الآية ٣٦ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٣٦ من سورة الزمر

أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( أليس الله بكاف عبده ) - وقرأ بعضهم : " عباده " - يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه .

وقال ابن أبي حاتم هاهنا : حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي ، حدثنا أبو هانئ ، عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي ، عن فضالة بن عبيد الأنصاري ; أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أفلح من هدي إلى الإسلام ، وكان عيشه كفافا ، وقنع به " .

ورواه الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح ، عن أبي هانئ الخولاني ، به .

وقال الترمذي : صحيح .

( ويخوفونك بالذين من دونه ) يعني : المشركين يخوفون الرسول ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دونه ; جهلا منهم وضلالا ; ولهذا قال تعالى : ( ومن يضلل الله فما له من هاد)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) اختلفت القرّاء في قراءة: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) فقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء أهل الكوفة: " أليس الله بكاف عباده " على الجماع, بمعنى: أليس الله بكاف محمدا وأنبياءه من قبله ما خوّفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء، وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة, وبعض قرّاء الكوفة: ( بِكَافٍ عَبْدَهُ ) على التوحيد, بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدا.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار.

فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب لصحة مَعْنَيَيْهَا واستفاضة القراءة بهما في قَرَأَةِ الأمصار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) يقول: محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) قال: بلى, والله ليكفينه الله ويعزّه وينصره كما وعده.

وقوله: ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ويخوّفك هؤلاء المشركون يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء, ببراءتك منها, وعيبك لها, والله كافيك ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) الآلهة, قال: " بعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خالد بن الوليد إلى شعب بسُقام (2) ليكسر العزّى, فقال سادنها, وهو قيمها: يا خالد أنا أحذّركها, إن لها شدّة لا يقوم إليها شيء, فمشى إليها خالد بالفأس فهشّم أنفها ".

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) يقول: بآلهتهم التي كانوا يعبدون.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) قال: يخوّفونك بآلهتهم التي من دونه.

وقوله: ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) يقول تعالى ذكره: ومن يخذله الله فيضلَّه عن طريق الحق وسبيل الرشد, فما له سواه من مرشد ومسدّد إلى طريق الحقّ, ومُوفِّق للإيمان بالله, وتصديق رسوله, والعمل بطاعته .

------------------------ الهوامش: (2) سقام كغراب : واد بالحجاز ، حمته قريش للعزى ، يضاهئون به حرم الكعبة .

ا هـ من معجم ياقوت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هادقوله تعالى : أليس الله بكاف عبده حذفت الياء من " كاف " لسكونها وسكون التنوين بعدها ، وكان الأصل ألا تحذف في الوقف لزوال التنوين ، إلا أنها حذفت ليعلم أنها كذلك في الوصل .

ومن العرب من يثبتها في الوقف على الأصل فيقول : كافي .

وقراءة العامة " عبده " بالتوحيد يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم .

وقرأ حمزة والكسائي " عباده " وهم الأنبياء ، أو الأنبياء والمؤمنون بهم .

واختار أبو عبيدة قراءة الجماعة لقوله عقيبه : ويخوفونك بالذين من دونه .

ويحتمل أن يكون العبد لفظ الجنس ، كقوله عز من قائل : إن الإنسان لفي خسر وعلى هذا تكون القراءة الأولى راجعة إلى الثانية .

والكفاية شر الأصنام ، فإنهم كانوا يخوفون المؤمنين بالأصنام ، حتى قال إبراهيم عليه السلام : [ ص: 230 ] وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله .

وقال الجرجاني : إن الله كاف عبده المؤمن وعبده الكافر ، هذا بالثواب وهذا بالعقاب .قوله تعالى : ويخوفونك بالذين من دونه وذلك أنهم خوفوا النبي - صلى الله عليه وسلم - مضرة الأوثان ، فقالوا : أتسب آلهتنا ؟

لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك بسوء .

وقال قتادة : مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس .

فقال له سادنها : أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء ، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس .

وتخويفهم لخالد تخويف للنبي صلى الله عليه وسلم ; لأنه الذي وجه خالدا .

ويدخل في الآية تخويفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بكثرة جمعهم وقوتهم ، كما قال : أم يقولون نحن جميع منتصر .ومن يضلل الله فما له من هاد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم، فإن اللّه تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء.{ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } من الأصنام والأنداد أن تنالك بسوء، وهذا من غيهم وضلالهم.{ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( أليس الله بكاف عبده ) ؟

يعني : محمدا - صلى الله عليه وسلم - وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي : " عباده " بالجمع يعني : الأنبياء عليهم السلام ، قصدهم قومهم بالسوء كما قال : " وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه " ( غافر - 5 ) فكفاهم الله شر من عاداهم ، ( ويخوفونك بالذين من دونه ) وذلك أنهم خوفوا النبي - صلى الله عليه وسلم - معرة الأوثان .

وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أليس الله بكاف عبده» أي النبي، بلى «ويخوّفونك» الخطاب له «بالذين من دونه» أي الأصنام، أن تقتله أو تخبله «ومن يضلل الله فما له من هاد».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أليس الله بكاف عبده محمدًا وعيد المشركين وكيدهم من أن ينالوه بسوء؟

بلى إنه سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه مَن أراده بسوء، ويخوِّفونك -أيها الرسول- بآلهتهم التي زعموا أنها ستؤذيك.

ومن يخذله الله فيضله عن طريق الحق، فما له مِن هاد يهديه إليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - عصمته لنبيه صلى الله عليه وسلم بأبلغ وجه وأتمه فقال ( أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ) .وقراءة الجمهور : ( عبده ) بالإِفراد وقرأ حمزة والكسائى : ( عباده ) والاستفهام للتقرير .قال القرطبى : وذلك أنهم خوفوا النبى صلى الله عليه وسلم مضرة الأوثان فقالوا له : أتسب آلهتنا لئن لم تنته عن ذكرها لتصيبنك بالسوء .وقال قتادة : مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس ، فقال له سادتها : احذرك منها يا خالد ، فإن لها شدة لا يقوم لها شئ .

فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها ، وتخويفهم لخالد تخويف للنبى صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذى أرسله .

ويدخل فى الآية تخويفهم النبى صلى الله عليه وسلم بكثرة جميعهم وقوتهم .

.والمعنى : أليس الله - تعالى - بكاف عبده محمدا صلى الله عليه وسلم من كل سوء؟

وكاف عباده المؤمنين الصادقين من أعدائهم؟

بلى إنه - سبحانه - لعاصم نبيه صلى الله عليه وسلم من أعدائه ، ولناصر عباده المتقين على من ناوأهم .والحال أن هؤلاء المشركين يخوفونك - أيها الرسول الكريم - من أصنامهم التى يعبدونها من دونه - تعالى - ، مع أن هذه الآلهة الباطلة أتفه من أن تدافع عن نفسها فضلا عن غيرها .( وَمَن يُضْلِلِ الله ) أى : من يضلله الله - تعالى - ( فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) يهديه إلى الصراط المستقيم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكاذبين والمكذبين للصادقين ذكر عقيبه وعد الصادقين ووعد المصدقين، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ تقديره: والذي جاء بالصدق والذي صدق به، وفيه قولان الأول: أن المراد شخص واحد فالذي جاء بالصدق محمد، والذي صدق به هو أبو بكر، وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام وجماعة من المفسرين رضي الله عنهم والثاني: أن المراد منه كل من جاء بالصدق، فالذي جاء بالصدق الأنبياء، والذي صدق به الأتباع، واحتج القائلون بهذا القول بأن الذي جاء بالصدق جماعة وإلا لم يجز أن يقال: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون ﴾ .

المسألة الثانية: أن الرسالة لا تتم إلا بأركان أربعة: المرسل والمرسل والرسالة والمرسل إليه، والمقصود من الإرسال إقدام المرسل إليه على القبول والتصديق، فأول شخص أتى بالتصديق هو الذي يتم به الإرسال، وسمعت بعض القاصين من الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دعوا أبا بكر فإنه من تتمة النبوة».

واعلم أنا سواء قلنا المراد بالذي صدق به شخص معين، أو قلنا المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، فإن أبا بكر داخل فيه.

أما على التقدير الأول: فدخول أبي بكر فيه ظاهر، وذلك لأن هذا يتناول أسبق الناس إلى التصديق، وأجمعوا على أن الأسبق الأفضل إما أبو بكر وإما علي، وحمل هذا اللفظ على أبي بكر أولى، لأن علياً عليه السلام كان وقت البعثة صغيراً، فكان كالولد الصغير الذي يكون في البيت، ومعلوم أن إقدامه على التصديق لا يفيد مزيد قوة وشوكة.

أما أبو بكر فإنه كان رجلاً كبيراً في السن كبيراً في المنصب، فإقدامه على التصديق يفيد مزيد قوة وشوكة في الإسلام، فكان حمل هذا اللفظ إلى أبي بكر أولى.

وأما على التقدير الثاني: فهو أن يكون المراد كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعلى هذا التقدير يكون أبو بكر داخلاً فيه.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف قرئ وصدق بالتخفيف أي صدق به الناس، ولم يكذبهم يعني أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف، وقيل صار صادقاً به أي بسببه، لأن القرآن معجزة، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح فيصير المدعي للرسالة صادقاً بسبب تلك المعجزة وقرئ وصدق.

واعلم أنه تعالى أثبت للذي جاء بالصدق وصدق به أحكاماً كثيرة.

فالحكم الأول: قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون ﴾ وتقريره أن التوحيد والشرك ضدان، وكلما كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان الضد الثاني أخس وأرذل، ولما كان التوحيد أشرف الأسماء كان الشرك أخس الأشياء، والآتي بأحد الضدين يكون تاركاً للضد الثاني، فالآتي بالتوحيد الذي هو أفضل الأشياء يكون تاركاً للشرك الذي هو أخس الأشياء وأرذلها، فلهذا المعنى وصف المصدقين بكونهم متقين.

الحكم الثاني: للمصدقين قوله تعالى: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء المحسنين ﴾ ، وهذا الوعد يدخل فيه كل ما يرغب المكلف فيه، فإن قيل لا شك أن الكمال محبوب لذاته مرغوب فيه لذاته، وأهل الجنة لا شك أنهم عقلاء فإذا شاهدوا الدرجات العالية التي هي للأنبياء وأكابر الأولياء عرفوا أنها خيرات عالية ودرجات كاملة، والعلم بالشيء من حيث إنه كمال، وخير يوجب الميل إليه والرغبة فيه، وإذا كان كذلك فهم يشاءون حصول تلك الدرجات لأنفسهم فوجب حصولها لهم بحكم هذه الآية، وأيضاً فإن لم يحصل لهم ذلك المراد كانوا في الغصة ووحشة القلب، وأجيب عنه بأن الله تعالى يزيل الحقد والحسد عن قلوب أهل الآخرة، وذلك يقتضي أن أحوالهم في الآخرة بخلاف أحوالهم في الدنيا، ومن الناس من تمسك بهذه الآية في أن المؤمنين يرون الله تعالى يوم القيامة، قالوا إن الذين يعتقدون أنهم يرون الله تعالى لا شك أنهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ لأنهم صدقوا الأنبياء عليهم السلام، ثم إن ذلك الشخص يريد رؤية الله تعالى فوجب أن يحصل له ذلك لقوله تعالى: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ فإن قالوا لا نسلم أن أهل الجنة يشاءون ذلك، قلنا هذا باطل لأن الرؤية أعظم وجوه التجلي وزوال الحجاب، ولا شك أنها حالة مطلوبة لكل أحد نظراً إلى هذا الاعتبار، بل لو ثبت بالدليل كون هذا المطلوب ممتنع الوجود لعينه فإنه يترك طلبه، لا لأجل عدم المقتضى للطلب، بل لقيام المانع وهو كونه ممتنعاً في نفسه، فثبت أن هذه الشبهة قائمة والنص يقتضي حصول كل ما أرادوه وشاءوه فوجب حصولها.

واعلم أن قوله: ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ لا يفيد العندية بمعنى الجهة والمكان بل بمعنى الصمدية والإخلاص كما في قوله تعالى: ﴿ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ  ﴾ واعلم أن المعتزلة تمسكوا بقوله: ﴿ وذلك جَزَاء المحسنين ﴾ على أن هذا الأجر مستحق لهم على إحسانهم في العبادة.

الحكم الثالث: قوله تعالى: ﴿ لِيُكَفّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فقوله: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه وقوله: ﴿ لِيُكَفّرَ الله عَنْهُمْ ﴾ يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه، فقيل المراد أنهم إذا صدقوا الأنبياء عليهم فيما أوتوا فإن الله يكفر عنهم أسوأ أعمالهم وهو الكفر السابق على ذلك الإيمان، ويوصل إليهم أحسن أنواع الثواب، وقال مقاتل يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ، واعلم أن مقاتلاً كان شيخ المرجئة وهم الذين يقولون لا يضر شيء من المعاصي مع الإيمان، كما لا ينفع شيء من الطاعات مع الكفر، واحتج بهذه الآية فقال: إنها تدل على أن من صدق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ولا جوز حمل هذا الأسوأ على الكفر السابق، لأن الظاهر من الآية يدل على أن التكفير إنما حصل في حال ما وصفهم الله بالتقوى وهو التقوى من الشرك، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد منه الكبائر التي يأتي بها بعد الإيمان، فتكون هذه الآية تنصيصاً على أنه تعالى يكفر عنهم بعد إيمانهم أسوأ ما يأتون به وذلك هو الكبائر.

الحكم الرابع: أنه جرت العادة أن المبطلين يخوفون المحقين بالتخويفات الكثيرة، فحسم الله مادة هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ وذكره بلفظ الاستفهام والمراد تقرير ذلك في النفوس والأمر كذلك، لأنه ثبت أنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات غني عن كل الحاجات فهو تعالى عالم حاجات العباد وقادر على دفعها وإبدالها بالخيرات والراحات، وهو ليس بخيلاً ولا محتاجاً حتى يمنعه بخله وحاجته عن إعطاء ذلك المراد، وإذا ثبت هذا كان الظاهر أنه سبحانه يدفع الآفات ويزيل البليات ويوصل إليه كل المرادات، فلهذا قال: ﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ ولما ذكر الله المقدمة رتب عليها النتيجة المطلوبة فقال: ﴿ وَيُخَوّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ يعني لما ثبت أن الله كاف عبده كان التخويف بغير الله عبثاً وباطلاً، قرأ أكثر القراء عبده بلفظ الواحد وهو اختيار أبي عبيدة لأنه قال له: ﴿ وَيُخَوّفُونَكَ ﴾ روي أن قريشاً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقرأ جماعة: ﴿ عِبَادِهِ ﴾ بلفظ الجميع قيل المراد بالعباد الأنبياء فإن نوحاً كفاه الغرق، وإبراهيم النار، ويونس بالإنجاء مما وقع له، فهو تعالى كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك، وقيل أمم الأنبياء قصدوهم بالسوء لقوله تعالى: ﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ  ﴾ وكفاهم الله شر من عاداهم.

واعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعيد والوعد والترهيب والترغيب ختم الكلام بخاتمة هي الفصل الحق فقال: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ ﴾ يعني هذا الفضل لا ينفع والبينات إلا إذا خص الله العبد بالهداية والتوفيق وقوله: ﴿ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِى انتقام ﴾ تهديد للكفار.

واعلم أن أصحابنا يتمسكون في مسألة خلق الأعمال وإرادة الكائنات بقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ ﴾ والمباحث فيه من الجانبين معلومة والمعتزلة يتمسكون على صحة مذهبهم في هاتين المسألتين بقوله: ﴿ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِى انتقام ﴾ ولو كان الخالق للكفر فيهم هو الله لكان الانتقام والتهديد غير لائق به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي، فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها.

وقرئ: ﴿ بكاف عبده ﴾ وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، و ﴿ بكاف عباده ﴾ وهم الأنبياء؛ وذلك: أنّ قريشاً قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، وإنا نخشى عليك معرتها لعيبك إياها.

ويروى: أنه بعث خالداً إلى العزّى ليكسرها، فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إنّ لها لشدّة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إليها فهشم أنفها.

فقال الله عزّ وجلّ: أليس الله بكاف نبيه أن يعصمه من كل سوى ويدفع عنه كل بلاء في مواطن الخوف.

وفي هذا تهكم بهم؛ لأنّهم خوّفوه ما لا يقدر على نفع ولا ضرّ.

أو أليس الله بكاف أنبياءه ولقد قالت أممهم نحو ذلك، فكفاهم الله وذلك قول قوم هود: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء ﴾ [هود: 54] ويجوز أن يريد: العبد والعباد على الإطلاق، لأنه كافيهم في الشدائد وكافل مصالحهم.

وقرئ: ﴿ بكافي عباده ﴾ على الإضافة.

و ﴿ يكافي عباده ﴾ .

ويكافي: يحتمل أن يكون غير مهموز مفاعله من الكفاية، كقولك: يجازي في يجزى، وهو أبلغ من كفى، لبنائه على لفظ المبالغة.

والمباراة: أن يكون مهموزاً، من المكافأة وهي المجازاة، لما تقدم من قوله: (ويجزيهم أجرهم)، ﴿ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ أراد: الأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه ﴿ بِعَزِيزٍ ﴾ بغالب منيع ﴿ ذِى انتقام ﴾ ينتقم من أعدائه، وفيه وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم، وينصرهم عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِلنَّفْيِ مُبالَغَةً في الإثْباتِ، والعَبْدُ رَسُولُ اللَّهِ  ويَحْتَمِلُ الجِنْسَ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ «عِبادَهُ»، وفُسِّرَ بِالأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا فَإنَّهم قالُوا لَهُ إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا بِعَيْبِكَ إيّاها.

وقِيلَ: إنَّهُ بَعَثَ خالِدًا لِيَكْسِرَ العُزّى فَقالَ لَهُ سادِنُها: أُحَذِّرُكَها فَإنَّ لَها شِدَّةً، فَعَمَدَ إلَيْها خالِدٌ فَهَشَّمَ أنْفَها فَنَزَلَ تَخْوِيفُ خالِدٍ مَنزِلَةَ تَخْوِيفِهِ لِأنَّهُ الآمِرُ لَهُ بِما خَوَّفَ عَلَيْهِ.

﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ حَتّى غَفَلَ عَنْ كِفايَةِ اللَّهِ لَهُ وخَوْفِهِ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ.

﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يَهْدِيهِمْ إلى الرَّشادِ.

﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ﴾ إذْ لا رادَّ لِفِعْلِهِ كَما قالَ: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ﴾ غالِبٍ مَنِيعٍ.

﴿ ذِي انْتِقامٍ ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَيْسَ الله بِكَافٍ} أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها {عبده} أي محمدا صلى الله عليه وسلم عباده حمزة وعلي أي الأنبياء والمؤمنين وهو مثل انا كفيناك المستهزئين

{وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ} أي بالأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه وذلك أن قريشاً قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا وإنا نخشى عليك مضرتها لعيبك إياها {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّ الكِفايَةَ مِنَ التَّحَقُّقِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَتَفَوَّهَ بِعَدَمِها أوْ يَتَلَعْثَمَ في الجَوابِ بِوُجُودِها، والمُرادُ - بِعَبْدِهِ - إمّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ أيِ الأوْثانُ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً فَإنَّ الخِطابَ سَواءٌ كانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا أوْ حالًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وقَدْ رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا وتُصِيبَكَ مَعَرَّتُها لِعَيْبِكَ إيّاها فَنَزَلَتْ،» وفي رِوايَةٍ «قالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنا أوْ لَيُصِيبَنَّكَ مِنها خَبَلٌ فَنَزَلَتْ»، أوِ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ وثّابٍ وطَلْحَةَ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ «عِبادَهُ» بِالجَمْعِ وفُسِّرَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ، وعَلى الأوَّلِ يُرادُ أيْضًا الأتْباعُ كَما سَمِعْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ ﴾ ، ﴿ ويُخَوِّفُونَكَ ﴾ شامِلٌ لَهم أيْضًا عَلى ما سَلَفَ والتِئامُ الكَلامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ إلى هَذا المَقامِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى يَكْفِي نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَهَمَّ دِينِهِ ودُنْياهُ ويَكْفِي أتْباعَهُ المُؤْمِنِينَ أيْضًا المَهَمَّيْنِ وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَكْفِيهِمْ شَرَّ الكافِرِينَ مِن وجْهَيْنِ مِن طَرِيقِ المُقابَلَةِ ومِن أنَّهُ داخِلٌ في كِفايَةِ مَهْمِيِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعِهِ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ القُرْآنِيَّةُ ويُلائِمُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ مِن ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ وأحْوالِهِما تَوْكِيدًا لِما أمَرَ بِهِ أوَّلًا مِنَ العِبادَةِ والإخْلاصِ وقُرِئَ «بِكافِي عِبادِهِ» بِالإضافَةِ و«يُكافِي عِبادَهُ» مُضارِعَ كافى ونَصْبَ «عِبادَهُ» فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ كَقَوْلِكَ: يُجارِي في يَجْرِي وهو أبْلَغُ مِن كَفى لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالَغَةِ وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ نَحْوَ ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ  ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ وهي المُجازاةُ، ووَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ وجَزاءَهُ وحالَ مُقابِلِهِ أعْنِي الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ وجَزاءَهُ وعَرَضَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ ﴾ بِأنَّ ما سَلَفَ جَزاءُ الكافِرِينَ المُسِيئِينَ لِما هو مَعْرُوفٌ مِن فائِدَةِ البِناءِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ ثُمَّ عَقَّبَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيُكَفِّرَ ﴾ ..

إلَخْ.

عَلى مَعْنى لِيُكَفِّرَ عَنْهم ويَجْزِيَهم خَصَّهم بِما خَصَّ فَنَبَّهَ عَلى المُقابِلِ أيْضًا مِن ضَرُورَةِ الِاخْتِصاصِ والتَّعْلِيلِ، وفِيهِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى حُكْمِ المُقابِلِ عَلى اعْتِبارِ المُتَعَلِّقِ غَيْرَ ما ذَكَرَ كَما يَظْهَرُ بِأدْنى التِفاتٍ أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ وحَيْثُ إنَّ مَطْمَحَ النَّظَرِ مِنَ العِبادِ السَّيِّدُ الحَبِيبُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ المَعْنى اللَّهُ تَعالى يُجازِي عَبْدَهُ ونَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذا الجَزاءَ المَذْكُورَ وفِيهِ أنَّهُ الَّذِي يَجْزِيهِ البَتَّةَ ويُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُخَوِّفُونَكَ ﴾ فَإنَّهُ لَمّا كانَ في مُقابَلَةِ ذَمِّ آلِهَتِهِمْ كَما سَمِعْتَ في سَبَبِ النُّزُولِ كانَ تَحْذِيرًا مِن جَزاءِ الآلِهَةِ فَلا مَغْمَزَ بِعَدَمِ المُلاءَمَةِ.

نَعَمْ لا نُنْكِرُ أنَّ مَعْنى الكِفايَةِ أبْلَغُ كَما هو مُقْتَضى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فاعْلَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ حَتّى غَفَلَ عَنْ كِفايَتِهِ تَعالى عَبْدُهُ وخَوَّفَ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ أصْلًا ﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يَهْدِيهِ إلى خَيْرٍ ما <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أي: فلا أحد أظلم ممن كذب على الله بأن معه شريكاً، وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ يعني: بالقرآن، وبالتوحيد.

ويقال: وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ يعني: بالصادق وهو النبيّ  أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ يعني: مأوى للذين يكفرون بالقرآن.

فاللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التحقيق كقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (8) [التين: 8] .

وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أي: بالقرآن وَصَدَّقَ بِهِ أي: أصحابه.

ويقال: وَصَدَّقَ بِهِ المؤمنون.

وقال القتبي: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هو في موضع جماعة.

ومعناه: والذين جاءوا بالصدق، وصدقوا به، وهذا موافق لخبر ابن مسعود.

وقال قتادة، والشعبي، ومقاتل، والكلبي: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ يعني: النبيّ  وَصَدَّقَ بِهِ يعني: المؤمنون.

وذكر عن علي بن أبي طالب أنه قال: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ يعني: النبيّ  وَصَدَّقَ بِهِ يعني: أبو بكر أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ الذين اتقوا الشرك، والفواحش.

وقرأ بعضهم: وَصَدَقَ بالتخفيف.

يعني: النبيّ  قرأ على الناس كما أنزل عليه، ولم يزد في الوحي شيئاً، ولم ينقص من الوحي شيئاً.

لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني: لهم ما يريدون، ويحبون في الجنة، ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ أي: ثواب الموحدين، المطيعين، المخلصين لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ يعني: ليمحو عنهم، ويغفر لهم، أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا يعني: أقبح ما عملوا، مخالفاً للتوحيد، وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ أي: ثوابهم بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ يعني يجزيهم بالمحاسن، ولا يجزيهم بالمساوئ، لأنه ليس لهم ذنب، ولا خطايا، فلا يجزيهم بمساوئهم.

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ قرأ حمزة، والكسائي: عِبَادَهُ بالألف بلفظ الجماعة.

يعني: الذين صدقوا بالنبي  ، وبالقرآن، والباقون عَبْدَه بغير ألف.

يعني: النبيّ  .

وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني: بالذين يعبدون من دونه، وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي  : لا تزال تقع في آلهتنا، فاتقِ كيلا يصيبك منها معرة، أو سوء.

فنزل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ الآية.

وروى معمر عن قتادة قال: بعث النبيّ  خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها، فمشى إليها بالفأس.

فقالت له: قيمتها يا خالد احذر، فإن لها شدة، لا يقوم لها أحد، فمشى إليها خالد، فهشم أنفها بالفأس.

ويقال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ يعني: الأنبياء.

ثم قال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: من يخذله الله عن الهدى، فما له من مرشد، ولا ناصر وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أي: ليس له أحد يخذله أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ يعني: عزيزاً في ملكه، ذي انتقام من عدوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: لِيُكَفِّرَ يحتملُ أن يَتَعَلَّقَ بقوله: الْمُحْسِنِينَ أي: الذين أحسنوا، لكَيْ يُكَفِّرَ وقاله ابن زيد «١» ، ويحتملُ أن يتعلَّقَ بفعلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مما قَبْلَهُ تقديرهُ:

يَسَّرَهُمُ اللَّهُ لذلكَ لِيُكَفِّرَ، لأنَّ التَّكْفِيرَ لاَ يكونُ إلا بَعْدَ التّيسير للخير.

وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ تقوِيَةٌ لنفس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: «عباده» «٢» يريد الأنبياءَ، وأنتَ يَا محمدُ أحدُهُمْ، فيدخلُ في ذلكَ المُؤْمِنُونَ المطيعُونَ والمتوكِّلُونَ على اللَّه سُبْحَانَهُ.

وقوله سبحانه: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أيْ: بالذين يَعْبُدُونَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وقد تقدَّم تفسيرُ نظيرِهِ.

وقوله تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، أيْ: فلنفسه عَمِلَ وسعى، ومَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا جنى، ثم نبَّه تعالى على آية مِنْ آياته الكبرى، تدِلُّ الناظِرَ على الوحدانيَّةِ، وأنَّ ذلك لا شِرْكَةَ فيه لِصَنَمٍ، وهي حالةُ التَّوَفِّي، وذلكَ أَنَّ ما تَوَفَّاهُ اللَّهُ تعالى على الكَمَالِ، فهو الذي يَمُوتُ، وما تَوَفَّاهُ تَوفِّياً غَيرَ مُكَمَّلٍ فهو الذي يكونُ في النَّوْم، قال ابن زيد: النوم وفاة

والموتُ وفاة «١» وكثَّرَ الناسُ في هذه الآية، وفي الفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، وَفَرَقَ قَوْمٌ بَيْنَ نَفْسِ التمييزِ ونفس التخيُّل إلى غير ذلك مِن الأقوال التي هي غَلَبةُ ظَنٍّ، وحقيقةُ الأمْرِ في هذا هي مما استأثر اللَّه به وَغَيَّبَهُ عن عِبَادِهِ في قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:

٨٥] ، ويكفيكَ أن في هذه الآية يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ، وفي الحديثِ الصحيحِ: إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْوَاحَنَا حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْنَا حِينَ شَاءَ «٢» .

وفي حديث بلالٍ في الوَادي فقد نطقتِ الشريعةُ بقَبْضِ الرُّوحِ والنَّفْس، وقد قال تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي والظاهرُ أنَّ الخَوْضَ في هذا كُلِّهِ عَنَاءٌ، وإنْ كَان قَد تعرَّضَ للقَوْلِ في هذا ونحوه أئمةٌ، ذَكَرَ الثعلبيُّ عن ابن عباس أنه قال: «في ابن آدم نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُمَا مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ هِيَ الَّتي بها العَقْلُ والتمييزُ، والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحَرُّكُ، فإذا نام العَبْدُ قَبَضَ اللَّهُ تعالى نَفْسَهُ ولم يَقْبِضْ رُوحَه» «٣» ، وجاءَ في آداب النَّوم وأذكار النائِم أحاديثُ صحيحةٌ ينبغي للعبدِ ألاَّ يُخْلِيَ نفسَه مِنها، وقد روى جابرُ بن عبد اللَّه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «إذا أَوَى الرَّجُلُ إلى فِرَاشِهِ، ابتدره مَلَكٌ وَشَيْطَانٌ، فيقُولُ المَلَكُ: اختم بِخَيْرٍ، ويقُولُ الشَّيْطَانُ:

اختم بِشَرٍّ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تعالى، ثُمَّ نَامَ بَاتَ المَلَكُ يَكْلَؤُهُ، فَإنِ استيقظ قال الملكُ:

افتح بِخَيْرٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ: افتح بِشَرٍّ، فإنْ قَالَ: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَدَّ إلَيَّ نَفْسِي، وَلَمْ يُمِتْهَا في مَنَامِهَا، الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَلَئِنْ زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ/ إلاَّ بِإذْنِهِ، إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فإن وَقَعَ مِنْ سَرِيرهِ، فَمَاتَ، دَخَلَ الجنة» «٤» ، رواه

النسائي، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ، وقال الحاكم:

صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، وزاد آخره: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» انتهى من «السِّلاح» ، وفيه عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: مَنْ قَالَ حِينَ يَأوِي إلى فِرَاشِهِ: «لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، - غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَوْ خَطَايَاهُ- شَكَّ مِسْعَرٌ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» «١» رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» ، ورواه النسائي موقوفاً، انتهى، وروى التِّرمذيُّ عن أبي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ: «مَنْ أوى إلى فِرَاشِهِ طَاهِراً يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يسألُ اللَّهَ شَيْئاً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ» «٢» ، انتهى، والأجَلُ المسمّى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما تَزالُ تَذْكُرُ آَلِهَتُنا وتَعِيبُها، فاتَّقِ أنْ تُصِيبَكَ بِسُوءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والمُرادُ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ  .

وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ، وهُمُ الأنْبِياءُ، لِأنَّ الأُمَمَ قَصَدَتْهم بِالسُّوءِ؛ فالمَعْنى أنَّهُ كَما كَفى الأنْبِياءَ قَبْلَكَ، يَكْفِيكَ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍّ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "بِكافِي" مُثْبِتَةَ الياءِ "عَبْدَهُ" بِكَسْرِ الدّالِ والهاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو العالِيَةَ، وأبُو الجَوْزاءِ، والشَّعْبِيُّ مَثْلَهُ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الألِفَ في "عِبادِهِ" .

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ: "بِكافٍ" بِالتَّنْوِينِ، "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "يُكافِي" بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ الكافِ وياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الفاءِ "عِبادَهُ" عَلى الجَمْعِ.

﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ: بِالَّذِينِ يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ، وهُمُ الأصْنامُ.

ثُمَّ أعْلَمَ بِما بَعْدَ هَذا أنَّ الإضْلالَ والهِدايَةَ إلَيْهِ تَعالى، وأنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ عَصاهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم مَعَ عِبادَتِهِمْ، يُقِرُّونَ أنَّهُ الخالِقُ.

ثُمَّ أمَرَ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما يَعْبُدُونَ لا يَمْلِكَ كَشْفَ ضُرٍّ ولا جَذْبَ خَيْرٍ.

وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنِ عاصِمٍ: "كاشِفاتٌ ضُرَّهُ" و "مُمْسِكاتٌ رَحْمَتَهُ" مَنَّوْنًا.

والباقُونَ: "كاشِفاتُ ضُرِّهِ" و "مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ" عَلى الإضافَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ ﴿ وَمَن يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ وكَذَّبَ بِالصِدْقِ  ﴾ فَـ"مَن" هُنالِكَ لِلْجَمِيعِ والعُمُومِ، و[الَّذِي] هُنا لِلْجِنْسِ أيْضًا، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بَعْضُهُ بِالصِدْقِ، وصَدَّقَ بِهِ بَعْضُهُ، ويَسْتَقِيمُ اللَفْظُ والمَعْنى عَلى هَذا التَرْتِيبِ.

وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [والَّذِينَ جاءُوا بِالصِدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ]، وهو هُنا القُرْآنُ وأنْباؤُهُ، والشَرْعُ بِجُمْلَتِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِي" يُرادُ بِهِ: الَّذِينَ، وحُذِفَتِ النُونُ لِطُولِ الكَلامِ، وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ، وتَرْكِيبُ "جاءَ" عَلَيْهِ يَرُدُّ ذَلِكَ، ولَيْسَ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: إنَّ عَمَّيَّ اللَذّا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ....

وَنَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أمَّ خالِدِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ  ، وهو الَّذِي صَدَّقَ بِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ، هو مُحَمَّدٌ  ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ  ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ  ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقالَ أبُو الأسْوَدِ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ هو عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ بِالعُمُومِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وهو أصْوَبُ الأقْوالِ.

وقَرَأ أبُو صالِحٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحادَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: [وَصَدَقَ بِهِ] بِالتَخْفِيفِ في الدالِ، بِمَعْنى: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِدْقَ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ  ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يُحَسِّنُ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: اتَّقَوُا الشِرْكَ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ ، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِكَيْ يُكَفِّرَ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "بَشَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ لِيَكَفِّرَ" لِأنَّ التَكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَيْسِيرِ لِلْخَيْرِ، و ﴿ أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ تَقْوِيَةٌ لِنَفْسِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانَتْ خَوَّفَتْهُ مِنَ الأصْنامِ، وقالُوا: أنْتَ تَسُبُّها ونَخافُ أنْ تُصِيبَكَ بِجُنُونٍ أو عِلَّةٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [عِبادَهُ] يُرِيدُ الأنْبِياءَ المُخْتَصِّينَ بِهِ، وأنْتَ أحَدُهُمْ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُطِيعُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُتَوَكِّلُونَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذِهِ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "عَبْدَهُ" وهو اسْمُ جِنْسٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وشَيْبَةَ، وأهْلِ المَدِينَةِ، ويُقَوِّي أنَّ الإشارَةَ إلى مُحَمَّدٍ  قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ يُرِيدُ: بِالَّذِينِ يُعْبَدُونَ مِن دُونِهِ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  بَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى كَسْرِ العُزّى، فَقالَ سادِنُها: يا خالِدُ، إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، فَأخَذَ خالِدُ الفَأْسَ فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها وانْصَرَفَ.» ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى أنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ مِن عِنْدِهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ، وأنَّ ما أرادَ مِن ذَلِكَ لا رادَّ لَهُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعِزَّتِهِ وانْتِقامِهِ، فَكانَ ذَلِكَ، وانْتَقَمَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ .

لمّا ضرب الله مثلاً للمشركين والمؤمنين بمَثَل رجل فيه شركاء متشاكسون ورجللٍ خالصصٍ لرجل، كان ذلك المثَل مثيراً لأن يقول قائِلُ المشركين لَتَتَأَلبَنَّ شركاؤنا على الذي جاء يحقرها ويسبها، ومثيراً لحمية المشركين أن ينتصروا لآلهتهم كما قال مشركو قوم إبراهيم ﴿ حرقوه وانصروا آلهتكم ﴾ [الأنبياء: 68].

وربما أنطقتهم حميتُهم بتخويف الرسول، ففي الكشاف } و«تفسير القرطبي»: أن قريشاً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّا نخاف أن تُخْبِلَك آلهتُنا وإنا نخشى عليك معرتها (بعين بعد الميم بمعنى الإِصابة بمكروه يَعنون المضرة) لعيبك إياها».

وفي «تفسير ابن عطية» ما هو بمَعنى هذا، فلمَّا حكى تكذيبَهم النبي عطف الكلام إلى ما هددوه به وخوفوه من شر أصنامهم بقوله: ﴿ أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ .

فهذا الكلام معطوف على قوله: ﴿ ضَربَ الله مثَلاً رجُلاً فيه شُركاء ﴾ [الزمر: 29] الآية والمعنى: أن الله الذي أفردتَه بالعبادة هو كافيك شر المشركين وباطل آلهتهم التي عبدوها من دونه، فقوله: أليس الله بكاففٍ عبده } تمهيد لقوله: و ﴿ يخوفونك بالذين من دونه ﴾ قدم عليه لتعجيل مساءة المشركين بذلك، ويستتبع ذلك تعجيل مسرة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله ضامن له الوقاية كقوله: ﴿ فسيكفيكهم اللَّه ﴾ [البقرة: 137].

وأصل النظم: ويُخوّفونك بالذين من دون الله والله كافيك، فغُير مجرى النظم لهذا الغرض، ولك أن تجعل نظم الكلام على ترتيبه في اللفظ فتجعل جملة أليس الله بكاف عبده } استئنافاً، وتصير جملة ﴿ ويخوفونك ﴾ حالاً.

ووقع التعبير عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاسم الظاهر وهو ﴿ عَبْدَه ﴾ دون ضمير الخطاب لأن المقصود توجيه الكلام إلى المشركين، وحُذف المفعول الثاني ل ﴿ كافٍ ﴾ لظهور أن المقصود كافيك أَذاهُم، فأما الأصنام فلا تستطيع أذىً حتى يُكْفاه الرسول صلى الله عليه وسلم والاستفهام إنكار عليهم ظنّهم أن لا حامِيَ للرسول صلى الله عليه وسلم من ضرّ الأصنام.

[والمراد ب ﴿ عَبْدَه ﴾ هو الرسول صلى الله عليه وسلم لا محالة وبقرينة و ﴿ يُخوفونك ﴾ .

وفي استحضار الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية وإضافته إلى ضمير الجلالة، معنى عظيم من تشريفه بهذه الإِضافة وتحقيققِ أنه غير مُسلمِه إلى أعدائه.

والخطاب في ﴿ ويخوفونك ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو التفات من ضمير الغيبة العائد على ﴿ عبده ﴾ ، ونكتةُ هذا الإلتفات هو تمحيض قصد النبي بمضمون هذه الجملة بخلاف جملة ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ كما علمت آنفاً.

و ﴿ الذين من دونه ﴾ هم الأصنام.

عُبر عنهم وهم حجارة بمَوصول العقلاءِ لكثرة استعمال التعبير عنهم في الكلام بصيغ العقلاء.

و ﴿ من دونه ﴾ صلة الموصول على تقدير محذوف يتعلق به المجرور دل عليه السياق، تقديره: اتخذُوهم من دونه أو عبَدُوهم من دونه.

ووقع في «تفسير البيضاوي» أن سبب نزول هذه الآية هو خبر توجيه النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى هدم العُزّى وأن سادن العزّى قال لخالد: أحذِّرُكَها يا خالد فإن لها شدةً لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العزّى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس فأنزل الله هذه الآية.

وتأول الخطاب في قوله: ﴿ ويخوفونك ﴾ بأن تخويفهم خالداً أرادوا به تخويف النبي صلى الله عليه وسلم فتكون هذه الآية مدنية وسياق الآية ناببٍ عنه.

ولعل بعض من قال هذا إنما أراد الاستشهاد لتخويف المشركين النبي صلى الله عليه وسلم من أصنامهم بمثال مشهور.

وقرأ الجمهور ﴿ بكاففٍ عبده ﴾ .

وقرأ حمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ﴿ عبادَه ﴾ بصيغة الجمع أي النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فإنهم لما خوَّفوا النبي صلى الله عليه وسلم فقد أرادوا تخويفه وتخويف أتباعه وأن الله كفاهم شرهم.

﴿ دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ ﴾ اعتراض بين جملة ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ الآية وجملةِ ﴿ أليس الله بعزيز ذي انتقام ﴾ قصد من هذا الاعتراض أن ضلالهم داء عَياء لأنه ضلال مكوَّن في نفوسهم وجبلّتهم قد ثبّتته الأيام، ورسخه تعاقب الأجيال، فَران بغشاوته على ألبابهم، فلما صار ضلالهم كالمجبول المطبوع أسند إيجاده إلى الله كناية عن تعسر أو تعذر اقتلاعه من نفوسهم.

وأريد من نفي الهادي من قوله: ﴿ فما له من هاد ﴾ نفي حصول الاهتداء، فكني عن عدم حصول الهدى بانتفاء الهادي لأن عدم الاهتداء يجعل هاديهم كالمنفي.

وقد تقدم قوله في سورة [الأعراف: 186] ﴿ من يضلل اللَّه فلا هادي له.

﴾ والآيتان متساويتان في إفادة نفي جنس الهادي، إلا أن إفادة ذلك هنا بزيادة مِن } تنصيصاً على نفي الجنس.

وفي آية الأعراف ببناء هادي على الفتح بعد (لا) النافية للجنس فإن بناء اسمها على الفتح مشعر بأن المراد نفي الجنس نصًّا.

والاختلاف بين الأسلوبين تفنن في الكلام وهو من مقاصد البلغاء.

وتقديم ﴿ له ﴾ على ﴿ هَادٍ ﴾ للاهتمام بضميرهم في مقام نفي الهادي لهم لأن ضلالهم المحكي هنا بالغ في الشناعة إذا بلغ بهم حدَّ الطمع في تخويف النبي بأصنامهم في حال ظهور عدم اعتداده بأصنامهم لكل متأمل مِن حاللِ دعوته، وإذْ بلغ بهم اعتقاد مقدرة أصنامهم مع الغفلة عن قدرة الرب الحَقّ، بخلاف آية الأعراف فإن فيها ذكر إعراضهم عن النظر في ملكوت السماوات والأرض وهو ضلال دون ضلال التخويف من بأس أصنامهم.

وأما جملة ﴿ ومَن يَهْدِ الله فما لهُ مِن مُضلٍ ﴾ فقد اقتضاها أن الكلام الذي اعترضت بعده الجملتان اقتضى فريقين: فريقاً متمسكاً بالله القادر على النفع والضر وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وآخرَ مستمسكاً بالأصنام العاجزة عن الأمرين، فلما بُيّن أن ضلال الفريق الثاني ضلال مكين ببيان أن هدى الفريق الآخر راسخ متين فلا مطمع للفريق الضال بأن يجرّوا المهتدين إلى ضلالهم.

﴿ مُّضِلٍّ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِى ﴾ .

تعليل لإِنكار انتفاء كفاية الله عن ذلك كإنكار أن الله عزيز ذو انتقام، فلذلك فصلت الجملة عن التي قبلها.

والاستفهام تقريري لأن العلم بعزة الله متقرر في النفوس لاعتراف الكل بإلهيته والإلهية تقتضي العزة، ولأن العلم بأنه منتقم متقرر من مشاهدة آثار أخذه لبعض الأمم مثل عاد وثمود.

فإذا كانوا يقرّون لله بالوصفين المذكورين فما عليهم إلا أن يعلموا أنّه كاففٍ عبده بعزته فلا يقدر أحد على إصابة عبده بسوء، وبانتقامه من الذين يبْتغون لعبده الأذى.

والعزيز: صفة مشبهة مشتقة من العزّ، وهو منَعَة الجانب وأن لا يناله المتسلط وهو ضد الذل، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فاعلموا أن اللَّه عزيز حكيم ﴾ في سورة [البقرة: 209].

والانتقام: المكافأة على الشر بشر، وهو مشتق من النقْم وهو الغضب كأنه مطاوعه لأنه مسبب عن النَّقْم، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فانتقمنا منهم فأغرقناهم ﴾ في اليم في سورة [الأعراف: 136].

وانظر قوله تعالى: ﴿ واللَّه عزيز ذو انتقام ﴾ في سورة [العقود: 95].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ في قِراءَةِ بَعْضِهِمْ، يَعْنِي مُحَمَّدًا  يَكْفِيهِ اللَّهُ المُشْرِكِينَ، وقَرَأ الباقُونَ (عِبادَهُ) وهُمُ الأنْبِياءُ.

﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُخَوِّفُونَهُ بِأوْثانِهِمْ يَقُولُونَ تَفْعَلُ بِكَ وتَفْعَلُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: يُخَوِّفُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى ناحِيَتِكم، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: عَلى تَمَكُّنِكم، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: عَلى شِرْكِكم، قالَهُ يَحْيى.

﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ عَلى ما أنا عَلَيْهِ مِنَ الهُدى.

﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وهَذا وعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: قال لي رجل: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لتكفن عن شتم آلهتنا أو لتأمرنها فلتخبلنك.

فنزلت ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ قال: بالآلهة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ليكسر العزى فقال سادنها:- وهو قيمها- يا خالد إني أحذركها لا يقوم لها شيء، فمشى إليها خالد بالفأس وهشم أنفها.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ قال: الأوثان.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ تقوية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم، وإزالة للخوف الذي كان الكفار يخوفونه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عباده ﴾ على الجمع: يزيد وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أرادني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة.

﴿ كاشفات ﴾ بالتنوين ﴿ ضره ﴾ بالنصب وهكذا ﴿ ممسكات رحمته ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالإضافة فيهما ﴿ قضى عليها ﴾ مجهولاً ﴿ الموت ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير.

﴿ يا حسرتاي ﴾ بياء بعد الف: يزيد.

الآخرون: بالألف وحدها ﴿ وينجي الله ﴾ بالتخفيف: روح ﴿ بمفازاتهم ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ تأمروني ﴾ بتشديد النون وفتح الياء: ابن كثير ﴿ تأمرونني ﴾ بنونين وسكون الياء: ابن عامر ﴿ تأمروني ﴾ بنون واحدة وفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بتشديد النون وسكون الياء.

﴿ لنحبطن ﴾ بالنون من الإحباط ﴿ عملك ﴾ بالنصب: يزيد.

الآخرون: على الغيبة وفتح العين ﴿ عملك ﴾ بالرفع ﴿ وسيق ﴾ بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس ﴿ فتحت ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين.

الوقوف: ﴿ إذ جاءه ﴾ ط ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بمحذوف كما يجيء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ عبده ﴾ ط ﴿ من دونه ﴾ ط ﴿ من هاد ﴾ ه ج ﴿ مضل ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ حسبي الله ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للابتداء بالنفي مع العطف ﴿ بوكيل ﴾ ه ج ﴿ في منامها ﴾ ج ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شفعاء ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط بناء على أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ بالآخرة ﴾ ط ج فصلاً بين الجملتين مع اتفاقهما نظماً ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ يحتسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ دعانا ﴾ ز فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ منا ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ على علم ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ ما كسبوا ﴾ الأولى ط ﴿ ما كسبوا ﴾ الثانية لا لأن الواو للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ لا تشعرون ﴾ ه لا ﴿ الساخرين ﴾ ه لا ﴿ المتقين ﴾ ه لا ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مسودّة ﴾ ط ﴿ للمتكبرين ﴾ ه ﴿ بمفازتهم ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ز للفصل بين الوصفين تعظيماً مع اتفاق الجملتين ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ الجاهلون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لحق القسم المحذوف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بيمينه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ج بياناً لتراخي النفخة الثانية عن الأولى مع اتفاق الجملتين ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ نشاء ﴾ ج ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالاً وقد قضى بين الزمرين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما ضرب لعبدة الأصنام مثلاً أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن.

ومعنى ﴿ إذ جاءه ﴾ أنه لم يراع طريقة أهل الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب.

واللام في قوله ﴿ للكافرين ﴾ لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق.

قال جار الله: ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة.

وحين بين وعيدهم عقبه بوعد الصادقين المصدّقين وهم الرسول  وأصحابه.

وقيل: الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ قوله ﴿ ليكفر ﴾ ظاهره تعلقه بـ ﴿ يشاؤن ﴾ فتكون لام العاقبة.

ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم لأجل ذلك.

قال جار الله: الأسوأ ههنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج أعدل بني مروان.

وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر عندهم أسوأ أعمالهم.

وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه الإيمان.

واستدل مقاتل ـ وكان شيخ المرجئة ـ بهذه الآية فإنها تدل على أن من صدّق الأنبياء فإنه  يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان والوصف بالتقوى وفيه نظر.

ثم إنهم كانوا يخوّفون المؤمنين والنبي  برفض آلهتهم وتحقيرها.

ويروى أنه بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها شدّة.

فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله  ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ أي نبيه بدليل قوله ﴿ ويخوّفونك ﴾ ومن قرأ على الجمع فهي للعموم.

والآيات إلى قوله ﴿ بوكيل ﴾ ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مراراً.

والعذاب الخزي عذاب يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على تسلية النبي  ، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله  بقوله ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت والنوم يضاهي الضلال.

فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله وتكوينه فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، ففيه تسلية أخرى للنبي  .

وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلاً عن الأصنام.

ومعنى الآية أن الله  يتوفى الأنفس حين موتها.

قال جار الله: أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت ﴿ و ﴾ يتوفى الأنفس ﴿ التي لم تمت في منامها ﴾ أي يتوفاها حيت تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى كقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل  ﴾ والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة عند موتها ومرة عند نومها فتكون "في" متعلقة بـ ﴿ يتوفى ﴾ والتوفي مستعمل في الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، ولم يجوّزه كثير من أئمة الأصول.

وقال الفراء: "في" متعلقة بالموت وتقديره: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها.

ثم بين الفرق بين الحالين بقوله ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الآخرى إلى أجل مسمى ﴾ من غير غلط.

وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة.

وأما في وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ ثم كان لمشرك أن يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله ﴿ أم اتخذوا من دون الله ﴾ أي من دون إذنه ﴿ شفعاء ﴾ و "أم" بمعنى "بل"، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل تماثيلهم.

والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئاً ولا تعقل وأشار إلى هذا المعنى بقوله ﴿ قل أولو كانوا ﴾ يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث ﴿ لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ والثاني أيضاً مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن الله وهو المراد بقوله ﴿ قل لله الشفاعة ﴾ وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال.

ولو كان تأكيداً للشفاعة لقيل جمعاء.

وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله ﴿ له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المشركين فقال ﴿ وإذا ذكر الله وحده ﴾ أي منفرداً ذكره عن ذكر آلهتهم ﴿ اشمأزت ﴾ أي نفرت وانقبضت منه ﴿ قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دون ﴾ سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ أي فاجأ وقت ذكر آلهتهم وقت استبشارهم.

وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى يظهر أثره في بشرته.

والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب.

وقيل: معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم.

وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما روي "أنه  لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فاستبشر المشركون وسجدوا" .

ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكره من ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء ﴿ اللهم فاطر السموات والأرض ﴾ وهو وصفه بالقدرة التامة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ وهو نعته بالعلم الكامل.

وإنما قدم وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف ﴿ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير العليم.

عن عائشة أن رسول الله  كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم.

وعن الربيع بن خثيم.

وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين  وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأه هذه الآية.

وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي  يجلسه في حجره ويضع فاه في فيه.

ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله ﴿ ولو أن للذين ظلموا ﴾ أي بالشرك وقد مر نظير الآية مراراً أوّلها في آل عمران وفيه قوله ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ نظير قوله في أهل الوعد ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ وقيل: عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات.

يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم يكن في حسباني.

وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء.

ثم صرح بما أبهم قائلاً ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ و "ما" موصولة أو مصدرية أي ظهرت لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو غير ذلك من المواقف.

وجوّز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ وإنما قال في الجاثية ﴿ سيئات ما عملوا  ﴾ لمناسبة ألفاظ العمل، وههنا قد وقع من ألفاظ الكسب.

ثم حكى نوعاً آخر من قبيح أعمالهم قائلاً ﴿ فإذا مسّ الإنسان ﴾ وقد مر مثله في مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر ههنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجأوا إليه وحده عند ضر يصيبهم.

ومعنى ﴿ أوتيته على علم ﴾ أوتيته على علم لله بكوني مستحقاً لذلك أو على علم عندي صار سبباً لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك.

ولا شك أن هذا نوع من الغرور فلهذا قال  ﴿ بل هي فتنة ﴾ بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن الكافر.

ذكر الضمير أوّلاً بتأويل المخوّل وأنثه ثانياً بتأويل النقمة.

ثم أشار بقوله ﴿ قد قالها ﴾ أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم و ﴿ الذين من قبلهم ﴾ هم قارون وقومه حيث ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي  ﴾ وقومه راضون بها فكأنهم قالوها.

ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله ﴿ هؤلاء ﴾ إلى أهل مكة أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أولم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟

وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا بإذن مبدعها وفاطرها.

وقول الشاعر: فلا السعد يقضي به المشتري *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء *** وقاضي القضاة  وجل كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر.

والذي يشكك به الإمام فخر الدين الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، لأنا لو سلمنا وقوع ذلك فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها.

نعم لو ادعى عسر إدراك جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم.

وحين أطنب في الوعيد أردفه ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبدالأوثان وقتل النفس التي حرم الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه الآية.

وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عياش والوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.

وقيل: نزلت بالمدينة في وحشيّ وقد سبق.

ثم إن قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان.

وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين.

فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مراراً.

عن رسول الله  : "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟

فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات" رواه في الكشاف.

وعلى هذا يكون مخصوصاً بشرط الإيمان.

ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أوّلها تسمية المذنب عبداً والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود والرحمة على المساكين.

وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف.

وثالثها من جهة وصفهم بقوله ﴿ الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب عود مضرتها عليهم لا عليّ.

ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم.

وخامسها قوله ﴿ من رحمة الله ﴾ مع إمكان الاقتصار على الضمير بأن يقول "من رحمتي" فإيراد أشرف الأسماء في هذا المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف.

وسادسها تكرير اسم الله  في قوله ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ مع تصدير الجملة بـ "إن"، ومع إيراد صيغة المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله ﴿ جميعاً ﴾ أي حال كونها مجموعة.

وسابعها إرداف الجملة بقوله ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ ومع ما فيه من أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن مقروناً بخوفه فقال ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ وذلك أن الأشاعرة أيضاً يجوّزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها.

ومع احتمال هذا العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن الثاني.

وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار بهذه الآيات من قوله ﴿ وأنيبوا ﴾ والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم السابقة، وإما الموت لأنه أول أهوال الآخرة.

وقوله ﴿ أحسن ما أنزل إليكم ﴾ كقوله ﴿ يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وقد مر الأقوال فيه.

وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟

فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات: الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا.

تقول.

قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم.

وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله "رب وفد أكرمته".

﴿ يا حسرتا على ما فرّطت ﴾ أي قصرت.

والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم ﴿ في جنب الله ﴾ واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله  ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل.

والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج وتقول: لمكانك فعلت كذا.

أي لأجلك.

وفي الحديث "من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل" ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه عبارات.

قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله.

وقال مقاتل: ضيعت من ذكر الله.

وقال مجاهد: في أمر الله.

وقال الحسن: في طاعة الله.

وعن سعيد بن جبير: في حق الله.

وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله ﴿ والصاحب بالجنب  ﴾ وقال ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب.

والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات.

قال الشاعر وهو سابق البربري: أما لتقين الله في جنب عاشق.

*** له كبد حرّى عليك تقطع؟

ثم زاد في التحسر بقوله ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين.

"إن" مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال.

قال قتادة.

لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين.

النوع الثاني من كلمات النفس المعذبة ﴿ لو أن الله هداني ﴾ يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه.

﴿ لكنت من المتقين ﴾ النوع الثالث قوله عند رؤية العذاب ﴿ لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ قال جار الله: لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب وهو الثاني، صح أن تقع "بلى" جواباً له مع أنه غير منفي، لأن قوله ﴿ لو أن الله هداني ﴾ في معنى ما هديت.

قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه.

ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً ﴿ ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله ﴾ وقوله ﴿ وجوههم مسودّة ﴾ مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال.

والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله ﴿ فكذبت بها ﴾ ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك.

وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم.

وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله  أعلم بمراده.

ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت  ﴾ .

ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً ﴿ وينجي الله الذين اتقوا ﴾ الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر ﴿ بمفازتهم ﴾ هي "مفعلة" من الفوز.

فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح.

ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك "كتبتُ بالقلم".

فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟

فقيل: ﴿ لا يمسهم السوء ﴾ أي في أبدانهم.

﴿ ولا هم يحزنون ﴾ يتألمون قلباً على ما فات.

وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة.

ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها.

وعلى هذه الوجوه يكون قوله ﴿ لا يمسهم ﴾ منصوباً على الحال.

وعن الماوردي أن المفازة ههنا البرية أي بما سلكوا مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب.

وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئاً من دلائل المالكية قائلاً ﴿ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ وقد مر في "الأنعام".

ثم أكده بقوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ وهو كقوله في "الأنعام" ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ والمقاليد المفاتيح أيضاً فقيل: لا واحد لها من لفظها.

وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد.

والظاهر أنه في الأصل فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي.

ويروى أنه سأل عثمان رسول الله  عن تفسير الآية فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد الله بها ويمجد.

قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق الحسنة وللآخر بالضد.

قال في الكشاف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ متصل بقوله ﴿ وينجي ﴾ وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده.

هذا والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة فعلية.

والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده ﴿ والذين كفروا ﴾ بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أفغير الله ﴾ أي قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب ﴿ بأعبد ﴾ و ﴿ تأمروني ﴾ اعتراض والمعنى أفغير الله ﴿ أعبد ﴾ بأمركم.

وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه.

وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله ﴿ تأمروني أعبد ﴾ لأنه في معنى تعبدونني غير الله وتقولون لي اعبد.

والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل.

ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة "أن" كيف تتقدّم عليه.

ويحتمل أن يجاب بأن العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله ﴿ أن أعبد ﴾ وقيل: التقدير أفبعبادة غير الله تأمروني؟

وقوله ﴿ أيها الجاهلون ﴾ لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشدّ من جهل من نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء.

ثم هددّ الأمة على الشرك مخاطباً نبيه بقوله ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ من الأنبياء مثله ﴿ لئن أشركت ﴾ فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله ﴿ ولئن أتبعت أهواءهم  ﴾ وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا.

وفي قوله ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ إشارة إلى أن منصب النبوة الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك.

ثم ردّه  إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص الله بالعبادة فقال ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم.

ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته وقد مر في "الأنعام" و "الحج".

ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلاً ﴿ والأرض جميعاً قبضته ﴾ قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز.

وكذلك حكم ما يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبي  فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك.

فضحك رسول الله  تعجباً مما قال وأنزل الله الآية تصديقاً له.

وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً.

واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا.

وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء.

وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل.

ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله  فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل.

ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في قبضة فلان.

وقال  ﴿ وما ملكت أيمانهم  ﴾ ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد.

وأنا أقول: هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما.

ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر.

ولنرجع إلى الآية.

قوله ﴿ والأرض ﴾ قالوا: المراد بها الأرضون لوجهين: أحدهما قوله ﴿ جميعا ﴾ فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله ﴿ كل الطعام  ﴾ وقوله ﴿ والنخل باسقات  ﴾ والثاني قوله ﴿ والسموات ﴾ ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو أجزاء حساً أو حكماً فإنه يصح تأكيده بالجميع.

وعطف السموات على الأرض في القرآن كثير.

نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد.

والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعاً مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته.

وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ ﴿ والسموات مطويات بيمينه ﴾ كقوله ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب  ﴾ وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك.

وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه  حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة.

وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها.

وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله {  وتعالى عما يشركون} ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ الظاهر أن نفخ الصور مرتان، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في "النمل"، والثانية للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة.

والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في "النمل" تفسير باقي الآية.

قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.

ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم.

ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيراً.

ثم وصف أرض القيامة بقوله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ الظاهر أن هذا نور تجليه  .

وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله ﴿ الله نور السموات والأرض  ﴾ وفي غيره من المواضع.

وقال علماء البيان: افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم.

ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره.

وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نوراً مخصوصاً.

وقيل: أراد أرض الجنة.

ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله ﴿ ووضع الكتاب ﴾ إلى آخره.

وكل ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل.

والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس.

﴿ وجيء بالنبيين ﴾ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون.

والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضاً.

وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة.

وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال: ﴿ وسيق ﴾ وهو على عادة إخبار الله  .

والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة.

والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب.

سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة؟

الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان: وقيل: طباق.

وقيل: أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم.

وقيل: إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة.

وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق.

وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق.

سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار ﴿ فتحت أبوابها ﴾ من غير واو وفي صفة أهل الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ بالواو؟

والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله ﴿ التائبون العابدون  ﴾ وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب  ﴾ فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب ﴿ حتى إذا ﴾ محذوف وحق موقعه ما بعد ﴿ خالدين ﴾ أي كان ما كان من أصناف الكرامات والسعادات.

وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها.

وقيل: لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعاً.

ومعنى تسليم الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة.

ومعنى ﴿ طبتم ﴾ قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها.

وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: طبتم.

وقال جار الله: أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي السبب في دخول الجنة والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف بصفتها رزقنا الله  بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك.

ثم حكى قول المتقين في الجنة فقال ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴾ أي الوعد بدخول الجنة ﴿ وأورثنا الأرض ﴾ أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مرّ مراراً ﴿ نتبوّأ منها حيث نشاء ﴾ لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوّأ من جنته كما يريد من غير منازع.

وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص.

ثم وصف مآب الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال ﴿ وترى ﴾ أيها الرائي أو النبي ﴿ الملائكة حافين ﴾ محدّقين وهو نصب على الحال.

قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من الجمعية.

وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال.

وقيل: الحاف بالشيء الملازم له.

وقوله ﴿ من حول العرش ﴾ "من" زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى حيث شاء الله أو متصل بالرؤية ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ تلذذاً لا تعبداً.

وكان جوانب العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة.

والضمير في قوله ﴿ وقضي بينهم ﴾ للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل.

وقيل: بين الأنبياء وأممهم.

وقيل: تكرار لقوله ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ﴾ وقيل: هو حال وقد مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ثوابهم ليس على سنن واحد.

ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة جميعاً، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال الملائكة حول العرش.

ثم ختم السورة بقوله ﴿ وقيل الحمد لله ﴾ والقائل المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله  ﴾ جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كلّ منزلته.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ و ﴿ عِبَادِهِ ﴾ أيضاً.

الآية يحتج بها على إثبات الرسالة، وكذلك قوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ  ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ  ﴾ ، ونحو ذلك، وأمثاله كثير؛ لأنه بعثه وحده، لا عون معه، ولا نصر له من البشر رسولا إلى الأعداء، وكان يقرع أسماعهم بهذه الآيات التي ذكرنا، وغير ذلك من قوله: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ  ﴾ ثم لم يقدروا على إهلاكه؛ بل عصمه من كيدهم ومكرهم؛ على ما قال: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ فبلغ إليهم ما أمر بتبليغه من غير أن قدروا على ما قصدوا به، وفي ذلك لطف من الله عظيم، ودلالة على إثبات الرسالة.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فهو - في الحقيقة - على الإيجاب والتقرير؛ لأنهم كانوا يعلمون أن الله - عز وجل - هو الكافي لخلقه، من ذلك أنهم إذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟

قالوا: الله -  - وإذا سئلوا من يرزقكم؟

قالوا: الله -  - ومن أنزل من السماء ماء؟

ومن أخرج من الأرض النبات؟

ونحو ذلك - قالوا: الله، فعلى ذلك قوله: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ أي: تعلمون أن الله هو الكافي لجميع خلقه في الدفع والذبّ عنهم، والنصر لهم، فإذا عرفتم ذلك فكيف تخوفون رسول الله  بالذي تخوفونه؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: بأهل الأرض جميعاً، يقولون له: إن العرب تفعل بك كذا، ويعملون بك كذا، كانوا يخوفونه بهم.

وقال بعضهم: كانوا يخوفونه بالأصنام التي كانوا يعبدونها أن يصيبه سوء وأذى من ناحيتها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ  ﴾ وكأن هذا أشبه بالآية؛ لأنه ذكر على إثر ذلك وعقبه الأصنام؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ هذا يدل أن ما ذكر من تخويفهم إياه إنما كان بالأصنام التي كانوا يعبدونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ﴾ أخبر أنه إذا أراد هداية أحدكم لم يملك أحد إضلاله، وإذا أراد إضلال أحد لم يقدر أحد على هدايته، ذكر في الدين أن لا أحد يملك دفع ما أراد من هدى أو ضلال، ولا منعه على ذلك؛ على ما ذكر في الرزق وأسباب العيش، وعلى ما ذكر في الأنفس وحفظها؛ حيث قال: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ  ﴾ ، وقال في الأنفس: ﴿ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ ، وقد اجتمعوا في ذلك في الرزق والعيش وضرر الأنفس وحفظها أن لا أحد يملك دفع ما أراد هو، فعلى ذلك في الدين؛ لأن الذكر خرج في الكل على مخرج واحد، وذلك على المعتزلة لقولهم: إن الله -  - قد أراد هداية كل أحد، ونصر كل ولي، لكن غيره منعه عن ذلك؛ فهو وحش من القول سمج، وبالله العصمة والنجاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ ﴾ هو على الإيجاب والتقرير؛ أي: يعلمون أنه عزيز ذو انتقام؛ أي: عزيز لا يعجزه شيء، ذو انتقام لأوليائه من أعدائه.

وقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ قد علموا أن لا خالق سواه، وعرفوا أنه لا يملك أحد سواه كشف ما أراد هو من الضرر بأحد، ولا إمساك ما أراد من الرحمة بأحد؛ ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا [إلى] من عبدوهم من دونه من الأصنام، ولا إلى أحد من الخالقين؛ دل ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك به ينال من خير أو غيره؛ ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا [إلى من عبدوهم من دونه من الأصنام]، احتج عليهم بما احتج، ولو لم يكونوا علموا بذلك لم يكن ليحتج عليهم بذلك، وهم لذلك منكرون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ في قوله: ﴿ حَسْبِيَ ٱللَّهُ ﴾ ما ذكرنا من اللطف والدلالة على إثبات الرسالة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الإياس منهم أنهم لا يؤمنون ولا يجيبون إلى ما دعوا إليه بعد ما أقيم عليهم الحجج والبراهين؛ كأنه يقول: اثبتوا أنتم على دينكم واعملوا له، ونثبت نحن على ديننا ونعمل له، فسوف تعلمون أينا على الحق نحن أم أنتم؟

وهو كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ أي: لا أدين أنا بدينكم، ولا أنتم تدينون بديننا، ولكن يلزم كل منا دينه الذي عليه، فعلى ذلك الأول.

والثاني: على التوبيخ لهم والتعيير؛ يقول: اعملوا على مكانتكم أنتم مما تقدرون من الكيد لي والمكر، وأنا عامل ذلك بمكانتكم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ  ﴾ وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر توبيخهم وتعييرهم، والله أعلم.

وفي هذه الآية وفيما تقدم من قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ إلى هذا الموضع تقرير وتوبيخ ومنابذة وإياس، فأما الإياس فهو في قوله: ﴿ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ ﴾ والتقرير في قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ والمنابذة في قوله: ﴿ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ ، والتوبيخ في قوله: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ .

ثم جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ ﴾ يخرج على الصلة بقوله: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ كأنه يقول: من أضله الله حتى لا يعلم أن الله هو كاف عبده، وأن ما يخوفونه به لا يقع به خوف ولا يلحق به ضرر - فلا هادي له، ومن هداه فعرف ذلك، فلا مضل له عن ذلك، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ جائز أن يكون ذلك العذاب الذي يأتيه هو عذاب في الدنيا من نحو القتل والتعذيب بالذي أهلك الأولون المعاندون للرسول ﴿ يُخْزِيهِ ﴾ أي: يفضحه ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ في الآخرة، وهو عذاب الكفر، وإلى ذلك ذهب بعض أهل التأويل.

وجائز أن يكون ذلك كله في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ لِلنَّـاسِ بِٱلْحَقِّ ﴾ هذا كأنّه - والله أعلم -: إنا أنزلنا عليك [الكتاب] لتحكم بين الناس بالعدل؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ فعلى ذلك هذا، ويكوو قوله: ﴿ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ أنشأ الله - عز وجل - البشر دراكاً مميزاً بين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، وبين ما لهم وما عليهم، وبين السبيلين جميعاً غاية البيان، وأوضح كل سبيل نهاية الإيضاح، من سلكه أنه إلى ماذا يفضيه وينهيه، ثم امتحنهم في ذلك، ومكن لهم من السلوك في كل واحد من السبيلين بعد البيان منه أنه من سلك سبيل كذا أفضاه إلى كذا، ومن سلك سبيل كذا أفضاه إلى كذا؛ امتحاناً منه، ثم أخبر أنه فيما امتحنهم لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إليه، أو لمضرة يدفع عن نفسه، ولكن إنما امتحنهم لمنفعة ترجع إليهم إذا اختاروا ترك سلوك سبيل الباطل، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن، إحداها هذه؛ حيث قال: ﴿ فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ .

والثانية: بما قال - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ أي: فعليها، وغير ذلك من الآيات التي تبين أنه إنما امتحنهم لمنفعة أنفسهم واكتساب الخير الدائم لهم، ولا قوة إلا بالله.

ثم قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِـيلٍ ﴾ يخبر أن ليس عليك إلا تبليغ ما أرسلت وأمرت بتبليغه إليهم؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً  ﴾ والوكيل: الحفيظ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا ﴾ إلى آخر ما ذكر.

قال ابن عباس -  -: كل نفس لها سبب تجري فيه؛ فالتي قضي عليها الموت فتجري في الجسد كله.

لكن لم يفهم مما ذكر ابن عباس تأويل الآية.

وعن سعيد بن جبير قال: يجمع بين أرواح الأحياء وبين أرواح الأموات فيتعارف ما شاء الله أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجسادها، وبهذا - أيضاً - لم يفهم شيء من تأويل الآية.

وقال الكلبي: النائم متوفى حتى يرد الله إليه [روحه]، فأما التي يتوفاها حين موتها فإنه يقبض الروح والنفس جميعاً ويرسل التي يتوفاها في منامها حتى تبلغ أجلها المسمى، وهو الموت.

ويقال: إما يقبض الله من النائم النفس، والروح في الجسد لم تفارقه، فإذا قبض الله الروح ذهبت النفس مع الروح.

وهذا الذي ذكره الكلبي أقرب إلى تأويل الآية من الذي ذكره أولئك، وأصله: أنّ الله - عز وجل - جعل في الأجساد أشياء وأرواحاً يحيي الأجساد في حال نومها على الهيئة التي كانت من قبل، ليس بها أثر الموت، لكنها لا تدرك شيئاً، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئاً، وبها آثار الحياة؛ يدلنا هذا على أنها في حال النوم قد ذهب منها، وخرج ما به تدرك الأشياء، وبقي منها ما به تحيا، وهو الروح، فإذا خرجت الروح منها، وإن كانت لا تدرك شيئاً على الهيئة التي كانت من قبل، دل ذلك على أن الذي به تدرك الأشياء غير الذي به تحيا؛ والله أعلم؛ ألا ترى أنها في حال النوم تلك الأنفس الدراكة حيث كانت تتألم وتتلذذ، وتقضي الشهوات وهي في أقصى الدنيا، هذا كله يدل على ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم على هذا جائز أن يكون ما ذكر من عذاب القبر أنه إنما يكون على تلذذ الأنفس الدراكة، لا على الروح؛ على ما ذكرنا من تألمها وتلذذها بعد خروجها من الأجساد ومفارقتها عنها، والله أعلم.

ثم أضاف في هذه الآية التوفي إلى الله، وفي آية أخرى أضافه إلى الرسل؛ حيث قال الله - عز وجل -: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ الآية [الأنعام: 61]، وأضافه مرة إلى ملك الموت حيث قال - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ...

﴾ الآية [السجدة: 11]، ثم يحتمل إضافة التوفي [إلى] الرسل وإلى ملك الموت وجهين: أحدهما: وإن كان حقيقة التوفي والموت بالله؛ لما يخلق فعل قبضهم الروح منها، ويشاء ذلك منهم، وهو كما ذكر من البشرى لهم [و]طمأنينة القلوب عند بعثه إليهم الملائكة بالإعانة لهم والنصر؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  ﴾ [و]قال - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ ، أخبر أنه جعل لهم بعث الملائكة بشارة النصر، وأن حقيقة النصر ليس إلا من عند الله، فعلى ذلك ما ذكر من إضافة التوفي إلى الرسل؛ لما يخلق فعل قبضهم الروح، وكان حقيقة ذلك لله - عز وجل - والله أعلم.

والثاني: أن يكون من الله لطف في ذلك، ومعنى لا يكون ذلك منهم، لكنه لم يبين ما ذلك اللطف وذلك المعنى الذي يكون منه، والله أعلم بذلك.

ثم قوله: ﴿ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا ﴾ أي: حين خلق موتها يقبض الروح منها.

وقوله: ﴿ وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا ﴾ لم يقبض منها الروح ترسل إليها النفس الدراكة إلى الأجل الذي جعل لها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ ﴾ جائز أن يكون من القبض؛ أي: يقبض الأنفس.

وجائز أن يكون من العد؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لآيَاتٍ ﴾ : العبر، أو الأعلام، أو الحجج.

وقوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ يعلمون أن من قدر على استخراج تلك الأنفس الدراكة من الأجساد، وإبقائها على الهيئة التي كانت إلى الوقت لا تدرك شيئاً، ثم ردها إليها، وإعادتها على ما كانت - قادر بذاته، لا يعجزه شيء.

أو من قدر على إنشاء النفس الدراكة في الأجساد حتى تدرك بها، لا يحتمل أن يعجز عن إعادة الأجساد بعد ما بليت وفنيت، وذاك ألطف من هذا وأكبر؛ لأن الناس قد يتكلفون تصوير صور الأنفس الظاهرة ولا أحد يتكلف تصوير نفس دراكة من غيرها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أليس الله بكافٍ عبده محمدًا  أَمْر دينه ودنيا دافِع عدوَّه عنه؟!

بلى، إنه لكافيه، ويخوفونك -أيها الرسول- من جهلهم وسفاهتهم، من الأصنام التي يعبدونها من دون الله أن تنالك بسوء، ومن يخذله الله ولم يوفقه للهداية فما له من هاد يهديه ويوفقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.nJrdB"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله