الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ٨ من سورة الصافات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
( لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ) أي : لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى ، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة ، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره ، كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تعالى : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) [ سبأ : 23 ] ولهذا قال ( ويقذفون ) أي : يرمون ( من كل جانب ) أي : من كل جهة يقصدون السماء منها
ويُروى: لا يقرف رفعا، والرفع لغة أهل الحجاز فيما قيل: وقال قتادة في ذلك ما: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى ) قال: منعوها.
ويعني بقوله (إلَى المَلإ) : إلى جماعة الملائكة التي هم أعلى ممن هم دونهم.
وقوله (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا) ويرمون من كل جانب من جوانب السماء دُحُورا والدحور: مصدر من قولك: دَحَرْته أدْحَرُه دَحْرا ودُحورا، والدَّحْر: الدفع والإبعاد، يقال منه: ادْحَرْ عنك الشيطان: أي ادفعه عنك وأبعده.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا) قذفا بالشهب.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَيُقْذَفُونَ ) يرمون ( مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ) قال: من كل مكان.
قوله تعالى : لا يسمعون إلى الملأ الأعلى قال أبو حاتم : أي : لئلا يسمعوا ثم حذف " أن " فرفع الفعل .
الملأ الأعلى : أهل السماء الدنيا فما فوقها ، وسمي الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملإ الأرض .
الضمير في يسمعون للشياطين .
وقرأ جمهور الناس " يسمعون " بسكون السين وتخفيف الميم .
وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص لا يسمعون بتشديد السين والميم من التسميع .
فينتفي على القراءة الأولى سماعهم وإن كانوا [ ص: 61 ] يستمعون ، وهو المعنى الصحيح ، ويعضده قوله تعالى : إنهم عن السمع لمعزولون وينتفي على القراءة الأخيرة أن يقع منهم استماع أو سماع .
قال مجاهد : كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون .
وروي عن ابن عباس لا يسمعون إلى الملأ قال : هم لا يسمعون ولا يتسمعون .
وأصل يسمعون يتسمعون ، فأدغمت التاء في السين لقربها منها .
واختارها أبو عبيد ; لأن العرب لا تكاد تقول : سمعت إليه ، وتقول : تسمعت إليه .
ويقذفون من كل جانب أي يرمون من كل جانب ، أي : بالشهب .
وخص اللّه المشارق بالذكر، لدلالتها على المغارب، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها، فلهذا قال: { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى } ذكر اللّه في الكواكب هاتين الفائدتين العظيمتين: إحداهما: كونها زينة للسماء، إذ لولاها، لكانت السماء جرما مظلما لا ضوء فيها، ولكن زينها فيها لتستنير أرجاؤها، وتحسن صورتها، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ويحصل فيها من المصالح ما يحصل.والثانية: حراسة السماء عن كل شيطان مارد، يصل بتمرده إلى استماع الملأ الأعلى، وهم الملائكة، فإذا استمعت قذفتها بالشهب الثواقب { مِنْ كُلِّ جَانِبٍ } طردا لهم، وإبعادا عن استماع ما يقول الملأ الأعلى.
( لا يسمعون ) قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص : " يسمعون " بتشديد السين والميم ، أي : لا يتسمعون ، فأدغمت التاء في السين ، وقرأ الآخرون بسكون السين وتخفيف الميم ، ( إلى الملإ الأعلى ) أي : إلى الكتبة من الملائكة .
" والملأ الأعلى " هم الملائكة ؛ لأنهم في السماء ، ومعناه : أنهم لا يستطيعون الاستماع إلى الملأ الأعلى ، ) ( ويقذفون ) يرمون ، ( من كل جانب ) من آفاق السماء بالشهب .
)
«لا يسمعون» أي الشياطين مستأنف، وسماعهم هو في المعنى المحفوظ عنه «إلى الملأ الأعلى» الملائكة في السماء، وعدِّي السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء وفي قراءة بتشديد الميم والسين أصله يتسمعون أدغمت التاء في السين «ويقذفون» أي الشياطين بالشهب «من كل جانب» من آفاق السماء.
لا تستطيع الشياطين أن تصل إلى الملأ الأعلى، وهي السموات ومَن فيها مِن الملائكة، فتستمع إليهم إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى مِن شرعه وقدره، ويُرْجَمون بالشهب من كل جهة؛ طردًا لهم عن الاستماع، ولهم في الدار الآخرة عذاب دائم موجع.
وقوله - سبحانه - : ( لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ .
دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ ) جملة مستأنفة لبيان حالهم عند حفظ السماء ، وبيان كيفية الحفظ ، وما يصيبهم من عذاب وهلاك إذا ما حاولوا استراق السمع منها .ولفظ " يسَّمَّعوُن " بتشديد السين - وأصله يتسمعون .
فأدغمت التاء فى السين والضمير للشياطين ، وقرأ الجمهور ( لا يَسْمعون ) بإسكان السين .قال صاحب الكشاف : الضمير فى ( لاَّ يَسَّمَّعُونَ ) لكل شيطان ، لأنه فى معنى الشياطين ، وقرئ بالتخفيف والتشديد .
وأصله " يتسمعون " .
والتسمع : تطلب السماع .
يقال : تسمع فسمع .
أو فلم يسمع .فإن قلت : أى فرق بين سمعت فلانا يتحدث ، وسمعت إليه يتحدث .
وسمعت حديثه ، وإلى حديثه؟قلت : المعدى بنفسه يفيد الإِدراك ، والمعد بإلى يفيد الإِصغاء مع الإِدراك .والملأ فى الأصل : الجماعة يجتمعون علىا أمر فيملأون النفوس هيبة ، والمراد بالملأ الأعلى هنا : الملائكة الذين يسكنون السماء .وسموا بذلك لشرفهم ، ولأنهم فى جهة العلو ، بخلاف غيرهم فإنهم يسكنون الأرض .وقوله : ( وَيُقْذَفُونَ ) من القذف بمعنى الرجم والرمى .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وحفص عن عاصم زينة منونة الكواكب بالجر وهو قراءة مسروق بن الأجدع، قال الفراء وهو رد معرفة على نكرة كما قال: ﴿ كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًۢا بِٱلنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾ فرد نكرة على معرفة وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة، لأنها هي كما تقول مررت بأبي عبد الله زيد.
وقرأ عاصم بالتنوين في الزين ونصب الكواكب قال الفراء: يريد زينا الكواكب، وقال الزجاج: يجوز أن تكون الكواكب في النصف بدلاً من قوله بزينة، لأن بزينة في موضع نصب وقرأ الباقون (بزينة الكواكب) بالجر على الإضافة.
المسألة الثانية: بين تعالى أنه زين السماء الدنيا، وبين أنه إنما زينها لمنفعتين إحداهما: تحصيل الزينة والثانية: الحفظ من الشيطان المارد، فوجب أن نحقق الكلام في هذه المطالب الثلاثة أما الأول: وهو تزيين السماء الدنيا بهذه الكواكب، فلقائل أن يقول إنه ثبت في علم الهيئة أن هذه الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة، وأن السيارات الستة مركوزة في الكرات الست المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السماء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب ﴾ والجواب أن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إذا نظروا إلى السماء فإنهم يشاهدونها مزينة بهذه الكواكب، وعلى أنا قد بينا في علم الهيئة أن الفلاسفة لم يتم لهم دليل في بيان أن هذه الكواكب مركوزة في الفلك الثامن، ولعلنا شرحنا هذا الكلام في تفسير سورة ﴿ تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك ﴾ في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ ، وأما المطلوب الثاني: وهو كون هذه الكواكب زينة السماء الدنيا ففيه بحثان: البحث الأول: أن الزينة مصدر كالنسبة واسم لما يزن به، كالليقة اسم لما تلاق به الدواة قال صاحب الكشاف وقوله: ﴿ بِزِينَةٍ الكواكب ﴾ يحتملهما فإن أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل أي بأن زينتها الكواكب أو على إضافته إلى المفعول أي بأن زان الله الكواكب وحسنها، لأنها إنما زينت السماء بحسنها في أنفسها، وإن أردت الاسم فللإضافة وجهان أن تقع الكواكب بياناً للزينة، لأن الزينة قد تحصل بالكواكب وبغيرها، وأن يراد ما زينت به الكواكب.
البحث الثاني: في بيان كيفية كون الكواكب زينة للسماء وجوه: الأول: أن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، فإن تحصل هذه الكواكب المشرقة المضيئة في سطح الفلك لا جرم بقي الضوء والنور في جرم الفلك بسبب حصول هذه الكواكب فيها قال ابن عباس: ﴿ بِزِينَةٍ الكواكب ﴾ أي بضوء الكواكب الوجه الثاني: يجوز أن يراد أشكالها المتناسبة المختلفة كشكل الجوزاء وبنات نعش والثريا وغيرها الوجه الثالث: يجوز أن يكون المراد بهذه الزينة كيفية طلوعها وغروبها الوجه الرابع: أن الإنسان إذا نظر في الليلة الظلماء إلى سطح الفلك ورأى هذه الجواهر الزواهر مشرقة لامعة متلألئة على ذلك السطح الأزرق، فلا شك أنها أحسن الأشياء وأكملها في التركيب والجوهر، وكل ذلك يفيد كون هذه الكواكب زينة وأما المطلوب الثالث: وهو قوله: ﴿ وَحِفْظاً مّن كُلّ شيطان مَّارِدٍ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: فيما يتعلق باللغة فقوله: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ أي وحفظناها، قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله، مثل قولك أفعل وكرامة لأنه لما قال أفعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال، فكان المعنى أفعل ذلك وأكرمك كرامة، قال ابن عباس يريد حفظ السماء بالكواكب و ﴿ مّن كُلّ شيطان مَّارِدٍ ﴾ يريد الذي تمرد على الله قيل إنه الذي لا يتمكن منه، وأصله من الملاسة ومنه قوله: ﴿ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ ﴾ ومنه الأمرد: وذكرنا تفسير المارد عند قوله: ﴿ مَرَدُواْ عَلَى النفاق ﴾ .
البحث الثاني: فيما يتعلق بالمباحث العقلية في هذا الموضع، فنقول الاستقصاء فيه مذكور في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين ﴾ قال المفسرون الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب، وكانوا يخبرونهم به ويوهمونهم أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله تعالى من الصعود إلى قرب السماء بهذه الشهب فإنه تعالى يرميهم بها فيحرقهم بها، وبقي هاهنا سؤالات: السؤال الأول: هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا؟
والأول باطل لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير من أعداد كواكب السماء، ومعلوم أن هذا المعنى لم يوجد ألبتة فإن أعداد كواكب السماء باقية في حالة واحدة من غير تغير ألبتة، وأيضاً فجعلها رجوماً للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء فكأن الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض، وأما القسم الثاني: وهو أن يقال إن هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهذا أيضاً مشكل لأنه تعالى قال في سورة: ﴿ تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك ﴾ ، ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين ﴾ فالضمير في قوله: ﴿ وجعلناها ﴾ عائد إلى المصابيح، فوجب أن تكون تلك المصابيح هي الرجوع بأعيانها من غير تفاوت، والجواب أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية، وأما قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين ﴾ فنقول كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصابيح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد، ومنها ما لا يكون كذلك، وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوماً للشياطين، وبهذا التقدير فقد زال الإشكال، والله أعلم.
السؤال الثاني: كيف يجوز أن تذهب الشياطين إلى حيث يعلمون بالتجويز، أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم ألبتة، وهل يمكن أن يصدر مثل هذا الفعل عن عاقل، فكيف من الشياطين الذين لهم مزيّة في معرفة الحيل الدقيقة والجواب: أن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه، وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة، فربما صاروا إلى موضع تصيبهم فيه الشهب، وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا تصيبهم الشهب، فلما هلكوا في بعض الأوقات، وسلموا في بعض الأوقات، جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنه لا تصيبهم الشهب فيها، كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة، هذا ما ذكره أبو علي الجبائي من الجواب عن هذا السؤال في تفسيره.
ولقائل أن يقول: إنهم إذا صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة، أو إلى غير تلك المواضع، فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا، وإن وصلوا إلى غير مواضع الملائكة لم يفوزوا بمقصودهم أصلاً، فعلى كلا التقديرين المقصود غير حاصل، إذا حصلت هذه التجربة وثبت بالاستقراء أن الفوز بالمقصود محال وجب أن يمتنعوا عن هذا العمل وأن لا يقدموا عليه أصلاً بخلاف حال المسافرين في البحر، فإن الغالب عليهم السلامة والفوز بالمقصود، أما هاهنا فالشيطان الذي يسلم من الاحتراق إنما يسلم إذا لم يصل إلى مواضع الملائكة، وإذا لم يصل إلى تلك المواضع لم يفز بالمقصود، فوجب أن لا يعود إلى هذا العمل ألبتة، والأقرب في الجواب أن نقول هذه الوقعة إنما تتفق في الندرة، فلعلها لا تشتهر بسبب كونها نادرة بين الشياطين، والله أعلم.
السؤال الثالث: قالوا: دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلاً قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه، إذا ثبت أن ذلك كان موجوداً قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم امتنع حمله على مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، أجاب القاضي بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لكنها كثرت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فصارت بسبب الكثرة معجزة.
السؤال الرابع: الشيطان مخلوق من النار، قال تعالى حكاية عن إبليس ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ ﴾ وقال: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم ﴾ ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات، وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار؟
والجواب يحتمل أن الشياطين وإن كانوا من النيران إلا أنها نيران ضعيفة، فإن وصلت نيران الشهب إليهم، وتلك النيران أقوى حالاً منهم لا جرم صار الأقوى مبطلاً للأضعف، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا رجع في النار القوية فإنه ينطفئ فكذلك هاهنا.
السؤال الخامس: أن مقر الملائكة هو السطح الأعلى من الفلك، والشياطين لا يمكنهم الوصول إلا إلى الأقرب من السطح الأسفل من الفلك، فيبقى جرم الفلك مانعاً من وصول الشياطين إلى القرب من الملائكة، ولعل الفلك عظيم المقدار دفع حصول هذا المانع العظيم، كيف يعقل أن تسمع الشياطين كلام الملائكة، فإن قلتم إن الله تعالى يقوي سمع الشيطان حتى يسمع كلام الملائكة، فنقول فعلى هذا التقدير إذا كان الله تعالى يقوي سمع الشيطان حتى يسمع كلام الملائكة، وجب أن لا ينفي سمع الشيطان، وإن كان لا يريد منع الشيطان من العمل فما الفائدة في رميه بالرجوم؟
فالجواب: مذهبنا أن أفعال الله تعالى غير معللة، فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله، فهذا ما يتعلق بمباحث هذا الباب، وإذا أضيف ما كتبناه هاهنا إلى ما كتبناه في سورة الملك، وفي سائر الآيات المشتملة على هذه المسألة بلغ تمام الكفاية في هذا الباب، والله أعلم.
وأما قوله: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ بتشديد السين والميم وأصله يتسمعون، فأدغمت التاء في السين لاشتراكهما في الهمس، والتسمع تطلب السماع يقال تسمع سمع أو لم يسمع، والباقون بتخفيف السين، واختار أبو عبيد التشديد في يسمعون، قال: لأن العرب تقول تسمعت إلى فلان ويقولون سمعت فلاناً، ولا يكادون يقولون سمعت إلى فلان، وقيل في تقوية هذه القراءة إذا نفى التسمع، فقد نفى سمعه، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ ﴾ وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الشياطين يسمعون إلى الملأ الأعلى، ثم يمنعون فلا يسمعون، وللأولين أن يجيبوا فيقولون التنصيص على كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضاً عن التسمع بدلالة هذه الآية، بل هو أقوى في ردع الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء، فإن الذي منع من الاستماع فبأن يكون ممنوعاً من السمع أولى.
المسألة الثانية: الفرق بين قولك سمعت حديث فلان، وبين قولك سمعت إلى حديثه، بأن قولك سمعت حديثه يفيد الإدراك، وسمعت إلى حديثه يفيد الإصغاء مع الإدراك.
المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ ﴾ قولان الأول: وهو المشهور أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى الرفع كما قال: ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ وكما قال: ﴿ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ قال صاحب الكشاف: حذف أن واللام كل واحد منهما جائز بانفراده.
أما اجتماعهما فمن المنكرات التي يجب صوت القرآن عنها والقول الثاني: وهو الذي اختاره صاحب الكشاف أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله، وهو حكاية حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب، مدحورون عن ذلك المقصود.
المسألة الرابعة: الملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات.
وأما الإنس والجن فهم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض.
واعلم أنه تعالى وصف أولئك الشياطين بصفات ثلاثة الأولى: أنهم لا يسمعون الثانية: أنهم يقذفون من كل جانب دحوراً وفيه أبحاث: الأول: قد ذكرنا معنى الدحور في سورة الأعراف عند قوله: ﴿ اخرج مِنْهَا مَذْءومًا مَّدْحُورًا ﴾ قال المبرد الدحور أشد الصغار والذل وقال ابن قتيبة دحرته دحراً ودحوراً أي دفعته وطردته.
البحث الثاني: في انتصاب قوله: ﴿ دُحُوراً ﴾ وجوه: الأول: أنه انتصب بالمصدر على معنى يدحرون دحوراً، ودل على الفعل قوله تعالى: ﴿ وَيَقْذِفُونَ ﴾ الثاني: التقدير ويقذفون للدحور ثم حذف اللام الثالث: قال مجاهد دحوراً مطرودين، فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر كالركوع والسجود والحضور.
البحث الثالث: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي دحوراً بفتح الدال قال الفراء كأنه قال يقذفون يدحرون بما يدحر، ثم قال ولست أشتهي الفتح، لأنه لو وجد ذلك على صحة لكان فيها الباء كما تقول يقذفون بالحجارة ولا تقول يقذفون الحجارة إلا أنه جائز في الجملة كما قال الشاعر: تعال اللحم للأضياف نيئاً *** أي تعالى باللحم الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ والمعنى أنهم مرجومون بالشهب وهذا العذاب مسلط عليهم على سبيل الدوام، وذكرنا تفسير الواصب في سورة النحل عند قوله تعالى: ﴿ وله الدين واصباً ﴾ قالوا كلهم إنه الدائم، قال الواحدي ومن فسر الواصب بالشديد والموجع فهو معنى وليس بتفسير.
ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة ﴾ ذكرنا معنى الخطف في سورة الحج قال الزجاج وهو أخذ الشيء بسرعة، وأصل خطف اختطف قال صاحب الكشاف ﴿ مِنْ ﴾ في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة أي اختلس الكلمة على وجه المسارقة ﴿ فَأَتْبَعَهُ ﴾ يعني لحقه وأصابه يقال تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره وأتبعه إذا لحقه وأصله من قوله تعالى: ﴿ فَأَتْبَعَهُ الشيطان ﴾ وقد مر تفسيره وقوله تعالى: ﴿ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ قال الحسن ثاقب أي مضيء وأقول سمي ثاقباً لأنه يثقب بنوره الهواء، قال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ والنجم الثاقب ﴾ قال: إنه رجل سمي بذلك لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الضمير في ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان، لأنه في معنى الشياطين.
وقرئ بالتخفيف والتشديد، وأصله: يتسمعون.
والتسميع: تطلب السماع.
يقال: تسمع فسمع، أو فلم يسمع.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هم يتسمعون ولا يسمعون، وبهذا ينصر التخفيف على التشديد.
فإن قلت: لا يسمعون كيف اتصل بما قبله؟
قلت: لا يخلو من أن يتصل بما قبله على أن يكون صفة لكل شيطان، أو استئنافاً فلا تصحّ الصفة؛ لأنّ الحفظ من شياطين لا يسمعون ولا يتسمعون لا معنى له، وكذلك الاستئناف؛ لأنّ سائلاً لو سأل: لم تحفظ من الشياطين؟
فأجيب بأنهم لا يسمعون: لم يستقم، فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ اقتصاصاً، لما عليه حال المسترقة للسمع، وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة.
أو يتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن ذلك، إلا من أمهل حتى خطف خطفة واسترق استراقة؛ فعندها تعاجله الهلكة بإتباع الشهاب الثاقب.
فإن قلت: هل يصحّ قول من زعم أن أصله: لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في قولك: جئتك أن تكرمني، فبقي أن لا يسمعوا فحذفت أن وأهدر عملها، كما في قول القائل: أَلاَ أَيُّهَا ذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغى قلت: كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب.
فإن قلت: أي فرق بين سمعت فلاناً يتحدّث، وسمعت إليه يتحدّث، وسمعت حديثه، وإلى حديثه؟
قلت: المعدى بنفسه يفيد الإدراك والمعدى بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك والملأ الأعلى: الملائكة؛ لأنهم يسكنون السماوات، والإنس والجن: هم الملأ الأسفل؛ لأنهم سكان الأرض.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هم الكتبة من الملائكة.
وعنه: أشراف الملائكة ﴿ مِن كُلّ جَانِبٍ ﴾ من جميع جوانب السماء من أي جهة صعدوا للاستراق ﴿ دُحُوراً ﴾ مفعول له، أي: ويقذفون للدحور وهو الطرد، أو مدحورين على الحال، أو لأنّ القذف والطرد متقاربان في المعنى، فكأنه قيل: يدحرون أو قذفاً.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي بفتح الدال على: قذفاً دحوراً طروداً.
أو على أنه قد جاء مجيء القبول والولوع.
والواصب: الدائم، وصب الأمر وصوباً، يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب، وقد أعدّ لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع ﴿ مَنْ ﴾ في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون، أي: لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي ﴿ خَطِفَ الخطفة ﴾ وقرئ: ﴿ خطف ﴾ بكسر الخاء والطاء وتشديدها، وخطف بفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها، وأصلهما: اختطف.
وقرئ: ﴿ فأتبعه ﴾ ﴿ وفاتبعه ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ ما حَفِظَ السَّماءَ عَنْهُمْ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ صِفَةً لِكُلِّ شَيْطانٍ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الحِفْظُ مِن شَياطِينَ لا يَسْمَعُونَ، ولا عِلَّةَ لِلْحِفْظِ عَلى حَذْفِ اللّامِ كَما في جِئْتُكَ أنْ تُكْرِمَنِي ثُمَّ حَذَفَ أنْ وإهْدَرَها كَقَوْلِهِ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضِرِ الوَغى فَإنَّ اجْتِماعَ ذَلِكَ مُنْكَرٌ والضَّمِيرُ لِ ( كُلِّ ) بِاعْتِبارِ المَعْنى، وتَعْدِيَةُ السَّماعِ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإصْغاءِ مُبالَغَةً لِنَفْيِهِ وتَهْوِيلًا لِما يَمْنَعُهم عَنْهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّسَمُّعِ وهو طَلَبُ السَّماعِ و ﴿ المَلإ الأعْلى ﴾ المَلائِكَةُ وأشْرافُهم.
﴿ وَيُقْذَفُونَ ﴾ ويُرْمَوْنَ.
﴿ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴾ مِن جَوانِبِ السَّماءِ إذا قَصَدُوا صُعُودَهُ.
﴿ دُحُورًا ﴾ عِلَّةٌ أيْ لِلدُّحُورِ وهو الطَّرْدُ، أوْ مَصْدَرٌ لِأنَّهُ والقَذْفُ مُتَقارِبانِ، أوْ حالٌ بِمَعْنى مَدْحُورِينَ أوْ مَنزُوعٌ عَنْهُ الباءُ جَمْعُ دَحْرٍ، وهو ما يُطْرَدُ بِهِ ويُقَوِّيهِ القِراءَةُ بِالفَتْحِ وهو يَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَبُولِ أوْ صِفَةً لَهُ أيْ قَذْفًا دُحُورًا.
﴿ وَلَهم عَذابٌ ﴾ أيْ عَذابٌ آخَرُ.
﴿ واصِبٌ ﴾ دائِمٌ أوْ شَدِيدٌ وهو عَذابُ الآخِرَةِ.
﴿ إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن واوِ يَسَّمَّعُونَ ومَن بَدَلٌ مِنهُ، والخَطْفُ الِاخْتِلاسُ والمُرادُ اخْتِلاسُ كَلامِ المَلائِكَةِ مُسارَقَةً ولِذَلِكَ عَرَّفَ الخَطْفَةَ، وقُرِئَ «خَطَّفَ» بِالتَّشْدِيدِ مَفْتُوحَ الخاءِ ومَكْسُورَها وأصْلُها اخْتَطَفَ.
﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ﴾ أتْبَعَ بِمَعْنى تَبِعَ، والشِّهابُ ما يُرى كَأنَّ كَوْكَبًا انْقَضَّ، وما قِيلَ إنَّهُ بُخارٌ يَصْعَدُ إلى الأثِيرِ فَيَشْتَعِلُ فَتَخْمِينٌ، إنْ صَحَّ لَمْ يُنافِ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَنْقَضُّ مِنَ الفَلَكِ ولا في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ﴾ فَإنَّ كُلَّ نَيِّرٍ يَحْصُلُ في الجَوِّ العالِي فَهو مِصْباحٌ لِأهْلِ الأرْضِ وزِينَةٌ لِلسَّماءِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُرى كَأنَّهُ عَلى سَطْحِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَصِيرَ الحادِثُ كَما ذُكِرَ في بَعْضِ الأوْقاتِ رَجْمًا لِشَياطِينَ تَتَصَعَّدُ إلى قُرْبِ الفَلَكِ لِلتَّسَمُّعِ، وما رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ حَدَثَ بِمِيلادِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ صَحَّ فَلَعَلَّ المُرادَ كَثْرَةُ وُقُوعِهِ، أوْ مَصِيرُهُ ( دُحُورًا ) .
واخْتُلِفَ في أنَّ المَرْجُومَ يَتَأذّى بِهِ فَيَرْجِعُ أوْ يَحْتَرِقُ بِهِ لَكِنْ قَدْ يُصِيبُ الصّاعِدُ مَرَّةً وقَدْ لا يُصِيبُ كالمَوْجِ لِراكِبِ السَّفِينَةِ، ولِذَلِكَ لا يَرْتَدِعُونَ عَنْهُ رَأْسًا، ولا يُقالُ إنَّ الشَّيْطانَ مِنَ النّارِ فَلا يَحْتَرِقُ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ النّارِ الصِّرْفِ كَما أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ مِنَ التُّرابِ الخالِصِ مَعَ أنَّ النّارَ القَوِيَّةَ إذا اسْتَوْلَتْ عَلى الضَّعِيفَةِ اسْتَهْلَكَتْها.
﴿ ثاقِبٌ ﴾ مُضِيءٌ كَأنَّهُ يَثْقُبُ الجَوَّ بِضَوْئِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{لاَ يَسَّمَّعُونَ} لكل شيطان لأنه في معنى الشياطين يَسَّمَّعون كوفي غير أبي بكر وأصله يتسمعون والتسمع تطلب السماع يقال تسمع فسمع أو فلم يسمع وينبغي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ اقتصاصاً لما عليه حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة أو يتسمعوا وقيل أصله لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في جئتك أن تكرمني فبقي أن لا يسمعوا فحذفت أن وأهدر عملها كما في قوله
ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى وفيه تعسف يجب صون القرآن عن مثله فإن كل واحد من الحرفين غير مردود على انفراده ولكن اجتماعهما منكر والفرق بين سمعت فلانا يتحدث وسمعت إليه يتحدث وسمعت حديثه وإلى حديثه أن المعدى بنفسه يفيد الإدراك والمعدى بالى يفيد الإصغاء مع الإدراك {إلى الملإ الأعلى} أى الملائكة لأنهم يسكنون السموات والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض {وَيُقْذَفُونَ} يرمون بالشهب {مِن كُلِّ جَانِبٍ} من جميع جوانب السماء من أي جهة صعدوا للإسترقاق
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى ﴾ أيْ لا يَتَسَمَّعُونَ وهَذا أصْلُهُ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكُلِّ شَيْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّياطِينِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا يَسْمَعُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، والمَلَأُ في الأصْلِ جَماعَةٌ يَجْتَمِعُونَ عَلى رَأْيٍ فَيَمْلُئُونَ العُيُونَ رِواءً والنُّفُوسَ جَلالَةً وبَهاءً، ويُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الجَماعَةِ وعَلى الأشْرافِ مُطْلَقًا، والمُرادُ بِالمَلَأِ الأعْلى المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ لِأنَّهم في جِهَةِ العُلُوِّ ويُقابِلُهُ المَلَأُ الأسْفَلُ وهُمُ الإنْسُ والجِنُّ لِأنَّهم في جِهَةِ السُّفْلِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم كُتّابُهُمْ، وفُسِّرَ العُلُوُّ عَلى الرِّوايَتَيْنِ بِالعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ.
وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِـ”إلى“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإصْغاءِ أيْ لا يَسْمَعُونَ مُصْغِينَ إلى المَلَأِ الأعْلى، والمُرادُ نَفْيُ سَماعِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مُصْغِينَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى مانِعٍ عَظِيمٍ ودَهْشَةٍ تُذْهِلُهم عَنِ الإدْراكِ، وكَذا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ - بِخِلافٍ عَنْهُ - وابْنِ وثّابٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ وطِلْحَةَ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ بِناءً عَلى ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّ التَّفَعُّلَ لا يُخالِفُ ثُلاثِيَّهُ في التَّعْدِيَةِ، واسْتِعْمالُ تَسَمَّعَ مَعَ إلى لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ مُضَمَّنٍ، وقِيلَ لا يَحْتاجُ إلى اعْتِبارِ التَّضْمِينِ عَلَيْها، والتَّفَعُّلِ مُؤْذِنٌ بِالطَّلَبِ فَتَسَمَّعَ بِمَعْنى طَلَبَ السَّماعِ، قِيلَ: ويُشْعِرُ ذَلِكَ بِالإصْغاءِ لِأنَّ طَلَبَ السَّماعِ يَكُونُ بِالإصْغاءِ فَتَتَوافَقُ القِراءَتانِ، وإنْ لَمْ يُقَلْ بِالتَّضْمِينِ في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ، ولَعَلَّ الأوْلى القَوْلُ بِالتَّضْمِينِ، ونَفْيُ طَلَبِهِمُ السَّماعَ مَعَ وُقُوعِهِ مِنهم حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا لِذَلِكَ - إمّا ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ سَماعِهِمْ، أوْ هو عَلى ما قِيلَ بَعْدَ وُصُولِهِمْ إلى مَحَلِّ الخَطَرُ لِخَوْفِهِمْ مِنَ الرَّجْمِ حَتّى يُدْهَشُوا عَنْ طَلَبِ السَّماعِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ نَفْيَ التَّسَمُّعِ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ وهو السَّمْعُ.
وقالَ ابْنُ كَمالٍ: عُدِّيَ الفِعْلُ في القِراءَتَيْنِ بِـ ”إلى“ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ أيْ لا يَنْتَهُونَ بِالسَّمْعِ أوِ التَّسَمُّعِ إلى المَلَأِ الأعْلى، ولَيْسَ بِذاكَ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ الصّادِقِ، والجُمْلَةُ في المَشْهُورِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا ولَمْ يُجَوَّزْ كَوْنُها صِفَةً لِشَيْطانٍ، قالُوا: إذْ لا مَعْنى لِلْحِفْظِ مِن شَياطِينَ لا تَسْمَعُ أوْ لا تَسَّمَعُ مَعَ إيهامِهِ لِعَدَمِ الحِفْظِ عَمَّنْ عَداها.
وكَذا لِمَ يُجَوَّزْ كَوْنُها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا واقِعًا جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ إذِ المُتَبادِرُ أنْ يُؤْخَذَ السُّؤالُ مِن فَحْوى ما قَبْلُهُ فَتَقْدِيرُهُ حِينَئِذٍ لَمْ تُحْفَظْ فَيَعُودُ مَحْذُورَ الوَصْفِيَّةِ، وكَذا كَوْنُها حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّ الحالَ كَذَلِكَ يُقَدِّرُها صاحِبُها والشَّياطِينُ لا يُقَدِّرُونَ عَدَمَ السَّماعِ أوْ عَدَمَ التَّسَمُّعِ ولا يُرِيدُونَهُ، وجَوَّزَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَها صِفَةً والمُرادُ حِفْظُ السَّماواتِ مِمَّنْ لا يَسْمَعُ أوْ لا يَسَّمَعُ بِسَبَبِ هَذا الحِفْظِ، وهو نَظِيرُ ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا ﴾ ، ﴿ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ ، ﴿ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ﴾ ومِن هُنا لَمْ يَجْعَلْ بَعْضُ الأجِلَّةِ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «مِن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» مِن مَجازِ الأوَّلِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ المُتَبادِرِ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ: ”اضْرَبِ الرَّجُلَ المَضْرُوبَ“ كَوْنُهُ مَضْرُوبًا بِهَذا الضَّرْبِ المَأْمُورِ بِهِ لا بِضَرْبٍ آخَرَ قَبْلَهُ، وكَذا جَوَّزَ صاحِبُ الكَشْفِ كَوْنَها صِفَةً وكَوْنَها مُسْتَأْنِفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أيْضًا، ودَفَعَ المَحْذُورَ وأبْعَدَ في ذَلِكَ المَغْزى كَعادَتِهِ في سائِرِ تَحْقِيقاتِهِ فَقالَ: المَعْنى لا يُمَكَّنُونَ مِنَ السَّماعِ مَعَ الإصْغاءِ أوْ لا يُمَكَّنُونَ مِنَ التَّسَمُّعِ مُبالَغَةً في نَفْيِ السَّماعِ كَأنَّهم مَعَ مُبالَغَتِهِمْ في الطَّلَبِ لا يُمْكِنُهم ذَلِكَ، ولا بُدَّ مِن ذَلِكَ، جُعِلَتِ الجُمْلَةُ وصْفًا أوَّلًا جَمْعًا بَيْنَ القِراءَتَيْنِ وتَوْفِيَةً لِحَقِّ الإصْغاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ”إلى“ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الوَصْفُ شَدِيدَ الطِّباقِ، ورَدُّ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ وارِدٌ عَلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ (لِمَ تُحْفَظُ؟) ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلِ السُّؤالُ عَمّا يَكُونُ عِنْدَ الحِفْظِ وعَنْ كَيْفِيَّتِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ﴾ مِمّا يُحَرِّكُ الذِّهْنَ لَهُ فَقِيلَ ﴿ لا يَسَّمَّعُونَ ﴾ جَوابًا عَمّا يَكُونُ عِنْدَهُ ﴿ ويُقْذَفُونَ ﴾ لِكَيْفِيَّةِ الحِفْظِ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِها مَبْدَأ اقْتِصاصٍ مُسْتَطْرِدٍ لِئَلّا يَنْقَطِعَ ما لَيْسَ بِمُنْقَطِعٍ مَعْنًى انْتَهى.
واسْتَدَقَّهُ الخَفاجِيُّ واسْتَحْسَنَهُ وذَكَرَ أنَّ حاصِلَهُ أنَّهُ لَيْسَ المَنفِيُّ هُنا السَّماعَ المُطْلَقَ حَتّى يَلْزَمَ ما ظَنُّوهُ مِن فَسادِ المَعْنى لِأنَّهُ لَمّا تَعَدّى بِـ”إلى“ وتَضَمَّنَ مَعْنى الإصْغاءِ صارَ المَعْنى حَفِظْناها مِن شَياطِينَ لا تُنْصِتُ لِما فِيها إنْصاتًا تامًّا تَضْبِطُ بِهِ ما تَقُولُهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَآلُهُ حَفِظْناها مِن شَياطِينَ مُسْتَرِقَةٍ لِلسَّمْعِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا مَن خَطِفَ ﴾ إلَخْ يُنادِي عَلى صِحَّتِهِ، والمُناقَشَةُ بِحَدِيثِ الأوْصافِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ إنْ جاءَتْ لا تَتِمُّ فالحَدِيثُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وقِيلَ: إنَّ الأصْلَ لِأنْ لا يَسْمَعُوا عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”حِفْظًا“ فَحُذِفَتِ اللّامُ كَما في جِئْتُكَ أنْ تُكْرِمَنِي ثُمَّ حُذِفَتْ أنْ ورُفِعَ الفِعْلُ كَما في قَوْلِهِ: ألّا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي وفِيهِ أنْ حَذَفَ (اللّامَ) وحَذَفَ (أنْ) ورَفَعَ الفِعْلَ، وإنْ كانَ كُلٌّ مِنهُما واقِعًا في الفَصِيحِ إلّا أنَّ اجْتِماعَ الحَذْفَيْنِ مُنْكَرٌ يُصانُ كَلامُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وأبُو البَقاءِ يُجَوِّزُ كَوْنَ الجُمْلَةِ صِفَةً وكَوْنَها اسْتِئْنافًا وكَوْنَها حالًا فَلا تَغْفُلْ.
﴿ ويُقْذَفُونَ ﴾ أيْ يُرْمَوْنَ ويُرْجَمُونَ ﴿ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴾ مِن جَوانِبِ السَّماءِ إذا قَصَدُوا الصُّعُودَ إلَيْها، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يُرْمى مِن كُلِّ جانِبٍ بَلْ هو عَلى التَّوْزِيعِ أيْ كُلُّ مَن صَعِدَ مِن جانِبٍ رُمِيَ مِنهُ.
وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”يَقْذِفُونَ“ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ولَعَلَّ الفاعِلَ المَلائِكَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَواكِبَ، وأمْرُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ سَهْلٌ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا يعني: الأدنى.
وإنما سميت الدنيا لأنها أقرب إلى الأرض بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ أي: بضوء الكواكب.
قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص بِزِينَةٍ بالتنوين الْكَواكِبِ بالكسر بغير تنوين، بكسر الباء.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بِزِينَةٍ بالتنوين الْكَواكِبِ بالنصب، والباقون بِزِينَةٍ بالكسر بغير تنوين الْكَواكِبِ بكسر الباء.
فمن قرأ بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ بالكسر جعل الكواكب بدلاً من الزينة.
والمعنى: إنّا زينا السماء الدنيا بالكواكب.
ومن قرأ بالنصب، أقام الزينة مقام التزيين.
فكأنه قال: إنا زينا السماء الدنيا بتزيننا الكواكب، فيكون الكواكب على معنى التفسير.
ومن قرأ بغير تنوين، فهو على إضافة الزينة إلى الكواكب.
وروي عن ابن عباس- - أنه قال: الكواكب معلقة بالسماء، كالقناديل.
ويقال: إنها مركبة عليها، كما تكون في الصناديق والأبواب.
ثم قال: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ يعني: حفظ الله تعالى السماء بالكواكب من كل شيطان متمرد.
يعني: شديد يقال: مرد يمرد إذا اشتد.
ثم قال: لاَ يَسَّمَّعُونَ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص: لاَ يَسَّمَّعُونَ بنصب السين والتشديد.
والباقون: يَسْمَعُونَ بنصب الياء، وجزم السين، مع التخفيف.
فمن قرأ: بجزم السين فهو بمعنى يسمعون.
ومن قرأ بالتشديد فأصله يتسمعون، فأدغمت التاء في السين، وشددت.
يعني: لكيلا يستمعون إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى يعني: إلى الكتبة وَيُقْذَفُونَ يعني: يرمون مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً يعني: طرداً من كل ناحية من السماء، وكانوا من قبل يستمعون إلى كلام الملائكة- عليهم السلام- قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.
قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم.
قال: حدّثنا عبد الرزاق.
قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن علي بن الحسن، عن ابن عباس.
قال: بينما رسول الله جَالِسٌ في نَفَرٍ من أصحابه، إذ رمي بنجم فاستنار فقال الرسول : «مَا كُنْتُمْ تَقَولُونَ لِمِثْلِ هذا فِي الجَاهِلِيَّةِ» ؟
قالوا: يموت عظيم، أو يولد عظيم فقال- -: «إنَّهُ لا يُرْمَى لِمَوْتِ أحَدٍ، وَلا لِحيَاتِهِ ولكن الله عَزَّ وَجَلَّ إِذا قَضَى أمْراً يُسَبِّحُهُ حَمْلَةُ الْعَرْشِ، وَأَهْل السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.
يَقُولُ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيَخْبِرُونَهُمْ فَيَسْتَخْبِرَ أهْلَ كُلِّ سَمَاءٍ أهْلَ السَّمَاءِ الأُخْرَى، حَتَّى يَنْتَهِي الخَبَرُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَتَخطَفُ الجِنُّ، ويرمون فيما جاءوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَهُوَ حَقٌّ.
ولكنهم يَزِيدُونَ فِيهِ وَيَكْذِبُونَ» قال معمر: قلت للزهري: أو كان يرمى به في الجاهلية.
قال: نعم.
قال: قالت الجن لرسول الله وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [الجن: 9] قال: غلظ وشدد أمرها، حيث بعث النبيّ وقوله: دُحُوراً يعني طرداً بالشهب فيعيدونهم وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ يعني: دائم.
يعني: الشياطين لمن استمع، ولمن لم يستمع في الآخرة.
وقال مقاتل: في الآية تقديم إِلَّا مَنْ خَطِفَ من الشياطين الْخَطْفَةَ يختطف يعني: يستمع إلى الملأ الأعلى من كلام الملائكة- عليهم السلام- فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ والشهاب في اللغة كل أبيض ذي نور، والثاقب المضيء، فَاسْتَفْتِهِمْ يعني: سل أهل مكة.
وهذا سؤال تقدير لا سؤال استفهام.
وقال تعالى: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً بالبعث أَمْ مَنْ خَلَقْنا يعني: ما خلقنا من السموات، وما ذكر من المشارق والمغارب.
ويقال: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً بالبعث.
يعني: بعثهم أشد أَمْ مَنْ خَلَقْنا يعني: أم خلقهم في الابتداء.
ثم ذكر خلقهم في الابتداء فقال: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ يعني: خلقنا آدم وهم من نسله من طين حمئة.
ويقال: لازِبٍ أي: لاصق.
ويقال: لازِبٍ يعني: لازم.
إِلاَّ أن الباء تبدل من الميم، لقرب مخرجهما، كما يقال سمد رأسه، وسبد إذا استأصله، واللازب واللاصق واحد.
ثم قال: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ قرأ حمزة والكسائي: عَجِبْتَ بضم التاء.
وقرأ الباقون: بالنصب.
فمن قرأ بالنصب، فالمعنى بل عجبت يا محمد من نزول الوحي عليك، والكافرون يسخرون، مكذبين لك.
ومن قرأ بَلْ عَجِبْتَ بالضم، فهو إخبار عن الله تعالى.
وقد أنكر قوم هذه القراءة، وقالوا: إن الله تعالى لا يعجب من شيء، لأنه علم الأشياء قبل كونها، وإنما يتعجب من سمع أو رأى شيئاً لم يسمعه، ولم يره، ولكن الجواب أن يقال: العجب من الله عز وجل بخلاف العجب من الآدميين.
ويكون على وجه التعجب، ويكون على وجه الإنكار والاستعظام لذلك القول.
كما قال في آية أخرى وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: 5] وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة أن شريحاً كان يقرأ بَلْ عَجِبْتَ بالنصب.
ويقول: إنما يعجب من لا يعلم.
وقال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال إبراهيم النخعي: إن شريحاً كان معجباً برأيه، وعبد الله بن مسعود كان أعلم منه، وكان يقرؤها بَلْ عَجِبْتَ بالضم.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ هكذا بالضم، وهو اختيار أبي عبيدة.
ثم قال: وَيَسْخَرُونَ يعني: يسخرون حين سمعوا وَإِذا ذُكِّرُوا لاَ يَذْكُرُونَ يعني: إذا وعظوا بالقرآن، لا يتعظون وَإِذا رَأَوْا آيَةً يعني: علامة مثل انشقاق القمر يَسْتَسْخِرُونَ يعني: يستهزئون، ويسخرون.
وقال أهل اللغة سخر واستسخر بمعنى واحد، مثل قرأ واستقر وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني: يبين قوله عز وجل: أَإِذا مِتْنا يعني: يقولون إذا متنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ يعني: لمحيون بعد الموت أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ يا محمَّد نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ يعني: صاغرون.
<div class="verse-tafsir"
تفسير سورة «الصافّات»
وهي مكّيّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عز وجل: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا الآية، أقْسَمَ تعالى في هذه الآية بأشْيَاءَ مِنْ مخلوقاتِه، قالَ ابنُ مسعودٍ وغيرُه: «الصافات» هي الملائكة تَصُفُّ في السماءِ في عبادة الله عز وجل «١» .
وقالت فرقة: المرادُ: صفوفُ بني آدم في القتال في سبيل اللَّهِ، قال ع «٢» :
واللفظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُمَّ هذه المذكوراتِ كلَّها، قال مجاهد: «وَالزاجِرات» هي الملائكة تَزْجُرُ السحابَ وغير ذلك من مخلوقاتِ اللَّه تعالى «٣» ، وقال قتادة: «الزاجرات» هي آيات القرآن «٤» ، وفَالتَّالِياتِ ذِكْراً معناه: القارئات، قال مجاهد: أراد الملائكة التي تتلو ذكره «٥» ،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي الَّتِي تَلِي الأرْضَ، وهي أدْنى السَّمَواتِ إلى الأرْضِ ﴿ بِزِينَةٍ الكَواكِبِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "بِزِينَةِ الكَواكِبِ" مُضافًا، أيْ: بِحُسْنِها وضَوْئِها.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: "بِزِينَةٍ" مُنَوَّنَةً وخَفَضَ "الكَواكِبَ" [وَجَعَلَ "الكَواكِبَ"] بَدَلًا مِنَ الزِّينَةِ لِأنَّها هِيَ، كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ زَيْدٍ؛ [فالمَعْنى: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِالكَواكِبِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "بِزِينَةٍ" بِالتَّنْوِينِ وبِنَصْبِ "الكَواكِبَ"]؛ والمَعْنى: زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِأنْ زَيَّنّا الكَواكِبَ فِيها حِينَ ألْقَيْناها في مَنازِلِها وجَعَلْناها ذاتَ نُورٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الكَواكِبِ" في النَّصْبِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "بِزِينَةٍ" لِأنَّ قَوْلَهُ: "بِزِينَةٍ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيكٍ، وأبُو حَصِينٍ الأسَدِيُّ في آَخَرِينَ: "بِزِينَةٍ" بِالتَّنْوِينِ "الكَواكِبُ" بِرَفْعِ الباءِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: إنّا زِيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِأنْ زَيَّنَتْها الكَواكِبُ وبِأنْ زَيَّنَتِ الكَواكِبَ.
﴿ وَحِفْظًا ﴾ أيْ: وحَفِظْناها حِفْظًا.
فَأمّا المارِدُ، فَهو العاتِي، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ شَيْطانًا مَرِيدًا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسَّمَّعُونَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: "لا" هاهُنا كَقَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ .
﴿ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ؛ ويَصْلُحُ في "لا" عَلى هَذا المَعْنى الجَزْمُ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: رَبَطَتِ الفَرَسَ لا يَنْفَلِتُ.
وقالَ غَيْرُهُ: لِكَيْ لا يَسْمَعُوا إلى المَلَإ الأعْلى، وهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ في السَّماءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلْفٌ: "لا يَسْمَعُونَ" بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وأصْلُهُ: يَتَسَمَّعُونَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ.
وإنَّما قالَ: ﴿ إلى المَلإ الأعْلى ﴾ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سَمِعْتُ فَلانًا، وسَمِعَتُ مِن فُلانِ، وإلى فُلانٍ.
﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴾ بِالشُّهُبِ ﴿ دُحُورًا ﴾ قالَ قَتادَةُ: أيْ: قَذَفًا بِالشُّهُبِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: طَرْدًا، يُقالُ: دَحَرْتُهُ دَحْرًا ودُحُورًا، أيْ: دَفَعْتُهُ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والضَّحّاكُ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "دُحُورًا بِفَتْحِ الدّالِّ" .
وَفِي "الواصِبِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الدّائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ المُوجِعُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ.
وَفِي زَمانِ هَذا العَذابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ في الآَخِرَةِ.
والثّانِي: [أنَّهُ] في الدُّنْيا، فَهم يُخْرَجُونَ بِالشُّهُبِ ويُخْبَلُونَ إلى النَّفْخَةِ الأُولى في الصُّورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ ﴾ قَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: "خَطِفَ" بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ: بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ جَمِيعًا والتَّخْفِيفِ.
قالَ الزَّجّاجُ: خَطِفَ وخَطَفَ، بِفَتْحِ الطّاءِ وكَسْرِها، يُقالُ: خَطَفْتُ أخَطَفُ، وخَطِفْتُ أخْطِفُ: إذا أخَذْتَ الشَّيْءَ بِسُرْعَةٍ، وَيَجُوزُ "إلّا مَن خَطِفَ" بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ، ويَجُوزُ "خِطَفَ" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ؛ والمَعْنى: اخْتَطَفَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وسَقَطَتِ الألِفُ لِحَرَكَةِ الخاءِ؛ فَمَن فَتَحَ الخاءَ، ألْقى عَلَيْها فَتْحَةَ التّاءِ الَّتِي كانَتْ في "اخْتَطَفَ"، ومَن كَسْرَ الخاءَ، فَلِسُكُونِها وسُكُونِ الطّاءِ.
فَأمّا مَن رَوى[ "خَطَفَ" ] بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ، فَلا وجْهَ لَها إلّا وجْهًا ضَعِيفًا جِدًّا، وهو أنْ يَكُونَ عَلى إتْباعِ الطّاءِ كَسْرَةَ الخاءِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: إلّا مَنِ اخْتَطَفَ الكَلِمَةَ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ مُسارَقَةً ﴿ فَأتْبَعَهُ ﴾ أيْ: لَحِقَهُ ﴿ شِهابٌ ثاقِبٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: كَوْكَبٌ مُضِيءٌ، يُقالُ: أثْقِبْ نارَكَ، أيْ: أضِئْها، والثُّقُوبُ: ما تُذْكى بِهِ النّارُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴾ ﴿ دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ ﴾ ﴿ إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ﴾ "المَلَأُ الأعْلى": أهْلُ السَماءِ الدُنْيا فَما فَوْقَها، ويُسَمّى الكُلُّ مِنهم "أعْلى" بِالإضافَةِ إلى مَلَإ الأرْضِ الَّذِي هو أسْفَلَ، والضَمِيرُ في ﴿ "يَسَّمَّعُونَ" ﴾ لِلشَّياطِينِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: [يَسْمَعُونَ] بِسُكُونِ السِينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ - وابْنُ عَبّاسٍ - بِخِلافٍ عنهُ - وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "لا يَسَّمَّعُونَ" بِشَدِّ السِينِ والمِيمِ، بِمَعْنى: لا يَتَسَمَّعُونَ، فَيَنْتَفِي عَلى القِراءَةِ الأُولى سَماعُهم وإنْ كانُوا يَسْتَمِعُونَ، وهو المَعْنى الصَحِيحُ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم عَنِ السَمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ ، ويَنْتَفِي عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ اسْتِماعٌ أو سَماعٌ، وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَسْتَمِعُونَ حَتّى الآنَ لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ، وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ قَبْلَ أنْ يُلْقِيَ ذَلِكَ السَمْعَ إلى الَّذِي يَجِيؤُهُ؛ لِأنَّ مِن وقْتِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مُلِئَتِ السَماءُ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا، وكانَ الرَجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أخَفَّ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ مُضَمَّنُها «أنَّ الشَياطِينَ كانَتْ تَصْعَدُ إلى السَماءِ فَتَقْعُدُ لِلسَّمْعِ واحِدًا فَوْقَ آخَرَ، يَتَقَدَّمُ الأجْسَرُ نَحْوَ السَماءِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَقْضِي اللهُ تَعالى الأمْرَ في الأُمُورِ في الأرْضِ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ أهْلُ السَماءِ، فَيَسْمَعُهُ مِنهم ذَلِكَ الشَيْطانُ الأدْنى، فَيُلْقِيهِ إلى الَّذِي تَحْتَهُ، فَرُبَّما أحْرَقَهُ شِهابٌ وقَدْ ألْقى الكَلامَ، ورُبَّما لَمْ تَحْرِقْهُ جُمْلَةٌ، فَيُنْزِلُ تِلْكَ الكَلِمَةَ إلى الكُهّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَتَصْدُقُ تِلْكَ الكَلِمَةُ، فَيُصَدِّقُ الجاهِلُونَ الجَمِيعَ،» فَلَمّا جاءَ اللهُ تَعالى بِالإسْلامِ حُرِسَتِ السَماءَ بِشِدَّةٍ فَلَمْ يُفْلِتْ شَيْطانٌ سَمِعَ بَتَّةً، ويُرْوى أنَّها لا تَسْمَعُ الآنَ شَيْئًا.
والكَواكِبُ الراجِمَةُ هي الَّتِي يَراها الناسُ تَنْقَضُّ، قالَ النَقّاشُ، ومَكِّيٌّ: ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَماءِ، لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الراجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِأنَّها قَرِيبَةٌ مِنّا، وفي هَذا نَظَرٌ.
و"يُقْذَفُونَ" مَعْناهُ: ويُرْجَمُونَ.
و"الدُحُورُ": الإصْغارُ والإهانَةُ؛ لِأنَّ الزَجْرَ الدَفْعُ بِعُنْفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الدالِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: [دَحُورًا] بِفَتْحِ الدالِ، و"الواصِبُ": الدائِمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ.
وقالَ السُدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: الواصِبُ: المُوجِعُ، ومِنهُ: الوَصْبُ، والمَعْنى: هَذِهِ الحالُ الغالِبَةُ عَلى جَمِيعِ الشَياطِينِ، إلّا مَن شَذَّ فَخَطَفَ خَبَرًا أو نَبَأً فَأتْبَعَهُ شِهابٌ فَأحْرَقَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "خَطِفَ" ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطاءِ خَفِيفَةً، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: [خِطِّفَ] بِكَسْرِ الخاءِ والطاءِ وتَشْدِيدِ الطاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: يُقالُ: هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِكَسْرِ الخاءِ والطاءِ مُخَفَّفَةً.
و"الثاقِبُ": النافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، و"حَسَبٌ ثاقِبٌ" إذا كانَ سَنِيًّا مُنِيرًا.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض بين جملة ﴿ إنَّا زيَّنا السماء الدُّنيا ﴾ [الصافات: 6] وجملة ﴿ فاستفتِهِم أهُم أشدُّ خلقاً ﴾ [الصافات: 11] قصد منه وصف قصة طرد الشياطين.
وعلى تقدير قوله: ﴿ وَحِفْظاً ﴾ [الصافات: 7] مصدراً نائباً مناب فعله يجوز جعل جملة ﴿ لاَ يَسمعُونَ ﴾ بياناً لكيفية الحفظ فتكون الجملة في موقع عطف البيان من جملة ﴿ وحِفْظَاً ﴾ على حد قوله تعالى: ﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك ﴾ [طه: 120] الآية، أي انتفى بذلك الحفظ سَمع الشياطين للملأ الأعلى.
وحرف ﴿ إلى ﴾ يشير إلى تضمين فعل ﴿ يَسَّمَّعُونَ ﴾ معنى ينتهون فيسمعون، أي لا يتركهم الرمي بالشهب منتهين إلى الملأ الأعلى انتهاء الطالب المكان المطلوب بل تدحرهم قبل وصولهم فلا يتلقفون من عِلم ما يجري في الملأ الأعلى الأشياء مخطوفة غير متبينة، وذلك أبعد لهم من أن يسمعوا لأنهم لا ينتهون فلا يسمعون.
وفي «الكشاف»: أن سمعت المعدّى بنفسه يفيد الإِدراك، وسمعت المعدّى ب ﴿ إلى ﴾ يفيد الإصغاء مع الإدراك.
وقرأ الجمهور: ﴿ لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ بسكون السين وتخفيف الميم.
وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ﴿ لا يسَّمَّعون ﴾ بتشديد السين وتشديد الميم مفتوحتين على أن أصله: لا يَتسمعون فقلبت التاء سيناً توصلاً إلى الإِدغام، والتسمع: تطلب السمع وتكلفه، فالمراد التسمع المباشر، وهو الذي يتهيأ له إذا بلغ المكان الذي تصل إليه أصوات الملأ الأعلى، أي أنهم يدحرون قبل وصولهم المكان المطلوب، والقراءتان في معنى واحد.
وما نقل عن أبي عبيد من التفرقة بينهما في المعنى والاستعمال لا يصح.
وحاصل معنى القراءتين أن الشهب تحول بين الشياطين وبين أن يسمعوا شيئاً من الملأ الأعلى وقد كانوا قبل البعثة المحمدية ربما اختطفوا الخطفة فألقوها إلى الكهان فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم قدر زيادة حراسة السماء بإرداف الكواكب بعضها ببعض حتى لا يرجع من خطف الخطفة سالماً كما دلّ عليه قوله: ﴿ إلاَّ مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ ﴾ ، فالشهب كانت موجودة من قبل وكانت لا تحول بين الشياطين وبين تلقف أخبار مقطعة من الملأ الأعلى فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرمت الشياطين من ذلك.
و ﴿ الملأ ﴾ : الجماعة أهل الشأن والقدر.
والمراد بهم هنا الملائكة.
ووصف ﴿ المَلإِ ﴾ ب ﴿ الأعلى ﴾ لتشريف الموصوف.
والقذف: الرجم، والجانب: الجهة، والدُّحور: الطرد.
وانتصب على أنه مفعول مطلق ل ﴿ يقذفون ﴾ .
وإسناد فعل ﴿ يُقذفون ﴾ للمجهول لأن القاذف معلوم وهم الملائكة الموكّلون بالحفظ المشار إليه في قوله تعالى: ﴿ وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشُهُباً ﴾ [الجن: 8].
والعذاب الواصب: الدائم يقال: وصب يصب وصوباً، إذا دام.
والمعنى: أنهم يطردون في الدنيا ويحقرون ولهم عذاب دائم في الآخرة فإن الشياطين للنار ﴿ فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ في سورة [مريم: 68]، ويجوز أن يكون المراد عذاب القذف وأنه واصب، أي لا ينفكّ عنهم كلما حاولوا الاستراق لأنهم مجبولون على محاولته.
وجملة ولهم عذابٌ واصِبٌ } معترضة بين الجملة المشتملة على المستثنى منه وهي جملة ﴿ لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ﴾ وبين الاستثناء.
و ﴿ من خطف الخطفة ﴾ مستثنى من ضمير ﴿ لا يسمعونَ ﴾ فهو في محل رفع على البدلية منه.
والخطف: ابتدار تناول شيء بسرعة، و ﴿ الخطفة ﴾ المرة منه.
فهو مفعول مطلق ل ﴿ خَطِفَ ﴾ لبيان عدد مرات المصدر، أي خطفة واحدة، وهو هنا مستعار للإِسراع بسمع ما يستطيعون سمعه من كلام غير تام كقوله تعالى: ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ في سورة [البقرة: 20].
وأتبعه بمعنى تبعه فهمزته لا تفيده تعدية، وهي كهمزة أبان بمعنى بان.
والشهاب: القبس والجمر من النار.
والمراد به هنا ما يُسمّى بالنيزك في اصطلاح علم الهيئة، وتقدم في قوله: ﴿ فأتبعه شهاب مبين ﴾ في سورة [الحجر: 18].
(والثاقب: الخارق، أي الذي يترك ثَقباً في الجسم الذي يصيبه، أي ثاقب له.
وعن ابن عباس: الشهاب لا يقتل الشيطان الذي يصيبه ولكنه يحترق ويَخْبِل، أي يفسُد قِوامه فتزول خصائصه، فإن لم يضمحل فإنه يصبح غير قادر على محاولة اسْتراق السمع مرة أخرى، أي إلا من تمكّن من الدنوّ إلى محل يسمع فيه كلمات من كلمات الملأ الأعلى فيُردف بشهاب يثقبه فلا يرجع إلى حيث صدر، وهذا من خصائص ما بعد البعثة المحمدية.
وقد تقدم الكلام على استراق السمع عند قوله تعالى: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾ في سورة [الشعراء: 210، 211].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ ﴾ يَحْتَمِلُ تَخْصِيصُ سَماءِ الدُّنْيا بِالذِّكْرِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِاخْتِصاصِها بِالدُّنْيا.
الثّانِي: لِاخْتِصاصِها بِالمُشاهَدَةِ، وقَوْلُهُ "بِزِينَةٍ الكَواكِبِ" لِأنَّ مِنَ الكَواكِبِ ما خُلِقَ لِلزِّينَةِ، ومِنها ما خُلِقَ لِغَيْرِ الزِّينَةِ.
حَكى عُقْبَةُ بْنُ زِيادٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: خُلِقَتِ النُّجُومُ لِثَلاثٍ: رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ونُورًا يُهْتَدى بِهِ، وزِينَةً لِسَماءِ الدُّنْيا.
﴿ وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ الكَواكِبِ حِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَفِظَ السَّماءَ مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفِي المارِدِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُمْتَنِعُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: العاتِي مَأْخُوذٌ مِنَ التَّمَرُّدِ وهو العُتُوُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المُتَجَرِّدُ مِنَ الخَيْرِ، مِن قَوْلِهِمْ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ، إذا تَجَرَّدَتْ مِنَ الوَرَقِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مُنِعُوا بِها أنْ يَسَّمَّعُوا أوْ يَتَسَمَّعُوا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ ولا يَسْمَعُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفِي المَلَإ الأعْلى قَوْلانِ: أحَدُهُما: السَّماءُ الدُّنْيا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: المَلائِكَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يُرْمَوْنَ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَوانِبِهِمْ، وقِيلَ مِن جَوانِبِ السَّماءِ.
﴿ دُحُورًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قَذْفًا في النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: طَرْدًا بِالشُّهُبِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
قالَ ابْنُ عِيسى: والدُّحُورُ: الدَّفْعُ بِعُنْفٍ.
﴿ وَلَهم عَذابٌ واصِبٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: دائِمٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَصِلُ وجَعُهُ إلى القُلُوبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَصَبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ الِاخْتِطافِ وهو الِاسْتِلابِ بِسُرْعَةٍ، ومِنهُ سُمِّيَ الخُطّافُ.
الثّانِي: مِن وثَبَ الوَثْبَةَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشُّعْلَةُ مِنَ النّارِ.
الثّانِي: أنَّهُ النَّجْمُ.
وَفِي الثّاقِبِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَثْقُبُ، قالَهُ زَيْدٌ الرُّقاشِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ المُضِيءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الماضِي، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّهُ العالِي، قالَهُ الفَرّاءُ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُحْرِقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
السّادِسُ: أنَّهُ المُسْتَوْقِدُ، مِن قَوْلِهِمْ: اثْقُبْ زِنْدَكَ أيِ اسْتَوْقِدْ نارَكَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والأخْفَشُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: بَيْنَما المَرْءُ شِهابٌ ثاقِبٌ ضَرَبَ الدَّهْرُ سَناهُ فَخَمَدَ وَ ﴿ إلا ﴾ هاهُنا بِمَعْنى لَكِنْ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ.
وَقِيلَ: إنَّ الشِّهابَ يَحْرِقُهم لِيَنْدَفِعُوا عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ ولا يَمُوتُونَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ بزينة الكواكب ﴾ منونة.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن عياش قال: قال عاصم رضي الله عنه من قرأها ﴿ بزينة الكواكب ﴾ مضافاً، ولم ينون، فلم يجعلها زينة للسماء، وإنما جعل الزينة للكواكب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وحفظا ﴾ قال: جعلناها حفظاً ﴿ من كل شيطان مارد، لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ﴾ قال: منعوا بها.
يعني بالنجوم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ﴾ مخففة وقال: إنهم كانوا يتسمعون، ولكن لا يسمعون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ﴾ قال: الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويقذفون من كل جانب ﴾ قال: يرمون من كل مكان ﴿ دحوراً ﴾ قال: مطرودين ﴿ ولهم عذاب واصب ﴾ قال: دائم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويقذفون من كل جانب دحوراً ﴾ قال: قذفاً بالشهب ﴿ ولهم عذاب واصب ﴾ قال: دائم.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ عذاب واصب ﴾ قال: دائم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا من خطف الخطفة ﴾ يقول: إلا من استرق السمع من أصوات الملائكة ﴿ فأتبعه شهاب ﴾ يعني الكواكب.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا رمي الشهاب لم يخطئ من رمى به وتلا ﴿ فأتبعه شهاب ثاقب ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فأتبعه شهاب ثاقب ﴾ قال: إن الجني يجيء، فيسترق، فإذا سرق السمع، فرمي بالشهاب، قال للذي يليه: كان كذا وكذا.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يزيد الرقاشي في قوله: ﴿ شهاب ثاقب ﴾ قال: يثقب الشيطان حتى يخرج من الجانب الآخر، فذكر ذلك لأبي مجلز رضي الله عنه فقال: ليس ذاك، ولكن ثقوبه ضوءه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ شهاب ثاقب ﴾ قال: ضوءه إذا نقض، فأصاب الشيطان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: ﴿ الثاقب ﴾ المتوقد.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ثاقب ﴾ قالا: مضيء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: ﴿ الثاقب ﴾ المحرق.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل (١) (٢) نغالي اللحم للأضياف نيئا (٣) (٤) (١) لم أقف على هذا القول عن ابن عباس أو مقاتل أو لغيرهم ويكادون يجمعون حسب علمي على أن معنى الدحور هو: الطرد وليس الرمي كما فسره المؤلف رحمه الله فلعله وهم منه، والله أعلم.
(٢) ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ .
قال: ومعنى القذف في اللغة الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء، ويقال للسب القذف لأنه رمي بالقبيح من القول.
(٣) صدر بيت وعجزه: ونرخصه إذا نضج القدير ولم أهتد لقائله.
انظره في "معاني القرآن" للفراء 2/ 383، "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 191، "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" 2/ 219، "الدر المصون" 3/ 444، "تهذيب اللغة" 6/ 132، 7/ 135، 8/ 191، "اللسان" 15/ 131.
(٤) "معاني القرآن" 2/ 383.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى ﴾ الضمير في يسمعون للشياطين، والملأ الأعلى هم الملائكة الذين يسكنون في السماء، والمعنى أن الشياطين منعت من سماع أحاديث الملائكة.
وقرأ حفص وعاصم وحمزة يسمعون بتشديد السين والميم ووزنة يتفعلون والسمع طلب السماع، فنفى السماع على القراءة الأولى، ونفى طلبه على القراءة بالتشديد، والأول أرجح لقوله: ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ ﴾ [الشعراء: 212] ولأن ظاهر الأحاديث أنهم يستمعون، لكنه لا يسمعون شيئاً، منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يرجمون بالكواكب ﴿ وَيُقْذَفُونَ ﴾ أي يرجمون يعني بالكواكب وهي التي يراها الناس تقتضّ، قال النقاش ومكي: ليست الكواكب الراجمة للشياطين بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا.
قال ابن عطية: وفي هذا نظر ﴿ دُحُوراً ﴾ أي طرداً وإبعاداً وإهانة؛ لأن الدحر الدفع بعنف.
وإعرابه مفعول من أجله أو مصدر من يقذفون على المعنى أو مصدر في موضع الحال تقديره: مدحورين ﴿ عَذابٌ وَاصِبٌ ﴾ أي دائم، لأنهم يرجمون بالنجوم في الدنيا، ثم يقذفون في جهنم، ﴿ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة ﴾ ﴿ مَنْ ﴾ في وضع رفع بدل من الضمير في قوله: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ ﴾ والمعنى لا تسمع الشياطين أخبار السماء إلا الشيطان الذي خطف الخطفة ﴿ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ أي شديد الإضاءة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والصافات صفاً ﴾ وما بعدهما مدغماً: حمزة وأبو عمرو غير عباس ﴿ بزينة ﴾ منوناً: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ الكواكب ﴾ بالنصب: أبو بكر وحماد.
الباقون: بالجر ﴿ لا يسمعون ﴾ بتشديد السين والميم وأصله "يتسمعون": حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم.
﴿ بل عجبت ﴾ بالضم: حمزة وعلي وخلف.
الآخرون: بالفتح على الخطاب ﴿ آيذا ﴾ بالمد والياء ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة مكسورة: يزيد وقالون وزيد.
الباقون: مثل التي في "الرعد" وأما الثانية فمثل التي في "الرعد" ﴿ أو آباؤنا ﴾ مثل ﴿ أو أمن أهل القرى ﴾ وكذلك في "الواقعة" ﴿ لا تناصرون ﴾ بالتشديد البزي وابن فليح ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئنك ﴾ ﴿ أئفكا ﴾ مثل ﴿ ائنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ ينزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الآخرون: بفتح الزاي ﴿ لترديني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
الوقوف: ﴿ صفا ﴾ ه لا ﴿ زجراً ﴾ ه لا ﴿ لواحد ﴾ ه ط ﴿ المشارق ﴾ ه ط ﴿ الكواكب ﴾ ه لا ﴿ مارد ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي.
وعليه بحث يجيء في التفسير ﴿ واصب ﴾ ه لا ﴿ ثاقب ﴾ ه ج ﴿ خلقنا ﴾ ط ﴿ لازب ﴾ ه ﴿ ويسخرون ﴾ ه ص ﴿ لا يذكرون ﴾ ه ص ﴿ يستسخرون ﴾ ه ص ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ لمبعوثون ﴾ ه لا ﴿ الأوّلون ﴾ ه ط ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ مسؤولون ﴾ ه لا لأن المسؤول عنه قوله ﴿ ما لكم لا تناصرون ﴾ ه ﴿ مستسلمون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ اليمين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج ﴿ سلطان ﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ لذائقون ﴾ ه ﴿ غاوين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ بالمجرمين ﴾ ه ﴿ يستكبرون ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه ط ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ الأليم ﴾ ه ج ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ فواكه ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ مكرمون ﴾ ه لا ﴿ النعيم ﴾ ه لا ﴿ متقابلين ﴾ ج ﴿ معين ﴾ ه لا ﴿ للشارين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح وصفاً واستئنافاً ﴿ ينزفون ﴾ ه ﴿ عين ﴾ ط ﴿ مكنون ﴾ ج ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ المصدّقين ﴾ ه ﴿ لمدينون ﴾ ه ﴿ مطلعون ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ لتردين ﴾ ه ﴿ المحضرين ﴾ ه ﴿ بميتين ﴾ ه لا ﴿ بمعذبين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ العالمون ﴾ ه ﴿ الزقوم ﴾ ه ﴿ للظالمين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة ﴿ الشياطين ﴾ ه ﴿ البطون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ج ﴿ ضالين ﴾ ه لا للعطف مع اتصال المعنى ﴿ يهرعون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ المجيبون ﴾ ه ز ﴿ العظيم ﴾ ه ز ﴿ الباقين ﴾ ه ز ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا لأن ما بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه.
التفسير: إنه بدأ في أوّل هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مرّ في أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله ، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف.
قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، الا ترى أن التاء والصاد هما من طرف اللسان وأوصل الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟
وأيضاً الزاي مجهورة وفيها زيادة صفير.
ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثاً لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة.
وأما التقدير الأوّل ففيه وجوه الأوّل: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله .
والصف ترتيب الشيء على نسق.
الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل والصافين.
قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفاً أن لكل منهم مرتبة معينة في الشرف أو بالغلبة.
والزجر سوق السحاب.
قال ابن عباس: يعني الملائكة الموكلين بالسحاب.
وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم.
والتاليات الذين يتلون كتاب الله على الأبنياء.
والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الإنسانية.
الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة وغيرها.
أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله ﴿ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً ﴾ والزجرة والصيحة سواء.
والمراد رفع الصوت بزجر الخيل.
وأما التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله.
يحكى عن علي بن أبي طالب أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف دماً فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء.
الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، وكلها مترتبة ترتيباً لا يتغير ولا يتبدل فكأنها أجرام واقفة في صفوف معينة، ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات.
وأما نسبة التلاوة إليهن فمجاز كما يقال: شعر شاعر.
والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه.
ويحتمل وإن لم يذكره جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: الصابح فالغانم فالآيب *** كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب.
مثاله المصلون يقفون أوّلاً صفوفاً ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة.
وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات متغايرة؛ فالصافات الطير من قوله ﴿ والطير صافات ﴾ والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله.
أو الصافات طائفة من الملائكة أو من الأشخاص الإِنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى.
وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه.
والفاء على هذه المعاني لترتب الموصوفات في الفضل.
ثم إنه لو يقتصر في إثبات التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق ﴾ فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها.
وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ .
ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية الحفظ من الشيطان.
والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة لما تلاق به الدواة.
ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدراً مضافاً إلى الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله الكواكب وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط التي تنظم طائفة منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني عشر.
وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما يروق الناظر، ويجوز أن يقع ﴿ الكواكب ﴾ بياناً للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة.
ويجوز أن يراد بالزينة ما زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء.
ومن قرأ باتنوين ﴿ زينة ﴾ وجر ﴿ الكواكب ﴾ فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين ﴿ زينة ﴾ ونصب ﴿ الكواكب ﴾ فعلى أنه بدل من محل ﴿ بزينة ﴾ أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة.
قوله ﴿ وحفظاً ﴾ فيه وجوه أحدها: أنه محمول على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظاً من الشياطين.
وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظاً من كل شيطان زيناها بالكواكب.
وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلاً ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم.
تقول: افعل ذلك كرامة أي وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: وحفظناها حفظاً.
قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله الكواكب في زمن محمد بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء في إصغائهم.
قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبحرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول سورة الحجر.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : إن الشياطين لهم حذق كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا يمنعون منه.
وأيضاً إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟
وأيضاً مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟
والجواب أنا لا نسلم حذقهم في كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضاً كالنادر.
فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس الشيطان ناراً صرفاً، ولكن الناري غالب عليه.
ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون إلى الفلك الأخير بإذن الله.
والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في قوله مردوا على النفاق.
والضمير في قوله ﴿ لا يسمعون ﴾ لكل شيطان لأنه في معنى الجمع.
والتسمع تكلف السماع سمع أو لم سمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدّي بإلى.
وقيل: معنى سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي.
قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن يكون استئنافاً لأن سائلاً لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟
فأجيب بأنهم لا يسمعون.
لم يستقم فبقي أن يكون كلاماً منقطعاً مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة للسمع.
قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان مستأنفاً كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا.
ومن هنا زعم بعضهم أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم "أن" وأهدر عملها كما في قول القائل: ألا ايهذا الزاجري أحضر الوغى *** ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك "جئتك أن تكرمني" وحذف "أن" في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات.
قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضاً لا يصح إلا بتقدير اللام أو "من" مع "أن".
والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السموات.
وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة.
وعنه: الكتبة من الملائكة.
والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجراً.
وقوله ﴿ من كل جانب ﴾ أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب.
وقيل: من كل الجوانب.
﴿ دحوراً ﴾ أي طرداً مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران كأنه قيل: يقذفون قذفاً أو يدحرون دحوراً.
ويجوز أن يكون مفعولاً له اي لأجل الدحور أو مصدراً في موضع الحال أي مدحورين كقوله ﴿ مذموماً مدحوراً ﴾ ﴿ ولهم ﴾ أي للشياطين ﴿ عذاب واصب ﴾ دائم وقد مر في النحل في قوله ﴿ وله الدين واصباً ﴾ يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب غير منقطع ﴿ إلا من خطف ﴾ في محل الرفع بدلاً من الواو في ﴿ لا يسمعون ﴾ أي لا يسمع إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة.
وقيل: وثب وثبة.
وقيل: الاستثناء منقطع خبره ﴿ فأتبعه ﴾ أي أتبعه ورمى في أثره ﴿ شهاب ثاقب ﴾ مضيء أو ماض فإذا قذفوا احترقوا.
وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون.
وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك.
وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا في ذلك كراكبي السفينة للتجارة.
وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأوّل أن يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر فيقدر في الحالة الثانية.
أما الطريق الأوّل فاشار إليه بقوله ﴿ فاستفتهم ﴾ أي سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم.
وقيل: اراد عاداً وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية.
والقول الأول اقوى بدليل فاء التعقيب ولإطلاق قوله ﴿ خلقنا ﴾ إكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقاً أم هذه الخلائق، ومن هان عليه هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون.
وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ أي لازم والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين الحر.
وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن.
ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم يكن قابلاً للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أوّلاً فلا يبقى ريب في قبولها ثانياً، وقادرية الله باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها.
وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق الأوّل، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة.
ثم بين أنهم مع قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال ﴿ بل عجبت ﴾ من قرأ بفتح التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث ﴿ و ﴾ هم ﴿ يسخرون ﴾ من تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه.
ومن قرأ بالضم فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام الشيء.
وقيل: هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء.
وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل عجبت.
سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله غير منكر.
سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه محمولة على النهايات كالمكر والاستهزاء والمعنى: بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم ﴾ .
عند من يرى أن العجب من الله.
وقد جاء في الحديث "يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة" .
وقال أيضاً: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته" .
والألّ التضرع.
ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون.
﴿ وإذا رأوا آية ﴾ بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات ﴿ يستسخرون ﴾ يبالغون في السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر.
فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث.
قوله ﴿ أو آباؤنا ﴾ من قرأ بسكون الواو فمعطوف على محل اسم "أن"، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في ﴿ مبعوثون ﴾ وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: أيبعث أيضاً آباؤنا؟
يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد.
وعلى الأوّل أرادوا إنكار أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله بقوله ﴿ قل نعم ﴾ تبعثون ﴿ وأنتم داخرون ﴾ صاغرون أذلاء.
وإذا كان كذلك ﴿ فإنما هي ﴾ أي البعثة أو هو مبهم يوضحه خبره ﴿ زجرة ﴾ واحدة يعني صيحة النفخة الثانية ﴿ فإذا هم ينظرون ﴾ أراد أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم.
﴿ وقالوا يا ويلنا ﴾ الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله ﴿ تكذبون ﴾ يقوله الكفرة فيما بينهم.
وقيل: إن كلامهم يتم عند قوله ﴿ يا ويلنا ﴾ ثم قال الله أو الملائكة ﴿ هذا يوم الدين ﴾ الجزاء والحساب ﴿ هذا يوم الفصل ﴾ القضاء والفرق بين المحسن والمسيء ﴿ احشروا الذين ظلموا ﴾ بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم.
وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه بعد البعث اي اجمعوهم ﴿ وأزواجهم ﴾ أي أشكالهم الذي على دينهم وسيرتهم؛ الزاني مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب.
وقيل: قرناءهم من الشياطين.
وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم.
﴿ وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ من الأصنام ﴿ فاهدوهم ﴾ ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم ﴿ إلى صراط الجحيم ﴾ وسطها أو طريقها لأنه قال بعد ذلك ﴿ وقفوهم ﴾ اي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا تهكماً وتوبيخاً بالعجز عن التناصر ﴿ ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ﴾ قد أسلم بعضهم بعضاً وخذله.
وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة.
ثم حكى أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم ﴿ قالوا ﴾ لرؤسائهم ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعاً وعرفاً.
كان رسول الله يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيآت، ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح.
فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل الخير وناحيته فصدّه عنه وأضله.
قال جار الله: من المجاز ما غلب عليه الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير.
ثم صار قولك "أتاه عن اليمين" مجازاً في المعنى المذكور.
الثاني: أن يقال: فلان يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم.
الثالث: اليمين الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم.
الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع البطش غالباً أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال.
وكما أن الضمير في ﴿ قالوا ﴾ الأول كان عائداً إلى الأتباع بقرينة الخطاب، فالضمير في ﴿ قالوا ﴾ الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة.
والمعنى بل أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا.
﴿ وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً ﴾ مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ﴾ ﴿ فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون ﴾ قال مقاتل: أراد قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في العذاب وكان خبر الله حقاً فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب.
قال جار الله: لو حكى الوعيد كما هو لقال "إنكم لذائقون" ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع ﴿ فأغويناكم إنا كنا غاوين ﴾ أي أقدمنا على أغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب أغوائنا فغوايتنا إن كانت بسب إغواء غاوٍ آخر لزم التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضاً من الله كما مر في قوله ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ هذا تفسير أهل السنة.
وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: ﴿ بل لم تكونوا مؤمنين ﴾ أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة ﴿ فأغويناكم ﴾ فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين فاردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا.
وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله ﴿ فإنهم ﴾ جميعاً ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ في العذاب مشتركون ﴾ كما كانوا مشتركين في الغواية.
ولعل للمتبوعين عذاباً زائداً للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء ﴿ إنا كذلك ﴾ أي مثل ذلك الفعل ﴿ نفعل ﴾ بكل مجرم أي كافر بدليل قوله ﴿ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ﴾ يأبون من قبوله، والجملة الشرطية خبر "كان" وهو مع الاسم والخبر خبر "إن" وإن ألغيت "كان" فالخبر ﴿ يستكبرون ﴾ و"إذا" ظرفه.
﴿ ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ﴾ عنوا محمداً بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوّة جميعاً فردّ عليهم بقوله ﴿ بل جاء ﴾ متلبساً ﴿ بالحق وصدّق المرسلين ﴾ وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم في قولهم ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة قائلاً ﴿ إنكم لذائقوا العذاب الأليم ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال ﴿ وما تجوزون إلا ما كنتم تعملون ﴾ فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحققه صوناً للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة اشبه.
والسنيّ يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل.
قال جار الله ﴿ إلا عباد الله ﴾ استثناء منقطع أي لكن عباد الله ﴿ المخلصين أولئك لهم رزق ﴾ قلت: يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف.
ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله ﴿ إنكم ﴾ للمكلفين جميعاً فيصح الاستثناء المتصل مطلقاً أي تذوقون العذاب الأليم.
قوله ﴿ معلوم ﴾ قيل: أي معلوم الوقت كقوله ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصاً بخصائص خلق عليها من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر.
وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم.
وقيل: أراد أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع.
ثم فسر ذلك الرزق بأنه ﴿ فواكه ﴾ فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة.
وقيل: أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان الطعام أولى بالحضور.
وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال ﴿ وهم مكرمون ﴾ إذ الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم.
وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة جلوسهم فقال ﴿ في جنات النعيم على سرر متقابلين ﴾ وقد مر في "الحجر".
ثم وصف مشروبهم.
قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كاساً إلا إذا كان فيها خمر، وقد تسمى الخمر نفسها كأساً.
عن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر *** وكذا في تفسير ابن عباس: والمعين النهر الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء.
وقد يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جارياً قاله ثعلب.
وقيل: "فعيل" من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير أي بالغ فيه.
واشتدّ وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة في أنهار كما يجري الماء.
وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن.
﴿ ولذة ﴾ إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي تأنيث.
اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال العقول.
يقال: غاله يغوله غولاً إذا أهلكه وافسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ أي يسكرون.
وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر.
يقال: نزف الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله.
والتركيب يدور على الفناء والنفاد ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء.
وأنزف مثله ومعناه صار ذا نزف.
وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ ولا هم عنها ينزفون ﴾ هو أن الشراب لا ينقطع عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار.
والأوّلون حملوه على المبالغة.
ثم وصف منكوحهم بقوله ﴿ وعندهم قاصرات الطرف ﴾ أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله ﴿ عرباً ﴾ والعين جمع العيناء مؤنث الأعين وهو كبير العين.
ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، وذلك لأن فيها بياضاً يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور.
ثم عطف على قوله ﴿ يطاف ﴾ قوله قوله ﴿ فأقبل ﴾ وهو مضارع في المعنى إلا أنه على عادة الله في الأخبار.
ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في تخاصم أهل النار.
والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة.
قال بعضهم: وما بقيت من اللذات إلا *** أحاديث الكرام على المدام وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ابتداء الحكاية ﴿ قال قائل منهم ﴾ أي من أهل الجنة ﴿ إني كان لي قرين ﴾ جليس أو شريك في الدنيا ﴿ يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ أي بيوم الدين ﴿ أئنا لمدينون ﴾ لمجزيون من دان يدين إذا جزى.
وقيل: لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه الحديث "الكيس من دان نفسه" وعن بعضهم: أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله ﴿ واضرب لهم مثلاً رجلين ﴾ ﴿ قال ﴾ يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة ﴿ هل أنتم مطلعون ﴾ إلى النار اي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها.
عن ابن عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿ فاطلع ﴾ على أهل النار فرأى قرينه ﴿ في سواء الجحيم ﴾ وسطها ﴿ قال ﴾ لقرينه ﴿ تالله إن كدت لتردين ﴾ "إن" مخففة واللام فارقة.
والإرداء الإِهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدّي إلى الهلاك الحقيقي.
والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح ﴿ فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم ﴾ إلى آخر الآية والله أعلم.
ثم شكر الله على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل فقال ﴿ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ﴾ في النار مثلك أطلق إطلاقاً لأن الإِحضار يستعمل في الشر غالباً ولا سيما في اصطلاح القرآن.
وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قريناً له في الدنيا وهو الآن من أهل النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلاً ﴿ أفما نحن بميتين ﴾ وفيه قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أوّل دخولهم الجنة أنهم لا يموتون فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب.
وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثاً بنعمة الله واغتباطاً بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم تعجبه بها قد يقول.
أفيدوم هذا لي؟
وإن كان على يقين من دوامه.
وايضاً إنه قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخاً له وليحكيه الله فيكون لنا لطفاً وزجراً.
احتج نفاة عذاب القبر بقوله ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ فإنه يدل على أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلاً مرتين.
وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا.
وقوله ﴿ إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾ يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعاً له وتوبيخاً وأن يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقاً لهم، وكذا قوله ﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما تمم قصة المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الزرق ﴿ خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ قال جار الله: أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل.
فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم والغم.
ويمكن أن يقال: النزل ما يقدّم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك.
وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة.
وقال غيره: إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ وذلك أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ وقيل: إنما كانت فتنة لهم لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله ﴿ يوم هم على النار يفتنون ﴾ وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمداً يخوّفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر.
وذكروا أيضاً أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال: تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم.
وذكر بقية أوصاف الشجرة منها ﴿ إنها تخرج في أصل الجحيم ﴾ اي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.
وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر.
ومنها ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ قال جار الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك إذا كان يشبه الطلع شكلاً ولوناً.
وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال أحدها وهو الأقوى: إنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل النفوس إليه، وإذا كان الشيطان كله مستقبحاً فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في الجحيم.
الثاني أن الشيطان ههنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها أعراف ورؤوس قباح.
الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين.
الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة سود تكون حول مكة.
ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضاً يعود إلى الأول إلا أنه بعد التسمية كأنه صار أصلاً يشبه به.
ثم علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله ﴿ فإنهم لآكلون منها ﴾ أي من طلعها ﴿ فمالؤن منها البطون ﴾ أي بطونهم إما لأن شدّة الجوع تحملهم على تناول ذلك الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون باباً من العذاب، فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد الحرارة، وقد وصفه الله في قوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ﴾ والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج بالحميم أو يسقون صديداً أو شراباً حاراً ممزوجاً بما هو أحر وهو الحميم.
ومعنى "ثم" التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلاً للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير.
قال مقاتل: معنى "ثم" في قوله ﴿ ثم إن مرجعهم ﴾ أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردّون إلى موضعهم أي من الجحيم فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار.
وقيل: هو كقولهم "فلان يرجع إلى مال ونعمة" أي هو فيها.
وقيل: "ثم" لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع الكفار إلى النار.
وقيل: "ثم" مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان مرجعهم إلى الجحيم.
ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو التقليد.
والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقاً ولو لم يوجد في ذم التقليد إلا هذه الآية لكفى.
ثم اراد تسلية النبي إجمالاً بقوله ﴿ ولقد ضل قبلهم ﴾ أي قبل قومك ﴿ أكثر الأوّلين ﴾ ثم استثنى من قوله ﴿ ولقد ضل ﴾ أو ﴿ من المنذرين ﴾ المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة.
ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلاً, وقدّم قصة نوح لكونه أباً ثانياً ونداؤه في قوله ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ \[المؤمنون: 26\] أو قوله ﴿ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ﴾ واللام الداخلة على ﴿ نعم ﴾ جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في ﴿ فلنعم ﴾ دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقروناً بإجابة.
والكرب العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع الياس من إيمانهم وهذا أقرب.
وفي قوله ﴿ هم الباقين ﴾ بصيغة الحصر دلالة على أن كل ما سواه وسوى ذريته فقد فنوا.
روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذرّيته وهم سام وحام ويافث.
فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقاً وغرباً، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم هذه الكلمة وهي ﴿ سلام على نوح ﴾ ومعنى ﴿ في العالمين ﴾ أن هذه التحية ثبتها الله فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة.
ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو كونه محسناً وهذا جزاء كل محسن.
ثم بين أن إحسانه كان مسبوقاً بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى يصير محسناً.
وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ أعاذنا الله من الإغراق والإِحراق وجعل فلكنا فلك نوح وسفرنا متضمناً للنصر والفتوح.
التأويل: ﴿ والصافات ﴾ إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر ﴿ فالزاجرات ﴾ هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله ﴿ فالتاليات ذكراً ﴾ هم الذين يذكرون الله في الخلوات بخلوص النيات.
رب سموات القلوب وأرض النفوس وما بينهما من صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد واقمار الطوالع ونجوم اللوامع.
السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية ﴿ طين لازب ﴾ أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ذلك المقام.
فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأوّلون أقوام لهم أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف.
والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا االله فيسترها عليهم كما جاء ذكره في الحديث "إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟
فيقول: نعم اي رب.
ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا!
وكذا!؟
فيقول: نعم.
ثم يقول: اي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟
فيقول: نعم أي رب.
حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته" ﴿ إلا موتتنا الأولى ﴾ وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا موت، بل ينتقل من دار إلى دار.
﴿ لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾ بل لمثل هذه الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) على مثل ليلى يقتل المرء نفسه *** وإن بات من ليلى على اليأس والصدّ ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله ﴿ أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم ﴾ وفي قوله ﴿ كأنه رؤوس الشياطين ﴾ دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ أنه سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط المستقيم الذي هو أدقَ من الشعر وأحدّ من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ رب "سلم سلم".
وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدّوا الأمانة التي حملوها إلى أهلها وهو الله وتعالى .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ﴾ ليس أن هذه السماء التي نراها ونعاينها هي سماء الدنيا وغيرها سماء الآخرة، ولكن سماها سماء الدنيا لدنوّها من أهل الأرض وقربها منهم، وأهل الأرض هم الجن والإنس، ولهما جرى الخطاب في ذلك وفي غيره؛ وعلى ذلك قول أهل التأويل: إنها إنما سميت: سماء الدنيا؛ لدنوها من أهلها، ولقربها منهم، والله أعلم.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ﴾ أخبر أنه - عز وجل - زينها بزينة الكواكب، وزينة الكواكب نفسها أضافها إلى نفسها وهي الزينة لها لا غير، فهو - والله أعلم - كأنه قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ﴾ وهي الكواكب، أو قال: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ﴾ فسئل ما هي؟
فقال الكواكب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ﴾ .
قال - عز وجل -: ﴿ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ ، وحفظه إياها ما ذكر في قوله - عز وجل: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً ﴾ ، قال ابن عباس وغيره: قوله: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ كانوا يَسَّمَّعُون ولا يَسْمَعُون.
وقال بعضهم: كانوا لا يسمعون أخبار الملائكة وحديثهم فيما يتراجعون بينهم من أمر الله وهم الملأ الأعلى.
ومن يقول: إنهم كانوا لا يسمعون يذهب إلى ما ذكر في سورة الجن حيث قالوا: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ أخبروا أن من يستمع الآن يجد له ما ذكر؛ دل أنهم كانوا يستمعون.
فإن قيل: كيف يوفق بين هذه الآية وبين قوله - عز وجل -: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً...
* إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ استثنى الخطفة، وقال هاهنا: ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ...
﴾ كذا ثم الخطفة إلا أن يكون على التمثيل، أي: موضع يخطف، أو على حقيقة الخطفة وهي الاستلاب والأخذ على السرعة، والله أعلم.
لكن يشبه أن يكون الآية التي [قال] - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ في المؤمنين منهم؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ﴾ ، وأما ما ذكر في سورة الصافات فهو في الكفار منهم والمردة ﴿ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ ﴾ من الشياطين الذين يستمعون، والله أعلم.
ثم [في] قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ...
﴾ الآية [الجن: 9] دلالة إثبات الرسالة لمحمد ؛ لأنه كان يخبرهم أن الجن يصعدون إلى السماء الدنيا ويستمعون من أخبار الملائكة وحديثهم فيما يتراجعون فيما بينهم من أمر الله في الأرض، ثم يخبرون الكهنة بذلك، فيخبر الكهنة أهل الأرض عن ذلك أنه يكون غداً كذا وفي يوم كذا وكذا وأنه انقطع ذلك بالوحي ويمنعون، فقالت الجن ذلك وأخبرت عن أنفسهم أنهم كذلك كانوا يفعلون، فصدقوه على ما أخبر من صنيعهم.
فإن قيل: كيف صار ذلك آية له، وإنما أخبر عن قول الجن هم، وبه ظهر ذلك ومنه عرف؟!
قيل: هكذا لكن انقطاع الكهنة من بعد وحديثهم يدل على أن ذلك قد كان، ثم انقطع ذلك بالرسالة والوحي، والله أعلم.
فإن قيل: فإذا ولوا الملائكة حفظ السماء وحرسها كيف أغفلوا عما ولوا من حفظها وحرسها وامتحنوا حتى أمكن أولئك من الاستماع والاختطاف وما ذكر؟
قيل: جائز أن يشتغلوا هم بأعمال ويمتحنون بأمور أخر سوى ذلك، فيمكن ذلك لهم ما ذكر، والله أعلم.
فإن قيل: كيف كانت صنعة الشياطين من الاستماع منهم والخطف، وقد رأت وعاينت ما أصاب من فعل ذلك من القذف والرمي والاحتراق؟
قيل: إن الشياطين عادتهم طلب الغفلة في كل وقت، فجائز أن يكونوا فعلوا ذلك لما كانوا يظنون ويقع عندهم أنهم في غفلة وسهو من أمورهم، وإن كانوا يعلمون ما يصيب من فعل ذلك، والله أعلم.
ثم جائز أن يستدل بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ...
﴾ الآية [الجن: 9]، يقول علماؤنا فيمن حلف ألا يكلم فلاناً، فناداه من حيث لا يستمع: لا يحنث، وإذا ناداه من حيث يسمع حنث وإن لم يسمع؛ لما ذكر ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ﴾ ، ومعلوم أنهم كانوا يقصدون من الأرض إلى الملأ الأعلى، لكن لا يسمعون، ثم لم يذكر ذلك منهم إلا في المكان الذي يسمع؛ دل أنه على ما ذكرنا من الدلالة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .
الأشراف منهم وأهل المنزلة والكرامة، ويحتمل الجماعة؛ لأن الملأ هو اسم للشيئين: للجماعة منهم، واسم لأهل الشرف والمنزلة.
ثم لا ندري كيف سماع الجن من الملائكة؟
وما سبب ذلك؟
أن تكون تلك الأخبار وما يريد الله - عز جل - إحداثه في الأرض مكتوباً في كتاب ينظرون فيه فيعلمونه، أو ليتحدث الملائكة فيما بينهم بذلك فيستمع هؤلاء منهم ذلك، أو كيف جهة سماعهم ذلك منهم؟
وما يشبه ذلك، والله أعلم.
وفيه أن الجن تفهم كلام الملائكة وإن اختلفت جواهرهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لا يستطيع هؤلاء الشياطين أن يسمعوا الملائكة فى السماء إذا تكلموا بما يوحيه إليهم ربهم من شرعه ولا من قدره، ويرمون بالشُّهُب من كل جانب.
<div class="verse-tafsir" id="91.9GXWD"