تفسير الآية ٣٩ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٣٩ من سورة غافر

يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌۭ وَإِنَّ ٱلْـَٔاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ٣٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٩ من سورة غافر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم زهدهم في الدنيا التي [ قد ] آثروها على الأخرى ، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقال : ( يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ) أي : قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب [ وتزول ] وتضمحل ، ( وإن الآخرة هي دار القرار ) أي : الدار التي لا زوال لها ، ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها ، بل إما نعيم وإما جحيم ، ولهذا قال

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول: ( إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ) يقول لقومه: ما هذه الحياة الدنيا العاجلة التي عجلت لكم في هذه الدار إلا متاع تستمتعون بها إلى أجل أنتم بالغوه, ثم تموتون وتزول عنكم ( وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) يقول: وإن الدار الآخرة, وهي دار القرار التي تستقرّون فيها فلا تموتون ولا تزول عنكم, يقول: فلها فاعملوا, وإياها فاطلبوا.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ( وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ) استقرت الجنة بأهلها, واستقرّت النار بأهلها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع أي يتمتع بها قليلا ثم تنقطع وتزول .

وإن الآخرة هي دار القرار أي الاستقرار والخلود .

ومراده بالدار الآخرة الجنة والنار لأنهما لا يفنيان .

بين ذلك بقوله :

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ } يتمتع بها ويتنعم قليلاً، ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعنكم عما خلقتم له { وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } التي هي محل الإقامة، ومنزل السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملا يسعدكم فيها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ) متعة تنتفعون بها مدة ثم تنقطع ، ( وإن الآخرة هي دار القرار ) التي لا تزول .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع» تمتع يزول «وإن الآخرة هي دار القرار».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا قوم إن هذه الحياة الدنيا حياة يتنعَّم الناس فيها قليلا ثم تنقطع وتزول، فينبغي ألا تَرْكَنوا إليها، وإن الدار الآخرة بما فيها من النعيم المقيم هي محل الإقامة التي تستقرون فيها، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها العمل الصالح الذي يُسعِدكم فيها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ .

.

.

) أى : هذه الدنيا متاع زائل مهما طالت أيامه .

.( وَإِنَّ الآخرة ) وحدها ( هِيَ دَارُ القرار ) أى : هى الدار التى فيها البقاء والدوام والخلود .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف فرعون بكونه متكبراً جباراً بين أنه أبلغ في البلادة والحماقة إلى أن قصد الصعود إلى السموات، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج الجمع الكثير من المشبة بهذه الآية في إثبات أن الله في السموات وقرروا ذلك من وجوه: الأول: أن فرعون كان من المنكرين لوجود الله، وكل ما يذكره في صفات الله تعالى فذلك إنما يذكره لأجل أنه سمع أن موسى يصف الله بذلك، فهو أيضاً يذكره كما سمعه، فلولا أنه سمع موسى يصف الله بأنه موجود في السماء وإلا لما طلبه في السماء، الوجه الثاني: أنه قال وإني لأظنه كاذباً، ولم يبين أنه كاذب فيماذا، والمذكور السابق متعين لصرف الكلام إليه فكأن التقدير فأطلع إلى الإله الذي يزعم موسى أنه موجود في السماء، ثم قال: ﴿ وَإِنّى لأَظُنُّهُ كاذبا ﴾ أي وإني لأظن موسى كاذباً في إدعائه أن الإله موجود في السماء، وذلك يدل على أن دين موسى هو أن الإله موجود في السماء الوجه الثالث: العلم بأنه لو وجد إله لكان موجوداً في السماء علم بديهي متقرر في كل العقول ولذلك فإن الصبيان إذا تضرعوا إلى الله رفعوا وجوههم وأيديهم إلى السماء، وإن فرعون مع نهاية كفره لما طلب الإله فقد طلبه في السماء، وهذا يدل على أن العلم بأن الإله موجود في السماء علم متقرر في عقل الصديق والزنديق والملحد والموحد والعالم والجاهل.

فهذا جملة استدلالات المشبهة بهذه الآية، والجواب: أن هؤلاء الجهال يكفيهم في كمال الخزي والضلال أن جعلوا قول فرعون اللعين حجة لهم على صحة دينهم، وأما موسى عليه السلام فإنه لم يزد في تعريف إله العالم على ذكر صفة الخلاقية فقال في سورة طه ﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى  ﴾ وقال في سورة الشعراء ﴿ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ  قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ  ﴾ فظهر أن تعريف ذات الله بكونه في السماء دين فرعون وتعريفه بالخلاقية والموجودية دين موسى، فمن قال بالأول كان على دين فرعون، ومن قال بالثاني كان على دين موسى، ثم نقول لا نسلم أن كل ما يقوله فرعون في صفات الله تعالى فذلك قد سمعه من موسى عليه السلام، بل لعله كان على دين المشبهة فكان يعتقد أن الإله لو كان موجوداً لكان حاصلاً في السماء، فهو إنما ذكر هذا الاعتقاد من قبل نفسه لا لأجل أنه قد سمعه من موسى عليه السلام.

وأما قوله: ﴿ وَإِنّى لأَظُنُّهُ كاذبا ﴾ فنقول لعله لما سمع موسى عليه السلام قال: ﴿ رَبّ السموات والأرض ﴾ ظن أنه عنى به أنه رب السموات، كما يقال للواحد منا إنه رب الدار بمعنى كونه ساكناً فيه، فلما غلب على ظنه ذلك حكى عنه، وهذا ليس بمستبعد، فإن فرعون كان بلغ في الجهل والحماقة إلى حيث لا يبعد نسبة هذا الخيال إليه، فإن استبعد الخصم نسبة هذا الخيال إليه كان ذلك لائقاً بهم، لأنهم لما كانوا على دين فرعون وجب عليهم تعظيمه.

وأما قوله إن فطرة فرعون شهدت بأن الإله لو كان موجوداً لكان في السماء، قلنا نحن لا ننكر أن فطرة أكثر الناس تخيل إليهم صحة ذلك لا سيما من بلغ في الحماقة إلى درجة فرعون فثبت أن هذا الكلام ساقط.

المسألة الثانية: اختلف الناس في أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه إلى السماء أم لا؟

أما الظاهريون من المفسرين فقد قطعوا بذلك، وذكروا حكاية طويلة في كيفية بناء ذلك الصرح، والذي عندي أنه بعيد والدليل عليه أن يقال فرعون لا يخلو إما أن يقال إنه كان من المجانين أو كان من العقلاء، فإن قلنا إنه كان من المجانين لم يجز من الله تعالى إرسال الرسول إليه، لأن العقل شرط في التكليف، ولم يجز من الله أن يذكر حكاية كلام مجنون في القرآن، وأما إن قلنا إنه كان من العقلاء فنقول إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي، ويعلم أيضاً ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليه من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال، وإذا كان هذا العلمان بديهيين امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء، وإذا كان فساد هذا معلوماً بالضرورة امتنع إسناده إلى فرعون، والذي عندي في تفسير هذه الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه من ذكر هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال: إنا لا نرى شيئاً نحكم عليه بأنه إله العالم فلم يجز إثبات هذا الإله، أما إنه لا نراه فلأنه لو كان موجوداً لكان في السماء ونحن لا سبيل لنا إلى صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه، ثم إنه لأجل المبالغة في بيان أنه لا يمكنه صعود السموات ﴿ قَالَ ياهامان ابن لِى صَرْحاً لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب ﴾ والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحس ممتنعاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية  ﴾ وليس المراد منه أن محمداً صلى الله عليه وسلم طلب نفقاً في الأرض أو وضع سلماً إلى السماء، بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيل لك إلى تحصيل ذلك المقصود، فكذا هاهنا غرض فرعون من قوله: ﴿ ياهامان ابن لِى صَرْحاً ﴾ يعني أن الاطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق وكان هذا الطريق ممتنعاً، فحينئذٍ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى فنقول هذا ما حصلته في هذا الباب.

واعلم أن هذه الشبهة فاسدة لأن طرق العلم ثلاثة الحس والخبر والنظر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد وهو الحس انتفاء المطلوب، وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بيّن لفرعون أن الطريق في معرفة الله تعالى إنما هو الحجة والدليل كما قال: ﴿ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ  قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ  ﴾ إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل، وألقى إلى الجهال أنه لما كان لا طريق إلا الإحساس بهذا الإله وجب نفيه، فهذا ما عندي في هذا الباب وبالله التوفيق والعصمة.

المسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أنه تعالى خلق جواهر الأفلاك وحركاتها بحيث تكون هي الأسباب لحدوث الحوادث في هذا العالم الأسفل، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب أسباب السموات ﴾ ومعلوم أنها ليست أسباباً إلا لحوادث هذا العالم قالوا ويؤكد هذا بقوله تعالى في سورة ص ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأسباب  ﴾ أما المفسرون فقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿ لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب أسباب السموات ﴾ أن المراد بأسباب السموات طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب كالرشاد ونحوه.

المسألة الرابعة: قالت اليهود أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل وفرعون أن هامان ما كان موجوداً ألبتة في زمان موسى وفرعون وإنما جاء بعدهما بزمان مديد ودهر داهر، فالقول بأن هامان كان موجوداً في زمان فرعون خطأ في التاريخ، وليس لقائل أن يقول إن وجود شخص يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الاسم في زمانه، قالوا لأن هذا الشخص المسمى بهامان الذي كان موجوداً في زمان فرعون ما كان شخصاً خسيساً في حضرة فرعون بل كان كالوزير له، ومثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف والحلية فلو كان موجوداً لعرف حاله، وحيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون وموسى أن الشخص المسمى بهامان ما كان موجوداً في زمان فرعون وإنما جاء بعده بأدوار علم أن غلط وقع في التواريخ، قالوا ونظير هذا أنا نعرف في دين الإسلام أن أبا حنيفة إنما جاء بعد محمد صلى الله عليه وسلم فلو أن قائلاً ادعى أن أبا حنيفة كان موجوداً في زمان محمد عليه السلام وزعم أنه شخص آخر سوى الأول وهو يسمى بأبي حنيفة، فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكذا هاهنا والجواب: أن تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها واضطربت الأحوال والأدوار فلم يبق على كلام أهل التواريخ اعتماد في هذا الباب، فكان الأخذ بقول الله تعالى أولى بخلاف حال رسولنا مع أبي حنيفة فإن هذه التواريخ قريبة غير مضطربة بل هي مضبوطة فظهر الفرق بين البابين، فهذا جملة ما يتعلق بالمباحث المعنوية في هذه الآية، وبقي ما يتعلق بالمباحث اللفظية.

قيل الصرح البناء الظاهر لا يخفى على الناظر وإن بعد، اشتقوه من صرح الشيء إذ ظهر و ﴿ أسباب السموات ﴾ طرقها، فإن قيل ما فائدة هذا التكرير.

ولو قيل: لعلي أبلغ الأسباب السموات، كان كافياً؟

أجاب صاحب الكشاف عنه فقال: إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيماً لشأنه، فلما أراد تفخيم أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها، وقوله: ﴿ فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى ﴾ قرأ حفص عن عاصم ﴿ فَأَطَّلِعَ ﴾ بفتح العين والباقون بالرفع، قال المبرد: من رفع فقد عطفه على قوله: ﴿ أبلغ ﴾ والتقدير لعلي أبلغ الأسباب ثم أطلع إلا أن حرف ثم أشد تراخياً من الفاء، ومن نصب جعله جواباً، والمعنى لعلي أبلغ الأسباب فمتى بلغتها أطلع والمعنى مختلف، لأن الأول: لعلي أطلع والثاني: لعلي أبلغ وأنا ضامر أني متى بلغت فلابد وأن أطلع.

واعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذه القصة قال بعدها ﴿ كاذبا وكذلك زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السبيل ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ وَصُدَّ ﴾ بضم الصاد، قال أبو عبيدة: وبه يقرأ، لأن ما قبله فعل مبني للمفعول به فجعل ما عطف عليه مثله، والباقون ﴿ وَصُدَّ ﴾ بفتح الصاد على أنه منع الناس عن الإيمان، قالوا ومن صده قوله: ﴿ لأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ  ﴾ ويؤيد هذه القراءة قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله  ﴾ وقوله: ﴿ هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام  ﴾ .

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ زُيّنَ ﴾ لابد له من المزين، فقالت المعتزلة: إنه الشيطان، فقيل لهم إن كان المزين لفرعون هو الشيطان، فالمزين للشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم إثبات التسلسل في الشياطين أو الدور وهو محال، ولما بطل ذلك وجب انتهاء الأسباب والمسببات في درجات الحاجات إلى واجب الوجود، وأيضاً فقوله: ﴿ زُيّنَ ﴾ يدل على أن الشيء إن لم يكن في اعتقاد الفاعل موصوفاً بأنه خير وزينة وحسن فإنه لا يقدم عليه، إلا أن ذلك الاعتقاد إن كان صواباً فهو العلم، وإن كان خطأ فهو الجهل، ففاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان، لأن العاقل لا يقصد تحصيل الجهل لنفسه، ولأنه إنما يقصد تحصيل الجهل لنفسه إذا عرف كونه جهلاً، ومتى عرف كونه جهلاً امتنع بقاؤه جاهلاً، فثبت أن فاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان، ولا يجوز أن يكون فاعله هو الشيطان، لأن البحث الأول بعينه عائد فيه، فلم يبق إلا أن يكون فاعله هو الله تعالى، والله أعلم.

ويقوي ما قلناه أن صاحب الكشاف نقل أنه قرئ ﴿ وَزينَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ ﴾ على البناء للفاعل والفعل لله عزّ وجلّ، ويدل عليه قوله: ﴿ إلى إله موسى ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ ﴾ والتباب الهلاك والخسران، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قال: ﴿ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد ﴾ فأجمل لهم، ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها؛ لأنّ الإخلاد إليها هو أصل الشرّ كله، ومنه يتشعب جميع ما يؤدي إلى سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة.

وثنى بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الوطن والمستقرّ.

وذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف، ثم وازن بين الدعوتين: دعوته إلى دين الله الذي ثمرته النجاة، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار، وحذر، وأنذر، واجتهد في ذلك واحتشد، لا جرم أن الله استثناه من آل فرعون، وجعله حجة عليهم وعبرة للمعتبرين، وهو قوله تعالى: ﴿ فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوء العذاب ﴾ وفي هذا أيضاً دليل بيّن على أن الرجل كان من آل فرعون.

والرشاد نقيض الغي.

وفيه تعريض شبيه بالتصريح أنّ ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِي آمَنَ ﴾ يَعْنِي مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ.

وقِيلَ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكُمْ ﴾ بِالدَّلالَةِ.

﴿ سَبِيلَ الرَّشادِ ﴾ سَبِيلًا يَصِلُ سالِكُهُ إلى المَقْصُودِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ سَبِيلُ الغَيِّ.

﴿ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ ﴾ تَمَتُّعٌ يَسِيرٌ لِسُرْعَةِ زَوالِها.

﴿ وَإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ ﴾ لِخُلُودِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)

{يا قوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا متاع} تمتع يسير فالإخلاد إليها أصل الشر ومنبع الفتن وثنى بتعظيم الآخرة وبين أنها هي الوطن والمستقر بقوله {وَإِنَّ الآخرة هِىَ دَارُ القرار} ثم ذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف بقوله

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ ﴾ أيْ تَمَتُّعٌ أوْ مُتَمَتَّعٌ بِهِ يَسِيرُ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ ﴿ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ ﴾ لِخُلُودِها ودَوامِ ما فِيها <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وهو حزبيل بن ميخائيل، هو ابن عم قارون، وكان أبوه من آل فرعون، وأمه من بني إسرائيل.

ويقال: كان ابن فرعون يَكْتُمُ إِيمانَهُ، وكان قد أسلم سراً من فرعون.

قوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: اليد، والعصا.

وروى الأوزاعي عن يحيى بن كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله  فقال: «أقبل عقبة بن أبي معيط، ورسول الله  يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه على عنقه، وخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر، فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن رسول الله  ، ثم قال أبو بكر: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ يعني: فعليه وبال كذبه، فلا ينبغي أن تقتلوه بغير حجة، ولا برهان.

وَإِنْ يَكُ صادِقاً في قوله، وكذبتموه، يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ من العذاب.

يعني: بعض ذلك العذاب يصبكم في الدنيا.

ويقال: بعض الذي يعدكم فيه.

أي: جميع الذي يعدكم، كقوله: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: 63] أي: جميع الذي تختلفون فيه، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي يعني: لا يرشد، ولا يوفق إلى دينه، مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ في قوله: كَذَّابٌ يعني: الذي عادته الكذب.

يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ أي: ملك مصر، ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي: غالبين على أرض مصر، فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ يعني: من يعصمنا من عذاب الله، إِنْ جاءَنا يعني: أرأيتم إن قتلتم موسى، وهو الصادق، فمن يمنعنا من عذاب الله.

فلما سمع فرعون قول المؤمن، قالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرى يعني: ما أريكم من الهدى، إلا ما أرى لنفسي.

ويقال: ما آمركم إلا ما رأيت لنفسي أنه حق وصواب، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ يعني: ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى وقرئ في الشاذ الرَّشادِ بتشديد الشين.

يعني: سبيل الرشاد الذي يرشد الناس.

ويقال: رشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله: وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو حزبيل يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ يعني: أخاف عليكم من تكذيبكم مثل عذاب الأمم الخالية، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ أي مثل عذاب قوم نوح، وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ يعني: لا يعذبهم بغير ذنب، وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ وهو من نَدَّ يَند، وهو من تنادى، يتنادى، تنادياً.

وروى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قرأ: يَوْمَ التَّنادِ بتشديد الدال.

وقال: تندون كما تند الإبل، وهذا موافق لما بعده، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ وكقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) [عبس: 34، 35] .

وقرأ الحسن يَوْمَ التَّنَادِي بالياء، وهو من النداء.

يوم ينادى كل قوم بأعمالهم.

وينادي المنادي من مكان بعيد.

وينادي أهل النار أهل الجنة.

وينادي أهل الجنة أهل النار أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا [الأعراف: 44] وقراءة العامة.

التناد بالتخفيف بغير ياء، وأصله الياء، فحذف الياء، لأن الكسرة تدل عليه، وقوله: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: هاربين.

قال الكلبي: هاربين، إذا انطلق بهم إلى النار، فعاينوها، هربوا.

فيقال لهم: مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ أي: ليس لكم من عذاب الله من مانع.

وقال مقاتل: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين بعد الحساب إلى النار، كقوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي: ذاهبين مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يعني: من مانع من عذابه.

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى، فَما لَهُ مِنْ هادٍ يعني: من مرشد، وموفق.

وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ هذا قول حزبيل أيضاً لقوم فرعون قال: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ ويقال: يعني: به أهل مصر، وهم الذين قبل فرعون، لأن القرون الذين كانوا في زمن فرعون، لم يروا يوسف، وهذا كما قال تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [البقرة: 91] وإنما أراد به آباءهم بِالْبَيِّناتِ أي: بتعبير الرؤيا.

وروي عن وهب بن منبه: قال فرعون: موسى هو الذي كان في زمن يوسف، وعاش إلى وقت موسى.

وهذا خلاف قول جميع المفسرين.

فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ من تصديق الرؤيا، وبما أخبركم، حَتَّى إِذا هَلَكَ يعني: مات، قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا.

يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ يعني: من هو مشرك، شاك في توحيد الله.

ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي: بغير حجة أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أي: عظم بغضاً لهم من الله، وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: عند المؤمنين كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ أي: يختم الله بالكفر، عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يعني: متكبر عن عبادة الله تعالى.

قرأ أبو عمرو: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بالتنوين.

جعل قوله متكبر نعتاً للقلب.

ومعناه: أن صاحبه متكبر.

والباقون: قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بغير تنوين على معنى الإضافة، لأن المتكبر هو الرجل، وأضاف القلب إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يكونَ واحد الأوامر، ويحتمل أن يريد واحد الأمور، والصحيح من الأقوال في التَّنُّورُ أنه تَنُّورُ الخبز، وأَنَّها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح- عليه السلام-.

٣٠ ب وقوله: فَاسْلُكْ: معناه: فأدخل يقال سلك وأسلك بمعنىً، وقرأ حفص/ عن عاصم «١» : «مِنْ كُلٍّ» بالتنوين، والباقون بغير تنوين، والزوجان: كُلَّ ما شأنه الاصطحابُ من كل شيءٍ نحو: الذكر والأنثى من الحيوان، ونحو: النعال وغيرها، هذا موقع اللفظة في اللغة.

وقوله: وَأَهْلَكَ يريد: قرابته، ثم استثنى من سبق عليه القولُ بأَنَّهُ كافر، وهو ابنه وإمرأته، ثم أُمِرَ نوحٌ ألاَّ يراجعَ رَبَّه، ولا يخاطبَه شافعاً في أحد من الظالمين، ثم أُمِرَ بالدعاء في بركة المنزل.

وقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ خطاب لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم ثم أخبر سبحانه أنه يبتلي عباده الزمنَ بعد الزمنِ على جهة الوعيد لِكُفَّارِ قريشٍ بهذا الإخبار، واللام في لَمُبْتَلِينَ لامُ تأكيدٍ، و «مبتلين» : معناهُ: مُصِيبِينَ ببلاء، ومختبرين اختباراً يؤدي إلى ذلك.

ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)

هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩)

وقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ.

قال الطبريُّ «٢» - رحمه الله-: إنَّ هذا القرنَ هم ثمودُ، قومُ صالح.

قال ع «٣» : وفي جُلِّ الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدمٌ، إلاَّ أنَّهم لم يُهْلَكُوا بصيحة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا تَفْسِيرُ المُسْرِفِ المُرْتابِ، والمَعْنى: هُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آَياتِ اللَّهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يُجادِلُونَ في إبْطالِها والتَّكْذِيبِ بِها بِغَيْرِ سُلْطانٍ، أيْ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ أتَتْهم مِنَ اللَّهِ.

﴿ كَبُرَ مَقْتًا ﴾ أيْ: كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا، والمَعْنى: يَمْقُتُهُمُ اللَّهُ ويَمْقُتُهُمُ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ الجِدالِ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى كَذَّبُوا وجادَلُوا بِالباطِلِ يَطْبَعُ ﴿ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ ﴾ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ مَعْنى الجَبّارِ فِي [هُودَ: ٥٩] .

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "عَلى كُلِّ قَلْبٍ" بِالتَّنْوِينِ، وغَيْرُهُ مِنَ القُرّاءِ السَّبْعَةِ يُضِيفُهُ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: يَطْبَعُ عَلى جُمْلَةِ القَلْبِ مِنَ المُتَكَبِّرِ.

واخْتارَ قِراءَةَ الإضافَةِ الزَّجّاجُ، قالَ: لِأنَّ المُتَكَبِّرَ هو الإنْسانُ، لا القَلْبُ.

فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أصْوَبَ لَتَقَدَّمَ القَلْبُ عَلى الكُلِّ؟

فالجَوابُ: أنَّ هَذا جائِزٌ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ الفَرّاءُ: تَقَدُّمُ هَذا وتَأخُّرُهُ واحِدٌ، سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: هو يَرْجِلُ شِعْرَهُ يَوْمَ كُلِّ جُمْعَةٍ، يُرِيدُ: كُلَّ يَوْمِ جُمْعَةٍ والمَعْنى واحِدٌ.

وقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنَيُّ: "عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ" بِتَقْدِيمِ القَلْبِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا وعَظَ المُؤْمِنُ فِرْعَوْنَ وزَجَرَهُ عَنْ قَتْلِ مُوسى، قالَ فِرْعَوْنُ لِوَزِيرِهِ: ﴿ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ﴾ وقَدْ ذَكَرْناهُ في [القَصَصِ: ٣٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ ﴾ ﴿ أسْبابَ السَّماواتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: يَعْنِي أبْوابَها.

وقالَ أبُو صالِحٍ: طَرَقَها.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: لَعَلِّي أبْلُغُ الطُّرُقَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: لَعَلِّي ما يُؤَدِّينِي إلى السَّمَواتِ.

وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في [القَصَصِ: ٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما وصَفْنا ﴿ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وصُدَّ ﴾ عَنْ سَبِيلِ الهُدى.

قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَصُدَّ" بِضَمِّ الصّادِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، ﴿ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ ﴾ في إبْطالِ آَياتِ مُوسى ﴿ إلا في تَبابٍ ﴾ أيْ: في بُطْلانٍ وخُسْرانٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مِن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهِ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ ﴾ قَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَ الخِلافِ في هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها، هَلْ هي مِن قَوْلِ مُؤْمِنِي آلِ فِرْعَوْنَ أو مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ؟

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ: يُوسُفُ المَذْكُورُ هو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو حَفِيدُهُ يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنُ يُوسُفَ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"البَيِّناتُ" الَّتِي جاءَ بِها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تُعَيَّنْ لَنا حَتّى نَقِفَ عَلى مُعْجِزاتِهِ، ورُوِيَ عن وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى لَحِقَ يُوسُفَ، وأنَّ هَذا التَقْرِيعَ لَهُ.

ورَوى أشْهَبُ عن مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ فِرْعَوْنَ عَمَّرَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو فِرْعَوْنُ آخَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا ﴾ حِكايَةٌ لِرُتْبَةِ قَوْلِهِمْ لِأنَّهم إنَّما أرادُوا: أنْ يَجِيءَ بَعْدَ هَذا مِن يَدَّعِي مِثْلَ ما ادَّعى، ولَمْ يُقِرَّ أُولَئِكَ قَطُّ بِرِسالَةِ الأوَّلِ ولا الآخَرِ ولا بِأنَّ اللهَ يَبْعَثُ الرُسُلَ، فَحَكى رُتْبَةَ قَوْلِهِمْ، وجاءَتْ عِبارَتُهم مُشَنِّعَةً عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ بِإثْرٍ هَذا: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ﴾ ، أيْ: كَما صَيَّرَكم مِنَ الكُفْرِ والضَلالَةِ في هَذا الحَدِّ فَنَحْوُ ذَلِكَ هو إضْلالُهُ لِصِنْفِكم أهِلِ السَرَفِ في الأُمُورِ وتَعِدِي الطَوْرِ والِارْتِيابِ بِالحَقائِقِ.

وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ".

ثُمَّ أنْحى لَهم عَلى قَوْمٍ صِفَتُهم مَوْجُودَةٌ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَكَأنَّهُ أرادَهم فَزالَ عن مُخاطَبَتِهِمْ حُسْنَ أدَبٍ واسْتِخْلابًا، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللهِ ﴾ ، أيْ بِالإبْطالِ لَها والرَدِّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ ولا حُجَّةٍ أتَتْهم مِن عِنْدِ اللهِ.

﴿ كَبُرَ مَقْتًا ﴾ جِدالُهم ﴿ عِنْدَ اللهِ ﴾ ، فاخْتَصَرَ ذِكْرَ الجِدالِ لِدَلالَةِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ عَلَيْهِ، ورَدَّ الفاعِلَ بِـ"كَبُرَ" نَصْبًا عَلى التَمْيِيزِ، كَقَوْلِكَ: تَفَقَّأتُ شَحْمًا وتَصَبَّبَتُ عَرَقًا، و"يَطْبَعُ" مَعْناهُ: يَخْتِمُ بِالضَلالِ ويَحْجُبُ عَنِ الهُدى.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "عَلى كُلِّ قَلْبٍ" بِالتَنْوِينِ "مُتَكَبِّرٍ" عَلى الصِفَةِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالإضافَةِ إلى "مُتَكَبِّرٍ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: يَطْبَعُ اللهُ عَلى القُلُوبِ إذْ كانَتْ قَلْبًا قَلْبًا مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "عَلى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عُمُومَ قَلْبِ المُتَكَبِّرِ الجَبّارِ بِالطَبْعِ، أيْ لا ذَرَّةَ فِيهِ مِن إيمانٍ ولا مُقارَبَةٍ، فَهي عِبارَةٌ عن شِدَّةِ إطْلاقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه مقالة أخرى لفرعون في مجلس آخر غير المجلس الذي حاجّه فيه موسى ولذلك عطف قوله بالواو كما أشرنا إليه فيما عطف من الأقوال السابقة آنفاً، وكما أشرنا إليه في سورة القصص، وتقدم الكلام هنالك مستوفى على نظير معنى هذه الآية على حسب ظاهرها، وتقدم ذكر (هامان) والصرح هنالك.

وقد لاح لي هنا محمل آخر أقرب أن يكون المقصودَ من الآية ينتظم مع ما ذكرناه هنالك في الغاية ويخالفه في الدلالة، وذلك أن يكون فرعون أمَر ببناء صرح لا لِقصد الارتقاء إلى السماوات بل ليخلُوَ بنفسه رياضة ليستمد الوحي من الربّ الذي ادعى موسى أنه أَوحَى إليه إذ قال: ﴿ إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ﴾ [طه: 48] فإن الارتياض في مكان منعزل عن الناس كان من شعار الاستيحاء الكهنوتي عندهم، وكان فرعون يحسب نفسه أهلاً لذلك لزعمه أنه ابن الآلهة وحامي الكهنة والهياكل.

وإنما كان يشغله تدبير أمر المملكة فكان يكِل شؤون الديانة إلى الكهنة في معابدهم، فأراد في هذه الأزمة الجدلية أن يتصدى لذلك بنفسه ليكون قوله الفصل في نفي وجود إله آخر تضليلاً لدهماء أمته، لأنه أراد التوطئة للإِخبار بنفي إله أخر غير آلهتهم فأراد أن يتولى وسائل النفي بنفسه كما كانت لليهود محاريب للخلوة للعبادة كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ [مريم: 11] وقوله: ﴿ كلما دخل عليها زكريا المحراب ﴾ [آل عمران: 37] ومن اتخاذ الرهبان النصارى صوامع في أعالي الجبال للخلوة للتعبد، ووجودها عند هذه الأمم يدل على أنها موجودة عند الأمم المعاصرة لهم والسابقة عليهم.

والأسباب: جمع سبب، والسبب ما يوصِّل إلى مكان بعيد، فيطلق السبب على الطريق، ويطلق على الحبل لأنهم كانوا يتوصلون به إلى أعلى النخيل.

والمراد هنا: طرق السماوات، كما في قول زهير: ومن هَاب أسبابَ المنايا يَنَلْنَه *** وإن يَرْقَ أسبابَ السماء بسلّم وانتصب ﴿ أسباب السماوات ﴾ على البدل المطابق لقوله: ﴿ الأسباب.

﴾ وجيء بهذا الأسلوب من الاجمال ثم التفصيل للتشويق إلى المراد بالأسباب تفخيماً لشأنها وشأننِ عمله لأنه أمرٌ عجيب ليورَدَ على نفس متشوقة إلى معرفته وهي نفس (هامان).

والاطّلاع بتشديد الطاء مبالغة في الطلوع، والطلوع: الظهور.

والأكثر أن يكون ظهوراً من ارتفاع، ويعرف ذلك أو عدمُه بتعدية الفعل فإن عُدي بحرف (على) فهو الظهور من ارتفاع، وإن عُدي بحرف (إلى) فهو ظهور مطلق.

وقرأ الجمهور: ﴿ فأَطَّلِعُ ﴾ بالرفع تفريعاً على ﴿ أبلغ ﴾ كأنه قيل: أبلغُ ثم اطَّلِعُ، وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على جواب الترجي لمعاملة الترجي معاملة التمني وإن كان ذلك غير مشهور، والبصريون ينكرونه كأنه قيل: متى بلغتُ اطلعتُ، وقد تكون له ههنا نكتة وهي استعارة حرف الرجاء إلى معنى التمني على وجه الاستعارة التبعية إشارة إلى بُعْد ما ترجاه، وجعل نصب الفعل بعده قرينة على الاستعارة.

وبيْن ﴿ إلى ﴾ و ﴿ إله ﴾ الجناسُ الناقص بحرففٍ كما ورد مرتين في قول أبي تمام: يمُدُّون من أَيْد عَواصصٍ عَوَاصِمٍ *** تَصُول بأسياف قَوَاضضٍ قَواضَبِ وجملة ﴿ وَإنِّي لأظُنُّه كاذبا ﴾ معترضة للاحتراس من أن يظن (هامان) وقومه أن دعوة موسى أوهنت منه يقينَه بدينه وآلهته وأنه يروم أن يبحث بحث متأمل ناظر في أدلة المعرفة فحقق لهم أنه ما أراد بذلك إلا نفي ما ادعاه موسى بدليل الحس.

وجيء بحرف التوكيد المعزّز بلام الابتداء لينفي عن نفسه اتهام وزيره إياه بتزلزل اعتقاده في دينه.

والمعنى: إني أفعل ذلك ليظهر كذب موسى.

والظن هنا مستعمل في معنى اليقين والقطع، ولذلك سمى الله عزمه هذا كيداً في قوله: ﴿ ومَا كَيْدُ فِرْعَونَ إلاَّ في تَبَابٍ ﴾ .

﴿ كاذبا وكذلك زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سواء عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السبيل وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى ﴾ جملة ﴿ وكذلك زُيِنَ لفرعون ﴾ عطف على جملة ﴿ وَقَال فِرْعَوْنُ ﴾ لبيان حال اعتقاده وعمله بعد أن بين حال أقواله، والمعنى: أنه قال قولاً منبعثاً عن ضلال اعتقاد ومُغرياً بفساد الأعمال.

ولهذا الاعتبار اعتبارِ جميع أحوال فرعون لم تُفْصَل هذه الجملة عن التي قبلها إذ لم يقصد بها ابتداء قصة أخرى، وهذا مما سموه بالتوسط بين كَمَالَي الاتصال والانقطاع في باب الفصل والوصل من علم المعاني.

وافتتاحها ب ﴿ كذلك ﴾ كافتتاح قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143)، أي مثل ذلك التزيين أي تزيين عمل فرعون زُيّن له سوء عمله مبالغة في أن تزيين عمله له بلغ من القوة في نوعه ما لا يوجد له شِبْه يُشبَّه به فمن أراد تشبيهه فليشبّهه بعيْنه.

وبُني فعل ﴿ وكذلك ﴾ إلى المجهول لأن المقصود معرفة مفعول التزيين لا معرفة فَاعله، أي حَصل له تزيين سوء عمله في نفسه فحسِب الباطل حقّاً والضلال اهتداء.

وقرأ الجمهور: ﴿ وَصَدَّ ﴾ بفتح الصاد وهو يجوز اعتباره قاصراً الذي مضارعه يصِدّ بكسر الصاد، ويجوز اعتباره متعدياً الذي مضارعه يصُد بضم الصاد، أي أعرض عن السبيل ومنع قومه اتباع السبيل.

وقرأه حمزة والكسائي وعاصم بضم الصاد.

والقول فيه كالقول في: ﴿ زُيِّنَ لِفِرعونَ سُوءُ عَمَلهِ ﴾ .

وتعريف ﴿ السبيل ﴾ للعهد، أي سبيل الله، أو سبيل الخير، أو سبيل الهدى.

ويجوز أن يكون التعريف للدلالة على الكمال في النوع، أي صد عن السبيل الكامل الصالح.

وجملة ﴿ ومَا كَيْدُ فِرعون إلا في تَبَابٍ ﴾ عطف على جملة ﴿ وكذلك زُيِّنَ لفرعون سُوَءُ عَمَلِه ﴾ ، والمراد بكيده ما أَمر به من بناء الصرح والغايةِ منه، وسمي كيداً لأنه عمل ليس المراد به ظاهره بل أريد به الإِفضاء إلى إيهام قومه كذب موسى عليه السلام.

والتباب: الخسران والهلاك، ومنه: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أبي لهببٍ وتَبَّ ﴾ [المسد: 1]، وحرف الظرفية استعارة تبعية لمعنى شدة الملابسة كأنه قيل: «ومَا كَيدُ فرعون إلاَّ بتَبَابٍ شديد».

والاستثناء من أحوال مقدرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ وبَثَّ الخَلْقَ فِيها إذْ دَحاها فَهم سُكّانُها حَتّى التَّنادِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُناداةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، قالَهُ الحَسَنُ.

وَفِيما يُنادِي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: يا حَسْرَتا، يا ويْلَتا، يا ثُبُوراهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: يُنادِي أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ أنْ ﴿ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا  ﴾ الآيَةَ.

وَيُنادِي أهْلُ النّارِ أهْلَ الجَنَّةِ ﴿ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ  ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

وَكانَ الكَلْبِيُّ يَقْرَؤُها: يَوْمَ التَّنادِّ، مَشْدُودَةٌ، أيْ يَوْمَ الفِرارِ، قالَ يَنِدُّونَ كَما يَنِدُّ البَعِيرُ.

وَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ «أنَّ لِلنّاسِ جَوْلَةً يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ يَطْلُبُونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَفَرًّا ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.

» ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُدْبِرِينَ في انْطِلاقِهِمْ إلى النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مُدْبِرِينَ في فِرارِهِمْ مِنَ النّارِ حَتّى يُقْذَفُوا فِيها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ناصِرٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مِن مانِعٍ، وأصْلُ العِصْمَةِ المَنعُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ وفي قائِلِ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى هو القائِلُ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا إلى القِبْطِ بَعْدَ مَوْتِ المَلِكِ مِن قَبْلِ مُوسى بِالبَيِّناتِ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجِ: هي الرُّؤْيا.

الثّانِي: ما حَكاهُ النَّقّاشُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا مِنَ الجِنِّ يُقالُ لَهُ يُوسُفُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ﴾ قال: رؤيا يوسف عليه السلام.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ﴾ قال: بغير برهان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما رآه المؤمنون حسناً فهو حسن عند الله، وما رآه المؤمنون سيئاً فهو سيء عند الله.

وكان الأعمش رضي الله عنه يتأول بعده ﴿ كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه ﴿ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ﴾ مضاف لا ينون في قلب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً ﴾ قال: كان أوّل من بنى بهذا الآجر وطبخه ﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ قال: الأبواب ﴿ أسباب ﴾ أي أبواب ﴿ السماوات، وكذلك زيّن لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل ﴾ قال: فعل ذلك به ﴿ وزين له سوء عمله وما كيد فرعون إلا في تباب ﴾ أي في ضلال وخسار.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا هامان ابنِ لي صرحاً ﴾ قال: اَوْقِدْ على الطين حتى يكون الآجُرُّ.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنهم في قوله: ﴿ أسباب السماوات ﴾ قال: طرق السموات.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا في تباب ﴾ قال: خسران.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ في تباب ﴾ قال: في خسارة.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وصدوا عن السبيل ﴾ برفع الصاد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَتَاعٌ ﴾ أي يتمتع به قليلاً، فإن قيل: لم كرر المؤمن نداء قومه مراراً؟

فالجواب: أن ذلك لقصد التنبيه لهم، وإظهار الملاطفة والنصيحة، فإن قيل: لم جاء بالواو في قوله و ﴿ ياقوم ﴾ في الثالث دون الثاني؟

فالجواب: أن الثاني بيان للأول وتفسير، فلم يصح عطفه عليه بخلاف الثالث، فإنه كلام آخر فصح عطفه عليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك طبعاً لا اختلافاً لمعان مذكورة في "ص".

﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس ﴿ التلاقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ والذين تدعون ﴾ على الخطاب: نافع وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان ﴿ أشد منكم ﴾ ابن عامر.

الباقون ﴿ منهم ﴾ .

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ط كوفي ﴿ العليم ﴾ ه لا ﴿ الطول ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ﴿ من بعدهم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ فأخذتهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ م لئلا يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار ﴿ آمنوا ﴾ ج لحق القول المحذوف ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ وذرياتهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه وقد يوصل للعطف ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فتكفرون ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ﴿ كفرتم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ تؤمنوا ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ذو العرش ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ التلاق ﴾ ه لا ﴿ بارزون ﴾ ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ كسبت ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ كاظمين ﴾ ط ﴿ يطاع ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ بشيء ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ واق ﴾ ه ﴿ فأخذهم الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.

التفسير: ﴿ حم ﴾ اسم الله الأعظم.

وقيل: ﴿ حم ﴾ ما هو كائن أي قدّر.

وروي أن أعرابياً قال للنبي  : ما حم؟

فقال: أسماء وفواتح سور.

وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول "البقرة".

ومن جملة تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم.

﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ وقد مر نظيره في أول "الزمر".

ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد فقال ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ﴾ قالت المعتزلة: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيراً، أو طاعة أعظم منه ثواباً إن كان صغيراً.

وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله ﴿ قابل التوب ﴾ وليفيد المدح المطلق ويؤيده إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب الحالتين.

وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب.

ثم إن قبول التوبة واجب على الله أم لا؟

فيه بحث أيضاً للفريقين.

فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على سبيل التفضيل وإلا لم بتمدّح به.

والظاهر أن التوب مصدر.

وقيل: جمع توبة أي ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته.

وقد ذكر أهل الإعراب ههنا سؤالاً وهو أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما صفتين لله إلا أن قوله ﴿ شديد العقاب ﴾ لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى شديد عقابه.

فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه بدل لزم نبوّ ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة.

وأجيب على تقدير أن لا يكون الكل أبدالاً بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام والدلالة على فرط الشدة.

وجوزوا أن تكون هذه النكتة سبباً لجعله بدلاً من بين سائر أخواته.

وهذا ما قاله صاحب الكشاف.

وعندي أنه لا مانع من جعل ﴿ شديد العقاب ﴾ أيضاً للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقية.

قوله ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في قوله ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً  ﴾ وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالداً ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو المعاد.

وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف كان مرجواً أن يغفر الله له ويقبل توبته.

ثم بين أحوال من لا يقبل هذه التقريرات ولا يخضع لها فقال ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من المطاعن وفضول الكلام.

فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين الجدالين قال  "إن جدالاً في القرآن كفر" فنكر الجدال ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ ثم عقب الكلام بقوله ﴿ فلا يغررك ﴾ ليعلم أن جدالهم الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا ﴿ تقلبهم في البلاد ﴾ للتجارات والمكاسب فإن قريشاً كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك.

ثم مثل حالهم بحال الأمم السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى الرسل.

ثم بين بقوله ﴿ وكذلك حقت ﴾ أنهم في الآخرة أيضاً معذبون.

وقوله ﴿ أنهم أصحاب النار ﴾ بدل من ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في الآخرة من أصحاب النار.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ أنهم ﴾ في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل.

وقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ قريش أي كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة في الفريقين.

ومن قرأ ﴿ كلمات ﴾ على الجمع أراد بها علم الله السابق أو معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار.

وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم كأنه قيل: إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزناً فإن الأشراف يحابونهم.

روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يعرفون طرفهم.

وروي عن النبي  "لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور" وروي أن الله  أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة.

وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز وجل { ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية  ﴾ أما في غير ذلك الوقت فلا يعلم به إلا الله.

أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر.

وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب الكشاف.

سؤال: ما فائدة قوله ﴿ ويؤمنون به ﴾ ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟

أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه.

وأيضاً فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم أن إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال.

واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخراً وشرفاً.

وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن.

وإن شئت فتأمل قوله  ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله ﴿ بالغيب ﴾ فائدة.

على أنه يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلهاً، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوباً عن ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟

وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة.

وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهية من المحفوظ.

قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟

وهل يزعم عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟

وإنما ذكرت ما ذكرت لكونه وارداً على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما.

قال جار الله: وقد روعي التناسب في قوله ﴿ ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري.

احتج كثير من العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية للملائكة وإلا لزم بحكم "ابدأ بنفسك" أن يستغفروا أوّلاً لأنفسهم قال الله  ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ﴾ ﴿ وقال نوح رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً  ﴾ قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد.

لو سلم أن قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ عام أن يكون المستغفر له عاصياً على أنه قد خص الاستغفار في قوله ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ وهذا فيه بحث يجيء.

وفي قولهم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة ﴾ ولو بإعطاء الوجود ﴿ وعلماً ﴾ وقد مر في "الأنعام" إشارة إلى أن الحمد والثناء ينبغي أن يكون مقدماً على الدعاء.

وفي لفظ ﴿ ربنا ﴾ خاصية قوية في تقديم الدعاء كما ذكرنا في آخر "آل عمران" كأن الداعي يقول: كنت نفياً صرفاً وعدماً محض فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك، ولا ريب أن ذكر الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوّي جوهر الروح ويكسبه إشراقاً وصفاء.

وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت منه التوبة واتباع الدين.

قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ عن الكفر ﴿ واتبعوا سبيلك ﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً.

قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم { ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ أما قوله ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية.

وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمناً وصريحاً طلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ قال علماء السنة: كل أهل الإيمان موعودون بالجنة وإن كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدّة إن لم يكن عفواً وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة.

قال الفراء والزجاج: قوله ﴿ ومن صلح ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في ﴿ وأدخلهم ﴾ فيكون دعاء من الملائكة بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلاً لأنس الأولين وتتميماً لابتهاجهم وإشفاقاً على هؤلاء أيضاً.

ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في ﴿ وعدتهم ﴾ لأنه  قال في سورة الرعد ﴿ أولئك لهم عقبى الدار  جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم  ﴾ وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء الأصناف اللهم إلا ضمناً.

قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم وإن كانوا ذوي كبائر.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ لأنه إن لم يكن غالباً على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيماً أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه.

ثم قالوا ﴿ وقهم السيئات ﴾ فقيل: يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف.

واعترض بأنهم قالوا مرة وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار.

وأجيب بأن الأوّل دعاء للأصول وهذه لفروعهم وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال الضارة، وعلى هذا يكون ﴿ يومئذ ﴾ في قوله ﴿ ومن تق السيئات يومئذ ﴾ إشارة إلى الدنيا.

وقوله ﴿ فقد رحمته ﴾ يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة.

قال في الكشاف: السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة.

ثم إنه  عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال ﴿ إن الذين كفروا ينادون ﴾ أي يوم القيامة.

وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير.

أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة.

وأما التقديم والتأخير فهو أن قوله ﴿ إذ تدعون ﴾ منصوب بالمقت الأول.

وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن وفيه توبيخ.

ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط غيره ولهذا أوردهم النار.

الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول.

الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ إلى قوله ﴿ ولوموا أنفسكم  ﴾ وفي هذه الحالة مقتوا أنفسهم.

فلعل المعنى.

لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن لعنه إياه.

وأما قول الكفرة في الجواب ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ أي إماتتين اثنتين ﴿ وأحييتنا ﴾ إحياءتين ﴿ اثنتين ﴾ فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف.

أما في الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أوّلاً أمواتاً ثم نطفة ثم علقة الخ كما في الآية الأخرى ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً  ﴾ ونسب هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما أردت الإنشاء على هذه الصفة.

والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما.

قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء.

قال: والإماتة الثانية هي التي في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد البعث.

وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في الحديث.

أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه  لم يذكرها، والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حياً لزم نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب الجهالات.

وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة.

وإذا كان الإنسان جوهراً نورانياً مشرقاً مدبراً للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات.

وقال بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.

وضعف بأنه لو لم يكن صادقاً لأنكر الله عليهم.

وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة.

فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها.

وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة المستثنين في قوله ﴿ فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله  ﴾ ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ عام.

ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جداً.

وقد يدور في الخلد أن هذا النداء يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ أي إلى نوع من الخروج والرد من القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط.

وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم إلا أنه  رمز إلى عدم الخروج بقوله ﴿ ذلكم ﴾ أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أو ان التكليف ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته وكبرياءه.

قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم "لا حكم إلا لله" مأخوذ من هذه الآية.

ثم أراد أن يذكر طرفاً من دلائل وحدانيته وكماله فقال ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق ﴿ وينزل لكم من السماء ﴾ ماء هو سبب الرزق ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات.

ثم قال للمنيبين ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ﴾ قال جار الله: قوله ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح ﴾ ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله ﴿ الذي يريكم ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً أوسطها معرفة.

ثم إن الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ وكذا في الرزق والأجل بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب.

أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة.

وأما على الثاني فلا ريب أنه  أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود.

واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله  هذه الصفة بصفتين أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات.

أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله ﴿ يلقي الروح ﴾ أي الوحي ﴿ من أمره ﴾ أي من عالم أمره ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل.

وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً  ﴾ ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله.

وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا.

وقوله ﴿ يوم هم بارزون ﴾ بدل من الأول.

ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار  ﴾ وقوله ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ فهو نظير قوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب.

فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض يقول الرب  : لمن الملك اليوم؟

فلا يجيبه أحد.

فهو  يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار.

وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكاراً شديداً لأنه  بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟

فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذذاً والكافر هواناً وتحسراً على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد.

وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم من يقرأ آية؟

فقرأ رجل روّاس ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش ﴾ فلما بلغ قوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله  وقال: لك الملك لا لي.

فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟

فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله.

ومما يدل على تفرده  قوله ﴿ لله الواحد القهار ﴾ فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مراراً، وباقي الآية أيضاً مما سلف تفسيره مرات.

ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفاً إذا دنا، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب.

قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا.

وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه  ذكر يوم القيامة في قوله ﴿ يوم التلاق يوم هم بارزون ﴾ فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، ولأنه  وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم  ﴾ ﴿ كلا إذا بلغت التراقي  ﴾ ولا ريب أن الرجل عند معاينة أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدّة الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس.

وقوله ﴿ كاظمين ﴾ أي مكروبين.

والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً قال عز من قائل ﴿ والكاظمين الغيظ  ﴾ وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب.

وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم من أفعال العقلاء كقوله ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين  ﴾ أو عن ضمير المفعول في ﴿ وأنذرهم ﴾ أي وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم فيكون حالاً مقدّرة.

وفي قوله ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث حمله الأوّلون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب الكبائر.

وقد مرّ مراراً ولا سيما في قوله ﴿ وما للظالمين من أنصار  ﴾ ومعنى قوله ﴿ يطاع ﴾ يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين.

والفائدة في ذكر هذه الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتفٍ في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم.

وقوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ خبر آخر لقوله ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله ﴿ لينذر ﴾ وذكر وصف القيامة استطراداً، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب.

قال: ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو "جرد قطيفة" أي يعلم العين الخائنة لأن قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ لا يساعد عليه.

قلت: يعني أن عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب.

وقيل: هي قول الإنسان رأيت ولم ير وما رأيت ورأى.

ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها.

قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة.

وقيل: الوسوسة.

وقال ابن عباس: ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا.

أقول: والحاصل أنه  أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك.

ففي قوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب.

وإذا علمت هذه الصفة وقد عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك في حقيّة قضائه فلذلك قال ﴿ والله يقضى بالحق ﴾ ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا بصر بقوله ﴿ والذين يدعون ﴾ الخ.

ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر نظير الآية في مواضع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ ذلك بأنهم كانت ﴾ وفي "التغابن" ﴿ ذلك بأنه كانت  ﴾ موافقة لضمير الفصل في قوله ﴿ كانوا هم أشد ﴾ .

التأويل: الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة إلى سر بينه وبين حبيبه  لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ غافر الذنب ﴾ للظالم ﴿ وقابل التوب ﴾ للمقتصد ﴿ شديد العقاب ﴾ للكافر ﴿ ذي الطول ﴾ للسابق ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى ﴿ لمقت الله ﴾ إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان ﴿ أكبر من مقتكم أنفسكم ﴾ لو كنتم تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوّكم.

ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن عذاب البعد الأبديّ أشدّ من رياضة أيام معدودة قلائل.

﴿ ذو العرش ﴾ عرش القلوب استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: من آل فرعون في الظاهر، وإلا لم يكن في الحقيقة من آله، وإنما هو من آل موسى وأتباعه؛ حيث آمن به وترك اتباع فرعون، والله أعلم.

والثاني: من آله، أي: من نسبه؛ لأنه ذكر أنه كان ابن عمه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ .

إشفاقاً على نفسه، ولا يظهر الموافقة لهم على ما هم فيه؛ إذ قدر على الكتمان دون إظهار الموافقة لهم، وعلى ذلك المكره على إظهار الكفر إذا قدر على ألا يظهر ما أريد منه من كلمة الكفر ولا يقتل بالامتناع لا يسع له إظهار ذلك لهم، فإن لم يقدر فحينئذ يسع؛ فعلى ذلك ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ .

فيه إخبار أنه كان يكتم إيمانه؛ إشفاقاً على نفسه، فلما خاف إهلاك رسول الله موسى -  - فعند ذلك أظهر ما كان يكتمه وإن كان في إظهار ذلك إهلاك نفسه بعد أن يرجو نجاة نبي من الأنبياء - عليهم السلام - وهكذا يجب ألا يسع كتمان ما كان يكتمه وإن كان نفسه تهلك إذا أظهر إذا كان في إظهار ذلك نجاة رسول من رسل الله  - عليهم السلام - بحجج يدفع الهلاك بها عن نفس ذلك الرسول؛ وكذلك ذكر عن أبي بكر الصديق -  - "أن أهل مكة لما هموا قتل رسول الله  وإهلاكه، ألقى أبو بكر -  - نفسه عليه، وقال ما قال ذلك الرجل الذي كان يكتم إيمانه حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ ﴾ فعند ذلك نزلت هذه الآية على رسول الله  ولم تكن نزلت قبل ذلك" ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .

أي: جاءكم من البينات ما يبين أنها آيات من عند الله لا اختراعاً من موسى -  - ويبين أنه صادق فيما يقول ويدعي.

وقوله: ﴿ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ .

أي: وإن كان كاذباً فيما يدعوكم إليه فعليه كذبه، وإن كان صادقاً فيما يقول ويدعي يصيبكم بعض الذي يعدكم، فهو يعلم أنه صادق فيما يقول حقيقة، ولكن لما كان عند القوم احتمل الأمر، ذكر على ما في زعمهم؛ دفعاً للقتل عن موسى،  .

ثم الإشكال أنه قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ذكر أنه يصيبهم بعض الذي يعد الرسل، [والرسل] إذا وعدوا شيئاً يصيبهم بكماله، لا يجوز أن يكون خلاف ما أخبروا أو دون ما ذكروا، لكن يخرج على وجوه: أحدها: أنه كان وعده إياهم أن يصيبهم العذاب في الدنيا والآخرة، فيقول: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، وهو ما وعد لهم أن يصيبهم في الدنيا، وأما ما وعد لهم في الآخرة، فهو يصيبهم في وقت آخر وهو في الآخرة، فما أصابهم في الدنيا فهو بعض ما جرى الوعيد منه لهم؛ لأن الوعيد كان منه في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أنه كان -  - وعدهم بأنواع من العذاب، وقد أصابهم بعض ذلك الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونحو ذلك، وفي بعض ما وعدهم هو هلاكهم؛ فكأنه يقول لهم: إنكم قد أصابكم كثير من ذلك، فيصيبكم بعض ما يعدكم الذي فيه هلاككم مبالغة في الزجر؛ لما قد أصابهم ما وعد لهم من أنواع العذاب، ولم يكن وعده كذباً، فبعض ما يعدكم - وهو الهلاك - كيف يكون كذباً؟!

والله أعلم والموفق.

والثالث: [أراد] بالبعض: الكل؛ لأنه أراد بهذا البعض: الهلاك، وهو البعض الأقصى، فيدخل العالي فيه لأنه إذا أوعده بأنواع من العذاب منها الهلاك يكون الهلاك هو البعض الأقصى؛ إذ لا عذاب في الدنيا بعد الهلاك، فيكون سائر أنواع العذاب في الدنيا يكون قبل الهلاك، فإذا أريد به هذا البعض يدخل فيه ما قبله، ويكون ذكره ذكرا للكل؛ إذ لا وجود له بدون سائرها؛ لذلك قال: ﴿ يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يهدي من هو في علمه أنه يؤثر الإسراف والكذب.

والثاني: لا يهدي من هو مختار الإسراف والكذب وقت اختيارهم الإسراف والكذب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ .

يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل أن يقول ذلك بعد ما سألوه أن يتبع دينهم وما هم فيه: إني لو اتبعتكم وأجبتكم ومعكم الملك والحشم والغلبة وليس معي ذلك، فإذا جاء بأس الله وعذابه فصرتم أنتم ممتنعين عنه بما معكم، فمن ينصرنا من عذاب الله وليس معنا ذلك؟!

وإن كان يعلم حقيقة أن ما معهم من الغلبة لا يمنع من عذاب الله، لكن قال ذلك بناء على اعتقادهم؛ إظهاراً للعذر عندهم؛ كي لا يقدموا على قتله لصيانة حياته، ومثل هذا لا بأس به، والله أعلم.

والثاني: يقول على الرفق بهم وإظهار الموافقة لهم في الظاهر؛ يقول: إنه قد جاءنا من الله البينات ما أوضح الحق وبين السبيل، فإذا رددنا ذلك وكذبناهم جاءنا بأس الله جملة وعذابه، فمن يمنعنا عنه وينصرنا من عذابه إذا خالفنا أمره وتركنا اتباع دينه؟!

على هذين القولين يخرج القول منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ما آمركم إلا بما رأيته لنفسي.

وقال بعضهم: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي ذلك، لكن [ليس] للعين أن يختار لهم ما اختار لنفسه؛ لأن ما اختار لنفسه باطل فاسد، وكذب اللعين أيضاً حيث قال: ما أختار لكم إلا ما أختار لنفسي؛ لأنه اختار لهم أن يعبدوه ولم يختر لنفسه عبادة أولئك أن يعبدهم، فهو كذب من القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴾ .

كذب أيضاً في قوله: إنه لا يهديهم إلا سبيل الرشاد، بل كان يهديهم سبيل الغي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .

كأن فيه إضمار القول: إني أخاف عليكم يوما مثل يوم الأحزاب، ويوم مثل يوم قوم نوح وعاد، فهو - والله أعلم - صلة قوله فيما تقدم: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ وعظهم مرة واحتج عليهم بما جاءهم موسى بالبينات؛ حيث قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ ، وتتركون اتباعه وتتبعون رجلا لم يأتكم بالبينات، هذا منه احتجاج عليهم: أن كيف تقتلون رجلا وتتركون اتباعه بعد ما جاءكم بالبينات من ربكم، وتتبعون من لا بينة معه ولا برهان؟!

يسفههم في صنيعهم الذي أرادوا أن يصنعوا به، والله أعلم، ووعظهم أيضاً وعظاً لطيفاً فيه رفق حيث قال: ﴿ يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ﴾ يقول - والله أعلم -: إنكم إن قتلتم ذلك الرجل بعدما جاءكم بالبينات وتركتم اتباعه، فجاءكم عذاب الله وبأسه، فمن ينصركم عن ذلك العذاب ويمنعكم عنه إذا قتلتم نبيه بغير حق؟!

ثم وعظهم وعظاً بما نزل بمكذبي من كان قبلهم من الرسل حيث قال: ﴿ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ يقول: إني أخاف عليكم أن ينزل بكم ويقع عليكم من عذاب الله بتكذيبكم الرسول موسى -  - وترككم اتباعه بعدما جاءكم بالبينات أنه رسول وأنه صادق فيما يقول ويدعي، كما نزل ووقع من العذاب بالأحزاب الذين كانوا من قبلكم ممن ذكر بتكذيبهم الرسل واستقبالهم إياهم بما استقبلوا بعد ظهور صدقهم عندهم بما تستقبلون أنتم رسولكم موسى، بعدما ظهر صدقه عندكم بالبينات التي جاءكم، والله أعلم.

ثم ما ذكر من الأحزاب فيحتمل أن يكون تفسيره ما ذكر على أثره من قوم نوح وعاد وثمود، ويحتمل سواهم من الأمم، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ قال بعضهم: أي: مثل صنيع قوم نوح ومن ذكر وفعلهم.

وقال بعضهم: أي: مثل عذاب قوم نوح ومن ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ ﴾ .

في هذه الآية للمعتزلة نوعُ تعلقٍ؛ يقولون: إن الله  قد أراد من العباد ما يفعلون من أفعال الظلم والجور، وقد أخبر الله  أنه لا يريد ظلماً للعباد.

ولكن الآية في التحقيق عليهم؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ  ﴾ أخبر أنه أراد ألا يجعل لهم حظّاً في الآخرة، ولو لم يرد منهم ما يستوجبون به العذاب كان في تعذيبه إياهم ظالما على زعمهم؛ دل أنه أراد منهم ما يستوجبون به العذاب وهو فعل الظلم، والله أعلم.

ثم تأويل الآية يخرج على وجهين: أحدهما: أن الإرادة هي صفة كل فاعل يفعل عن اختيار، فكأنه قال: والله لا يظلم عباده؛ كقوله  : ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ  ﴾ .

والثاني: فيه إخبار أنه لا يعاقَبُ أحد بذنب غيره، ولا يؤاخذ بجريمة غيره، ولا يزيد على قدر ما يستحقون به العذاب، أو لا ينقصهم من ثواب حسناتهم شيئاً؛ كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ  ﴾ وغير ذلك من الآيات ما فيها إخبار أنه لا يجزيهم بأكثر مما يستوجبون ليس على ظن أولئك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...

﴾ الآية.

وعظهم أيضاً بعذاب الآخرة وما يكون منهم من الندامة بتركهم اتباع الرسول، بعدما وعظهم بعذاب الدنيا وما نزل بأوائلهم بصنيعهم مثل صنيعهم، وهو ما قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...

﴾ الآية.

ثم قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ﴾ فيه لغات ثلاث: إحداها: ﴿ يوم التنادي ﴾ بالياء.

والثانية: بالتخفيف على حذف الياء.

والثالثة: بالتشديد.

فمن قرأها بالتشديد، يقول: هو من ند يند ندّاً إذا مضى لوجهه هارباً فارّاً من عذاب الله، إذا عاينوا العذاب، وهو من ند الإبل وغيره - والله أعلم -.

ومن قرأه بالياء فهو التفاعل من النداء، فهو على نداء بعضهم بعضاً يوم القيامة؛ كقوله -  -: ﴿ وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ ونحوه.

ومن قرأه بغير الياء، فقد حذف الياء؛ كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ ، وأصله: التنادي، والله أعلم.

ثم قوله  : ﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ قال بعضهم: يوم تولون هاربين من النار مدبرين عنها؛ كقوله  : ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ .

أي: ما لكم من عذاب الله إذا نزل بكم من مانع يمنعكم من عذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

أي: جاءكم يوسف من قبل موسى -  - بالبينات، أي: بالآيات والأدلة على رسالته وصدقه، جائز أن يكون هذا قول ذلك الرجل لقومه يخبرهم عن سفه أوائلهم من تكذيبهم يوسف بأرض مصر قبل موسى، وما كان من القول منهم بعدما ذهب من بينهم وردهم آياته وحججه التي أتاهم بها، وما أخبر أنهم وأوائلهم لم يزالوا في شك وريب مما جاءتهم الرسل من الآيات والأدلة، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ ﴾ يقول: لم تزل عادتكم وعادة أوائلكم هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ .

جائز أن يكون وإن خاطبهم بقوله: ﴿ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ إنما أراد آباءهم وأوائلهم؛ لأن يوسف -  - لم يكن في زمن هؤلاء مبعوثاً إليهم على ما عاتب الأبناء بصنع آبائهم في غير آي من القرآن؛ كقوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ  ﴾ ، وهؤلاء لم يقتلوا الأنبياء ولا اتخذوا العجل، وإنما فعل ذلك آباؤهم وأوائلهم، ثم جاء العتاب لهم بسوء صنيع آبائهم وأوائلهم؛ فعلى ذلك هذا.

وجائز أن يكون وإن خاطبهم بما ذكر من سوء الصنيع والتكذيب، إنما يخبر عن صنيع آبائهم وأوائلهم فيحذرهم عن مثل صنيع أولئك من التكذيب لهم والرد لأدلتهم، والقول بعد ذهابه من بينهم، والكذب على الله: إنه لم يبعث رسولا؛ يقول: إياكم أن تكذبوه وتردوا آياته وحججه، ثم تقولوا إذا مات موسى: لن يبعث الله من بعده رسولا، كما قال أوائلكم: إذا مات يوسف: لم يكن من بعده رسول بقولهم: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يشبه أن يخرج الآية على هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ﴾ .

فقد ذكرنا تأويله من وجهين فيما تقدم.

ثم قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ﴾ يخرج من وجهين: أحدهما: آمنوا به، وأنكروا رسالة غيره بعده بقولهم: لن يبعث الله من بعده رسولا.

والثاني: أي: أنكروا رسالته في حال حياته ولم يؤمنوا به، فإذا هلك أنكروا أن يكون هو مبعوثاً إليهم رسولا، فيحذر هؤلاء صنيع أولئك ألا يكونوا كأولئك آمنوا به وأنكروا رسالة غيره من الرسل بعده.

أو يقول: لا تكونوا كأولئك يكذبونه ما دام حيّاً، فإذا هلك يكذبون رسالته، يحذرهم سفه أوائلهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾ .

أي: يجادلون في دفع آيات الله وردها بغير حجة وسلطان أتاهم من الله، أو بغير حجة مكن لهم الاحتجاج بها، وإلا كان أهل الإيمان قد يجادلون فيها حتى إذا ظنوا أنها آيات الله آمنوا بها وأقروا بها، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، أي: جادلوا في دفع آيات الله وردها بغير حجة أتتهم؛ كقوله: ﴿ وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

هكذا الواجب على أهل الإيمان أن يمقتوا من الأعمال ما مقتها الله  ، أو يمقتوا من مقته الله من أعدائه؛ وعلى ذلك ذكر: إن خير أعمالكم حُبُّ ما أحبه الله وبُغْضُ ما أبغضه الله أو كلام نحوه، وشر أعمالكم حب ما أبغضه وبغض ما أحبه الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ .

أي: هكذا يطبع الله على كل قلب من جادل في دفع آيات الله وردها بغير حجة، أي: يطبع على كل من تعود التكبر والتجبر على الآيات والرسل، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ...

﴾ من هو كذا، وكذلك يضلل، ونحوه كله حروف الاعتلال، بين الله  العلل التي لها لا يهديهم ويضلهم؛ وكذلك في قوله: ﴿ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ ومسرف مرتاب ونحوه، أي: لا يهدي من كان طبعه وعادته الإسراف والكذب وكفران النعم ودفع الآيات والحجج بلا حجة وبرهان، فأمّا من كان طبعه وعادته غير هذا لكنْ لجِهْلٍ جَهِلَ ذلك، أو لما يتحقق عنده لظنه وقلة التأمل، أو لاشتغاله بأمور الدنيا، أو لمعنى من المعاني يجوز أن يهديه الله  ويرشده، على هذا يخرج هذه الآيات، والله أعلم.

وعلى ذلك ما كان [يصنعه] فرعون اللعين من التمويهات والتلبيسات على أتباعه في أمر موسى -  - بعد معرفته أن ذلك ليس بقدح في الآيات والحجج التي أتاهم موسى -  - أراد أن يموه ويلبس على قومه، فكل من كانت عادته وطبيعته ما ذكرنا من التمويه والتلبيس والمجادلة في دفع الآيات بلا حجة والتكبر عليها - فلا يهديه الله  ويطبع على قلبه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا قوم، إنما هذه الحياة الدنيا تمتع بملذات منقطعة، فلا تغرَّنَّكم بما فيها من متاع زائل، وإن الدار الآخرة بما فيها من نعيم دائم لا ينقطع هي دار الاستقرار والإقامة، فاعملوا لها بطاعة الله، واحذروا من الانشغال بحياتكم الدنيا عن العمل للآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.mnagl"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل