الآية ٥٠ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ٥٠ من سورة الصافات

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، أي : عن أحوالهم ، وكيف كانوا في الدنيا ، وماذا كانوا يعانون فيها ؟

وذلك من حديثهم على شرابهم ، واجتماعهم في تنادمهم وعشرتهم في مجالسهم ، وهم جلوس على السرر ، والخدم بين أيديهم ، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم ، من مآكل ومشارب وملابس ، وغير ذلك مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: فأقبل بعض أهل الجنة على بعض يتساءلون، يقول: يسأل بعضهم بعضا.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) أهل الجنة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) قال: أهل الجنة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون أي يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا .

وهو من تمام الأنس في الجنة .

وهو معطوف على معنى " يطاف عليهم " المعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشراب .

قال بعضهم :وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدامفيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا ، إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله تعالى في إخباره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى نعيمهم، وتمام سرورهم، بالمآكل والمشارب، والأزواج الحسان، والمجالس الحسنة، ذكر تذاكرهم فيما بينهم، ومطارحتهم للأحاديث، عن الأمور الماضية، وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل، حتى أفضى ذلك بهم، إلى أن قال قائل منهم: { إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ }.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) يعني : أهل الجنة في الجنة يسأل بعضهم بعضا عن حاله في الدنيا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأقبل بعضهم» بعض أهل الجنة «على بعض يتساءلون» عما مر بهم في الدنيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن أحوالهم في الدنيا وما كانوا يعانون فيها، وما أنعم الله به عليهم في الجنة، وهذا من تمام الأنس.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعض المحاورات التى تدور بين عباده المخلصين ، بعد أن رأوا ما أعده - سبحانه - لهم من نعيم مقيم .

.

فقال - تعالى - :( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ .

.

.

) .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : علام عطف قوله : ( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ) ؟قلت؛ هو معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ) والمعنى : يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشاربين .قال الشاعر :وما بقيت من اللذات إلا ...

أحاديث الكرام على المدامفيقبل بعضهم على بعض ( يَتَسَآءَلُونَ ) عما جرى لهم وعليهم فى الدنيا .

إلا أن جئ به ماضيا على عادة الله فى أخباره .أى : أن هؤلاء العباد المخلصين ، بعد أن أعطاهم الله ما أعطاهم من النعم ، أقبل بعضهم على بعض ( يَتَسَآءَلُونَ ) فيما بينهم عن ذكرياتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف أحوال المتكبرين عن قبول التوحيد المصرين على إنكار النبوة أردفه بذكر حال المخلصين في كيفية الثواب، وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكرنا في فتح اللام وكسرها من المخصلين قراءتين فالفتح أن الله تعالى أخلصهم بلطفه واصطفاهم بفضله والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف رزقهم بكونه معلوماً، ولم يبين أن أي الصفات منه هو المعلوم فلذلك اختلفت الأقوال، فقيل معناه إن ذلك الرزق معلوم الوقت وهو مقدار غدوة وعشية وإن لم يكن ثمة لا بكرة ولا عشية، قال تعالى: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً  ﴾ ، وقيل معناه أن ذلك الرزق معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلقها الله فيه من طيب طعم ورائحة ولذة حسن منظر، وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ولا متى ينقطع، وقيل معناه: القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله وكرامته عليهم، وقد بين الله تعالى أنه يعطيهم غير ذلك على سبيل التفضل، ثم لما ذكر تعالى أن لهم رزقاً بين أن ذلك الرزق ما هو فقال: ﴿ فواكه ﴾ وفيه قولان الأول: أن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ والثاني: أن المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى، يعني لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الأدام أولى بالحضور، والقول الأول أقرب إلى التحقيق، واعلم أنه تعالى لما ذكر الأكل بين أن ذلك الأكل حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال: ﴿ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴾ لأن الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.

ولما ذكر تعالى مأكولهم وصف تعالى مساكنهم فقال: ﴿ فِي جنات النعيم * على سُرُرٍ متقابلين ﴾ ومعناه أنه لا كلفة عليهم في التلاقي للأنس والتخاطب، وفي بعض الأخبار أنهم إذا أرادوا القرب سار السرير تحتهم، ولا يجوز أن يكونوا متقابلين إلا مع حصول الخواطر والسرائر ولن يكونوا كذلك إلا مع الفسحة والسعة، ولا يجوز أن يسمع بعضهم خطاب بعض ويراه على بعد إلا بأن يقوي الله أبصارهم وأسماعهم وأصواتهم، ولما شرح الله صفة المأكل والمسكن ذكر بعده صفة الشراب فقال: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ ﴾ يقال للزجاجة التي فيها الخمر كأس وتسمى الخمرة نفسها كأساً قال: وكأس شربت على لذة *** وأخرى تداويت منها بها وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر، وقوله: ﴿ مّن مَّعِينٍ ﴾ أي من شراب معين، أو من نهر معين، المعين مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي معيناً لظهوره يقال عان الماء إذا ظهر جارياً، قاله ثعلب فهو مفعول من العين نحو مبيع ومكيل، وقيل سمي معيناً لأنه يجري ظاهر العين، ويجوز أن يكون فعيلاً من المعين وهو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في المسير إذا اشتد فيه، وقوله: ﴿ بَيْضَاء ﴾ صفة للخمر، قال الأخفش، خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن، وقوله: ﴿ لَذَّةٍ ﴾ فيه وجوه: أحدها: أنها وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال فلان جود وكرم إذا أرادوا المبالغة في وصفه بهاتين الصفتين.

وثانيها: قال الزجاج أي ذات لذة فعلى هذا حذف المضاف.

وثالثها: قال الليث: اللذ واللذيذ يجريان مجرى واحداً في النعت ويقال شراب لذ ولذيذ قال تعالى: ﴿ بَيْضَاء لَذَّةٍ للشاربين ﴾ وقال تعالى: ﴿ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين  ﴾ ولذلك سمي النوم لذاً لاستلذاذه، وعلى هذا لذة بمعنى لذيذة، والأقرب من هذه الوجوه الأول.

ثم قال تعالى: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قال الفراء العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء، وقال أبو عبيدة الغول أن يغتال عقولهم، وأنشد قول مطيع بن إياس: وما زالت الكأس تغتالهم *** وتذهب بالأول الأول وقال الليث: الغول الصداع والمعنى ليس فيها صداع كما في خمر الدنيا، قال الواحدي رحمه الله وحقيقته الإهلاك، يقال غاله غولاً أي أهلكه، والغول والغائل المهلك، ثم سمي الصداع غولاً لأنه يؤدي إلى الهلاك.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ وقرئ بكسر الزاي قال الفراء من كسر الزاي فله معنيان يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمرته، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر ومن فتح الزاي فمعناه لا يذهب عقولهم أي لا يسكرون يقال نزف الرجل فهو منزوف ونزيف، والمعنى ليس فيها قط نوع من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من صداع أو خمار أو عربدة ولا هم يسكرون أيضاً، وخصه بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر، ولما ذكر الله تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة منكوحهم من ثلاثة أوجه: الأول: قوله: ﴿ وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف ﴾ ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى: ﴿ حُورٌ مقصورات فِي الخيام  ﴾ والمعنى أنهن يحبسن نظرهن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن.

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ عِينٌ ﴾ قال الزجاج: كبار الأعين حسانها واحدها عيناء.

الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ المكنون في اللغة المستور يقال كننت الشيء وأكننته، ومعنى هذا التشبيه أن ظاهر البيض بياض يشوبه قليل من الصفرة، فإذا كان مكنوناً كان مصوناً عن الغبرة والقترة، فكان هذا اللون في غاية الحسن والعرب كانوا يسمون النساء بيضات الخدور.

ولما تمم الله صفات أهل الجنة قال: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ﴾ فإن قيل على أي شيء عطف قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ﴾ ؟

قلنا على قوله: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ ﴾ والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراب قال الشاعر: وما بقيت من اللذات إلا *** محادثة الكرام على المدام والمعنى فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ ؟

قلت: على يطاف عليهم.

والمعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب قال: وَمَا بَقِيَتْ مِنَ اللَّذَّاتِ إلاَّ ** أَحَادِيثُ الْكِرَامِ عَلَى الْمُدَامِ فيقبل بعضهم على بعض ﴿ يَتَسَاءلُونَ ﴾ عما جرى لهم وعليهم في الدنيا، إلا أنه جيء به ماضياً على عادة الله في أخباره.

قرئ: ﴿ من المصدّقين ﴾ من التصديق.

ومن المصدَّقين مشدّد الصاد، من التصدّق، وقيل: نزلت في رجل تصدّق بماله لوجه الله، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه؛ فقال: وأين مالك؟

قال: تصدقت به ليعوضني الله به في الآخرة خيراً منه، فقال: أئنك لمن المصدّقين بيوم الدين.

أو من المتصدّقين لطلب الثواب.

والله لا أعطيك شيئاً ﴿ لَمَدِينُونَ ﴾ لمجزيون، من الدين وهو الجزاء.

أو لمسوسون مربوبون.

يقال: دانه ساسه.

ومنه الحديث: «العاقل من دان نفسه» ﴿ قَالَ ﴾ يعني ذلك القائل: ﴿ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ ﴾ إلى النار لأريكم ذلك القرين.

قيل: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار.

وقيل: القائل هو الله عزّ وجلّ.

وقيل: بعض الملائكة يقول لأهل الجنة: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار.

وقرئ: ﴿ مطلعون ﴾ فاطلع.

وفأطلع بالتشديد، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب: ومطلعون فاطلع وفأطلع بالتحفيف على لفظ الماضي والمضارع والمنصوب يقال طلع علينا فلان، واطلع وأطلع بمعنى واحد، والمعنى: هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا أيضاً.

أو عرض عليه الاطلاع فاعترضوه، فاطلع هو بعد ذلك.

وإن جعلت الإطلاع من أطلعه غيره، فالمعنى: أنه لما شرط في اطلاعه اطلاعهم، وهو من آداب المجالسة.

أن لا يستبد بشيء دون جلسائه، فكأنهم مطلعوه.

وقيل: الخطاب على هذا للملائكة.

وقرئ: ﴿ مطلعون ﴾ بكسر النون، أراد: مطلعون إياي؛ فوضع المتصل موضع المنفصل، كقوله: هُمُ الْفَاعِلُونَ الْخَيْرَ وَالآمِرُونَهُ أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما، كأنه قال: تطلعون، وهو ضعيف لا يقع إلاّ في الشعر ﴿ فِى سَوَآءِ الجحيم ﴾ في وسطها، يقال: تعبت حتى انقطع سوائي، وعن أبي عبيدة: قال لي عيسى بن عمر: كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سوائي (إن) مخففة من الثقيلة، وهي تدخل على ﴿ كاد ﴾ كما تدخل على (كان) ﴿ إِن كَانَ لَيُضِلُّنَا ﴾ واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والإرداء: الإهلاك.

وفي قراءة عبد الله: لتغوينّ ﴿ نِعْمَةُ رَبّى ﴾ هي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام، والبراءة من قرين السوء.

أو إنعام الله بالثواب وكونه من أهل الجنة ﴿ مِنَ المحضرين ﴾ من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ يَشْرَبُونَ فَيَتَحادَثُونَ عَلى الشَّرابِ قالَ: وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ∗∗∗ أحادِيثُ الكِرامِ عَلى المُدامِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالماضِي لِلتَّأْكِيدِ فِيهِ فَإنَّهُ ألَذُّ تِلْكَ اللَّذّاتِ إلى العَقْلِ، وتَساؤُلُهم عَنِ المَعارِفِ والفَضائِلِ وما جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.

﴿ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ في مُكالَمَتِهِمْ.

﴿ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ﴾ جَلِيسٌ في الدُّنْيا ...

﴿ يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ ﴾ يُوَبِّخُنِي عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ التَّصَدُّقِ.

﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ ﴾ لَمَجْزِيُّونَ مِنَ الدَّيْنِ بِمَعْنى الجَزاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ} يعني أهل الجنة {على بَعْضٍ يتساءلون} على

يُطَافُ عَلَيْهِمْ والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراب كعادة الشرب قال

الصافات (٦٤ - ٥١)

{قائل منهم إني كان لي قرين} ...

وما بقيت من اللذات إلا ...

أحاديث الكرام على المدام ...

فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا إلا أنه جىء به ماضيا على ماعرف في اخباره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ يُطافُ ﴾ وما بَيْنَهُما مُعْتَرِضٌ أوْ مِن مُتَعَلِّقاتِ الأوَّلِ، أيْ: يَشْرَبُونَ فَيَتَحادَثُونَ عَلى الشُّرْبِ كَما هو عادَةُ المُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ: وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا مُحادَثَةُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ ولَثْمُكَ وجْنَتَيْ قَمَرٍ مُنِيرٍ ∗∗∗ يَجُولُ بِوَجْهِهِ ماءُ الشَّبابِ وعَبَّرَ بِالماضِي مَعَ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُضارِعٌ لِلْإشْعارِ بِالِاعْتِناءِ بِهَذا المَعْطُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ لا يُقْبِلُونَ عَلى الحَدِيثِ وهو أعْظَمُ لَذّاتِهِمُ الَّتِي يَتَعاطَوْنَها، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَتْمًا، وتَساؤُلِهِمْ عَنِ المَعارِفِ والفَضائِلِ وما جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وما أحْلى تَذَكُّرَ ما فاتَ عِنْدَ رَفاهِيَةِ الحالِ وفَراغِ البالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ يعني: طعام معلوم معروف حين يشتهونه على قدر غدوة وعشية.

ثم بيّن الرزق فقال: فَواكِهُ يعني: ألوان الفاكهة وَهُمْ مُكْرَمُونَ بالثواب.

ويقال: منعمون فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في الزيارة يُطافُ عَلَيْهِمْ يعني: يطوف عليهم خدمهم بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمراً جارياً من معين.

يعني: الطاهر الجاري بَيْضاءَ.

يعني: بخمرة توجب اللذة بَيْضاءَ لَذَّةٍ يعني: شهوة لِلشَّارِبِينَ لاَ فِيها غَوْلٌ يعني: ليس فيها إثم.

ويقال: لا غائلة لها، ولا يوجع منها الرأس.

وروى شريك عن سالم قال: لاَ فِيها غَوْلٌ أي: لا مكروه فيها، ولا أذى.

وقال القتبي: لاَ فِيها غَوْلٌ أي: لا تغتال عقولهم، فتذهب بها.

يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، والغول البعد وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قرأ حمزة والكسائي يُنْزَفُونَ بكسر الزَّاي.

وقرأ الباقون: بالنصب فمن قرأ بالنصب فمعناه: لا يذهب عقولهم شربها.

ويقال للسكران: نزيف ومنزوف إذا زال عقله.

ومن قرأ بالكسر، فله معنيان: أحدهما لا ينفد شرابهم أبداً، والثاني أنهم لا يسكرون.

ثم قال عز وجل: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ يعني: غاضات الأعين عن غير أزواجهن.

يعني: قصرن طرفهن على أزواجهن، وقنعن بهم، ولا يبغين بهم بدلاً.

ثم قال: عِينٌ أي: حسان الأعين شدة البياض في شدة السواد.

يقال لواحدة العين: عيناء.

يعني: كبيرة العين.

ويقال: الحسن العيناء التي سواد عينها أكثر من بياضها.

ثم قال: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ يعني: إنهن أحسن بياضاً من بيض النعم، والعرب تشبه النساء ببيض النعام.

يقال: لا يكون لون البياض في شيء أحسن من بيض النعام.

وقال قتادة: البيض التي لم تلوثه الأيدي.

ويقال: البيض أراد به القشر الداخل من البيض المكنون قد خبأ، وكنَّ من البرد والحر فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعني: يسأل بعضهم بعضاً عن حاله في الدنيا.

قوله عز وجل: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ يعني: من أهل الجنة إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ وهو الذي بيّن الله تعالى أمرهما في سورة الكهف جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ [الكهف: 32] فكانا أخوين وشريكين، وأنفق أحدهما ماله في أمر الآخرة، واتخذ الآخر لنفسه ضياعاً، وخدماً، واحتاج المؤمن إلى شيء، فجاء إلى أخيه الكافر يسأله، فقال له الكافر ما صنعت بمالك، فأخبره أن قدمه إلى الآخرة، فقال له الكافر: يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ يعني: إنك ممن يصدق بالبعث.

وطلب منه أن يدخل في دينه، ولم يقض حاجته، فذلك قوله: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بالبعث بعد الموت.

قوله عز وجل: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ يعني: لمحاسبون.

فيقول المؤمن لأصحابه في الجنة: قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ حتى ننظر إلى حاله، وإلى منزله، فيقول أصحابه: اطلع أنت، فإنك أعرف به منا فَاطَّلَعَ يعني: فنظر في النار فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ يعني: رأى أخاه في وسط الجحيم، أسود الوجه، مزرق العين، فيقول المؤمن عند ذلك قوله: قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ يعني: والله لقد هممت لتغويني، ولتضلني.

ويقال: لَتُرْدِينِ أي: لتهلكني يقال: أرديت فلان أي: أهلكته.

والردى: الموت والهلاك.

وقال القتبي في قوله: إِنَّا لَمَدِينُونَ أي: مجازون بأعمالنا.

يقال: دنته بما عمل أي جازيته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قولك: نُزِفَ الرَّجُلُ إذا سَكِرَ، وبإذْهابِ العَقْلِ فَسَّره ابن عباس «١» ، وقرأ حمزة والكسائي «يُنْزِفُونَ» بكسر الزاي «٢» من «أنزف» وله معنيان:

[أحدهما: سَكِر.

والثاني: نَفِدَ شَرَابُه.

وهذا كله منفيّ عن أهل الجنّة.

وقاصِراتُ الطَّرْفِ] «٣» قال ابن عباس وغيره معناه على أزواجهن «٤» ، أي: لا ينظرن إلى غيرهم، وعِينٌ: جَمْعُ «عَيْنَاءَ» ، وهي الكَبِيرةُ العَيْنينِ في جَمَالٍ.

وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ قال ابن جبير والسُّدِّيُّ: شَبَّه ألوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الداخليِّ، وهو المكنونُ «٥» ، أي المَصُونُ، ورجَّحَه الطبريُّ «٦» ، وقال الجمهور: شَبَّه أَلْوَانَهُنَّ بَلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ من النَّعَامِ، وهو بياضٌ قَدْ خالَطَتْهُ صُفْرَةٌ حسنة، ومَكْنُونٌ أي:

بالريش، وقال ابن عباس فيما حَكَى الطبريّ: «البيض المكنون» أراد به الجوهر

المَصُونَ «١» ، قال ع «٢» : وهذا يَرُدُّهُ لَفْظُ الآيةِ، فلا يَصِحُّ عَنِ ابن عباس.

وقوله تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ ...

الآية، هذا التَّساؤُلُ الذي بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ هو تساؤُلُ رَاحَةٍ وَتَنَعُّمٍ يَتَذَاكَرُونَ أمُورَهُمْ في الجَنَّةِ وأمْرَ الدنيا وحالَ الطَّاعَةِ والإيمَانِ فيها، ثم أخْبَرَ تعالى عَنْ قَوْلِ قائِلٍ منهم في قِصَّتِهِ، وهو مثالٌ لِكُلِّ مَنْ لَهُ قَرِينُ سَوْءٍ، فَيُعْطِي هَذَا المثالُ التَّحَفُّظَ مِنْ قُرَنَاءِ السوءِ، قال الثعلبيُّ: قوله:

إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال مجاهد: كان شَيْطَاناً «٣» ، انتهى، وقال ابنُ عباس وغيره: كان هذانِ منَ البَشَرِ مُؤمِنٌ وكَافِرٌ «٤» ، وقال فُرَاتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ البَهْرَانِيُّ في قَصَصِ هَذَيْنِ: إنَّهُمَا كَانَا شَرِيكَيْنِ بثمانيةِ آلاف دينارٍ، فكَانَ أحدُهُمَا مَشْغُولاً بِعِبَادةِ اللَّهِ، وكان الآخرُ كافراً مُقْبِلاً على مَالِهِ، فَحَلَّ الشَّرِكَةَ مع المؤمِنِ وَبقيَ وَحْدَه لِتَقْصِيرِ المؤمِنِ في التِّجَارَةِ، وجَعَلَ الكَافِرُ كُلَّمَا اشْتَرَى شَيْئاً من دَارٍ أو جَاريةٍ أو بستانٍ ونحوِهِ، عرضه عَلى المؤمِنِ وفَخَرَ عليه، فَيَمْضِي المؤمِنُ عندَ ذلكَ، وَيَتَصَدَّقُ بنحوِ ذلك لِيَشْتَرِي بِه من اللَّهِ تعالى في الجَنَّةِ، فكانَ مِنْ أمرِهمَا في الآخِرَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هذه «٥» الآية، وحكى السُّهَيْلِيُّ أن هذين الرجلَيْنِ هما المذكورانِ في قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ...

الآية [الكهف: ٣٢] انتهى، و «مدينون» معناه: مجاوزون محاسبون قاله ابن عبّاس وغيره «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ ﴿ يَتَساءَلُونَ ﴾ عَنْ أحْوالٍ كانَتْ في الدُّنْيا.

﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصّاحِبُ في الدُّنْيا.

والثّانِي: أنَّهُ الشَّرِيكُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الأخُ؛ قالَ مُقاتِلٌ: وهُما الأخَوانِ المَذْكُورانِ في سُورَةِ [الكَهْفِ: ٣٢] في قَوْلِهِ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ ﴾ ؛ والمَعْنى: كانَ لِي صاحِبٌ أوْ أخٌ يُنْكِرُ البَعْثَ، ﴿ يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مُخَفَّفَةُ الصّادِ، مِن صِدْقٍ يُصَدِّقُ فَهو مُصَدِّقٌ، ولا يَجُوزُ هاهُنا تَشْدِيدُ الصّادِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ بِالبَعْثِ؟

وقَرَأ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القاضِي عَنْ حَمْزَةَ: "المُصَدِّقِينَ" بِتَشْدِيدِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنّا لَمَدِينُونَ ﴾ أيْ: مَجْزِيُّونَ بِأعْمالِنا؛ يُقالُ: دِنْتُهُ بِما صَنَعَ، أيْ: جازَيْتُهُ.

فَأحَبَّ المُؤْمِنُ أنْ يَرى قَرِينَةَ الكافِرِ، فَقالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴾ أيْ: هَلْ تُحِبُّونَ الِاطِّلاعَ إلى النّارِ لِتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِها؟

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو عِمْرانَ، وابْنُ يَعْمُرَ: "هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ" بِإسْكانِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها ﴿ فاطَّلَعَ ﴾ بِهَمْزَةٍ مَرْفُوعَةٍ وسُكُونِ الطّاءِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُطَّلِعُونَ" بِكَسْرِ النُّونِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اطَّلَعَ ثُمَّ التَفَتَ إلى أصْحابِهِ فَقالَ: لَقَدْ رَأيْتُ جَماجِمَ القَوْمِ تَغْلِي؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ أنَّ في الجَنَّةِ كُوًى يَنْظُرُ مِنها أهْلُها إلى النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَآهُ ﴾ يَعْنِي قَرِينَةَ الكافِرِ ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: في وسَطِها.

وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ الوَسَطُ سَواءً، لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ.

قالَ خُلَيْدُ العَصْرِيُّ: واللَّهِ لَوْلا أنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُ إيّاهُ، ما عَرَفَهُ، لَقَدْ تَغَيَّرَ حَبْرُهُ وسَبَرُهُ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿ قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: واللَّهِ ما كِدْتُ إلّا تُهْلِكَنِي؛ يُقالُ أرْدَيْتُ فَلانًا، أيْ: أهْلَكْتُهُ.

﴿ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي ﴾ أيْ: إنْعامُهُ عَلَيَّ بِالإسْلامِ ﴿ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ ﴾ مَعَكَ في النّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إذا ذَبَحَ المَوْتَ، قالَ أهْلُ الجَنَّةِ: "أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ، إلّا مَوْتَتَنا الأوْلى" الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا ﴿ وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ؟

فَيُقالُ لَهُمْ: لا؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿ إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ المُؤْمِنُ لِأصْحابِهِ، فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ لا تَمُوتُ، فَقالَ: "إنَّ هَذا لَهْوَ الفَوْزُ العَظِيمُ" قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ أبُو سُفْيانَ الدِّمَشْقِيُّ: إنَّما خاطَبَ المُؤْمِنُ أهْلَ الجَنَّةِ بِهَذا عَلى طَرِيقِ الفَرَحِ بِدَوامِ النَّعِيمِ، لا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهم لَيْسُوا بِمَيِّتِينَ، ولَكِنْ أعادَ الكَلامَ لِيَزْدادَ بِتَكْرارِهِ عَلى سَمْعِهِ سُرُورًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ المُؤْمِنِ لِقَرِينِهِ الكافِرِ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ بِما كانَ يُنْكِرُهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمِثْلِ هَذا ﴾ يَعْنِي النَّعِيمُ الَّذِي ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ  ﴾ ﴿ فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ ﴾ ، وهَذا تَرْغِيبٌ في طَلَبِ ثَوابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطاعَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ﴾ ﴿ يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ ﴾ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ ﴾ هَذا التَساؤُلُ الَّذِي بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَساؤُلُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذَكَّرُونَ أُمُورَهم في الجَنَّةِ وأمْرَ الدُنْيا وحالَ الطاعَةِ والإيمانِ فِيها، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن قَوْلِ قائِلٍ مِنهم في قِصَّتِهِ، فَهو مِثالٌ لِكُلِّ مَن لَهُ قَرِينُ سُوءٍ، يُعْطِي هَذا المِثالُ التَحَفُّظَ مِن قُرَناءِ السُوءِ، واسْتِشْعارَ مَعْصِيَتِهِمْ، وعَبَّرَ عن قَوْلِ هَذا الرَجُلِ بِالمُضِيِّ مِن حَيْثُ كانَ أمْرًا مُتَيَقَّنًا حاصِلًا لا مَحالَةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذانَ مِنَ البَشَرِ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَذانِ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا  ﴾ ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًّا مِنَ الشَياطِينِ الكَفَرَةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِنَ المُصَدِّقِينَ" بِتَخْفِيفِ الصادِ، مِنَ التَصْدِيقِ، وقَرَأتْ فَرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ لِلصّادِ، مِنَ التَصَدُّقِ.

وقالَ فُراتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ البَهْرانِيُّ في قَصَصِ هَذَيْنِ: إنَّهُما كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ دِينارٍ، فَكانَ أحَدُهُما يَعْبُدُ اللهَ ويَقْصِدُ مِنَ التِجارَةِ والنَظَرِ، وكانَ الآخَرُ كافِرًا مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فَحَلَّ الشَرِكَةَ مَعَ المُؤْمِنِ وبَقِيَ وحْدَهُ لِتَقْصِيرِ المُؤْمِنِ، ثُمَّ إنَّهُ جَعَلَ كُلَّما اشْتَرى - شَيْئًا مِن دارٍ وجارِيَةٍ وبُسْتانٍ ونَحْوِهِ - عَرَضَهُ عَلى ذَلِكَ المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَمْضِي المُؤْمِنُ عِنْدَ ذَلِكَ ويَتَصَدَّقُ بِنَحْوِ ذَلِكَ الثَمَنِ لِيَشْتَرِيَ بِهِ مِنَ اللهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ قِراءَةَ التَشْدِيدِ.

و"مَدِينُونَ" مَعْناهُ: مُجازَوْنَ مُحاسَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ.

والدِينُ: الجَزاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع لأن شأن المتجالسين في مسرّة أن يشرعوا في الحديث فإن في الحديث مع الأصحاب والمنتدمين لذة كما قال محمد بن فياض: وما بقيتْ من اللذات إلا *** أحاديثُ الكرام على الشراب فإذا استشعروا أن ما صاروا إليه من النعيم كان جزاء على ما سبق من إيمانهم وإخلاصهم تذكر بعضُهم مَن كان يجادله في ثبوت البعث والجزاء فحمِد الله على أن هدَاه لعدم الإِصغاء إلى ذلك الصّادِّ فحدث بذلك جلساءه وأراهم إياه في النار، فلذلك حكي إقبال بعضهم على بعض بالمساءلة بفاء التعقيب.

وهذا يدلّ على أن الناس في الآخرة تعود إليهم تذكراتهم التي كانت لهم في الدنيا مصفاة من الخواطر السيّئة والأكدار النفسانية مدركة الحقائق على ما هي عليه.

وجيء في حكاية هذه الحالة بصيغ الفعل الماضي مع أنها مستقبلة لإِفادة تحقيق وقوع ذلك حتى كأنه قد وقع على نحو قوله تعالى: ﴿ أتى أمر اللَّه ﴾ [النحل: 1]، والقرينة هي التفريع على الأخبار المتعلقة بأحوال الآخرة.

والتساؤل: أن يسأل بعضهم بعضاً، وحُذف المتساءل عنه لدلالة ما بعده عليه، وقد بَين نحواً منه قولهُ تعالى: ﴿ في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ﴾ [المدثر: 40- 42].

وجملة ﴿ قَالَ قائِلٌ مِنهم ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ يَتَسَاءَلُونَ، ﴾ أي قال أحدهم في جواب سؤال بعضهم، فإن معنى التساؤل يشتمل على معنى الجواب فلذلك جعلناه بدل اشتمال لا بدل بعض ولا عطف بيان، والقرين مراد به الجنس، فإن هذا القول من شأنه أن يقوله كثير من خلطاء المشركين قبل أن يُسْلموا.

والقرين: المصاحب الملازم شبهت الملازمة الغالبة بالقرْن بين شيئين بحيث لا ينفصلان، أي يقول له صاحبه لما أَسلم وبقي صاحبه على الكفر يجادله في الإِسلام ويحاول تشكيكه في صحته رجاء أن يرجع به إلى الكفر كما قال سعيد بن زيد: «لقد رأيتُني وأنَّ عُمر لمُوثقي على الإِسلام» أي جاعلني في وثاق لأجل أني أسلمت، وكان سعيد صهر عُمر زوْجَ أخته.

والاستفهام في ﴿ أإِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِقينَ ﴾ مستعمل في الإِنكار، أي ما كان يحق لك أن تصدّق بهذا، وسلط الاستفهام على حرف التوكيد لإِفادة أنه بلغه تأكُّد إسلام قرينه فجاء ينكر عليه ما تحقق عنده، أي أن إنكاره إسلامه بعدَ تحقق خبره، ولولا أنه تحققه لما ظنّ به ذلك.

والمصدّق هو: الموقن بالخبر.

وجملة ﴿ أإِذَا مِتْنَا ﴾ بيان لجملة ﴿ أإِنَّكَ لمن المُصَدقين ﴾ بينت الإِنكار المجمل بإنكار مفصل وهو إنكار أن يبعث الناس بعد تفرق أجزائهم وتحوُّلها تراباً بعد الموت ثم يجازَوا.

وجملة ﴿ إنَّا لمَدِينُون ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ .

وقرنت بحرف التوكيد للوجه الذي علمته في قوله: والمدين: المجازَى يقال: دانه يدينه، إذا جازاه، والأكثر استعماله في الجزاء على السوء، والدين: الجزاء كما في سورة الفاتحة.

وقيل هنا أإِنا لمَدِينون} وفي أول السورة ﴿ إنَّا لمَبْعُوثون ﴾ [الصافات: 16] لاختلاف القائلين.

وقرأ الجميع ﴿ أإنك ﴾ بهمزتين.

وقرأ من عدا ابن عامر ﴿ أإذَا مِتْنَا ﴾ بهمزتين وابن عامر بهمزة واحدة وهي همزة ﴿ إذا ﴾ اكتفاء بهمزة ﴿ أإنا لمدينون ﴾ في قراءته.

وقرأ نافع ﴿ إِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ بهمزة واحدة اكتفاء بالاستفهام الداخل على شرطها.

وقرأه الباقون بهمزتين.

وجملة ﴿ قالَ هل أنتُم مُطَّلِعون ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ قالَ قَائِلٌ منهم ﴾ لأن قوله: ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ المحكي بها هو مما اشتمل عليه قوله الأول إذ هو تكملة للقول الأول.

والاستفهام بقوله ﴿ هل أنتم مُطَّلعون ﴾ مستعمل في العرض، عرض على رفقائه أن يتطلعوا إلى رؤية قرينه وما صار إليه، وذلك: إمّا لأنه علم أن قرينه مات على الكفر بأن يكون قد سبقه بالموت، وإمّا لأنه ألقي في رُوعه أن قرينه صار إلى النار، وهو موقن بأن خازن النار يطلعهم على هذا القرين لعلمهم بأن لأهل الجنة ما يتساءلون قال تعالى: ﴿ ولهم ما يدَّعون ﴾ [يس: 57].

وحذف متعلق ﴿ مُطَّلعون ﴾ لدلالة آخر الكلام عليه بقوله: ﴿ في سَوَاءِ الجَحِيم.

﴾ فالتقدير: هل أنتم مطلعون على أهل النار لننظُره فيهم.

وفي قوله: ﴿ فاطَّلعَ ﴾ اكتفاء، أي فاطّلع واطّلعوا فرآه ورأوه في سواء الجحيم إذ هو إنما عرض عليهم الاطّلاع ليعلموا تحقيق ما حدّثهم عن قرينه.

واقتصر على ذكر اطلاعه هو دون ذكر اطلاع رفقائه لأنه ابتدأ بالاطّلاع ليميز قرينه فيريه لرفقائه.

و ﴿ سَواءِ الجَحيمِ ﴾ وسطها قال بلعاء بن قيس: عضباً أصاب سواء الرأس فانفلقا *** وجملة ﴿ قالَ تالله إن كِدتَ لتُرْدِينِ ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانيّاً لأن وصف هذه الحالة يثير في نفس السامع أن يسأل: فماذا حصل حين اطلع؟

فيجاب بأنه حين رأى قرينه أخذ يوبخه على ما كان يحاوله منه حتى كاد أن يلقيه في النار مثله.

وهذا التوبيخ يتضمن تنديمه على محاولة إرجاعه عن الإِسلام.

والقَسَم بالتاء من شأنه أن يقع فيما جواب قسَمِه غريب، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قالوا تاللَّه لقد علمتم ﴾ في سورة [يوسف: 73]، وقوله: ﴿ وتاللَّهِ لأكيدن أصنامكم ﴾ في سورة [الأنبياء: 57].

ومحل الغرابة هو خلاصهُ من شبكة قرينه واختلاف حال عاقبتيهما مع ما كانا عليه من شدة الملازمة والصحبة وما حفّه من نعمة الهداية وما تورط قرينه في أوحال الغواية.

و ﴿ إنْ ﴾ مخففة من الثقيلة واتصل بها الفعل الناسخ على ما هو الغالب في أحوالها إذا أُهملت.

واللام الداخلة على خبر كاد هي الفارقة بين ﴿ إن ﴾ المخففة والنافية.

و«ترديني» تُوقِعُنِي في الرَّدَى وهو الهلاك، وأصل الردى: الموت ثم شاعت استعارته لسوء الحال تشبيهاً بالموت لما شاع من اعتبار الموت أعظم ما يصاب به المرء.

والمعنى: أنك قاربت أن تفضي بي إلى حال الردى بإلحاحك في صرفي عن الإِيمان بالبعث لفرط الصحبة.

ولولا نعمة هداية الله وتثبيته لكنت من المحضَرين معك في العذاب.

وقرأ الجمهور ﴿ لَتُرْدِينِ ﴾ بنون مكسورة في آخره دون ياء المتكلم على التخفيف، وهو حذف شائع في الاستعمال الفصيح وهو لغة أهل نجد.

وكتب في المصاحف بدون ياء.

وقرأه ورش عن نافع بإثبات الياء ولا يُنافي رسم المصحف لأن كثيراً من الياءات لم تكتب في المصحف، وقرأ القراء بإثباتها فإن كتّاب المصحف قد حذفوا مدوداً كثيرة من ألفات وياءات.

والمحضرون: أريد بهم المحضرون في النار، أي لكنت من المحضرين معك للعذاب.

وقد كثر إطلاق المُحْضَر ونحوه على الذي يُحضر لأجل العقاب.

وقد فسر بعض المفسرين القرين هنا بالشيطان الذي يلازم الإِنسان لإِضلاله وإغوائه.

وطريقُ حكاية تصدّي القائل من أهل الجنة لإِخبار أهل مجلسه بحاله يبطل هذا التفسير لأنه لو كان المراد الشيطان لكان إخباره به غير مفيد فما من أحد منهم إلا كان له قرين من الشياطين، وما منهم إلا عالم بأن مصير الشياطين إلى النار.

وقيل: نزلت في شريكين هما المشار إليهما في قوله تعالى: ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴾ في سورة [الكهف: 32].

وروي عن عطاء الخراساني: أنها نزلت في أخوين مؤمن وكافر، كانا غنيين، وكان المؤمن ينفق ماله في الصدقات وكان الكافر ينفق ماله في اللذات.

وفي هذه الآية عبرة من الحذر من قرناء السوء ووجوب الاحتراس مما يدعون إليه ويزيّنونه من المهالك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ كَما يَسْألُ أهْلُ النّارِ.

﴿ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي مِن أهْلِ الجَنَّةِ.

﴿ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ كانَ يُغْوِيهِ فَلا يُطِيعُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: شَرِيكٌ لَهُ كانَ يَدْعُوهُ إلى الكُفْرِ فَلا يُجِيبُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُما اللَّذانِ في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ ﴾ إلى آخِرِ قِصَّتِهِما، فَقالَ المُؤْمِنُ مِنهُما في الجَنَّةِ لِلْكافِرِ في النّارِ.

﴿ يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ.

﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لَمُحاسَبُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: لَمُجازُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ مِن قَوْلِهِ: كَما تَدِينُ تُدانُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴾ وهَذا قَوْلُ صاحِبِ القَرِينِ لِلْمَلائِكَةِ وقِيلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ، هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ يَعْنِي في النّارِ.

يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِاسْتِخْبارِهِ عَنْ جَوازِ الِاطِّلاعِ.

الثّانِي: لِمُعايَنَةِ القَرِينِ.

﴿ فاطَّلَعَ ﴾ يَعْنِي في النّارِ.

﴿ فَرَآهُ ﴾ يَعْنِي قَرِينَهُ ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في وسَطِ الجَحِيمِ، وإنَّما سُمِّيَ الوَسَطُ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ فِيهِ إلى الجَوانِبِ قالَ قَتادَةُ: فَواللَّهِ لَوْلا أنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُ إيّاهُ ما كانَ لِيَعْرِفَهُ، لَقَدْ تَغَيَّرَ حَبْرُهُ وسَبْرُهُ يَعْنِي حُسْنُهُ وتَخْطِيطُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ﴾ هَذا قَوْلُ المُؤْمِنِ في الجَنَّةِ لِقَرِينِهِ في النّارِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَتُهْلِكُنِي لَوْ أطَعْتُكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لَتُباعِدُنِي مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ يَحْيى.

﴿ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي ﴾ يَعْنِي بِالإيمانِ ﴿ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ ﴾ يَعْنِي في النّارِ، لِأنَّ أحْضَرَ لا يُسْتَعْمَلُ مُطْلَقًا إلّا في الشَّرِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ قال: أهل الجنة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني كان لي قرين ﴾ قال: شيطان.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: كان رجلان شريكين، وكان لهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى بألف دينار أرضاً، فقال صاحبه: اللهم إن فلاناً اشترى بألف دينار أرضاً، وإني أشتري منك بألف دينار أرضاً في الجنة.

فتصدق بألف دينار، ثم ابتنى صاحبه داراً بألف دينار، فقال هذا: اللهم إن فلاناً ابتنى داراً بألف دينار، وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف دينار.

فتصدق بألف دينار، ثم تزوج صاحبه امرأة، فانفق عليها ألف دينار فقال: اللهم إن فلاناً تزوج امرأة، فانفق عليها ألف دينار، وإن أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار.

فتصدق بألف دينار، ثم اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، وإني أشتري منك خدماً ومتاعاً بألف دينار.

فتصدق بألف دينار.

ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعله ينالني معروف، فجلس على طريقه، فمر به في حشمه وأهله، فقام إليه الآخر، فنظر فعرفه فقال فلان...؟!

فقال: نعم.

فقال: ما شأنك؟

فقال: أصابتني بعدك حاجة، فأتيتك لتصيبني بخير قال: فما فعل فقد اقتسمناه مالاً واحداً، فأخذت شطره.

فقال: اشتريت داراً بألف دينار، ففعلت أنا كذلك، وفعلت أنا كذلك.

فقص عليه القصة فقال: إنك لمن المصدقين بهذا، اذهب فوالله لا أعطيك شيئاً، فرده فقضى لهما أن توفيا، فنزلت فيهما ﴿ فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ حتى بلغ ﴿ أئنا لمدينون ﴾ قال: لمحاسبون.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن فرات بن ثعلبة البهراني رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني كان لي قرين ﴾ قال: ذكر لي أن رجلين كان شريكين، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، فكان أحدهما ليس له حرفة، والآخر له حرفة فقال: إنه ليس لك حرفة، فما أراني إلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه ثم فارقه.

ثم إن أحد الرجلين اشترى داراً كانت لملك بألف دينار، فدعا صاحبه ثم قال: كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار؟

فقال: ما أحسنها!

فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي قد ابتاع هذه الدار، وإني أسألك داراً من الجنة.

فتصدق بألف دينار.

ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم تزوّج امرأة بألف دينار، فدعاه وصنع له طعاماً، فلما أتاه قال: إني تزوّجت هذه المرأة بألف دينار قال: ما أحسن هذا؟

فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي تزوّج امرأة بألف دينار وإني أسألك امرأة من الحور العين.

فتصدق بألف دينار، ثم أنه مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه فأراه وقال: إني قد ابتعت هذه البستانين بألفي دينار فقال: ما أحسن هذا؟

فلما خرج قال: يا رب إن صاحبي قد ابتاع بستانين بألفي دينار، وإني أسألك بستانين في الجنة.

فتصدق بألفي دينار.

ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما، فانطلق بهذا المتصدق، فأدخله داراً تعجبه، فإذا امرأة يضيء ما تحتها من حسنها، ثم أدخله البستانين وشيئاً الله به عليم فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا.

وكذا..

قال: فإنه ذلك، ولك هذا المنزل، والبستانان، والمرأة فقال: ﴿ إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ قيل له: فإنه في الجحيم قال: ﴿ فهل أنتم مطلعون، فاطلع فرآه في سواء الجحيم ﴾ فقال عند ذلك ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: كانا شريكين في بني إسرائيل.

أحدهما مؤمن.

والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار.

ثم افترقا فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك، أضربت به شيئاً اتجرت به في شيء؟

قال له المؤمن: لا.

فما صنعت أنت؟

قال: اشتريت به نخلاً، وأرضاً، وثماراً، وأنهاراً، بألف دينار فقال له المؤمن: أو فعلت؟

قال: نعم.

فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم إن فلاناً- يعني شريكه الكافر- اشترى أرضاً، ونخلاً، وثماراً، وأنهاراً، بألف دينار، ثم يموت ويتركها غداً.

اللهم وإني اشتري منك بهذه الألف دينار أرضاً، ونخلاً، وثماراً، وأنهاراً، في الجنة.

ثم أصبح فقسمها للمساكين.

ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت، أضربت به في شيء، اتجرت به؟

قال: لا.

قال: فما صنعت أنت؟

قال: كانت ضيعتي قد اشتد على مؤنتها، فاشتريت رقيقاً بألف دينار، يقومون لي، ويعملون لي فيها.

فقال المؤمن: أو فعلت؟

قال: نعم.

فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل، صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار، فوضعها بين يديه ثم قال: اللهم إن فلاناً اشترى رقيقاً من رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غداً فيتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللهم وإني أشتري منك بهذه الألف دينار رقيقاً في الجنة.

ثم أصبح فقسمها بين المساكين.

ثو مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به في شيء، اتجرت به في شيء؟

قال: لا.

فما صنعت أنت؟

قال: كان أمري كله قد تم إلا شيئاً واحداً، فلانة مات عنها زوجها فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها وبمثلها معها فقال له المؤمن: أو فعلت؟

قال له نعم.

فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ الألف دينار الباقية، فوضعها بين يديه، وقال: اللهم إن فلاناً تزوّج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار، ويموت عنها فيتركها أو تموت فتتركه، اللهم وإني أخطب إليك بهذه الألف دينار حوراء عيناء في الجنة.

ثم أصبح فقسمها بين المساكين، فبقي المؤمن ليس عنده شيء.

فلبس قميصاً من قطن، وكساء من صوف، ثم جعل يعمل ويحفر بقوته فقال رجل: يا عبد الله أتؤجر نفسك مشاهرة؛ شهراً بشهر، تقوم على دواب لي؟

قال: نعم.

فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة أخذ برأسه فوجأ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة.

فلما رأى المؤمن الشدة قال: لآتين شريكي الكافر، فلأعملن في أرضه، يطعمني هذه الكسرة يوماً بيوم، ويكسيني هذين الثوبين إذا بليا.

فانطلق يريده، فانتهى إلى بابه، وهم مُمْسٍ، فإذا قصر في السماء، وإذا حوله البوابون فقال لهم: استأذنوا لي صاحب هذا القصر، فإنكم إن فعلتم ذلك سره فقالوا له: انطلق فإن كنت صادقاً فنم في ناحية فإذا أصبحت فتعرض له.

فانطلق المؤمن فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه ثم نام، فلما أصبح أتى شريكه، فتعرض له، فخرج شريكه وهو راكب، فلما رآه عرفه، فوقف فسلم عليه وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت فأين مالك؟

قال: لا تسألني عنه قال: فما جاء بك؟

قال: جئت أعمل في أرضك هذه، تطعمني هذه الكسرة يوماً بيوم، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا قال: لا ترى مني خيراً حتى تخبرني ما صنعت في مالك قال: أقرضته من الملأ الوفي قال: من؟

قال: الله ربي، وهو مصافحه، فانتزع يده ثم قال: ﴿ أئنك لمن المصدقين، أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون ﴾ وتركه، فلما رآه المؤمن لا يلوي عليه رجع، وتركه يعيش المؤمن في شدة من الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان.

فإذا كان يوم القيامة، وأدخل الله المؤمن الجنة يمر فإذا هو بأرض، ونخل، وأنهار، وثمار، فيقول: لمن هذا؟

فيقال: هذا لك فيقول: أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟

ثم يمر فإذا هو برقيق لا يحصى عددهم فيقول: لمن هذا؟

فيقال: هؤلاء لك فيقول: أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟

ثم يمر فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة فيها حوراء عيناء فيقول: لمن هذه؟

فيقال: هذه لك فيقول: أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟

ثم يذكر شريكه الكافر فيقول ﴿ إني كان لي قرين، يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ فالجنة عالية، والنار هاوية، فيريه الله شريكه في وسط الجحيم، من بين أهل النار، فإذا رآه عرفه المؤمن فيقول ﴿ تالله إن كدت لتردين، ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين، أفما نحن بميتين، إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين، إن هذا لهو الفوز العظيم، لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ بمثل ما قدمت عليه قال: فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة فلا يذكر أشد عليه من الموت.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أئنا لمدينون ﴾ قال: لمحاسبون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه، مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ يقول: مطلعون إليه حتى أنظر إليه في النار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سواء الجحيم ﴾ قال: وسط الجحيم.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ في سواء الجحيم ﴾ قال: وسط الجحيم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: رماهم بسهم فاستوى في سوائها ** وكان قبولاً للهوى والطوارق وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاطلع فرآه في سواء الجحيم ﴾ قال: اطلع، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: لقد رأيت جماجم القوم تغلي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: في الجنة كوى، فإذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار، اطلع فازداد شكراً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ قال: سأل ربه أن يطلعه، ﴿ فاطلع فرآه في سواء الجحيم ﴾ يقول: في وسطها، فرأى جماجمهم تغلي فقال: فلان..

!

فلولا أن الله عرفه إياه لما عرفه.

لقد تغير خبره وسبره.

فعند ذلك قال: ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ يقول: لتهلكني لو أطعتك ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ قال: في النار ﴿ أفما نحن بميتين ﴾ إلى قوله: ﴿ الفوز العظيم ﴾ قال: هذا قول أهل الجنة يقول الله: ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: علموا أن كل نعيم بعد الموت يقطعه فقالوا ﴿ أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ﴾ قيل: لا.

قالوا ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يقول الله تعالى لأهل الجنة: ﴿ كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون ﴾ [ المرسلات: 43] قال: قول الله: ﴿ هنيئاً ﴾ أي لا تموتون فيها.

فعندها قالوا ﴿ أفما نحن بميتين، إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين، إن هذا لهو الفوز العظيم، لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في يدي، فرأى جنازة، فأسرع المشي حتى أتى القبر، ثم جثا على ركبتيه، فجعل يبكي حتى بل الثرى، ثم قال: ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ هذا إخبار عن تحدّث أهل الجنة.

قال الزمخشري: هذه الجملة معطوفة على ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ ﴾ ، والمعنى: أنهم يشربون فيتحدّثون على الشراب، بما جرى لهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والصافات صفاً ﴾ وما بعدهما مدغماً: حمزة وأبو عمرو غير عباس ﴿ بزينة ﴾ منوناً: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ الكواكب ﴾ بالنصب: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالجر ﴿ لا يسمعون ﴾ بتشديد السين والميم وأصله "يتسمعون": حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم.

﴿ بل عجبت ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالفتح على الخطاب ﴿ آيذا ﴾ بالمد والياء ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد.

الباقون: مثل التي في "الرعد" وأما الثانية فمثل التي في "الرعد" ﴿ أو آباؤنا ﴾ مثل ﴿ أو أمن أهل القرى  ﴾ وكذلك في "الواقعة" ﴿ لا تناصرون ﴾ بالتشديد البزي وابن فليح ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئنك ﴾ ﴿ أئفكا ﴾ مثل ﴿ ائنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ ينزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الآخرون: بفتح الزاي ﴿ لترديني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ صفا ﴾ ه لا ﴿ زجراً ﴾ ه لا ﴿ لواحد ﴾ ه ط ﴿ المشارق ﴾ ه ط ﴿ الكواكب ﴾ ه لا ﴿ مارد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي.

وعليه بحث يجيء في التفسير ﴿ واصب ﴾ ه لا ﴿ ثاقب ﴾ ه ج ﴿ خلقنا ﴾ ط ﴿ لازب ﴾ ه ﴿ ويسخرون ﴾ ه ص ﴿ لا يذكرون ﴾ ه ص ﴿ يستسخرون ﴾ ه ص ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأوّلون ﴾ ه ط ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ مسؤولون ﴾ ه لا لأن المسؤول عنه قوله ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ ه ﴿ مستسلمون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج ﴿ سلطان ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ لذائقون ﴾ ه ﴿ غاوين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ يستكبرون ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ط ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ الأليم ﴾ ه ج ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ فواكه ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ مكرمون ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ج ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ للشارين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ ينزفون ﴾ ه ﴿ عين ﴾ ط ﴿ مكنون ﴾ ج ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ المصدّقين ﴾ ه ﴿ لمدينون ﴾ ه ﴿ مطلعون ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ لتردين ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ بميتين ﴾ ه لا ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ الزقوم ﴾ ه ﴿ للظالمين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ البطون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ج ﴿ ضالين ﴾ ه لا للعطف مع اتصال المعنى ﴿ يهرعون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ المجيبون ﴾ ه ز ﴿ العظيم ﴾ ه ز ﴿ الباقين ﴾ ه ز ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله  ، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف.

قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، الا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأوصل الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟

وأيضاً الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير.

ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثاً لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة.

وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله  .

والصف ترتيب الشيء على نسق.

الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين.

قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفاً أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة.

والزجر سوق السحاب.

قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب.

وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم.

والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأبنياء.

والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية.

الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها.

أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً  ﴾ والزجرة والصيحة سواء.

والمراد رفع الصوت بزجر الخيل.

وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله.

يحكى عن علي بن أبي طالب  أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دماً فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء.

الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات.

وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر.

والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه.

ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: الصابح فالغانم فالآيب *** كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب.

مثاله المصلون يقفون أوّلاً صفوفاً ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة.

وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة؛ فالصافات الطير من قوله ﴿ والطير صافات  ﴾ والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله.

أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإِنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى.

وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه.

والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل.

ثم إنه  لو يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها.

وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ .

ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان.

والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة.

ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله  الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر.

وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع ﴿ الكواكب ﴾ بياناً للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة.

ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء.

ومن قرأ باتنوين ﴿ زينة ﴾ وجر ﴿ الكواكب ﴾ فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين ﴿ زينة ﴾ ونصب ﴿ الكواكب ﴾ فعلى أنه بدل من محل ﴿ بزينة ﴾ أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة.

قوله ﴿ وحفظاً ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين.

وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان زيناها بالكواكب.

وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم.

تقول: افعل ذلك كرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها حفظاً.

قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد  بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء في إصغائهم.

قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبحرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه.

وأيضاً إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟

وأيضاً مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟

والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضاً كالنادر.

فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان ناراً صرفاً، ولكن الناري غالب عليه.

ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله.

والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق.

والضمير في قوله ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان لأنه في معنى الجمع.

والتسمع تكلف السماع سمع أو لم سمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى.

وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي.

قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافاً لأن سائلاً لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟

فأجيب بأنهم لا يسمعون.

لم يستقم فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع.

قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفاً كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا.

ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم "أن" وأهدر عملها كما في قول القائل: ألا ايهذا الزاجري أحضر الوغى *** ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك "جئتك أن تكرمني" وحذف "أن" في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات.

قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضاً لا يصح إلا بتقدير اللام أو "من" مع "أن".

والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات.

وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة.

وعنه: الكتبة من الملائكة.

والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجراً.

وقوله ﴿ من كل جانب ﴾ أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب.

وقيل: من كل الجوانب.

﴿ دحوراً ﴾ أي طرداً مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل: يقذفون قذفاً أو يدحرون دحوراً.

ويجوز أن يكون مفعولاً له اي لأجل الدحور أو مصدراً في موضع الحال أي مدحورين كقوله ﴿ مذموماً مدحوراً  ﴾ ﴿ ولهم ﴾ أي للشياطين ﴿ عذاب واصب ﴾ دائم وقد مر في النحل في قوله ﴿ وله الدين واصباً  ﴾ يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع ﴿ إلا من خطف ﴾ في محل الرفع بدلاً من الواو في ﴿ لا يسمعون ﴾ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة.

وقيل: وثب وثبة.

وقيل: الاستثناء منقطع خبره ﴿ فأتبعه ﴾ أي أتبعه ورمى في أثره ﴿ شهاب ثاقب ﴾ مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا.

وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون.

وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك.

وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة.

وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية.

أما الطريق الأوّل فاشار إليه بقوله ﴿ فاستفتهم ﴾ أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم.

وقيل: اراد عاداً وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية.

والقول الأول اقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله ﴿ خلقنا ﴾ إكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون.

وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر.

وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن.

ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلاً للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلاً فلا يبقى ريب في قبولها ثانياً، وقادرية الله  باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها.

وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة.

ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال ﴿ بل عجبت ﴾ من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث ﴿ و ﴾ هم ﴿ يسخرون ﴾ من تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه.

ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء.

وقيل: هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء.

وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت.

سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله  غير منكر.

سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه  محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم  ﴾ .

عند من يرى أن العجب من الله.

وقد جاء في الحديث "يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة" .

وقال أيضاً: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته" .

والألّ التضرع.

ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون.

﴿ وإذا رأوا آية ﴾ بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات ﴿ يستسخرون ﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر.

فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث.

قوله ﴿ أو آباؤنا ﴾ من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم "أن"، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في ﴿ مبعوثون ﴾ وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا؟

يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد.

وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله  بقوله ﴿ قل نعم ﴾ تبعثون ﴿ وأنتم داخرون ﴾ صاغرون أذلاء.

وإذا كان كذلك ﴿ فإنما هي ﴾ أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره ﴿ زجرة ﴾ واحدة يعني صيحة النفخة الثانية ﴿ فإذا هم ينظرون ﴾ أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم.

﴿ وقالوا يا ويلنا ﴾ الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله ﴿ تكذبون ﴾ يقوله الكفرة فيما بينهم.

وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله ﴿ يا ويلنا ﴾ ثم قال الله أو الملائكة ﴿ هذا يوم الدين ﴾ الجزاء والحساب ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ القضاء والفرق بين المحسن والمسيء ﴿ احشروا الذين ظلموا ﴾ بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم.

وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث اي اجمعوهم ﴿ وأزواجهم ﴾ أي أشكالهم الذي على دينهم وسيرتهم؛ الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب.

وقيل: قرناءهم من الشياطين.

وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم.

﴿ وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ من الأصنام ﴿ فاهدوهم ﴾ ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم ﴿ إلى صراط الجحيم ﴾ وسطها أو طريقها لأنه قال بعد ذلك ﴿ وقفوهم ﴾ اي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكماً وتوبيخاً بالعجز عن التناصر ﴿ ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله.

وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة.

ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم ﴿ قالوا ﴾ لرؤسائهم ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعاً وعرفاً.

كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيآت، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح.

فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله.

قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير.

ثم صار قولك "أتاه عن اليمين" مجازاً في المعنى المذكور.

الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم.

الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم.

الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالباً أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال.

وكما أن الضمير في ﴿ قالوا ﴾ الأول كان عائداً إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في ﴿ قالوا ﴾ الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة.

والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا.

﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً ﴾ مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم  ﴾ ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ قال مقاتل: أراد قوله: ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقاً فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب.

قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال "إنكم لذائقون" ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ أي أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب أغوائنا فغوايتنا إن كانت بسب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضاً من الله كما مر في قوله ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ هذا تفسير أهل السنة.

وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة ﴿ فأغويناكم ﴾ فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فاردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا.

وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله ﴿ فإنهم ﴾ جميعاً ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ كما كانوا مشتركين في الغواية.

ولعل للمتبوعين عذاباً زائداً للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء ﴿ إنا كذلك ﴾ أي مثل ذلك الفعل ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم أي كافر بدليل قوله ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر "كان" وهو مع الاسم والخبر خبر "إن" وإن ألغيت "كان" فالخبر ﴿ يستكبرون ﴾ و"إذا" ظرفه.

﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ عنوا محمداً  بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعاً فردّ عليهم بقوله ﴿ بل جاء ﴾ متلبساً ﴿ بالحق وصدّق المرسلين ﴾ وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلاً ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال ﴿ وما تجوزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صوناً للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة اشبه.

والسنيّ يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل.

قال جار الله ﴿ إلا عباد الله ﴾ استثناء منقطع أي لكن عباد الله ﴿ المخلصين أولئك لهم رزق ﴾ قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف.

ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله ﴿ إنكم ﴾ للمكلفين جميعاً فيصح الاستثناء المتصل مطلقاً أي تذوقون العذاب الأليم.

قوله ﴿ معلوم ﴾ قيل: أي معلوم الوقت كقوله ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر.

وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم.

وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع.

ثم فسر ذلك الرزق بأنه ﴿ فواكه ﴾ فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة.

وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الطعام أولى بالحضور.

وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال ﴿ وهم مكرمون ﴾ إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.

وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال ﴿ في جنات النعيم على سرر متقابلين ﴾ وقد مر في "الحجر".

ثم وصف مشروبهم.

قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كاساً إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأساً.

عن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر *** وكذا في تفسير ابن عباس: والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء.

وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جارياً قاله ثعلب.

وقيل: "فعيل" من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه.

واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء.

وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن.

﴿ ولذة ﴾ إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث.

اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول.

يقال: غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وافسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي يسكرون.

وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر.

يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله.

والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء.

وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار.

والأوّلون حملوه على المبالغة.

ثم وصف منكوحهم بقوله ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله ﴿ عرباً  ﴾ والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين.

ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضاً يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور.

ثم عطف على قوله ﴿ يطاف ﴾ قوله قوله ﴿ فأقبل ﴾ وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله  في الأخبار.

ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار.

والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة.

قال بعضهم: وما بقيت من اللذات إلا *** أحاديث الكرام على المدام وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية ﴿ قال قائل منهم ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ إني كان لي قرين ﴾ جليس أو شريك في الدنيا ﴿ يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ أي بيوم الدين ﴿ أئنا لمدينون ﴾ لمجزيون من دان يدين إذا جزى.

وقيل: لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه الحديث "الكيس من دان نفسه" وعن بعضهم: أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين  ﴾ ﴿ قال ﴾ يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ إلى النار اي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها.

عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿ فاطلع ﴾ على أهل النار فرأى قرينه ﴿ في سواء الجحيم ﴾ وسطها ﴿ قال ﴾ لقرينه ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ "إن" مخففة واللام فارقة.

والإرداء الإِهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي.

والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم  ﴾ إلى آخر الآية والله أعلم.

ثم شكر الله  على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ في النار مثلك أطلق إطلاقاً لأن الإِحضار يستعمل في الشر غالباً ولا سيما في اصطلاح القرآن.

وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قريناً له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلاً ﴿ أفما نحن بميتين ﴾ وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب.

وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله  واغتباطاً بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول.

أفيدوم هذا لي؟

وإن كان على يقين من دوامه.

وايضاً إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزجراً.

احتج نفاة عذاب القبر بقوله ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.

وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعاً له وتوبيخاً وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقاً لهم، وكذا قوله ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الزرق ﴿ خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ قال جار الله: أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل.

فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم.

ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك.

وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة.

وقال غيره: إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله  وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمداً يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر.

وذكروا أيضاً أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم.

وذكر بقية أوصاف الشجرة منها ﴿ إنها تخرج في أصل الجحيم ﴾ اي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.

وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر.

ومنها ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلاً ولوناً.

وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: إنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحاً فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم.

الثاني أن الشيطان ههنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح.

الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين.

الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة.

ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضاً يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلاً يشبه به.

ثم علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله ﴿ فإنهم لآكلون منها ﴾ أي من طلعها ﴿ فمالؤن منها البطون ﴾ أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون باباً من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله  في قوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه  ﴾ والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ ومزاجه من تسنيم  ﴾ وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديداً أو شراباً حاراً ممزوجاً بما هو أحر وهو الحميم.

ومعنى "ثم" التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلاً للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير.

قال مقاتل: معنى "ثم" في قوله ﴿ ثم إن مرجعهم ﴾ أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار.

وقيل: هو كقولهم "فلان يرجع إلى مال ونعمة" أي هو فيها.

وقيل: "ثم" لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار.

وقيل: "ثم" مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم.

ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد.

والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقاً ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى.

ثم اراد تسلية النبي  إجمالاً بقوله ﴿ ولقد ضل قبلهم ﴾ أي قبل قومك ﴿ أكثر الأوّلين ﴾ ثم استثنى من قوله ﴿ ولقد ضل ﴾ أو ﴿ من المنذرين ﴾ المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة.

ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً, وقدّم قصة نوح  لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ \[المؤمنون: 26\] أو قوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ واللام الداخلة على ﴿ نعم ﴾ جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في ﴿ فلنعم ﴾ دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة.

والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب.

وفي قوله ﴿ هم الباقين ﴾ بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا.

روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث.

فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي ﴿ سلام على نوح ﴾ ومعنى ﴿ في العالمين ﴾ أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة.

ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن.

ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً.

وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح.

التأويل: ﴿ والصافات ﴾ إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر ﴿ فالزاجرات ﴾ هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات.

رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد واقمار الطوالع ونجوم اللوامع.

السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية ﴿ طين لازب ﴾ أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام.

فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف.

والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا االله فيسترها عليهم كما جاء ذكره في الحديث "إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم اي رب.

ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا!

وكذا!؟

فيقول: نعم.

ثم يقول: اي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم أي رب.

حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته" ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار.

﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) على مثل ليلى يقتل المرء نفسه *** وإن بات من ليلى على اليأس والصدّ ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ وفي قوله ﴿ كأنه رؤوس الشياطين ﴾ دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ أنه  سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط المستقيم الذي هو أدقَ من الشعر وأحدّ من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ رب "سلم سلم".

وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدّوا الأمانة التي حملوها إلى أهلها وهو الله  وتعالى .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم استثنى المؤمنين حيث قال - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ ؛ فإنهم لا يذوقون العذاب الأليم، وإلا لو كانوا مستثنين من قوله: ﴿ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ أو لا؛ يكون لهذا حق الاستثناء من الأول، ولكن الابتداء ذلك جائز في اللغة سائغ في اللسان، والله أعلم.

ثم بين ما أعد للمخلصين فقال: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴾ .

فإن قيل: كيف يجمع بين قوله: ﴿ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ  ﴾ ، وبين قوله: ﴿ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ﴾ ؟!

قال بعضهم من أهل التأويل: يعني المعلوم حين يشتهونه يؤتون به.

ويحتمل أن يكون للكثير الذي لا يحسب ولا يعد؛ لكثرته هو في نفسه معلوم محدود.

أو أن يريد بالمعلوم: أنه صار ما وعدوا في الدنيا لهم في الآخرة معلوماً معروفاً عند الوصول إليه كان ذلك لهم موعوداً، فإذا وصلوا إليه، صار معلوماً محدوداً.

وقوله: ﴿ فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ﴾ .

أي: معظمون مشرفون.

وقوله: ﴿ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .

يخبر أن لهم في الجنة ما يستحبون ويختارون في الدنيا من الجلوس على السرر على المواجهة والمقابلة والشرب على ذلك، والكأس: قيل: كل إناء أو قدح فيه شراب فهو كأس.

وقوله: ﴿ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴾ .

المعين قال بعضهم: هو الجاري، وكأنه يخبر أن خمور أهل الجنة تجري في الأنهار؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ  ﴾ .

وقال بعضهم: المعين: هو الظاهر الذي يقع البصر عليه؛ كقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ  ﴾ أي: ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ .

ذكر أن خمورهم في الآخرة بيضاء؛ لأن البياض يظهر كل ما فيه من الأذى والآفة ويرى، فأما في غيره من الألوان فإنه قلما يظهر وقلما يرى إلا يجهد، أو ذكر أنها بيضاء لأن البيضاء من الألوان المستحسن الطباع كلها؛ وهو المختار عندنا.

قال الزجاج: إن الخمر لذة للنفس الروحانية لا للجسدانية؛ ألا ترى أن الخمر يشربها الناس وتظهر كراهة ذلك في وجوههم من العبوسة وغيرها، ثم مع هذا يعودون ويشربون دل أنها لذة لا لهذه النفس الجسدانية، ولكن للنفس الروحانية أو كلام نحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ .

و ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ بنصب الياء وكسر الزاء، ورفعها ونصب الزاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: لا آفة ولا صد ولا أذى، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ من قرأها ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ برفع الياء ونصب الزاء يقول: لا تنزف الخمر عقولهم، أي: لا تذهب بها، أي: لا يسكرون كما يسكر بشرب خمور الدنيا.

ومن قرأها ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ أي يعني شرابهم.

وتأويل هذا الكلام: أن أهل الدنيا إذا أخذوا في الشراب لا يتركون شربهم إلا لإحدى الخلتين: إما لذهاب عقولهم وذلك عند شدة سكرهم، وإما لفناء الشراب، لإحدى هاتين الخلتين يتركون شربهم، فيخبر أن أهل الجنة لا يذهب عقولهم الخمر ولا يُفْنون شرابهم، ولا كان فيها آفة ولا ضرر، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: طاهر لا تحرك، ويقال: الجاري، ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: سكر ولا ضرر، ولا يكون الاغتيال إلا من الخديعة والقتل في الأولاد، [و]هي أن ترضع المرأة ولدها وفي بطنها آخر، والغلول: التلوُّن، وكذلك سميت الغول غولا؛ لأنها تتلوَّن، والغيلان: جميع، ﴿ يُنزَفُونَ ﴾ قال: النزيف: السكران.

وقال القتبي: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ أي: لا تغتال عقولهم فيذهب بها، يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، والغول: العدو، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ أي: لا يذهب خمرهم وينقطع و[لا] يذهب عقولهم، والخمر التي جعلها الله لأهل الجنة في الآخرة هي للذي لم يشربها في الدنيا ولم يتناول منها ولا تلذذ بها، والله أعلم.

وقيل: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ ، أي: غائلة لها، أي: الصداع، أي: لا يتجع منها الرأس، ﴿ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾ أي: لا يسكرون بنزف عقولهم فتذهب.

وفي قوله: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ بنصب اللام دلالة: أنه قد كان من الله - جل وعلا - لطف به استوجبوا الإخلاص والخصوصية، وهو ينقض على المعتزلة قولهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ .

أي: لا ينظرن إلى غير أزواجهن، جبل الله - عز وجل - البشر على الغيرة، ولا يستحب الرجال أن ينظر أزواجهم إلى غيرهم، ولا النساء أن ينظر أزواجهن إلى غيرهن، فأخبر - عز وجل -: عن أزواجهم في الجنة: أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن؛ حبّاً لأزواجهن وطلباً لمرضاتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ عِينٌ ﴾ .

قال بعضهم: واسعات العيون في الجمال؛ لأن السعة في العين إذا جاوز الحد فحش ولا يكون فيه جمال، ولكن يكون فيه قبح، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ عِينٌ ﴾ ، أي: حسان العيون، والعين جماعة: العيناء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .

أي: مستور، لا يصيبه مطر ولا ريح ولا غبار ولا شمس ولا شيء مما يصيب في الدنيا؛ كقوله: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ  ﴾ ، والله أعلم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ .

أي: قد خبى وكن من الحر والبرد والمطر فلم يتغير؛ وهو مثل الأول.

وقال بعضهم: ﴿ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ : هو كبيض النعام الذي يكنه الريش من الريح وغيره، فهو أبيض إلى الصفرة فكأنه ينزف؛ فذاك المكنون.

وقال بعضهم: شبهن بالبياض الذي يكون بين القشر وبين اللحا وهو أبيض شيء يكون، والله أعلم بذلك، لكن فيه وصفهن بالجمال والبهاء والحب لأزواجهن.

وقال بعضهم: البيض المكنون: هو المصون، هو وصفهن بالصون والصيانة؛ كقوله: ﴿ حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: في بعض القصة: أن رجلين شريكين كان لهما ثمانون ألف دينار، وذكر أنهما كانا أخوين ورثا ثمانين ألف دينار فاقتسما - وذكر أربعون ألف درهم - فعمد أحدهما إلى ماله فاشترى به قصوراً وبستاناً وفرشاً وجواري ونساء، فأنفقه في أمر الدنيا، وعمد الآخر إلى ماله فأنفقه في طاعة الله، وطلب مرضاته، وطلب بعمده [الحياة] الدائمة في الآخرة، وهذا مؤمن والآخر كافر طاغ، ثم أصاب الذي أنفقه في طاعة الله وطلب مرضاته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعله أن ينال منه بمعروف، فأتاه فسأله، فأبى أن يعطيه شيئاً، وقال له: ما شأنك وما فعلت بمالك؟

فأخبره بما فعله به، فقال له: ﴿ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ أي: محاسبون، فرجع فقضى لهما أن توفيا فنزلت فيهما: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ ﴾ وهو المؤمن حين أدخله الله الجنة ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ﴾ بالبعث بعد الموت ﴿ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ ، أي: لمحاسبون ﴿ قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ ﴾ ، كأنه قال لأصحابه: هل أنتم مطلعون في النار لننظر ما حاله؟

ثم أخبر أنه اطلع ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ذكر اطلاعه، ولم يذكر اطلاع أصحابه؛ فجائز أن يكون أخبر عن اطلاع كل واحد منهم في نفسه: أنه اطلع ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أي: وسط الجحيم، وإن كانوا جميعاً مطلعين إليه فيها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ  ﴾ ، و ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ﴾ ، وإن كان خاطب إنساناً فإنما خاطب به كل إنسان في نفسه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ إنما أخبر عن اطلاع كل منهم - والله أعلم - وكانوا جميعاً مطلعين.

ثم في الآية شيئان عجيبان: أحدهما: ما ذكر من اطلاع أهل الجنة على أهل النار أنها تكون قريبة من الجنة حتى ينظر بعضهم إلى بعض فيرون.

أو تكون بعيدة منها، إلا أن إبصار أهل الجنة يكون أبعد وأبصر مما يكون في الدنيا، فجائز أن يجعل الله - عز وجل - أبصار أهل الآخرة أبصر وأحد؛ حتى لا يحجبه ولا يمنعه بعد المسافة والمكان عن النظر والرؤية، والله أعلم.

والثاني: أن كيف يعرفه في النار مما يحرقه ويفني وجهه ولونه وجميع أعلامه وسيماه، لكن جائز أن يكون الله - عز وجل - يعرفه بأعلام تجعل له؛ فيعرفه بتلك الأعلام، وذلك على الله - عز وجل - يسير هين.

وأهل التأويل يقولون: يجعل الله - عز وجل - لأهل الجنة كوى منها إذا أرادوا أن ينظر أحدهم إلى من في النار، فتح الله له كوة ينظر إلى من شاء من مقعده إلى النار، فيزداد بذلك شكرا، وهو قوله: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أي: في وسط الجحيم؛ كقوله: - عز وجل -: ﴿ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ  ﴾ ، أي: وسطه.

فقال: ﴿ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ ، أي: هممت لتغوين، وكذلك في حرف ابن مسعود: [مكان] ﴿ لَتُرْدِينِ ﴾ : ﴿ لتُغْوِيَن ﴾ .

وقال الكسائي: تالله، وبالله، ووالله، والله - بغير واو - لغات.

يخبر أن بالله يكون على الأسف مرجعهما إلى سفاه يقول: لولا أن الله أنعم على الهدى، ولولا أن الله رحمني فهداني؛ المعنى واحد.

يقول له: اترك دينك واتبعني، وقال: ﴿ لَتُرْدِينِ ﴾ أي: لتهلكني، يقال: رديت فلاناً، أي: أهلكته، والردى: الموت والهلاك؛ وهو قول أبي عوسجة والقتبي.

وقوله: ﴿ لَمَدِينُونَ ﴾ .

قال بعضهم: لمحاسبون.

وقال أبو عوسجة والقتبي: لمجزيون، والدين: الجزاء.

وقال: ﴿ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ﴾ : مستور، لا يصيبه غبار ولا وسخ.

وقوله: ﴿ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ أي: هممت، وأردت [أن] تهلكني وتغويني لو أجبتك واتبعتك فيما [دعوتني] إليه وسألتني.

ثم أخبر أنه ﴿ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ﴾ معه، وهذا على المعتزلة لقولهم: إن عليه هداية كل أحد ما لو منعه عنه كان جائرا في منع ذلك، وهذا الرجل أخبر أنه بنعمته ورحمته اهتدى ما اهتدى، وأنه لو لم يكن منه إليه نعمة، لكان من المحضرين فيها، فهو أعرف بربه من المعتزلة، وكذلك الشيطان وجميع الكفرة أعرف بنعمة ربهم من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ  ﴾ ، ﴿ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ  ﴾ ومثله كثير في القرآن: أنهم جميعاً رأوا الهداية لهم من الله نعمة ورحمة ولم يعط الكفرة ذلك، والمعتزلة يقولون: بل هدى كل كافر ومشرك لكنه لم يهتد، وأهل الجنة قالوا أيضاً: ﴿ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ  ﴾ ، وقالوا: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا  ﴾ ، ومثله كثير في القرآن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ على الإيجاب والإلزام، ليس على الاستفهام، وسؤال بعضهم بعضاً: ألا نموت فيها ولا نعذب، وإذ لم نمت ولم نعذب فيها، فإذن كان ذلك فوزاً عظيماً؛ ولذلك ذكر أبو معاذ عن الكسائي: أن هذا استفهام تعيين وفي القرآن كثير مثله، وقال: قد يكون الاستفهام على التعجيب، ويكون على التعيين، ويكون على الجهالة، ويكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ ﴾ أي: بعد موتتنا الأولى؛ لأنه بعد إذاقتهم الموتة الأولى؛ فإنهم لا يذوقون ثانياً.

وقوله: ﴿ لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ ﴾ .

أي: لمثل هذه العاقبة التي أعطينا نحن وظفرنا بها، فليعمل العاملون، لا لمثل ما فيه صاحبه الذي في النار.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأقبل بعض أهل الجنة على بعض يتساءلون عن ماضيهم وما حدث لهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.G31XW"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر