الآية ١٥ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ١٥ من سورة الزمر

فَٱعْبُدُوا۟ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قل إن الخاسرين ) أي : إنما الخاسرون كل الخسران ( الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) أي : تفارقوا فلا التقاء لهم أبدا ، سواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار ، أو أن الجميع أسكنوا النار ، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور ، ( ذلك هو الخسران المبين ) أي : هذا هو الخسار البين الظاهر الواضح .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهم: إن الهالكين الذين غَبَنوا أنفسهم, وهلكت بعذاب الله أهلوهم مع أنفسهم, فلم يكن لهم إذ دخلوا النار فيها أهل, وقد كان لهم في الدنيا أهلون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قال: هم الكفار الذين خلقهم الله للنار, وخلق النار لهم, فزالت عنهم الدنيا, وحرمت عليهم الجنة, قال الله: خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ .

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قال: هؤلاء أهل النار, خسروا أنفسهم في الدنيا, وخسروا الأهلين, فلم يجدوا في النار أهلا وقد كان لهم في الدنيا أهل.

حُدثت عن ابن أبي زائدة, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: غبنوا أنفسهم وأهليهم, قال: يخسرون أهليهم, فلا يكون لهم أهل يرجعون إليهم, ويخسرون أنفسهم, فيهلكون في النار, فيموتون وهم أحياء فيخسرونهما.

وقوله: ( أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) يقول تعالى ذكره: ألا إن خسران هؤلاء المشركين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة, وذلك هلاكها هو الخسران المبين, يقول تعالى ذكره: هو الهلاك الذي يبين لمن عاينه وعلمه أنه الخسران.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فاعبدوا ما شئتم من دونه أمر تهديد ووعيد وتوبيخ ، كقوله تعالى : اعملوا ما شئتم وقيل : منسوخة بآية السيف .قوله تعالى : قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة قال ميمون بن مهران عن ابن عباس : ليس من أحد إلا وقد خلق الله له زوجة في الجنة ، فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله .

في رواية عن ابن عباس : فمن عمل بطاعة الله كان له ذلك المنزل [ ص: 217 ] والأهل إلا ما كان له قبل ذلك ، وهو قوله تعالى : أولئك هم الوارثون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ } كما قال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ } حقيقة هم { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } حيث حرموها الثواب، واستحقت بسببهم وخيم العقاب { وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي: فرق بينهم وبينهم، واشتد عليهم الحزن، وعظم الخسران.

{ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } الذي ليس مثله خسران، وهو خسران مستمر، لا ربح بعده، بل ولا سلامة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) أمر توبيخ وتهديد ، كقوله : " اعملوا ما شئتم " ( فصلت - 40 ) .

( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ) أزواجهم وخدمهم ، ( يوم القيامة ) قال ابن عباس : وذلك أن الله جعل لكل إنسان منزلا في الجنة وأهلا فمن عمل بطاعة الله كان ذلك المنزل والأهل له ، ومن عمل بمعصية الله دخل النار ، وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة الله .

وقيل : خسران النفس بدخول النار ، وخسران الأهل بأن يفرق بينه وبين أهله ، ( ألا ذلك هو الخسران المبين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاعبدوا ما شئتم من دونه» غيره، فيه تهديد لهم وإيذان بأنهم لا يعبدون الله تعالى «قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة» بتخليد الأنفس في النار وبعدم وصولهم إلى الحور المعدَّة لهم في الجنة لو آمنوا «ألا ذلك هو الخسران المبين» البيَّن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: إني أعبد الله وحده لا شريك له مخلصًا له عبادتي وطاعتي، فاعبدوا أنتم- أيها المشركون- ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام وغير ذلك من مخلوقاته، فلا يضرني ذلك شيئًا.

وهذا تهديد ووعيد لمن عبد غير الله، وأشرك معه غيره.

قل -أيها الرسول-: إن الخاسرين- حقًا- هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك بإغوائهم في الدنيا وإضلالهم عن الإيمان.

ألا إن خسران هؤلاء المشركين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة هو الخسران البيِّن الواضح.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين نفي المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم، أتبعه بأن أمر رسوله بأن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام: النوع الأول: قوله: ﴿ قُلْ يا عِبَادِى الذين ءامَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ ﴾ والمراد أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى، وهذا من أول الدلائل على أن الإيمان يبقى مع المعصية، قال القاضي: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم، لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم الثواب وبالإقدام عليها يحبط، فيقال له هذا بأن يدل على ضد قولك أولى، لأنه لما أمر المؤمنين بالتقوى دل ذلك على أنه يبقى مؤمناً مع عدم التقوى، وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان.

واعلم أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالاتقاء بين لهم ما في هذا الاتقاء من الفوائد، فقال تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ فقوله: ﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ يحتمل أن يكون صلة لقوله: ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ أو لحسنة، فعلى التقدير الأول معناه للذين أحسنوا في هذه الدنيا كلهم حسنة في الآخرة، وهي دخول الجنة، والتنكير في قوله: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ للتعظيم يعني حسنة لا يصل العقل إلى كنه كمالها.

وأما على التقدير الثاني: فمعناه الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة، والقائلون بهذا القول قالوا هذه الحسنة هي الصحة والعافية، وأقول الأولى أن تحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية».

ومن الناس من قال القول الأول أولى ويدل عليه وجوه: الأول: أن التنكير في قوله: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ يدل على النهاية والجلالة والرفعة، وذلك لا يليق بأحوال الدنيا، فإنها خسيسة ومنقطعة، وإنما يليق بأحوال الآخرة، فإنها شريفة وآمنة من الانقضاء والانقراض والثاني: أن ثواب المحسن بالتوحيد والأعمال الصالحة إنما يحصل في الآخرة قال تعالى: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ وأيضاً فنعمة الدنيا من الصحة والأمن والكفاية حاصلة للكفار، وأيضاً فحصولها للكافر أكثر وأتم من حصولها للمؤمن، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».

وقال تعالى: ﴿ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ  ﴾ .

الثالث: أن قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ يفيد الحصر، بمعنى أنه يفيد أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا، وهذا باطل.

أما لو حملنا هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا الحصر، فكأن حمله على حسنة الآخرة أولى، ثم قال الله تعالى: ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ وفيه قولان الأول: المراد أنه لا عذر ألبتة للمقصرين في الإحسان، حتى إنهم إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفرة على الإحسان وصرف الهمم إليه، قل لهم فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فتحولوا من هذه البلاد إلى بلاد تقدرون فيها على الاشتغال بالطاعات والعبادات، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم، ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم، وطاعة إلى طاعتهم، والمقصود منه الترغيب في الهجرة من مكة إلى المدينة والصبر على مفارقة الوطن، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا  ﴾ والقول الثاني: قال أبو مسلم: لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة، وذلك لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهي خشية الله، ثم بين أن من اتقى فله في الآخرة الحسنة، وهي الخلود في الجنة، ثم بين أن أرض الله، أي جنته واسعة، لقوله تعالى: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ والقول الأول عندي أولى، لأن قوله: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ لا يليق إلا بالأول، وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: أما تحقيق الكلام في ماهية الصبر، فقد ذكرناه في سورة البقرة، والمراد هاهنا بالصابرين الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله تعالى.

المسألة الثانية: تسمية المنافع التي وعد الله بها على الصبر بالأجر توهم أن العمل على الثواب، لأن الأجر هو المستحق، إلا أنه قامت الدلائل القاهرة على أن العمل ليس عليه الثواب، فوجب حمل لفظ الأجر على كونه أجراً بحسب الوعد، لا بحسب الاستحقاق.

المسألة الثالثة: أنه تعالى وصف ذلك الأجر بأنه بغير حساب، وفيه وجوه: الأول: قال الجبائي: المعنى أنهم يعطون ما يستحقون ويزدادون تفضلاً فهو بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا المستحق لكان ذلك حساباً، قال القاضي هذا ليس بصحيح، لأن الله تعالى وصف الأجر بأنه بغير حساب، ولو لم يعطوا إلا الأجر المستحق، والأجر غير التفضل الثاني: أن الثواب له صفات ثلاثة أحدها: أنها تكون دائمة الأجر لهم، وقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ معناه بغير نهاية، لأن كل شيء دخل تحت الحساب فهو متناه، فما لا نهاية له كان خارجاً عن الحساب.

وثانيها: أنها تكون منافع كاملة في أنفسها، وعقل المطيع ما كان يصل إلى كنه ذلك الثواب، قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» وكل ما يشاهدونه من أنواع الثواب وجدوه أزيد مما تصوروه وتوقعوه، وما لا يتوقعه الإنسان، فقد يقال إنه ليس في حسابه، فقوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ محمول على هذا المعنى والوجه الثالث: في التأويل أن ثواب أهل البلاء لا يقدر بالميزان والمكيال، روى صاحب الكشاف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينصب الله الموازين يوم القيامة، فيؤتى أهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض لما به أهل البلاء من الفضل».

النوع الثاني: من البيانات أمر الله رسوله أن يذكرها قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟

ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى!

فأنزل الله، قل يا محمد إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين، وأقول إن التكليف نوعان: أحدهما: الأمر بالاحتراز عما لا ينبغي والثاني: الأمر بتحصيل ما ينبغي، والمرتبة الأولى مقدمة على المرتبة الثانية بحسب الرتبة الواجبة اللازمة، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قدم الأمر بإزالة ما ينبغي فقال: ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ لأن التقوى هي الاحتراز عما لا ينبغي ثم ذكر عقيبه الأمر بتحصيل ما ينبغي فقال: ﴿ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وهذا يشتمل على قيدين أحدهما: الأمر بعبادة الله.

الثاني: كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي وشوائب الشرك الخفي، وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير، وقوله تعالى: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ لا شبهة في أن المراد إني أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها، وفي هذه الآية فائدتان: الفائدة الأولى: كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعاً فيه وأكثرهم مداومة عليه.

الفائدة الثانية: أنه قال: ﴿ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ والعبادة لها ركنان عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح، فقدم ذكر الجزء الأشرف وهو قوله: ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ ثم ذكر عقيبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإسلام في خبر جبريل عليه السلام بالأعمال الظاهرة، وهو المراد بقوله في هذه الآية: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ وليس لقائل أن يقول ما الفائدة في تكرير لفظ ﴿ أُمِرْتُ ﴾ لأنا نقول ذكر لفظ ﴿ أُمِرْتُ ﴾ أولاً في عمل القلب وثانياً في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريراً.

الفائدة الثالثة: في قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَن أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ التنبيه على كونه رسولاً من عند الله واجب الطاعة، لأن أول المسلمين في شرائع الله لا يمكن أن يكون إلا رسول الله، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ، ولما بين الله تعالى أمره بالإخلاص بالقلب وبالأعمال المخصوصة، وكان الأمر يحتمل الوجوب ويحتمل الندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال: ﴿ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجري هذا الكلام على نفسه، والمقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي، لأنه مع جلالة قدرة وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفاً حذراً عن المعاصي فغيره بذلك أولى.

الفائدة الثانية: دلت الآية على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب بل الخوف من العقاب، وهذا يطابق قولنا: إن الله تعالى قد يعفو عن المذنب والكبيرة، فيكون اللازم عند حصول المعصية هو الخوف من العقاب لا نفس حصول العقاب.

الفائدة الثالثة: دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب، وذلك لأنه قال في أول الآية: ﴿ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ ثم قال بعده: ﴿ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ذكره، وذلك يقتضي أن يكون تارك الأمر عاصياً، والعاصي يترتب عليه الخوف من العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك.

النوع الثالث: من الأشياء التي أمر الله رسوله أن يذكرها قوله: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ فإن قيل ما معنى التكرير في قوله: ﴿ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وقوله: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ ؟، قلنا هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالإتيان بالعبادة، والثاني إخبار بأنه أمر بأن لا يعبد أحداً غيره، وذلك لأن قوله: ﴿ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ لا يفيد الحصر وقوله تعالى: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ ﴾ يفيد الحصر يعني الله أعبد ولا أعبد أحداً سواه، والدليل عليه أنه لما قال بعد: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ ﴾ قال بعده: ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ ﴾ ولا شبهة في أن قوله: ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ ﴾ ليس أمراً بل المراد منه الزجر، كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ لوقوعها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه، وخسروا أهليهم أيضاً لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة، فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده ألبتة، وقال ابن عباس: إن لكل رجل منزلاً وأهلاً وخدماً في الجنة، فإن أطاع أعطى ذلك، وإن كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله وورثه غيره من المسلمين، والخاسر المغبون، ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك الخسران بغاية الفظاعة فقال: ﴿ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين ﴾ كان التكرير لأجل التأكيد الثاني: أنه تعالى ذكر في أول هذه الكلمة حرف ألا وهو للتنبيه، وذكر التنبيه في هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ في العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم ليها فتنبهوا لها الثالث: أن كلمة (هو): في قوله: ﴿ هُوَ الخسران المبين ﴾ تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير في مقابلته كل خسران الرابع: وصفه بكونه (مبيناً): يدل على التهويل، وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل على كونه خسراناً مبيناً فلنبين بحسب المباحث العقلية كونه خسراناً مبيناً، وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون خسراناً ثم كونه مبيناً أما الأول: فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى العقل، وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال، أما هذه الحياة فالمقصود منها أن يكتسب فيها الحياة الطيبة في الآخرة.

وأما العقل فإنه عبارة عن العلوم البديهية وهذه العلوم هي رأس المال والنظر، والفكر لا معنى له إلا ترتيب علوم ليتوصل بذلك الترتيب إلى تحصيل علوم كسبية، فتلك العلوم البديهية المسماة بالعقل رأس المال وتركيبها على الوجوه المخصوصة يشبه تصرف التاجر في رأس المال وتركيبها على الوجوه بالبيع والشراء، وحصول العلم بالنتيجة يشبه حصول الربح، وأيضاً حصول القدرة على الأعمال يشبه رأس المال، واستعمال تلك القوة في تحصيل أعمال البر والخير يشبه تصرف التاجر في رأس المال، وحصول أعمال الخير والبر يشبه الربح، إذا ثبت هذا فنقول: إن من أعطاه الله الحياة والعقل والتمكن، ثم إنه لم يستفد منها لا معرفة الحق ولا عمل الخير ألبتة كان محروماً عن الربح بالكلية، وإذا مات فقد ضاع رأس المال بالكلية فكان ذلك خسراناً، فهذا بيان كونه خسراناً وأما الثاني: وهو بيان كون ذلك الخسران مبيناً فهو أن من لم يربح الزيادة ولكنه مع ذلك سلم من الآفات والمضار، فهذا كما لم يحصل له مزيد نفع لم يحصل له أيضاً مزيد ضرر، أما هؤلاء الكفار فقد استعملوا عقولهم التي هي رأس مالهم في استخراج وجوه الشبهات وتقوية الجهالات والضلالات، واستعملوا قواهم وقدرهم في أفعال الشر والباطل والفساد، فهم قد جمعوا بين أمور في غاية الرداءة أولها: أنهم أتعبوا أبدانهم وعقولهم طلباً في تلك العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة.

وثانيها: أنهم عند الموت يضيع عنهم رأس المال من غير فائدة.

وثالثها: أن تلك المتاعب الشديدة التي كانت موجودة في الدنيا في نصرة تلك الضلالات تصير أسباباً للعقوبة الشديدة والبلاء العظيم بعد الموت، وعند الوقوف على هذه المعاني يظهر أنه لا يعقل خسران أقوى من خسرانهم، ولا حرمان أعظم من حرمانهم، ونعوذ بالله منه.

ولما شرح الله تعالى أحوال حرمانهم عن الربح وبين كيفية خسرانهم، بين أنهم لم يقتصروا على الحرمان والخسران، بل ضموا إليه استحقاق العذاب العظيم والعقاب الشديد، فقال: ﴿ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ والمراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب، ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة الجهل والحرمان والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان، فإن قيل الظلل ما على الإنسان فكيف سمى ما تحته بالظلل؟

والجواب من وجوه: الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ .

الثاني: أن الذي يكون تحته يكون ظلة لإنسان آخر تحته لأن النار دركات كما أن الجنة درجات والثالث: أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء، أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة.

قال الحسن هم بين طبقتين من النار لا يدرون ما فوقهم أكثر مما تحتهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ أي ذلك الذي تقدم ذكره من وصف العذاب فقوله: ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ خبر، وفي قوله: ﴿ يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ قولان الأول: التقدير ذلك العذاب المعد للكفار هو الذي يخوف الله به عباده أي المؤمنين، لأنا بينا أن لفظ العباد في القرآن مختص بأهل الإيمان وإنما كان تخويفاً للمؤمنين لأجل أنهم إذا سمعوا أن حال الكفار ما تقدم خافوا فأخلصوا في التوحيد والطاعة الوجه الثاني: أن هذا الكلام في تقدير جواب عن سؤال، لأنه يقال إنه تعالى غني عن العالمين منزه عن الشهوة والانتقام وداعية الإيذاء، فكيف يليق به أن يعذب هؤلاء المساكين إلى هذا الحد العظيم، وأجيب عنه بأن المقصود منه تخويف الكفار والضلال عن الكفر والضلال، فإذا كان التكليف لا يتم إلا بالتخويف والتخويف لا يكمل الانتفاع به إلا بإدخال ذلك الشيء في الوجود وجب إدخال ذلك النوع من العذاب في الوجود تحصيلاً لذلك المطلوب الذي هو التكليف، والوجه الأول عندي أقرب، والدليل عليه أنه قال بعده: ﴿ يا عِبَادِ فاتقون ﴾ وقوله: ﴿ يا عبادِ ﴾ الأظهر منه أن المراد منه المؤمنون فكأنه قيل المقصود من شرح عذاب الكفار للمؤمنين تخويف المؤمنين في أيها المؤمنون بالغوا في الخوف والحذر والتقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ ﴾ بإخلاص الدين ﴿ وَأُمِرْتُ ﴾ بذلك ﴿ ل ﴾ أجل ﴿ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ أي مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة، ولمعنى: أنّ الإخلاص له السبقة في الدين، فمن أخلص كان سابقاً.

فإن قلت: كيف عطف ﴿ أُمِرْتُ ﴾ على ﴿ أُمِرْتُ ﴾ وهما واحد؟

قلت: ليسا بواحد لاختلاف جهتيهما، وذلك أنّ الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء، والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت لأن أفعل، ولا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح، كأنها زيدت عوضاً من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه، كما عوّض السين في اسطاع عوضاً من ترك الأصل الذي هو أطوع، والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين ﴾ [يونس: 72] ، ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ [يونس: 104] ، ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ [الأنعام: 14] وفي معناه أوجه: أن أكون أوّل من أسلم في زماني ومن قومي، لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأن أكون أوّل الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاماً.

وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره، لأكون مقتدى بي في قولي وفعلي جميعاً، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون، وأن أفعل ما أستحق به الأوّلية من أعمال السابقين دلالة على السبب بالمسبب يعني: أن الله أمرني أن أخلص له الدين من الشرك والرياء وكلّ شوب، بدليل العقل والوحي.

فإن عصيت ربي بمخالفة الدليلين، استوجبت عذابه فلا أعصيه ولا أتابع أمركم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه.

فإن قلت: ما معنى التكرير في قوله: ﴿ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ وقوله: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ قلت: ليس بتكرير؛ لأنّ الأوّل إخبار بأنه مأمور من جهة الله بإحداث العبادة والإخلاص.

والثاني: إخبار بأنه يختص الله وحده دون غيره بعبادته مخلصاً له دينه، ولدلالته على ذلك قدّم المعبود على فعل العبادة وأخره في الأوّل فالكلام أوّلاً واقع في الفعل نفسه، وإيجاده، وثانياً فيمن يفعل الفعل لأجله ولذلك رتب عليه قوله: ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ ﴾ والمراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير: المبالغة في الخذلان والتخلية، على ما حققت فيه القول مرتين.

قل إنّ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه: هم ﴿ الذين خسروا أَنفُسَهُمْ ﴾ لوقوعها في هلكة لا هلكة بعدها (و) خسروا ﴿ وأَهْلِيهِمْ ﴾ لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده إليهم.

وقيل: وخسروهم لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة، يعني: وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونون لهم لو آمنوا، ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله: ﴿ أَلاَ ذلك هُوَ الخسران المبين ﴾ حيث استأنف الجملة وصدرها بحرف التنبيه، ووسط الفصل بين المبتدأ والخبر، وعرف الخسران ونعته بالمبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ أمْرٌ بِالإخْبارِ عَنْ إخْلاصِهِ وأنْ يَكُونَ مُخْلِصًا لَهُ دِينَهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالإخْبارِ عَنْ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ خائِفًا عَنِ المُخالَفَةِ مِنَ العِقابِ قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ ﴾ تَهْدِيدًا وخُذْلانًا لَهم.

﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ ﴾ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ.

﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالضَّلالِ.

﴿ وَأهْلِيهِمْ ﴾ بِالإضْلالِ.

﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ حِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ بَدَلَ الجَنَّةِ لِأنَّهم جَمَعُوا وُجُوهَ الخُسْرانِ.

وقِيلَ: وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوهم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا رُجُوعَ بَعْدَهُ.

﴿ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ مُبالَغَةٌ في خُسْرانِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِئْنافِ والتَّصْدِيرِ بِـ ألا، وتَوْسِيطِ الفَصْلِ وتَعْرِيفِ الخُسْرانِ ووَصْفِهِ بِـ المُبِينُ.

﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ﴾ شَرْحٌ لِخُسْرانِهِمْ.

﴿ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ أطْباقٌ مِنَ النّارِ هي ظُلَلٌ لِلْآخَرِينَ.

﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ﴾ ذَلِكَ العَذابُ هو الَّذِي يُخَوِّفُهم بِهِ لِيَجْتَنِبُوا ما يُوقِعُهم فِيهِ.

﴿ يا عِبادِ فاتَّقُونِ ﴾ ولا تَتَعَرَّضُوا لِما يُوجِبُ سُخْطِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} وهذا أمر تهديد وقيل له عليه السلام إن خالفت دين آبائك فقد خسرت فنزلت {قُلْ إِنَّ الخاسرين} أي الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه {الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} بإهلاكها في النار {وَأَهْلِيهِمْ} أي وخسروا أهليهم {يَوْمُ القيامة} لأنهم أضلوهم فصاروا إلى النار ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين} حيث صدر

الجملة بحرف التنبيه ووسط الفصل بين المبتدأ والخبر وعرف الخسران ونعته بالمبين وذلك لأنهم استبدلوا بالجنة ناراً وبالدرجات دركات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ ما لا يَخْفى كَأنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ أُمِرُوا بِهِ كَيْ يَحِلَّ بِهِمُ العِقابُ، ﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ وهو إضاعَةُ ما بِهِمْ، وإتْلافُ ما لا بُدَّ مِنهُ لِجَمْعِهِمْ أعاظِمَ أنْواعِ الخُسْرانِ، ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ ﴾ بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ لَهُما، فالمُرادُ بِالأهْلِ أتْباعُهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم أيْ أضاعُوا أنْفُسَهُمْ، وأضاعُوا أهْلِيهِمْ، وأتْلَفُوهُما ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ حِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ حَيْثُ عَرَّضُوهُما لِلْعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وأوْقَعُوهُما في هَلَكَةٍ ما وراءَها هَلَكَةٌ، ولَوْ أُبْقِيَ يَوْمُ القِيامَةِ عَلى ظاهِرِهِ لِأنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِ أمْرُهُمْ، ويَتَحَقَّقَ مَبْدَأُ خُسْرانِهِمْ صَحَّ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأهْلِ الأتْباعُ مُطْلَقًا، وخُسْرانُهم إيّاهم لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوا هم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا إيابَ بَعْدَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَحْذُورَ ذَهابُ مَن لَوْ آبَ لانْتَفَعَ بِهِ الخاسِرُ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في الشِّقِّ الأخِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأهْلِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ الخاصَّةِ، أيْ: وخَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَكُونُونَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ آمَنُوا، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا قَدْ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ أهْلًا في الجَنَّةِ، إنْ أطاعَهُ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، وكُلُّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ في الآيَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ فِيها أيْضًا: خَسِرُوا أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَغَبَنُوهُمْ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَسَنِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ الأهْلَ بِالحُورِ العِينِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

وأيًّا ما كانَ، فَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ تَعْرِيفِ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ بِما ذُكِرَ، بَلْ بَيانُ أنَّهُمُ المُخاطَبُونَ بِما تَقَدَّمَ، إمّا بِجَعْلِ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْهُمْ، أوْ بِجَعْلِهِ عِبارَةً عَمّا هم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ مِنَ اسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ، وتَصْدِيرِها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، والإشارَةِ بِذَلِكَ إلى بُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الشَّرِّ وأنَّهُ لِعِظَمِهِ بِمَنزِلَةِ المَحْسُوسِ، وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وتَعْرِيفُ الخُسْرانِ، والإتْيانُ بِهِ عَلى فُعْلانٍ الأبْلَغِ مِن فُعْلٍ، ووَصْفُهُ بِالمُبِينِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالٍ هو لَهُ، وفَظاعَتِهِ، وأنَّهُ لا نَوْعَ مِنَ الخُسْرِ وراءَهُ ما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال عز وجل: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي  : ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وملة جدك عبد المطلب، وسادات قومك يعبدون الأصنام؟

فنزل: قُلْ يا نبي الله إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ يعني: التوحيد، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ من أهل بلدي قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي وعبدت غيره، ينزل علي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: في يوم القيامة قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ يعني: أعبد الله مُخْلِصاً لَهُ دِينِي أي: توحيدي.

فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ من الآلهة.

وهذا كقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون: 6] ويقال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ لفظه لفظ التخيير والأمر، والمراد به التهديد والتخويف، كقوله: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ وكقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ويقال: قد بيّن الله ثواب المؤمنين، وعقوبة الكافرين.

ثم قال: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فلما أيسوا منه أن يرجع إلى دينهم، قالوا: خسرت إن خالفت دين آبائك.

فقال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني: أنتم الخاسرون، لا أنا.

ويقال: الذين خسروا أنفسهم بفوات الدرجات، ولزوم الشركات، أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ يعني: الظاهر حيث خسروا أنفسهم، وأهلهم، وأزواجهم، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ يعني: أطباقاً من نار، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ يعني: مهاداً من نار، أو معناه: أن فوقهم نار، وتحتهم نار، ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أي: ذلك الذي ذكر، يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ في القرآن، لكي يؤمنوا.

يا عِبادِ فَاتَّقُونِ: أي: فوحِّدون، وأطيعون، وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ قال مقاتل: يعني: اجتنبوا عبادة الأوثان.

وقال الكلبي: الطَّاغُوتَ يعني: الكهنة أَنْ يَعْبُدُوها يعني: أن يطيعوها، ورجعوا إلى عبادة ربهم وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ أي: أقبلوا إلى طاعة الله.

ويقال: رجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله لَهُمُ الْبُشْرى يعني: الجنة.

ويقال: الملائكة يبشرونهم في الآخرة، فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ يعني: القرآن فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ يعني: يعملون بحلاله، وينتهون عن حرامه، وقال الكلبي: يعني: يجلس الرجل مع القوم، فيستمع الأحاديث، محاسن ومساوئ، فيتبع أحسنه، فيأخذ المحاسن، فيحدث بها، ويدع مساوئه.

ويقال: يستمعون القرآن ويتبعون أحسن ما فيه، وهو القصاص، والعفو يأخذ العفو لقوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: 126] ، (وقال بعضهم: يستمع النداء، فيستجيب، ويسرع إلى الجماعة.

وقال بعضهم: يستمع الناسخ، والمنسوخ، والمحكم من القرآن، فيعمل بالمحكم، ويؤمن بالناسخ والمنسوخ) .

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي: وفقهم الله لمحاسن الأمور.

ويقال: هَداهُمُ اللَّهُ أي: أكرمهم الله تعالى بدين التوحيد وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: ذوي العقول.

قوله عز وجل: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ يعني: وجب له العذاب.

ويقال: أفمن في علم الله تعالى أنه في النار، كمن لا يجب عليه العذاب.

أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ يعني: تستنقذ من هو في علم الله تعالى، أنه يكون في النار بعمله الخبيث.

ويقال: من وجبت له النار: وقدرت عليه.

ثم ذكر حال المؤمنين المتقين فقال عز من قائل: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ يعني: وحدوا ربهم، وأطاعوا ربهم، لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ في الجنة، وهي العلالي.

غرف مبنية، مرتفعة بعضها فوق بعض، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ في القرآن، لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

صَيْحَةِ الانْتِزَاعِ، فَما أقْرَب مَا يُنْتَظَرْ، وَمَا أقلّ المكث فيما يزول ويتغيّر.

انتهى.

وقوله تعالى: قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ يُرْوَى أنَّ هذهِ الآيةَ نزلتْ في جَعْفَرِ بن أبي طالب وأصحابِهِ، حِينَ عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة «١» ، ووعد سبحانه بقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ فقولهُ: فِي هذِهِ الدُّنْيا متعلق ب أَحْسَنُوا، والمعنى: إنَّ الذين يُحْسِنُونَ في الدنيا لَهُمْ حَسَنَةٌ في الآخِرَة، وهي الجنةُ والنعيمُ قاله مقاتلٌ»

ويحتملُ أنْ يريدَ: أن الذينَ يُحْسِنُونَ لهُم حسَنَةٌ في الدنيا، وهي العافيةُ والظهورُ وولايةُ اللَّهِ تعالى قاله السُّدّيُّ «٣» ، والأَوَّلُ أرجح أن الحسَنَةَ هِي في الآخِرة.

وقوله سبحانه: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ حَضٌّ عَلى الهجرةِ، ثم وَعَدَ تعالى على الصَّبْرِ على المكارِهِ، والخروج مِنَ الوَطَنِ ونُصْرَةِ الدينِ وجميعِ الطاعات- بِتَوْفِيَةِ الأجورِ بغير حِسَابٍ، وهذا يحْتَمِلُ معنيين:

أحدهما: أن الصابرَ يؤتى أَجْرَهُ وَلاَ يحاسَبُ على نعيمٍ ولا يُتَابَعُ بذنوبٍ، ويكونُ في جملة الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب.

والثاني من المعنيين: أن أجورَ الصابرينَ توفى بغَيْرِ حَصْر وَلا عَدٍّ، بلْ جُزَافاً، وهذه استعارةٌ للكثرةِ التي لا تحصى وإلى هذا التأويلِ ذَهَبَ جمهورُ المفسرينَ، حتى قال قتادةُ:

لَيْسَ ثَمَّ واللَّهِ/ مِكْيَالٌ ولا ميزان «٤» ، وفي الحديث أَنَّهُ لما نزلت وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٦١]

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟!

ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ فَتَأْخُذَ بِها؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.

﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .

﴿ قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ ﴾ ، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.

﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿ أهْلِيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ.

وإنَّما قالَ: ﴿ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ﴾ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.

وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ.

وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنابُوا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿ فَبَشِّرْ عِبادِ ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.

ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ.

ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِينَ ﴾ ﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ قُلِ اللهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ يَصْدَعَ لِلْكَفّارِ فِيما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ ﴾ ، أيْ: وأُمِرْتُ بِهَذا الَّذِي ذَكَرَتُ لِكَيْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ عَصْرِي وزَمَنِي، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وتَنْبِيهٌ مِنهُ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ ﴾ فِعْلٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ وهو العِصْيانُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْصُومٌ مِنهُ، ولَكِنَّهُ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ، يَعُمُّهم حُكْمُهُ ويُخِيفُهم وعِيدُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قُلِ اللهَ أعْبُدُ ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى الأوَّلِ، وإعْلامٌ بِامْتِثالِهِ كُلِّهِ لِلْأمْرِ، وهَذا كُلُّهُ نَزَلَ قَبْلَ القِتالِ؛ لِأنَّها مُوادَعاتٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ ﴾ صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِـ"إنَّ"، قَوْلُهُ ﴿ "وَأهْلِيهِمْ" ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم خَسِرُوا الأهْلَ الَّذِي كانَ يَكُونُ لَهم لَوْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَهَذا كَما لَوْ قالَ: خَسِرُوا أنْفُسَهم ونَعِيمَهُمْ، أيِ الَّذِي كانَ يَكُونُ لَهم.

وقِيلَ: أرادَ الأنْفُسَ والأهْلِينَ الَّذِينَ كانُوا في الدُنْيا؛ لِأنَّهم صارُوا في عَذابِ النارِ، لَيْسَ لَهم نُفُوسٌ مُسْتَقِرَّةٌ، ولا بَدَلٌ مَن أهْلِ الدُنْيا، ومَن في الجَنَّةِ قَدْ صارَ لَهُ إمّا أهْلُهُ وإمّا غَيْرُهُمْ، عَلى الِاخْتِلافِ فِيما يُؤَثِّرُ في ذَلِكَ، فَهو عَلى كُلِّ حالٍ لا خُسْرانَ مَعَهُ البَتَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى * فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾ أمر بأن يعيد التصريح بأنه يعبد الله وحده تأكيداً لقوله: ﴿ قل إني أُمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ [الزمر: 11]، لأهميته، وإن كان مفاد الجملتين واحداً لأنهما معاً تفيدان أنه لا يعبد إلا الله تعالى باعتبار تقييد ﴿ أعْبُدَ الله ﴾ الأول بقيد ﴿ مُخلصاً له الدين ﴾ وباعتبار تقديم المفعول على ﴿ أَعْبُد ﴾ الثاني فتأكد معنى التوحيد مرتين ليتقرر ثلاث مرات، وتمهيداً لقوله: ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ وهو المقصود.

والفاء في قوله: ﴿ فَاعْبُدُوا ﴾ الخ لتفريع الكلام الذي بعدها على الكلام قبلها فهو تفريع ذكري.

والأمر في قوله: ﴿ فاعبدوا ما شِئتُم مِن دونِهِ ﴾ مستعمل في معنى التخلية، ويعبر عنه بالتسوية.

والمقصود التسوية في ذلك عند المتكلم فتكون التسوية كناية عن قلة الاكتراث بفعل المخاطب، أي أن ذلك لا يضرني كقوله في سورة [الكهف: 29]: ﴿ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ﴾ ، أي اعبدوا أيّ شيء شئتم عبادتَه من دون الله.

وجعلت الصلة هنا فعل المشيئة إيماء إلى أن رائدهم في تعيين معبوداتهم هو مجرد المشيئة والهوى بلا دليل.

دُونِهِ قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران} أعقب أمر التسوية في شأنهم بشيء من الموعظة حرصاً على إصلاحهم على عادة القرآن، ولوحظ في إبلاغهم هذه الموعظة مقام ما سبق من التخلية بينهم وبين شأنهم جمعاً بين الإِرشاد وبين التوبيخ، فجيء بالموعظة على طريق التعريض والحديث عن الغائب والمراد المخاطبون.

وافتتح المقول بحرف التوكيد تنبيهاً على أنه واقع وتعريف ﴿ الخَاسِرِينَ ﴾ تعريف الجنس، أي أن الجنس الذين عرفوا بالخسران هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم.

وتعريف المسند والمسند إليه من طريق القصر، فيفيد هذا التركيب قصر جنس الخاسرين على الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، وهو قصر مبالغة لكمال جنس الخسران في الذين خسروا أنفسهم وأهليهم فخسران غيرهم كَلاَ خسران، ولهذا يقال في لام التعريف في مثل هذا التركيب إنها دالة على معنى الكمال فليسوا يريدون أن معنى الكمال من معاني لام التعريف.

ولما كان الكلام مسوقاً بطريق التعريض بالذين دَار الجدال معهم من قوله: ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم إلى قوله: فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ [الزمر: 7 15]، عُلم أن المراد بالذين خسروا أنفسهم وأهليهم هم الذين جرى الجدال معهم، فأفاد معنى: أن الخاسرين أنتم، إلا أن وجه العدول عن الضمير إلى الموصولية في قوله: ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لإِدماج وعيدهم بأنهم يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

ومعنى خسرانهم أنفسهم: أنهم تسببوا لأنفسهم في العذاب في حين حسبوا أنهم سعوا لها في النعيم والنجاح، وهو تمثيل لحالهم في إيقاع أنفسهم في العذاب وهم يحسبون أنهم يُلقونها في النعيم، بحال التاجر الذي عرض ماله للنماء والربح فأصيب بالتلف، فأطلق على هذه الهيئة تركيب ﴿ خَسِرُوا أنفسَهُم ﴾ ، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ومن خفَّت موازينُه فأُولئِكَ الذين خَسِروا أنفُسَهُم بما كانوا بأياتِنا يظلِمُون ﴾ في أوّل سورة [الأعراف: 9].

وأما خسرانهم أهليهم فهو مِثل خسرانهم أنفسهم وذلك أنهم أغروا أهليهم من أزواجهم وأولادهم بالكفر كما أوقعوا أنفسهم فيه فلم ينتفعوا بأهليهم في الآخرة ولم ينفعوهم: ﴿ لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه ﴾ [عبس: 37]، وهذا قريب من قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً ﴾ [التحريم: 6]، فكان خسرانهم خسراناً عظيماً.

فقوله: ﴿ ألاَ ذلِكَ هو الخُسرانُ المبينُ ﴾ استئناف هو بمنزلة الفذلكة والنتيجة من الكلام السابق لأن وصف ﴿ الذين خسروا ﴾ بأنهم خسروا أحب ما عندهم وبأنهم الذين انحصر فيهم جنس الخاسرين، يستخلص منه أن خسارتهم أعظم خسارة وأوضحها للعيان، ولذلك أوثرت خسارتهم باسم الخسران الذي هو اسم مصدر الخسارة دالٌّ على قوة المصدر والمبالغة فيه.

وأشير إلى العناية والاهتمام بوصف خسارتهم، بأن افتتح الكلام بحرف التنبيه داخلاً على اسم الإِشارة المفيد تمييز المشار إليه أكمل تمييز، وبتوسط ضمير الفصل المفيد للقصر وهو قصر ادعائي، والقول فيه كالقول في الحصر في قوله: ﴿ إنَّ الخاسِرينَ الذين خَسِروا أنفسهم وأهليهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خَسِرُوا أنْفُسَهم بِإهْلاكِها في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ بِأنْ لا يَجِدُوا في النّارِ أهْلًا، وقَدْ كانَ لَهم في الدُّنْيا أهْلٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما حَرَمُوها مِنَ الجَنَّةِ وأهْلِيهِمْ مِنَ الحُورِ العِينِ الَّذِينَ أُعِدُّوا [لَهُمْ] في الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ بِأنْ صارُوا هم بِالكُفْرِ إلى النّارِ، وصارُ أهْلُوهم بِالإيمانِ إلى الجَنَّةِ وهو مُحَتْمَلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم...

﴾ الآية.

قال: هم الكفار الذين خلقهم الله للنار، زالت عنهم الدنيا وحرمت عليهم الجنة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ﴾ قال: ﴿ أهليهم ﴾ من أهل الجنة، كانوا أعدوا لهم لو عملوا بطاعة الله فغبنوهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ﴾ يخسرونها فيتحسرون في النار أحياء، ويخسرون أهليهم فلا يكون لهم أهل يرجعون إليهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ﴾ قال: ليس أحد إلا قد أعد الله تعالى له أهلاً في الجنة إن أطاعه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد، مثله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ اللام هنا يجوز أن تكون زائدة أو للتعليل ويكون المفعول على هذا محذوف، فإن قيل: كيف عطف أمرت على أمرت والمعنى واحد؟

فالجواب أن الأول أمر بالعبادة والإخلاص والثاني أمر بالسبق إلى الإسلام فهما معنيان اثنيان وكذلك قوله: ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ ﴾ ليس تكراراً لقوله: ﴿ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ ، لأن الأول إخبار بأنه مأمور بالعبادة الثاني إخبار بإنه يفعل العبادة.

وقدم اسم الله تعالى للحصر واختصاص العباده به وحده ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾ هذا تهديد ومبالغة في الخذلان والتخلية لهم على ما هم عليه ﴿ ظُلَلٌ ﴾ جمع ظلة بالضم، وهو ما غشي من فوق كالسقف، فقوله: ﴿ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ بيّن وأما ﴿ وَمِن تَحْتِهِمْ ﴾ فسماه ظلة لأنه سقف لمن تحتهم؛ فإن جهنم طبقات وقيل: سماه ظله لأنه يلتهب ويصعد من أسفلهم إلى فوقهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يرضه ﴾ بالإِشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ﴿ يرضه ﴾ باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الباقون ﴿ يرضه ﴾ بسكون الهاء ﴿ ليضل ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب.

الباقون: بالضم ﴿ أمن هو ﴾ بتخفيف المميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد ﴿ يا عبادي الذين ﴾ بفتح الياء: الشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أمرت ﴾ ﴿ فبشر عبادي ﴾ بفتح المتكلم فيهما: شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء ﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ سالماً ﴾ بالألف: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بفتح السين واللام من غير ألف.

الوقوف: ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ الخالص ﴾ ط ﴿ أولياء ﴾ ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي.

وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره ﴿ زلفى ﴾ ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ما بعده ﴿ يختلفون ﴾ ه ط ﴿ كفار ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ز لتعجيل التنزيه {  } ط ﴿ القهار ﴾ ه ز ﴿ بالحق ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده حالاً والاستئناف أفضل ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ أزواج ﴾ ط ﴿ ثلاث ﴾ ط ﴿ الملك ﴾ ط ﴿ تصرفون ﴾ ه ﴿ الكفر ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع العارض ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ز ص والأولى والوصل أو التقدير فإنك ﴿ النار ﴾ ه ﴿ رحمة ربه ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ربكم ﴾ ط ﴿ حسنة ﴾ ط ﴿ واسعة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ له الدين ﴾ ه ط ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ديني ﴾ ه لا ﴿ دونه ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ ط ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ البشرى ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ عباد ﴾ ه لا ﴿ أحسنه ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ﴿ في النار ﴾ ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ وعد الله ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط لحذف جواب الاستفهام من ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ﴿ ذكر الله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط لحق الحذف كما مر ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج للام الابتداء مع العطف ﴿ أكبر ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قرآنا ﴾ نصباً على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ متشاكسون ﴾ ه ﴿ لرجل ﴾ ط ﴿ مثلاً ﴾ ط ﴿ الله ﴾ ج للإضراب مع اتفاق الجملتين ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ميتون ﴾ ه ﴿ تحتصمون ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ من الله ﴾ وقيل: اصله هذا تنزيل الكتاب والجار صلة، والأولى أقوى لأن الإِضمار خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز وهو كون التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه السورة.

وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.

وفي قوله ﴿ من الله ﴾ إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب من فلان.

تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله ﴿ العزيز ﴾ إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم.

وفي قوله ﴿ الحكيم ﴾ إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث والباطل.

وقوله ﴿ إنا أنزلنا إليك ﴾ ليس تكراراً من وجهين: أحدهما أن التنزيل للتدريج والإنزال دفعي كما مر مراراً.

والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، والثاني يقرر ما في الكتاب.

وقوله ﴿ بالحق ﴾ يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته.

ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية.

أما الأول فهو قوله ﴿ فاعبد الله ﴾ أي أنت أو أمتك ﴿ مخلصاًً له الدين ﴾ وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه.

وأما الثاني فذلك قوله ﴿ الا لله الدين الخالص ﴾ أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر وخفي.

وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.

وحين حث على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال ﴿ والذين اتخذوا ﴾ الضمير للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من القول، أو قوله ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ والقول المضمر للحال أو بدل.

وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا أو المشركون الذين اتخذوا من دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم.

وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم.

وإذا عرفت التقادير فنقول: المراد بالأولياء ههنا الملائكة وعيسى واللات والعزى.

قال ابن عباس: كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو الصالحين.

ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع الأصنام النار.

واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم.

ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ بينهم ﴾ إلى الفريقين المؤمن والمشرك.

ولا يخفى ما في الآية من التهديد.

ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.

ومن جملة كذبهم قولهم الملائكة بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ﴾ وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص وهن البنات.

وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات.

وأقول: إنه  أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها بقوله {  هو الله الواحد القهار} فقوله {  } إشارة إلى استحالة اصطفائه شيئاً لأجل اتخاذ الولد.

وقوله ﴿ هو الله الواحد القهار ﴾ إشارة إلى البرهان على استحالة ذلك وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ بوجوده أو لغير ذلك من الأغرض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء المطلق.

الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مراراً.

والولد إنما يحصل من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلاً لوالده في تمام الماهية حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما معلوماً لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة.

وأيضاً إن حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه.

الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه الدلائل أنه  ما اصطفى شيئاً لأن يتخذه ولداً فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه.

هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله  أعلم بأسرار كلامه.

وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة وهي أصناف: أولها قوله ﴿ خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي متلبساً بالغاية الصحيحة وقد مر مراراً.

الثاني.

﴿ يكوّر الليل على النهار ﴾ والتكوير اللف واللي يقال كار العمامة على رأسه وكورها.

وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه.

ومنها أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار.

ومنها أن كلاً منهما يكر على الآخر كروراً متتابعاً أكوار العمامة.

وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من قوله  "نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من الإدبار بعد الإقبال.

الثالث ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ وقد مر مثله في "فاطر" وغيره.

وحيث كان الأجل المسمى شاملاً للقيامة عقبه بقوله ﴿ الا هو العزيز الغفار ﴾ وفيه ترهيب مع ترغيب.

الرابع والخامس قوله ﴿ خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ﴾ وهما آيتان أوّلهما تشعيب الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حوّاء من ضلعه.

ومعنى "ثم" ترتيب الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حوّاء من قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع.

وقيل: هو متعلق بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها.

وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك حوّاء.

وقيل: "ثم" قد يأتي مع الجملة دالاً على التقدّم كقوله { ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ وكقوله  "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير" السادس قوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ أما الأزواج فهي المذكورة في سورة الأنعم من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.

وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة.

وقيل: أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به يعيش الحيوان.

وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ينزل.

وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب.

وخصت هذه الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر والركوب والحمل والحرث وغير ذلك.

السابع قوله ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم.

ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام اعتراضاً حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله ﴿ جعل منها زوجها ﴾ ليعلم أن كل حيوان ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مراراً كقوله ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] إلى قوله ﴿ أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] والظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن.

﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه أفعاله ﴿ ربكم له الملك ﴾ وقد مر إعرابه في "فاطر".

﴿ لا إله إلا هو ﴾ إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو ﴿ فأنى تصرفون ﴾ أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟

ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال ﴿ وإن تكفروا فإن الله غنيّ عنكم ﴾ قال المعتزلة: في قوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضياً به.

وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون.

قال { ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون  ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ فمعنى الآية: ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر.

وهذا مما لا نزاع فيه.

أو نقول: سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله.

ثم بين غاية كرمه بقوله: ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ والسبب في كلا الحكمين ما جاء في الحديث القدسي "سبقت رحمتي غضبي" وباقي الآية مذكور مراراً مع وضوحه.

ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله ﴿ وإذا مس ﴾ إلى آخره.

وقد مر نظيره أيضاً.

وقيل: إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره.

وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره.

ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض.

قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهداً له حسن القيام به.

ومنه ما روي أن النبي  كان يتخوّل أصحابه بالموعظة أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطاً في الوعظ وعظهم.

والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل: إن الغني طويل الذيل مياس *** ومعنى ﴿ نسي ما كان يدعو إليه ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و "ما" بمعنى "من".

والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله.

واللام في ﴿ ليضل ﴾ لام العاقبة.

ثم هدّده بقوله ﴿ تمتع بكفرك ﴾ كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلاً ثم يؤل إلى النار.

ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال ﴿ أمن هو قانت ﴾ قال ابن عباس: القنوت الطاعة.

وقال ابن عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام.

والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة.

وعن قتادة ﴿ آناء الليل ﴾ أوّله ووسطه وآخره.

وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه أكثر.

والواو في قوله ﴿ ساجداً وقائماً ﴾ للجمع بين الصفتين.

وفي قوله ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي عذابها ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري القهر واللطف، ويتردّد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفاً فمن قرأ ﴿ أمن ﴾ بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم والجاهل بعده.

ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت.

وقيل: الهمزة على قراءة التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر.

وقيل: المنادي هو رسول الله  بدليل قوله ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ الآية.

قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم.

وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا.

ويجوز أن يراد على وجه التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون والعاصون.

قيل نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم.

وفي قوله ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه *** وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟

فأجاب بأن هذا أيضاً من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه.

وحين بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه  أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام.

النوع الأوّل.

﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية.

وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا بصفة الاتقاء.

ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلاً ﴿ للذين أحسنوا ﴾ الآية.

وقوله ﴿ في هذه الدنيا ﴾ إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول السدي.

ومعناه على الأوّل: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي الجنة.

والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها.

وعلى الثاني: الذين أحسنوا فلهم في هذه الدنيا حسنة.

قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة.

ويحتمل أن يقال: إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدّم عليها.

والقائلون بهذا القول فسروا الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية.

ورجح الأوّل بأن هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي.

وقيل: هي الثناء الجميل.

وقيل: الظفر والغنيمة.

وقيل: نور القلب وبهاء الوجه.

وفي قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم تتيسر في أرض وجبت الهجرة إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله { ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها  ﴾ وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيباً فيها كما قال ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء  ﴾ ﴿ إنما يوفّى الصابرون ﴾ على مفارقة الأوطان وتجرّع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه ﴿ أجرهم بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون أو بغير حصر.

قال جار الله: عن النبي  "ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ويصب عليهم الأجر صباً" ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.

النوع الثاني ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي  : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به؟

ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللات والعزى؟

فأنزل الله هذه الآية.

وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أوّل السورة ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ وقوله ﴿ وأمرت لأن أكون ﴾ ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أوّل المسلمين أي مقدّمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر التعليل مع نوع تأكيد.

وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي.

ولعل الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، فإن النبي  فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال الظاهرة، وفيه أنه  ليس مثل الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى عنه.

وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال ﴿ قل إني أخاف ﴾ الآية.

وذلك أن خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبيّ  مع جلالة قدره خائفاً من العصيان فغيره أولى.

قيل: المراد به أمته.

وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له.

وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب الكبيرة قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس العقاب.

النوع الثالث ﴿ قل الله أعبد مخلصاً له ديني ﴾ وليس بتكرار لما قبله وذلك أن الأوّل للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ النوع الرابع ﴿ قل أن الخاسرين ﴾ الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها ﴿ و ﴾ خسروا ﴿ أهليهم ﴾ لأن أهلهم وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن كلاً منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم.

وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا.

قال أهل البيان: في قوله ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ تفظيع لشأنهم حيث استأنف الجملة وصدّرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين.

قلت: التحقيق فيه أن للإنسان قوّتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً.

والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على الوجه المؤدّي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة والتمكين.

ثم إنه لم يستفد منها معرف الحق ولا عمل الخير فإذا مات فقد فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ أي أطباق من النار من ظلل الآخرين فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات.

وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر.

قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مرّ في قوله ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش  ﴾ ﴿ يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم  ﴾ وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم بالظلة إطلاقاً لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية في الحرارة والإحراق و ﴿ ذلك ﴾ العذاب المعد للكفار ﴿ يخوّف الله به عباده ﴾ المؤمنين وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافاً إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان عند أهل السنة.

وعندي أنه لا مانع من التعميم ههنا.

ثم عقب الوعيد بالوعد قائلاً ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي.

وقوله ﴿ أن يعبدوها ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أنّ كل ما سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو  واجب الوجود لذاته غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره.

﴿ لهم البشرى ﴾ أي هم مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم  ﴾ وعند دخول الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم  ﴾ وعند لقاء الله ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام  ﴾ وسماع هذه البشارات في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا تتعين إلا في هذه الأحوال.

وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها أو سمعوها نسأل الله الفوز بها.

قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي  فجاءه عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا فأنزل الله ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ أي من أبي بكر ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ وهو لا إله إلا الله.

وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهاراً للرحمة فقال: كل من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلاً للبشارة.

وقال جار الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر.

وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار الواجب.

وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في الدين.

مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعاً حياً قديماً عليماً قادراً متصفاً بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره.

وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من انكاره، وفي الفروع الصلاة المشتملة على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها.

وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول الباطل والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها.

وعن ابن عباس: هو الرجل يجلس مع القوم فيستمع الحديث فيه محاسن ومساوٍ فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه.

ومن الواقفين من يقف على قوله ﴿ فبشر عبادي ﴾ ويبتدئ ﴿ الذين يستمعون ﴾ وخبره ﴿ أولئك الذين هداهم ﴾ وهو إشارة إلى الفاعل ﴿ وأولئك هم أولو الألباب ﴾ إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له قابلية ذلك وهو قوله ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال جار الله: أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيداً لمعنى الإنكار.

ووضع من في النار موضع الضمير تصريحاً بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟

فمن حق إلى آخره.

وجوز أن يكون الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضاً ثم حملية والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟

قلت: فالكلام على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان والباقيتان ظاهرتان.

ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ﴾ وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار ﴿ لهم من فوقهم ظلل ﴾ ومعنى قوله ﴿ مبنية ﴾ والله أعلم.

أنها بنيت بناء المنازل التي على الأرض وسوّيت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فهيا ذلك.

قال حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية.

وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضاً فقال ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ﴾ أي أدخله في الأرض حال كون ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾ مثل الدم في العروق.

والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض.

وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف.

وقوله ﴿ ثم يخرج ﴾ على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ﴿ ثم يهيج ﴾ أي يتم جفافه.

قال الأصمعي: لأنه إذا تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ أي فتاتاً متكسراً ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه ﴿ لذكرى ﴾ لتذكيراً أو تنبيهاً على وجود الصانع ﴿ لأولي الألباب ﴾ وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بدّ له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت والفناء.

وإنما قال ههنا ﴿ ثم يجعله حطاماً ﴾ وفي الحديد ﴿ ثم يكون حطاماً  ﴾ لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله ﴿ أعجب الكفار نباته ﴾ وههنا مسند إلى الله من قوله ﴿ أنزل ﴾ إلى آخره.

وحين بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بيّن أن ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ ولا يخفى ما في لفظه "على" من فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله ﴿ أولئك على هدى  ﴾ والخبر محذوف كما ذكرنا في قوله ﴿ أمن هو قانت ﴾ يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع الله على قلبه يدل عليه ما بعده ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ﴾ أي من أجل سماع القرآن.

وإنما عدى بـ "من" لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد القرآن ويجوز أن يكون "من" للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة.

ثم أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله  ملوا ملة فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية.

والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي.

ووجه كونه أحسن لفظاً ومعنى مما لا يخفى على ذي طبع فضلاً عن ذي لب.

وقوله ﴿ كتاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال موطئة.

ومعنى ﴿ متشابهاً ﴾ أنه يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أوّل "البقرة" في تفسير قوله ﴿ وإن كنتم في ريب  ﴾ وقيل: هو من قوله ﴿ وأخر متشابهات  ﴾ فيكون صفة لبعض القرآن.

وقيل: يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف.

وقوله ﴿ مثاني ﴾ جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالاً كقوله "ولا يخلق على كثرة الرد" وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر.

وقد مر بعض هذه الأقوال في مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه.

قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس مضموماً إليها الراء ليصير رباعياً دالاً على معنى زائد، وهو تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف.

قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم.

ومعنى "إلى" في قوله ﴿ إلى ذكر الله ﴾ هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن.

وقال العارفون: إذا نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا.

وقال أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجوداً لا أول له ولا آخر لا حين ولا جهة وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه.

قال جار الله: إنما ذكرت الجلود أوّلاً وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة ليناً في جلودهم.

ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء.

ثم أشار إلى الكتاب المذكور بقوله ﴿ ذلك هدى الله ﴾ كقوله ﴿ هدى للمتقين  ﴾ .

ثم بين أن القاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ وأما في الآخرة فقوله ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي شدّته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الإتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه قيل: لا يقدرون على الإتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا اتقاء أصلاً ﴿ وقيل للظالمين ﴾ القائلون هم خزنة النار.

قوله ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما.

ثم بين بقوله ﴿ ولقد ضربنا ﴾ إلى آخر الآيتين أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه.

ثم ضرب من أمثال القرآن مثلاً لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه.

والشكاسة سوء الخلق والاختلاف.

﴿ ورجلاً سالماً لرجل ﴾ أي خالصاً من الشرك.

ومن قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة.

وقال جار الله: وإنما جعله رجلاً ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك.

قلت: لا ريب أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره ﴿ وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم  ﴾ ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما.

واقتصر في التمييز على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعدداً، فليس رضا واحد كطلب رضا جماعة مختلفين.

وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مرّ في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أهل العرفان: الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن الآخرة غريب وإلى الله قريب.

قوله ﴿ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ كما مرّ في "لقمان" قوله ﴿ إنك ميت ﴾ وجه النظم أنه  كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يؤلون إلى الموت فلو أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة صاحبه ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضاً حتى يقال لهم ﴿ لا تختصموا لديّ  ﴾ وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم التي بينهم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

يحتمل أن يكون قال هذا؛ لما أن أهل مكة كانوا يدعون رسول الله  إلى دينهم ودين آبائهم، وكانوا يطمعون عوده إليهم، فقال رسول الله  : ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ ذكر هاهنا أنه أمر أن يعبد الله مخلصاً له الدين، وقال في آية أخرى ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 56]، وقال في آية أخرى: ﴿ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً...

﴾ الآية [الأنعام: 56]، أخبر أنه لو اتبع أهواءهم فيما هم فيه يضل وما كان من المهتدين، ذكر في هذه الآيات النهي وترك اتباعه أهواءهم، ولم يذكر الأمر فيها بعبادة الله  مخلصاً له الدين.

أو أن يقول: إني إذا أمرتكم بعبادة الله أمرت أنا أيضاً في نفسي أن أعبده مخلصاً، لست أنا كمن يأمر غيره شيئاً ولا يأتمر بنفسه، أو هو غير مأمور بذلك وهو ما قال: ﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .

أو يقول: لست أنا كالملوك يأمرون أتباعهم بأشياء ويستعملونهم في أمورهم [و]لا يستعملون في ذلك أنفسهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

الخوف هاهنا ليس هو حقيقة الخوف، ولكن العلم كأنه قال: إني أعلم إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، فآيسهم بالله بالمدينة عن عوده إلى دينهم، وقطع طمعهم عنه، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ  ﴾ فأما ما داموا بمكة فإنهم كانوا طامعين في ذلك راجين فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي * فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ .

إنه يخرج هذا الحرف منه مخرج التهدد لهم والتوعد، يقول: أما أنا فإنما أعبد الله الحق وله أخلص ديني، فاعبدوا أنتم ما شئتم فإنه يجزيكم جزاء عبادتكم، كقوله  : ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 40]، وذلك معروف في كلام الناس، يقول الرجل: اعمل ما شئت أو قل ما شئت فإن لك الجزاء كما تعمل؛ على الوعيد، فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل وجهاً آخر لا على الوعيد، ولكن يقول: قد بينت لكم وأوضحت السبيلين جميعاً بالآيات والحجج: سبيل النجاة الذي إذا سلكتموه نجوتم، وهو سبيل الله، وسبيل الهلاك الذي إذا سلكتموه هلكتم، وهو سبيل الشيطان، فإن أردتم النجاة فاسلكوا سبيل كذا، وإن أردتم سبيل الهلاك فاسلكوا سبيل كذا، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

كناية لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار حيث قال - عز وجل -: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ ؛ ليكون لهم أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ويسلم لهم ذلك، وقد مكن لهم ذلك وهلكوا فتركوا ذلك ولم يقوها ولا أهليهم النار، قال عند ذلك: ﴿ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ألا عند ذلك يتبين لهم أنهم خسروا أنفسهم وأهليهم.

أو أنهم قد أمروا بالسعي للآخرة والعمل لها، ووعدوا إذا سعوا لها وعملوا النجاة في الآخرة والحياة الدائمة والأهل في الجنة، وإذا لم يسعوا لها ولم يعملوا خسروا أنفسهم والأهل الذين وعدوا فيها إذا سعوا وهلكت أنفسهم، ﴿ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ﴾ ألا هنالك يتبين لهم أنهم خسروا خسراناً بيناً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ .

أن يكون ما كان تحتهم من النار أن يوصف بالمهاد لهم لا بالظلل؛ كقوله  : ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ ، وكذلك في حرف ابن مسعود أنه قال: ﴿ لهم من تحتهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ذلك يخوف الله به عباده ﴾ ، والله أعلم.

لكن جائز أن يكون الظلل التي تحتهم هي ظلل لمن تحتهم، وهي لأولئك الذين فوقهم مهاد وللذين ليس تحتهم أحد مهاد أيضاً - والله أعلم - لأن النار دركات وأطباق؛ ليكون كل طبقة لمن تحتها ظلل ولمن فوقها مهاد على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر في القرآن من المواعيد يخوف الله [به] عباده.

﴿ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ﴾ .

اتقوا سخط الله ونقمته، أو اتقوا مخالفة الله، أو اتقوا المهالك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فاعبدوا أنتم -أيها المشركون- ما شئتم من دونه من الأوثان (والأمر للتهديد)، قل -أيها الرسول-: إن الخاسرين حقًّا هم الذين خسروا أنفسهم، وخسروا أهليهم، فلم يلقوهم لمفارقتهم لهم بانفرادهم بدخول الجنة، أو بدخولهم معهم النار، فلن يلتقوا أبدًا، ألا ذلك حقا هو الخسران الواضح الذي لا لبس فيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.Bxv4E"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده