الآية ٦٩ من سورة الصافات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ٦٩ من سورة الصافات

إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ٦٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٩ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٦٩ من سورة الصافات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إنهم ألفوا آباءهم ضالين ) أي : إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك ، من غير دليل ولا برهان ; ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ) يقول: إن هؤلاء المشركين الذين إذا قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله يستكبرون، وجدوا آباءهم ضلالا عن قصد السبيل، غير سالكين مَحَجَّة الحق.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكأنه قيل: ما الذي أوصلهم إلى هذه الدار؟

فقال: { إِنَّهُمْ أَلْفَوْا } أي: وجدوا { آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ{

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" إنهم ألفوا " وجدوا، " آباءهم ضالين "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنهم ألفوْا» وجدوا «آباءهم ضالين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنهم وجدوا آباءهم على الشرك والضلال، فسارعوا إلى متابعتهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السيئ فقال - تعالى - : ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ .

فَهُمْ على آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ )وقوله : ( أَلْفَوْاْ ) من الإِلْفِ للشئ بمعنى التعود عليه بعد وجوده وحصوله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال بعد ذكر أهل الجنة ووصفها ﴿ لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون  ﴾ أتبعه بقوله: ﴿ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم ﴾ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يورد ذلك على كفار قومه ليصير ذلك زاجراً لهم عن الكفر، وكما وصف من قبل مآكل أهل الجنة ومشاربهم وصف أيضاً في هذه الآية مآكل أهل النار ومشاربهم.

أما قوله: ﴿ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم ﴾ فالمعنى أن الرزق المعلوم المذكور لأهل الجنة ﴿ خَيْرٌ نُّزُلاً ﴾ أي خير حاصلاً ﴿ أَمْ شَجَرَةُ الزقوم ﴾ وأصل النزل الفضل الواسع في الطعام يقال طعام كثير النزل، فاستعير للحاصل من الشيء، ويقال أرسل الأمير إلى فلان نزلاً وهو الشيء الذي يصلح حال من ينزل بسببه، إذا عرفت هذا فنقول حاصل الرزق المعلوم لأهل الجنة اللذة والسرور، وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم، ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في الخيرية إلا أنه جاء هذا الكلام، إما على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن المؤمنين لما اختاروا ما أوصلهم إلى الرزق الكريم، والكافرين اختاروا ما أوصلهم إلى العذاب الأليم فقيل لهم ذلك توبيخاً لهم على سوء اختيارهم، وأما ﴿ الزقوم ﴾ فقال الواحدي رحمه الله لم يذكر المفسرون.

للزقوم تفسيراً إلا الكلبي فإنه روي أنه لما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعري أكثر الله في بيوتكم الزقوم، فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد بالزقوم، فقال أبو جهل لجاريته زقمينا فأتته بزبد وتمر، وقال: تزقموا.

ثم قال الواحدي ومعلوم أن الله تعالى لم يرد بالزقوم هاهنا الزبد والتمر، قال ابن دريد لم يكن للزقوم اشتقاق من التزقم وهو الإفراط من أكل الشيء حتى يكره ذلك يقال بات فلان يتزقم.

وظاهر لفظ القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعام منتنة الرائحة شديدة الخشونة موصوفة بصفات كل من تناولها عظم من تناولها، ثم إنه تعالى يكره أهل النار على تناول بعض أجزائها.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّا جعلناها فِتْنَةً للظالمين ﴾ ففيه أقوال: الأول: أنها إنما صارت فتنة للظالمين، من حيث إن الكفار لما سمعوا هذه الآية، قالوا: كيف يعقل أن تنبت الشجرة في جهنم مع أن النار تحرق الشجرة؟

والجواب عنه أن خالق النار قادر على أن يمنع النار من إحراق الشجر، ولأنه إذا جاز أن يكون في النار زبانية والله تعالى يمنع النار عن إحراقهم فلم لا يجوز مثله في هذه الشجرة؟

إذا عرفت هذا السؤال والجواب فمعنى كون شجرة الزقوم فتنة للظالمين هو أنهم لما سمعوا هذه الآية وقعت تلك الشبهة في قلوبهم وصارت تلك الشبهة سبباً لتماديهم في الكفر فهذا هو المراد من كونها فتنة لهم والوجه الثاني: في التفسير أن يكون المراد صيرورة هذه الشجرة فتنة لهم في النار لأنهم إذا كلفوا تناولها وشق ذلك عليهم، فحينئذ يصير ذلك فتنة في حقهم الوجه الثالث: أن يكون المراد من الفتنة الامتحان والاختبار، فإن هذا شيء بعيد عن العرف والعادة مخالف للمألوف والمعروف، فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن والنبوة.

ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الشجرة وصفها بصفات الصفة الأولى: قوله إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم قيل منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها الصفة الثانية: قوله: ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ الشياطين ﴾ قال صاحب الكشاف: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها، إما استعارة لفظية أو معنوية، وقال ابن قتيبة سمي (طلعاً) لطلوعه كل سنة، ولذلك قيل طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره، وأما تشبيه هذا الطلع برؤوس الشياطين ففيه سؤال، لأنه قيل إنا ما رأينا رؤوس الشياطين فكيف يمكن تشبيه شيء بها؟

وأجابوا عنه من وجوه: الأول: وهو الصحيح أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح والتشويه في الصورة والسيرة، فكما حسن التشبيه بالملك عند إرادة تقرير الكمال والفضيلة في قوله: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ  ﴾ فكذلك وجب أن يحسن التشبيه برؤوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة، والحاصل أن هذا من باب التشبيه لا بالمحسوس بل بالمتخيل، كأنه قيل إن أقبح الأشياء في الوهم والخيال هو رؤوس الشياطين فهذه الشجرة تشبهها في قبح النظر وتشويه الصورة، والذي يؤكد هذا أن العقلاء إذا رأوا شيئاً شديد الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة، قالوا إنه شيطان، وإذا رأوا شيئاً حسن الصورة والسيرة، قالوا إنه ملك، وقال امرؤ القيس: أتقتلني والمشرفي مضاجعي *** ومسنونة زرق كأنياب أغوال والقول الثاني: أن الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف، وهي من أقبح الحيات، وبها يضرب المثل في القبح، والعرب إذا رأت منظراً قبيحاً قالت: كأنه شيطان الحماطة، والحماطة شجرة معينة والقول الثالث: أن رؤوس الشياطين، نبت معروف قبيح الرأس، والوجه الأول هو الجواب الحق، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الشجرة وذكر صفتها بين أن الكفار ﴿ لاَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون ﴾ واعلم أن إقدامهم على ذلك الأكل يحتمل وجهين: الأول: أنهم أكلوا منها لشدة الجوع، فإن قيل وكيف يأكلونها مع نهاية خشونتها ونتنها ومرارة طعمها؟

قلنا: إن الواقع في الضرر العظيم ربما استروح منه إلى ما يقاربه في الضرر، فإذا جوعهم الله الجوع الشديد فزعوا في إزالة ذلك الجوع إلى تناول هذا الشيء وإن كان بالصفة التي ذكرتموها الوجه الثاني: أن يقال الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة تكميلاً لعذابهم.

واعلم أنهم إذا شبعوا فحينئذ يشتد عطشهم ويحتاجون إلى الشراب، فعند هذا وصف الله شرابهم، فقال: ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ﴾ قال الزجاج: الشوب اسم عام في كل ما خلط بغيره، والحميم الماء الحار المتناهي في الحرارة، والمعنى أنه إذا غلبهم ذلك العطش الشديد سقوا من ذلك الحميم، فيحنئذ يشوب الزقوم بالحميم نعوذ بالله منهما.

واعلم أن الله وصف شرابهم في القرآن بأشياء منها كونه غساقاً، ومنها قوله: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ  ﴾ ومنها ما ذكره في هذه الآية، فإن قيل ما الفائدة في كلمة ﴿ ثُمَّ ﴾ في قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ﴾ ؟

قلنا فيه وجهان الأول: أنهم يملأون بطونهم من شجرة الزقوم وهو حار يحرق بطونهم فيعظم عشطهم، ثم إنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة والغرض تكميل التعذيب، والثاني: أنه تعالى ذكر الطعام بتلك البشاعة والكراهة، ثم وصف الشراب بما هو أبشع منه، فكان المقصود من كلمة ثم بيان أن حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول، ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الجحيم ﴾ قال مقاتل: أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم، وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم، وذلك بأن يكون الحميم من موضع خارج عن الجحيم، فهم يوردون الحميم لأجل الشرب كما تورد الإبل إلى الماء، ثم يوردون إلى الجحيم، فهذا قول مقاتل، واحتج على صحته بقوله تعالى: ﴿ هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ  يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ  ﴾ وذلك يدل على صحة ما ذكرناه، ثم إنه تعالى لما وصف عذابهم في أكلهم وشربهم قال: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءابَاءهُمْ ضَالّينَ * فَهُمْ على ءاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ قال الفراء: الإهراع الإسراع يقال هرع وأهرع إذا استحث، والمعنى أنهم يتبعون آباءهم اتباعاً في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم، والمقصود من الآية أنه تعالى علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين وترك اتباع الدليل، ولو لم يوجد في القرآن آية غير هذه الآية في ذم التقليد لكفى.

ثم إنه تعالى ذكر لرسوله ما يوجب التسلية له في كفرهم وتكذيبهم، فقال: ﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأولين * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ ﴾ فبين تعالى أن إرساله للرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف، ويجب أن يكون له صلى الله عليه وسلم أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا، ويستمر على الدعاء إلى الله وإن تمردوا، فليس عليه إلا البلاغ.

ثم قال تعالى: ﴿ فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين ﴾ وهذا وإن كان في الظاهر خطاباً مع الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن المقصود منه خطاب الكفار لأنهم سمعوا بالأخبار جميع ما جرى من أنواع العذاب على قوم نوح وعلى عاد وثمود وغيرهم، فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوف يصلح أن يكون زاجراً لهم عن كفرهم.

وقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين ﴾ فيه قولان أحدهما: أنه استثناء من قوله: ﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأولين ﴾ والثاني: أنه استثناء من قوله: ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين  ﴾ فإنها كانت أقبح العواقب وأفظعها إلا عاقبة عباد الله المخلصين، فإنها كانت مقرونة بالخير والراحة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تمت قصة المؤمن وقرينه، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال: ﴿ أذلك ﴾ الرزق ﴿ خَيْرٌ نُّزُلاً ﴾ أي خير حاصلاً ﴿ أَمْ شَجَرَةُ الزقوم ﴾ وأصل النزل: الفضل والريع في الطعام، يقال: طعام كثير النزل، فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم: اللذة والسرور، وحاصل شجرة الزقوم: الألم والغمّ، وانتصاب نزلاً على التمييز، ولك أن تجعله حالاً، كما تقول: أثمر النخلة خير بلحاً أم رطباً؟

يعني أنّ الرزق المعلوم نزل أهل الجنة.

وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير في كونه نزلاً.

والنزل: ما يقام للنازل بالمكان من الرزق.

ومنه أنزال الجند لأرزاقهم، كما يقال لما يقام لساكن الدار: السكن.

ومعنى الأوّل: أَنّ للرزق المعلوم نزلاً، ولشجر الزقوم نزلاً، فأيهما خير نزلاً.

ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم واختار الكافرون ما أدى إلى شجرة الزقوم قيل لهم ذلك توبيخاً على سوء اختيارهم ﴿ فِتْنَةً للظالمين ﴾ محنة وعذاباً لهم في الآخرة.

أو ابتلاء لهم في الدنيا، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر، فكذبوا.

وقرئ: ﴿ نابتة ﴾ ﴿ فِى أَصْلِ الجحيم ﴾ قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها: والطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها: إما استعارة لفظية، أو معنوية، وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهية وقبح المنظر؛ لأنّ الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، لاعتقادهم أنه شرّ محض لا يخلطه خير، فيقولون في القبيح الصورة: كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان، وإذا صوّره المصورون: جاؤا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله؛ كما أنهم اعتقدوا في المَلَكِ أنه خير محض لا شرّ فيه، فشبهوا به الصورة الحسنة.

قال الله تعالى: ﴿ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ [يوسف: 31] وهذا تشبيه تخييلي.

وقيل: الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جداً.

وقيل: إنّ شجراً يقال له الأستن خشناً منتناً مراً منكر الصورة، يسمى ثمره: رؤوس الشياطين.

وما سمت العرب هذا الثمر رؤوس الشياطين إلاّ قصداً إلى أحد التشبيهين، ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلاً ثالثاً يشبه به ﴿ مِنْهَا ﴾ من الشجرة، أي من طلعها ﴿ فَمَالِئُونَ ﴾ بطونهم، لما يغلبهم من الجوع الشديد، أو يقسرون على أكلها وإن كرهوها، ليكون باباً من العذاب؛ فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شراباً من غساق أو صديد، شوبه: أي مزاجه ﴿ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم، كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ وَمِزَاجُهُ مِن تسنيم ﴾ [المطففين: 27] وقرئ: ﴿ لشوبا ﴾ بالضم، وهو اسم ما يشاب به، والأوّل تسمية بالمصدر.

فإن قلت: ما معنى حرف التراخي في قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً ﴾ وفي قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ ﴾ ؟

قلت: في الأوّل وجهان، أحدهما: أنهم يملؤن البطون من شجرة الزقوم، وهو حارّ يحرق بطونهم ويعطشهم، فلا يسقون إلا بعد ما ملئ تعذيباً بذلك العطش، ثم يسقون ما هو أحرّ وهو الشراب المشوب بالحميم.

والثاني: أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة، ثم ذكر الشراب بما هو أكره وأبشع، فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه.

ومعنى الثاني: أنهم يذهب بهم عن مقارّهم ومنازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون إلى أن يتملؤا، ويسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى التر اخي في ذلك بين، وقرئ: ﴿ ثم إن منقلبهم ﴾ ثم إن مصيرهم، ثم إن منفذهم إلى الجحيم: علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين، واتباعهم إياهم على الضلال، وترك اتباع الدليل، والإهراع: الإسراع الشديد، كأنهم يحثون حثاً.

وقيل: إسراع فيه شبه بالرعدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ ﴾ ﴿ فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ تِلْكَ الشَّدائِدَ بِتَقْلِيدِ الآباءِ في الضَّلالِ، والإهْراعُ: الإسْراعُ الشَّدِيدُ كَأنَّهم يُزْعَجُونَ عَلى الإسْراعِ عَلى ( آثارِهِمْ )، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم بادَرُوا إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى نَظَرٍ وبَحْثٍ.

﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ ﴾ قَبْلَ قَوْمِكَ.

﴿ أكْثَرُ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ أنْبِياءَ أنْذَرُوهم مِنَ العَواقِبِ.

﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ ﴾ مِنَ الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ.

﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ إلّا الَّذِينَ تَنَبَّهُوا بِإنْذارِهِمْ فَأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِدِينِهِ والخِطابِ مَعَ الرَّسُولِ  ، والمَقْصُودُ خِطابُ قَوْمِهِ فَإنَّهم أيْضًا سَمِعُوا أخْبارَهم ورَأوْا آثارَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)

{إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يُهْرَعُونَ} علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد بتقليد الآباء في الدين واتباعهم إياهم في الضلال وترك اتباع الدليل والإهراع: الإسراع الشديد كأنهم يحثون حثاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ ﴾ ﴿ فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ العَذابِ بِتَقْلِيدِ الآباءِ في أُصُولِ الدِّينِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم ولا لِآبائِهِمْ شَيْءٌ يُتَمَسَّكُ بِهِ أصْلًا، أيْ وجَدُوهم ضالِّينَ في نَفْسِ الأمْرِ لَيْسَ لَهم ما يَصْلُحُ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ صَلاحِيَّةِ كَوْنِهِ دَلِيلًا، فَهم مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا أنَّهم عَلى الحَقِّ أوَّلًا مَعَ ظُهُورِ كَوْنِهِمْ عَلى الباطِلِ بِأدْنى تَأمُّلٍ، والإهْراعُ الإسْراعُ الشَّدِيدُ، وقِيلَ: هو إسْراعُ فِيهِ شِبْهُ رِعْدَةٍ.

وفِي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ في الإسْراعِ عَلى آثارِهِمْ كَأنَّهم يُزْعِجُونَ ويُحَثُّونَ حَثًّا عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي يعني: لولا ما أنعم الله عليَّ بالإسلام لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ معك في النار ثم أقبل المؤمن على أصحابه في الجنة فقال: يا أهل الجنة أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به النفي.

يعني: لا نموت أبداً سوى موتتنا الأولى.

وذلك حين يذبح الموت، فيأمنوا من الموت وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ يعني: لم نكن من المعذبين مثل أهل النار.

قال الله عزّ وجلّ: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني: النجاة الوافرة، فازوا بالجنة، ونجوا من النار لِمِثْلِ هذا يعني: لمثل هذا الثواب، والنعم، والخلود، فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ أي فليبادر المبادرون.

ويقال: فليجتهد المجتهدون.

ويقال: فليحتمل المحتملون الأذى، لأنه قد حفّت الجنة بالمكاره أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا يعني: الذي وصفت في الجنة خير ثواباً.

ويقال رزقاً.

ويقال: منزلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ للكافرين إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ يعني: ذكر الشجرة بلاء للمشركين.

قال قتادة: زادتهم تكذيباً، فقالوا: يخبركم محمد أن في النار شجرة، والنار تحرق الشجر.

وقال مجاهد: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً قول أبي جهل: إنما الزقوم التمر، والزبد.

فقال لجاريته: زقمينا فزقمته.

وذكر أن ابن الزبعري قال: الزقوم بلسان البربر، وإفريقيا التمر والزبد.

فأخبر الله تعالى عن الزقوم أنه لا يشبه النخل، ولا طلعها كطلع النخل، فقال: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا يعني: نعيم الجنة، وما فيها من اللذات خَيْرٌ نُزُلًا أي: طعاماً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ لأهل النار.

قوله عز وجل: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ثم وصف الشجرة فقال: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ يعني: في وسط الجحيم طَلْعُها يعني: ثمرتها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ يعني: رؤوس الحيات، قبيح في النظر.

ويقال: هو نبت لا يكون شيء من النبات أقبح منه، وهو يشبه الحسك، فيبقى في الحلق.

ويقال: هي رؤوس الشياطين بعينها، وذلك أن العرب إذا وصفت الشيء بالقبح، تقول: كأنه شيطان.

ثم وصف أكلهم فقال: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها يعني: من ثمرها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ وهو جماعة المالئ.

يعني: يملؤون منها البطون.

قال: حدّثنا أبو الليث- رحمه الله- قال: حدثنا الفقيه أبو جعفر.

قال: حدّثنا محمد بن عقيل.

قال: حدّثنا عباس الدوري.

قال: حدّثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله  : «أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا الله وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ.

فَلَوْ أنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَتْ فِي الأرْضِ، لأَمَرَّتْ عَلَى أهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ، فَكيْفَ بِمَنْ هُوَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ مِنْهُ لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرُهُ» .

قوله عز وجل: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ يعني: خلطاً من حميم من ماء حار في جهنم ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ يعني: مصيرهم إلى النار.

ثم بيّن المعنى الذي به يستوجبون العقوبة فقال تعالى: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا يعني: وجدوا آباءَهُمْ ضالِّينَ عن الهدى فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ يعني: يسعون في مثل أعمال آبائهم، والإهراع في اللغة المشي بين المشيتين.

وقال مجاهد: كهيئة الهرولة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مخاطبةً لقرينِه على جهة التوبيخ، كأنَّه يقول: أين الذي كنتَ تقولُ من أنَّا نموتُ وَلَيْسَ بَعْدَ الموتِ عِقَابٌ ولا عَذَابٌ، ويكونُ قولُه تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إلى قوله:

الْعامِلُونَ يحتمل أنْ يَكُونَ من خِطَابِ المُؤْمِنِ لقرينهِ وإليه ذَهَبَ قتادة «١» ، ويحتملُ أنْ يَكُونَ من خِطَابِ اللَّه- تعالى- لمحمَّد ع وأُمَّتِه، ويُقَوِّي هذَا قَوْلُهُ: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ وهُوَ حَضٌّ عَلى العَمَلِ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بدار عمل.

أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)

وقولُهُ تعالى: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ المرادُ بالآية: تقريرُ قريشٍ والكفارِ، قال ع «٢» : وفي بعض البلادِ الجَدْبَةِ المجاورةِ للصَّحَارَى- شجرةٌ مُرَّةٌ مَسْمُومَةٌ لَهَا لَبَنٌ، إنْ مَسَّ جِسْمَ أَحَدٍ تَوَرَّمَ وَمَاتَ مِنْهُ في أغلب الأمْرِ تُسَمَّى شجَرَةَ الزَّقُّومِ، والتَّزَقُّمُ في كَلاَمِ العَرَب: البَلْعُ عَلَى شِدَّةٍ وَجَهْدٍ.

وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ قال قتادة ومجاهد والسُّدِّيُّ: يريد أبا جهل ونظراءه «٣» ، وقد تقدم بيان ذلك.

وقوله تعالى: كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ اخْتَلَفَ في معناه فقالت فرقة: شَبَّهَ طَلْعَها بثَمَرِ شَجَرَةٍ مَعْرُوفَةٍ يقالُ لَها «رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ» ، وهي بناحِيَةِ اليَمَنِ، يقال لها: «الأَسْتَنُ» ، وقالت فرقة: شَبَّهَ برُؤُوسِ صِنْفٍ منَ الحيَّاتِ يُقَالُ لها «الشَّياطِين» ، وهي ذواتُ أعْرَافٍ، وقالت فرقة: شَبَّه بما اسْتَقَر في النُّفُوسِ مِنْ كَرَاهَةِ رؤوس الشياطين وقُبْحِهَا وإنْ كانَتْ لاَ تُرَى لأن الناسَ إذا وصفوا شَيْئاً بِغَايَةِ القُبْحِ قَالوا: كأنَّه شَيْطَانٌ ونَحوُ هذا قولُ امرئ القيس: [الطويل] .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ أذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ يُشِيرُ إلى ما وُصِفَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ﴿ نُزُلا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: رِزْقًا، ومِنهُ: إقامَةُ الإنْزالِ، وإنْزالُ الجُنُودِ: أرْزاقُها.

وقالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ هاهُنا: الرِّيْعُ والفَضْلُ، يُقالُ: هَذا طَعامٌ لَهُ نُزْلٌ ونُزُلٌ، بِتَسْكِينِ الزّايِ وضَمِّها؛ والمَعْنى: أذَلِكَ خَيْرٌ في بابِ الأنْزالِ الَّتِي تُتَقَوَّتُ ويُمْكِنُ مَعَها الإقامَةُ، أمْ نُزُلَ أهْلِ النّارِ؟!

وهو قَوْلُهُ: ﴿ أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴾ ؟

.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ في الدُّنْيا، أمْ لا؟

فَقالَ قُطْرُبٌ: هي شَجَرَةٌ مُرَّةٌ تَكُونُ بِأرْضِ تِهامَةِ مِن أخْبَثِ الشَّجَرِ.

وقالَ غَيْرُهُ: الزَّقُّومُ: ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ كَرِيهَةِ الطَّعْمِ.

وقِيلَ: إنَّها لا تُعْرَفُ في شَجَرِ الدُّنْيا، وإنَّما هي في النّارِ، يُكْرَهُ أهْلُ النّارِ عَلى تَناوُلِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي لِلْكافِرِينَ.

وفي المُرادِ بِالفِتْنَةِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّها في النّارِ، افْتَتَنُوا وكَذَّبُوا، فَقالُوا: كَيْفَ يَكُونُ فِي النّارِ شَجَرَةٌ، والنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ السُّدِّيُّ: فِتْنَةٌ لِأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ.

والثّانِي: أنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى العَذابِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ، اخْتُبِرُوا بِها فَكُذِّبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ: في قَعْرِ النّارِ.

قالَ الحَسَنُ: أصْلُها في قَعْرِ النّارِ، وأغْصانِها تَرْتَفِعُ إلى دَرْكاتِها.

﴿ طَلْعُها ﴾ أيْ: ثَمَرُها، وسُمِّي طَلْعًا، لِطُلُوعَةِ ﴿ كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ شَبَّهَها بِشَيْءٍ لَمْ يُشاهَدْ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ في النُّفُوسِ قُبْحُ الشَّياطِينِ -وَإنْ لَمْ تُشاهَدْ- فَجازَ تَشْبِيهُها بِما قَدْ عَلِمَ قُبْحَهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ قالَ الزَّجّاجُ: هو لَمْ يَرَ الغُولَ ولا أنْيابَها، ولَكِنَّ التَّمْثِيلَ بِما يُسْتَقْبَحُ أبْلَغُ في بابِ المُذَكّرِ أنْ يُمَثَّلَ بِالشَّياطِينِ، وفي بابِ المُؤَنَّثِ أنْ يُشَبَّهَ بِالغُولِ.

والثّانِي: أنَّ بَيْنَ مَكَّةَ واليَمَنَ شَجَرٌ يُسَمّى: رُؤُوسُ الشَّياطِينِ، فَشَبَّهَها بِها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِالشَّياطِينِ: حَيّاتٌ لَها رُؤُوسُ ولَها أعْرافٌ، شَبَّهَ طَلْعَها بِرُؤُوسِ الحَيّاتِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُسَمِّي بَعْضَ الحَيّاتِ شَيْطانًا، وهو حَيَّةٌ ذُو عُرْفٍ قَبِيحِ الوَجْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها ﴾ أيْ: مِن ثَمَرِها ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم يُكْرَهُونَ عَلى أكْلِها حَتّى تَمْتَلِئَ بُطُونُهم.

﴿ ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: خَلْطا مِنَ الماءِ الحارِّ يَشْرَبُونَهُ عَلَيْها.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِغَيْرِهِ فَهو مَشُوبٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا أكَلُوا الزَّقُّومَ ثُمَّ شَرِبُوا عَلَيْهِ الحَمِيمَ، شابَ الحَمِيمُ الزَّقُّومَ في بُطُونِهِمْ فَصارَ شَوْبًا لَهُ.

﴿ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ أكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ ﴿ لإلى الجَحِيمِ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الحَمِيمَ خارِجُ الجَحِيمِ، فَهم يُورِدُونَهُ كَما تُورَدُ الإبِلُ الماءَ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى الجَحِيمِ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ  ﴾ .

و ﴿ ألْفَوْا ﴾ بِمَعْنى وجَدُوا.

و ﴿ يُهْرَعُونَ ﴾ مَشْرُوحٌ في [هُودَ: ٧٨]، والمَعْنى أنَّهم يَتَّبِعُونَ آَباءَهم في سُرْعَةٍ.

﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ ﴾ أيْ: قَبْلَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ ﴿ أكْثَرُ الأوَّلِينَ ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ يُعْنى المُوَحِّدِينَ، فَإنَّهم نَجَوْا مِنَ العَذابِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وإنَّما حَسُنَ الِاسْتِثْناءُ، لِأنَّ المَعْنى: فانْظُرْ كَيْفَ أهْلَكْنا المُنْذِرِينَ إلّا عِبادَ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَقُّومِ ﴾ ﴿ إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ ﴾ ﴿ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَياطِينِ ﴾ ﴿ فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ ﴾ ﴿ إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ ﴾ ﴿ فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ الألِفُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أذَلِكَ" ﴾ لِلتَّقْرِيرِ، والمُرادُ تَقْرِيرُ قُرَيْشٍ والكُفّارِ، وجاءَ ﴿ خَيْرٌ نُزُلا ﴾ بِلَفْظَةِ التَفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا اشْتِراكَ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ تَقْرِيرًا، والِاحْتِجاجُ يَقْتَضِي أنْ يُوقِفَ المُتَكَلِّمُ خَصْمَهُ عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما فاسِدٌ، ويَحْمِلَهُ بِالتَقْرِيرِ عَلى اخْتِيارِ أحَدِهِما، ولَوْ كانَ الكَلامُ خَبَرًا لَمْ يَجُزْ ولا أفادَ أنْ يَقُولَ: الجَنَّةُ خَيْرٌ مِن شَجَرَةِ الزَقُّومِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ فَهَذا عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنَّ لَهم مُسْتَقَرًّا خَيْرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ إيعابُ هَذا المَعْنى.

وفي بَعْضِ البِلادِ الجَدْبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحارى شَجَرَةٌ مُرَّةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ إنْ مَسَّ جِسْمَ أحَدٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبَ الأمْرُ، تُسَمّى شَجَرَةَ الزَقُّومِ، والتَزَقُّمُ في كَلامِ العَرَبِ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ ونُظَراءَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ الكُفّارُ: وكَيْفَ يُخْبِرُ مُحَمَّدٌ عَنِ النارِ أنَّها تُنْبِتُ الأشْجارَ وهي تَأْكُلُها وتُذْهِبُها؟

فَفَتَنُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم وجَهَلَةً مِن أتْباعِهِمْ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّما الزَقُّومُ التَمْرُ بِالزُبْدِ، ونَحْنُ نَتَزَقَّمُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي أصْلِ الجَحِيمِ ﴾ مَعْناهُ مُلاصِقٌ نِهاياتِها الَّتِي لَها كالجُدْرانِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [إنَّها شَجَرَةٌ ثابِتَةٌ في أصْلِ الجَحِيمِ].

وقَوْلُهُ: ﴿ كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَياطِينِ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: شُبِّهَ بِثَمَرِ شَجَرَةٍ مَعْرُوفَةٍ يُقالُ لَها: رُؤُوسُ الشَياطِينِ، وهي بِناحِيَةِ اليَمَنِ، يُقالُ لَها: أسْتَنٌ، وهي الَّتِي ذَكَرَ النابِغَةُ في قَوْلِهِ: مِن أسْتَنٍ سُودٍ أسافِلُهُ ويُقالُ: إنَّهُ الشَجَرُ الَّذِي يُقالُ لَهُ: الصَوْمُ، وهو الَّذِي يَعْنِي ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ في قَوْلِهِ: مُوَكَّلٌ بِشُدُوفِ الصَوْمِ يَرْقُبُها ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ المَعازِبِ مَخْطُوفُ الحَشا زَرِمُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: شُبِّهَ بِرُؤُوسِ صِنْفٍ مِنَ الحَيّاتِ يُقالُ لَهُ: الشَياطِينُ، وهي ذَواتُ أعْرافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عنجَرِدٌ تَحْلِفُ حِينَ أحْلِفُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَمِثْلِ شَيْطانِ الحَماطِ أعْرَفُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: شُبِّهَ بِما اسْتَقَرَّ في النُفُوسِ مِن كَراهَةِ رُؤُسِ الشَياطِينِ وقُبْحِها وإنْ كانَتْ لَمْ تُرَ، وهَذا كَما تَقُولُ لِلْأشْعَثِ المُنْتَفِشِ الشَعْرِ الكَرِيهِ المَنظَرِ: هَذا وجْهُ شَيْطانٍ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ الكَنَدِيِّ: أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ∗∗∗ ∗∗∗ ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ فَإنَّما شَبَّهَ بِما اسْتَقَرَّ في النُفُوسِ مِن هَيْئَتِها.

و"الشَوْبُ": المِزاجُ والخَلْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

وقَرَأ شَيْبانُ النَحْوِيُّ بِضَمِّ الشِينِ، قالَ الزَجّاجُ: فَتْحُ الشِينِ المَصْدَرُ وضَمُّها الِاسْمُ.

و"الحَمِيمُ": السُخْنُ جِدًّا مِنَ الماءِ ونَحْوِهُ، فَيُرِيدُ بِهِ هاهُنا شَرابَهُمُ الَّذِي هو طِينَةُ الخَبالِ صَدِيدُهم وما يَنْماعُ مِنهُمْ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَهُمُ انْتِقالُ أجْسادٍ في وقْتِ الأكْلِ والشُرْبِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مُعْظَمِ الجَحِيمِ، ذَكَرَهُ الرُمّانِيُّ، وشُبِّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرُجُوعُ إنَّما هو مِن حالِ ذَلِكَ الأكْلِ المُعَذِّبِ إلى حالِ الِاحْتِراقِ دُونَ أكْلٍ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قِيلَ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [وَأنَّ مُنْقَلَبَهم لَإلى الجَحِيمِ]، وفي كِتابِ أبِي حاتِمٍ عنهُ: "مَقِيلَهُمْ"، مِنَ القائِلَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم ألْفَوْا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، و"يُهْرَعُونَ"، قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ كَأنَّهم يُساقُونَ بِعَجَلَةٍ، وهَذا تَكَسُّبُهم لِلْكُفْرِ وحِرْصُهم عَلَيْهِ، والإهْراعُ: سَيْرٌ شَدِيدٌ، قالَ مُجاهِدٌ، كَهَيْئَةِ الهَرْوَلَةِ فِيهِ شِبْهُ رَعْدَةٍ، وكَأنَّهُ أيْضًا شِبْهُ سَيْرِ الفازِعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تعليل لِما جازاهم الله به من العذاب وإبداء للمناسبة بينه وبين جُرمهم، فإن جرمهم كان تلقياً لما وجدوا عليه آباءهم من الشرك وشُعَبه بدون نظر ولا اختيار لما يختاره العاقل، فكان من جزائهم على ذلك أنهم يطعمون طعاماً مؤلماً ويسقَون شراباً قذِراً بدون اختيار كما تلَقوا دين آبائهم تقليداً واعتباطاً.

فموقع (إنَّ) موقع فاء السببية، ومعناها معنى لام التعليل، وهي لذلك مفيدة ربط الجملة بالتي قبلها كما تربطها الفاء ولام التعليل كما تقدم غير مرة.

والمراد: المشركون من أهل مكة الذين قالوا: ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة ﴾ [الزخرف: 22].

وفي قوله: ﴿ ألْفَوا ءَابَآءَهُم ضَالِينَ ﴾ إيماء إلى أن ضلالهم لا يخفى عن الناظر فيه لو تُركوا على الفطرة العقلية ولم يغشَوها بغشاوة العناد.

والفاء الداخلة على جملة ﴿ فهم على آثارِهِم يُهرعُون ﴾ فاء العطف للتفريع والتسبب، أي متفرّع على إلفائهم آباءهم ضالّين أنْ اقتفوا آثارهم تقليداً بلا تأمل، وهذا ذَمّ لهم.

والآثار: ما تتركه خُطَى الماشِين من مَوطئ الأقدام فيَعلم السائر بعدَهم أن مواقعها مسلوكة موصلة إلى معمور، فمعنى {على الاستعلاء التقريبي، وهو معنى المعية لأنهم يسيرون معها ولا يلزم أن يكونوا مُعْتَلِين عليها.

و يُهْرَعُونَ} بفتح الراء مبنيّاً للمجهول مضارع: أهرعه، إذا جعله هارعاً، أي حمله على الهرع وهو الإِسراع المفرط في السير، عبر به عن المتابعة دون تأمل، فشبه قبولُ الاعتقاد بدون تأمل بمتابعة السائر متابعة سريعة لقصد الالتحاق به.

وأسند إلى المجهول للدلالة على أن ذلك ناشئ عن تلقين زعمائهم وتعاليم المضلّلين، فكأنهم مدفوعون إلى الهرع في آثار آبائهم فيحصل من قوله: ﴿ يُهْرَعُونَ ﴾ تشبيه حال الكفرة بحال من يُزْجَى ويدفع إلى السير وهو لا يعلم إلى أين يُسار به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ﴾ والنُّزُلُ العَطاءُ الوافِرُ ومِنهُ إقامَةُ الإنْزالِ، وقِيلَ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ والعَسْكَرِ.

وَشَجَرَةُ الزَّقُّومِ هي شَجَرَةٌ في النّارِ يَقْتاتُها أهْلُ النّارِ، مُرَّةُ الثَّمَرِ خَشِنَةُ اللَّمْسِ مُنْتِنَةُ الرِّيحِ.

واخْتُلِفَ فِيها هَلْ هي مِن شَجَرِ الدُّنْيا الَّتِي يَعْرِفُها العَرَبُ أوْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَعْرُوفَةٌ مِن شَجَرِ الدُّنْيا، ومَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا فِيها فَقالَ قُطْرُبٌ: إنَّها شَجَرَةٌ مُرَّةٌ تَكُونُ بِتِهامَةَ مِن أخْبَثِ الشَّجَرِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ كُلُّ نَباتٍ قاتِلٍ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّها لا تُعْرَفُ في شَجَرِ الدُّنْيا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَجَرَةِ الزَّقُّومِ قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: ما نَعْرِفُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ، فَقالَ ابْنُ الزَّبْعَرِي: الزَّقُّومُ بِكَلامِ البَرْبَرِ: الزُّبْدُ والتَّمْرُ فَقالَ أبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: يا جارِيَةُ ابْغِينا تَمْرًا وزُبْدًا ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ تَزَقَّمُوا هَذا الَّذِي يُخَوِّفُنا بِهِ مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّ النّارَ تُنْبِتُ الشَّجَرَ، والنّارُ تَحْرِقُ الشَّجَرَ.

﴿ إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ وهَذا قَوْلُ أبِي جَهْلٍ إنَّما الزَّقُّومُ التَّمْرُ والزُّبْدُ أتَزَقَّمُهُ فَكانَ هَذا هو الفِتْنَةُ لِلظّالِمِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ شِدَّةَ عَذابِهِمْ بِها هي الفِتْنَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ ﴾ فَكانَ المَقْصُودُ بِهَذا الذِّكْرِ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: وصْفُها لَهم لِاخْتِلافِهِمْ فِيها.

الثّانِي: لِيُعْلِمَهم جَوازَ بَقائِها في النّارِ لِأنَّها تَنْبُتُ مِنَ النّارِ.

قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: وبَلَغَنِي أنَّها في البابِ السّادِسِ وأنَّها تَحْيا بِلَهَبِ النّارِ كَما يَحْيا شَجَرُكم بِبَرْدِ الماءِ.

﴿ طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ ﴾ يَعْنِي بِالطَّلْعِ الثَّمَرَ، فَإنْ قِيلَ فَكَيْفَ شَبَّهَها بِرُؤُوسِ الشَّياطِينِ وهم ما رَأوْها ولا عَرَفُوها؟

قِيلَ: عَنْ هَذا أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ قُبْحَ صُورَتِها مُسْتَقِرٌّ في النُّفُوسِ، وإنْ لَمْ تُشاهَدْ فَجازَ أنْ يَنْسِبَها بِذَلِكَ لِاسْتِقْرارِ قُبْحِها في نُفُوسِهِمْ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ فَشَبَّبَها بِأنْيابِ الأغْوالِ وإنْ لَمْ يَرَها النّاسُ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ رَأْسَ حَيَّةٍ تُسَمّى عِنْدَ العَرَبِ شَيْطانًا وهي قَبِيحَةُ الرَّأْسِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ شَجَرًا يَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ واليَمَنِ يُسَمّى رُؤُوسَ الشَّياطِينِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ ﴾ يَعْنِي لَمَزاجًا مِن حَمِيمٍ والحَمِيمُ الحارُّ الدّانِي مِنَ الإحْراقِ قالَ الشّاعِرُ: كَأنَّ الحَمِيمَ عَلى مَتْنِها ∗∗∗ إذا اغْتَرَفَتْهُ بِأطْساسِها ∗∗∗ جُمانٌ يَجُولُ عَلى فِضَّةٍ ∗∗∗ عَلَتْهُ حَدائِدُ دَوّاسِها وَمِنهُ سُمِّيَ القَرِيبُ حَمِيمًا لِقُرْبِهِ مِنَ القَلْبِ، وسُمِّيَ المَحْمُومَ لِقُرْبِ حَرارَتِهِ مِنَ الإحْراقِ، قالَ الشّاعِرُ: أحَمَّ اللَّهُ ذَلِكَ مِن لِقاءٍ ∗∗∗ آحادَ آحادَ في الشَّهْرِ الحَلالِ أيْ أدْناهُ فَيُمْزَجُ لَهُمُ الزَّقُّومُ بِالحَمِيمِ لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ مَرارَةِ الزَّقُّومِ وحَرارَةِ الحَمِيمِ تَغْلِيظًا لِعَذابِهِمْ وتَشْدِيدًا لِبَلاتِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِأنَّ مَأْواهم لَإلى الجَحِيمِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّ مُنْقَلَبِهِمْ لَإلى الجَحِيمِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: يَعْنِي أنَّ مَرْجِعَهم بَعْدَ أكْلِ الزَّقُّومِ إلى عَذابِ الجَحِيمِ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.

الرّابِعُ: أنَّهم فِيها كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَواضِعِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنهم ألفوا آباءهم ﴾ قال: وجدوا آباءهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنهم ألفوا آباءهم ﴾ قال: وجدوا آباءهم ﴿ ضالين، فهم على آثارهم يهرعون ﴾ أي مسرعين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنهم ألفوا آباءهم ضالين ﴾ قال: جاهلين ﴿ فهم على آثارهم يهرعون ﴾ قال: كهيئة الهرولة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ قال: كيف عذب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله.

وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا عباد الله المخلصين ﴾ قال: الذين استخلصهم الله سبحانه وتعالى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ﴾ قال مقاتل: وجدوا آباءهم ضالين عن الهدى.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ﴾ أي مزاجاً من ماء حار، فإن قيل: لم عطف هذه الجملة بثم، فالجواب من وجهين: أحدهما أنه لترتيب تلك الأحوال في الزمان، فالمعنى أنهم يملؤون البطون من شجرة الزقوم، وبعد ذلك يشربون الحميم والثاني أنه لترتيب مضاعفة العذاب، فالمعنى أن شربهم للحميم أشدّ مما ذكر قبله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والصافات صفاً ﴾ وما بعدهما مدغماً: حمزة وأبو عمرو غير عباس ﴿ بزينة ﴾ منوناً: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ الكواكب ﴾ بالنصب: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالجر ﴿ لا يسمعون ﴾ بتشديد السين والميم وأصله "يتسمعون": حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم.

﴿ بل عجبت ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالفتح على الخطاب ﴿ آيذا ﴾ بالمد والياء ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد.

الباقون: مثل التي في "الرعد" وأما الثانية فمثل التي في "الرعد" ﴿ أو آباؤنا ﴾ مثل ﴿ أو أمن أهل القرى  ﴾ وكذلك في "الواقعة" ﴿ لا تناصرون ﴾ بالتشديد البزي وابن فليح ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئنك ﴾ ﴿ أئفكا ﴾ مثل ﴿ ائنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ ينزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الآخرون: بفتح الزاي ﴿ لترديني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ صفا ﴾ ه لا ﴿ زجراً ﴾ ه لا ﴿ لواحد ﴾ ه ط ﴿ المشارق ﴾ ه ط ﴿ الكواكب ﴾ ه لا ﴿ مارد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي.

وعليه بحث يجيء في التفسير ﴿ واصب ﴾ ه لا ﴿ ثاقب ﴾ ه ج ﴿ خلقنا ﴾ ط ﴿ لازب ﴾ ه ﴿ ويسخرون ﴾ ه ص ﴿ لا يذكرون ﴾ ه ص ﴿ يستسخرون ﴾ ه ص ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأوّلون ﴾ ه ط ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ مسؤولون ﴾ ه لا لأن المسؤول عنه قوله ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ ه ﴿ مستسلمون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج ﴿ سلطان ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ لذائقون ﴾ ه ﴿ غاوين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ يستكبرون ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ط ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ الأليم ﴾ ه ج ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ فواكه ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ مكرمون ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ج ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ للشارين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ ينزفون ﴾ ه ﴿ عين ﴾ ط ﴿ مكنون ﴾ ج ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ المصدّقين ﴾ ه ﴿ لمدينون ﴾ ه ﴿ مطلعون ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ لتردين ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ بميتين ﴾ ه لا ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ الزقوم ﴾ ه ﴿ للظالمين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ البطون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ج ﴿ ضالين ﴾ ه لا للعطف مع اتصال المعنى ﴿ يهرعون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ المجيبون ﴾ ه ز ﴿ العظيم ﴾ ه ز ﴿ الباقين ﴾ ه ز ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله  ، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف.

قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، الا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأوصل الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟

وأيضاً الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير.

ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثاً لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة.

وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله  .

والصف ترتيب الشيء على نسق.

الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين.

قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفاً أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة.

والزجر سوق السحاب.

قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب.

وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم.

والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأبنياء.

والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية.

الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها.

أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً  ﴾ والزجرة والصيحة سواء.

والمراد رفع الصوت بزجر الخيل.

وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله.

يحكى عن علي بن أبي طالب  أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دماً فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء.

الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات.

وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر.

والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه.

ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: الصابح فالغانم فالآيب *** كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب.

مثاله المصلون يقفون أوّلاً صفوفاً ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة.

وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة؛ فالصافات الطير من قوله ﴿ والطير صافات  ﴾ والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله.

أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإِنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى.

وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه.

والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل.

ثم إنه  لو يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها.

وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ .

ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان.

والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة.

ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله  الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر.

وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع ﴿ الكواكب ﴾ بياناً للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة.

ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء.

ومن قرأ باتنوين ﴿ زينة ﴾ وجر ﴿ الكواكب ﴾ فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين ﴿ زينة ﴾ ونصب ﴿ الكواكب ﴾ فعلى أنه بدل من محل ﴿ بزينة ﴾ أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة.

قوله ﴿ وحفظاً ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين.

وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان زيناها بالكواكب.

وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم.

تقول: افعل ذلك كرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها حفظاً.

قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد  بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء في إصغائهم.

قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبحرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه.

وأيضاً إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟

وأيضاً مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟

والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضاً كالنادر.

فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان ناراً صرفاً، ولكن الناري غالب عليه.

ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله.

والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق.

والضمير في قوله ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان لأنه في معنى الجمع.

والتسمع تكلف السماع سمع أو لم سمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى.

وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي.

قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافاً لأن سائلاً لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟

فأجيب بأنهم لا يسمعون.

لم يستقم فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع.

قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفاً كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا.

ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم "أن" وأهدر عملها كما في قول القائل: ألا ايهذا الزاجري أحضر الوغى *** ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك "جئتك أن تكرمني" وحذف "أن" في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات.

قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضاً لا يصح إلا بتقدير اللام أو "من" مع "أن".

والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات.

وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة.

وعنه: الكتبة من الملائكة.

والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجراً.

وقوله ﴿ من كل جانب ﴾ أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب.

وقيل: من كل الجوانب.

﴿ دحوراً ﴾ أي طرداً مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل: يقذفون قذفاً أو يدحرون دحوراً.

ويجوز أن يكون مفعولاً له اي لأجل الدحور أو مصدراً في موضع الحال أي مدحورين كقوله ﴿ مذموماً مدحوراً  ﴾ ﴿ ولهم ﴾ أي للشياطين ﴿ عذاب واصب ﴾ دائم وقد مر في النحل في قوله ﴿ وله الدين واصباً  ﴾ يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع ﴿ إلا من خطف ﴾ في محل الرفع بدلاً من الواو في ﴿ لا يسمعون ﴾ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة.

وقيل: وثب وثبة.

وقيل: الاستثناء منقطع خبره ﴿ فأتبعه ﴾ أي أتبعه ورمى في أثره ﴿ شهاب ثاقب ﴾ مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا.

وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون.

وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك.

وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة.

وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية.

أما الطريق الأوّل فاشار إليه بقوله ﴿ فاستفتهم ﴾ أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم.

وقيل: اراد عاداً وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية.

والقول الأول اقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله ﴿ خلقنا ﴾ إكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون.

وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر.

وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن.

ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلاً للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلاً فلا يبقى ريب في قبولها ثانياً، وقادرية الله  باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها.

وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة.

ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال ﴿ بل عجبت ﴾ من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث ﴿ و ﴾ هم ﴿ يسخرون ﴾ من تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه.

ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء.

وقيل: هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء.

وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت.

سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله  غير منكر.

سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه  محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم  ﴾ .

عند من يرى أن العجب من الله.

وقد جاء في الحديث "يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة" .

وقال أيضاً: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته" .

والألّ التضرع.

ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون.

﴿ وإذا رأوا آية ﴾ بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات ﴿ يستسخرون ﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر.

فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث.

قوله ﴿ أو آباؤنا ﴾ من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم "أن"، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في ﴿ مبعوثون ﴾ وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا؟

يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد.

وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله  بقوله ﴿ قل نعم ﴾ تبعثون ﴿ وأنتم داخرون ﴾ صاغرون أذلاء.

وإذا كان كذلك ﴿ فإنما هي ﴾ أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره ﴿ زجرة ﴾ واحدة يعني صيحة النفخة الثانية ﴿ فإذا هم ينظرون ﴾ أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم.

﴿ وقالوا يا ويلنا ﴾ الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله ﴿ تكذبون ﴾ يقوله الكفرة فيما بينهم.

وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله ﴿ يا ويلنا ﴾ ثم قال الله أو الملائكة ﴿ هذا يوم الدين ﴾ الجزاء والحساب ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ القضاء والفرق بين المحسن والمسيء ﴿ احشروا الذين ظلموا ﴾ بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم.

وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث اي اجمعوهم ﴿ وأزواجهم ﴾ أي أشكالهم الذي على دينهم وسيرتهم؛ الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب.

وقيل: قرناءهم من الشياطين.

وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم.

﴿ وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ من الأصنام ﴿ فاهدوهم ﴾ ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم ﴿ إلى صراط الجحيم ﴾ وسطها أو طريقها لأنه قال بعد ذلك ﴿ وقفوهم ﴾ اي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكماً وتوبيخاً بالعجز عن التناصر ﴿ ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله.

وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة.

ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم ﴿ قالوا ﴾ لرؤسائهم ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعاً وعرفاً.

كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيآت، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح.

فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله.

قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير.

ثم صار قولك "أتاه عن اليمين" مجازاً في المعنى المذكور.

الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم.

الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم.

الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالباً أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال.

وكما أن الضمير في ﴿ قالوا ﴾ الأول كان عائداً إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في ﴿ قالوا ﴾ الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة.

والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا.

﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً ﴾ مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم  ﴾ ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ قال مقاتل: أراد قوله: ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقاً فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب.

قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال "إنكم لذائقون" ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ أي أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب أغوائنا فغوايتنا إن كانت بسب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضاً من الله كما مر في قوله ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ هذا تفسير أهل السنة.

وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة ﴿ فأغويناكم ﴾ فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فاردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا.

وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله ﴿ فإنهم ﴾ جميعاً ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ كما كانوا مشتركين في الغواية.

ولعل للمتبوعين عذاباً زائداً للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء ﴿ إنا كذلك ﴾ أي مثل ذلك الفعل ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم أي كافر بدليل قوله ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر "كان" وهو مع الاسم والخبر خبر "إن" وإن ألغيت "كان" فالخبر ﴿ يستكبرون ﴾ و"إذا" ظرفه.

﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ عنوا محمداً  بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعاً فردّ عليهم بقوله ﴿ بل جاء ﴾ متلبساً ﴿ بالحق وصدّق المرسلين ﴾ وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلاً ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال ﴿ وما تجوزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صوناً للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة اشبه.

والسنيّ يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل.

قال جار الله ﴿ إلا عباد الله ﴾ استثناء منقطع أي لكن عباد الله ﴿ المخلصين أولئك لهم رزق ﴾ قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف.

ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله ﴿ إنكم ﴾ للمكلفين جميعاً فيصح الاستثناء المتصل مطلقاً أي تذوقون العذاب الأليم.

قوله ﴿ معلوم ﴾ قيل: أي معلوم الوقت كقوله ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر.

وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم.

وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع.

ثم فسر ذلك الرزق بأنه ﴿ فواكه ﴾ فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة.

وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الطعام أولى بالحضور.

وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال ﴿ وهم مكرمون ﴾ إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.

وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال ﴿ في جنات النعيم على سرر متقابلين ﴾ وقد مر في "الحجر".

ثم وصف مشروبهم.

قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كاساً إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأساً.

عن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر *** وكذا في تفسير ابن عباس: والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء.

وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جارياً قاله ثعلب.

وقيل: "فعيل" من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه.

واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء.

وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن.

﴿ ولذة ﴾ إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث.

اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول.

يقال: غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وافسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي يسكرون.

وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر.

يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله.

والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء.

وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار.

والأوّلون حملوه على المبالغة.

ثم وصف منكوحهم بقوله ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله ﴿ عرباً  ﴾ والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين.

ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضاً يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور.

ثم عطف على قوله ﴿ يطاف ﴾ قوله قوله ﴿ فأقبل ﴾ وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله  في الأخبار.

ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار.

والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة.

قال بعضهم: وما بقيت من اللذات إلا *** أحاديث الكرام على المدام وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية ﴿ قال قائل منهم ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ إني كان لي قرين ﴾ جليس أو شريك في الدنيا ﴿ يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ أي بيوم الدين ﴿ أئنا لمدينون ﴾ لمجزيون من دان يدين إذا جزى.

وقيل: لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه الحديث "الكيس من دان نفسه" وعن بعضهم: أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين  ﴾ ﴿ قال ﴾ يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ إلى النار اي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها.

عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿ فاطلع ﴾ على أهل النار فرأى قرينه ﴿ في سواء الجحيم ﴾ وسطها ﴿ قال ﴾ لقرينه ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ "إن" مخففة واللام فارقة.

والإرداء الإِهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي.

والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم  ﴾ إلى آخر الآية والله أعلم.

ثم شكر الله  على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ في النار مثلك أطلق إطلاقاً لأن الإِحضار يستعمل في الشر غالباً ولا سيما في اصطلاح القرآن.

وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قريناً له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلاً ﴿ أفما نحن بميتين ﴾ وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب.

وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله  واغتباطاً بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول.

أفيدوم هذا لي؟

وإن كان على يقين من دوامه.

وايضاً إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزجراً.

احتج نفاة عذاب القبر بقوله ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.

وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا.

وقوله ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعاً له وتوبيخاً وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقاً لهم، وكذا قوله ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الزرق ﴿ خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ قال جار الله: أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل.

فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم.

ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك.

وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة.

وقال غيره: إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله  وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمداً يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر.

وذكروا أيضاً أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم.

وذكر بقية أوصاف الشجرة منها ﴿ إنها تخرج في أصل الجحيم ﴾ اي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.

وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر.

ومنها ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلاً ولوناً.

وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: إنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحاً فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم.

الثاني أن الشيطان ههنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح.

الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين.

الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة.

ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضاً يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلاً يشبه به.

ثم علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله ﴿ فإنهم لآكلون منها ﴾ أي من طلعها ﴿ فمالؤن منها البطون ﴾ أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون باباً من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله  في قوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه  ﴾ والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ ومزاجه من تسنيم  ﴾ وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديداً أو شراباً حاراً ممزوجاً بما هو أحر وهو الحميم.

ومعنى "ثم" التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلاً للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير.

قال مقاتل: معنى "ثم" في قوله ﴿ ثم إن مرجعهم ﴾ أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار.

وقيل: هو كقولهم "فلان يرجع إلى مال ونعمة" أي هو فيها.

وقيل: "ثم" لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار.

وقيل: "ثم" مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم.

ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد.

والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقاً ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى.

ثم اراد تسلية النبي  إجمالاً بقوله ﴿ ولقد ضل قبلهم ﴾ أي قبل قومك ﴿ أكثر الأوّلين ﴾ ثم استثنى من قوله ﴿ ولقد ضل ﴾ أو ﴿ من المنذرين ﴾ المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة.

ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً, وقدّم قصة نوح  لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ \[المؤمنون: 26\] أو قوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً  ﴾ واللام الداخلة على ﴿ نعم ﴾ جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في ﴿ فلنعم ﴾ دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة.

والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب.

وفي قوله ﴿ هم الباقين ﴾ بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا.

روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث.

فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي ﴿ سلام على نوح ﴾ ومعنى ﴿ في العالمين ﴾ أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة.

ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن.

ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً.

وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح.

التأويل: ﴿ والصافات ﴾ إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر ﴿ فالزاجرات ﴾ هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات.

رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد واقمار الطوالع ونجوم اللوامع.

السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية ﴿ طين لازب ﴾ أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام.

فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف.

والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا االله فيسترها عليهم كما جاء ذكره في الحديث "إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم اي رب.

ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا!

وكذا!؟

فيقول: نعم.

ثم يقول: اي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: نعم أي رب.

حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته" ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار.

﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) على مثل ليلى يقتل المرء نفسه *** وإن بات من ليلى على اليأس والصدّ ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ وفي قوله ﴿ كأنه رؤوس الشياطين ﴾ دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ أنه  سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط المستقيم الذي هو أدقَ من الشعر وأحدّ من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ رب "سلم سلم".

وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدّوا الأمانة التي حملوها إلى أهلها وهو الله  وتعالى .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

ثم قال: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً ﴾ من النزل والمقام، أي: المقام الذي نزلنا فيه نحن خير أم شجرة الزقوم.

ويحتمل قوله: - عز وجل -: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً ﴾ أن يكون من الأنزال، أي: ما لنا من [النعم] العظام والمأكل والمشرب خير أم شجرة الزقوم؟

قال بعضهم - أعني: بعض الكفار - عندما خوفوا بها: هل تدرون ما الزقوم؟

هو التمر والزبد، فقالوا: هذا الذي يخوفنا به محمد.

وقال بعضهم: إن محمداً يدعي أن تكون الشجرة في النار، والنار من طبعها أن تحرق الشجر وتأكله، فكيف يكون في النار الشجرة؟!

تكذيباً منهم وإنكاراً لذلك، فأخبرهم الله - عز وجل - عن تلك الشجرة وعن حالها فقال: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ ، أخبر أن تلك الشجرة خرجت من أصل الجحيم وأنشئت منها، والشجرة التي أنشئت من النار لا تأكلها النار ولا تحرقها وإنما تأكل غيرها من الأشجار التي لم تنشأ منها، ومثل هذا جائز أن يكون الشيء الذي يكون نشوءه وبدؤه من كل شيء ألا يهلكه كونه في ذلك؛ كالسمك الذي يكون أصل نشوئه في الماء، لا يهلكه الماء وكذلك جميع دواب البحر وإن كان غيرها من الدواب في البرية يهلك فيه ويتلف؛ فعلى ذلك الشجرة المنشأة منها لا تهلكها النار ولا تحرقها، وإن كان غيرها من الأشجار تأكلها وتحرقها، والله أعلم.

والجحيم: قيل: هو معظم النار وغلظها، يقال: أجحمت النار، أي: أعظمتها، يقال: نار جحيمة، أي: عظيمة.

وقوله: ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: إن نوعاً من الحيّات يسمين: شياطين، لها رءوس سود قباح، لها عرف كعرف الفرس، و[شبه] طلع تلك الشجرة وثمرتها لقبحها وسوادها برءوس من تلك الحيات، والله أعلم.

وقال بعضهم: هو نوع من النبات بالبادية يستقبحه الناس أشد الاستقباح، شبه طلع تلك الشجرة وثمرتها بذلك النبات.

وقال بعضهم: إن جبالا بمكة سود قباح يستقبحها أهل مكة سموها: شياطين، شبه ثمار تلك الشجرة وطلعها برءوس تلك الجبال، والله أعلم.

وقال بعضهم: لا ولكن حقيقة رءوس الشياطين؛ لأن الله - عز وجل - جعل للشياطين في قلوب أولئك الكفرة فضل بغض وقبح والنفار منها وإن لم يروها ولم يعاينوها، فشبه طلع تلك الشجرة برءوس الشياطين؛ لفضل إنكارهم وبغضهم إياها حقيقة، وفي ذلك آية عظيمة لرسالته  ؛ لأنهم لم يروا الشياطين ببصرهم ولا عرفوهم معاينة، وإنما عرفوهم بأخبار الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وبها استنكروها واستقبحوها وهم قوم لا يؤمنون بالرسل - عليهم السلام - فإذا قبلوا أخبار رسل الله فيهم، لزمهم أن يقبلوا قولهم في الرسالة وفي جميع ما أخبروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فِتْنَةً ﴾ ، يعني به: الشجرة التي أنشئت من أصل الجحيم، وهي شجرة الزقوم [جعلها] عذاباً للظالمين، يعني به: الشجرة؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ أي: يعذبون، ﴿ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ﴾ أي: عذابكم، ﴿ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ جَعَلْنَاهَا ﴾ ، أي: تلك الشجرة: الزقوم، ﴿ فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ ﴾ في الدنيا وجهة القصة بها لهم: هو إنكارهم إياها من الجهة التي ذكروا: أن النار تحرق وتأكل الشجر، فكيف يكون فيها شجر؟!

إنكاراً لها وتكذيباً بها.

والثاني: ما ذكر بعضهم: أن الزقوم هو الزبد والتمر، صار ذلك فتنة لهم؛ لما ذكرنا وسبباً لعذابهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا ﴾ .

أي: من الشجرة الزقوم، ذكر أنها تخرج من أصل الجحيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ﴾ .

جائز أن يشدد الله عليهم الجوع حتى يأكلوا منها فيملئون بطونهم منها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ  ﴾ وهي الإبل التي تملأ بطونها من المسايم، لا يغني ذلك الشرب وهو الحميم، ولا يدفع عنهم العطش الذي يكون بهم؛ فعلى ذلك ما جعل طعامهم من تلك الشجرة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ الآية [الدخان: 43-44]، إنهم وإن ملئوا بطونهم فإن ذلك لا يدفع عنهم الجوع؛ كقوله: ﴿ لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ  ﴾ ، والله أعلم.

﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا ﴾ .

وفي حرف عبد الله بن مسعود -  -: ﴿ ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ﴾ .

أي: ثم إن لهم على تلك الشجرة التي جعل طعامهم منها خلطاً من حميم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

أي: ثم إن مردهم، أي: ثم إنهم يردون إلى الجحيم لا أنهم يرجعون بأنفسهم، ولكن يردون فيها؛ كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ  ﴾ هم لا يدخلون فيها ولكن يدفعون فيها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا  ﴾ ، والجحيم: هو معظم النار على ما ذكرنا، يقال: نار جاحمة، أي: عظيمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ﴾ .

أي: وجدوا آباءهم ضالين.

﴿ فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ .

فيه أن ما ذكر من العذاب للأتباع منهم لا للمتبوعين، ولم يذكر عذاب المتبوعين في الآية حيث قال: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ * فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾ .

قال بعضهم: يسرعون وهو شبه الهرولة، والإهراع: هو الإسراع؛ وهو قول القتبي وأبي عوسجة.

وقال بعضهم: ﴿ يُهْرَعُونَ ﴾ أي: يسعون؛ وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: ولقد ضل قبل قومك يا محمد من الأولين أكثرهم من الأمم الخالية من لدن آدم فهلم جرّاً إلى محمد  وعلى آدم [و] من بينهما من النبيين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ ﴾ .

أي: لقد أرسلنا في الذين ضلوا قبل قومك منذرين ينذرونهم، ما من قوم إلا بعث إليهم نذير كما أرسلناك إلى قومك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: انظر كيف صنعنا بمن أنذرنا بالعاقبة فلم يؤمن ولم يقبل ولم ينفعه النذارة.

﴿ إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ .

استثنى المخلصين منهم، وهم الذين نفعتهم النذارة وقبلوها؛ فنجوا مما ذكر من عذابهم، والله أعلم.

ويحتمل: أنه سماهم المخلصين؛ لما اصطفاهم الله وأخلصهم لعبادته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن هؤلاء الكفار وجدوا آباءهم ضالين طريق الهداية، فتأسوا بهم تقليدًا لا عن حجة.

<div class="verse-tafsir" id="91.adGaw"

مزيد من التفاسير لسورة الصافات

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله