أخلصهم بلطفه واصطفاهم بفضله والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى.
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف رزقهم بكونه معلوماً، ولم يبين أن أي الصفات منه هو المعلوم فلذلك اختلفت الأقوال، فقيل معناه إن ذلك الرزق معلوم الوقت وهو مقدار غدوة وعشية وإن لم يكن ثمة لا بكرة ولا عشية، قال تعالى: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ ، وقيل معناه أن ذلك الرزق معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلقها الله فيه من طيب طعم ورائحة ولذة حسن منظر، وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ولا متى ينقطع، وقيل معناه: القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وكرامته عليهم، وقد بين الله تعالى أنه يعطيهم غير ذلك على سبيل التفضل، ثم لما ذكر تعالى أن لهم رزقاً بين أن ذلك الرزق ما هو فقال: ﴿ فواكه ﴾ وفيه قولان الأول: أن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ والثاني: أن المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى، يعني لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الأدام أولى بالحضور، والقول الأول أقرب إلى التحقيق، واعلم أنه تعالى لما ذكر الأكل بين أن ذلك الأكل حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال: ﴿ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴾ لأن الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.
ولما ذكر تعالى مأكولهم وصف تعالى مساكنهم فقال: ﴿ فِي جنات النعيم * على سُرُرٍ متقابلين ﴾ ومعناه أنه لا كلفة عليهم في التلاقي للأنس والتخاطب، وفي بعض الأخبار أنهم إذا أرادوا القرب سار السرير تحتهم، ولا يجوز أن يكونوا متقابلين إلا مع حصول الخواطر والسرائر ولن يكونوا كذلك إلا مع الفسحة والسعة، ولا يجوز أن يسمع بعضهم خطاب بعض ويراه على بعد إلا بأن يقوي الله أبصارهم وأسماعهم وأصواتهم، ولما شرح الله صفة المأكل والمسكن ذكر بعده صفة الشراب فقال: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ ﴾ يقال للزجاجة التي فيها الخمر كأس وتسمى الخمرة نفسها كأساً قال: وكأس شربت على لذة *** وأخرى تداويت منها بها وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وقوله: ﴿ مّن مَّعِينٍ ﴾ أي من شراب معين، أو من نهر معين، المعين مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي معيناً لظهوره يقال عان الماء إذا ظهر جارياً، قاله ثعلب فهو مفعول من العين نحو مبيع ومكيل، وقيل سمي معيناً لأنه يجري ظاهر العين، ويجوز أن يكون فعيلاً من المعين وهو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في المسير إذا اشتد فيه، وقوله: ﴿ بَيْضَاء ﴾ صفة للخمر، قال الأخفش، خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن، وقوله: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ فيه وجوه: أحدها: أنها وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال فلان جود وكرم إذا أرادوا المبالغة في وصفه بهاتين الصفتين.
وثانيها: قال الزجاج أي ذات لذة فعلى هذا حذف المضاف.
وثالثها: قال الليث: اللذ واللذيذ يجريان مجرى واحداً في النعت ويقال شراب لذ ولذيذ قال تعالى: ﴿ بَيْضَاء لَذَّةٍ للشاربين ﴾ وقال تعالى: ﴿ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين ﴾ ولذلك سمي النوم لذاً لاستلذاذه، وعلى هذا لذة بمعنى لذيذة، والأقرب من هذه الوجوه الأول.
ثم قال تعالى: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قال الفراء العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء، وقال أبو عبيدة الغول أن يغتال عقولهم، وأنشد قول مطيع بن إياس: وما زالت الكأس تغتالهم *** وتذهب بالأول الأول وقال الليث: الغول الصداع والمعنى ليس فيها صداع كما في خمر الدنيا، قال الواحدي رحمه الله وحقيقته الإهلاك، يقال غاله غولاً أي أهلكه، والغول والغائل المهلك، ثم سمي الصداع غولاً لأنه يؤدي إلى الهلاك.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ وقرئ بكسر الزاي قال الفراء من كسر الزاي فله معنيان يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمرته، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر ومن فتح الزاي فمعناه لا يذهب عقولهم أي لا يسكرون يقال نزف الرجل فهو منزوف ونزيف، والمعنى ليس فيها قط نوع من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من صداع أو خمار أو عربدة ولا هم يسكرون أيضاً، وخصه بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر، ولما ذكر الله تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة منكوحهم من ثلاثة أوجه: الأول: قوله: ﴿ وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف ﴾ ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى: ﴿ حُورٌ مقصورات فِي الخيام ﴾ والمعنى أنهن يحبسن نظرهن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن.
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ عِينٌ ﴾ قال الزجاج: كبار الأعين حسانها واحدها عيناء.
الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ المكنون في اللغة المستور يقال كننت الشيء وأكننته، ومعنى هذا التشبيه أن ظاهر البيض بياض يشوبه قليل من الصفرة، فإذا كان مكنوناً كان مصوناً عن الغبرة والقترة، فكان هذا اللون في غاية الحسن والعرب كانوا يسمون النساء بيضات الخدور.
ولما تمم الله صفات أهل الجنة قال: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ﴾ فإن قيل على أي شيء عطف قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ﴾ ؟
قلنا على قوله: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ ﴾ والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراب قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا *** محادثة الكرام على المدام والمعنى فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله ﴾ ولكن عباد الله، على الاستثناء المنقطع.
فسر الرزق المعلوم بالفواكه: وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوّت لحفظ الصحة، يعني أن رزقهم كله فواكه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، بأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه يأكلونه على سبيل التلذذ.
ويجوز أن يراد: رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها: من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن منظر.
وقيل: معلوم الوقت، كقوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ [مريم: 62] وعن قتادة: الرزق المعلوم الجنة وقوله ﴿ فِي جنات ﴾ يأباه وقوله: ﴿ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴾ هو الذي يقوله وعن العلماء في حدّ الثواب على سبيل المدح والتعظيم، وهو من أعظم ما يجب أن تتوق إليه نفوس ذوي الهمم، كما أنّ من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هوان أهل النار وصغارهم.
التقابل: أتم للسرور وآنس.
وقيل: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
ويقال للزجاجة فيها الخمر: كأس، وتسمى الخمر نفسها كأساً، قال: وَكَاسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وكذا في تفسير ابن عباس ﴿ مّن مَّعِينٍ ﴾ من شراب معين.
أو من نهر معين، وهو الجاري على وجه الأرض، الظاهر للعيون: وصف بما يوصف به الماء، لأنه يجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء، قال الله تعالى: ﴿ وأنهار مّنْ خَمْرٍ ﴾ [محمد: 15] ﴿ بَيْضَاء ﴾ صفة للكأس ﴿ لَذَّةٍ ﴾ إمّا أن توصف باللذة كأنها نفس اللذة وعينها: أو هي تأنيث اللذة، يقال: لذ الشيء فهو لذ ولذيذ.
ووزنه: فعل، كقولك: رجل طب، قال: وَلَذٌ كَطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ** بِأَرْضِ الْعِدَا مِنْ خَشْيَةِ الْحَدَثَانِ يريد النوم.
الغول: من غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وأفسده.
ومنه: الغول الذي في تكاذيب العرب.
وفي أمثالهم: الغضب غول الحلم، و ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ على البناء للمفعول، من نزف الشاربُ إذا ذهب عقله.
ويقال للسكران: نزيف ومنزوف.
ويقال للمطعون: نزف فَمات إذا خرج دمه كله.
ونزحت الركية حتى نزفتها: إذا لم تترك فيها ماء.
وفي أمثالهم: أجبن من المنزوف ضرطاً.
وقرئ: ﴿ ينزفون ﴾ أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه.
قال: لَعَمْرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُمُو أَوْ صَحَوْتُمُو ** لَبِئْسَ النَّدَامَى كُنْتُمُو آلَ أَبجرَا ومعناه: صار ذا نزف.
ونظيره: أقشع السحاب، وقشعته الريح، وأكب الرجل وكببته، وحقيقتهما: دخلا في القشع والكب.
وفي قراءة طلحة بن مصرف: وينزفون: بضم الزاي، من نزف ينزف كقرب يقرب، إذا سكر.
والمعنى: لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك، ولا هم يسكرون، وهو أعظم مفاسدها فأفرزه وأفرده بالذكر ﴿ قاصرات الطرف ﴾ قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ، لا يمددن طرفاً إلى غيرهم، كقوله تعالى: ﴿ عُرُباً ﴾ [الواقعة: 37] والعين: النجل العيون شبهنّ ببيض النعام المكنون في الأداحي، وبها تشبه العرب النساء وتسميهنّ بيضات الخدور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قَصَرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ.
﴿ عِينٌ ﴾ نُجْلُ العُيُونِ جَمْعُ عَيْناءَ.
﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ شَبَّهَهُنَّ بِبَيْضِ النَّعامِ المَصُونِ عَنِ الغُبارِ ونَحْوِهِ في الصَّفاءِ والبَياضِ المَخْلُوطِ بِأدْنى صُفْرَةٍ فَإنَّهُ أحْسَنُ ألْوانِ الأبْدانِ.
<div class="verse-tafsir"
{كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} مصون شبههن ببيض النعام المكنون في الصفاء وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور وعطف
﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ البَيْضُ مَعْرُوفٌ وهو اسْمُ جِنْسٍ الواحِدَةُ بَيْضَةٌ ويُجْمَعُ عَلى بَيُوضٍ كَما في قَوْلِهِ: بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بَيُوضُها والمُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ الَّذِي كَنَّهُ الرِّيشُ في العُشِّ أوْ غَيْرُهُ في غَيْرِهِ، فَلَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولَمْ يُصِبْهُ الغُبارُ في الصَّفاءِ وشَوْبِ البَياضِ بِقَلِيلِ صُفْرَةٍ مَعَ لَمَعانٍ كَما في الدُّرِّ، والأكْثَرُونَ عَلى تَخْصِيصِهِ بِبَيْضِ النَّعامِ في الأداحِيِّ لِكَوْنِهِ أحْسَنَ مَنظَرًا مِن سائِرِ البَيْضِ وأبْعَدَ عَنْ مَسِّ الأيْدِي ووُصُولِ ما يُغَيِّرُ لَوْنَهُ إلَيْهِ، والعَرَبُ تُشَبِّهُ النِّساءَ بِالبَيْضِ ويَقُولُونَ لَهُنَّ بَيْضاتُ الخُدُورِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ والبَياضُ المَشُوبُ بِقَلِيلِ صُفْرَةٍ في النِّساءِ مَرْغُوبٌ فِيهِ جِدًّا، قِيلَ: وكَذا البَياضُ المَشُوبُ بِقَلِيلِ حُمْرَةٍ في الرِّجالِ وأمّا البَياضُ الصَّرْفُ فَغَيْرُ مَحْمُودٍ ولِذا ورَدَ في الحِلْيَةِ الشَّرِيفَةِ ”أبْيَضُ لَيْسَ بِالأمْهَقِ“.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ البَيْضَ المَكْنُونَ ما تَحْتَ القِشْرِ الصُّلْبِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللُّبابِ الأصْفَرِ، والمُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِذَلِكَ بَعْدَ الطَّبْخِ في النُّعُومَةِ والطَّراوَةِ، فالبَيْضَةُ إذا طُبِخَتْ وقُشِّرَتْ ظَهَرَ ما تَحْتَ القِشْرَةِ عَلى أتَمِّ نُعُومَةٍ وأكْمَلِ طَراوَةٍ، ومِن هُنا تَسْمَعُ العامَّةَ يَقُولُونَ في مَدْحِ المَرْأةِ: كَأنَّها بَيْضَةٌ مُقَشَّرَةٌ، ورَجَّحَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ الوَصْفَ بِمَكْنُونٍ يَقْتَضِيهِ دُونَ المَشْهُورِ لِأنَّ خارِجَ قِشْرِ البَيْضَةِ لَيْسَ بِمَكْنُونٍ، وفِيهِ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ البَيْضِ مَجْمُوعُ القِشْرِ وما فِيهِ، وأكَلْتُ كَذا بَيْضَةٍ الأكْلُ فِيهِ قَرِينَةُ إرادَةِ ما في القِشْرِ دُونَ المَجْمُوعِ إذْ لا يُؤْكَلُ عادَةً، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ ما قالَهُ الطَّبَرَيُّ، فالأوَّلُ هو المَقْبُولُ، ومَعْنى المَكْنُونِ فِيهِ ظاهِرٌ عَلى ما سَمِعْتَ، وقَدْ نَقَلَ الخَفاجِيُّ هَذا المَعْنى عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ ناشِئٌ مِن عَدَمِ مَعْرِفَةِ كَلامِ العَرَبِ وكَأنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى رِوايَتِهِ عَنِ الحَبْرِ ومَن مَعَهُ وإلّا لا يَتَسَنّى لَهُ ما قالَ، ولَعَلَّ الرِّوايَةَ المَذْكُورَةَ غَيْرُ ثابِتَةٍ وكَذا ما حَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الحَبْرِ مِن أنَّ البَيْضَ المَكْنُونَ الجَوْهَرُ المَصُونُ لِنُبُوِّ ظاهِرِ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ في تَناسُبِ الأجْزاءِ، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ والتَّناسُبُ مَمْدُوحٌ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ مُتَغَزِّلًا: تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ وأنْتَ تَعْلَمُ - بَعْدَ فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّ تَناسُبَ الأجْزاءِ في البَيْضَةِ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم - أنَّ الوَصْفَ بِالمَكْنُونِ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ دَخْلٌ في التَّشْبِيهِ، واسْتُشْكِلَ التَّشْبِيهُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِآيَةِ عَرُوسِ القُرْآنِ ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ فَإنَّها ظاهِرَةٌ في أنَّ في ألْوانِهِنَّ حُمْرَةً، وأيْنَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ عَلى ما سَمِعْتَ قَبْلُ؟
فَيَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ النُّعُومَةُ والطَّراوَةُ كَما رُوِيَ ثانِيًا، أوْ مِن حَيْثُ تَناسُبُ الأجْزاءِ كَما قِيلَ أخِيرًا.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهاتُ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ غَيْرَ المُشَبَّهاتِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، وكَوْنُ البَياضِ المَشُوبِ بِالصُّفْرَةِ أحْسَنَ الألْوانِ في النِّساءِ غَيْرُ مَسَلَّمٍ بَلْ هو حَسَنٌ ومِثْلُهُ في الحُسْنِ البَياضُ المَشُوبُ بِحُمْرَةٍ عَلى أنَّ الأحْسَنِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ طِباعِ الرّائِينَ: ولِلنّاسِ فِيما يَعْشَقُونَ مَذاهِبُ والجَنَّةُ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ بِالنَّظَرِ إلى بَياضِ أبْدانِهِنَّ المَشُوبِ بِصُفْرَةٍ ما عَدا وُجُوهَهُنَّ، وتَشْبِيهُهُنَّ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ بِالنَّظَرِ إلى بَياضِ وُجُوهِهِنَّ المَشُوبِ بِحُمْرَةٍ، وقِيلَ: تَشْبِيهُهُنَّ بِهَذا لَيْسَ مِن جِهَةِ أنَّ بَياضَهُنَّ مَشُوبٌ بِحُمْرَةٍ، بَلْ تَشْبِيهُهُنَّ بِالياقُوتِ مِن حَيْثُ الصَّفاءُ وبِالمَرْجانِ مِن حَيْثُ الإمْلاسُ وجَمالُ المَنظَرِ.
وإذا أُرِيدَ بِالمَرْجانِ الدُّرَرُ الصِّغارُ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ - دُونَ الخَرَزِ الأحْمَرِ المَعْرُوفِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ البَياضُ المَشُوبُ بِصُفْرَةٍ فَلا إشْكالَ أصْلًا.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ يعني: طعام معلوم معروف حين يشتهونه على قدر غدوة وعشية.
ثم بيّن الرزق فقال: فَواكِهُ يعني: ألوان الفاكهة وَهُمْ مُكْرَمُونَ بالثواب.
ويقال: منعمون فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في الزيارة يُطافُ عَلَيْهِمْ يعني: يطوف عليهم خدمهم بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمراً جارياً من معين.
يعني: الطاهر الجاري بَيْضاءَ.
يعني: بخمرة توجب اللذة بَيْضاءَ لَذَّةٍ يعني: شهوة لِلشَّارِبِينَ لاَ فِيها غَوْلٌ يعني: ليس فيها إثم.
ويقال: لا غائلة لها، ولا يوجع منها الرأس.
وروى شريك عن سالم قال: لاَ فِيها غَوْلٌ أي: لا مكروه فيها، ولا أذى.
وقال القتبي: لاَ فِيها غَوْلٌ أي: لا تغتال عقولهم، فتذهب بها.
يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، والغول البعد وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قرأ حمزة والكسائي يُنْزَفُونَ بكسر الزَّاي.
وقرأ الباقون: بالنصب فمن قرأ بالنصب فمعناه: لا يذهب عقولهم شربها.
ويقال للسكران: نزيف ومنزوف إذا زال عقله.
ومن قرأ بالكسر، فله معنيان: أحدهما لا ينفد شرابهم أبداً، والثاني أنهم لا يسكرون.
ثم قال عز وجل: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ يعني: غاضات الأعين عن غير أزواجهن.
يعني: قصرن طرفهن على أزواجهن، وقنعن بهم، ولا يبغين بهم بدلاً.
ثم قال: عِينٌ أي: حسان الأعين شدة البياض في شدة السواد.
يقال لواحدة العين: عيناء.
يعني: كبيرة العين.
ويقال: الحسن العيناء التي سواد عينها أكثر من بياضها.
ثم قال: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ يعني: إنهن أحسن بياضاً من بيض النعم، والعرب تشبه النساء ببيض النعام.
يقال: لا يكون لون البياض في شيء أحسن من بيض النعام.
وقال قتادة: البيض التي لم تلوثه الأيدي.
ويقال: البيض أراد به القشر الداخل من البيض المكنون قد خبأ، وكنَّ من البرد والحر فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعني: يسأل بعضهم بعضاً عن حاله في الدنيا.
قوله عز وجل: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ يعني: من أهل الجنة إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ وهو الذي بيّن الله تعالى أمرهما في سورة الكهف جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ [الكهف: 32] فكانا أخوين وشريكين، وأنفق أحدهما ماله في أمر الآخرة، واتخذ الآخر لنفسه ضياعاً، وخدماً، واحتاج المؤمن إلى شيء، فجاء إلى أخيه الكافر يسأله، فقال له الكافر ما صنعت بمالك، فأخبره أن قدمه إلى الآخرة، فقال له الكافر: يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ يعني: إنك ممن يصدق بالبعث.
وطلب منه أن يدخل في دينه، ولم يقض حاجته، فذلك قوله: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بالبعث بعد الموت.
قوله عز وجل: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ يعني: لمحاسبون.
فيقول المؤمن لأصحابه في الجنة: قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ حتى ننظر إلى حاله، وإلى منزله، فيقول أصحابه: اطلع أنت، فإنك أعرف به منا فَاطَّلَعَ يعني: فنظر في النار فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ يعني: رأى أخاه في وسط الجحيم، أسود الوجه، مزرق العين، فيقول المؤمن عند ذلك قوله: قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ يعني: والله لقد هممت لتغويني، ولتضلني.
ويقال: لَتُرْدِينِ أي: لتهلكني يقال: أرديت فلان أي: أهلكته.
والردى: الموت والهلاك.
وقال القتبي في قوله: إِنَّا لَمَدِينُونَ أي: مجازون بأعمالنا.
يقال: دنته بما عمل أي جازيته.
<div class="verse-tafsir"
قولك: نُزِفَ الرَّجُلُ إذا سَكِرَ، وبإذْهابِ العَقْلِ فَسَّره ابن عباس «١» ، وقرأ حمزة والكسائي «يُنْزِفُونَ» بكسر الزاي «٢» من «أنزف» وله معنيان:
[أحدهما: سَكِر.
والثاني: نَفِدَ شَرَابُه.
وهذا كله منفيّ عن أهل الجنّة.
وقاصِراتُ الطَّرْفِ] «٣» قال ابن عباس وغيره معناه على أزواجهن «٤» ، أي: لا ينظرن إلى غيرهم، وعِينٌ: جَمْعُ «عَيْنَاءَ» ، وهي الكَبِيرةُ العَيْنينِ في جَمَالٍ.
وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ قال ابن جبير والسُّدِّيُّ: شَبَّه ألوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الداخليِّ، وهو المكنونُ «٥» ، أي المَصُونُ، ورجَّحَه الطبريُّ «٦» ، وقال الجمهور: شَبَّه أَلْوَانَهُنَّ بَلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ من النَّعَامِ، وهو بياضٌ قَدْ خالَطَتْهُ صُفْرَةٌ حسنة، ومَكْنُونٌ أي:
بالريش، وقال ابن عباس فيما حَكَى الطبريّ: «البيض المكنون» أراد به الجوهر
المَصُونَ «١» ، قال ع «٢» : وهذا يَرُدُّهُ لَفْظُ الآيةِ، فلا يَصِحُّ عَنِ ابن عباس.
وقوله تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ ...
الآية، هذا التَّساؤُلُ الذي بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ هو تساؤُلُ رَاحَةٍ وَتَنَعُّمٍ يَتَذَاكَرُونَ أمُورَهُمْ في الجَنَّةِ وأمْرَ الدنيا وحالَ الطَّاعَةِ والإيمَانِ فيها، ثم أخْبَرَ تعالى عَنْ قَوْلِ قائِلٍ منهم في قِصَّتِهِ، وهو مثالٌ لِكُلِّ مَنْ لَهُ قَرِينُ سَوْءٍ، فَيُعْطِي هَذَا المثالُ التَّحَفُّظَ مِنْ قُرَنَاءِ السوءِ، قال الثعلبيُّ: قوله:
إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال مجاهد: كان شَيْطَاناً «٣» ، انتهى، وقال ابنُ عباس وغيره: كان هذانِ منَ البَشَرِ مُؤمِنٌ وكَافِرٌ «٤» ، وقال فُرَاتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ البَهْرَانِيُّ في قَصَصِ هَذَيْنِ: إنَّهُمَا كَانَا شَرِيكَيْنِ بثمانيةِ آلاف دينارٍ، فكَانَ أحدُهُمَا مَشْغُولاً بِعِبَادةِ اللَّهِ، وكان الآخرُ كافراً مُقْبِلاً على مَالِهِ، فَحَلَّ الشَّرِكَةَ مع المؤمِنِ وَبقيَ وَحْدَه لِتَقْصِيرِ المؤمِنِ في التِّجَارَةِ، وجَعَلَ الكَافِرُ كُلَّمَا اشْتَرَى شَيْئاً من دَارٍ أو جَاريةٍ أو بستانٍ ونحوِهِ، عرضه عَلى المؤمِنِ وفَخَرَ عليه، فَيَمْضِي المؤمِنُ عندَ ذلكَ، وَيَتَصَدَّقُ بنحوِ ذلك لِيَشْتَرِي بِه من اللَّهِ تعالى في الجَنَّةِ، فكانَ مِنْ أمرِهمَا في الآخِرَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هذه «٥» الآية، وحكى السُّهَيْلِيُّ أن هذين الرجلَيْنِ هما المذكورانِ في قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ...
الآية [الكهف: ٣٢] انتهى، و «مدينون» معناه: مجاوزون محاسبون قاله ابن عبّاس وغيره «٦» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الإنْسُ عَلى الشَّياطِينِ.
والثّانِي: الأتْباعُ عَلى الرُّؤَساءِ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ تَساؤُلُ تَوْبِيخٍ وتَأْنِيبٍ ولَوْمٍ، فَيَقُولُ الأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ: [لِمَ] غَرَّرْتُمُونا؟
ويَقُولُ الرُّؤَساءُ: لِمَ قَبِلْتُمْ مِنّا؟
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ قالُوا ﴾ يُعْنى الأتْباعُ لِلْمَتْبُوعِينَ ﴿ إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: كُنْتُمْ تَقْهَرُونَنا بِقُدْرَتِكم عَلَيْنا، لِأنَّكم كُنْتُمْ أعَزَّ مِنّا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مِن قِبَلِ الدِّينِ فَتُضِلُّونا عَنْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الدِّينِ فَتَخْدَعُونا بِأقْوى الأسْبابِ.
والثّالِثُ: كُنْتُمْ تُوَثِّقُونَ ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ بِأيْمانِكُمْ، فَتَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الأيْمانِ الَّتِي تَحْلِفُونَها، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
فَيَقُولُ المَتْبُوعُونَ لَهُمْ: ﴿ بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: لَمْ تَكُونُوا عَلى حَقٍّ فَنُضِلُّكم عَنْهُ إنَّما الكُفْرُ مِن قِبَلِكم.
﴿ وَما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القَهْرُ.
والثّانِي: الحُجَّةُ.
فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن قُوَّةٍ نَقْهَرُكم بِها.
وَنُكْرِهْكم عَلى مُتابَعَتِنا، وعَلى الثّانِي: لَمْ نَأْتِكم بِحُجَّةٍ عَلى ما دَعَوْناكم إلَيْهِ كَما أتَتِ الرُّسُلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا ﴾ أيْ: فَوَجَبَتْ عَلَيْنا كَلِمَةُ العَذابِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ﴿ إنّا لَذائِقُونَ ﴾ العَذابَ جَمِيعًا نَحْنُ وأنْتُمْ، ﴿ فَأغْوَيْناكُمْ ﴾ أيْ، أضْلَلْناكم عَنِ الهُدى بِدُعائِكم إلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنّا كُنّا غاوِينَ ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ ، والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ، ﴿ إنَّهم كانُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ ﴾ أيْ: قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ ﴿ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ أيْ: يَتَعَظَّمُونَ عَنْ قَوْلِها، ﴿ وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا ﴾ المَعْنى: أنَتْرُكُ عِبادَةَ آَلِهَتِنا ﴿ لِشاعِرٍ ﴾ أيْ: لِاتِّباعِ شاعِرٍ؟!
يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ بَلْ ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا، بَلْ ﴿ جاءَ بِالحَقِّ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآَنُ، ﴿ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ ﴾ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ؛ والمَعْنى أنَّهُ أتى بِما أتَوْا بِهِ.
ثُمَّ خاطَبَ المُشْرِكِينَ بِما يَعِدُ هَذا إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّكم لَذاهِبُونَ إلّا زَيْدًا.
وفي ما اسْتَثْناهم مِنهُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِنَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، فالمَعْنى: إنّا لا نُؤاخِذُهم بِسُوءِ أعْمالِهِمْ، بَلْ نَغْفِرُ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: مِن دُونِ العَذابِ؛ فالمَعْنى: فَإنَّهم لا يَذُوقُونَ العَذابَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ في الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
فَعَلى هَذا، في مَعْنى "مَعْلُومٍ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمِقْدارِ الغَداةِ والعَشِيِّ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: أنَّهم حِينَ يَشْتَهُونَهُ يُؤْتَوْنَ بِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ثُمَّ بَيَّنَ الرِّزْقِ فَقالَ: ﴿ فَواكِهُ ﴾ \[وَهِيَ جُمَعُ فاكِهَةٍ\] وهي الثِّمارُ كُلُّها، رُطَبُها ويابِسُها ﴿ وَهم مُكْرَمُونَ ﴾ بِما أعْطاهُمُ اللَّهُ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [الحِجْرِ: ٤٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ ذُكِرَتْ في القُرْآَنِ، فَإنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ، [قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الكَأْسُ: الإناءُ بِما فِيهِ، والمُعَيَّنُ: الماءُ الطّاهِرُ الجارِي.
قالَ الزَّجّاجُ: الكَأْسُ: الإناءُ الَّذِي فِيهِ الخَمْرُ]، ويَقَعُ الكَأْسُ عَلى كُلِّ إناءٍ مَعَ شَرابِهِ، فَإنْ كانَ فارِغًا فَلَيْسَ بِكَأْسٍ.
والمُعَيَّنُ: الخَمْرُ تَجْرِي كَما يَجْرِي الماءُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ العُيُونِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيْضاءَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالكَأْسِ الخَمْرَ، أنَّهُ قالَ: "بَيْضاءَ"، فَأنَّثَ، ولَوْ أرادَ الإناءَ عَلى انْفِرادِهِ، أوِ الإناءَ والخَمْرَ، لَقالَ: أبْيَضُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما أرادَ بِقَوْلِهِ: "بَيْضاءَ" الكَأْسَ، ولِتَأْنِيثِ الكَأْسِ أُنِّثَتِ البَيْضاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَذِيذَةً، يُقالُ: شَرابُ لِذاذٌ: إذا كانَ طَيِّبًا.
وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ.
﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: لَيْسَ فِيها صُداعٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لَيْسَ فِيها وجَعُ بَطْنٍ، [رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ] .
والثّالِثُ: لَيْسَ فِيها صُداعُ رَأْسٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: لَيْسَ فِيها أذًى ولا مَكْرُوهٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَغْتالُ عُقُولَهم فَتَذْهَبُ بِها ولا يُصِيبُهم مِنها وجَعٌ.
والسّادِسُ: لَيْسَ فِيها إثْمٌ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والسّابِعُ: لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن هَذِهِ الآَفاتِ، لِأنَّ كُلَّ مَن نالَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الآَفاتِ، قِيلَ: قَدْ غالَتْهُ غَوْلٌ، فالصَّوابُ أنَّ يَكُونَ نَفْيُ الغَوْلِ عَنْها يَعُمُّ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ، هَذا اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِكَسْرِ الزّايِ هاهُنا وفي [الواقِعَةِ: ١٩] .
وفَتَحَ عاصِمٌ الزّايَ هاهُنا، وكَسَرَها في [الواقِعَةِ: ١٩] .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، .
وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ الزّايِ في السُّورَتَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: فَمَنَ فَتَحَ، فالمَعْنى: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِشُرْبِها.
يُقالُ لِلسَّكْرانِ: نَزِيفٌ ومَنزُوفٌ؛ "وَمَن" كَسَرَ، فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: لا يُنْفِدُونَ شَرابَهُمْ، أيْ: هو دائِمٌ أبَدًا.
والثّانِي: لا يَسْكَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمْ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمُ آَلَ أبْجَرا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُنَّ النِّساءُ قَدْ قَصَرْنَ طَرْفُهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ.
وأصْلُ القَصْرِ: الحَبْسُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ المَرْأةَ مِنهُنَّ لَتَقُولُ لِزَوْجِها: وعِزَّةُ رَبِّي ما أرى في الجَنَّةِ شَيْئًا أحْسَنَ مِنكَ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي زَوْجَكَ وجَعَلَكَ زَوْجِيَ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَ الأزْواجِ عَنْ غَيْرِهِنَّ، لِكَمالِ حُسْنِهِنَّ، سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشّابِ النَّحْوِيِّ.
وَفِي العَيْنِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: حِسانُ العُيُونِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: عِظامُ الأعْيُنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: كِبارُ العُيُونِ حِسانُها، وواحِدَتُهُنَّ عَيْناءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ في المُرادِ بِالبَيْضِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اللُّؤْلُؤُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: بَيْضُ النَّعامِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، والزَّجّاجُ.
قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: والعَرَبُ تُشْبِهُ المَرْأةَ الحَسْناءَ في بَياضِها وحُسْنُ لَوْنِها بَيْضَةُ النَّعامَةِ، وهو أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وهو أنْ تَكُونَ المَرْأةُ بَيْضاءَ مُشَرَّبَةً صُفْرَةً.
والثّالِثُ: أنَّهُ البَيْضُ حِينَ يُقَشَّرُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي، قالَهُ السُّدِّيُّ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جَرِيرٍ.
فَأمّا المَكْنُونُ، فَهو المَصُونُ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: هو مَكْنُونٌ في صَدَفِهِ، وعَلى الثّانِي: هو مَكْنُونٌ بِرِيشِ النَّعامِ، وعَلى الثّالِثُ: هو مَكْنُونٌ بِقِشْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ ﴿ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عنها يُنْزَفُونَ ﴾ ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَرْفِ عِينٌ ﴾ ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ ﴿ "أُولَئِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى العِبادِ المُخْلَصِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مَعْلُومٌ"، ﴾ مَعْناهُ: عِنْدَهُمْ، فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِعِلْمِ ما يَسْتَدِرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ لِحِينِها، وإلّا فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ اللهِ تَعالى فَقَطْ لَما تَخَصَّصَ أهْلُ الجَنَّةِ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَهم مُكْرَمُونَ ﴾ تَتْمِيمٌ بَلِيغٌ لِلنَّعِيمِ؛ لِأنَّهُ رُبَّ مَرْزُوقٍ غَيْرُ مُكْرَمٍ، وذَلِكَ أعْظَمُ التَنْكِيلِ.
و"السُرُرُ": جَمْعُ سَرِيرٍ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ بِفَتْحِ الراءِ الأُولى، وفي هَذا التَقابُلِ حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ عَنِ النَبِيِّ أنَّهم في الجِنانِ وتُرْفَعُ عنهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، ولا مَحالَةَ أنَّ بَعْضَ أحْيانِهِمْ فِيها مُتَخَيِّرُونَ في قُصُورِهِمْ.
و"يُطافُ" مَعْناهُ: يَطُوفُ الوِلْدانِ، حَسْبَما فَسَّرَتْهُ آيَةٌ أُخْرى، و"الكَأْسُ" قالَ الزَجّاجُ، والطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُما: هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ خَمْرٌ أو ما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الأنْبِذَةِ ونَحْوِها، ولا تُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيها هَذا المَشْرُوبُ المَذْكُورُ، وقالَ الضَحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ الكَأْسَ آنِيَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى في ذَلِكَ كَوْنُهُ بِخَمْرٍ أمْ لا.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن مَعِينٍ ﴾ يُرِيدُ: مِن جارٍ مُطَّرِدٍ، فالمِيمُ في مَعِينٍ أصْلِيَّةٌ؛ لِأنَّهُ مِنَ الماءِ المَعِينِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ العَيْنِ فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، أيْ: مِمّا يُعَيَّنُ بِالعَيْنِ غَيْرَ مَسْتُورٍ ولا في حِرْزٍ، وخَمْرُ الدُنْيا إنَّما هي مَعْصُورَةٌ مُخْتَزَنَةٌ، وخَمْرُ الآخِرَةِ جارِيَةٌ أنْهارًا.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا فِيها ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الكَأْسِ أو عَلى الخَمْرِ، وهو الأظْهَرُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَبَنِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [صَفْراءَ]، فَهَذا مَوْصُوفٌ بِهِ الخَمْرُ وحْدَها، و ﴿ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ، فَوَصَفَها بِالمَصْدَرِ اتِّساعًا، وقَدِ اسْتُعْمِلَ هَذا حَتّى قِيلَ: لَذَّ بِمَعْنى: لَذِيذٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِحَدِيثِكَ اللَذِّ الَّذِي لَوْ كُلِّمَتْ ∗∗∗ أسْدُ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعًا وقَوْلُهُ: ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ لَمْ تَعْمَلْ "لا"؛ لِأنَّ الظَرْفَ حالَ بَيْنَها وبَيْنَ ما شَأْنُها أنْ تَعْمَلَ فِيهِ.
و"الغَوْلُ": اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا إذا أضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ الغِيلَةُ في القَتْلِ، «وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الرَضاعِ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أنْهى عَنِ الغِيلَةِ"،» ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: مَضى أوَّلُونا ناعِمِينِ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقٌ، فَهَذا مَعْنًى مِن مَعانِي "الغَوْلِ"، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ: "ما لَهُ عَمَلٌ ما أغالَهُ"، يُضْرَبُ لِلرَّجُلِ الحَدِيدِ الَّذِي لا يَقُومُ لِأمْرٍ إلّا أغْنى فِيهِ، أوِ الرَجُلِ يُدْعى لَهُ بِأنْ يُؤَدِّيَ ما أدّاهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الغَوْلُ وجَعٌ في البَطْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسِ أيْضًا، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَأْسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاسْمُ أعَمُّ مِن هَذا كُلِّهِ، فَنَفى عن خَمْرِ الجَنَّةِ جَمِيعَ أنْواعِ الأذى، إذْ هي مَوْجُودَةٌ في خَمْرِ الدُنْيا، وقَدْ نَحا إلى هَذا العُمُومِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ الأوَّلِ أيْ: تُؤْذِينا بِذَهابِ العَقْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "يُنْزَفُونَ" بِفَتْحِ الزايِ، وكَذَلِكَ في الواقِعَةِ، مِن قَوْلِكَ: نَزَفَ الرَجُلُ إذا سَكِرَ، ونَزَفَتْهُ الخَمْرُ، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ ∗∗∗ شُرْبَ النَزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ وبِإذْهابِ العَقْلِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ "يُنْزِفُونَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الزايِ، وكَذَلِكَ في الواقِعَةِ، مِن: أنْزَفَ بِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ الرِياحَيِّ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا والثانِي: بَعُدَ شَرابُهُ، يُقالُ: أنْزَفَ الرَجُلُ إذا تَمَّ شَرابُهُ، فَهَذا كُلُّهُ مَنفِيٌّ عن أهْلِ الجَنَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ هُنا بِفَتْحِ الزايِ، وفي الواقِعَةِ بِكَسْرِ الزايِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاصِراتُ الطَرْفِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى أزْواجِهِنَّ، أيْ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، ولا يَمْتَدُّ طَرْفُ إحْداهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ، فَهَذا هو قَصْرُ الطَرْفِ.
و"عِينٌ": جُمَعُ عَيْناءَ، وهي الكَبِيرَةُ العَيْنَيْنِ في جَمالٍ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ فاخْتَلَفَ الناسُ، ما هُوَ؟
فَقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شِبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الداخِلِيِّ، وهو الغِرْقِئُ، وهو المَكْنُونُ، أيِ: المَصُونُ في كِنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، قالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ بَيْضِ النَعامِ، وهو بَياضٌ قَدْ خالَطَ صُفْرَةً حَسَنَةً، قالُوا: والبَيْضُ نَفْسُهُ في الأغْلَبِ هو المَكْنُونُ بِالرِيشِ، ومَتى شَذَّتْ بِهِ حالٌ فَلَمْ يَكُنْ مَكْنُونًا خَرَجَ عن أنْ يُشَبَّهَ بِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَبَكْرِ المُقاناةِ البَياضِ بِصُفْرَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ وَهَذِهِ المَعْنى كَثِيرٌ في أشْعارِ العَرَبِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: البِيضُ المَكْنُونُ أرادَ بِهِ الجَوْهَرَ المَصُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَصِحُّ عِنْدِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما؛ لِأنَّهُ تَرُدُّهُ اللَفْظَةُ مِنَ الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما شَبَّهَهُنَّ تَعالى بِالبَيْضِ المَكْنُونِ تَشْبِيهًا عامًّا، جُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، وأرادَ بِذَلِكَ: تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِهِ إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِهِما، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّكَ مِن حَيْثُ جِئْتَها فالنَظَرُ فِيها واحِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
استثناء منقطع في معنى الاستدراك، والاستدراك تعقيب الكلام بما يضاده، وهذا الاستدراك تعقيب على قوله: ﴿ فإنَّهم يومئذٍ في العذاببِ مشتركونَ ﴾ [الصافات: 33] فإن حال عبَاد الله المخلصين تام الضدية لحال الذين ظلموا، وليس يلزم في الاستدراك أن يكون رفعَ توهّم وإنما ذلك غالب، فقول بعض العلماء في تعريفه هو: تعقيب الكلام برفع ما يُتوهم ثبوتُه أو نفيُه، تعريف أغلبي، أو أريد أدنى التوهم لأن الاستثناء المنقطع أعمّ من ذلك، فقد يكون إخراجاً من حكم لا من محكوم عليه ضرورة أنهم صرحوا بأن حرف الاستثناء في المنقطع قائم مقام لكن، ولذلك يقتصرون على ذكر حرف الاستثناء والمستثنى بل يردفونه بجملة تُبين محلّ الاستدراك كقوله تعالى: ﴿ فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ﴾ [الأعراف: 11] وقوله: ﴿ إلا إبليس أبى ﴾ [البقرة: 34]، وكذلك قوله هنا: ﴿ إلاَّ عِبَادَ الله المُخلصين أُولئِكَ لهم رزقٌ معلومُ ﴾ .
ولو كان المعنى على الاستثناء لما أتبع المستثنى بأخبار عنه لأنه حينئذٍ يثبت له نقيض حكم المستثنى منه بمجرد الاستثناء، فإن ذلك مُفاد ﴿ أفأنت تنقذ من في النار لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ الآية في سورة [الزُّمَر: 19- 20].
وذِكر المؤمنين بوصف العبودية المضافة لله تعالى تنويه بهم وتقريب، وذلك اصطلاح غالب في القرآن في إطلاق العبدِ والعبادِ مضافاً إلى ضميره تعالى كقوله: ﴿ واذكر عبدنا داود ذا الأيد ﴾ [ص: 17] ﴿ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴾ [ص: 45] ﴿ يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ﴾ [الزخرف: 68]، وربما أطلق العبد غير مضاف مراداً به التقريب أيضاً كقوله: ﴿ ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد ﴾ [ص: 30]، أي العبد لله، ألا ترى أنه لما أريد ذكر قوم من عباد الله من المشركين لم يؤت بلفظ العباد مضافاً كما في قوله تعالى: ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ [الإسراء: 5] إلاّ بقرينة مقام التوبيخ في قوله: ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ﴾ [الفرقان: 17] لأن صفة الإِضلال قرينة على أن الإِضافة ليست للتقريب، وقوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ [الحجر: 42] فقرينة التغليب هي مناط استثناء الغاوين من قوله ومما زادني شَرفاً وفخراً *** وكِدْتُ بأَخمَصي أَطأُ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن أرسلتَ أحمدَ لي نبيا والمراد بهم هنا الذين آمنوا بالنبي فإنهم الذين يخطرون بالبال عند ذكر أحوال المشركين الذين كفروا به وقالوا فيه ما هو منه بريء خطورَ الضد بذكر ضده.
والمُخلَصين} صفة عباد الله وهو بفتح اللام إذا أريد الذين أخلصهم الله لولايته، وبكسرها أي الذين أخلصوا دينهم لله.
فقرأه نافع وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بفتح اللام.
وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بكسر اللام.
و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى ﴿ عِبادَ الله ﴾ قصد منه التنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإِشارة لأجل مما أُثبت لهم من صفة الإِخلاص كما ذلك من مقتضيات تعريف المسند إليه بالإِشارة كقوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] بعد قوله: ﴿ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ﴾ الآية في سورة [البقرة: 2- 3].
والرزق: الطعام قال تعالى: ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ [آل عمران: 37]، وقال: ﴿ لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾ [يوسف: 37].
والمعلوم: الذي لا يتخلف عن ميعاده ولا ينتظره أهله.
و ﴿ فَواكِهُ ﴾ عطف بيان من ﴿ رِزْقٌ.
﴾ والمعنى: أن طعامهم كله من الأطعمة التي يتفكه بها لا مما يؤكل لأجل الشبع.
والفواكه: الثمار والبقول اللذيذة.
﴿ وهُم مُكْرمُونَ ﴾ عطف على ﴿ لهم رزق معلوم، ﴾ أي يعاملون بالحفاوة والبهجة فإنه وسط في أثناء وصف ما أعد لهم من النعيم الجسماني أن لهم نعيم الكرامة وهو أهم لأن به انتعاش النفس مع ما في ذلك من خلوص النعمة ممن يكدرها وذلك لأن الإِحسان قد يكون غير مقترن بمدح وتعظيم ولا بأذى وهو الغالب، وقد يكون مقترناً بأذى وذلك يكدِّر من صَفوه، قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ [البقرة: 264] فإذا كان الإِحسان مع عبارات الكرامة وحسن التلقّي فذلك الثواب.
و ﴿ سُرر ﴾ : جمع سرير وهو ككرسيّ واسع يمكن الاضطجاع عليه، وكان الجلوس على السرير من شعار الملوك وأضرابهم، وذلك جلوس أهل النعيم لأن الجالس على السرير لا يجد مَللاً لأنه يُغيّر جِلسته كيف تتيسّر له.
و ﴿ مُتَقابِلِينَ ﴾ كل واحد قُبالة الآخر.
وهذا أتم للأُنس لأن فيه أنس الاجتماع وأنس نظر بعضهم إلى بعض فإن رؤية الحبيب والصديق تؤنس النفس.
والظاهر: أن معنى كونهم متقابلين تقابل أفراد كل جماعة مع أصحابهم، وأنهم جماعات على حسب تراتيبهم في طبقات الجنة، وأن أهل كل طبقة يُقسمون جماعات على حسب قرابتهم في الجنة كما قال تعالى: ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ [يس: 56] وكثرة كل جماعة لا تنافي تقابلهم على السرر والأرائك وتحادثهم لأن شؤون ذلك العالم غير جارية على المتعارف في الدنيا.
ومعنى ﴿ يُطَافُ ﴾ يدار عليهم وهم في مجالسهم.
والكأس (بهمزة بعد الكاف): إناء الخمر، مؤنث، وهي إناء بلا عُروة ولا أنبوب واسعة الفم، أي محل الصب منها، تكون من فضة ومن ذهب ومن خزف ومن زجاج، وتسمى قَدَحاً وهو مذكر.
وجمع كأس: كاسات وكؤوس وأكؤس.
وكانت خاصة بسقي الخمر حتى كانت الكأس من أسماء الخمر تسمية باسم المحلّ، وجعلوا منه قول الأعشى: وكأسسٍ شربتُ على لَذة *** وأخرى تداوَيت منها بها وقد قيل: لا يسمى ذلك الإِناء كأساً إلا إذا كانت فيه الخمر وإلا فهو قَدَح.
والمعنيُّ بها في الآية الخمرُ لأنه أفرد الكأس مع أن المَطُوف عليهم كثيرون، ولأنها وُصفت بأنها ﴿ من مَعين ﴾ .
وروى ابن أبي شيبة والطبري عن الضحّاك أنه قال: كل كأس في القرآن إنما عني بها الخمر.
وروي مثله عن ابن عباس وقال به الأخفش.
و ﴿ مَعِين ﴾ بفتح الميم، قيل أصله: مَعْيون.
فقيل: ميمه أصلية، وهو مشتق من مَعَنَ يقال: ماء مَعْنٌ، فيكون ﴿ مَعِين ﴾ بوزن فَعيل مثال مبالغة من المَعْن وهو الإِبعاد في الفعل شبّه جريه بالإِبعاد في المشي، وهذا أظهر في الاشتقاق.
وقيل: ميمه زائدة وهو مشتق من عانَهُ، إذا أبصره لأنه يظهر على وجه الأرض في سيلانه فوزنه مَفْعول، وأصله مَعْيُون فهو مشتق من اسم جامد وهو اسم العَين، وليس فعل عَانَ مستعملاً استغنوا عنه بفعل عَايَن.
و ﴿ بَيْضَاءَ ﴾ صفة ل«كأس».
وإذ قد أريد بالكأس الخمر الذي فيها كان وصف ﴿ بَيْضَاءَ ﴾ للخمر.
وإنما جرى تأنيث الوصف تبعاً للتعبير عن الخمر بكلمة كأس، على أن اسم الخمر يذكر ويؤنث وتأنيثها أكثر.
روى مالك عن زيد بن أسلم: لونها مشرق حسن فهي لا كخمر الدنيا في منظرها الرديء من حُمرة أو سواد.
واللذة: اسم معناه إدراك ملائم نفس المدرك، يقال: لذّهُ ولذّ به، والمصدر: اللذة واللذاذة.
وفعله من باب فرح، تقول: لذذت بالشيء ويقال: شيء لَذٌّ، أي لذيذ فهو وصف بالمصدر فإذا جاء بهاء التأنيث كما في هذه الآية فهو الاسم لا محالة لأن المصدر الوصف لا يؤنث بتأنيث موصوفه، يقال: امرأة عدل ولا يقال: امرأة عدلة.
ووصف الكأس بها كالوصف بالمصدر يفيد المبالغة في تمكن الوصف، فقوله تعالى: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ هو أقصى مما يؤدي شدة الالتذاذ بكلمة واحدة، لأنه عُدل به عن الوصف الأصلي لقصد المبالغة، وعُدل عن المصدر إلى الاسم لما في المصدر من معنى الاشتقاق.
وجملة ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ صفة رابعة لكأس باعتبار إطلاقه على الخمر.
والغَول، بفتح الغيْن: ما يعتري شارب الخمر من الصداع والألم، اشتق من الغَول مصدرِ غاله، إذا أهلكه.
وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ لا يصدعون عنها ﴾ [الواقعة: 19].
وتقديم الظرف المسند على المسند إليه لإِفادة التخصيص، أي هو منتففٍ عن خمر الجنة فقط دونَ ما يعرف من خمر الدنيا، فهو قصر قلب.
ووقوع ﴿ غَوْلٌ ﴾ وهو نكرة بعد ﴿ لا ﴾ النافية أفاد انتفاء هذا الجنس من أصله، ووجب رفعه لوقوع الفصل بينه وبين حرف النفي بالخبر.
وجملة ﴿ ولا هم عنها يُنزفون ﴾ معطوفة على جملة وقدّم المسند عليه على المسند، والمسند فعل ليفيد التقديم تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي، أي بخلاف شاربي الخمر من أهل الدنيا.
و يُنزَفُونَ } مبني للمجهول في قراءة الجمهور يقال: نُزف الشارب، بالبناء للمجهول إذا كان مجرداً (ولا يُبنى للمعلوم) فهو منزوف ونزيف، شبهوا عقل الشارب بالدم يقال: نُزف دمُ الجريح، أي أُفرغ.
وأصله من: نَزفَ الرجُلُ مَاءَ البئر متعدياً، إذا نَزحه ولم يُبق منه شيئاً.
وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ يُنزِفُونَ ﴾ بضم اليَاء وكسر الزاي من أُنزف الشاربُ، إذا ذهب عقله، أي صار ذَا نَزَف، فالهمزة للصيرورة لا للتعدية.
و ﴿ قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ أي حابسات أنظارهن حياء وغَنجاً.
والطرف: العين، وهو مفرد لا جمع له من لفظه لأن أصل الطرف مصدر: طَرَفَ بعينه من باب ضَرب، إذا حرّك جفنيه، فسُميّت العين طرفاً، فالطرف هنا الأعين، أي قاصرات الأعين، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ في سورة [إبراهيم: 43]، وقوله: ﴿ قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ في سورة [النمل: 40].
وذكر «عند» لإِفادة أنهن ملابسات لهم في مجالسهم التي تُدار عليهم فيها كأس الجنة، وكان حضور الجواري مجالس الشراب من مكملات الأنس والطرب عند سادة العرب، قال طرفة: نَداماي بيض كالنجوم وقَينة *** تروحُ علينا بين برد ومِجْسَد و ﴿ عِينٌ ﴾ جمع: عَيْنَاء، وهي المرأة الواسعة العين النجلاوتها.
والبَيْض المكنون: هو بيض النعام، والنعام يُكنّ بيضَه في حُفر في الرمل ويفرش لها من دقيق ريشه، وتسمى تلك الحُفر: الأَداحِيَّ، واحدتها أُدّحية بوزن أُثفية.
فيكون البَيض شديد لمعان اللون وهو أبيض مشوب بياضه بصفرة وذلك اللون أحسن ألوان النساء، وقديماً شبهوا الحسان بِبيض النعام، قال امرؤ القيس: وبيضةِ خدر لا يُرام خباؤها *** تمتعت من لَهْو بها غيرَ مُعْجَل <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ ﴾ أيْ مِن خَمْرٍ مَعِينٍ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجارِي; قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، حَكاهُ جُوَيْبِرٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَمْ يُعْصَرْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ الخَمْرُ بِعَيْنِهِ الَّذِي لَمْ يُمْزَجْ بِغَيْرِهِ.
وَفِي المَعِينِ مِنَ الماءِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الظّاهِرُ لِلْعَيْنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: ما مَدَّتْهُ العُيُونُ فاتَّصَلَ ولَمْ يَنْقَطِعْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الجَرْيِ مِن قَوْلِهِمْ أمْعَنَ في كَذا إذا اشْتَدَّ دُخُولُهُ فِيهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الكَثِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَعِينِ وهو الشَّيْءُ الكَثِيرُ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُنْتَفَعُ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنَ الماعُونِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ ﴾ يَعْنِي أنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ بَيْضاءُ اللَّوْنِ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "صَفْراءَ".
وَيَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بَيْضاءَ الكَأْسِ صَفْراءَ اللَّوْنِ فَيَكُونَ اخْتِلافُ لَوْنِهِما في مَنظَرِهِما قالَ الشّاعِرُ: فَكَأنَّ بَهْجَتَها وبَهْجَةَ كَأْسِها نارٌ ونُورٌ قُيِّدا بِوِعاءٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ لَيْسَ فِيها صُداعٌ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لَيْسَ فِيها وجَعُ البَّطْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لَيْسَ فِيها أذًى، قالَهُ الفَرّاءُ وعِكْرِمَةُ وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ لِاشْتِقاقِ الغَوْلِ مِنَ الغائِلَةِ.
الرّابِعُ: لَيْسَ فِيها إثْمٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الخامِسُ: أنَّها لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وهَذا مِنَ الغِيلَةِ أنْ ∗∗∗ يَصْرَعَ واحِدٌ واحِدًا ﴿ وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَنْزِفُ العَقْلَ ولا تُذْهِبُ الحِلْمَ بِالسُّكْرِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا الثّانِي: لا يَبُولُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى الضَّحّاكُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في الخَمْرِ أرْبَعُ خِصالٍ: السُّكْرُ والصُّداعُ والقَيْءُ والبَوْلُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خَمْرَ الجَنَّةِ فَنَزَّهَها عَنْ هَذِهِ الخِصالِ.
الثّالِثُ: أيْ لا تُفْنى مَأْخُوذٌ مِن نَزْفِ الرَّكِيَّةِ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: دَعِينِي لا أبا لَكِ أنْ تُطِيقِي ∗∗∗ لَحاكِ اللَّهُ قَدْ أنْزَفْتِ رِيقِي وَقَدْ يَخْتَلِفُ هَذا التَّأْوِيلُ بِاخْتِلافِ القِراءَةِ، فَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، يُنْزِفُونَ بِكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ يُنْزَفُونَ بِفَتْحِ الزّايِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الفَتْحَ مِن نَزَفَ فَهو مَنزُوفٌ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالسُّكْرِ، والكَسْرَ مِن أنْزَفَ فَهو مَنزُوفٌ إذا فَنِيَتْ خَمْرُهُ، وإنَّما صَرَفَ اللَّهُ تَعالى السُّكْرَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ لِئَلّا يَنْقَطِعَ عَنْهُمُ التِذاذُ نَعِيمِهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ﴾ يَعْنِي بِقاصِراتِ الطَّرْفِ النِّساءَ اللّاتِي قَصَرْنَ أطْرافَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ فَلا يُرْدِنَ غَيْرَهم مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: قَدِ اقْتَصَرَ عَلى كَذا إذا اقْتَنَعَ بِهِ وعَدَلَ عَنْ غَيْرِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الخَدِّ مِنها لَأثَّرا وَفِي العِينِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحِسانُ العُيُونِ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
الثّانِي: العِظامُ الأعْيُنِ، قالَهُ الأخْفَشُ وقُطْرُبُ.
﴿ كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي اللُّؤْلُؤَ في صَدَفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وهي بَيْضاءُ مِثْلَ لُؤْلُؤَةِ الغَوّا ∗∗∗ صِ مِيزَتْ مِن جَوْهَرٍ مَكْنُونٍ الثّانِي: يَعْنِي البَيْضَ المَعْرُوفَ في قِشْرِهِ، والمَكْنُونُ المَصُونُ.
وَفِي تَشْبِيهِهِمْ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَشْبِيهًا بِبَيْضِ النَّعامِ يُكَنُّ بِالرِّيشِ مِنَ الغُبارِ والرِّيحِ فَهو أبْيَضُ إلى الصُّفْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: تَشْبِيهًا بِبَطْنِ البَيْضِ إذا لَمْ تَمَسَّهُ يَدٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: تَشْبِيهًا بِبَياضِ البَيْضِ حِينَ يُنْزَعُ قِشْرُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: تَشْبِيهًا بِالسِّحاءِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ القِشْرَةِ العُلْيا ولُبابِ البَيْضِ، قالَهُ عَطاءٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: كل كأس ذكره الله في القرآن إنما عني به الخمر.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بكأس من معين ﴾ قال: كأس من خمر لم تعصر والمعين هي الجارية ﴿ لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ﴾ قال: لا تذهب عقولهم، ولا تصدع رؤوسهم، ولا توجع بطونهم.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ بكأس من معين ﴾ هو الجاري.
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ بيضاء ﴾ قال: في قراءة عبدالله ﴿ صفراء ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يطاف عليهم بكأس من معين ﴾ قال: الخمر ﴿ لا فيها غول ﴾ قال: ليس فيها صداع ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ قال: لا تذهب عقولهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول.
فنزه الله خمر الجنة عنها ﴿ لا فيها غول ﴾ لا تغول عقولهم من السكر ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ لا يقيئون عنها كما يقيء صاحب خمر الدنيا عنها، والقيء مستكره.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ لا فيها غول ﴾ قال: ليس فيها نتن، ولا كراهية كخمر الدنيا قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت امرؤ القيس وهو يقول: رب كاس شربت لا غول فيها ** وسقيت النديم منها مزاجا قال أخبرني عن قوله: ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ قال: لا يسكرون قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول عبدالله بن رواحة رضي الله عنه وهو يقول: ثم لا ينزفون عنها ولكن ** يذهب الهم عنهم والغليل وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لا فيها غول ﴾ قال: هي الخمر، ليس فيها وجع بطن.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا فيها غول ﴾ قال: وجع بطن ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ قال: لا تذهب عقولهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ بكأس من معين ﴾ قال: المعين الخمر ﴿ لا فيها غول ﴾ قال: وجع بطن ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ لا مكروه فيها ولا أذى.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ يقول: عن غير أزواجهن ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: اللؤلؤ المكنون.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ يقول: عن غير أزواجهن قال: قصرن طرفهن على أزواجهن ﴿ عين ﴾ قال: حسان العيون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ عين ﴾ قال: العين العظام الاعين.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: بياض البيضة ينزع عنها فوقها، وغشاؤها الذي يكون في العرف.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: كأنهن بطن البيض.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: بياض البيض حين ينزع قشره.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: هو السخاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: البيض في عشه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ قال: قصرن طرفهن على أزواجهن.
فلا يردن غيرهم ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: البيض الذي لم تلوثه الأيدي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: محصون، لم تمرته الأيدي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ كأنهن بيض مكنون ﴾ قال: البيض الذي يكنه الريش، مثل بيض النعام الذي أكنه الريش من الريح، فهو أبيض إلى الصفرة، فكانت تترقرق فذلك المكنون.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ المكنون معناه في اللغة: المستور، يقال كننت الشيء وأكننته وقد سبق (١) وقال أبو عبيدة: (المكنون المصون وكل لؤلؤ أو بيض أو متاع صنته فهو مكنون) (٢) قال أبو إسحاق: (يقال كننت الشيء إذا سترته وصنته فهو مكنون) (٣) قال الحسن وابن زيد: شبههن ببيض النعام يكنها بالريش من الريح والغبار (٤) وقال الكلبي: كأنهن بيض قد خبئ من الحر والقر (٥) قال أبو إسحاق: أي كأن ألوانهن ألوان بيض النعام يكنه ريش النعام (٦) وقال المبرد: العرب تشبه المرأة الناعمة في ضيائها وحسنها وصفوة النعمة عليها ببيضة.
قال الراعي: كأن بيض نعام في ملاحفها ...
إذا اجتلاهن قيظ ليلةٌ ومِدُ (٧) وقال ابن الرقيات: واوضح لونها كبيضة ادحى ...
لها في النساء خلق عميم وقال أبو داود (٨) ممكورة تجلوا الظلام ركلةٍ ...
ريا العظام كبيضة النغص (٩) وقال آخر (١٠) وهتكت بني الليل عن ...
بيض السوالف والصفاح فكأنما ضحكت سجو ...
ف الربط عن بيض الأداحي وقال امرؤ القيس (١١) صادت فؤادك بالدلال جريرة ...
صفراء رادعة عليها اللؤلؤ كعقيلة الأدحى بات يحفها ...
ريش النعام وزال عنها الجؤجؤ أراد بعقيلة الأدحى: بيض النعام.
وعلى هذا المعنى حمل [قول] (١٢) (١٣) وبيضة خدر لا يرام خباؤها وقال ابن زيد في هذه الآية: البيض بيض النعام أكنة الريش، فلونه أبيض في صفرة (١٤) وقال سعيد بن جبير والسدي: إن الله تعالى شبههن ببطن البيض قبل أن تمسه الأيدي (١٥) قوله تعالى: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ يعني أهل الجنة.
﴿ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ قال مقاتل: يعني يتكلمون يكلم بعضهم (١٦) وقال الكلبي: يتحدثون في الجنة عن أهل الدنيا (١٧) (١٨) ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ﴾ يعني أهل الجنة ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾ (١٩) ﴿ يَقُولُ ﴾ أي يقول لي: ﴿ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ﴾ بالبعث.
والمفسرون مختلفون في هذين فمنهم من قال: كانا أخوين وهو قول مقاتل والكلبي (٢٠) (٢١) ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ﴾ (٢٢) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ﴾ يقتضي مفعولًا للتصديق فلم [..] (٢٣) ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا ﴾ وهذا أيضًا يقتضى جواباً فلما قال: ﴿ أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ كان هذا جواباً لهما على تأويل أئنك لمن المصدقين، إنا لمدينون، فيكون موضع (إنا) نصبًا وكسرت ألفها لدخول اللام في خبر إن، وهذا الذي ذكره يصح على قراءة من قرأ إنا لمدينون بغير [ألف] (٢٤) (٢٥) قال أبو إسحاق: المعنى: كان لي قرين يقول أئنك ممن يصدق بالبعث بعد أن نصير ترابًا وعظامًا (٢٦) ﴿ أَإِذَا مِتْنَا ﴾ الآية.
قوله: ﴿ لَمَدِينُونَ ﴾ أي مجزيون ومحاسبون قاله المفسرون (٢٧) (٢٨) (١) عند قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ .
(٢) "مجاز القرآن" 2/ 170.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.
(٤) انظر: "الطبري" 23/ 75، "الماوردي" 5/ 48، "القرطبي" 15/ 80، "زاد المسير" 7/ 58.
(٥) لم أقف عليه عن الكلبي، وهو في "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 375.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.
(٧) البيت من "البسيط"، وهو للراعي في "ديوانه" ص 55، "تهذيب اللغة" 14/ 218، "اللسان" 3/ 470، "الكامل" 2/ 767.
والملاحف هي الأغطية.
والوقدُ هو ندًى يجيء في صميم الحر من قبل البحر مع سكون الريح.
وقيل هو الحر أيًّا كان مع سكون الريح.
انظر: "الكامل" 2/ 767.
(٨) أبو داود لم أستطع تحديده وهناك أكثر من شاعر يكنى أبا داود: أ- أبو داود الإيادي، وهو جويرية بن الحجاج وقيل جارية- تقدمت ترجمته.
ب - أبو داود الرواس زيد بن معاوية بن عمرو بن قيس بن رواس بن كلاب شاعر فارس.
انظر: "المؤتلف والمختلف" ص 116.
أما البيت فلم أقف عليه.
(٩) علق في هامش كلا النسختين: (والنفص: النعام).
(١٠) نسب البيتين لعبد الصمد بن المعذل، ورواية الصدر في الأول: وهتكن بني الليل عني والسوالف أعلى العنق.
والشجف هو السِّتر ولا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط.
"اللسان" 9/ 144 (سجف)، "اللسان" 9/ 159 (سلف).
(١١) البيتان من الكامل وهما لامرئ القيس ولم أقف عليهما في "ديوانه".
(١٢) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).
(١٣) لم أهتدِ إليه ولم أقف على بيته.
(١٤) انظر: "الطبري" 23/ 57، "مجمع البيان" 8/ 692، "زاد المسير" 7/ 58.
(١٥) انظر: " الماوردي" 5/ 48، "القرطبي" 15/ 80، "زاد المسير" 7/ 58.
(١٦) "تفسير مقاتل" 111 أ.
(١٧) لم أقف عليه عن الكلبي وذكر هذا القول غير منسوب القرطبي في "تفسيره" 15/ 83، ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 59.
(١٨) ما بين المعقوفين غير مثبت في (ب).
(١٩) في (ب): (إنه) بدلاً من (إني)، وهو خطأ.
(٢٠) "تفسير مقاتل" 111 أ.
انظر: "القرطبي" 10/ 399، "الماوردي" 3/ 305.
(٢١) انظر: "القرطبي" 10/ 400، وأورده السيوطي في، "الدر" 7/ 90، عزاه لعبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء، ولابن أبي حاتم عن السدي.
(٢٢) آية 32، وما بعدها.
(٢٣) في جميع النسخ مقدار كلمة غير واضحة، ويمكن تقدير المحذوف بنحو (يذكره).
(٢٤) ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).
(٢٥) انظر: "المبسوط في القراءات العشر" ص 316، "إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي" ص 385.
(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 304.
(٢٧) انظر: "الطبري" 23/ 60، "بحر العلوم" 3/ 115، "الماوردي" 5/ 49، "البغوي" 3/ 28.
(٢٨) مضى عند تفسير المؤلف رحمه الله للفاتحة قال المؤلف رحمه الله هناك: قوله تعالى: ﴿ الدِّينِ ﴾ قال الضحاك وقتادة: الدين الجزاء، يعني يوم يدين الله العباد بأعمالهم، تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته ومنه قوله: ﴿ أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَاصِرَاتُ الطرف ﴾ معناه أنهن قصرن أعينهن على النظر إلى أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهن ﴿ عِينٌ ﴾ جمع عيناء، وهي الكبيرة العينين في جمال ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ قيل شبههن في اللون ببيض النعام، فإنه بياض خالطه صفرة حسنة، وكذلك قال امرؤ القيس: كبكر مقناة البياض بصفرة وقيل: إنما التشبيه بلون قشر البيضة الداخلي الرقيق، وهو المكنون المصون تحت القشرة الأولى، وقيل: أراد الجوهر المصون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والصافات صفاً ﴾ وما بعدهما مدغماً: حمزة وأبو عمرو غير عباس ﴿ بزينة ﴾ منوناً: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ الكواكب ﴾ بالنصب: أبو بكر وحماد.
الباقون: بالجر ﴿ لا يسمعون ﴾ بتشديد السين والميم وأصله "يتسمعون": حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم.
﴿ بل عجبت ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف.
الآخرون: بالفتح على الخطاب ﴿ آيذا ﴾ بالمد والياء ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد.
الباقون: مثل التي في "الرعد" وأما الثانية فمثل التي في "الرعد" ﴿ أو آباؤنا ﴾ مثل ﴿ أو أمن أهل القرى ﴾ وكذلك في "الواقعة" ﴿ لا تناصرون ﴾ بالتشديد البزي وابن فليح ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئنك ﴾ ﴿ أئفكا ﴾ مثل ﴿ ائنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ ينزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الآخرون: بفتح الزاي ﴿ لترديني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
الوقوف: ﴿ صفا ﴾ ه لا ﴿ زجراً ﴾ ه لا ﴿ لواحد ﴾ ه ط ﴿ المشارق ﴾ ه ط ﴿ الكواكب ﴾ ه لا ﴿ مارد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي.
وعليه بحث يجيء في التفسير ﴿ واصب ﴾ ه لا ﴿ ثاقب ﴾ ه ج ﴿ خلقنا ﴾ ط ﴿ لازب ﴾ ه ﴿ ويسخرون ﴾ ه ص ﴿ لا يذكرون ﴾ ه ص ﴿ يستسخرون ﴾ ه ص ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأوّلون ﴾ ه ط ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ مسؤولون ﴾ ه لا لأن المسؤول عنه قوله ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ ه ﴿ مستسلمون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج ﴿ سلطان ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ لذائقون ﴾ ه ﴿ غاوين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ يستكبرون ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ط ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ الأليم ﴾ ه ج ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ فواكه ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ مكرمون ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ج ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ للشارين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ ينزفون ﴾ ه ﴿ عين ﴾ ط ﴿ مكنون ﴾ ج ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ المصدّقين ﴾ ه ﴿ لمدينون ﴾ ه ﴿ مطلعون ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ لتردين ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ بميتين ﴾ ه لا ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ الزقوم ﴾ ه ﴿ للظالمين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ البطون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ج ﴿ ضالين ﴾ ه لا للعطف مع اتصال المعنى ﴿ يهرعون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ المجيبون ﴾ ه ز ﴿ العظيم ﴾ ه ز ﴿ الباقين ﴾ ه ز ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه.
التفسير: إنه بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله ، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف.
قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، الا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأوصل الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟
وأيضاً الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير.
ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثاً لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة.
وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله .
والصف ترتيب الشيء على نسق.
الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين.
قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفاً أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة.
والزجر سوق السحاب.
قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب.
وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم.
والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأبنياء.
والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية.
الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها.
أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ والزجرة والصيحة سواء.
والمراد رفع الصوت بزجر الخيل.
وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله.
يحكى عن علي بن أبي طالب أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دماً فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء.
الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات.
وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر.
والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه.
ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: الصابح فالغانم فالآيب *** كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب.
مثاله المصلون يقفون أوّلاً صفوفاً ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة.
وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة؛ فالصافات الطير من قوله ﴿ والطير صافات ﴾ والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله.
أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإِنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى.
وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه.
والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل.
ثم إنه لو يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها.
وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ .
ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان.
والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة.
ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر.
وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع ﴿ الكواكب ﴾ بياناً للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة.
ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء.
ومن قرأ باتنوين ﴿ زينة ﴾ وجر ﴿ الكواكب ﴾ فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين ﴿ زينة ﴾ ونصب ﴿ الكواكب ﴾ فعلى أنه بدل من محل ﴿ بزينة ﴾ أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة.
قوله ﴿ وحفظاً ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين.
وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان زيناها بالكواكب.
وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم.
تقول: افعل ذلك كرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها حفظاً.
قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء في إصغائهم.
قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبحرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه.
وأيضاً إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟
وأيضاً مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟
والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضاً كالنادر.
فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان ناراً صرفاً، ولكن الناري غالب عليه.
ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله.
والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق.
والضمير في قوله ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان لأنه في معنى الجمع.
والتسمع تكلف السماع سمع أو لم سمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى.
وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي.
قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافاً لأن سائلاً لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟
فأجيب بأنهم لا يسمعون.
لم يستقم فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع.
قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفاً كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا.
ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم "أن" وأهدر عملها كما في قول القائل: ألا ايهذا الزاجري أحضر الوغى *** ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك "جئتك أن تكرمني" وحذف "أن" في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات.
قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضاً لا يصح إلا بتقدير اللام أو "من" مع "أن".
والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات.
وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة.
وعنه: الكتبة من الملائكة.
والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجراً.
وقوله ﴿ من كل جانب ﴾ أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب.
وقيل: من كل الجوانب.
﴿ دحوراً ﴾ أي طرداً مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل: يقذفون قذفاً أو يدحرون دحوراً.
ويجوز أن يكون مفعولاً له اي لأجل الدحور أو مصدراً في موضع الحال أي مدحورين كقوله ﴿ مذموماً مدحوراً ﴾ ﴿ ولهم ﴾ أي للشياطين ﴿ عذاب واصب ﴾ دائم وقد مر في النحل في قوله ﴿ وله الدين واصباً ﴾ يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع ﴿ إلا من خطف ﴾ في محل الرفع بدلاً من الواو في ﴿ لا يسمعون ﴾ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة.
وقيل: وثب وثبة.
وقيل: الاستثناء منقطع خبره ﴿ فأتبعه ﴾ أي أتبعه ورمى في أثره ﴿ شهاب ثاقب ﴾ مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا.
وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون.
وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك.
وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة.
وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية.
أما الطريق الأوّل فاشار إليه بقوله ﴿ فاستفتهم ﴾ أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم.
وقيل: اراد عاداً وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية.
والقول الأول اقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله ﴿ خلقنا ﴾ إكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون.
وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر.
وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن.
ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلاً للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلاً فلا يبقى ريب في قبولها ثانياً، وقادرية الله باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها.
وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة.
ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال ﴿ بل عجبت ﴾ من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث ﴿ و ﴾ هم ﴿ يسخرون ﴾ من تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه.
ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء.
وقيل: هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء.
وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت.
سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله غير منكر.
سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم ﴾ .
عند من يرى أن العجب من الله.
وقد جاء في الحديث "يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة" .
وقال أيضاً: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته" .
والألّ التضرع.
ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون.
﴿ وإذا رأوا آية ﴾ بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات ﴿ يستسخرون ﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر.
فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث.
قوله ﴿ أو آباؤنا ﴾ من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم "أن"، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في ﴿ مبعوثون ﴾ وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا؟
يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد.
وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله بقوله ﴿ قل نعم ﴾ تبعثون ﴿ وأنتم داخرون ﴾ صاغرون أذلاء.
وإذا كان كذلك ﴿ فإنما هي ﴾ أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره ﴿ زجرة ﴾ واحدة يعني صيحة النفخة الثانية ﴿ فإذا هم ينظرون ﴾ أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم.
﴿ وقالوا يا ويلنا ﴾ الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله ﴿ تكذبون ﴾ يقوله الكفرة فيما بينهم.
وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله ﴿ يا ويلنا ﴾ ثم قال الله أو الملائكة ﴿ هذا يوم الدين ﴾ الجزاء والحساب ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ القضاء والفرق بين المحسن والمسيء ﴿ احشروا الذين ظلموا ﴾ بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم.
وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث اي اجمعوهم ﴿ وأزواجهم ﴾ أي أشكالهم الذي على دينهم وسيرتهم؛ الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب.
وقيل: قرناءهم من الشياطين.
وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم.
﴿ وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ من الأصنام ﴿ فاهدوهم ﴾ ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم ﴿ إلى صراط الجحيم ﴾ وسطها أو طريقها لأنه قال بعد ذلك ﴿ وقفوهم ﴾ اي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكماً وتوبيخاً بالعجز عن التناصر ﴿ ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله.
وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة.
ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم ﴿ قالوا ﴾ لرؤسائهم ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعاً وعرفاً.
كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيآت، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح.
فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله.
قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير.
ثم صار قولك "أتاه عن اليمين" مجازاً في المعنى المذكور.
الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم.
الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم.
الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالباً أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال.
وكما أن الضمير في ﴿ قالوا ﴾ الأول كان عائداً إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في ﴿ قالوا ﴾ الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة.
والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا.
﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً ﴾ مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ﴾ ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ قال مقاتل: أراد قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقاً فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب.
قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال "إنكم لذائقون" ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ أي أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب أغوائنا فغوايتنا إن كانت بسب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضاً من الله كما مر في قوله ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ هذا تفسير أهل السنة.
وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة ﴿ فأغويناكم ﴾ فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فاردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا.
وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله ﴿ فإنهم ﴾ جميعاً ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ كما كانوا مشتركين في الغواية.
ولعل للمتبوعين عذاباً زائداً للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء ﴿ إنا كذلك ﴾ أي مثل ذلك الفعل ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم أي كافر بدليل قوله ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر "كان" وهو مع الاسم والخبر خبر "إن" وإن ألغيت "كان" فالخبر ﴿ يستكبرون ﴾ و"إذا" ظرفه.
﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ عنوا محمداً بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعاً فردّ عليهم بقوله ﴿ بل جاء ﴾ متلبساً ﴿ بالحق وصدّق المرسلين ﴾ وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلاً ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال ﴿ وما تجوزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صوناً للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة اشبه.
والسنيّ يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل.
قال جار الله ﴿ إلا عباد الله ﴾ استثناء منقطع أي لكن عباد الله ﴿ المخلصين أولئك لهم رزق ﴾ قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف.
ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله ﴿ إنكم ﴾ للمكلفين جميعاً فيصح الاستثناء المتصل مطلقاً أي تذوقون العذاب الأليم.
قوله ﴿ معلوم ﴾ قيل: أي معلوم الوقت كقوله ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر.
وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم.
وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع.
ثم فسر ذلك الرزق بأنه ﴿ فواكه ﴾ فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة.
وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الطعام أولى بالحضور.
وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال ﴿ وهم مكرمون ﴾ إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.
وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال ﴿ في جنات النعيم على سرر متقابلين ﴾ وقد مر في "الحجر".
ثم وصف مشروبهم.
قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كاساً إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأساً.
عن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر *** وكذا في تفسير ابن عباس: والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء.
وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جارياً قاله ثعلب.
وقيل: "فعيل" من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه.
واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء.
وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن.
﴿ ولذة ﴾ إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث.
اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول.
يقال: غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وافسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي يسكرون.
وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر.
يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله.
والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء.
وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف.
وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار.
والأوّلون حملوه على المبالغة.
ثم وصف منكوحهم بقوله ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله ﴿ عرباً ﴾ والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين.
ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضاً يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور.
ثم عطف على قوله ﴿ يطاف ﴾ قوله قوله ﴿ فأقبل ﴾ وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله في الأخبار.
ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار.
والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة.
قال بعضهم: وما بقيت من اللذات إلا *** أحاديث الكرام على المدام وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية ﴿ قال قائل منهم ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ إني كان لي قرين ﴾ جليس أو شريك في الدنيا ﴿ يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ أي بيوم الدين ﴿ أئنا لمدينون ﴾ لمجزيون من دان يدين إذا جزى.
وقيل: لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه الحديث "الكيس من دان نفسه" وعن بعضهم: أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين ﴾ ﴿ قال ﴾ يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ إلى النار اي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها.
عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿ فاطلع ﴾ على أهل النار فرأى قرينه ﴿ في سواء الجحيم ﴾ وسطها ﴿ قال ﴾ لقرينه ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ "إن" مخففة واللام فارقة.
والإرداء الإِهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي.
والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم ﴾ إلى آخر الآية والله أعلم.
ثم شكر الله على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ في النار مثلك أطلق إطلاقاً لأن الإِحضار يستعمل في الشر غالباً ولا سيما في اصطلاح القرآن.
وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قريناً له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلاً ﴿ أفما نحن بميتين ﴾ وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب.
وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله واغتباطاً بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول.
أفيدوم هذا لي؟
وإن كان على يقين من دوامه.
وايضاً إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزجراً.
احتج نفاة عذاب القبر بقوله ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.
وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا.
وقوله ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعاً له وتوبيخاً وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقاً لهم، وكذا قوله ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الزرق ﴿ خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ قال جار الله: أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل.
فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم.
ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك.
وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة.
وقال غيره: إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله ﴿ يوم هم على النار يفتنون ﴾ وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمداً يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر.
وذكروا أيضاً أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم.
وذكر بقية أوصاف الشجرة منها ﴿ إنها تخرج في أصل الجحيم ﴾ اي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.
وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر.
ومنها ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلاً ولوناً.
وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: إنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحاً فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم.
الثاني أن الشيطان ههنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح.
الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين.
الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة.
ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضاً يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلاً يشبه به.
ثم علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله ﴿ فإنهم لآكلون منها ﴾ أي من طلعها ﴿ فمالؤن منها البطون ﴾ أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون باباً من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله في قوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ﴾ والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديداً أو شراباً حاراً ممزوجاً بما هو أحر وهو الحميم.
ومعنى "ثم" التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلاً للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير.
قال مقاتل: معنى "ثم" في قوله ﴿ ثم إن مرجعهم ﴾ أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار.
وقيل: هو كقولهم "فلان يرجع إلى مال ونعمة" أي هو فيها.
وقيل: "ثم" لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار.
وقيل: "ثم" مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم.
ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد.
والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقاً ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى.
ثم اراد تسلية النبي إجمالاً بقوله ﴿ ولقد ضل قبلهم ﴾ أي قبل قومك ﴿ أكثر الأوّلين ﴾ ثم استثنى من قوله ﴿ ولقد ضل ﴾ أو ﴿ من المنذرين ﴾ المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة.
ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً, وقدّم قصة نوح لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ \[المؤمنون: 26\] أو قوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ واللام الداخلة على ﴿ نعم ﴾ جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في ﴿ فلنعم ﴾ دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة.
والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب.
وفي قوله ﴿ هم الباقين ﴾ بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا.
روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث.
فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي ﴿ سلام على نوح ﴾ ومعنى ﴿ في العالمين ﴾ أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة.
ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن.
ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً.
وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح.
التأويل: ﴿ والصافات ﴾ إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر ﴿ فالزاجرات ﴾ هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات.
رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد واقمار الطوالع ونجوم اللوامع.
السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية ﴿ طين لازب ﴾ أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام.
فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف.
والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا االله فيسترها عليهم كما جاء ذكره في الحديث "إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟
فيقول: نعم اي رب.
ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا!
وكذا!؟
فيقول: نعم.
ثم يقول: اي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟
فيقول: نعم أي رب.
حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته" ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار.
﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) على مثل ليلى يقتل المرء نفسه *** وإن بات من ليلى على اليأس والصدّ ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ وفي قوله ﴿ كأنه رؤوس الشياطين ﴾ دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ أنه سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط المستقيم الذي هو أدقَ من الشعر وأحدّ من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ رب "سلم سلم".
وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدّوا الأمانة التي حملوها إلى أهلها وهو الله وتعالى .
<div class="verse-tafsir"
ثم استثنى المؤمنين حيث قال - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ ؛ فإنهم لا يذوقون العذاب الأليم، وإلا لو كانوا مستثنين من قوله: ﴿ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أو لا؛ يكون لهذا حق الاستثناء من الأول، ولكن الابتداء ذلك جائز في اللغة سائغ في اللسان، والله أعلم.
ثم بين ما أعد للمخلصين فقال: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .
فإن قيل: كيف يجمع بين قوله: ﴿ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، وبين قوله: ﴿ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴾ ؟!
قال بعضهم من أهل التأويل: يعني المعلوم حين يشتهونه يؤتون به.
ويحتمل أن يكون للكثير الذي لا يحسب ولا يعد؛ لكثرته هو في نفسه معلوم محدود.
أو أن يريد بالمعلوم: أنه صار ما وعدوا في الدنيا لهم في الآخرة معلوماً معروفاً عند الوصول إليه كان ذلك لهم موعوداً، فإذا وصلوا إليه، صار معلوماً محدوداً.
وقوله: ﴿ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴾ .
أي: معظمون مشرفون.
وقوله: ﴿ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .
يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون ويختارون في الدنيا من الجلوس على السرر على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك، والكأس: قيل: كل إناء أو قدح فيه شراب فهو كأس.
وقوله: ﴿ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ .
المعين قال بعضهم: هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمور أهل الجنة تجري في الأنهار؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: المعين: هو الظاهر الذي يقع البصر عليه؛ كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ ﴾ أي: ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .
ذكر أن خمورهم في الآخرة بيضاء؛ لأن البياض يظهر كل ما فيه من الأذى والآفة ويرى، فأما في غيره من الألوان فإنه قلما يظهر وقلما يرى إلا يجهد، أو ذكر أنها بيضاء لأن البيضاء من الألوان المستحسن الطباع كلها؛ وهو المختار عندنا.
قال الزجاج: إن الخمر لذة للنفس الروحانية لا للجسدانية؛ ألا ترى أن الخمر يشربها الناس وتظهر كراهة ذلك في وجوههم من العبوسة وغيرها، ثم مع هذا يعودون ويشربون دل أنها لذة لا لهذه النفس الجسدانية، ولكن للنفس الروحانية أو كلام نحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ .
و ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ بنصب الياء وكسر الزاء، ورفعها ونصب الزاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: لا آفة ولا صد ولا أذى، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ من قرأها ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ برفع الياء ونصب الزاء يقول: لا تنزف الخمر عقولهم، أي: لا تذهب بها، أي: لا يسكرون كما يسكر بشرب خمور الدنيا.
ومن قرأها ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ أي يعني شرابهم.
وتأويل هذا الكلام: أن أهل الدنيا إذا أخذوا في الشراب لا يتركون شربهم إلا لإحدى الخلتين: إما لذهاب عقولهم وذلك عند شدة سكرهم، وإما لفناء الشراب، لإحدى هاتين الخلتين يتركون شربهم، فيخبر أن أهل الجنة لا يذهب عقولهم الخمر ولا يُفْنون شرابهم، ولا كان فيها آفة ولا ضرر، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: طاهر لا تحرك، ويقال: الجاري، ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: سكر ولا ضرر، ولا يكون الاغتيال إلا من الخديعة والقتل في الأولاد، [و]هي أن ترضع المرأة ولدها وفي بطنها آخر، والغلول: التلوُّن، وكذلك سميت الغول غولا؛ لأنها تتلوَّن، والغيلان: جميع، ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ قال: النزيف: السكران.
وقال القتبي: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: لا تغتال عقولهم فيذهب بها، يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، والغول: العدو، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ أي: لا يذهب خمرهم وينقطع و[لا] يذهب عقولهم، والخمر التي جعلها الله لأهل الجنة في الآخرة هي للذي لم يشربها في الدنيا ولم يتناول منها ولا تلذذ بها، والله أعلم.
وقيل: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ ، أي: غائلة لها، أي: الصداع، أي: لا يتجع منها الرأس، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ أي: لا يسكرون بنزف عقولهم فتذهب.
وفي قوله: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ بنصب اللام دلالة: أنه قد كان من الله - جل وعلا - لطف به استوجبوا الإخلاص والخصوصية، وهو ينقض على المعتزلة قولهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ .
أي: لا ينظرن إلى غير أزواجهن، جبل الله - عز وجل - البشر على الغيرة، ولا يستحب الرجال أن ينظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا النساء أن ينظر أزواجهن إلى غيرهن، فأخبر - عز وجل -: عن أزواجهم في الجنة: أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن؛ حبّاً لأزواجهن وطلباً لمرضاتهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ عِينٌ ﴾ .
قال بعضهم: واسعات العيون في الجمال؛ لأن السعة في العين إذا جاوز الحد فحش ولا يكون فيه جمال، ولكن يكون فيه قبح، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ عِينٌ ﴾ ، أي: حسان العيون، والعين جماعة: العيناء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .
أي: مستور، لا يصيبه مطر ولا ريح ولا غبار ولا شمس ولا شيء مما يصيب في الدنيا؛ كقوله: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، والله أعلم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .
أي: قد خبى وكن من الحر والبرد والمطر فلم يتغير؛ وهو مثل الأول.
وقال بعضهم: ﴿ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ : هو كبيض النعام الذي يكنه الريش من الريح وغيره، فهو أبيض إلى الصفرة فكأنه ينزف؛ فذاك المكنون.
وقال بعضهم: شبهن بالبياض الذي يكون بين القشر وبين اللحا وهو أبيض شيء يكون، والله أعلم بذلك، لكن فيه وصفهن بالجمال والبهاء والحب لأزواجهن.
وقال بعضهم: البيض المكنون: هو المصون، هو وصفهن بالصون والصيانة؛ كقوله: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر: في بعض القصة: أن رجلين شريكين كان لهما ثمانون ألف دينار، وذكر أنهما كانا أخوين ورثا ثمانين ألف دينار فاقتسما - وذكر أربعون ألف درهم - فعمد أحدهما إلى ماله فاشترى به قصوراً وبستاناً وفرشاً وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، وعمد الآخر إلى ماله فأنفقه في طاعة الله، وطلب مرضاته، وطلب بعمده [الحياة] الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن والآخر كافر طاغ، ثم أصاب الذي أنفقه في طاعة الله وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعله أن ينال منه بمعروف، فأتاه فسأله، فأبى أن يعطيه شيئاً، وقال له: ما شأنك وما فعلت بمالك؟
فأخبره بما فعله به، فقال له: ﴿ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ أي: محاسبون، فرجع فقضى لهما أن توفيا فنزلت فيهما: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ ﴾ وهو المؤمن حين أدخله الله الجنة ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ﴾ بالبعث بعد الموت ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ ، أي: لمحاسبون ﴿ قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ ﴾ ، كأنه قال لأصحابه: هل أنتم مطلعون في النار لننظر ما حاله؟
ثم أخبر أنه اطلع ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ذكر اطلاعه، ولم يذكر اطلاع أصحابه؛ فجائز أن يكون أخبر عن اطلاع كل واحد منهم في نفسه: أنه اطلع ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أي: وسط الجحيم، وإن كانوا جميعاً مطلعين إليه فيها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ ﴾ ، و ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ ، وإن كان خاطب إنساناً فإنما خاطب به كل إنسان في نفسه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ إنما أخبر عن اطلاع كل منهم - والله أعلم - وكانوا جميعاً مطلعين.
ثم في الآية شيئان عجيبان: أحدهما: ما ذكر من اطلاع أهل الجنة على أهل النار أنها تكون قريبة من الجنة حتى ينظر بعضهم إلى بعض فيرون.
أو تكون بعيدة منها، إلا أن إبصار أهل الجنة يكون أبعد وأبصر مما يكون في الدنيا، فجائز أن يجعل الله - عز وجل - أبصار أهل الآخرة أبصر وأحد؛ حتى لا يحجبه ولا يمنعه بعد المسافة والمكان عن النظر والرؤية، والله أعلم.
والثاني: أن كيف يعرفه في النار مما يحرقه ويفني وجهه ولونه وجميع أعلامه وسيماه، لكن جائز أن يكون الله - عز وجل - يعرفه بأعلام تجعل له؛ فيعرفه بتلك الأعلام، وذلك على الله - عز وجل - يسير هين.
وأهل التأويل يقولون: يجعل الله - عز وجل - لأهل الجنة كوى منها إذا أرادوا أن ينظر أحدهم إلى من في النار، فتح الله له كوة ينظر إلى من شاء من مقعده إلى النار، فيزداد بذلك شكرا، وهو قوله: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أي: في وسط الجحيم؛ كقوله: - عز وجل -: ﴿ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ، أي: وسطه.
فقال: ﴿ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ ، أي: هممت لتغوين، وكذلك في حرف ابن مسعود: [مكان] ﴿ لَتُرْدِينِ ﴾ : ﴿ لتُغْوِيَن ﴾ .
وقال الكسائي: تالله، وبالله، ووالله، والله - بغير واو - لغات.
يخبر أن بالله يكون على الأسف مرجعهما إلى سفاه يقول: لولا أن الله أنعم على الهدى، ولولا أن الله رحمني فهداني؛ المعنى واحد.
يقول له: اترك دينك واتبعني، وقال: ﴿ لَتُرْدِينِ ﴾ أي: لتهلكني، يقال: رديت فلاناً، أي: أهلكته، والردى: الموت والهلاك؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقوله: ﴿ لَمَدِينُونَ ﴾ .
قال بعضهم: لمحاسبون.
وقال أبو عوسجة والقتبي: لمجزيون، والدين: الجزاء.
وقال: ﴿ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ : مستور، لا يصيبه غبار ولا وسخ.
وقوله: ﴿ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ أي: هممت، وأردت [أن] تهلكني وتغويني لو أجبتك واتبعتك فيما [دعوتني] إليه وسألتني.
ثم أخبر أنه ﴿ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ﴾ معه، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن عليه هداية كل أحد ما لو منعه عنه كان جائرا في منع ذلك، وهذا الرجل أخبر أنه بنعمته ورحمته اهتدى ما اهتدى، وأنه لو لم يكن منه إليه نعمة، لكان من المحضرين فيها، فهو أعرف بربه من المعتزلة، وكذلك الشيطان وجميع الكفرة أعرف بنعمة ربهم من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ ، ﴿ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ومثله كثير في القرآن: أنهم جميعاً رأوا الهداية لهم من الله نعمة ورحمة ولم يعط الكفرة ذلك، والمعتزلة يقولون: بل هدى كل كافر ومشرك لكنه لم يهتد، وأهل الجنة قالوا أيضاً: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ ، وقالوا: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا ﴾ ، ومثله كثير في القرآن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ على الإيجاب والإلزام، ليس على الاستفهام، وسؤال بعضهم بعضاً: ألا نموت فيها ولا نعذب، وإذ لم نمت ولم نعذب فيها، فإذن كان ذلك فوزاً عظيماً؛ ولذلك ذكر أبو معاذ عن الكسائي: أن هذا استفهام تعيين وفي القرآن كثير مثله، وقال: قد يكون الاستفهام على التعجيب، ويكون على التعيين، ويكون على الجهالة، ويكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ ﴾ أي: بعد موتتنا الأولى؛ لأنه بعد إذاقتهم الموتة الأولى؛ فإنهم لا يذوقون ثانياً.
وقوله: ﴿ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ ﴾ .
أي: لمثل هذه العاقبة التي أعطينا نحن وظفرنا بها، فليعمل العاملون، لا لمثل ما فيه صاحبه الذي في النار.
<div class="verse-tafsir"
كأنهن في بياض ألوانهن المشوبة بصفرة بيضُ طائر مصون لم تمسه الأيدي.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZVdkB"