الإسلام > القرآن > سور > سورة 37 الصافات > الآية ٨٣ من سورة الصافات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٣ من سورة الصافات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما "وإن من شيعته لإبراهيم" يقول من أصل دينه وقال مجاهد على منهاجه وسنته.
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ (83) يقول تعالى ذكره: وإن من أشياع نوح على منهاجه وملته والله لإبراهيمَ خليل الرحمن.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ ) يقول: من أهل دينه.
حدثني ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ ) قال: على منهاج نوح وسنته.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ ) قال: على مِنهاجه وسنته.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ ) قال: على دينه وملته.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ ) قال: من أهل دينه.
وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك: وإن من شيعة محمد لإبراهيم، وقال: ذلك مثل قوله وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ بمعنى: أنا حملنا ذرية من هم منه، فجعلها ذرية لهم، وقد سبقتهم.
قوله تعالى : وإن من شيعته لإبراهيم قال ابن عباس : أي : من أهل دينه .
وقال مجاهد : أي : على منهاجه وسنته .
قال الأصمعي : الشيعة الأعوان ، وهو مأخوذ من الشياع ، وهو الحطب الصغار الذي يوقد مع الكبار حتى يستوقد .
وقال الكلبي والفراء : المعنى : وإن من شيعة محمد لإبراهيم .
فالهاء في شيعته على هذا لمحمد عليه السلام .
وعلى الأول لنوح وهو أظهر ; لأنه هو المذكور أولا ، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح ، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة ، حكاه الزمخشري .
{ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ } أي: وإن من شيعة نوح عليه السلام، ومن هو على طريقته في النبوة والرسالة، ودعوة الخلق إلى اللّه، وإجابة الدعاء، إبراهيم الخليل عليه السلام.
قوله تعالى ( وإن من شيعته ) أي : أهل دينه وسنته .
( لإبراهيم)
«وإن من شيعته» أي ممن تابعه في أصل الدين «لإبراهيم» وإن طال الزمان بينهما وهو ألفان وستمائة وأربعون سنة وكان بينهما هود وصالح.
وإنَّ من أشياع نوح على منهاجه وملَّته نبيَّ الله إبراهيم، حين جاء ربه بقلب بريء من كل اعتقاد باطل وخُلُق ذميم، حين قال لأبيه وقومه منكرًا عليهم: ما الذي تعبدونه من دون الله؟
أتريدون آلهة مختلَقَة تعبدونها، وتتركون عبادة الله المستحق للعبادة وحده؟
فما ظنكم برب العالمين أنه فاعل بكم إذا أشركتم به وعبدتم معه غيره؟
وجاءت بعد قصة نوح - عليه السلام - قصة إبراهيم - عليه السلام - وقد حكى الله - تعالى - ما دار بين إبراهيم وبين قومه ، كما حكى بعض النعم التى أنعمها - سبحانه - عليه ، بسبب إيمانه وإحسانه ، فقال - تعالى - :( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ .
.
.
) .الضمير فى قوله : ( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ) يعود على نوح - عليه السلام - وشيعة الرجل : أعوانه وأنصاره وأتباعه ، وكل جماعة اجتمعوا على أمر واحد أو رأى واحد فهم شيعة ، والجمع شِيعَ مثل سِدرة وسِدَر .قال القرطبى : الشيعة : الأعوان ، وهو مأخوذ من الشياع ، وهو الحطب الصغار الذى يقود مع الكبار حتى يستوقد .والمعنى : وإن من شيعة نوح لإبراهيم - عليهما السلام - لأنه تابعه فى الدعوة إلى الدين الحق ، وفى الصبر على الأذى من أجل إعلاء كلمة الله تعالى ونصرة شريعته .
.
وهكذا جميع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -اللاحق منهم يؤيد السابق ، ويناصره فى دعوته التى جاء بها من عند ربه ، وإن اختلفت شرائعهم فى التفاصيل والجزئيات ، فهى متحدة فى الأصول والأركان .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله من شيعته إلى ماذا يعود؟
فيه قولان: الأول: وهو الأظهر أنه عائد إلى نوح عليه السلام أي من شيعة نوح أي من أهل بيته وعلى دينه ومنهاجه لإبراهيم، قالوا: وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وروى صاحب الكشاف أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة الثاني: قال الكلبي المراد من شيعة محمد لإبراهيم بمعنى أنه كان على دينه ومنهاجه فهو من شيعته وإن كان سابقاً له والأول أظهر، لأنه تقدم ذكر نوح عليه السلام، ولم يتقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فعود الضمير إلى نوح أولى.
المسألة الثانية: العامل في ﴿ إِذْ ﴾ ما دل عليه قوله: ﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ ﴾ من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم.
أما قوله: ﴿ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ قولان: الأول: قال مقاتل والكلبي يعني خالص من الشرك، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله والثاني: قال الأصوليون المراد أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل دنس من المعاصي، فيدخل فيه كونه سليماً عن الشرك وعن الشك وعن الغل والغش والحقد والحسد.
عن ابن عباس أنه كان يحب للناس ما يحب لنفسه، وسلم جميع الناس من غشه وظلمه وأسلمه الله تعالى فلم يعدل به أحداً، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بأنه تعالى ذكر بعد هذه الكلمة إنكاره على قومه الشرك بالله، وهو قوله: ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأن اللفظ مطلق فلا يقيد بصفة دون صفة، ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالمين ﴾ مع أنه تعالى قال: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين ﴾ فإن قيل ما معنى المجيء بقلبه ربه؟
قلنا معناه أنه أخلص لله قلبه، فكأنه أتحف حضرة الله بذلك القلب، ورأيت في التوراة أن الله قال لموسى أجب إلهك بكل قلبك.
واعلم أنه تعالى لما ذكر أن إبراهيم جاء ربه بقلب سليم ذكر أن من جملة آثار تلك السلامة أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد فقال: ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ والمقصود من هذا الكلام تهجين تلك الطريقة وتقبيحها.
ثم قال: ﴿ أئفكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ ﴾ قال صاحب الكشاف أئفكا مفعول له تقديره أتريدون آلهة من دونه إفكاً، وإنما قدم المفعول على الفعل للعناية وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يقرر عندهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكون إفكاً مفعولاً به يعني أتريدون إفكاً، ثم فسر الإفك بقوله: ﴿ آلهة دُونَ الله ﴾ على أنها إفك في أنفسها، ويجوز أن يكون حالاً بمعنى تريدون آلهة من دون الله آفكين.
ثم قال: ﴿ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبّ العالمين ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أتظنون برب العالمين أنه يجوز جعل هذه الجمادات مشاركة له في المعبودية.
وثانيها: أتظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها مساوية له في المعبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء.
ثم قال: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم * فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ عن ابن عباس أنهم كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم على مقتضى عادتهم، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وكان لهم من الغد يوم عيد يخرجون إليه فأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خالياًفي بيت الأصنام فيقدر على كسرها وهاهنا سؤالان الأول: أن النظر في علم النجوم غير جائز فكيف أقدم عليه إبراهيم والثاني: أنه عليه السلام ما كان سقيماً فلما قال إني سقيم كان ذلك كذباً، واعلم أن العلماء ذكروا في الجواب عنهما وجوهاً كثيرة الأول: أنه نظر نظرة في النجوم في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه سقامة كالحمى في بعض ساعات الليل والنهار، فنظر ليعرف هل هي في تلك الساعة وقال: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ فجعله عذراً في تخلفه عن العيد الذي لهم وكان صادقاً فيما قال، لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت، وإنما تخلف لأجل تكسير أصنامهم الوجه الثاني: في الجواب أن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا أصحاب النجوم يعظمونها ويقضون بها على غائب الأمور، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي في علوم النجوم وفي معانيه لا أنه نظر بعينه إليها، وهو كما يقال فلان نظر في الفقه وفي النحو وإنما أراد أن يوهمهم أنه يعلم ما يعلمون ويتعرف من حيث يتعرفون حتى إذا قال: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ سكنوا إلى قوله.
أما قوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ فمعناه سأسقم كقوله: ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ ﴾ أي ستموت الوجه الثالث: أن قوله: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم ﴾ هو قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل رَأَى كَوْكَباً ﴾ إلى آخر الآيات وكان ذلك النظر لأجل أن يتعرف أحوال هذه الكواكب هل هي قديمة أو محدثة، وقوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ يعني سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ الوجه الرابع: قال ابن زيد كان له نجم مخصوص، وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم ولأجل هذا الاستقراء لما رآه في ذلك الوقت طالعاً على تلك الصفة المخصوصة قال: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ أي هذا السقم واقع لا محالة الوجه الخامس: أن قوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ أي مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ الوجه السادس: في الجواب أنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بمقايستها حرام، لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بقوة وبخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل.
وأما الكذب فغير لازم لأنه ذكر قوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة، إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم.
الوجه السابع: قال بعضهم ذلك القول عن إبراهيم عليه السلام كذبة ورووا فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» قلت لبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز فقال ذلك الرجل فكيف يحكم بكذب الرواة العدول؟
فقلت لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى، ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد بكونه كذباً خبراً شبيهاً بالكذب؟
والوجه الثامن: أن المراد من قوله: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم ﴾ أي نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم، فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال إنها منجمة أي متفرقة ومنه نجوم الكتابة، والمعنى أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها كي يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذراً أحسن من قوله: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ والمراد أنه لابد من أن أصير سقيماً كما تقول لمن رأيته على أوقات السفر إنك مسافر.
واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما قال: ﴿ إِنّى سَقِيمٌ ﴾ تولوا عنه معرضين فتركوه وعذروه في أن لا يخرج اليوم فكان ذلك مراده ﴿ فَرَاغَ إلى ءالِهَتِهِمْ ﴾ يقال: راغ إليه إذا مال إليه في السر على سبيل الخفية، ومنه روغان الثعلب.
وقوله: ﴿ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ يعني الطعام الذي كان بين أيديهم، وإنما قال ذلك استهزاء بها، وكذا قوله: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً ﴾ فأقبل عليهم مستخفياً كأنه قال فضربهم ضرباً لأن راغ عليهم في معنى ضربهم أو فراغ عليهم ضرباً بمعنى ضارباً.
وفي قوله: ﴿ باليمين ﴾ قولان الأول: معناه بالقوة والشدة لأن اليمين أقوى الجارحتين والثاني: أنه أتى بذلك الفعل بسبب الحلف، وهو قوله تعالى عنه: ﴿ وتالله لاكِيدَنَّ أصنامكم ﴾ ثم قال: ﴿ فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ قرأ حمزة ﴿ يَزِفُّونَ ﴾ بضم الياء والباقون بفتحها وهما لغتان، قال ابن عرفة من قرأ بالنصب فهو من زف يزف، ومن قرأ بالضم فهو من أزف يزف، قال الزجاج: يزفون يسرعون وأصله من زفيف النعامة وهو ابتداء عدوها، وقرأ حمزة يزفون أي يحملون غيرهم على الزفيف، قال الأصمعي يقال أزففت الإبل إذا حملتها على أن تزف، قال وهو سرعة الخطوة ومقاربة المشي والمفعول محذوف على قراءته كأنهم حملوا دوابهم على الإسراع في المشي، فإن قيل مقتضى هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها عدوا إليه وأخذوه، وقال في سورة أخرى في عين هذه القصة: ﴿ قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرَٰهِيمُ ﴾ وهذا يقتضي أنهم في أول الأمر ما عرفوه فبين هاتين الآيتين تناقض؟
قلنا لا يبعد أن يقال إن جماعة عرفوه فعمدوا إليه مسرعين.
والأكثرون ما عرفوه فتعرفوا أن ذلك الكاسر من هو، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن شِيعَتِهِ ﴾ ممن شايعه على أصول الدين وإن اختلفت شرائعهما.
أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين.
ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من أهل دينه وعلى سنته، وما كان بين نوح وإبراهيم إلاّ نبيان: هود وصالح، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.
فإن قلت: بم تعلق الظرف؟
قلت: بما في الشيعة من معنى المشايعة، يعني: وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم، أو بمحذوف وهو: اذكر ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ من جميع آفات القلوب.
وقيل: من الشرك، ولا معنى للتخصيص لأنه مطلق، فليس بعض الآفات أولى من بعض فيتناولها كلها.
فإن قلت: ما معنى المجيء بقلبه ربه؟
قلت: معناه أنه أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلاً لذلك ﴿ أَئِفْكاً ﴾ مفعول له، تقديره: أتريدون آلهة من دون الله إفكاً، وإنما قدّم المفعول على الفعل للعناية، وقدّم المفعول له على المفعول به؛ لأنه كان الأهمّ عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم.
ويجوز أن يكون إفكاً مفعولاً به، يعني: أتريدون به إفكاً.
ثم فسر الإفك بقوله: ﴿ آلِهَةً ﴾ مّنَ ﴿ دُونِ الله ﴾ على أنها إفك في أنفسها.
ويجوز أن يكون حالاً، بمعنى: أتريدون آلهة من دون الله آفكين ﴿ فَمَا ظَنُّكُم ﴾ بمن هو الحقيق بالعبادة، لأنّ من كان رباً للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه، حتى تركتم عبادته إلى عبادة الأصنام: والمعنى: أنه لا يقدر في وهم ولا ظنّ ما يصدّعن عن عبادته.
أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء، حتى جعلتم الأصنام له أنداداً.
أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره؟.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ ﴾ مِمَّنْ شايَعَهُ في الإيمانِ وأُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
﴿ لإبْراهِيمَ ﴾ ولا يَبْعُدُ اتِّفاقُ شَرْعِهِما في الفُرُوعِ أوْ غالِبًا، وكانَ بَيْنَهُما ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وكانَ بَيْنَهُما نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ.
﴿ إذْ جاءَ رَبَّهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما في الشِّيعَةِ مِن مَعْنى المُشايَعَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ مِن آفاتِ القُلُوبِ أوْ مِنَ العَلائِقِ خالِصٍ لِلَّهِ أوْ مُخْلِصٍ لَهُ، وقِيلَ: حَزِينٌ مِنَ السَّلِيمِ بِمَعْنى اللَّدِيغِ.
ومَعْنى المَجِيءِ بِهِ رَبَّهُ: إخْلاصُهُ لَهُ كَأنَّهُ جاءَ بِهِ مُتْحِفًا إيّاهُ.
﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأُولى أوْ ظَرْفٌ لِـ ( جاءَ ) أوْ ( سَلِيمٍ ) .
﴿ أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴾ أيْ تُرِيدُونَ آلِهَةً دُونَ اللَّهِ إفْكًا مُقَدِّمٌ المَفْعُولَ لِلْعِنايَةِ ثُمَّ المَفْعُولَ لَهُ لِأنَّ الأهَمَّ أنْ يُقَرِّرَ أنَّهم عَلى الباطِلِ ومَبْنى أمْرِهِمْ عَلى الإفْكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إفْكًا مَفْعُولًا بِهِ و ( آلِهَةً ) بَدَلًا مِنهُ عَلى أنَّها إفْكٌ في نَفْسِها لِلْمُبالَغَةِ، أوِ المُرادُ بِها عِبادَتُها بِحَذْفِ المُضافِ أوْ حالًا بِمَعْنى آفِكِينَ.
﴿ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ بِمَن هو حَقِيقٌ بِالعِبادَةِ لِكَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ حَتّى تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ، أوْ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ أوْ أمِنتُمْ مِن عَذابِهِ، والمَعْنى إنْكارُ ما يُوجِبُ ظَنًّا فَضْلًا عَنْ قَطْعٍ يَصُدُّ عَنْ عِبادَتِهِ، أوْ يَجُوزُ الإشْراكُ بِهِ أوْ يَقْتَضِي الأمْنَ مِن عِقابِهِ عَلى طَرِيقَةِ الإلْزامِ وهو كالحُجَّةِ عَلى ما قَبْلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِنَّ من شِيَعتِهِ لإبْراهِيمَ} أي من شيعة نوح أي ممن شايعه على أصول الدين أو شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة وما كان بينهما إلا نبيان هود وصالح
﴿ وإنَّ مِن شِيعَتِهِ ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَ نُوحًا وتابَعَهُ في أُصُولِ الدِّينِ ﴿ لإبْراهِيمَ ﴾ وإنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُ شَرِيعَتَيْهِما، أوْ مِمَّنْ شايَعَهُ في التَّصَلُّبِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ومُصابَرَةِ المُكَذِّبِينَ، ونُقِلَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ شَرِيعَتَيْهِما اتِّفاقٌ كُلِّيٌّ أوْ أكْثَرِيٌّ، ولِلْأكْثَرِ حُكْمُ الكُلِّ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ - ولا أدْرِي الآنَ أيَّ كِتابٍ هو - أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُرْسَلْ إلّا بِالتَّوْحِيدِ ونَحْوِهِ مِن أُصُولِ العَقائِدِ، ولَمْ يُرْسَلْ بِفُرُوعٍ، قِيلَ: وكانَ بَيْنَ إبْراهِيمَ وبَيْنَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ نَبِيّانِ هُودٌ وصالِحٌ لا غَيْرَ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالنَّبِيِّ الرَّسُولُ لا ما هو أعَمُّ مِنهُ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ سامًا كانَ نَبِيًّا، وكانَ بَيْنَهُما عَلى ما في جامِعِ الأُصُولِ ألْفُ سَنَةٍ ومِائَةٌ واثْنَتانِ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ ألْفانِ وسِتُّمِائَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً.
وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ ضَمِيرَ ﴿ شِيعَتِهِ ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ، والظّاهِرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وقَلَّما يُقالُ لِلْمُتَقَدِّمِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَأخِّرِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ الأصْغَرِ بْنِ زَيْدٍ: وما لِي إلّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ وما لِي إلّا مَشْعَبَ الحَقِّ مَشْعَبُ وذِكْرُ قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ قِصَّةِ نُوحٍ لِأنَّهُ كَآدَمَ الثّالِثِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ بَعْدَهُ؛ لِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ إلّا لُوطًا، وهو بِمَنزِلَةِ ولَدِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ، ويَزِيدُ حُسْنَ الإرْدافِ أنَّ نُوحًا نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَرَقِ، وإبْراهِيمَ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَرْقِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ يعني: أضلّ إبليس قبلهم أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ يعني: من الأمم الخالية.
ولم يذكر إبليس لأن في الكلام دليلاً عليه، فاكتفى بالإشارة.
ومثل هذا كثير في القرآن.
ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ يعني: رسلاً ينذرونهم كما أرسلناك إلى قومك، فكذبوهم بالعذاب كما كذبك قومك، فعذبهم الله تعالى في الدنيا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يعني: آخر أمر من أنذر فلم يؤمن إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يعني: الموحدين، المطيعين، فإنهم لم يعذبوا.
قوله عز وجل: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ يعني: دعا نوح ربه على قومه، وهو قوله: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر: 10] فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ يعني: نعم المجيب أنا وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ يعني: من الهول الشديد، وهو الغرق.
قوله: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ لأن الذي حمل معه من الناس ثمانون رجلاً وامرأة غرقوا كلهم، ولم يبق إلا ولده سام وحام ويافث قال الفقيه أبو الليث- رحمه الله-: حدثنا أبو جعفر.
قال: حدّثنا أبو القاسم الصفار بإسناده عن سمرة بن جندب.
قال: إن النبي قال: «سَام أبُو العَرَبِ، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» .
ثم قال تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ يعني: أبقينا عليه ذكراً حسناً في الباقين من الأمم، وهذا قول القتبي: وقال مقاتل: يعني: أثنينا على نوح بعد موته ثناء حسناً.
ثم قال عز وجل: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ يعني: السعادة والبركة على نوح من بين العالمين إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ يعني: هكذا نجزي كل من أحسن إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين بالتوحيد ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ يعني: قومه الكافرين.
قوله عز وجل: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ قال مقاتل: يعني: إبراهيم من شيعة نوح- - وعلى ملته.
وقال الكلبي يعني: من شيعة محمد إبراهيم، وعلى دينه، ومنهاجه.
وذكر عن الفراء أنه قال: هذا جائز.
وإن كان إبراهيم قبله كما قال: حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ [يس: 41] .
يعني: آباءهم ذريته الذين هو منهم.
قوله عز وجل: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يعني: إبراهيم دعا ربه بقلب سليم.
أي: خالص ويقال: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي: مخلص سليم من الشرك إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ يعني: إيش الذي تعبدون.
ويقال: معناه لماذا تعبدون هذه الأوثان؟.
قوله عز وجل: أَإِفْكاً آلِهَةً يعني: أكذباً آلهة دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ عبادتها فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ إذا عبدتم غيره، فما ظنّكُم به إذ لقيتموه؟
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ قال مقاتل: يعني: في الكواكب.
ويقال: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ أي: في أمر النجوم.
ثم تفكر بالعين وبالقلب وذلك أنه رأى كوكباً قد طلع فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ أي: سأسقم.
ويقال: مطعوناً.
وهو قول سعيد بن جبير، والضحاك.
وقال القتبي: نظر في الحساب لأنه لو نظر إلى الكواكب لقال: نظر نظرة إلى النجوم.
وإنما يقال: نظر فيه إذا نظر في الحساب.
فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ أي: سأمرض غداً، وكانوا يتطيرون من المريض.
فلما سمعوا ذلك منه هربوا، فذلك قوله تعالى: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ قال الفقيه أبو الليث- رحمه الله- حدثنا الخليل بن أحمد.
قال: حدّثنا خزيمة.
قال: حدّثنا عيسى بن إبراهيم.
قال: حدّثنا ابن وهب عن جرير بن حازم، عن أيوب السجستاني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمَ قَطُّ إلاَّ ثَلاثَ كَذِباتٍ، ثِنْتَانِ فِي ذَاتِ الله قوله: إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: 63] وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَّةَ، ذلك أنَّهُ قَدِمَ أرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَّةُ، وَكَانَتْ أحْسَنَ النِّسَاءِ فَقَالَ لَهَا: إنَّ هذا الجَبَّارَ إنْ عَلِمَ أنَّكِ امْرَأَةٌ، يَغْلِبنِي عَلَيْكِ.
فَإنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أنَّكِ أُخْتِي فِي الإسْلامِ، فإنِّي لا أعْلَمُ فِي الأرْضِ مُسْلِماً غَيْرِي وَغَيْرَكِ.
فَلّمَا دَخَلَ الأرْضَ، رَآهَا بَعْضُ أهْلِ الجَبَّارِ، فأتَاهُ.
فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ دَخَلَ الْيَوْمَ أرْضَكَ امْرَأَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ إلاَّ لَكَ؟
فَأَرْسَلَ إلَيْهَا.
فَأُتِي بِهَا.
فَقَامَ إبْرَاهِيمُ إلَى الصَّلاةِ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أنْ بَسَطَ يَدَهُ إلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدَهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً.
فَقَالَ لَهَا ادْعِي الله أنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلا أضُرُّكِ.
فَفَعَلَتْ.
فَعَادَ، فَقُبِضَتْ يَدُهُ أشَدَّ مِنَ القَبْضَةِ الأُولَى.
فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ.
فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أشَدَّ مِنَ القَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي الله أنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَكِ عَلَيَّ ألاَّ أضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَأُطْلِقَتْ يَدُهُ.
فَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ: إنَّكَ أتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بإنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أرْضِي، وَأعْطَاهَا هَاجَرَ، فَأقْبَلَتْ تَمْشِي حَتَّى جَاءَتْ إلَى إبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا رَآهَا إبْرَاهِيمُ انْصَرَفَ مِنَ الصَّلاةِ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ يَعْنِي مَا الخَبَرُ؟
فَقَالَتْ: خَيْراً كُفِيتُ الفَاجِرَ، وأخْدَمَنِي خَادِماً» .
فقال أبو هريرة: فتلك أمُّكم يا بني ماء السماء.
يعني: نسل العرب منها.
لأنه روي في الخبر أنها وهبت هاجر لإبراهيم، فولد منها إسماعيل.
ويقال: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ يعني: أعرضوا عنه ذاهبين إلى عيدهم.
قوله عز وجل: فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ يعني: مال إلى أصنامهم.
ويقال: دخل بيوت الأصنام، فرأى بين أيديهم طعاماً فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ فلم يجيبوه، فقال: مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ يعني: أقبل يضربهم بيمينه.
ويقال: يضربهم باليمين التي حلف، وهو قوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ [الأنبياء: 57] ويقال: بِالْيَمِينِ.
يعني: يضربهم بالقوة.
واليمين كناية عنها، لأن القوة في اليمين فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ يعني: يسرعون قالَ إبراهيم أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ بأيديكم من الأصنام.
قرأ حمزة: يُزِفون بضم الياء.
وقرأ الباقون: بالنصب.
فمن قرأ بالنصب فأصله من زفيف النعام، وهو ابتداء عدوه.
ومن قرأ بالضم أي: يصيروا إلى الزفيف، ويدخلون في الزفيف، وكلا القراءتين يرجع إلى معنى واحد، وهو الإسراع في المشي.
ثم قال عز وجل: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ يعني: وما تنحتون به بأيديكم من الأصنام.
ومعناه: تتركون عبادة من خلقكم، وخلق ما تعملون، وتعبدون غيره قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً يعني: أتوناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ يعني: في النار العظيمة فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً يعني: أرادوا حرقه وقتله فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ يعني: الآخرين.
ويقال: الأذلين.
وعلاهم إبراهيم فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى أهلكهم الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
عُمَرَ: وَرَوَى [ابنُ وَهْبٍ] «١» هذَا الحديثَ عَنْ مالكٍ يَعْني: حديثَ: «أعوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ» بإسْنَادِهِ مِثْلَ ما في «المُوطَّإ» ، إلا أنَّه قال في آخره: «لَمْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ» «٢» انتهى.
وقوله تعالى: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ قال جماعة من العلماء: إنَّ الغَرَقَ عَمَّ جميعَ النَّاسِ، وأسْنَدُوا في ذلك أحَادِيثَ، قَالُوا: وَلَمْ يَكُنِ الناسُ حينئذٍ بهذهِ الكَثْرَةِ لأنَّ عَهْدَ آدم كانَ قريباً، وكانتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جميعَهم، لِطُولِ المدَّةِ واللَّبْثِ فِيهم، فَتَمادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَلَمْ يَقْبَلُوا مَا دَعَاهُمْ إليه من عبادةِ الرحمن فلذلكَ أغْرَقَ اللَّهُ جميعَهُمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ ﴾ أيْ: مِن أهْلِ دِينِهِ ومِلَّتِهِ.
والهاءُ في "شِيعَتِهِ" عائِدَةٌ عَلى نُوحٍ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: تَعُودُ إلى مُحَمَّدٍ ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ مِن شِيعَتِهِ، وهو قَبْلَهُ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ ، فَجَعَلَها ذُرِّيَّتَهم وقَدْ سَبَقَتْهُمْ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا فِيما مَضى [يس: ٤١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ جاءَ رَبَّهُ ﴾ أيْ: صَدَقَ اللَّهُ وآَمَنَ بِهِ ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وكُلُّ دَنَسٍ، وفِيهِ أقْوالٌ ذَكَرْناها في [الشُّعَراءِ: ٨٩] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ماذا تَعْبُدُونَ ﴾ ؟
هَذا اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ، كَأنَّهُ وبَّخَهم عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.
﴿ أإفْكًا ﴾ أيْ: أتَأْفِكُونَ إفْكًا وتَعْبُدُونَ آَلِهَةً سِوى اللَّهِ؟!
﴿ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ؟!
كَأنَّهُ قالَ: فَما ظَنُّكم أنْ يَصْنَعَ بِكُمْ؟
﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ] نَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ، وكانَ القَوْمُ يَتَعاطَوْنَ عِلْمَ النُّجُومِ، فَعامَلَهم مِن حَيْثُ هُمْ، وأراهم أنِّي أعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما تَعْلَمُونَ، لِئَلّا يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: رَأى نَجْمًا طالِعًا، فَقالَ: إنِّي مَرِيضٌ غَدًا.
والثّانِي: أنَّهُ نَظَرَ إلى النُّجُومِ، لا في عِلْمِها.
فَإنْ قِيلَ: فَما كانَ مَقْصُودُهُ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ كانَ لَهم عِيدٌ، فَأرادَ التَّخَلُّفَ عَنْهم لِيَكِيدَ أصْناهُمْ، فاعْتَلَّ بِهَذا القَوْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: سَأسْقُمُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَمْتَحِنُهُ بِالسَّقَمِ إذا طَلَعَ نَجْمٌ يَعْرِفُهُ، فَلَمّا رَأى النَّجْمَ، عَلِمَ أنَّهُ سَيَسْقُمُ.
والثّانِي: أنِّي سَقِيمُ القَلْبِ عَلَيْكم إذْ تَكَهَّنْتُمْ بِنُجُومٍ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سَقَمٌ لِعِلَّةٍ عَرَضَتْ لَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّهُ خَرَجَ مَعَهم إلى يَوْمِ عِيدِهِمْ، فَلَمّا كانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، ألْقى نَفْسَهُ وقالَ: إنِّي سَقِيمٌ أشْتَكِي رِجْلِي، ﴿ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾ ﴿ فَراغَ إلى آلِهَتِهِمْ ﴾ أيْ: مالَ إلَيْها -وَكانُوا قَدْ جَعَلُوا بَيْنَ يَدَيْها طَعامًا لِتُبارِكَ فِيهِ عَلى زَعْمِهِمْ- ﴿ فَقالَ ﴾ إبْراهِيمُ اسْتِهْزاءً بِها ﴿ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ ؟
.
وَقَوْلُهُ: ﴿ ضَرْبًا بِاليَمِينِ ﴾ في اليَمِينِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّها اليَدُ اليُمْنى، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: بِالقُوَّةِ والقُدْرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.
والثّالِثُ: بِاليَمِينِ الَّتِي سَبَقَتْ مِنهُ، وهي قَوْلُهُ: "وَتاللَّهِ لِأكِيدَنَّ أصْنامَكم " [الأنْبِياءِ: ٥٧]، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: "ضَرْبًا" مَصْدَرٌ؛ والمَعْنى: فَمالَ عَلى الأصْنامِ يَضْرِبُها ضَرْبًا بِاليَمِينِ؛ وإنَّما قالَ: "عَلَيْهِمْ"، وهي أصْنامٌ، لِأنَّهم جَعَلُوها بِمَنزِلَةِ ما يُمَيِّزُ.
﴿ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "يَزُفُّونَ" بِرَفْعِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والضَّحّاكُ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو نَهْيِكٍ: "يَزُفُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الزّايِ وتَخْفِيفِ الفاءِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أعْرَبُ القِراءاتِ فَتْحُ الياءِ وتَشْدِيدُ الفاءِ، وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامِ، وهو ابْتِداءُ عَدُوُّ النَّعامِ، يُقالُ: زَفَّ النَّعامَ يَزِفُّ؛ وأمّا ضَمُّ الياءِ، فَمَعْناهُ: يَصِيرُونَ إلى الزَّفِيفِ، وأنْشَدُوا: [تَمَنّى حَصِينٌ أنْ يَسُودَ جِذاعَهُ] فَأضْحى حَصِينٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا أيْ: صارَ إلى القَهْرِ.
وأمّا كَسْرُ الزّايِ مَعَ تَخْفِيفِ الفاءِ، فَهو مِن: وزُفَّ يَزُفُّ، بِمَعْنى أسْرَعَ يُسْرِعُ، ولَمْ يَعْرِفْهُ الكِسائِيُّ ولا الفَرّاءُ، وعَرَفَهُ غَيْرُهُما.
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَلَّغَهم ما صَنَعَ إبْراهِيمُ، فَأسْرَعُوا، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ، قالَ لَهم مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ: ﴿ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ﴾ بِأيْدِيكم ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ ﴾ ؟!، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: في "ما" وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واللَّهُ خَلَقَكم و[عَمَلَكم.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"، فَيَكُونُ المَعْنى: واللَّهُ خَلَقَكُمْ] وخَلْقَ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ بِأيْدِيكم مِنَ الأصْنامِ؛ وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ [لِلَّهِ] .
فَلَمّا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ ﴿ قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا ﴾ وقَدْ شَرَحْنا قِصَّتَهُ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٥٢ -٧٤]، وبَيَّنّا مَعْنى الجَحِيمِ في [البَقَرَةِ: ١١٩]، والكَيْدِ الَّذِي أرادُوا بِهِ: إحْراقَهُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ ﴾ أنَّ إبْراهِيمَ عَلاهم بِالحُجَّةِ حَيْثُ سَلَّمَهُ اللَّهُ مِن كَيْدِهِمْ وحَلَّ الهَلاكُ بِهِمْ.
﴿ وَقالَ ﴾ يَعْنِي إبْراهِيمَ ﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ في هَذا الذِّهابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ ذاهِبُ حَقِيقَةً، وفي وقْتِ قَوْلِهِ هَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ حِينَ أرادَ هِجْرَةَ قَوْمِهِ؛ فالمَعْنى: إنِّي ذاهِبٌ إلى حَيْثُ أمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وجَلَّ ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾ إلى حَيْثُ أمَرَنِي، وهو الشّامُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ، قالَهُ سُلَيْمانُ بْنُ صُرَدٍ؛ فَعَلى هَذا، في المَعْنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ذاهِبٌ إلى اللَّهِ بِالمَوْتِ، سَيَهْدِينِ إلى الجَنَّةِ.
والثّانِي: [ذاهِبٌ] إلى ما قَضى [بِهِ] رَبِّي، سَيَهْدِينِ إلى الخَلاصِ مِنَ النّارِ.
والقَوْلُ الثّانِي: إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي بِقَلْبِي وعَمَلِي ونِيَّتِي، قالَهُ قَتادَةُ.
فَلَمّا قَدِمَ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، سَألَ رَبَّهُ الوَلَدَ فَقالَ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: ولَدًا صالِحًا مِنَ الصّالِحِينَ، فاجْتَزَأ بِما ذَكَرَ عَمّا تَرَكَ، ومِثْلُهُ: ﴿ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ ، فاسْتَجابَ لَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ إسْحاقُ.
والثّانِي: أنَّهُ إسْماعِيلُ.
قالَ الزَّجّاجُ.
هَذِهِ البِشارَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُبَشَّرٌ بِابْنٍ ذِكْرٍ، وأنَّهُ يَبْقى حَتّى يَنْتَهِيَ في السِّنِّ ويُوَصَفُ بِالحِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ ﴾ ﴿ إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ ﴾ ﴿ فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ ﴾ ﴿ فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ ﴿ فَتَوَلَّوْا عنهُ مُدْبِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى إنْعامِهِ عَلى نُوحٍ بِالإجابَةِ كَما اقْتَرَحَ، وأثْنى تَعالى عَلى نُوحٍ بِالإحْسانِ لِصَبْرِهِ عَلى أذى قَوْمِهِ ومُطاوَلَتِهِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عِبادَتِهِ وأفْعالِهِ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ أغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ وأُمَّتَهُ ومُكَذِّبِيهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ نَصٌّ عَلى أنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَكِنْ قَدْ قالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَتْ أحادِيثَ بِأنَّ الغَرَقَ عَمَّ جَمِيعَ الناسِ إلّا مَن كانَ مَعَهُ في السَفِينَةِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ القَوْلُ بِأنَّ الناسَ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقالُوا: لَمْ يَكُنِ الناسُ حِينَئِذٍ بِهَذِهِ الكَثْرَةِ؛ لِأنَّ عَهْدَ آدَمَ كانَ قَرِيبًا، وكانَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ ونُبُوَّتُهُ قَدْ بَلَغَتْ جَمِيعَهم لِطُولِ المُدَّةِ واللُبْثِ فِيهِمْ، فَكانَ الجَمِيعُ كَفَرَةً عَبَدَةَ أوثانٍ لَمْ يَنْسُبْهُمُ الحَقُّ إلى نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ أغْرَقَ جَمِيعَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شِيعَتِهِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَعْنى: في الدِينِ والتَوْحِيدِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الفَرّاءِ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ، والإشارَةُ إلَيْهِ.
وذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ "الشِيعَةَ" مَعْناها: الصِنْفُ الشائِعُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، والشِيَعُ: الفِرَقُ، وإنْ كانَ الأعْرَفُ أنَّ المُتَأخِّرَ في الزَمَنِ هو شِيعَةٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ عَكْسُ ذَلِكَ، قالَ الشاعِرُ: وما لِيَ إلّا آلُ أحْمَدَ شِيعَةً ∗∗∗ وما لِيَ إلّا مَشْعَبُ الحَقِّ مَشْعَبُ فَجَعَلَهم شِيعَةً لِنَفْسِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: مِنَ الشَكِّ والشِرْكِ وجَمِيعِ النَقائِصِ الَّتِي تَلْحَقُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كالغِلِّ والحَسَدِ والكِبْرِ ونَحْوِهُ، قالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: لَمْ يَلْعن شَيْئًا قَطُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإفْكًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ ﴾ ، "أئِفْكًا" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، أيْ: أكَذِبًا ومُحالًا آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ؟
ونَصْبُ "آلِهَةً" عَلى البَدَلِ مِن إفْكًا، وسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الأصْلِيَّةُ مِنَ الإفْكِ.
﴿ فَما ظَنُّكُمْ ﴾ تَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ وتَوَعُّدٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَظْرَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في النُجُومِ، ورُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ كانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ إلَيْهِ، فَدَعَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِلْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَنَظَرَ حِينَئِذٍ واعْتَذَرَ بِالسَقَمِ، وأرادَ البَقاءَ خِلافِهِمْ إلى الأصْنامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، عن أبِيهِ: أرْسَلَ إلَيْهِ مَلِكُهم أنَّ غَدًا عِيدٌ فاحْضُرْ مَعَنا، فَنَظَرَ إلى نَجْمٍ طالِعٍ فَقالَ: إنَّ هَذا يَطْلُعُ مَعَ سَقَمِي، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُجُومِ ﴾ أيْ: فِيما نَجَمَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ قَوْمِهِ وحالِهِ مَعَهُمْ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَظَرَ نُجُومَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ عِلْمَ النُجُومِ كانَ عِنْدَهم مَنظُورًا فِيهِ مُسْتَعْمَلًا، فَأوهَمَهم هو مِن تِلْكَ الجِهَةِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا أهْلَ رِعايَةٍ وفِلاحَةٍ، وهاتانِ المَعِيشَتانِ يُحْتاجُ فِيهِما إلى نَظَرٍ في النُجُومِ.
واخْتُلِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي سَقِيمٌ ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي كِذْبَةٌ في ذاتِ اللهِ، أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ أنَّهُ مَرِيضٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ أعْطاهُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: أشارَ لَهم إلى مَرَضٍ وسَقَمٍ يُعْدِي كالطاعُونِ، ولِذَلِكَ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أيْ: فارِّينَ مِنهُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ لِكُفْرِهِمْ واحْتِقارِهِمْ لِأمْرِهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ - في أنَّها كِذْبَةٌ - يَجِيءُ الحَدِيثُ: « "لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كِذْباتٍ: قَوْلُهُ: إنِّي سَقِيمٌ، وقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا، وقَوْلُهُ في سارَّةَ: هي أُخْتِي".» وَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَتْ بِكِذْبَةٍ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، ولَكِنَّها مِنَ المَعارِيضِ، أخْبَرَهم بِأنَّهُ سَقِيمٌ في المالِ، وعَلى عُرْفِ ابْنِ آدَمَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لابُدَّ أنْ يَسْقَمَ ضَرُورَةً.
وقِيلَ عَلى هَذا -: أرادَ: إنِّي سَقِيمُ النَفْسِ مِن أُمُورِكم وكُفْرِكُمْ، فَظَهَرَ لَهم مِن كَلامِهِ أنَّهُ أرادَ سَقَمًا بِالجَسَدِ حاضِرًا، وهَكَذا هي المَعارِيضُ.
وهَذا التَأْوِيلُ لا يَرُدُّهُ الحَدِيثُ وذِكْرُ الكِذْباتِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَها كَذِبٌ عَلى الِاتِّساعِ بِحَسْبِ اعْتِقادِ المُخْبِرِ، والكَذِبُ الَّذِي هو قَصْدُ قَوْلِ الباطِلِ والإخْبارُ بِضِدِّ ما في النَفْسِ بِغَيْرِ مَنفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ هو الَّذِي لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.
<div class="verse-tafsir"
تخلص إلى حكاية موقف إبراهيم عليه السلام من قومه في دعوتهم إلى التوحيد وما لاقاه منهم وكيف أيده الله ونجّاه منهم، وقع هذا التخلص إليه بوصفه من شيعة نوح ليفيد بهذا الأسلوب الواحِد تأكيد الثناء على نوح وابتداءَ الثناء على إبراهيم وتخليد منقبة لنوح إن كان إبراهيم الرسول العظيم من شيعته وناهيك به.
وكذلك جَمع محامد لإِبراهيم في كلمة كونه من شيعة نوح المقتضي مشاركته له في صفاته كما سيأتي، وهذا كقوله تعالى: ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ [الإسراء: 3].
والشيعة: اسم لمن يناصر الرجل وأتباعِه ويتعصب له فيقع لفظ شيعة على الواحد والجمع.
وقد يجمع على شِيع وأشياع إذا أريد: جماعات كلُّ جماعة هي شيعة لأحد.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك في شِيَع الأولين ﴾ في سورة [الحجر: 10]، وعند قوله تعالى: ﴿ وجعل أهلها شيعاً ﴾ في سورة [القصص: 4].
وكان إبراهيم من ذرية نوح وكان دينه موافقاً لدين نوح في أصله وهو نبذ الشرك.
وجعل إبراهيم من شيعة نوح لأن نوحاً قد جاءت رسل على دينه قبل إبراهيم منهم هود وصالح فقد كانا قبل إبراهيم لأن القرآن ذكرهما غير مرة عقب ذكر نوح وقبل ذكر لوط معاصر إبراهيم.
ولقول هود لقومه: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاءَ من بعد قوم نوح ﴾ [الأعراف: 69]، ولقول صالح لقومه: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ﴾ [الأعراف: 74]، وقول شعيب لقومه: ﴿ ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد ﴾ [هود: 89].
فجعل قوم لوط أقرب زمناً لقومه دون قوم هود وقوم صالح.
وكان لوط معاصر إبراهيم فهؤلاء كلهم شيعة لنوح وإبراهيم من تلك الشيعة وهذه نعمة حادية عشرة.
وتوكيد الخبر ب ﴿ إنّ ﴾ ولام الابتداء للردّ على المشركين لأنهم يزعمون أنهم على ملة إبراهيم وهذا كقوله تعالى: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ [البقرة: 135].
و ﴿ إذ ﴾ ظرف للماضي وهو متعلق بالكون المقدَّر للجار والمجرور الواقعين خبراً عن ﴿ إنَّ ﴾ في قوله: ﴿ وإنَّ من شيعته لإبراهيم، ﴾ أو متعلق بلفظ شيعة لما فيه من معنى المشايعة والمتابعة، أي كان من شيعته حين جاء ربه بقلب سليم كما جاء نوح، فذلك وقتُ كونه من شيعته، أي لأن نوحاً جاء ربه بقلب سليم.
وفي ﴿ إذْ ﴾ معنى التعليل لكونه من شيعته فإن معنى التعليل كثير العروض ل ﴿ إذْ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ﴾ [الزخرف: 39].
وهذه نعمة على نوح وهي ثانية عشرة.
والباء في ﴿ بِقَلببٍ سليمٍ ﴾ للمصاحبة، أي جاء معه قلب صفته السلامة فيؤول إلى معنى: إذ جاء ربه بسلامة قلب، وإنما ذكر القلب ابتداء ثم وصف ب ﴿ سليمٍ ﴾ لما في ذكر القلب من إحضار حقيقة ذلك القلب النزيه، ولذلك أوثر تنكير «قلب» دون تعريف.
و ﴿ سَلِيمٍ: ﴾ صفة مشبهة مشتقة من السلامة وهي الخلاص من العلل والأدواء لأنه لما ذكر القلب ظهر أن السلامة سلامته مما تصاب به القلوب من أدوائها فلا جائز أن تعني الأدواء الجسدية لأنهم ما كانوا يريدون بالقلب إلا مقرّ الإِدراك والأخلاق.
فتعين أن المراد: صاحب القلب مع نفسه بمثل طاعة الهوى والعجب والغرور، ومع الناس بمثل الكبر والحقد والحسد والرياء والاستخفاف.
وأطلق المجيء على معاملته به في نفسه بما يرضي ربه على وجه التمثيل بحال من يجيء أحداً ملقياً إليه مَا طلبه من سلاح أو تحف أو ألطاف فإن الله أمره بتزكِية نفسه فامتثل فأشبه حال من دعاه فجاءه.
وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ أجيبوا داعي الله ﴾ [الأحقاف: 31].
وقد جمع قوله: ﴿ بِقَلْببٍ سليمٍ ﴾ جوامع كمال النفس وهي مصدر محامد الأعمال.
وفي الحديث: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ".
وقد حكي عن إبراهيم قوله: ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ﴾ [الشعراء: 88- 89]، فكان عماد ملة إبراهيم هو المتفرّع عن قوله: ﴿ بقلب سليم، ﴾ وذلك جُماع مكارم الأخلاق ولذلك وصف إبراهيم بقوله تعالى: ﴿ إن إبراهيم لحليم أواه منيب ﴾ [هود: 75]، فكان منزهاً عن كل خلق ذميم واعتقاد باطل.
ثم إن مكارم الأخلاق قابلة للازدياد فكان حظ إبراهيم منها حظاً كاملاً لعله أكمل من حظ نوح بناء على أن إبراهيم أفضل الرسل بعد محمد صلى الله عليه وسلم وادخر الله منتهى كمالها لِرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فلذلك قال: " إنما بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق "، ولذلك أيضاً وصفت ملة إبراهيم بالحنيفية ووصف الإِسلام بزيادة ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم " بُعِثت بالحنيفية السمحة " وتعليق كونه من شيعة نوح بهذا الحِين المضاف إلى تلك الحالة كناية عن وصف نوح بسلامة القلب أيضاً يحصل من قوله: ﴿ وإنَّ من شيعتِه لإبراهيم ﴾ إثبات مثل صفات نوح لإِبراهيم ومن قوله: ﴿ إذ جَاءَ ربَّهُ بقلْببٍ سليمٍ ﴾ إثبات صفة مثل صفة إبراهيم لنوح على طريق الكناية في الإثباتين، إلا أن ذلك أثبت لإِبراهيم بالصريح ويثبت لنوح باللزوم فيكون أضعف فيه من إبراهيم.
و ﴿ إذ قال لأبيهِ ﴾ بدل من ﴿ من جاء ربه بقلب سليم ﴾ بدلَ اشتمال فإن قوله هذا لما نشأ عن امتلاء قلبه بالتوحيد والغضب لله على المشركين كان كالشيء المشتمل عليه قلبه السليم فصدر عنه.
و ﴿ ماذا تعبدون ﴾ استفهام إنكاري على أن يعبدوا ما يعبدونه ولذلك أتبعه باستفهام آخر إنكاري وهو ﴿ أئِفكاً ءَالهَةً دونَ الله تريدون.
﴾ وهذا الذي اقتضى الإِتيان باسم الإِشارة بعد «ما» الاستفهامية الذي هو مُشرَب معنى الموصول المشار إليه، فاقتضى أن ما يعبدونه مشاهد لإِبراهيم فانصرف الاستفهام بذلك إلى معنىً دون الحقيقي وهو معنى الإِنكار، بخلاف قوله: ﴿ إذْ قالَ لأبيهِ وقومهِ ماذا تعبدون ﴾ في سورة [الشعراء: 70] فإنه استفهام على معبوداتهم ولذلك أجابوا عنه ﴿ قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين ﴾ [الشعراء: 71] وإنما أراد بالاستفهام هنالك التمهيد إلى المحاجّة فصوره في صورة الاستفهام لسماع جوابهم فينتقلَ إلى إبطاله، كما هو ظاهر من ترتيب حجاجه هنالك، فذلك حكاية لقول إبراهيم في ابتداء دعوته قومه، وأما ما هنا فحكاية لبعض أقواله في إعادة الدعوة وتأكيدها.
وجملة ﴿ أئِفكاً ءَالهة دون الله تريدون ﴾ بيان لجملة ﴿ ماذا تعبدون ﴾ بين به مصبّ الإِنكار في قوله: ﴿ ماذا تعبدون ﴾ وإيضاحَه، أي كيف تريدون آلهة إفكاً.
وإرادة الشيء: ابتغاؤه والعزم على حصوله، وحَقّ فعلها أن يتعدى إلى المعاني قال ابن الدمينة: تريدين قَتلي قد ظَفِرتتِ بذلك *** فإذا عدي إلى الذوات كان على معنى يتعلق بتلك الذوات كقول عمرو بن شاس الأسدي: أرادتْ عِراراً بالهوان ومن يُرِد *** عِراراً لعمري بالهوان فقد ظَلَم فلذلك كانت تعدية فعل ﴿ تُريدونَ ﴾ إلى ﴿ ءَالهة ﴾ على معنى: تريدونها بالعبادة أو بالتأليه، فكان معنى ﴿ ءَالهة ﴾ دليلاً على جانب إرادتها.
فانتصب ﴿ ءَالهةً ﴾ على المفعول به وقدم المفعول على الفعل للاهتمام به ولأن فيه دليلاً على جهة تجاوز معنى الفعل للمفعول.
وانتصب ﴿ إفكاً ﴾ على الحال من ضمير ﴿ تُريدونَ ﴾ أي آفكين.
والإِفك: الكذب.
ويجوز أن يكون حالاً من آلهة، أي آلهة مكذوبة، أي مكذوب تأليهها.
والوصف بالمصدر صالح لاعتبار معنى الفاعل أو معنى المفعول.
وقدمت الحال على صاحبها للاهتمام بالتعجيل بالتعبير عن كذبهم وضلالهم.
وقوله: ﴿ دُونَ الله ﴾ أي خلاف الله وغيره، وهذا صالح لاعتبار قومه عبدة أوثان غير معترفين بإله غير أصنامهم، ولاعتبارهم مشركين مع الله آلهة أخرى مثل المشركين من العرب لأن العرب بقيت فيهم أثارة من الحنيفية فلم ينسوا وصف الله بالإلهية وكان قوم إبراهيم وهم الكلدان يعبدون الكواكب نظير ما كان عَليه اليونان والقبط.
وفرع على استفهام الإِنكار استفهام آخر وهو قوله: ﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ وهو استفهام أريد به الإِنكار والتوقيف على الخطأ، وأريد بالظن الاعتقاد الخطأ.
وسمي ظناً لأنه غير مطابق للواقع ولم يسمه علماً لأن العلم لا يطلق إلا على الاعتقاد المطابق للواقع ولذلك عرفوه بأنه: «صفة توجِب تمييزاً لا يحتمل النقيض» ولا ينتفي احتمال النقيض إلا متى كان موافقاً للواقع.
وكثر إطلاق الظن على التصديق المخطئ والجهل المركب كما في قوله تعالى: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ في سورة [الأنعام: 116].
وقوله: ﴿ إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ [يونس: 36].
وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " والمعنى: أن اعتقادكم في جانب رب العالمين جهل منكَر.
وفعل الظن إذا عدّي بالباء أشعر غالباً بظن صادق قال تعالى: ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ [الأحزاب: 10] وقال: ﴿ وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ﴾ [فصلت: 23].
ومنه إطلاق الظنين على المتهم فإن أصله: ظنين بِه، فحذفت الباء ووصل الوصف، وذلك أنه إذا عدي بالباء فالأكثر حذف مفعوله وكانت الباء للإِلصاق المجازي، أي ظن ظناً ملصقاً بالله، أي مدّعى تعلقه بالله وإنما يناسب ذلك ما ليس لائقاً بالله.
وتقدمت الإِشارة إليه عند قوله تعالى: ﴿ وتظنون بالله الظنونا ﴾ في سورة [الأحزاب: 10].
والمعنى: فما ظنكم السيّئ بالله، ولما كان الظن من أفعال القلب فتعديته إلى اسم الذات دون إتباع الاسم بوصف متعينة لتقدير وصف مناسب.
وقد حذف المتعلق هنا لقصد التوسع في تقدير المحذوف بكل احتمال مناسب تكثيراً للمعاني فيجوز أن تعتبر من ذاتتِ ربّ العالمين أوصافُه.
ويجوز أن يعتبر منها الكنهُ والحقيقة، فاعتبار الوصف على وجهين: أحدهما: المعنى المشتق منه الرب وهو الربوبية وهي تبليغ الشيء إلى كماله تدريجاً ورفقاً فإن المخلوق محتاج إلى البقاء والإِمداد وذلك يوجب أن يَشكر المُمَدّ فلا يصد عن عبادة ربه، فيكون التقدير: فما ظنكم أن له شركاء وهو المنفرد باستحقاق الشكر المُتَمثل في العبادة لأنه الذي أمدكم بإنعامه.
وثانيهما: أن يعتبر فيه معنى المالكية وهي أحد معنيي الربّ وهو مستلزم لمعنى القهر والقدرة على المملوك، فيكون التقدير: فما ظنكم ماذا يفعل بكم من عقاب على كفرانه وهو مالِككم ومالك العالمين.
وأما جواز اعتبار حقيقة رب العالمين وكنهه.
فالتقدير فيه: فما ظنكم بكنهِ الربوبية فإنكم جاهلون الصفات التي تقتضيها وفي مقدمتها الوحدانية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن أهْلِ دِينِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: عَلى مِنهاجِهِ وسُنَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفِي أصْلِ الشِّيعَةِ في اللُّغَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأتْباعُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: قالَ الخَلِيطُ غَدًا تَصُدُّ عَنّا أوْ شَيْعَهُ أفَلا تُشَيِّعُنا قَوْلُهُ أوْ شَيْعَهُ أيِ اليَوْمَ الَّذِي يَتْبَعُ غَدًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ الشِّيعَةُ الأعْوانُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّياعِ وهو الحَطَبُ الصِّغارُ الَّذِي يُوضَعُ مَعَ الكِبارِ حَتّى يَسْتَوْقِدَ لِأنَّهُ يُعِينُ عَلى الوَقُودِ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّ مِن شِيعَةِ مُحَمَّدٍ لَإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.
الثّانِي: مِن شِيعَةِ نُوحٍ لَإبْراهِيمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.
وَفِي إبْراهِيمَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
الثّانِي: مُشْتَقٌّ مِنَ البَرْهَمَةِ وهي إدامَةُ النَّظَرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: سَلِيمٌ مِنَ الشَّكِّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مُخْلِصٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: ألّا يَكُونَ لَعّانًا، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
وَيَحْتَمِلُ مَجِيئِهِ إلى رَبِّهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عِنْدَ دُعائِهِ إلى تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ.
الثّانِي: عِنْدَ إلْقائِهِ في النّارِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ﴾ قال: أجابه الله تعالى.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في بيتي، فمر بهذه الآية ﴿ ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ﴾ قال: «صدقت ربنا، أنت أقرب من دعي، وأقرب من يعطي، فنعم المدعي، ونعم المعطي، ونعم المسؤول، ونعم المولى، وأنت ربنا، ونعم النصير» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ﴾ قال: من غرق الطوفان.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ قال: فالناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ قال: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ يقول: لم يبق إلا ذرية نوح عليه السلام ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ يقول: يذكر بخير.
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ قال: سام، وحام، ويافث.
وأخرج ابن سعد وأحمد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن سمرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والخطيب في تالي التلخيص عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث.
فولد سام العرب، وفارس، والروم، والخير فيهم.
وولد يافث يأجوج ومأجوج، والترك، والصقالبة، ولا خير فيهم.
وأما ولد حام القبط، والبربر، والسودان» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ قال: «ولد نوح ثلاثة: فسام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم» .
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه.
أن نوحاً عليه السلام اغتسل، فرأى ابنه ينظر إليه فقال: تنظر إلي وأنا أغتسل؟
حار الله لونك.
فاسود فهو أبو السودان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ قال: لسان صدق للأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ قال: هو السلام كما قال: ﴿ سلام على نوح في العالمين ﴾ .
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وتركنا عليه في الآخرين ﴾ قال: الثناء الحسن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن من شيعته ﴾ قال: من أهل ذريته.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن من شيعته لإِبراهيم ﴾ قال: من شيعة نوح إبراهيم.
على منهاجه وسننه ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ قال: ليس فيه شك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن من شيعته لإِبراهيم ﴾ قال: على دينه ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم ﴾ من الشرك ﴿ أئفكا آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين ﴾ إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ فنظر نظرة في النجوم ﴾ قال: رأى نجماً طالعاً فقال: ﴿ إني سقيم ﴾ قال كايديني في النجوم قال: كلمة من كلام العرب، يقول الله عز دينه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فنظر نظرة في النجوم ﴾ قال: كلمة من كلام العرب، يقول إذا تفكر؛ نظر في النجوم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فنظر نظرة في النجوم ﴾ قال: في السماء ﴿ فقال إني سقيم ﴾ قال: مطعون.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ قال: مريض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ قال: مطعون.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ قال: مطعون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ قال: طعين، وكانوا يفرون من المطعون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: أرسل إليه ملكهم فقال: إن غدا عيدنا فاخرج قال: فنظر إلى نجم فقال: إن ذا النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي ﴿ فتولوا عنه مدبرين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فتولوا عنه مدبرين ﴾ قال: فنكصوا عنه منطلقين ﴿ فراغ ﴾ قال: فمال ﴿ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ﴾ يستنطقهم منطلقين ﴿ ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً باليمين ﴾ أي فاقبل عليهم فكسرهم ﴿ فأقبلوا إليه يزفون ﴾ قال: يسعون ﴿ قال أتعبدون ما تنحتون ﴾ من الأصنام ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ قال: خلقكم وخلق ما تعملون بأيديكم ﴿ فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين ﴾ قال: فما ناظرهم الله بعد ذلك حتى أهلكهم ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي ﴾ قال: ذاهب بعمله، وقلبه، ونيته.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: خرج قوم إبراهيم عليه السلام إلى عيد لهم، وأرادوا إبراهيم عليه السلام على الخروج، فاضطجع على ظهره و ﴿ قال: إني سقيم ﴾ لا أستطيع الخروج، وجعل ينظر إلى السماء، فلما خرجوا أقبل على آلهتهم فكسرها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فأقبلوا إليه يزفون ﴾ قال: يجرون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فأقبلوا إليه يزفون ﴾ قال: ينسلون.
والزفيف النسلان.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يزفون ﴾ قال: يسعون.
وأخرج البخاري في خلق أفعال العباد والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله صانع كل صانع وصنعته.
وتلا عند ذلك ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ قال: فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعن حطباً لإِبراهيم، فلما جمعوا له، وأكثروا من الحطب حتى إن كانت الطير لتمر بها، فتحترق من شدة وهجها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء، والأرض، والجبال، والملائكة، إبراهيم يحرق فيك فقال: أنا أعلم به، وإن دعاكم فاغيثوه، وقال إبراهيم عليه السلام حين رفع رأسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض ولد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل فناداها ﴿ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ [ الأنبياء: 69] .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ قال: حين هاجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ قال: ولداً صالحاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: بولادة إسحاق عليه السلام.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد، مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: بشر بإسحاق قال: ولم يثن الله بالحلم على أحد إلا على إبراهيم، وإسحاق عليهما السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: هو إسماعيل عليه السلام قال: وبشره الله بنبوة إسحاق بعد ذلك.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق الزهري عن القاسم رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما هو إسحاق عليه السلام، وكان ذلك بمنى.
وقال كعب رضي الله عنه: هو إسحاق عليه السلام، وكان ذلك ببيت المقدس.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: إسماعيل عليه السلام.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: هو إسحاق عليه السلام.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبيد بن عمير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ قال: هو إسحاق عليه السلام.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ﴾ الشيعة الصنف المتفق، فمعنى من شيعته: من على دينه في التوحيد، والضمير يعود على نوح وقيل: على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والأول أظهر ﴿ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ ﴾ عبارة عن إخلاصه وإقباله على الله تعالى، بكليته وقيل: المراد المجيء بالجسد ﴿ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ أي سليم من الشرك، والشك وجميع العيوب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يزفون ﴾ بضم الياء وكسر الزاي: حمزة.
الباقون: بفتح الياء ﴿ إني أرى ﴾ ﴿ إني أذبحك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابو عمرو.
﴿ وترى ﴾ بضم التاء وكسر الراء: علي وخلف وحمزة.
﴿ ستجدني ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وإن إلياس ﴾ موصولاً كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بكسر الهمزة ﴿ الله ربكم ورب ﴾ بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.
الباقون: برفعها على الابتداء والخبر.
﴿ آل ياسين ﴾ ابن عامر ونافع ورويس.
الآخرون ﴿ إلياسين ﴾ كأنه جمع إلياس ﴿ لكاذبون اصطفى ﴾ موصلاً والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ورش الباقون: بفتحها في الحالين.
الوقوف: ﴿ لإبراهيم ﴾ ه ط لأن التقدير "واذكر".
وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف ﴿ سليم ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تريدون ﴾ ه ط لاستفهام آخر ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ في النجوم ﴾ ه لا للفاء واتحاد المعنى ﴿ سقيم ﴾ ه ﴿ مدبرين ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما مر ﴿ لا تنطقون ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه ﴿ يزفون ﴾ ه ﴿ تنحتون ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ في الجحيم ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ سيهدين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ماذا ترى ﴾ ط ﴿ ما تؤمر ﴾ ز للسين مع اتصال المقول ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ للجبين ﴾ ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة ﴿ وناديناه ﴾ جواب "لما"، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه ﴿ يا إبراهيم ﴾ ه لا ﴿ الرؤيا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ إبراهيم ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ إسحق ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وهارون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ العظيم ﴾ ه ج لذلك ﴿ الغالبين ﴾ ه لا ﴿ المستبين ﴾ ه ج ﴿ المستقيم ﴾ ه ج ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ وهارون ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصوداً فلهذا لم يكن الوقف لازماً.
﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الخالقين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالنصب ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ لمحضرون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ في الآخرين ﴾ ه لا ﴿ الياسين ﴾ ه ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا ﴿ الغابرين ﴾ ه ﴿ الآخرين ﴾ ه ﴿ مصبحين ﴾ ه لا ﴿ وبالليل ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ المدحضين ﴾ ه ج لحق المحذوف مع الفاء ﴿ مليم ﴾ ه ﴿ من المسبحين ﴾ ه لا ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ سقيم ﴾ ه ج ﴿ يقطين ﴾ ه ج ﴿ أو يزيدون ﴾ ه ط ﴿ إلى حين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ شاهدون ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ ولد الله ﴾ لا تعجيلاً لتكذيبهم ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ البنين ﴾ ه ط لابتداء استفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ تذكرون ﴾ ه ج لأن "أم" تصلح استئنافاً ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعجيل أمر التعجيز ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ نسباً ﴾ ط ﴿ لمحضرون ﴾ ه لا لتعلق الاستثناء و ﴿ سبحان الله ﴾ معترض ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ تعبدون ﴾ ه لا ﴿ بفاتنين ﴾ ه لا ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ معلوم ﴾ ه ﴿ الصافون ﴾ ه ج للعطف مع الاتفاق ﴿ المسبحون ﴾ ه ج ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ من الأوّلين ﴾ ه لا ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولاً للكلمة ﴿ المنصورون ﴾ ه ص لعطف الجملتين المفقتين ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ يستعجلون ﴾ ه ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه لا ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ عما يصفون ﴾ ه ج لعطف جملتين مختلفتين ﴿ المرسلين ﴾ ه ج للابتداء بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: الضمير في ﴿ شيعته ﴾ يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحاً على أصول الدين أو على التصلب في الدين.
وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقاً والأوّل لتقدّم ذكر نوح.
ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة.
ومعنى ﴿ جاء ربه ﴾ أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له.
والقلب السليم قد مرّ في "الشعراء".
ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد.
ومعنى ﴿ ماذا تعبدون ﴾ أي شيء تعبدونه كقوله في "الشعراء" ﴿ وما تعبدون ﴾ سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله ﴿ أئفكاً ﴾ هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل.
ويجوز أن يكون ﴿ إفكاً ﴾ حالاً معنى أو مفعولاً به ﴿ آلهة ﴾ بدل منه على أنها إفك في أنفسها.
﴿ فما ظنكم برب العالمين ﴾ حتى جعلتم الجمادات أنداداً له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته.
وفي قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قولان: الأوّل أنه صدر منه كذباً لمصلحة رأى فيه، ولما جاء في الحديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله: ﴿ إني سقيم ﴾ وقوله ﴿ بل فعلهم كبيرهم ﴾ وقوله لسارة إنها أختي" وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء.
والثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة.
وأما الحديث فنسبه الراوي إلى الكذب أولى من نسبة نبي الله إلى ذلك.
وفي التوجيه وجوه: الأوّل إن النظر في النجوم يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه خص كل واحد من الكواكب بقوّة وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا نيفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقماً كالحمى الثابتة، أو أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولا داء أعي منه.
الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله ﴿ فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ إلى آخر الآية.
أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة.
وقوله ﴿ إني سقيم ﴾ أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم النفس لكفركم.
الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحرياً منها ما فيه شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به.
وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذراً أحسن من قوله ﴿ إني سقيم ﴾ قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله ﴿ فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم ﴾ ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها مراوغاً قومه من روغان الثعلب.
وقيل: راغ بقوله ﴿ إني سقيم ﴾ حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم.
وقوله ﴿ ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون ﴾ استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه.
وقيل: وضع الطعام ليبارك فيه.
وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق.
وإنما جاء في هذه السورة ﴿ فقال ألا تأكلون ﴾ بالفاء وفي "الذاريات" ﴿ قال ألا تأكلون ﴾ بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، وفي الذاريات" يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون فقال ألا تأكلون.
﴿ فراغ عليهم ﴾ عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا كان بطريق العنف والقهر وهذا كما يقال في المحبوب: مال إليه.
وفي المكروه: مال عليه.
وقوله ﴿ ضرباً ﴾ مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي بضرب ضرباً أو ضارباً.
ومعنى ﴿ باليمين ﴾ اي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو باقوّة مجازاً، أو بسبب الحلف وهو قوله ﴿ تالله لأكيدن أصنامكم ﴾ ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ أي إلى إبراهيم ﴿ يزفون ﴾ بمشون على سرعة.
وزفيف النعامة ابتداء عدوها.
ومن قرأ بضم الياء فإما لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعدٍ والمفعول محذوف أي يزفون دوابهم أو بعضهم بعضاً وقد مر نظيره في التوبة في قوله ﴿ ولأوضعوا خلالكم ﴾ قال بعض الطاعنين، قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم.
وقوله في "الأنبياء" ﴿ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ﴾ دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض.
وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه.
على أن قوله ﴿ فأقبلوا إليه ﴾ لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر.
وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم فـ ﴿ ـقال أتعبدون ما تنحتون ﴾ وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور الأشاعرة بقوله ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾ على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم.
وزيف بأن "ما" موصولة لتناسب قرينتها في قوله ﴿ ما تنحتون ﴾ وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم.
والصحيح أن الآية كقوله ﴿ بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن ﴾ أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً ﴾ قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون.
وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها.
والجحيم النار العظيمة.
ومعنى الفاء في قوله ﴿ فأرادوا ﴾ كقوله ﴿ أهلكناها فجاءها بأسنا ﴾ كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها.
وقد صح أنهم أرادوا به كيداً ﴿ فجعلناهم الأسفلين ﴾ الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة.
وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ الأسفلين ﴾ لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في طباقه أنسب.
ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ كقوله في "العنكبوت" ﴿ إني مهاجر إلى ربي ﴾ وإنما حكم بقوله ﴿ سيهدين ﴾ ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتماداً على فضل الله أو عرف ذلك بالوحي.
وحين هاجر إلى الرض المقدسة أراد الولد فقال ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ والله بين استجابته بقوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وصف الغلام بالعلم في سورة الحجر وبالحلم ههنا.
فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه يكون حليماً، وأيّ حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه بالحلوم كما وصف به إبراهيم في قوله ﴿ إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب ﴾ .
وقيل: العليم إسحق لقوله ﴿ فأقبلت امرأته في صرة ﴾ والحليم إسماعيل.
ثم حكى حديث ذبحه قائلاً ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ أي قوي على أن يمشي مع أبيه في حوائجه.
والظرف بيان كأنه قال أوّلاً ﴿ فلما بلغ السعي ﴾ فقيل: مع من؟
فأجيب مع أبيه.
ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدّم عليه ولا بقوله ﴿ بلغ ﴾ لأنهما لم يبلغا معاً حد السعي - والمعنى في اختصاص الأب إخراج الكلام مخرج الأغلب.
وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته.
يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع وفي طاعة الله.
اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل لقوله "أنا ابن الذبيحين" فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله.
وذلك أن عبد المطلب نذر إن بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحداً منهم تقرباً، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد اتلله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها وسن الدية مائة.
وفي رواية أن أعرابياً قال للنبي "يا ابن الذبيحين".
فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر الله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده.
فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه بمائة من الإبل.
حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت ابا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك؟
ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة.
وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله ﴿ وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين ﴾ وهو صبره على الذبح في قوله ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾ ووصفه بصدق الوعد ﴿ إنه كان صادق الوعد ﴾ وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح فوفى به.
أخرى: ﴿ ومن وراء إسحق يعقوب ﴾ فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه.
أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ ثم إنه ذكر عقيبة قصة الذبح.
وأيضاً قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ يجب أن يكون غير قوله ﴿ فبشرناه بغلام حليم ﴾ وإلا لزم التكرار.
حجة أخرى: ان قرني الكبش كانا ميراثاً لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج.
وعن علي وابن مسعود وكعب الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما روي أن النبي سئل اي النسب أشرف؟
فقال: يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.
وأجابوا عن قوله: ﴿ وبشرناه بإسحاق ﴾ أنه بشر بغلام أوّلاً ثم بنبوته ثانياً.
وايضاً صرح بالمبشر به في قوله ﴿ فبشرناه بإسحق ﴾ وفي قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ فيحمل عليه المبهم في قوله ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ وأيضاً لا نسلم أن البشارة بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتباراً بقراءة من قرأ ﴿ يعقوب ﴾ بالرفع.
وأيضاً أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ هو مهاجرته إلى الشام ثم قال ﴿ فبشرناه بغلام ﴾ فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة.
وكان الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح.
ويتفرع على اختلاف المفسرين في الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى أن الذبح كان بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا ان الذبح كان بالشام وخصه بعضهم ببيت المقدس.
إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله ﴿ يا بني إني أرى في المنام ﴾ إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا الأنبياء وحي ثانٍ فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة: رأيت في المنام أني ناجٍ من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك.
ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه.
قال بعض المفسرين: رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروّي في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية.
فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر.
وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي.
ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا تبصر من رأيك وتدبيرك.
وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ذلك ﴿ قال يا أبت افعل ما تؤمر ﴾ أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير.
اي أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: ﴿ فلما اسلما ﴾ أي انقادا وخضعا لأمر الله.
قال قتادة: اسلم هذا ابنه وهذا نفسه.
﴿ وتله ﴾ أي صرعه.
واللام في ﴿ للجبين ﴾ كهي في قوله ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ والجبين أحد جانبي الجبهة.
وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال له اذبحني وأنا ساجد.
يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا اضطرب واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك واسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون اسهل.
فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله.
ثم اقبل عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إليّ حتى لا تدركك رقة تحول بينك وبين أمر الله.
قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ذلك من الثواب والثناء، وقد اشير إلى جميع ذلك بقوله ﴿ إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا ﴾ الأمر الذي قد وقع ﴿ لهو البلاء المبين ﴾ الذي يتميز فيه المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه.
يروى أنه لما وصل موضع السجود منه الأرض جاء الفرج.
وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين وونودي يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا.
فنظر فإذا جبرائيل معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه وذلك قوله ﴿ وفديناه بذبح عظيم ﴾ والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه،.
والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن.
وقوله ﴿ عظيم ﴾ أي سمين ضخم الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي.
قال "استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" .
والاستشراف جعلها شريفة وكريمة.
وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيماً وقد رعى في الجنة أربعين خريفاً.
وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل.
وقيل: سمي عظيماً لعظم قدره حيث قبله الله فداء عن ولد خليله.
وقيل: وصفه بالعظم لبقاء أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام مالا يحصيه إلا الله.
وعن الحسن: أنه وعل أهبط عليه من ثبير.
وقال السدّي: نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم فذبحه وخلى ابنه.
استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور وقته.
وقالت المعتزلة.
وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه أمر إبراهيم في المنام بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر.
سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءاً فجزءاً فلهذا قيل له ﴿ قد صدّقت الرؤيا ﴾ .
والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلاً من عدم وقوع الذبح في الظاهر ولهذا قال ﴿ وفديناه ﴾ .
بإسناد الفداء إلى ذاته .
والحق أن نسخ الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على الانقياد والطاعة أم لا.
وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف وتكريم ووضع سنة مؤكدة.
وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فبقيت سنة في الرمي.
وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر.
فقال الولد الذبيح: لا إله إلا الله واله أكبر.
فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد.
فبقي سنة.
قوله ﴿ وتركنا ﴾ إلى قوله ﴿ المؤمنين ﴾ قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ههنا ﴿ في العالمين ﴾ اكتفاء بما علم في قصة نوح.
ولم يقل ههنا ﴿ إنا كذلك ﴾ بل اقتصر على ﴿ كذلك ﴾ لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض.
قوله ﴿ وبشرناه بإسحق ﴾ من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحق بعد إسماعيل.
ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوّته وقد كان بشر بمولده.
قوله ﴿ نبياً من الصالحين ﴾ كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدراً وعالماً وحاكماً بأنه نبي صالح.
وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه حال مقدرة من إسحق.
وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل.
﴿ وباركنا عليه ﴾ قيل: أي على الغلام المبشر به.
قيل: على إبراهيم: ﴿ وعلى إسحق ﴾ اي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا.
ومن جملة ذلك ما روي أنه أخرج من صلب غسحق ألفي نبي أوّلهم يعقوب وآخرهم عيسى وهم المشار إليهم بقوله ﴿ ومن ذريتهما محسن ﴾ ويعلم من قوله ﴿ وظالم لنفسه ﴾ أن البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب.
وأما قصة موسى فلا خفاء بها.
والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه.
وقيل: الغرق.
والضمير في ﴿ نصرناهم ﴾ لها ولقومهما.
والمستبين البليغ في بيانه وهو التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ.
والصراط المستقيم دين الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل.
وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون.
وقيل: هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم.
و"إذ" ظرف لمحذوف أي اذكر يا محمد لقومك ﴿ إذ قال لقومه ألا تتقون ﴾ الله.
قال الكلبي.
أي ألا تخافون عبادة غير الله.
وحين خوّفهم مجملاً ذكر سببه فقال ﴿ أتدعون ﴾ أي أتعبدون ﴿ بعلاً ﴾ وهم اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعاً وله اربعة أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس.
قال الإمام فخر الدين الرازي : لو جوّزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحاً في كثير من المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل.
قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوّة بمعجزات أخر.
وقيل: البعل الرب بلغة اليمن.
والمعنى أتبعدون بعض البعول وتتركون عبادة أحسن الخالقين.
ثم بين أجزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب غداً.
وباقي القصة ظاهر إلا قوله ﴿ إلياسين ﴾ فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي سلام على أهل ياسين.
وقيل: آل ياسين آل محمد .
وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: سلام على من آمن بكتاب الله.
والوجه الأوّل هو أنسب الأقوال.
ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: أراد به إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة.
وقيل: إنه لغة في إلياس.
قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا ههنا.
حكى الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان فيهم ملك يقال له "أحب" وله امرأة يقال لها "إزبيل" وكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف.
فجاء فرس من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟
فرمى إلياس إليه بكسائه من الجوّ وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل.
ورفع الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً.
وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من بني آدم.
وكان الحسن يقول: قد هلك إليا والخضر ولا نقول كما يقول الناس.
وقصة لوط مذكورة مراراً.
ومعنى ﴿ مصبحين وبالليل ﴾ أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشأم فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره.
وقصة يونس أيضاً مما سبق ذكرها، وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي قال بعضهم: إنه أرسله ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله .
فالإباق وهو هرب العبد من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان الإرسال من الله .
وأما الجواب عن إباقة فقد مر في قوله ﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضباً ﴾ قوله ﴿ المشحون ﴾ كالعلة لقوله ﴿ فساهم ﴾ والمساهمة المقارعة.
يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا.
قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة.
يروى أنه حين غضب على قومه خرج من بينهم حتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما رناه من غير ريح ولا سبب ظاهر.
وقد يزعم أهل البحر أن السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس.
فقال التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله.
ثم عادوا ثانياً وثالثاً فخرج سهمه فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى نفسه إلى الماء.
﴿ فالتقمه الحوت ﴾ أي ابتلعه كاللقمة ﴿ وهو مليم ﴾ داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم.
أي يلوم غيره وهو أحق منه باللوم ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين ﴾ قيل: أي من المصلين.
قيل: أي من المصلين.
عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء.
وقيل: من الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح والتقديس كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات.
والأظهر أن المراد منه ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ .
والضمير في ﴿ يبعثون ﴾ للخلائق بالقيرنة وقوله ﴿ للبث ﴾ في أقوال: أحدها: يبقى هو والحوت إلى يوم البعث.
والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه.
والثالث يموتان ثم يحشر يونس من بطنه.
واختلفوا في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن الحسن أنه لم يلبث إلا قليلاً.
وقيل: ثلاثة ايام.
وعن عطاء: سبعة.
وعن الضحاك: عشرون.
وقال الكلبي: أربعون.
روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً راسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم يفارقهم حتى انتهوا إلى البر فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.
عن أبي هريرة عن النبي أنه قال "سبح يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة.
فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح.
قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل" وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له.
قال المبرد والزجاج: هو "يفعيل" من قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده وقيل لرسول الله : إنك لتحب القرع.
قال: أجل هي شجرة أخي يونس.
قال الواحدي: في الآية دلالة أوّلاً على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته الله لأجله.
والآخر أن اليقطين كان قائماً بحيث يحصل له ظل.
قلت: الثاني مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم.
وقيل: هي التين.
وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى من ثمارها.
وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها.
وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعاً فأوحى إليه: بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه.
وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و"أو" في قوله ﴿ أو يزيدون ﴾ ليست للشك وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر.
ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث المعنى كأنه قيل: وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون.
وقيل: التقدير وأرسلناه إلى مائة ألف وارسلناه إلى قوم ثزيدون في الإيهام.
وكم الزائد؟
قيل: ثلاثون ألفاً.
عن ابن عباس.
وقيل: بضعة وثلاثون.
وقيل: بضعة وأربعون.
وقيل: سبعون.
وجاء مرفوعاً عشرون الفاً.
ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه يبقى فيهم مدة كما قال ﴿ فآمنوا فمتعناهم إلى حين ﴾ هو انقضاء آجالهم.
وقيل: القيامة وقد مر.
ثم عطف قوله ﴿ فاستفتهم ﴾ على مثله في أول السورة.
والوجه فيه أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلاً بعضه ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله قائلين الملائكة بنات الله مع كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين.
وحين استفتاهم على سبيل التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون حساً أو خبراً أو نظراً.
أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله ﴿ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون ﴾ وأما الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعاً وهؤلاء كذابون أفاكون وأشار إليه بقوله ﴿ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ﴾ وأما النظر فمفقود أياضً وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده لأنه أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك قوله ﴿ أَصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون ﴾ من قرا اصطفى بفتح الهمزة فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة.
الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم وهو قوله ﴿ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ وقوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ للمفسرين فيه قولان: أحدهما أنهم الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من صفته الاحتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسباً لا يجوز عليه صفات الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله ﴿ إنهم لمحضرون ﴾ للكفرة.
والمعنى أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون.
وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون بيزدان واهر من كما مر في "الأنعام" في قوله ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين.
روى عكرمة أنهم قالوا: سروات الجن بنات الرحمن.
وقال الكلبي: زعموا أن الله تزوّج إلى الجن فخرج منها الملائكة.
والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة.
قال جار الله: الاستثناء في قوله ﴿ إلا عباد الله ﴾ منقطع معناه إنهم لمحضرون ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه.
وجوّز أن يكون الاستثناء من الضمير في ﴿ يصفون ﴾ اي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن من وصفه بما لا ينبغي.
وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بيّن أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق في علم الله بأنه من أهل النار.
وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها.
وجوز جار الله أن تكون الواو في ﴿ وما تعبدون ﴾ بمعنى "مع" وجاز السكوت على ﴿ تعبدون ﴾ كما في قولهم "كل رجل وضيعته".
ثم قال ﴿ ما أنتم عليه ﴾ أي على ما تعبدون ﴿ بفاتنين إلا من هو صال ﴾ مثلكم.
وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن يكون قوله ﴿ سبحان الله ﴾ إلى قوله ﴿ المسبحون ﴾ من كلام الملائكة والمعنى: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين.
وقالوا للكفرة: فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحداً من خلقه إلا من كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار.
وكيف نكون مناسبين لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السروة ونحن المسبحون وقال في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلا طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب درجتهم من درجة الملك فضلاً عن دعوى الأفضلية؟
قلت: لا شك أن هذا التركيب يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم.
وقيل: هذه الآيات من قول رسول الله أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر عمله.
ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ويسبحون الله وينزهونه.
ثم حكى أن مشركي قريش ﴿ كانوا يقولون لو أن عندنا ذكراً ﴾ أي كتاباً من جملة كتب الأوّلين اي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف لأخلصنا العبادة لله.
وإن مخففة واللام فارقة ﴿ فكفروا به ﴾ الفاء للربط أي فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به ﴿ فسوف يعلمون ﴾ وخامة عاقبة التكذيب.
وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما يقول محمد لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه.
ثم بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلاً وآجلاً، والأول أكثريّ والثاني تحقيق يقيني.
ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلاً ﴿ فتوّل عنهم ﴾ أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر.
عن السدي: أو إلى الموت والقيامة.
﴿ وأبصرهم ﴾ وما يقضى عليهم من السر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة فسوف يبصرونك وما يؤل غليه أمرك من النصر والثواب في الدارين.
وفي هذا الأمر تنفيس عن النبي وتسلية له كأن الحالة الموعودة قدام عينيه قرباً وتحققاً.
و ﴿ سوف ﴾ في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه.
وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحاً فسميت الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعدما أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشنّ الغارة عليهم.
وقيل: نزل في فتح مكة.
وعن أنس: لما أتى رسول الله خيبر وكانوا خارجين إلى مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس.
ورجعوا إلى حصنهم فقال : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم.
واللام في ﴿ المنذرين ﴾ للجنس.
وإنما ثنى وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية.
والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، وأطلق الفعل الثاني ايضاً اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة.
واعلم أن السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني.
ومعنى ﴿ رب العزة ﴾ كقوله ﴿ قل اللهم مالك الملك ﴾ والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه.
عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ولكن كلام الله.
والظاهر أن قوله ﴿ عما يصفون ﴾ يتعلق ﴿ بسبحان ﴾ كما في قوله ﴿ سبحان الله عما يصفون ﴾ وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء من تحقيق هذه الحالة في آخر يس.
قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ عن علي : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس ﴿ سبحان ربك رب العزة ﴾ إلى آخر السورة.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ﴾ .
أي: إبراهيم - - من شيعة نبينا محمد يقول على دينه ومنهاجه.
وقال بعضهم: من شيعة نوح، أي: إبراهيم من شيعة نوح - عليهما السلام - على ما تقدم ذكر نوح - عليه الصلاة والسلام - حيث قال: ﴿ نَادَانَا نُوحٌ...
﴾ إلى آخر ذلك أن إبراهيم من شيعته على دينه ومنهاجه.
وقيل: لذكرها ﴿ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ : عن جميع ما يمنعه من الإجابة لربه فيما دعاه، والصبر على ما امتحنه وابتلاه، والله أعلم.
وعلى ذلك سماه الله - عز وجل - في كتابه الكريم: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ ﴾ جميع ما أمر به وامتحن به، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذلك في الآخرة يقول: ﴿ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ أخبر أنه في الآخرة يكون من الصالحين وذلك سلامة قلبه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل - ﴿ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ ﴾ .
قد اختلف سؤال إبراهيم - صلوات الله عليه - بقوله مرة: قال لهم ﴿ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ ، ثم ذكر في غير هذا الموضع إجابتهم إياه حيث قالوا: ﴿ نَعْبُدُ أَصْنَاماً ﴾ ، وما قالوا: ﴿ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴾ ، ولم يذكر هاهنا شيئاً قالوه له، ثم معلوم أنه لا بهذا اللسان أجابوه بما أجابوه، ثم ذكره على اختلاف الألفاظ والحروف ليعلم أن تغيير الحروف والألفاظ لا يغير المعنى، وكذلك جميع القصص التي ذكرت في القرآن يذكرها مكررة معادة مختلفة الألفاظ والحروف والقصة واحدة؛ ليدل أن المأخوذ والمقصود من الكلام معناه لا لفظه وحروفه، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: إفكا أي: كذباً تمسككم بالأصنام التي تعبدونها من دونه، يقول: كذباً ذلك، ليست بآلهة دون الله [و]عبادته.
أو يقول: إفكا، أي: كذباً الآلهة التي اتخذتموها آلهة دون الله، يريدون أن يتخذوا آلهة وهو قريب [من] الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: فما ظنكم برب العالمين أن يفعل بكم إذا اتخذتم دونه آلهة، وصرفتم العبادة والشكر عنه إلى من دونه، وقد تعلمون أنه هو المنعم عليكم هذه [النعم] وهو أسدى إليكم هذا الإحسان وهو أداها إليكم.
أو يقول: فما ظنكم برب العالمين أنه يرحمكم ويفعل بكم خيراً في الآخرة بعد تسميتكم الأصنام: آلهة، وعبادتكم إياها دون الله، بعد علمكم: أنه هو خالقكم، وهو سخر لكم جميع ما في الدنيا وهو أنشأها لكم، فما تظنون به أن يفعل بكم: أن يرحمكم ويسوق إليكم خيراً؟!
أي: لا تظنوا به ذلك، ولكن ظنوا جزاء صنيعكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ .
أي: سأسقم، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ﴾ للحال؛ فعلى ذلك قول إبراهيم -: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ أي: سأسقم.
أو يقول: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ وهو صادق؛ إذ ليس من الخلق أحد إلا وبه سقم ومرض وإن قل، فعلى ذلك قول إبراهيم، .
وقول من قال: إن إبراهيم - - كذب ثلاثاً: أحدها: هذا ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ فذلك وحش من القول سمج، لا جائز أن ينسب الكذب إلى رسول الله وهو من أنبيائه لا يقع قط في وجه من الوجوه، ويذكر أهل التأويل أن قومه أرادوا أن يخرجوا بإبراهيم إلى عيدهم، فنظر إبراهيم نظرة في النجوم فقال: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ ليخلفوه ويتركوه؛ ليكسر أصنامهم التي يعبدونها على ما فعل من الكسر والنحت، ويذكرون أنه إنما نظر في النجوم؛ لأن قومه كانوا يعملون بالنجوم ويستعملونها وعلم النجوم، فإن كان ذلك، فهو - والله أعلم - أراد أن يرى من نفسه الموافقة لهم ليلزمهم الحجة عند ذلك وهو ما ذكر في قوله: ﴿ هَـٰذَا رَبِّي ﴾ و ﴿ هَـٰذَآ أَكْبَرُ ﴾ ونحوه، قال ذلك على إظهار الموافقة لهم من نفسه؛ ليكون إلزام الحجة عليهم والصرف عما هم عليه أهون وأيسر؛ إذ هكذا الأمر بالمعروف في الخلق أن من أراد أن يصرف آخر عن مذهب أو دين أنه إذا أظهر من نفسه الموافقة له [كان ذلك أهون عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ ﴾ ] عليهم ضرباً باليمين أي: ضربهم ضرباً باليمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ .
أي: فراغ إلى ما اتخذوا هم، وسموها آلهة، ذكرها على ما عندهم وعلى ما اتخذوها هم وإلا لم يكونوا آلهة، وكذلك قول موسى: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ أي: انظر إلى إلهك الذي هو عندك، وإلا لم يكن هو إلهاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ﴾ .
كأن طعاماً [كان] موضوعاً بين يديها؛ لذلك قال: ألا تأكلون؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ ﴾ .
بحوائجكم، أو يشبه أن يكون قوله: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ ﴾ : أنه من فعل بها ما فعل؛ كقوله: ﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ ﴾ عمن فعل بهم هذا، سفه قومه في عبادتهم الأصنام، وهي لا تأكل ولا تنطق ولا تملك دفع من قصد بها ضررا، فكيف تطمعون شفاعتها لكم في الآخرة وهي لا تملك ما ذكر؟!
والله أعلم؛ وهو كقوله: ﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ .
أي: مال ورجع عليهم.
وقوله: ﴿ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ضرباً مألوفاً ليمينه التي كانت منه حيث قال: ﴿ وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ بالقوة، وقد يعبر باليمين عن القوة كما يعبر باليد عن القوة.
وقال بعضهم: ﴿ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ ﴾ ، أي: بيده اليمنى نفسها، على ما يعمل المرء أكثر أعماله باليمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ .
ظاهر هذا أنهم أقبلوا إليه وقت ما كسرها وفعل بها ما فعل، لكن في آية أخرى ما يدل أن إقبالهم إليه كان بعد ما خرج من عندها وغاب وكان بعد ذلك بزمان؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ * قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ...
﴾ الآية [الأنبياء: 59-60]، ولو كانوا أقبلوا إليه مزفين وهو عندها حاضر لم يحتاجوا إلى أن يقولوا: ﴿ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ ﴾ ، بل يقولون: إن إبراهيم فعل ذلك بها، ولا كان لقول إبراهيم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ ﴾ معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَزِفُّونَ ﴾ .
قال بعضهم: يمشون إليه.
وقال بعضهم: يسرعون؛ وهو قول أبي عوسجة.
وأصل التزفيف: كأنه المشي فيه سرعة، على ما يسرع المرء في المشي إذا أصابه شيء أو فعل به أمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ .
يسفههم بعبادتهم ما ينحتون بأيديهم ويتخذونها بأنفسهم، على علم منهم أنها لا تملك نفعاً ولا ضرّاً، والذي نحتها أولى بالعبادة له [أي:] أولى بأن يعبد - إن كان يجوز العبادة لمن دونه - من ذلك المنحوت؛ إذ هو يملك شيئاً من النفع والضر والمنحوت لا، فإذا لم تعبدوا الناحت لها والمتخذ وهو أقرب وأنفع، فكيف تعبدون ذلك المنحوت الذي لا يملك شيئاً وتركتم عبادة الذي خلقكم وخلق أعمالكم؟!
ثم من أصحابنا من احتج على المعتزلة بهذه الآية في خلق أفعال العباد؛ يقولون: أخبر - - عن خلق أنفسهم وعن خلق أعمالهم حيث قال: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
لكنهم يقولون: ليس فيه دلالة خلق أفعالهم؛ ألا ترى أنه قال : ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ وهم لا يعبدون النحت إنما يعبدون ذلك المنحوت؛ فعلى ذلك لم يخلق أفعالهم وأعمالهم، ولكن خلق ذلك المعمول نفسه، والله أعلم.
لكن الاحتجاج عليهم من وجه آخر في ذلك كأنه أقرب وأولى وهو أن صير ذلك المعمول خلقا لله بقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ؛ لأنهم إنما يعبدون ذلك المعمول [وهو] مخلوق لله دل أن عملهم الذي عملوا به مخلوق؛ لذلك قلنا: إن فيه دلالة خلق أعمالهم، والله أعلم.
وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ إنما صار التواب والمتطهر محبوباً لحبه التوبة والتطهر، وصار المعتدي غير محبوب لبغضه الاعتداء، فعلى ذلك المعمول صار مخلوقاً بخلقه عمله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً ﴾ .
كأنه قال بعضهم لبعض: ابنوا له بنياناً ليجمع فيه الحطب فتعظم فيه النار فيصير جحيماً، ثم ألقوا إبراهيم في الجحيم، والجحيم قد ذكرنا أنه معظم النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ ﴾ .
أي: هالكين، يقولون: ما تأخر الله بعد ذلك حتى أهلكهم.
ويشبه أن يكون ما ذكرنا والله أعلم، فإذا أرادوا إهلاك إبراهيم - - فصاروا من الهالكين، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإن إبراهيم من أهل دينه الذين وافقوه في الدعوة إلى توحيد الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.jBXJW"