الآية ٤٥ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٤٥ من سورة غافر

فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 69 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله [ تعالى ] : ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) أي : في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فنجاه الله مع موسى - عليه السلام - وأما في الآخرة فبالجنة ( وحاق بآل فرعون سوء العذاب ) وهو : الغرق في اليم ، ثم النقلة منه إلى الجحيم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) يقول تعالى ذكره: فدفع الله عن هذا المؤمن من آل فرعون بإيمانه وتصديق رسوله موسى, مكروه ما كان فرعون ينال به أهل الخلاف عليه من العذاب والبلاء, فنجاه منه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) قال: وكان قبطيا من قوم فرعون, فنجا مع موسى, قال: وذكر لنا أنه بين يدي موسى يومئذ يسير ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟

فيقول: أمامك, فيقول له المؤمن: وهل أمامي إلا البحر؟

فيقول موسى: لا والله ما كَذبتُ ولا كُذبتُ, ثم يسير ساعة ويقول: أين أمرت يا نبيّ الله؟

فيقول: أمامك, فيقول: وهل أمامي إلا البحر, فيقول: لا والله ما كذبت, ولا كذبت, حتى أتى على البحر فضربه بعصاه, فانفلق اثني عشر طريقا, لكل سبط طريق.

وقوله: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) يقول: وحل بآل فرعون ووجب عليهم; وعني بآل فرعون في هذا الموضع تباعه وأهل طاعته من قومه.

كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ في قول الله: ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) قال: قوم فرعون.

وعني بقوله: ( سُوءَ الْعَذَابِ ) : مأ ساءهم من عذاب الله, وذلك نار جهنم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فوقاه الله سيئات ما مكروا أي من إلحاق أنواع العذاب به فطلبوه فما وجدوه ; لأنه فوض أمره إلى الله .

قال قتادة : كان قبطيا فنجاه الله مع بني إسرائيل .

فالهاء على هذا لمؤمن آل فرعون .

وقيل : إنها لموسى على ما تقدم من الخلاف .

وحاق بآل فرعون سوء العذاب قال الكسائي : يقال حاق يحيق حيقا وحيوقا إذا نزل ولزم .

ثم بين العذاب فقال :

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا } أي: وقى الله القويّ الرحيم، ذلك الرجل المؤمن الموفق، عقوبات ما مكر فرعون وآله له، من إرادة إهلاكه وإتلافه، لأنه بادأهم بما يكرهون، وأظهر لهم الموافقة التامة لموسى عليه السلام، ودعاهم إلى ما دعاهم إليه موسى، وهذا أمر لا يحتملونه وهم الذين لهم القدرة إذ ذاك، وقد أغضبهم واشتد حنقهم عليه، فأرادوا به كيدًا فحفظه الله من كيدهم ومكرهم وانقلب كيدهم ومكرهم، على أنفسهم، { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ } أغرقهم الله تعالى في صبيحة واحدة عن آخرهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وذلك قوله عز وجل ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) ما أرادوا به من الشر قال قتادة : نجا مع موسى وكان قبطيا ، ) ( وحاق ) نزل ، ( بآل فرعون سوء العذاب ) الغرق في الدنيا ، والنار في الآخرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فوقاه الله سيئات ما مكروا» به من القتل «وحاق» نزل «بآل فرعون» قومه معه «سوء العذاب» الغرق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فوقى الله سبحانه ذلك الرجل المؤمن الموفَّق عقوبات مكر فرعون وآله، وحلَّ بهم سوء العذاب حيث أغرقهم الله عن آخرهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ) بيان للعاقبة الطيبة التى أكرمه الله - سبحانه - بها بعد صدوعه بكلمة الحق أمام فرعون وجنده .

.أى : فكانت نتيجة إيمان هذا الرجل ، وجهره بكلمة الحق ، ونصح لقومه ، أن وقاه الله - تعالى - ما أراده الظالمون به من أذى وعدوان ومن مكر سيئ ..( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ) أى : ونزل وأحاط بفرعون وقومه ( سواء العذاب ) بأن أغرقهم الله - تعالى - فى أليم ، وجعلهم عبرة لمن يعتبر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن ذلك الرجل لم يقصر في تقرير الدين الحق، وفي الذب عنه فالله تعالى رد عنه كيد الكافرين وقصد القاصدين، وقوله تعالى: ﴿ فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ﴾ يدل على أنه لما صرّح بتقرير الحق فقد قصدوه بنوع من أنواع السوء، قال مقاتل لما ذكر هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه، وقيل المراد بقوله: ﴿ فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ﴾ أنهم قصدوا إدخاله في الكفر وصرفه عن الإسلام فوقاه الله عن ذلك إلا أن الأول أولى لأن قوله بعد ذلك ﴿ وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ سُوء العذاب ﴾ لا يليق إلا بالوجه الأول، وقوله تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ ﴾ أي أحاط بهم ﴿ سُوء العذاب ﴾ أي غرقوا في البحر، وقيل بل المراد منه النار المذكورة في قوله: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ قال الزجاج ﴿ النار ﴾ بدل من قوله: ﴿ سُوء العذاب ﴾ قال: وجائز أيضاً أن تكون مرتفعة على إضمار تفسير ﴿ سُوء العذاب ﴾ كأن قائلاً قال: ما سوء العذاب؟

فقيل: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ .

قرأ حمزة ﴿ حاق ﴾ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بالفتح أما قوله: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر قالوا الآية تقتضي عرض النار عليهم غدواً وعشياً، وليس المراد منه يوم القيامة لأنه قال: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب ﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا لأن عرض النار عليهم غدواً وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا، فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت وقبل يوم القيامة، وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذ ثبت في حقهم ثبت في حق غيرهم لأنه لا قائل بالفرق، فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض النصائح عليهم في الدنيا؟

لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب وخوفوهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار، ثم نقول في الآية ما يمنع من حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين: الأول: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع، وقوله: ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ يقتضي أن لا يحصل ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين، فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر الثاني: أن الغدوة والعشية إنما يحصلان في الدينا، أما في القبر فلا وجود لهما، فثبت بهذين الوجهين أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر والجواب: عن السؤال الأول أن في الدنيا عرض عليهم كلمات تذكرهم أمر النار، لا أنه يعرض عليهم نفس النار، فعلى قولهم يصير معنى الآية الكلمات المذكرة لأمر النار كانت تعرض عليهم، وذلك يفضي إلى ترك ظاهر اللفظ والعدول إلى المجاز، أما قوله الآية تدل على حصول هذا العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز، قلنا لم لا يجوز أن يكتفي في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام القيامة يلقى في النار فيدوم عذابه بعد ذلك، وأيضاً لا يمتنع يأن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية عن الدوام كقوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً  ﴾ أما قوله إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية، قلنا لم لا يجوز أن يقال إن عند حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب؟

والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ أدخلوا آل فرعون ﴾ أي يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم في أشد العذاب، والباقون أدخلوا على معنى أنه يقال لهؤلاء الكفار: أدخلوا أشد العذاب، والقراءة الأولى اختيار أبي عبيدة، واحتج عليها بقوله تعالى: ﴿ يُعْرَضُونَ ﴾ فهذا يفعل بهم فكذلك ﴿ أَدْخِلُواْ ﴾ وأما وجه القراءة الثانية فقوله: ﴿ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ ﴾ ، وهاهنا آخر الكلام في قصة مؤمن آل فرعون.

واعلم أن الكلام في تلك القصة لما انجر إلى شرح أحوال النار، لا جرم ذكر الله عقيبها قصة المناظرات التي تجري بين الرؤساء والأتباع من أهل النار فقال: ﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النار ﴾ والمعنى اذكر يا محمد لقومك إذ يتحاجون أي يحاجج بعضهم بعضاً، ثم شرح خصومتهم وذلك أن الضعفاء يقولون للرؤساء ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ﴾ في الدنيا، قال صاحب الكشاف تبعاً كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع أي أتباع أو وصفاً بالمصدر ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ النار ﴾ أي فهل تقدرون على أن تدفعوا أيها الرؤساء عنا نصيباً من العذاب، واعلم أن أولئك الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء وإيلام قلوبهم، لأنهم هم الذين سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات فعند هذا يقول الرؤساء ﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَا ﴾ يعني أن كلنا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي، ثم يقولون ﴿ إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد ﴾ يعني يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب، ثم عند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون إلى خزنة جهنم ويقولون لهم ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً مّنَ العذاب ﴾ فإن قيل لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها بل قال: ﴿ وَقَالَ الذين فِي النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ﴾ ؟

قلنا فيه وجهان الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع والثاني: أن يكون جهنم اسماً لموضع هو أبعد النار قعراً، من قولهم بئر جهنام أي بعيدة القعر، وفيها أعظم أقسام الكفار عقوبة وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذا عرف الكفار أن الأمر كذلك استغاثوا بهم، فأولئك الملائكة يقولون لهم ﴿ أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات ﴾ والمقصود أن قبل إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا إنه: ﴿ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ  ﴾ أما بعد مجيء الرسل فلم يبق عذر ولا علة كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً  ﴾ وهذه الآية تدل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع، ثم إن أولئك الملائكة يقولون للكفار ادعوا أنتم فإنا لا نجترئ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين أحدهما: كون المشفوع له مؤمناً والثاني: حصول الإذن في الشفاعة ولم يوجد واحد من هذين الشرطين فإقدامنا على هذه الشفاعة ممتنع لكن ادعوا أنتم، وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة، فإن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكفار، ثم يصرحون لهم بأنه لا أثر لدعائهم فيقولون ﴿ وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِي ضلال ﴾ فإن قيل إن الحاجة على الله محال، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: إنه تأذى من هؤلاء المجرمين بسبب جرمهم، وإذا كان التأذي محالاً عليه كانت شهوة الانتقام ممتنعة في حقه، إذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضار العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار لا منفعة فيه إلى الله تعالى ولا لأحد من العبيد، فهو إضرار خال عن جميع الجهات المنتفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يبقى على ذلك الإيلام أبد الآباد ودهر الداهرين، من غير أن يرحم حاجتهم ومن غير أن يسمع دعاءهم ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقصى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عبيده لدعاه كرمه ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيد في محل النفع والضرر والحاجة، فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟

قلنا أفعال الله لا تعلل و ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ  ﴾ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به، والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ﴾ شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم.

وقيل: نجا مع موسى ﴿ وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ ﴾ ما هموا به من تعذيب المسلمين، ورجع عليهم كيدهم ﴿ النار ﴾ بدل من سوء العذاب.

أو خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلاً قال: ما سوء العذاب؟

فقيل: هو النار.

أو مبتدأ خبره ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ وفي هذا الوجه تعظيم للنار وتهويل من عذابها، وعرضهم عليها: إحراقهم بها.

يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به، وقرئ: ﴿ النار ﴾ بالنصب، وهي تعضد الوجه الأخير.

وتقديره: يدخلون النار يعرضون عليها، ويجوز أن ينتصب على الاختصاص ﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم، فأمّا أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفس عنهم.

ويجوز أن يكون ﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ : عبارة عن الدوام، هذا ما دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قيل لهم: ﴿ أَدْخِلُواْ ﴾ يا ﴿ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ﴾ عذاب جهنم.

وقرئ: ﴿ أدخلوا آل فرعون ﴾ أي: يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم.

فإن قلت: قوله: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب) معناه: أنه رجع عليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين، كقول العرب: من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً، فإذا فسر سوء العذاب بنار جهنم: لم يكن مكرهم راجعاً عليهم، لأنهم لا يعذبون بجهنم.

قلت: يجوز أن يهم الإنسان بأن يغرق قوماً فيحرق بالنار، ويسمى ذلك حيقاً؛ لأنه همّ بسوء فأصابه ما يقع عليه اسم السوء.

ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه، ويجوز أن يهمّ فرعون- لما سمع إنذار المسلمين بالنار، وقول المؤمن: ﴿ وَأَنَّ المسرفين هُمْ أصحاب النار ﴾ [غافر: 43] - فيفعل نحو ما فعل نمرود ويعذبهم بالنار، فحاق به مثل ما أضمره وهمَّ بفعله.

ويستدلّ بهذه الآية على إثبات عذاب القبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ شَدائِدَ مَكْرِهِمْ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ﴾ بِفِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ فاسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ أوْلى بِذَلِكَ.

وقِيلَ: بِطِلْبَةِ المُؤْمِنِ مِن قَوْمِهِ فَإنَّهُ فَرَّ إلى جَبَلٍ فاتَّبَعَهُ طائِفَةٌ فَوَجَدُوهُ يُصَلِّي والوُحُوشُ حَوْلَهُ صُفُوفًا فَرَجَعُوا رُعْبًا فَقَتَلَهم.

﴿ سُوءُ العَذابِ ﴾ الغَرَقُ أوِ القَتْلُ أوِ النّارُ.

﴿ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوِ النّارُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ ويُعْرَضُونَ اسْتِئْنافٌ لِلْبَيانِ، أوْ بَدَلٌ ويُعْرَضُونَ حالٌ مِنها، أوْ مِنَ الآلِ وقُرِئَتْ مَنصُوبَةً عَلى الِاخْتِصاصِ أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ يُعْرَضُونَ مِثْلَ يُصْلَوْنَ، فَإنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ إحْراقُهم بِها مِن قَوْلِهِمْ: عُرِضَ الأُسارى عَلى السَّيْفِ إذا قُتِلُوا بِهِ، وذَلِكَ لِأرْواحِهِمْ كَما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طُيُورٍ سُودٍ تُعْرَضُ عَلى النّارِ بُكْرَةً وعَشِيًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذِكْرُ الوَقْتَيْنِ تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ والتَّأْبِيدَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى بَقاءِ النَّفْسِ وعَذابِ القَبْرِ.

﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ أيْ هَذا ما دامَتِ الدُّنْيا فَإذا قامَتِ السّاعَةُ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ يا آلَ فِرْعَوْنَ.

﴿ أشَدَّ العَذابِ ﴾ عَذابَ جَهَنَّمَ فَإنَّهُ أشَدُّ مِمّا كانُوا فِيهِ، أوْ أشَدَّ عَذابِ جَهَنَّمَ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ أدْخِلُوا عَلى أمْرِ المَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمُ النّارَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)

{فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ} شدائد مكرهم وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم وقيل إنه خرج من عندهم هارباً إلى جبل فبعث قريباً من ألف في طلبه فمنهم من أكلته السباع ومن رجع منهم صلبه فرعون {وَحَاقَ} ونزل {بِأَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العذاب}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتارَكَةً والتَّفْرِيعُ في ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ﴾ عَلى قَوْلِهِ الأخِيرِ: ﴿ ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ ﴾ ..

إلَخْ، وجَعَلَهُ مَن جَعَلَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ يا قَوْمِ ﴾ الثّانِي تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ الكَلامِ، وما في ﴿ ما مَكَرُوا ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ و( السَّيِّئاتُ ) الشَّدائِدُ أيْ فَوَقاهُ اللَّهُ تَعالى شَدائِدَ مَكْرِهِمْ ﴿ وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ أوْلى مِنهم بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آلُ فِرْعَوْنَ شامِلًا لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِأنْ يُرادَ بِهِمْ مُطْلَقُ كَفَرَةِ القِبْطِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا  ﴾ أنَّهُ شامِلٌ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا عَلى ما حَكى الأوْزاعِيُّ ولا أعْتَقِدُ صِحَّتَهُ ألْفَيْ ألْفٍ وسِتَّمِائَةِ ألْفٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا المُؤْمِنَ لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ قَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ فَهَرَبَ إلى جَبَلٍ فَبَعَثَ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ يُصَلِّي والسِّباعُ حَوْلَهُ فَلَمّا هَمُّوا لِيَأْخُذُوهُ ذَبَّتْ عَنْهُ فَأكَلَتْهم، ومِنهم مَن ماتَ في الجَبَلِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ، فالمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هَؤُلاءِ الألْفُ الَّذِينَ بَعَثَهم إلى قَتْلِهِ أيْ فَنَزَلَ بِهِمْ وأصابَهم ﴿ سُوءُ العَذابِ ﴾ الغَرَقُ عَلى الأوَّلِ وأكْلُ السِّباعِ والمَوْتُ عَطَشًا والقَتْلُ والصَّلْبُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والنّارُ عَلَيْهِما ولَعَلَّهُ الأوْلى، وإضافَةُ ( سُوءُ ) إلى ( اَلْعَذابِ ) لامِيَّةٌ أوْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً أي: قصراً مشيداً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ يعني: أصعد طرق السموات، فَأَطَّلِعَ أي: انظر إِلى إِلهِ مُوسى الذي يزعم أنه أرسله.

وقال مقاتل، والقتبي: أَسْبابَ السَّماواتِ أبوابها.

قرأ عاصم في رواية حفص: فَأَطَّلِعَ بنصب العين.

والباقون: بالضم.

فمن قرأ: بالنصب.

جعله جواباً للفعل.

ومن قرأ بالضم رده إلى قوله: أبلغ الأسباب، فأطلع.

وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً أي: لأحسب موسى كاذباً في قوله.

قال الله تعالى: وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ أي: قبح عمله، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ أي: الدين، والتوحيد.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم: وَصُدَّ بضم الصاد.

والباقون: بالنصب.

فمن قرأ: بالضم.

فمعناه: إن فرعون صرف عن طريق الهدى.

يعني: إن الشيطان زين له سوء عمله، وصرفه عن طريق الهدى.

ومن قرأ: بالنصب.

فمعناه: صرف فرعون الناس عن الدين.

وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ أي: ما صنع فرعون إلا في خسارة يوم القيامة، كقوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: 1] يعني: إن فرعون اختار متاعاً قليلاً، وترك الجنة الباقية، فكان عمله في الخسارة.

وَقالَ الَّذِي آمَنَ وهو حزبيل يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ يعني: أطيعوني حتى أرشدكم، وأبيّن لكم دين الصواب.

قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ أي: قليل، وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ لا زوال لها.

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها يعني: من عمل الشرك فلا يجزى إلا النار في الآخرة.

وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ يعني: من رجل، أو امرأة، فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ أي: بغير مقدار.

وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى قال: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً ولم يقل من ذَكَرٍ أَوْ أنثى.

وقال: وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى لأن العمل الصالح يَحْسُن من الرجل، والمرأة.

والسيئة من المرأة أقبح من الرجل.

فلم يذكر من ذَكَرٍ أَوْ أنثى.

وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ يعني: أن حزبيل قال لقومه: ما لي أدعوكم إلى التوحيد، والطاعة، وذلك سبب النجاة، والمغفرة، فلم تطيعوني، وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ يعني: إلى عمل أهل النار.

ثم بيّن عمل أهل النار فقال: تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ يعني: لأجحد بوحدانية الله، وَأُشْرِكَ بِهِ أي: أشرك بالله، مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ يعني: مَا لَيْسَ لِى بِهِ حجة بأن مع الله شريكاً، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ يعني: إلى دين العزيز الغفار الْعَزِيزِ في ملكه الْغَفَّارِ لمن تاب.

لاَ جَرَمَ أي: حقاً يقال لاَ جَرَمَ يعني: لا بد.

أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا أي: ليس له قدرة.

ويقال: ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا.

وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ أي: مصيرنا، ومرجعنا إلى الله يوم القيامة، وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ يعني: المشركين، هُمْ أَصْحابُ النَّارِ يعني: هم في النار أبداً.

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ يعني: ستعرفون إذا نزل بكم العذاب، وتعلمون أن ما أقول لكم من النصيحة أنه حق.

وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ يعني: أمر نفسي إلى الله، وأدع تدبيري إليه، إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ يعني: عالم بأعمالهم، وبثوابهم.

فأرادوا قتله، فهرب منهم، فبعث فرعون في طلبه، فلم يقدروا عليه، فذلك قوله: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ مَا مَكَرُوا يعني: دفع الله عنه شر ما أرادوا، وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ يعني: نزل بهم سُوءُ الْعَذابِ يعني: شدة العذاب، وهو الغرق.

النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها قال ابن عباس: يعني: تعرض أرواحهم على النار، غُدُوًّا وَعَشِيًّا هكذا قال قتادة، ومجاهد، وقال مقاتل: تعرض روح كل كافر على منازلهم من النار كل يوم مرتين.

وقال ابن مسعود: «أَرْوَاحُهُم في جوْف طَيْر سُودٍ يَرَوْنَ مَنَازِلهم غُدوة وَعَشِيَّةً» .

وقال هذيل بن شرحبيل: «أرواح الشهداء في جوف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش» .

وإن أرواح آل فرعون في جوف طير سود تغدو، وتروح، على النار فذلك عرضها.

والآية تدل على إثبات عذاب القبر، لأنه ذكر دخولهم النار يوم القيامة.

وذكر أنه تعرض عليهم النار قبل ذلك غدواً وعشياً.

ثم قال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعني: يقال لهم يوم القيامة: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ.

قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: أَدْخِلُوا بضم الألف، والخاء.

وهكذا قرأ عاصم في رواية أبي بكر.

والباقون: بنصب الألف، وكسر الخاء.

فمن قرأ أَدْخِلُواْ بالضم.

فمعناه: ادخلوا يا آل فرعون أَشَدَّ الْعَذابِ، فصار الآل نصباً بالنداء.

ومن قرأ أَدْخِلُوا بالنصب.

معناه: يقال للخزنة: أدخلوا آل فرعون.

يعني: قوم فرعون أَشَدَّ الْعَذابِ يعني: أسفل العذاب.

فصار الآل نصباً لوقوع الفعل عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قلت: وهو ظاهر ترتيب قَصَصِ القرآن أَنَّ عاداً أقدم، وَأَتْرَفْناهُمْ معناه نَعَّمْنَاهم، وبسطنا لهم الأموالَ والأَرْزَاقَ وقولهم: أَيَعِدُكُمْ استفهام على جهة الاستبعاد وأَنَّكُمْ:

الثانية بَدَلٌ من الأُولَى عند سيبويه، وقولهم: هَيْهاتَ هَيْهاتَ استبعادٌ، وهيهات أحياناً تلي الفاعل دونَ لام، تقول هيهاتَ مجيءُ زيد، أي: بعد ذلك، ومنه قول جرير:

[الطويل] :

فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ...

وَهَيْهَاتَ خِلٌّ بِالْعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ «١»

وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً، وذلك عند وجود اللام كهذه الآية، التقدير: بعد الوجود لما توعدون.

قال ص: ورد بأن فيه حذف الفاعل، وحذف المصدر وهو الوجود وذلك غير جائز عند البصريين، وذكر أبو البقاء: أنّ اللام زائدة و «ما» فاعل، أي: بعد ما توعدون.

قال أبو حيان «٢» : وهذا تفسير معنى لا إعراب لأَنَّهُ لم تَثبُتْ مصدرِيَّةُ «هيهات» ، انتهى.

وقولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أرادوا: أَنَّهُ لا وجود لنا غير هذا الوجود وإنّما نموت مِنَّا طائفة فتذهب، وتجيء طائفة جديدة، وهذا هو كفر الدّهريّة.

قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)

ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)

وقوله: قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ المعنى: قال الله لهذا النَّبِيِّ الدَّاعي: عَمَّا قليل يندمُ قومُك على كفرهم حين لا ينفعهم الندم، ومن ذكر الصَّيْحَة ذهب الطبريُّ «٣» إلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ ﴾ أيْ: مالَكُمْ، كَما تَقُولُ: ما لِي أراكَ حَزِينًا، مَعْناهُ: مالَكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أخْبَرُونِي كَيْفَ هَذِهِ الحالُ، أدْعُوكم ﴿ إلى النَّجاةِ ﴾ مِنَ النّارِ بِالإيمانِ، ﴿ وَتَدْعُونَنِي إلى النّارِ ﴾ أيْ: إلى الشِّرْكِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ؟!

ثُمَّ فَسَّرَ الدَّعْوَتَيْنِ بِما بَعْدَ هَذا.

وَمَعْنى ﴿ لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ أيْ: لا أعْلَمَ هَذا الَّذِي ادَّعَوْهُ شَرِيكًا لَهُ.

وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ما بَعْدَ هَذا [البَقَرَةِ: ١٢٩، طَه: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: مَرْجِعُنا؛ والمَعْنى: أنَّهُ يُجازِينا بِأعْمالِنا.

وفي المُسْرِفِينَ قَوْلانِ قَدْ ذَكَرْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ مُسْرِفٌ كَذّابٌ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وَأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "فَسَتُذَكَّرُونَ" بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِها وتَشْدِيدِ الكافِ وفَتْحِها؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما جَمِيعًا.

أيْ: إذا نَزَلَ العَذابُ بِكم ما أقُولُ لَكم في الدُّنْيا مِنَ النَّصِيحَةِ؟!

﴿ وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: أرُدُّهُ، وذَلِكَ أنَّهم تَواعَدُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم ﴿ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ أيْ: بِأوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ.

ثُمَّ خَرَجَ المُؤْمِنُ عَنْهُمْ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ونَجا مَعَ مُوسى لَمّا عَبَرَ البَحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ أيْ: ما أرادُوا بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ﴾ لَمّا لَجُّوا في البَحْرِ ﴿ سُوءُ العَذابِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الغَرَقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَيُقالُ: يا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ دارُكم.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَرِيمِ بْنِ أبِي عُمَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَلْخِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ، وسَألَهُ رَجُلٌ، فَقالَ: رَأيْنا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ فَتَأْخُذُ ناحِيَةَ الغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لا يَعْلَمُ عَدَدَها إلّا اللَّهُ، فَإذا كانَ العَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُها سُودًا، قالَ: وفَطِنْتُمْ إلى ذَلِكَ؟

قالَ: نَعَمَ، قالَ: إنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ في حَواصِلِها أرَواحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إلى وُكُورِها وقَدِ احْتَرَقَتْ رِياشُها وصارَتْ سَوْداءَ، فَيَنْبُتُ عَلَيْها مِنَ اللَّيْلِ رِياشٌ بِيضٌ، وتَتَناثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو ويُعْرَضُونَ عَلى النّارِ غُدُوًّا وعَشِيًّا، [ثُمَّ تَرْجِعُ إلى وُكُورِها]، فَذَلِكَ دَأْبُها في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ .

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « "إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدَهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن [أهْلِ] الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن [أهْلِ] النّارِ، يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ" .» وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى عَذابِ القَبْرِ، لِأنَّهُ بَيَّنَ ما لَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، [وَأبُو عَمْرٍو]، وأبُو بَكْرٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: "السّاعَةُ ادْخُلُوا" بِالضَّمِّ وضَمِّ الخاءِ عَلى مَعْنى الأمْرِ لَهم بِالدُّخُولِ، والِابْتِداءُ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ بِضَمِّ الألْفِ.

وقَرَأ الباقُونَ: بِالقَطْعِ مَعَ كَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ، وهَؤُلاءِ يَبْتَدِئُونَ بِفَتْحِ الألِفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النارِ ﴾ ﴿ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ ﴾ ﴿ لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النارِ ﴾ ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللهِ إنَّ اللهِ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ ﴿ فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ، هَلْ هَذِهِ المَقالَةُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أو لِمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.

والدُعاءُ إلى طاعَةِ اللهِ وعِبادَتِهِ وتَوْحِيدِهِ هو الدُعاءُ إلى سَبَبِ النَجاةِ، فَجَعَلَهُ دُعاءً إلى النَجاةِ اخْتِصارًا واقْتِضابًا، وكَذَلِكَ دُعاؤُهم إيّاهُ إلى الكُفْرِ واتِّباعِ دِينِهِمْ هو دُعاءٌ إلى سَبَبِ دُخُولِ النارِ، فَجَعَلَهُ دُعاءً إلى النارِ اخْتِصارًا، ثُمَّ بَيَّنَ عَلَيْهِمْ ما بَيْنَ الدَعْوَتَيْنِ مِنَ البَوْنِ في أنَّ الواحِدَةَ كُفْرٌ وشِرْكٌ، والأُخْرى دَعْوَةٌ إلى الإسْنادِ إلى عِزَّةِ اللهِ وغُفْرانِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ أنِّي جاهِلٌ بِهِ، بَلْ مَعْناهُ العِلْمُ بِأنَّ الأوثانَ وفِرْعَوْنَ وغَيْرَهُ لَيْسَ لَهم مُدْخَلٌ في الأُلُوهِيَّةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ البَشَرِ عِلْمٌ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَظَرِ بِأنَّ لَهم في الأُلُوهِيَّةِ مَدْخَلًا، بَلِ العِلْمُ اليَقِينُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن حُدُوثِهِمْ مُتَحَصِّلٌ.

و"لا جَرَمَ" مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ أنَّها "لا" النافِيَةُ دَخَلَتْ عَلى "جَرَمَ"، ومَعْناها: ثَبَتَ ووَجَبَ، ومِن ذَلِكَ جَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولِقَدْ طَعَنَتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا أيْ أوجَبَتْ لَهم ذَلِكَ وثَبَّتَتْهُ لَهُمْ، فَكَأنَّ الكَلامَ نَفْيٌ لِلْكَلامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِ بِـ"لا"، وإثْباتٌ لِلْمُسْتَأْنَفِ بِـ"جَرَمَ"، و[أنَّ] - عَلى هَذا النَظَرِ - في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ[جَرَمَ]، وَكَذَلِكَ [أنَّ] الثانِيَةُ والثالِثَةُ، ومَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ اللِسانِ أنَّ "لا جَرَمَ" بِمَعْنى "لابُدَّ" و"لا مَحالَةَ" فَـ"أنَّ" - عَلى هَذا النَظَرِ - في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: لا مَحالَةَ بِأنَّ ما، و[ما] بِمَعْنى "الَّذِي" واقِعَةٌ عَلى الأصْنامِ وما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُنْيا ﴾ أيْ قَدْرٌ وحَقٌّ يَجِبُ أنْ يُدْعى أحَدٌ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَدْعُونَنِي إلى ما لا غِناءَ لَهُ وبَيْنَ أيْدِينا خَطْبٌ جَلِيلٌ مِنَ الرَدِّ إلى اللهِ تَعالى.

وأهَّلُ الإسْرافِ والشِرْكِ: هم أصْحابُ النارِ بِالخُلُودِ فِيها والمُلازَمَةِ، أيْ: وكَيْفَ أُطِيعُكم مَعَ هَذِهِ الأُمُورِ الحَقائِقِ، وفي طاعَتِكم رَفَضُ العَمَلِ بِحَسَبِها والخَوْفُ مِنها؟

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: المُسْرِفُونَ سَفّاكُو الدِماءِ بِغَيْرِ حَلِّها، وقالَ قَتادَةُ: هُمُ المُشْرِكُونَ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنَّهم سَيَذْكُرُونَ قَوْلَهُ هَذا عِنْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ، وسَوْفَ بِالسِينِ إذِ الأمْرُ مُحْتَمَلٌ أنْ يَخْرُجَ الوَعِيدُ في الدُنْيا أو في الآخِرَةِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ورَوى اليَزِيدِيُّ وغَيْرُهُ عن أبِي عَمْرٍو فَتْحَ الياءِ مِن [أمْرِي]، والضَمِيرُ فِي: [فَوَقاهُ] يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أو عَلى مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وقالَ قائِلُوا ذَلِكَ: إنَّ ذَلِكَ المُؤْمِنَ نَجا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وفَرَّ في جُمْلَةِ مَن فَرَّ مَعَهُ، مِنَ المُتَّبَعِينَ.

وقَرَأ عاصِمٌ: "فَوَقاهُ" بِالإمالَةِ.

و"حاقَ" مَعْناهُ: نَزَلَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المَكْرُوهِ، وسُوءُ العَذابِ: الغَرَقُ وما بَعْدَهُ مِنَ النارِ وعَذابِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع ﴿ فَوَقاهُ الله ﴾ مؤذن بأنهم أضمروا مكراً به.

وتسميته مكراً مؤذن بأنهم لم يُشعروه به وأن الله تكفل بوقايته لأنه فوَّض أمره إليه.

والمعنى: فأنجاه الله، فيجوز أن يكون نجا مع موسى وبني إسرائيل فخرج معهم، ويجوز أن يكون فرّ من فرعون ولم يعثروا عليه.

و (ما) مصدرية.

والمعنى: سيئات مكْرهم.

وإضافة ﴿ سيئات ﴾ إلى (مكر) إضافة بيانية، وهي هنا في قوة إضافة الصفة إلى الموصوف لأن المكر سيّء.

وإنما جُمع السيئات باعتبار تعدد أنواع مكرهم التي بيّتوها.

وحَاق: أحاط.

والعذاب: الغَرَق.

والتعريف للعهد لأنه مشهور معلوم.

وتقدم له ذكر في السور النازلة قبل هذه السورة.

ومناسبة فعل {حَاق لذلك العذاب أنه مما يَحيق على الحقيقة، وإنما كان الغَرَق سوء عذاب لأن الغريق يعذب باحتباس النفَس مدة وهو يطفو على الماء ويغوص فيه ويُرعبه هول الأمواج وهو مُوقن بالهلاك ثم يكون عُرضة لأكْل الحيتان حيًّا وميِّتاً وذلك ألم في الحياة وخزي بعد الممات يُذكرون به بين الناس.

وقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عليها غُدُواً وعَشياً } يجوز أن يكون جملة وقعت بدلاً من جملة ﴿ وحاق بآل فرعون سوء العذاب ﴾ ، فيجعل ﴿ النَّار ﴾ مبتدأ ويجعل جملة ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ خبراً عنه ويكون مجموع الجملة من المبتدأ وخبره بدل اشتمال من جملة ﴿ وحَاقَ بِآللِ فِرعون سُوءُ العَذَّابِ ﴾ لأن سوء العذاب إذا أريد به الغرق كان مشتملاً على موتهم وموتُهم يشتمل على عرضهم على النار غدُوًّا وعشِيًّا، فالمذكور عَذَابَان: عذاب الدنيا وعذابُ الغرق وما يلحق به من عذاببٍ قبل عذاب يوم القيامة.

ويجوز أن يكون ﴿ النار ﴾ بدلاً مفرداً من ﴿ سُوءُ العَذَابِ ﴾ بدلاً مطابقاً وجملة ﴿ يُعْرَضُونَ عليها ﴾ حالاً من ﴿ النار ﴾ فيكون المذكور في الآية عذاباً واحداً ولم يذكر عَذاب الغرق.

وعلى كلا الوجهين فالمذكور في الآية عذاب قبل عذاب يوم القيامة فذلك هو المذكور بعده بقوله: ﴿ ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ادْخِلُوا ءالَ فِرْعَونَ أشَدَّ العَذَابِ ﴾ .

والعرض حقيقته: إظهار شيء لمن يراه لترغيب أو لتحذير وهو يتعدّى إلى الشيء المظْهَر بنفسه وإلى من يُظهَر لأجله بحرف (على)، وهذا يقتضي أن المعروض عليه لا يكون إلا من يَعقل ومنزّلاً منزلة من يعقل، وقد يقلب هذا الاستعمال لقصد المبالغة كقول العرب «عرضتُ الناقةَ على الحوض»، وحقه: عرضت الحوض على الناقة، وهو الاستعمال الذي في هذه الآية وقوله في سورة الأحقاف (20) ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا على النار ﴾ وقد عدَّ علماء المعاني القلب من أنواع تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ومثلوا له بقول العرب: عرضت الناقة على الحوض.

واختلفوا في عدّه من أفانين الكلام البليغ فعدّه منها أبو عبيدة والفارسي والسكاكي ولم يقبله الجمهور، وقال القزويني: إن تضمن اعتباراً لطيفاً قُبِل وإلاّ رُدّ.

وعندي أن الاستعمالين على مقتضى الظاهر وأن العَرض قد كثر في معنى الإمرار دون قصد الترغيب كما يقال: عُرض الجيش على أميره واستعرضه الأمير.

ولعلّ أصله مجاز ساوى الحقيقة فليس في الآيتين قلب ولا في قول العرب: عرضت الناقة على الحوض، قَلب، ويقال: عُرض بنو فلان على السيف، إذا قُتلوا به.

وخرج في «الكشف» آية الأحقاففِ على قولهم: عُرض على السيففِ.

ومعنى عرضهم على النار أن أرواحهم تُشاهِد المواضع التي أعدت لها في جهنم، وهو ما يبينه حديث عبد الله بن عُمر في «الصحيح» قال: قال رسول الله: " إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقْعَدُه بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثَك الله يوم القيامة " وقولُه: ﴿ غُدُوّاً وعَشِيّاً ﴾ كناية عن الدوام لأن الزمان لا يخلو عن هاذين الوقتين.

وقوله: ﴿ ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَة أدْخِلوا ءالَ فِرْعون أشدَّ العَذَابِ ﴾ هذا ذكر عذاب الآخرة الخالد، أي يُقال: أَدخلوا آل فرعون أشد العذاب، وعلم من عذاب آل فرعون أن فرعون داخل في ذلك العذاب بدلالة الفحوى.

وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر ويعقوب ﴿ أدخلوا ﴾ بهمزة قطع وكسر الخاء.

وقرأ الباقون بهمزة وصل وضم الخاء على معنى أن القول مُوجّه إلى آل فرعون وأن ﴿ ءَالَ فِرْعَونَ ﴾ منادى بحذف الحرف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا جَرَمَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: لا بُدَّ، قالَهُ المُفَضَّلُ.

الثّانِي: مَعْناهُ: لَقَدْ حَقَّ واسْتَحَقَّ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا جَوابًا كَقَوْلِ القائِلِ: فَعَلُوا كَذا، فَيَقُولُ المُجِيبُ: لا جَرَمَ أنَّهم سَيَنْدَمُونَ، قالَهُ الخَلِيلُ.

﴿ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ أيْ مِن عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.

﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يَسْتَجِيبُ لِأحَدٍ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَيْسَ لَهُ شَفاعَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ مَرْجِعَنا بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ لِيُجازِينا عَلى أفْعالِنا.

﴿ وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي المُشْرِكِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْنِي السَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وقالَ مُجاهِدٌ: سَمّى اللَّهُ القَتْلَ سَرَفًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، قالَهُ النَّقّاشُ.

﴿ وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ: وأُسَلِّمُ أمْرِي إلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ اللَّهَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِأعْمالِ العِبادِ.

الثّانِي: بِمَصِيرِ العِبادِ.

وَفي قائِلِ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ مُوسى.

الثّانِي: مِن قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَعَلى هَذا يَصِيرُ بِهَذا القَوْلِ مُظْهِرًا لِإيمانِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُوسى وقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا، فَعَلى هَذا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ نَجّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسى حَتّى عَبَرَ البَحْرَ وأغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ هو فِرْعَوْنُ وحْدَهُ ومِنهُ قَوْلُ أراكَةَ الثَّقَفِيِّ: لا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَوْتِ أحِبَّةٍ عَلِيٍّ وعَبّاسٍ وآلِ أبِي بَكْرٍ يُرِيدُ أبا بَكْرٍ.

الثّانِي: أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ هارِبًا إلى جَبَلٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَأرْسَلَ في طَلَبِهِ، فَجاءَ الرُّسُلُ وهو في صَلاتِهِ وقَدْ ذُبَّتْ عَنْهُ السِّباعُ والوُحُوشُ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ، فَعادُوا إلى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرُوهُ فَقَتَلَهم فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ ﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُهُ، وسُوءُ العَذابِ هو الغَرَقُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: رُسُلُهُ الَّذِينَ قَتَلَهم، وسُوءُ العَذابِ هو القَتْلُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ مَقاعِدُهم مِنَ النّارِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، فَيُقالُ: لِآلِ فِرْعَوْنَ هَذِهِ مَنازِلُكم، تَوْبِيخًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلى جَهَنَّمَ وتَرُوحُ فَذَلِكَ عَرْضُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم يُعَذَّبُونَ بِالنّارِ في قَبْرِهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، وهَذا لِآلِ فِرْعَوْنَ خُصُوصًا.

قالَ مُجاهِدٌ: ما كانَتِ الدُّنْيا.

﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ ﴾ وقِيامُها وُجُودُ صِفَتِها عَلى اسْتِقامَةٍ، ومِنهُ قِيامُ السُّوقِ وهو حُضُورُ أهْلِها عَلى اسْتِقامَةٍ في وقْتِ العادَةِ.

﴿ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ لِأنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ مُخْتَلِفٌ.

وَجَعَلَ الفَرّاءُ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وتَقْدِيرُهُ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ النّارَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا، وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنِ انْتِظامِ الكَلامِ عَلى سِياقِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة ﴾ قال: إلى الإِيمان!

وفي قوله: ﴿ لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ﴾ قال: الوثن ليس بشيء ﴿ وإن المسرفين ﴾ السفاكين الدماء بغير حقها ﴿ هم أصحاب النار ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ﴿ ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ﴾ قال: لا يضر ولا ينفع ﴿ وإن المسرفين هم أصحاب النار ﴾ قال: جميع أصحابنا ﴿ إن المسرفين هم أصحاب النار ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فوقاه الله سيئآت ما مكروا ﴾ قال: كان قبطياً من قوم فرعون، فنجا مع موسى وبني إسرائيل حين نجوا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ ﴾ دليل على أن من فوض أمره إلى الله عز وجل كان الله معه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب.

الباقون: بواو العطف.

﴿ يظهر ﴾ بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص.

الآخرون: بفتحهما ورفع الفساد ﴿ عذت ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل وهشام ﴿ التنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ قلب متكبر ﴾ بالتنوين فيهما على الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ذكوان.

الباقون: على الإضافة.

﴿ لعلي أبلغ الأسباب ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ فأطلع ﴾ بالنصب: حفص.

﴿ اتبعوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل وابن كثير ويعقوب وافق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو نشيط عن قالون في الوصل.

﴿ مالي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع ﴿ أمري إلى الله ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ تقوم ﴾ بتاء التأنيث: الرازي عن هشام ﴿ أدخلوا ﴾ من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية.

وانتصب ﴿ آل ﴾ و ﴿ أشدّ ﴾ على أنهما مفعول بهما.

وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب ﴿ آل ﴾ على النداء لا على أنه مفعول به.

الوقوف: ﴿ مبين ﴾ ه لا ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ نساءهم ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ رّبه ﴾ ج لاحتمال اللام ﴿ مؤمن ﴾ قف قد قيل: بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح أنه كان من القبط، ولو فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له ﴿ من ربكم ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الابتداء بالشرط ﴿ كذبه ﴾ ج للعطف والشرط ﴿ بعدكم ﴾ ط ﴿ كذاب ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ز لابتداء الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به ﴿ جاءنا ﴾ ط ﴿ الرشاد ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بعدهم ﴾ ط ﴿ للعباد ﴾ ه ﴿ التناد ﴾ ه ط لأجل البدل ﴿ مدبرين ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ من عاصم ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار من الله  وكونه من كلام المؤمن ﴿ من هاد ﴾ ه ﴿ جاءكم به ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ط ﴿ مرتاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل فإن "من" في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني أنهم ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ جبار ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه لا ﴿ كاذباً ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ تباب ﴾ ه ﴿ الرشاد ﴾ ج لأن النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول ﴿ متاع ﴾ ز للفصل بين تنافي الدارين مع اتفاق الجملتين ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ج لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر ﴿ الغفار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ه ج لاحتمال البدل والابتداء ﴿ وعشياً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف ﴿ الساعة ﴾ قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم أو للزبانية ﴿ لعذاب ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ه ﴿ من العذاب ﴾ ه ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ بلى ﴾ ط ﴿ فادعوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ﴿ ضلال ﴾ ه.

التفسير: لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي  وزيادة توبيخ وتذكير لهم.

وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا جرم أوردها ههنا مع فوائد زائدة على ما في المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه.

ولأن القصة قد تكررت مراراً فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ بالحق ﴾ أي بالمعجزات الظاهرة.

وقوله ﴿ اقتلوا ﴾ يريد به إعادة القتل كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ سنقتل أبناءهم  ﴾ قوله ﴿ إلا في ضلال ﴾ أي في ضياع واضمحلال.

فإن كان اللام في ﴿ الكافرين ﴾ للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم وإستيلاء موسى وقومه على ديارهم.

قوله ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوّة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون.

الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتله.

الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة.

قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب وجريرة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحسن بأن في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال ﴿ إني أخاف أن يبدّل ﴾ الآية.

ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن همّ بقتله أن يعاجل بالهلاك.

قال: وقوله ﴿ وليدع ربّه ﴾ شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه.

وقال غيره: هو على سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدّعي وجوده حتى يخلصه.

ومعنى تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في "الأعراف" في قوله ﴿ ويذرك وآلهتك  ﴾ والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أن يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعاً، أو أحد الأمرين على القراءتين.

ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله.

وفي تصدير الجملة بأن دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة والاستعاذة برب الأرض والسموات.

وفي قوله ﴿ بربي ﴾ إشارة إلى أن الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني.

وفي قوله ﴿ وربكم ﴾ احتراز عن أن يظن ظانّ أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ﴿ ألم نربك فينا وليدا  ﴾ وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن اجتماع النفوس له تأثير قوي.

وفي قوله ﴿ من كل متكبر ﴾ أي متكبر عن قبول الحق على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية.

والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه.

وأما وصف المتكبر بقوله ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب.

والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب.

ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع.

ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون.

والأصح أنه كان قبطياً ابن عم لفرعون آمن بموسى سراً واسمه سمعان أبو حبيب أو خربيل.

وقيل: كان إسرائيلياً.

وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله ﴿ اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ فما الوجه في تخصيصه؟

ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ وقوله ﴿ يا قوم ﴾ على رأس كل نصيحة يغلب على الظن أن يتنصح لقومه.

ومعنى ﴿ أن يقول ﴾ لأجل قوله أو وقت أن يقول كأنه قال منكراً عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ﴿ ربى الله ﴾ والدليل على حقيتها إظهار الخوارق والمعجزات.

وفي قوله ﴿ من ربكم ﴾ استدراج لهم إلى الاعتراف بالله.

ثم احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذباً أو صادقاً.

على الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب.

واعترض على الشق الأوّل بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله.

وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم قال ﴿ يصبكم بعض الذي يعدكم ﴾ ولم يقل "كل الذي"؟

والجواب عن الأوّل أنه إنما ردّد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور الشمس في ضحوة النهار؟

وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

وعن أبي عبيدة: أن البعض ههنا بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: ترّاك أمكنه إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط.

ثم أكد حقية أمر موسى بقوله ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ وقد هداه الله إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حدّ الاعتدال ولا بكذاب.

وقيل: إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على قاتل موسى كذاب في ادّعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ويزيل ملكه ويدفع شره، وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية مجاهداً في سبيل الله بلسانه.

ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوّفهم زوالها بقوله ﴿ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض ﴾ أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من بني إسرائيل والقبط ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله ﴾ من يخلصنا من عذابه ﴿ إن جاءنا ﴾ وذلك لشؤم تكذيب نبيه ﴿ قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ﴾ أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قبله ﴿ وما أهديكم ﴾ بهذا الرأي ﴿ إلا سبيل الرشاد ﴾ وصلاح الدين والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر.

قال جار الله: وقد كذب فقد كان مستشعراً للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد.

وحكى أبو الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه.

قوله ﴿ مثل دأب ﴾ قال جار الله صاحب الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر والتكذيب.

ثم قال: إنه عطف بيان للأوّل لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح.

ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أوّل المضافات.

قلت: لا بأس من جعله بدلاً كما مرّ.

وقوله ﴿ وما الله يريد ظلماً للعباد ﴾ أبلغ من قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي.

وفيه أن تدميرهم كان عدلاً وقسطاً.

وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم لكونهم ظالمين.

وحين خوّفهم عذاب الدنيا خوّفهم عذاب الآخرة أيضاً فقال ﴿ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ﴾ أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولاً به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم.

وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف.

ومنها أنه من قوله ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم  ﴾ ومنها أن بعض الظالمين ينادي بعضاً بالويل والثبور قائلين يا ويلنا.

ومنها أنهم ينادون إلى المحشر.

ومنها أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت كتابيه.

ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً على فرح، وأهل النار حزناً على حزن.

وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التنادّ مشدداً وأصله من ندّ إذا هرب نظيره ﴿ يوم يفر المرء من أخيه وأمه  ﴾ الخ.

ويؤيده قراءة ابن عباس مشدداً وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل.

وقوله بعد ذلك ﴿ يوم تولوّون مدبرين ﴾ أنهم إذا سمعوا زفير النار ندّوا هاربين فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفاً فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.

وقال قتادة: معنى تولون مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار.

ثم أكد التهديد بقوله ﴿ ما لكم من الله ﴾ الآية.

ثم ذكر مثالاً لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله.

وأيضاً كسفت الشمس فدعا يوسف فكشفها الله، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعدما مات يوسف.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم عشرين سنة قاله ابن عباس.

والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم رسولاً من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضاً وفيه بعد.

قال المفسرون في قوله ﴿ لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ ليس إشارة إلى أنهم صدّقوا يوسف لقوله ﴿ فما زلتم في شك ﴾ وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ﴾ قلت: هذا إنما يصح إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مرويّ كما قلنا اللهم إلا أن يقال: لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى.

وجوّز أن يكون ﴿ الذين يجادلون ﴾ مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر.

وجوّز آخرون أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة.

وفي قوله ﴿ وعند الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى قرنها إلى شهادة نفسه.

والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حدّ أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو باعتبار صاحبه.

ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة.

ثم أخبر الله  عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدّم ذكره في سورة القصص.

قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما مر في أوّل "ص" فـ ﴿ فليرتقوا في الأسباب  ﴾ فائدة بناء الكلام على الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع وغيره.

من قرأ ﴿ فأطلّع ﴾ بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع.

ومن قرأ بالنصب فعلى تشبيه الترجي بالتمني.

والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله ﴿ وما زادوهم غير تتبيب  ﴾ استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح.

والجواب أن بديهة فرعون لا حجة فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع.

وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجوداً في زمان موسى وفرعون وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجوداً في عصرهما لنقل لتوفرت الدواعي عن نقله.

والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولاً ووسطاً وآخراً.

ثم عاد  إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أوّلاً بقوله ﴿ اتبعون أهدكم ﴾ ثم استأنف مفصلاً قائلاً ﴿ إنما هذه الحياة الدنيا متاع ﴾ يتمتع به أياماً قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك ﴿ وإن الآخرة هي دار القرار ﴾ المنزل الذي يستقر فيه.

ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح.

ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئاً زائداً على سبيل التفضل غير مندرج تحت الحساب.

ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها وفسر هذه الجملة بقوله ﴿ تدعونني لأكفر بالله ﴾ الآية.

ليعلم أن الشرك بالله أعظم موجبات النار والتوحيد ضدّه.

وفي قوله ﴿ ما لي أدعوكم ﴾ من غير أن يقول "ما لكم" مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى دعائه سلوك لطريق الإنصاف.

ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره.

قوله ﴿ لا جرم ﴾ لا ردّ لكلامهم، وجرم بمعنى كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في "هود" و "النحل".

ومعنى ﴿ ليس له دعوة ﴾ أنه لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه.

ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء  ﴾ عن قتادة: المسرفين هم المشركون.

ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها.

وقيل: الذين غلب شرهم خيرهم.

وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حدّ الاعتدال كما بالدوام والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار ﴿ فستذكرون ﴾ أي في الدنيا عند حلول العذاب أو في الآخرة عند دخول النار ﴿ وأفوّض أمري إلى الله ﴾ قاله لأنهم توعدوه.

وفيه وفي قوله ﴿ فوقاه الله ﴾ دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه النصائح.

قال مقاتل: لما تمم هذه الكلماتقصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه.

قوله ﴿ وحاق بآل فرعون ﴾ معناه أنه رجع وبال مكرهم عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا ناراً.

ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل هذا السوء إليه، ولئن سلّم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد همّ بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود.

قوله ﴿ يعرضون عليها ﴾ أي يحرقون بها.

يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به.

وقوله ﴿ غدوّاً وعشياً ﴾ إما للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ﴿ ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً  ﴾ وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين.

وفي سائر الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن يعذبوا بنوع آخر من العذاب الله أعلم بحالهم.

وفي الآية دلالة ظاهرة على إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا لأن سماع الحق مرّ طعمه؟

قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل.

ولما انجز الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مراراً.

وفي قولهم ﴿ إن الله قد حكم بين العباد ﴾ أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى الإقناط الكليّ، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زماناً.

قال المفسرون: إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر الناس فكأن لخزنتها قرباً من الله وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب.

أما قول الخزنة لهم ﴿ فادعوا ﴾ ودعاء الكافر لا يسمع؛ فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمناً والشافع مأذوناً له فيها، والأمر إن ههنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم.

ثم أكدوا ذلك بقولهم ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي لا أثر له ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ * أَسْبَابَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ﴾ .

للمشبهة تعلق بظاهر هذه الآية يقولون: لولا أن موسى -  - كان ذكر وأخبر فرعون: أن الإله في السماء، وإلا لما أمر فرعون هامان أن يبني له ما يصعد به إلى السماء ويطلع إلى إله موسى على ما قال  خبراً عن اللعين.

لكنا نقول: لا حجة لهم؛ فإنه جائز أن يكون هذا من بعض التمويهات التي كانت منه على قومه في أمر موسى -  - ومن بعض مكائده التي كانت منه به؛ من نحو قوله: ﴿ سَاحِرٌ كَذَّابٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ ونحو ذلك من التمويهات التي كانت منه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱبْنِ لِي صَرْحاً...

﴾ و ﴿ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ﴾ تمويه منه على قومه بموسى؛ يقول: إن موسى يدعو إلى إله في السماء فهو نحو إله يكون في الأرض، يموه بذلك على الناس أمر موسى من غير أن كان من موسى ذكر، أو أخبر أن الله -  - في السماء على ما كان منه سائر التمويهات وإن لم يكن من موسى ذكر تلك التمويهات له، والله أعلم.

ويحتمل أن فرعون قال ذلك؛ لما رأى أن البركات والخيرات تنزل من السماء؛ فظن أنه في السماء.

ثم اختلف في الأسباب: قال بعضهم: أسباب السماوات: أبوابها.

ويحتمل أسباب السماوات: هي الطرق التي تصعد إلى السماء.

وحقيقة الأسباب: هي ما يوصل بها إلى الأشياء ويقصد إليها، وقد علم اللعين أنه لا يصل إلى ذلك بما ذكر من بناء الصرح، لكنه أراد بذلك ما ذكرنا من التمويهات والتلبيس على قومه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً ﴾ .

قال هاهنا: ﴿ لأَظُنُّهُ كَاذِباً ﴾ بعدما قطع القول فيه: إنه كاذب وإنه كذاب؛ ليعلم أنه على [حق] وأنه صادق، لكنه يموه بذلك على قومه.

وقوله: ﴿ وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: زين الشيطان عليه سوء عمله.

ويحتمل أن يقال: زين له سوء عمله بالأتباع وكثرة الأموال والحشم الذي أعطي له، زين له سوء عمله بالأسباب التي أعطيت له، فيكون الله  مزيناً له سوء عمله بإعطاء الأسباب.

ويحتمل زين له سوء عمله، أي: خلق في طبعه أن يرى ذلك حسنا مزيناً وإن كان قبيحاً في نفسه حقيقة على ما تقدم ذكره.

وقوله: ﴿ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

وقرئ: ﴿ صَد ﴾ بالفتح، فمن قرأ بالفتح فله معنيان: أحدهما: صد هو بنفسه صدوداً، والثاني: صد هو الناس عن سبيله صدّاً.

ومن قرأ ﴿ صُدَّ ﴾ بالضم، أي: لم يوفق، ولم يرشد؛ لما علم منه اختيار صده.

وقوله: ﴿ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ ﴾ .

أي: في خسار، التباب: الخسار، يقال في قوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ  ﴾ : أي: خسرت، ويقال: تبّاً له، أي: هلاكا له، وقيل: تبت يد الرجل، أي: خابت.

ثم أخبر عما ذكر ووعظ ذلك الرجل المؤمن من آله، وهو قوله  : ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُـمْ سَبِيـلَ ٱلرَّشَـادِ ﴾ .

أي: أبين لكم سبيل الرشاد، مرة خوفهم بما نزل بأوائلهم بتكذيب الرسل وترك اتباعهم، ومرة بَيَّنَ سفههم في أنفسهم بسوء صنيعهم، ومرة وعظهم ونصحهم ودعاهم إلى اتباعه ليبين لهم سبيل الرشاد ويهديهم إليه، وإن خاف على نفسه الهلاك بعدما أظهر الإيمان ولم يبال هلاك نفسه.

وقال الكسائي: الرشاد والرُّشْد والرَّشَد ثلاث لغات، ولا يقرأ هاهنا غير ﴿ ٱلرَّشَـادِ ﴾ .

ثم قال: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا مَتَاعٌ ﴾ .

أي: متاع ومنفعة يبلغ إلى منتهى آجالكم، يبلغ به العاصي والمطيع إلى أجله، يخبر أنها على الانقضاء والذهاب عن قريب، ويخبر أن دار الآخرة هي دار القرار، أي: تقر بأهلها: إن كان أهلها أهل خير قرت بهم خيرا أبداً لا يزول، وإن كان أهلها أهل شر يقر بهم الشر أبد الآبدين.

ثم أخبر عن عدل الله  في أعدائه وفضله في أوليائه حيث قال: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ .

أي: لا يجزى ولا يزيد لهم على مثل جنايتهم؛ لأن المثل هو العدل في جميع الأشياء، يخبر ألا يزيد على عقوبة عملهم، ولكن يجزيهم بمثله، وأما جزاء الحسنة فإنه يزيد لهم على قدر ما يستوجبون؛ فضلا منه وإحساناً.

ثم فيه دلالة نقض قول المعتزلة: إن صاحب الكبيرة في النار أبداً؛ لو كان على ما ذكروا كان في ذلك تسوية بين صاحب الكبيرة وبين صاحب الشرك؛ فإما أن يكون نقصاناً لصاحب الشرك عن مثل عقوبته أو زيادة لصاحب الكبيرة، وقد أخبر أنه لا يجزى إلا مثلها فذلك خلاف ظاهر الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

دل هذا على أن العمل الصالح لا ينفع ولا يجزي إلا من كان منه الإيمان به.

وقوله: ﴿ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

يحتمل بلا تبعة: ويحتمل بغير تقدير وعدّ، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِيۤ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ .

كأنه قال: يا قومِ، ما لي أدعوكم إلى ما به نجاتكم وأنصح لكم، وتدعونني أنتم إلى [ما] به هلاكي، فمتى يكون بيننا موالاة واجتماع؟!

أي: لا يكون، إنما يذكر هذا وأمثاله في المواعظ [إذا] انتهت غايتها وبلغت نهايتها، فلما تنجع فيهم؛ وهو كقوله  : ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ...

﴾ الآية [يونس: 41].

ثم فسر ما يدعون إليه وما يدعوهم إليه من النجاة حيث قال: ﴿ تَدْعُونَنِي لأَكْـفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّارِ ﴾ .

هذا منه تفسير ما دعاهم إلى النجاة وبيان ما يدعونه إلى الهلاك.

ثم قوله: ﴿ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ قد يستعمل قوله: ﴿ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ في نفي العلم، أي: ليس ذلك، وذلك في إثبات العلم بخلافه وضده؛ يقول: وأشرك به ما ليس لي به علم ولا كان من الشريك وغيره، أو يقول: تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لكم به علم، والله أعلم.

ثم بين عجز ما يعبدون من الأصنام وغيرها، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ .

﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ ، أي: حقّاً؛ يقول - والله أعلم -: بحق أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة، أي: لم تدعكم إلى عبادة نفسها، أي: الأصنام التي عبدوها، والأول أشبه؛ لأنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام؛ رجاء أن تشفع لهم، فأخبر أنها لا تشفع بقوله: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ ، أي: شفاعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: إن مرجعنا إلى ما أعد الله لنا، أعد لكم النار، وأعد لي الجنة، ﴿ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ ﴾ والمقتصدين من أصحاب الجنة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُـمْ ﴾ .

أي: ستذكرون إذا عاينتم ما أعدّ لكم وأعد لنا: أن ما كنتم عليه ودعوتموني إليه دعاءٌ إلى الهلاك، وما دعوتكم إليه هو دعاءٌ إلى الجنة.

أو يقول: ستذكرون ما نصحت بدعائي إياكم إلى ما به نجاتكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، هذا يخرج على وجوه: أحدها: كأنهم خوفوه وأوعدوه بأنواع الوعيد والتخويف، فقال عند ذلك: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، وأتوكل عليه، فيحفظني ويدفع عني شركم وما تقصدون بي، والله أعلم.

والثاني: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: عليه أتوكل، وأَكِلُ في جميع الأمور من الخيرات والشرور، وهو الكافي لذلك.

والثالث: إظهار الحاجة إليه، والمؤمن أبدا يكون مظهراً للحاجة إلى الله -  - في كل وقت وكل ساعة، والله أعلم.

والرابع: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: لا أشتغل بشيء في أمري أصيره إلى الله،  .

وعلى قول المعتزلة لا يصح تفويض الأمر إلى الله  ؛ لأنهم يقولون: إن عليه أن يعطيه جميع ما يحتاج إليه المكلف حتى لا يبقى عنده مزيد، وإذا لم يبق عنده شيء، فليس لتفويض الأمر إليه معنى، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ ﴾ .

دل هذا على أنهم قد قصدوا قصد المكر به؛ حيث أخبر أنه وقاه سيئات ما مكروا، فجائز أن هموا به قتله، ويحتمل غيره.

ثم يحتمل ما وقاه عن مكرهم بما وقى موسى -  - لما أهلكهم وأنجاه من شرهم.

ويحتمل توجيه آخر لا نفسره؛ لأنا لا نحتاج إليه، وإنما حاجاتنا إلى أن نعلم أنه كان بذل نفسه لله  وحفظه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

استدل بعض الناس على عذاب القبر بقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ وإنما يعرض أرواحهم على النار فتألمت أجسادهم في القبور لذلك، وكذلك يعرض أرواح أهل الجنة فيتلذذ أجسادهم بتلذذ الأرواح بعد أن أحدث فيها الحياة التي تحقق الألم واللذة هذا في القبور، ثم إذا دخلوا النار يكون لهم ما ذكر من العذاب، حيث قال: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، والله أعلم.

وجائز أن يكون ما ذكر من العرض على النار قبل القيامة قبل أن يدخلوا النار؛ كقوله -  -: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ  مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ  وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ  مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ  ﴾ يكون عرضهم على النار هو وقت وقفهم للسؤال وحبسهم لذلك، ثم يدخلون النار؛ فيكون لهم العذاب الذي ذكر؛ وهو قول الحسن.

ثم قوله: ﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ .

يحتمل قدر غدو وقدر عشي، فإن كان التأويل في عذاب القبر يحتمل ما قال بعضهم: أن يقال لهم: هذا لكم ما دامت الدنيا.

ويحتمل أنه ذكر على إرادة الغدو والعشي حقيقة ذلك كل وقت، لكن يتجدد التألم والوجع بكل قدر عشي وغدو، والله أعلم.

وذكر عن ابن مسعود -  - أنها جعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كل يوم مرتين ﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾ إلى أن تقوم الساعة.

فهو تفسير لما ذكر من الغدو والعشي، ثم إن ثبت هذا عنه فهو سماع عن رسول الله  ؛ لأنه باب لا يدرك بالتدبير مع ما روي عن ابن عمر -  ما - قال: إن نبي الله  قال: "إذا مات أحدكم عرض على مقعده بالغداة والعشي: إن كان من أهل الجنة فمن الجنة، وإن كان من أهل النار فمن النار، يقال له: ها ذاك مقعدك حتى يبعث إليه يوم القيامة" فإن ثبت هذا وصح عنه، فهو دليل لوجوب عذاب القبر، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله:، أي: يعذبون في الأوقات كلها بعد إدخالهم فيها، وذكر الغدو والعشي يخرج على سكون النار في أوقات ثم تلتهب؛ كقوله  : ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً  ﴾ ، والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة فيما ذكر من إدخال آل فرعون في أشد العذاب، والخصوصية لهم في ذلك من بين غيرهم من الكفرة؟

قيل لوجهين: أحدهما: أن غير موسى من الرسل - عليهم السلام - قد نسبوا إلى السحر كما نسب إليه موسى، لكن لم يتبين ولا تحقق لقومهم براءة رسلهم فيما قرفهم الرؤساء والقادة منهم بالسحر والكذب بما وجد منهم التمويه على السفلة والأتباع، وقد تحقق لآل فرعون براءة موسى مما قرفه بالسحر والكذب، وتبين عندهم صدق ما ادعى من الرسالة، وذلك مما أقر جميع سحرة فرعون أن ما جاء به موسى حق وما يقوله صدق، وإيمانهم بموسى -  - نهارا جهارا، واختاروا القطع والصلب، ولم يمتنعوا عن متابعته، وما رأوا من انقلاب العصا حية تسعى وتلقف ما صنعوا؛ فيكون عنادهم أشد ومكابرتهم أكبر؛ فلذلك استحقوا أشد العذاب، والله أعلم.

والثاني: أن آيات موسى أكثرها كانت حسية وآيات غيره عقلية، ومعرفة ما كان سبيله الحس مما لا يتمكن فيه شبهة؛ وقد يتمكن الشبهة فيما كان سبيله العقل، فيكون عنادهم أشد.

وبعد، فإنهم قد اتبعوا فرعون بما ادعى لنفسه من الألوهية بلا حجة وبرهان طلبوا منه، وتركوا اتباع موسى -  - بما ادعى من الرسالة بعدما أقام على ذلك من البينات والحجج والبراهين؛ فلذلك قال: "جعلت أرواح آل فرعون في أجواف طير سود يعرضون على النار كل يوم مرتين، يقال: يا آل فرعون، هذه داركم" ، قال عبد الله: فذلك عرضها، فإن ثبت هذا عن ابن مسعود -  - كان لهم أشد العذاب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فحفظه الله من سوء مكرهم حين أرادوا قتله، وأحاط بآل فرعون عذاب الغرق، فقد أغرقه الله هو وجنوده كلهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.aEzal"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.3 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله