الآية ٦٠ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٦٠ من سورة غافر

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٠ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٠ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثني أبو مليح المدني - شيخ من أهل المدينة - سمعه عن أبي صالح ، وقال مرة : سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من لم يدع الله ، عز وجل ، غضب عليه " .

تفرد به أحمد ، وهذا إسناد لا بأس به .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا مروان الفزاري ، حدثنا صبيح أبو المليح : سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من لا يسأله يغضب عليه " .

قال ابن معين : أبو المليح هذا اسمه : صبيح .

كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد .

وأما أبو صالح هذا فهو الخوزي ، سكن شعب الخوز .

قاله البزار في مسنده .

وكذا وقع في روايته أبو المليح الفارسي ، عن أبي صالح الخوزي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من لا يسأل الله يغضب عليه " .

وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي : حدثنا همام ، حدثنا إبراهيم بن الحسن ، حدثنا نائل بن نجيح ، حدثني عائذ بن حبيب ، عن محمد بن سعيد قال : لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري ، وجدنا في ذؤابة سيفه كتابا : " بسم الله الرحمن الرحيم ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن لربكم في بقية دهركم نفحات ، فتعرضوا له ، لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدا " .

وقوله : ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي ) أي : عن دعائي وتوحيدي ، ( سيدخلون جهنم داخرين ) أي : صاغرين حقيرين ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن عجلان ، حدثني عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر ، في صور الناس ، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم - يقال له : بولس - تعلوهم نار الأنيار ، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس : سمعت أبي يحدث عن وهيب بن الورد : حدثني رجل قال : كنت أسير ذات يوم في أرض الروم ، فسمعت هاتفا من فوق رأس جبل وهو يقول : يا رب ، عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحدا غيرك !

يا رب ، عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك - قال : ثم ذهبت ، ثم جاءت الطامة الكبرى - قال : ثم عاد الثانية فقال : يا رب ، عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك .

قال وهيب : وهذه الطامة الكبرى .

قال : فناديته : أجني أنت أم إنسي ؟

قال : بل إنسي ، اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول تعالى ذكره: ويقول ربكم أيها الناس لكم ادعوني: يقول: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك ( أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول: أُجِبْ دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول: وحَّدوني أغفر لكم.

حدثنا عمرو بن عليّ, قال: ثنا عبد الله بن داود, عن الأعمش, عن زرّ, عن يسيع الحضرمي, عن النعمان بن بشير, قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ" وقرأ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) .

حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, والأعمش عن زرّ, عن يسيع الحضرمي, عن النعمان بن بشير, قال: سمعت النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول: " الدُّعاءُ هُوَ العبادَةُ,( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ...

الآية.

حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن منصور, عن زرّ, عن يسيع قال أبو موسى: هكذا قال غندر, عن سعيد, عن منصور, عن زرّ, عن يسيع, عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ"( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) .

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: ثنا شعبة, عن منصور, عن زر, عن يسيع عن النعمان بن بشير, عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بمثله.

حدثنا الحسن بن عرفة, قال: ثنا يوسف بن العرف الباهلي, عن الحسن بن أبي جعفر, عن محمد بن جحادة, عن يسيع الحضرمي, عن النعمان بن بشير, قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إنَّ عِبَادَتي دُعائي" ثُم تلا هذه الآية: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) قال: " عَنْ دُعائي".

حدثنا عليّ بن سهل, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا عمارة, عن ثابت, قال: قلت لأنس: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟

قال: لا بل هو العبادة كلها.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قال: أخبرنا منصور, عن زر, عن يسيع الحضرمي, عن النعمان بن بشير, قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ, ثم قرأ هذه الآية ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي )".

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هاشم بن القاسم, عن الأشجعي, قال: قيل لسفيان: ادع الله, قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء.

وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) يقول: إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة, وإفراد الألوهة لي ( سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) بمعنى: صاغرين.

وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الدخر بما أغني عن إعادته في هذا الموضع.

وقد قيل: إن معنى قوله ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) : إن الذين يستكبرون عن دعائي.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) قال: عن دعائي.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( دَاخِرِينَ ) قال: صاغرين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم الآية .

روى النعمان بن بشير قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : الدعاء هو العبادة ثم قرأ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة .

وكذا قال أكثر المفسرين وأن المعنى : وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم .

وقيل : هو الذكر والدعاء والسؤال .

قال أنس : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ويقال الدعاء : هو ترك الذنوب .

وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا نبي : كان إذا أرسل نبي قيل له : أنت شاهد على أمتك ، وقال تعالى لهذه الأمة : لتكونوا شهداء على الناس وكان يقال للنبي : ليس عليك في الدين من حرج ، وقال لهذه الأمة : وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان يقال للنبي : ادعني أستجب لك ، وقال لهذه الأمة : ادعوني أستجب لكم .قلت : مثل هذا لا يقال من جهة الرأي .

وقد جاء مرفوعا ، رواه ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا للأنبياء ، كان الله تعالى إذا بعث النبي قال : ادعني أستجب لك ، وقال لهذه الأمة : ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال : ما جعل عليك في الدين من حرج ، وقال لهذه [ ص: 293 ] الأمة : وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه ، وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول .

وكان خالد الربعي يقول : عجيب لهذه الأمة ، قيل لها : ادعوني أستجب لكم أمرهم بالدعاء ووعدهم الاستجابة ، وليس بينهما شرط .

قال له قائل : مثل ماذا ؟

قال : مثل قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهاهنا شرط ، وقوله : وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق فليس فيه شرط العمل ، ومثل قوله : فادعوا الله مخلصين له الدين فهاهنا شرط ، وقوله تعالى : ادعوني أستجب لكم ليس فيه شرط .

وكانت الأمة تفزع إلى أنبيائها في حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك .

وقد قيل : إن هذا من باب المطلق والمقيد على ما تقدم في [ البقرة ] بيانه .

أي : أستجب لكم إن شئت ، كقوله : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء .

وقد تكون الاستجابة في غير عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدم في [ البقرة ] بيانه فتأمله هناك .

وقرأ ابن كثير وابن محيصن ورويس عن يعقوب وعياش عن أبي عمرو وأبو بكر والمفضل عن عاصم " سيدخلون " بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله .

الباقون " يدخلون " بفتح الياء وضم الخاء .

ومعنى داخرين صاغرين أذلاء ، وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا من لطفه بعباده، ونعمته العظيمة، حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه، دعاء العبادة، ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب لهم، وتوعد من استكبر عنها فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } أي: ذليلين حقيرين، يجتمع عليهم العذاب والإهانة، جزاء على استكبارهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) أي : اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم ، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإنابة استجابة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان ، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان عن منصور عن أبي ذر عن يسيع الكندي عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : " إن الدعاء هو العبادة " ثم قرأ : " ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " .

أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن علي الدورقي ، حدثنا أبو الحسن علي بن يوسف الشيرازي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى القرشي ببغداد ، حدثنا محمد بن عبيد بن العلاء ، حدثنا أحمد بن بديل ، حدثنا وكيع ، حدثنا أبو المليح قال : سمعت أبا صالح يذكر عن أبي هريرة قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من لم يدع الله غضب الله عليه " .

وقيل : الدعاء هو الذكر والسؤال ، ( إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأبو بكر : " سيدخلون " بضم الياء وفتح الخاء ، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء ، " داخرين " صاغرين ذليلين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال ربكم ادعوني أستجب لكم» أي اعبدوني أثبكم بقرينة ما بعده «إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون» بفتح الياء وضم الخاء وبالعكس «جهنم داخرين» صاغرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال ربكم- أيها العباد-: ادعوني وحدي وخصُّوني بالعبادة أستجب لكم، إن الذين يتكبرون عن إفرادي بالعبودية والألوهية، سيدخلون جهنم صاغرين حقيرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - عباده المؤمنين أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء فقال : ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ .

.

.

) .أى : وقال ربكم - أيها المؤمنون - تضرعوا إلى بالدعاء ، وتقربوا إلى بالطاعات ، أستجب لكم ، ولا أخيب لكم رجاء .ولا تنافى بين تفسير الدعاء هنا بالسؤال والتضرع إلى الله - تعالى - ، وبين تفسيره بالعبادة ، لأن الدعاء هو لون من العبادة ، بل هو مخها كما جاء فى الحديث الشريف .والإِنسان الذى التزم فى دعائه الآداب والشروط المطلوبة ، كان دعاؤه جديرا بالإِجابة ، فقد حكى لنا القرآن الكريم فى آيات كثيرة ، أن الأنبياء والصالحين ، عندما دعوا الله - تعالى - أجاب لهم دعاءهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - ( وَنُوحاً إِذْ نادى مِن قَبْلُ فاستجبنا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم )ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يتكبرون عن طاعة الله وعن دعائه فقال : ( إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) أى : إن الذين يستكبرون عن طاعتى ، وعن التقرب إلى بما يرضينى ، سيدخلون يوم القيامة نار جهنم حالة كونهم أذلاء صاغرين .فقوله : ( دَاخِرِينَ ) من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع يقال : دخر فلان يدخر دخورا إذا ذل وهان .هذا ، وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التى تتصل بموضوع الدعاء فارجع إليه إن شئت .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن القوم بالقيامة حق وصدق، وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى، لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع، لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ واختلف الناس في المراد بقوله: ﴿ ادعونى ﴾ فقيل إنه الأمر بالدعاء، وقيل إنه الأمر بالعبادة، بدليل أنه قال بعده ﴿ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى ﴾ ولولا أن الأمر بالدعاء أمر بمطلق العبادة لما بقي لقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى ﴾ معنى، وأيضاً الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا  ﴾ وأجيب عنه بأن الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة، فكأنه قيل إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية وأجيب عن قوله إن الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، بأن ترك الظاهرة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل، فإن قيل كيف قال: ﴿ ادعونى استجب لَكُمْ ﴾ وقد يدعى كثيراً فلا يستجاب أجاب الكعبي عنه بأن قال: الدعاء إنما يصح على شرط، ومن دعا كذلك استجيب له، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة، ثم سأل نفسه فقال: فما هو أصلح يفعله بلا دعاء، فما الفائدة في الدعاءا وأجاب: عنه من وجهين: الأول: أن فيه الفزع والانقطاع إلى الله والثاني: أن هذا أيضاً وارد على الكل، لأنه إن علم أنه يفعله فلابد وأن يفعله، فلا فائدة في الدعاء، وإن علم أنه لا يفعله فإنه ألبتة لا يفعله، فلا فائدة في الدعاء، وكل ما يقولونه هاهنا فهو جوابنا، هذا تمام ما ذكره، وعندي فيه وجه آخر وهو أنه قال: ﴿ ادعونى استجب لَكُمْ ﴾ فكل من دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأقاربه وأصدقائه وجده واجتهاده، فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان، أما بالقلب فإنه معول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله، فهذا الإنسان ما دعا ربه في وقت، أما إذا دعا في وقت لا يبقى في القلب التفات إلى غير الله، فالظاهر أنه تحصل الاستجابة، إذا عرفت هذا ففيه بشارة كاملة، وهي أن انقطاع القلب بالكلية عما سوى الله لا يحصل إلا عند القرب من الموت، فإن الإنسان قاطع في ذلك الوقت بأنه لا ينفعه شيء سوى فضل الله تعالى، فعلى القانون الذي ذكرناه وجب أن يكون الدعاء في ذلك الوقت مقبولاً عند الله، ونرجو من فضل الله وإحسانه أن يوفقنا للدعاء المقرون بالإخلاص والتضرع في ذلك الوقت، واعلم أن الكلام المستقصى في الدعاء قد سبق ذكره في سورة البقرة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين ﴾ أي صاغرين وهذا إحسان عظيم من الله تعالى حيث ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء، فإن قيل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حكاية عن رب العزة أنه قال: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» فهذا الخبر يقتضي أن ترك الدعاء أفضل، هذه الآية تدل على أن ترك الدعاء يوجب الوعيد الشديد، فكيف الجمع بينهما؟

قلنا لا شك أن العقل اذا كان مستغرقاً في الثناء كان ذلك أفضل من الدعاء، لأن الدعاء طلب للحظ والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من طلب الحظ، أما إذا لم يحصل ذلك الاستغراق كان الاشتغال بالدعاء أولى، لأن الدعاء يشتمل على معرفة عزة الربوبية وذلة العبودية، ثم قال تعالى: ﴿ الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ واعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين: الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك لهذه النعم الجليلة العظيمة، ومن أنعم قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال والثاني: أنه تعالى لما أمر بالدعاء، فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لابد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة، فما الدليل على وجود الإله القادر، وقد ذكر الله تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، واعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته، إما فلكية، وإما عنصرية، أما الفلكيات فأقسام كثيرة أحدها: تعاقب الليل والنهار، و(لما) كان أكثر مصالح العالم مربوطاً بهما فذكرهما الله تعالى في هذا المقام، وبيّن أن الحكمة في خلق الليل حصول الراحة بسبب النوم والسكون، والحكمة في خلق النهار، إبصار الأشياء ليحصل مكنة التصرف فيها على الوجه الأنفع، أما أن السكون في وقت النوم سبب للراحة فبيانه من وجهين: الأول: أن الحركات توجب الإعياء من حيث إن الحركة توجب السخونة والجفاف، وذلك يوجب التألم والثاني: أن الإحساس بالأشياء إنما يمكن بإيصال الأرواح الجسمانية إلى ظاهر الحس، ثم إن تلك الأرواح تتحلل بسبب كثرة الحركات فتضعف الحواس والإحساسات، وإذا نام الإنسان عادت الأرواح الحساسة في باطن البدن وركزت وقويت وتخلصت عن الإعياء، وأيضاً الليل بارد رطب فبرودته ورطوبته يتداركان ما حصل في النهار من الحر والجفاف بسبب ما حدث من كثرة الحركات، فهذه هي المنافع المعلومة من قوله تعالى: ﴿ الله الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ وأما قوله: ﴿ والنهار مُبْصِراً ﴾ فاعلم أن الإنسان مدني بالطبع، ومعناه أنه ما لم يحصل مدينة تامة لم تنتظم مهمات الإنسان في مأكوله ومشروبه وملبسه ومنكحه، وتلك المهمات لا تحصل إلا بأعمال كثيرة، وتلك الأعمال تصرفات في أمور، وهذه التصرفات لا تكمل إلا بالضوء والنور حتى يميز الإنسان بسبب ذلك النور بين ما يوافقه وبين ما لا يوافقه، فهذا هو الحكمة في قوله: ﴿ والنهار مُبْصِراً ﴾ فإن قيل كان الواجب بحسب رعاية النظم أن يقال هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه، أو فجعل لكم الليل ساكناً ولكنه لم يقل كذلك بل قال في الليل لتسكنوا فيه، وقال في النهار مبصراً فما الفائدة فيه؟

وأيضاً فما الحكمة في تقديم ذكر الليل على ذكر النهار مع أن النهار أشرف من الليل؟

قلنا: أما الجواب عن الأول: فهو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات، أما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات، وقد بيّن الشيخ عبد القاهر النحوي في دلائل الإعجاز أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليهما، فهذا هو السبب في هذا الفرق، والله أعلم، وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود، ولهذا السبب قال في أول سورة الأنعام: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما ذكر ما في الليل والنهار من المصالح والحكم البالغة قال: ﴿ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ والمراد أن فضل الله على الخلق كثير جداً ولكنهم لا يشكرونه، واعلم أن ترك الشكر لوجوه: أحدها: أن يعتقد الرجل أن هذه النعم ليست من الله تعالى مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها وواجبة الدوران لذواتها، فحينئذٍ هذا الرجل لا يعتقد أن هذه النعم من الله.

وثانيها أن الرجل وإن اعتقد أن كل العالم حصل بتخليق الله وتكونيه إلا أن هذه النعم العظيمة، أعني نعمة تعاقب الليل والنهار لما دامت واستمرت نسيها الإنسان، فإذا ابتلي الإنسان بفقدان شيء منها عرف قدرها مثل أن يتفق لبعض الناس والعياذ بالله أن يحبسه بعض الظلمة في آبار عميقة مظلمة مدة مديدة، فحينئذٍ يعرف ذلك الإنسان قدر نعمة الهواء الصافي وقدر نعمة الضوء، ورأيت بعض الملوك كان يعذب بعض خدمه بأن أمر أقواماً حتى يمنعونه عن الاستناد إلى الجدار، وعن النوم فعظم وقع هذا التعذيب.

وثالثها: أن الرجل وإن كان عارفاً بمواقع هذه النعم إلا أنه يكون حريصاً على الدنيا محباً للمال والجاه، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كفران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق هالكين في أحد هذه الأودية الثلاثة التي ذكرناها، لا جرم قال تعالى: ﴿ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور  ﴾ وقول إبليس ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين  ﴾ ولما بيّن الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر الرحيم الحكيم قال: ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خالق كُلّ شَيء لاَّ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ قال صاحب الكشاف ذلكم المعلوم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثاني له ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ والمراد فأنى تصرفون ولم تعدلون عن هذه الدلائل وتكذبون بها، ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بئايات الله يَجْحَدُونَ ﴾ يعني أن كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يكن فيه همة لطلب الحق وخوف العاقبة أفك كما أفكوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ادعونى ﴾ اعبدوني، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى ﴾ والاستجابة: الإثابة؛ وفي تفسير مجاهد: اعبدوني أثبكم.

وعن الحسن- وقد سئل عنها-: اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.

وعن الثوري أنه قيل له: ادع الله، فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء.

وفي الحديث: «إذا شغل عبدي طاعتي عن الدعاء، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» وروى النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» وقرأ هذه الآية.

ويجوز أن يريد الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويريد بعبادتي: دعائي، لأن الدعاء باب من العبادة ومن أفضل أبوابها، يصدقه قول ابن عباس رضي الله عنهما: أفضل العبادة الدعاء.

وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلاّ نبياً مرسلاً: كان يقول لكل نبيّ أنت شاهدي على خلقي وقال لهذه الأمة: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ [البقرة: 143] ؛ وكان يقول: ما عليك من حرج، وقال لنا: ﴿ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ ﴾ [المائدة: 6] وكان يقول: أدعني أستجب لك؛ وقال لنا: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ .

وعن ابن عباس: وحدوني أغفر لكم، وهذا تفسير للدعاء بالعبادة، ثم للعبادة بالتوحيد ﴿ داخرين ﴾ صاغرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ﴾ في مَجِيئِها لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى جَوازِها وإجْماعِ الرُّسُلِ عَلى الوَعْدِ بِوُقُوعِها.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لا يُصَدِّقُونَ بِها لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى ظاهِرِ ما يُحِسُّونَ بِهِ.

﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي ﴾ اعْبُدُونِي.

﴿ أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ أُثِبْكم لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ﴾ صاغِرِينَ، وإنْ فُسِّرَ الدُّعاءُ بِالسُّؤالِ كانَ الِاسْتِكْبارُ الصّارِفُ عَنْهُ مُنْزَلًا مُنْزِلَتَهُ لِلْمُبالِغَةِ، أوِ المُرادُ بِالعِبادَةِ الدُّعاءُ فَإنَّهُ مِن أبْوابِها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ سَيُدْخَلُونَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى} اعبدوني {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أثبكم فالدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن ويدل عليه قوله {إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى} وقال عليه السلام الدعاء هو العبادة وقرأ هذه الآية صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما وحدوني أغفر لكم وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد وقيل سلوني أعطكم {سَيَدْخُلُونَ جهنم} سيدخلون مكى وابو عمرو {داخرين}

غافر (٦٦ - ٦١)

صاغرين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ أيِ اعْبُدُونِي أُثِبْكم عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ وجَماعَةٍ.

وعَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: إنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ هو الدُّعاءُ يَعْنِي أنَّ الدُّعاءَ بِاللِّسانِ تَرْجَمَةٌ عَنْ طَلَبِ الباطِنِ وأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لِصِحَّةِ التَّوَجُّهِ وتَرْكِ المُخالَفَةِ فَمِن تَرْكِ الذُّنُوبِ فَقَدْ سَألَ الحَقَّ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وهو الدُّعاءُ الَّذِي يَلْزَمُهُ الإجابَةُ ومَن لا يَتْرُكُها فَلَيْسَ بِسائِلٍ وإنْ دَعاهُ سُبْحانَهُ ألْفَ مَرَّةٍ وما ذَكَرَ مُؤَيِّدٌ لِتَفْسِيرِ الدُّعاءِ بِالعِبادَةِ ومُحَقِّقٌ لَهُ فَإنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ مِن أجَلِّ العِباداتِ ويَنْطَبِقُ عَلى ذَلِكَ كَمالُ الِانْطِباقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ﴾ أيْ صاغِرِينَ أذِلّاءَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اسْألُونِي أُعْطِكم وهو المَرْوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ﴾ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ دُعائِي لِأنَّ الدُّعاءَ نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ ومِن أفْضَلِ أنْواعِها، بَلْ رَوى ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أفْضَلُ العِبادَةِ الدُّعاءُ وقَرَأ الآيَةَ، والتَّوَعُّدُ عَلى الِاسْتِكْبارِ عَنْهُ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُتْرَفِينَ المُسْرِفِينَ وإنَّما المُؤْمِنُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ تَقَلُّباتِهِ، وفي إيقاعِ العِبادَةِ صِلَةَ الِاسْتِكْبارِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّ الدُّعاءَ بابٌ مِن أبْوابِ الخُضُوعِ لِأنَّ العِبادَةَ خُضُوعٌ ولِأنَّ المُرادَ بِالعِبادَةِ الدُّعاءُ والِاسْتِكْبارُ إنَّما يَكُونُ عَنْ شَيْءٍ إذا أتى بِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَكْبِرًا.

قالَ في الكَشْفِ: وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وأنْسَبُ إلى السِّياقِ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ المُجادَلَةَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكِبْرِ جَعَلَ الدُّعاءَ وتَسْلِيمَ آياتِهِ مِنَ الخُضُوعِ لِأنَّ الدّاعِيَ لَهُ تَعالى المُلْتَجِئَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُجادِلُ في آياتِهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ مِنهُ البَتَّةَ، والعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وقالَ ) مِن عَطْفِ مَجْمُوعِ قِصَّةٍ عَلى مَجْمُوعِ أُخْرى لِاسْتِوائِهِما في الغَرَضِ، ولِهَذا لَمّا تَمَّمَ هَذِهِ القِصَّةَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقالَ رَبُّكُمُ ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ صَرَّحَ بِالغَرَضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ كَما بَنى القِصَّةَ أوَّلًا عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ  ﴾ ولَوْ تُؤَمِّلَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ حَقَّ التَّأمُّلِ وُجِدَ جُلَّ الكَلامِ فِيها مَبْنِيًّا عَلى رَدِّ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وتَبْيِينِ وجْهِ الرَّدِّ في ذَلِكَ بِفُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ انْظُرْ إلى ما خُتِمَ بِهِ السُّورَةُ كَيْفَ يُطابِقُ ما بُدِئَتْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ  ﴾ وكَيْفَ صَرَّحَ آخِرًا بِما رَمَزَ إلَيْهِ أوَّلًا لِتَقْضِيَ مِنهُ العَجَبَ فَهَذا وجْهُ العَطْفِ.

انْتَهى.

.

وما ذَكَرَهُ مِن أظَهْرِيَّةِ هَذا الوَجْهِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ ظاهِرٌ جِدًّا لِما في الأُولى مِنَ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ في مَوْضِعَيْنِ في الدُّعاءِ حَيْثُ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ العِبادَةِ لِتَضَمُّنِها لَهُ أوْ لِأنَّهُ عِبادَةٌ خاصَّةٌ أُرِيدَ بِهِ المُطْلَقُ، وفي الِاسْتِجابَةِ حَيْثُ جُعِلَتِ الإثابَةُ عَلى العِبادَةِ لِتَرَتُّبِها عَلَيْها اسْتِجابَةً مَجازًا أوْ مُشاكَلَةً بِخِلافِ الثّانِي فَإنَّ فِيهِ ارْتِكابَ خِلافِ الظّاهِرِ وهو التَّجَوُّزُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وهو ﴿ عَنْ عِبادَتِي ﴾ ومَعَ هَذا هو بَعْدَ الحاجَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَنَزْعِ الخُفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ بَلْ قِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ فِيهِ لِأنَّ الإضافَةَ مُرادٌ بِها العَهْدُ هُنا فَتُفِيدُ ما تَقَدَّمَ، لَكِنَّ كَوْنَهُ أنْسَبَ بِالسِّياقِ أيْضًا مِمّا لا يَتِمُّ في نَظَرِي، وأيًّا ما كانَ فَـ ﴿ أسْتَجِبْ ﴾ جُزِمَ في جَوابِ الأمْرِ أيْ إنْ تَدْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم والِاسْتِجابَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ مَشْرُوطَةٌ بِالمَشِيئَةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أُصُولُنا، وقَدْ صَرَّحَ فِي اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ  ﴾ والِاسْتِكْبارُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى دُعاءً كانَتْ أوْ غَيْرَهُ كُفْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

وأمّا تَرْكُ ذَلِكَ لا عَنِ اسْتِكْبارٍ فَتَفْصِيلُ الكَلامِ فِيهِ لا يَخْفى، والمَقاماتُ في تَرْكِ الدُّعاءِ فَقِيلَ: مُتَفاوِتَةٌ فَقَدْ لا يَحْسُنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن لَمْ يَدْعُ اللَّهَ تَعالى يَغْضَبْ عَلَيْهِ»» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وقَدْ يَحْسُنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ مِن تَرْكِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ الدُّعاءَ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ وقَوْلِهِ عِلْمُهُ بِحالِي يُغْنِي عَنْ سُؤالِي، ورُبَّما يُقالُ: تَرْكُ الدُّعاءِ اكْتِفاءً بِعِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ دُعاءٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ «سَيُدْخَلُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإدْخالِ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى يعني: التوراة فيها هدى، ونور من الضلالة، وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ يعني: أعطيناهم على لسان الرسل التوراة، والإنجيل، والزبور هُدىً أي: بياناً من الضلالة.

ويقال: فيه نعت محمد  وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني: عظة لذوي العقول.

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: اصبر يا محمد على أذى المشركين.

فإن وعد الله حق، وهو ظهور الإسلام على الأديان كلها، وفتح مكة.

وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.

وهذا قبل نزول قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 2] .

ويقال: اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لذنب أمتك وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: صل بأمر ربك بِالْعَشِيِّ أي: صلاة العصر، وَالْإِبْكارِ يعني: صلاة الغداة.

ويقال: سبح الله تعالى، واحمده بلسانك في أول النهار، وآخره.

إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ قال الكلبي ومقاتل: يعني: اليهود، والنصارى، كانوا يجادلون في الدجال.

وذلك أنهم كانوا يقولون: إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان، وله سلطان، فيخوض البحر، وتجري معه الأنهار، ويرد علينا الملك.

فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعني: في الدجال.

لأن الدجال آية من آيات الله، بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي: بغير حجة أَتاهُمْ من الله.

إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُمْ بِبالِغِيهِ أي: ما في قلوبهم إلا عظمة مَّا هُمْ بِبالِغِيهِ يعني: ما هم ببالغي ذلك الكبر الذي في قلوبهم، بأن الدجال منهم.

وقال القتبي: إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلاَّ تكبراً على محمد  ، وطمعاً أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك.

وقال الزجاج: معناه وما هم ببالغي إرادتهم، وإرادتهم دفع آيات الله.

وروى أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية قال: إن اليهود ذكروا الدجال، وعظموا أمره، فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعني: إن الدجال من آيات الله فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من فتنة الدجال، فإنه ليس ثم فتنة أعظم من فتنة الدجال.

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقول اليهود، الْبَصِيرُ يعني: العليم بأمر الدجال.

ويقال: السَّمِيعُ لدعائك، الْبَصِيرُ برد فتنة الدجال عنك.

لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قال الكلبي ومقاتل: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أعظم من خلق الدجال.

ويقال: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أعظم من خلق الناس بعد موتهم.

يعني: أنهم يبعثون يوم القيامة، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أن الدجال خلق من خلق الله.

ويقال: لا يعلمون أن الله يبعثهم، ولا يصدقون.

وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يعني: الكافر، والمؤمن في الثواب، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ يعني: لا يستوي الصالح، مع الطالح، قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ أي: يتعظون، ويعتبرون.

قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: تَتَذَكَّرُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.

والباقون: بالياء يَتَذَكَّرُونَ على معنى الخبر عنهم.

وفي كلا القراءتين مَا للصلة، والزينة.

إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيها يعني: قيام الساعة آتية لا شك فيها عند المؤمنين، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ أي: لا يصدقون الله تعالى.

وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قال الكلبي معناه: وحدوني، أغفر لكم.

وقال مقاتل: معناه: وقال ربكم لأهل الإيمان، ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي أي: عن توحيدي، فلا يؤمنون بي، ولا يطيعونني.

سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أي: صاغرين.

ويقال: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي يعني: الدعاء بعينه: أَسْتَجِبْ لَكُمْ يعني: أستجب دعاءكم.

وقال بعض المتأخرين: معناه ادعوني بلا غفلة، أستجب لكم بلا مهلة.

وقيل أيضاً: ادعوني بلا جفاء، أستجب لكم بالوفاء.

وقيل أيضاً: ادعوني بلا خطأ، أستجب لكم مع العطاء.

وروى النعمان بن بشير، عن النبي  أنه قال: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ، ثُمَّ قرأ: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ» قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين، عن أبي عمرو: سَيَدْخُلُونَ بضم الياء، ونصب الخاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وتكون جهنم مفعولاً ثانياً.

والباقون: يدخلون بنصب الياء، وضم الخاء، على الإخبار عنهم بالفعل المستقبل، على معنى سوف يدخلون.

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ أي: خلق لكم الليل، لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي: لتستقروا فيه، وتستريحوا فيه، وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي: مضيئاً لابتغاء الرزق، والمعيشة.

ويقال: مُبْصِراً معناه: يبصر فيه، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يعني: على أهل مكة بتأخير العذاب عنهم.

ويقال لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي: على جميع الناس، بخلق الليل والنهار، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ لربهم في النعمة فيوحدونه، ويطيعونه.

ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذا هو ربكم، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: تصرفون، وتحولون.

ويقال: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: من أين تكذبون، كَذلِكَ يُؤْفَكُ أي: هكذا يكذب.

ويقال: هكذا يحول، والَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ويقال: هكذا يؤفك الذين كانوا من قبلهم.

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً أي: بسط لكم الأرض، وجعلها موضع قراركم، وَالسَّماءَ بِناءً أي: خلق السماء فوقكم مرتفعاً، وَصَوَّرَكُمْ أي: خلقكم فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ولم يخلقكم على صورة الدَّواب، فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أي: أحكم خلقكم، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي: الحلالات.

يقال: اللذيذات، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي: فتعالى الله رب العالمين.

ويقال: هو من البركة يعني: البركة منه.

هُوَ الْحَيُّ يعني: هو الحي الذي لا يموت، ويميت الخلائق، لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: بالتوحيد، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: قولوا الحمد لله رب العالمين الذي صنع لنا هذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال كَعْبُ الأَحْبَارِ «١» : الربوة بيت المَقْدِسِ، وزعم أَنَّ في التوراة أَنَّ بيتَ المقدس أَقْرَبُ الأرض إلى السماء وأَنَّهُ يزيد على الأرض ثمانية عشر ميلاً.

قال ع «٢» : ويترجَّحُ: أَنَّ الربوة في بَيْتِ لَحْمٍ من بيت المقدس لأَنَّ ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذٍ كان الإيواءُ، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» : اختلف الناس في تعيين هذه الربوة على أقوال منها: ما تُفسِّرُ لغةً ومنها: ما تُفَسَّرُ نقلاً، فيفتقر إلى صحة سندهِ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، إلّا أنّ هاهنا نُكْتَةً، وذلك أَنَّه إذا نُقِلَ لِلنَّاسِ نَقْلَ تواتر أَنَّ هذا موضِعُ كذا، وأَنَّ هذا الأَمرَ جرى كذا- وقع العلم به، ولَزِمَ قبولهُ، لأَنَّ الخبر المتواتر ليس من شرطه الإِيمانُ، وخبرَ الآحاد لا بدَّ من كون المُخْبِرِ به بصفة الإيمان لأَنَّهُ بمنزلة الشاهد، والخَبَرَ المتواتر بمنزلة العيانِ، وقد بَيَّنَا ذلك في «أصول الفقه «٣» » ، والذي شاهدتُ عليه الناسَ ورأيتهم يعينونه تعيينَ تواترٍ- مَوْضِعٌ في سفح الجبل في غربيِّ دمشق، انتهى، وما ذكره:

من أَنَّ التواتُرَ ليس من شرطه الإيمانُ هذا هو الصحيح، وفيه خلاف إلاَّ أَنَّا لا نُسَلِّم أَنَّ هذا متواتر لاختلال شرطه، انظر «المنتهى» لابن الحاجب.

يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥)

نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يحتمل أنْ يكون معناه: وقلنا يا أيها الرسلُ، وقالت فرقة: الخطاب بقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ للنّبي صلى الله عليه وسلّم.

قال ع «١» : والوجه في هذا أَنْ يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلّم، وخرج بهذه الصيغة، لِيُفْهَمَ وجيزاً أَنَّ المقالة قد خُوطِبَ بها كُلُّ نبيٍّ، أو هي طريقتُهم التي ينبغي لهم الكونُ عليها كما تقول لعالم: يا علماءٌ إنَّكُم أَئمَّةٌ يُقْتَدَى بكم فتمسكوا بعلمكم، وقال الطبريُّ «٢» : الخطاب لعيسَى- عليه السلام-.

قلت: والصحيح في تأويل الآية: أَنَّه أمر للمُرْسَلِينَ كما هو نَصٌّ صريح في الحديث الصحيح فلا معنى للتردد في ذلك، وقد روى مسلم والترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللهَ طَيِّب وَلاَ يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّباً، وَإنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المرسلين، فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ ٣١ ب عَلِيمٌ/ [المؤمنون: الآية ٥١] .

وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] .

ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَر، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ [حرامٌ] «٣» وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» «٤» اهـ.

وقوله تعالى: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وهذه الآية تُقَوَّى أَنَّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ إنَّما هو مخاطبة لجميعهم، وأَنَّه بتقدير حضورهم، وإذا قدّرت: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلّم- قلق اتصال هذه واتصال قوله: فَتَقَطَّعُوا، ومعنى الأُمَّةِ هنا: المِلّةُ والشريعة، والإِشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة مِلَّةِ إبراهيم عليه السلام، وهو دين الإسلام.

وقوله سبحانه: فَتَقَطَّعُوا يريد الأمم، أي: افترقوا، وليس بفعل مُطَاوِعٍ كما تقول: تقطع الثوبُ بل هو فعل مُتَعَدٍّ بمعنى قطعوا، وقرأ نافع «١» : «زُبُراً» جمع زبور، وهذه القراءة تحتمل معنيين:

أحدهما: أَنَّ الأممَ تنازعت كتباً مُنَزَّلَةً فَاتَّبَعَتْ فرقة الصُّحُفَ، وفرقة التوراة، وفرقة الإنجِيلَ، ثم حَرَّفَ الكُلُّ وَبَدَّلَ، وهذا قول قتادة «٢» - والثاني: أنَّهم تنازعوا أمرهم كتباً وضعوها وضلالةً ألَّفُوها قاله ابن زيد «٣» ، وقرأ أبو عمرو «٤» بخلاف: «زُبَراً» بضم الزاي وفتح الباء، ومعناها: فرقاً كزبر الحديد، ومن حيث كان ذكرُ الأمم في هذه الآية مثالاً لقريش- خاطب الله سبحانه نبيّه محمدا صلى الله عليه وسلّم في شأنهم مُتَّصلاً بقوله: فَذَرْهُمْ أي: فذِرْ هؤلاء الذين هم بمنزلة مَنْ تقدم، والغمرة: ما عَمَّهُمْ من ضلالهم وفُعِلَ بهم فعلَ الماء الغمر بما حصل فيه، والخيراتُ هنا نَعِمُ الدنيا.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ...

الآية: أسند الطبريُّ «٥» عن عائشة أنها قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، قوله تعالى: يُؤْتُونَ مَا آتَوْا أَهي في الذي يَزْنِي وَيَسْرِقُ؟

قال: «لا، يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، بَلْ هِيَ في الرَّجُلِ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وقلبه وجل، يخاف ألّا يتقبّل منه» «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ.

والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.

﴿ فاصْبِرْ ﴾ عَلى أذاهم ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.

وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ.

.

.

﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.

وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.

وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها.

والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿ وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُتَكَبِّرِينَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى أكْبَرُ وأجَلُّ قَدْرًا مِن خَلْقِ البَشَرِ، فَما لِأحَدٍ مِنهم يَتَكَبَّرُ عَلى خالِقِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ في مَعْنى البَعْثِ والإعادَةِ، فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضِ قَوِيٌّ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الناسِ تارَةً أُخْرى، و"الخَلْقُ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.

وقالَ النَقّاشُ: المَعْنى: مِمّا يَخْلُقُ الناسُ؛ إذْ هم في الحَقِيقَةِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، فالخَلْقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن خَلْقِ الناسِ ﴾ مُضافٌ إلى الفاعِلِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الأقَلَّ مِنهم يَعْلَمُ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ مَثَّلَ الأكْثَرَ الجاهِلَ بِالأعْمى، والأقَلَّ العالِمَ بِالبَصِيرِ، وجَعَلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يُعادِلُهم قَوْلُهُ: ﴿ المُسِيءُ ﴾ ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ المُسِيئِينَ.

وأخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ لا يَسْتَوُونَ، فَكَذَلِكَ الأكْثَرُ الجُهَلاءُ مِنَ الناسِ لا يَسْتَوُونَ مَعَ الأقَلِّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ.

وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والحَسَنُ: [يَتَذَكَّرُونَ] بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عَنِ الغائِبِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "تَتَذَكَّرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى المُخاطَبَةِ، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ.

ثُمَّ جَزَمَ تَعالى الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وهي القِيامَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، والحِسابِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالى، واقْتِرانِ الجَمْعِ إلى الجَنَّةِ وإلى النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيها ﴾ أيْ في ذاتِها ونَفْسِها، وإنْ وُجِدَ مِنَ العالَمِ مَن يَرْتابُ فِيها فَلَيْسَتْ فِيها في نَفْسِها رِيبَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ آيَةُ تَفَضُّلٍ ونِعْمَةٍ ووَعْدٍ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  بِالإجابَةِ عِنْدَ الدُعاءِ، وهَذا الوَعْدُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ لِمَن شاءَ تَعالى، لا أنَّ الِاسْتِجابَةَ عَلَيْهِ حَتْمٌ لِكُلِّ داعٍ، لا سِيَّما لِمَن تَعَدّى في دُعائِهِ، فَقَدْ «عابَ رَسُولُ اللهِ  دُعاءَ الَّذِي قالَ: اللهُمَّ أعْطِنِي القَصْرَ الأبْيَضَ الَّذِي عن يَمِينِ الجَنَّةِ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى [ادْعُونِي]: اعْبُدُونِي، و[أسْتَجِبْ] مَعْناهُ: بِالثَوابِ والنَصْرِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِي ﴾ ، ويُحْتَجُّ لَهُ لِحَدِيثِ النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "الدُعاءُ هو العِبادَةُ"،» وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: وحِّدُونِي أغْفِرْ لَكُمْ، وقِيلَ لِلثَّوْرِيِّ: ادْعُ اللهَ تَعالى فَقالَ: إنَّ تَرْكَ الذُنُوبِ هو الدُعاءُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، "سَيَدْخُلُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ: [سَيَدْخُلُونَ] بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ، واخْتَلَفَ عن أبِي عَمْرُو، وعن عاصِمٍ، و"الداخِرُ": هو الصاغِرُ الذَلِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كانت المجادلة في آيات الله تشمل مجادلتهم في وحدانية الإِلهية كما دل عليه قوله الآتي، ﴿ ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون اللَّه قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً ﴾ [غافر: 73، 74]، فجَعل ﴿ لم نكن ندعوا ﴾ نقيض ما قيل لهم ﴿ أين ما كنتم تشركون ﴾ ، وتشمل المجادلَة في وقوع البعث كما دل عليه قوله بعدَ هذه ﴿ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات اللَّه أنى يصرفون ﴾ إلى قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ [غافر: 69 71] الآية، أُعقب ذكر المجادلة أولاً بقوله: ﴿ لَخَلق السموات والأرضضِ أكْبرُ من خَلققِ النَّاس ﴾ [غافر: 57] وذلك استدلال على إمكان البعث، ثم عطف عليه قوله: ﴿ وقَالَ رَبُّكم ادعُوني أستَجِب لكُم ﴾ الآية تحذيراً من الإِشراك به، وأيضاً لما ذُكر أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بدعاء الله وحده أمراً مفرّعاً على توبيخ المشركين بقوله: ﴿ ذلكم بأنَّه إذَا دُعيَ الله وحْدَه كَفَرتم ﴾ [غافر: 12] وعلى قوله عقب ذلك: ﴿ ومَا يتذكَّرُ إلاَّ مَن يُنيب ﴾ [غافر: 13] وانتقَل الكلام أثر ذلك إلى الأَهمّ وهو الأمر بإنذار المشركين بقوله: ﴿ وأنذِرْهُم يَومَ الأزِفَة ﴾ [غافر: 18] الخ، وتتابعت الأغراض حتى استوفت مقتضاها، عاد الكلام الآن إلى ما يشمل عبادة المؤمنين الخالصةَ لله تعالى وهو أيضاً متصل بقوله: ﴿ ومَا دَعاؤُا الكافرين إلاَّ في ضلال ﴾ [غافر: 50].

فلما تقدم ذكر الدعاء بمعنييه: معنى العبادة، ومعنى سُؤال المطلوب، أردف بهذا الأمر الجامع لكلا المعنيين.

والقول المخبَر عنه بفعل: ﴿ قال ربكم ﴾ يجوز أن يراد به كلام الله النفسي، أي ما تعلقت إرادة الله تعلقاً صلاحياً، بأن يقوله عند إرادة تكوينه، ويجوز أن يراد القول اللفظي ويكون التعبير ب (قال) الماضي إخباراً عن أقوال مضت في آيات قبل نزول هذه الآية مثل قوله: ﴿ فادعوا اللَّه مخلصين له الدين ﴾ [غافر: 14] بخلاف قوله: ﴿ أجيب دعوة الداعِ إذ دعان ﴾ [البقرة: 186] فإنه نزل بعد هذه الآية، ويجوز أن يكون الماضي مستعملاً في الحال مجازاً، أي يقول ربكم: ادعوني.

والدعاء يطلق بمعنى النداء المستلزم للاعتراف بالمُنَادَى، ويطلق على الطلب وقد جاء من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه صلاحية معنى الدعاء الذي في هذه الآية لما يلائم المعنيين في حديث النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ ﴿ وقَالَ ربُّكم ادعُوني أستَجِب لكم إنَّ الذِّين يستَكبرون عَن عبادتي سيَدخلُون جهنَّم داخِرين ﴾ رواه الترمذي.

وقال: هذا حديث حسن صحيح، فإن قوله: «الدعاء هو العبادة» يقتضي اتحاد الحقيقتين فإذا كان الدعاء هو العبادة كانت العبادة هي الدعاء لا محالة.

فالدعاء يطلق على سؤال العبد من الله حاجته وهو ظاهر معناه في اللغة، ويطلق على عبادة الله على طريق الكناية لأن العبادة لا تخلو من دُعاء المعبود بنداءِ تعظيمه والتضرع إليه، وهذا إطلاق أقل شيوعاً من الأول، ويراد بالعبادة في اصطلاح القرآن إفراد الله بالعبادة، أي الاعتراف بوحدانيته.

والاستجابة تطلق على إعطاء المسؤول لمن سأله وهو أشهر إطلاقها وتطلق على أثر قبول العبادة بمغفرة الشرك السابق وبحصول الثواب على أعمال الإِيمان فإفادة الآية على معنى طلب الحاجة من الله يناسب ترتب الاستجابة على ذلك الطلب معلقاً على مشيئة الله أو على استيفاء شروط قبول الطلب، وإعطاء خير منه في الدنيا، أو إعطاء عوض منه في الآخرة.

وإفادتها على معنى إفراد الله بالعبادة، أي بأن يتوبوا عن الشرك، فترتب الاستجابة هو قبول ذلك، فإن قبول التوبة من الشرك مقطوع به.

فلما جمعت الآية بين الفعلين على تفاوت بين شيوع الإِطلاق في كليهما علمنا أن في المعنى المراد ما يشبه الاحتباك بأن صرح بالمعنى المشهور، في كلا الفعلين ثم أعقب بقوله: ﴿ إنَّ الذين يَسْتكبرون عَن عِبادي، ﴾ فعلمنا أن المراد الدعاء والعبادة، وأن الاستجابة أريد بها قبول الدعاء وحصول أثر العبادة.

ففعل ﴿ ادعوني ﴾ مستعمل في معنييه بطريقة عموم المشترك.

وفعل ﴿ أستجب ﴾ مستعمل في حقيقته ومجازه، والقرينة ما علمتَ، وذلك من الإِيجاز والكلاممِ الجامع.

وتعريف الله بوصف الرب مضافاً إلى ضمير المخاطبين لما في هذا الوصف وإضافتِه من الإِيماء إلى وجوب امتثال أمره لأن من حق الربوبية امتثال ما يأمر به موصوفها لأن المربوبَ محقوق بالطاعة لربه، ولهذا لم يعرج مع هذا الوصف على تذكير بنعمته ولا إشارة إلى كمالات ذاته.

وجملة ﴿ إنَّ الذين يَسْتكبرون عن عِبادَتي سيدخلون جهنَّم ﴾ تعليل للأمر بالدعاء تعليلاً يفيد التحذير من إباية دعاء الله حين الإِقبال على دعاء الأصنام، كما قال تعالى: ﴿ ذلكم بأنَّه إذا دُعِي الله وحْدَه كفرتم وإن يُشرك به تُؤْمنوا ﴾ [غافر: 12] وكان المشركون لا يضرعون إلى الله إلا إذا لم يتوسموا استجابة شركائهم، كما قال تعالى: ﴿ فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ﴾ [الإسراء: 67].

ومعنى التعليل للأمر بالدعاء بهذا التحذير: أن الله لا يحب لعباده ما يفضي بهم إلى العذاب، قال تعالى: ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ [الزمر: 7] ففي الآية دليل على طلب الله من عباده أن يدعوه في حاجاتهم.

ومشروعية الدعاء لا خلاف فيها بين المسلمين وإنما الخلاف في أنه ينفع في رد القدر أو لا؟

وهو خلاف بيننا وبين المعتزلة.

وليس في الآية حجة عليهم لأنهم تأولوا معنى ﴿ أستجِبْ لكم ﴾ ، وتقدم قوله تعالى: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ الآية في سورة [البقرة: 186]، وفي الإتيان بالموصول إيماء إلى التعليل.

و ﴿ داخرين ﴾ حال من ضمير ﴿ سيدخلون ﴾ أي أذلة، دخَر كمنَع وفرِح: صغر وذلّ، وتقدم قوله: ﴿ سجداً للَّه وهم داخرون ﴾ في سورة [النحل: 48].

وقرأ الجمهور ﴿ سيدخلون ﴾ بفتح التحتية وضم الخاء.

وقرأه أبو جعفر ورويس عن يعقوب بضم التحتية وفتح الخاء على البناء للنائب، أي سيدخلهم ملائكة العذاب جهنم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُها: مَعْناهُ وحِّدُونِي بِالرُّبُوبِيَّةِ أغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: اعْبُدُونِي أسْتَجِبْ لَكم، قالَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أيِ اتَّبِعْكم عَلى عِبادَتِكم.

الثّالِثُ: سَلُونِي أُعْطِكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَإجابَةُ الدّاعِي عِنْدَ صِدْقِ الرَّغْبَةِ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ الحِكْمَةِ.

وَحَكى قَتادَةُ أنَّ كَعْبَ قالَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ثَلاثًا لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَكم إلّا نَبِيٌّ: كانَ إذا أُرْسِلَ نَبِيٌّ قِيلَ لَهُ: أنْتَ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِكَ، وجَعَلَكم شُهَداءَ عَلى النّاسِ، وكانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ، لَيْسَ عَلَيْكَ في الدِّينِ مِن حَرَجٍ، وقالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ، وكانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: ادْعُنِي أسْتَجِبْ لَكَ، وقالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء تلو العبادة.

ثم قرأ ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ قال: عن دعائي ﴿ سيدخلون جهنم داخرين ﴾ هل تدرون ما عبادة الله؟

قلنا: الله ورسوله أعلم!

قال: هو اخلاص الله مما سواه» .

وأخرج ابن مردويه والخطيب عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدعاء هو العبادة.

وقرأ ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ قال: اعبدوني.

وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ سيدخلون جهنم داخرين ﴾ قال: صاغرين.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدعاء الإِستغفار» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع الله يغضب عليه» .

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وأبو يعلى والطبراني عن معاذ رضي الله عنه قال: لن ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل.

فعليكم بالدعاء عباد الله.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا فتح الله على عبد بالدعاء فليدع، فإن الله يستجيب له» .

وأخرج الحكيم الترمذي وابن عدي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: نجد فيما أنزل الله تعالى في بعض الكتب، أن الله تعالى يقول: أنزل البلاء استخرج به الدعاء.

وأخرج ابن المنذر عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ قال: قال ربكم: «عبدي إنك ما دعوتني ورجوتني فإني سأغفر لك على ما كان فيك، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة، ولو أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي» .

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أفضل العبادة الدعاء وقرأ ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم...

﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ادعوني أستجب لكم...

﴾ .

قال: اعملوا، وابشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كعب رضي الله عنه أنه تلا هذه الآية فقال: ما أعطي أحد من الأمم ما أعطيت هذه الأمة إلا بني الرجل المجتبى، يقال له: سل تعطه.

وأخرج البخاري في الأدب عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العبادة أفضل؟

فقال: دعاء المرء لنفسه» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب رضي الله عنه قال: قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: «قل للمؤمنين لا يستعجلوني إذا دعوني، ولا يبخلوني، أليس يعلمون أني أبغض البخيل فكيف أكون بخيلاً!

يا موسى لا تخف مني بخلاً أن تسألني عظيماً، ولا تستحي أن تسألني صغيراً.

اطلب إليَّ الدقة، واطلب إليَّ العلف لشاتك.

يا موسى أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها؟

وأني لم أخلق شيئاً إلا وقد علمت أن الخلق يحتاجون إليه، فمن يسألني مسألة وهو يعلم أني قادر أعطي وأمنع، وأعطيته مسألته مع المغفرة فإن حمدني حين أعطيته وحين أمنعه أسكنته دار الحمادين، وأيما عبد لم يسألني مسألة ثم أعطيته كان أشد عليه من الحساب» وأخرج الحكيم الترمذي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: قال عروة بن الزبير رضي الله عنه: أني لأسأل الله تعالى حوائجي في صلاتي.

حتى أسأله الملح لأهلي.

وأخرج الحكيم الترمذي عن زهرة بن معبد رضي الله عنه قال: سمعت محمد بن المنكدر رضي الله عنه يدعو يقول: اللهم قوِّ ذكري، فإن فيه منفعة لأهلي.

وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت البناني رضي الله عنه قال: تعبد رجل سبعين سنة، فكان يقول في دعائه: رب اجزني بعملي فادخل الجنة، فمكث فيها سبعين عاماً، فلما وفت قيل له: اخرج قد استوفيت عملك.

أي شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه، فلم يجد شيئاً أوثق في نفسه مما دعا الله سبحانه، فأقبل يقول في دعائه: رب سمعتك وأنا في الدنيا، وأنت تقيل العثرات فأقل اليوم عثرتي.

فترك في الجنة.

أما قوله تعالى: ﴿ الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ .

أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: يا معشر الحواريين الصلاة جامعة، فخرج الحواريون في هيئة العبادة قد تضمرت البطون، وغارت العيون، واصفرت الألوان، فسار بهم عيسى عليه السلام إلى فلاة من الأرض، فقام على رأس جرثومة، فحمد الله وأثنى عليه ثم أنشأ يتلو عليهم آيات الله وحكمته فقال: يا معشر الحواريين اسمعوا ما أقول لكم.

اني لأجد في كتاب الله المنزل الذي أنزل الله في الإِنجيل أشياء معلومة فاعملوا بها، قالوا: يا روح الله وما هي؟

قال: خلق الليل لثلاث خصال، وخلق النهار لسبع خصال، فمن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الليل والنهار يوم القيامة فخصماه.

خلق الليل لتسكن فيه العروق الفاترة التي أتعبتها في نهارك، وتستغفر لذنبك الذي كسبته في النهار ثم لا تعود فيه، وتقنت فيه قنوت الصابرين.

فثلث تنام، وثلث تقوم، وثلث تتضرع إلى ربك.

فهذا ما خلق له الليل، وخلق النهار لتؤدي فيه الصلاة المفروضة التي عنها تسأل وبها تُحاسَبْ وبر والديك، وأن تضرب في الأرض تبتغي المعيشة معيشة يومك، وأن تعود فيه ولياً لله تعالى كيما يتعهدكم الله برحمته، وأن تشيعوا فيه جنازة كيما تنقلبوا مغفوراً لكم، وأن تأمروا بمعروف وتنهوا عن منكر فهو ذروة الإِيمان وقوام الدين، وأن تجاهد في سبيل الله تراحموا إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام في قبته.

ومن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الله والنهار يوم القيامة وهو عند مليك مقتدر» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ الدعاء هنا هو الطلب والرغبة، وهذا وعد مقيّد بالمشيئة، وهي موافقة القدر لمن أراد أن يستجيب له، وقيل: أدعوني هنا: اعبدوني بدليل قوله بعده: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» ثم تلا الآية: ﴿ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ لكم على هذا القول بمعنى أغفر لكم أو أعطيكم أجوركم.

والأول أظهر، ويكون قوله: ﴿ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾ بمعنى يستكبرون عن الرغبة إليّ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه» وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» فمعناه أن الدعاء والرغبة إلى الله هي العبادة، لأن الدعاء يظهر فيه افتقار العبد وتضرعه إلى الله ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ أي صاغرين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا ينفع ﴾ على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم ﴿ تتذكرون ﴾ بتاء الخطاب: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ ادعوني أستجب ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

﴿ سيدخلون ﴾ من الإدخال مجهولاً: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر غير الشموني ﴿ شيوخاً ﴾ بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة والأعشى ويحيى وحماد.

الوقوف ﴿ الأشهاد ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ يدل من الأول ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ه لا ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ والأبكار ﴾ ه ﴿ أتاهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ولا المسيء ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أستجب لكم ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء وخطؤه ظاهر ﴿ إلا هو ﴾ ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام مقصود الكلام ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ شيوخاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ج لأجل الفاء مع الشرط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ في آيات الله ﴾ ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر ﴿ يصرفون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ رسلنا ﴾ قف إن لم تقف على ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والسلاسل ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف.

وقيل: ﴿ والسلاسل ﴾ مبتدأ والعائد محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم ﴿ يسجرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تمرحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ حق ﴾ ه ﴿ للشرط ﴾ مع الفاء ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ نقصص عليك ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ج ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ز للآية مع العطف وشدّة اتصال المعنى ﴿ تحملون ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف.

﴿ تنكرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والأخبار ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ بأسنا ﴾ الثاني ط ﴿ في عباده ﴾ ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل ﴿ فوقاه الله ﴾ وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مراراً أن موسى وسائر قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ الآية.

ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفاً.

وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل "هود".

ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة.

ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها قومه بعده.

والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون مذكراً للشيء المنسيّ.

وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه  مسلياً له بقوله ﴿ فاصبر إن وعد الله ﴾ بالنصر وإعلاء كلمة الحق ﴿ حق ﴾ كما قص عليك من حال موسى وغيره.

ثم أمره باستغفاره لذنبه وقد سبق البحث في مثله مراراً.

والعشيّ والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام.

قوله ﴿ إن الذين يجادلون ﴾ عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى ههنا.

وفيه بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم فإن النبي  لا بد أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ثم أمره أن يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على حسب ذلك.

ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله  عليهم بقوله ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ ومن قدر على الأصعب في نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبر بل لا يعرفون ما البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .

ثم نبه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال المستند إلى الحجة والدليل قائلاً ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وحين بين التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم قال ﴿ قليلاً ما تتذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معانداً مصراً.

ثم صرح بوجود القيامة قائلاً ﴿ إن الساعة لآتية ﴾ أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في "طه" لأن المخاطبين ههنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها.

ومعنى ﴿ لا يؤمنون ﴾ لا يصدّقون بالبعث.

ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله ﴿ وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ﴾ أكثر المفسرين على أن الدعاء ههنا بمعنى العبادة، والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله  ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً  ﴾ روى النعمان بن بشير أن رسول الله  قال: "الدعاء العبادة" وقرأ هذه الآية.

وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء.

وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان  ﴾ وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم.

وفي الدعاء.

قال جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد.

ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين.

وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير الله.

وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجاباً ألبتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله.

ثم إنه  ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مراراً ولا سيما في أواخر "يونس" وأواسط "البقرة".

وكرر ذكر الناس نعياً عليهم وتخصيصاً لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات.

وأما وجه النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟

ففي تحريض على الدعاء.

وأيضاً الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال.

قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا هو ﴾ قد مر في "الأنعام".

قوله ﴿ كذلك يؤفك ﴾ أي كل من جحد بآيات الله ولم يكن طالباً للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا.

قوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله { ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ قوله ﴿ الحمد لله ربّ العالمين ﴾ إما استئناف مدح من الله  لنفسه، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله.

قوله ﴿ لما جاءني البينات ﴾ شامل لأدلة العقل والنقل جميعاً.

قوله ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا.

وأما قوله ﴿ ولتبلغوا أجلاً مسمى ﴾ فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر.

وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم أشار بقوله ﴿ فإذا قضى ﴾ الخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء مّا إلى آلة وعدّة.

وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد.

ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأوّل وهو آدم كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون  ﴾ ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا ﴿ ألم تر ﴾ الآية والكتاب القرآن.

وما أرسل به الرسل سائر الكتب.

وقوله ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ﴾ ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس.

بناء على أن سوف للاستقبال وإذ للمضي، لأن "إذ" ههنا بمعنى "إذا" إلا أنه ورد على عادة أخبار الله نحو ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ وقال المبرد: إذ صارت زماناً قبل سوف لأن العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال.

والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه من بعد أن حق بالوجود.

ومعنى ﴿ يسجرون ﴾ قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة أجوافهم منها.

والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار.

وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار ﴿ ثم قيل لهم ﴾ على سبيل التوبيخ ﴿ أينما كنتم ﴾ "ما" موصولة مبتدأ و "أين" خبرها.

ومعنى ﴿ ضلّوا ﴾ غابوا وضاعوا ولم يصل إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً ﴾ يعتدّ به كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء أي ليس عنده خير.

ومن جوّز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: إنهم أنكروا عبادة الأصنام.

ثم قال ﴿ كذلك يضل الله الكافرين ﴾ قالت الأشاعرة: أي عن الحجة والإيمان.

وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان.

وقال في الكشاف: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.

واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار لقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ والجواب أن كون الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر.

وأجاب في الكشاف باختلاف الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع.

﴿ ذلكم ﴾ العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط ﴿ بغير الحق ﴾ وهو الشرك وعبادة الصنم.

ويجوز أن يكون القول محذوفاً أي يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدّرين الخلود فيها ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ يعني الذين مر ذكرهم في قولهم ﴿ إن في صدوركم إلاّ كبر ﴾ والمخصوص بالذم محذوف وهو مثواكم أو جهنم.

قال جار الله: إنما لم يقل "فبئس مدخل المتكبرين" حتى يكون مناسباً لقوله ﴿ ادخلوا ﴾ كقولك: زر بيت الله فنعم المزار.

لأن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.

وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال ﴿ فإما نرينّك بعض الذي نعدهم ﴾ من عذاب الدنيا فذاك ﴿ أو نتوفينك فإلينا يرجعون ﴾ هذا التقدير ذكره جار الله، وقد مر في "يونس" مثله.

وأقول: لا بأس أن يعطف قوله ﴿ أو نتوفينك ﴾ على ﴿ نرينك ﴾ ويكون الرجوع إلى الله جزاء لهما جميعاً ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا.

ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في الصبر والتماسك فقال ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.

ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.

وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس.

ولعل الأصح أن عددهم لا يعلمه إلا الله لقوله  ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله  ﴾ لكن الإيمان بالجميع واجب.

عن علي  .

بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته.

ثم إن قريشاً كانوا يقترحون آيات تعنتاً كما مر في أواخر "سبحان" وأول "الفرقان" وغيرهما فلا جرم قال الله  ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله ﴾ بعذاب الدنيا أو بالقيامة.

وقال ابن بحر: أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها ﴿ وخسر هنالك ﴾ أي في ذلك الوقت استعير المكان للزمان ﴿ المبطلون ﴾ وهم أهل الأديان الباطلة.

ثم عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلاً ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ﴾ قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا.

أو يقال: منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين.

وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعاً.

وإنما قال ﴿ على الفلك ﴾ ولم يقل " وفي الفلك" مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجاً لقوله ﴿ وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] والحمل محمول على الظاهر.

وقيل: هو من قول العرب: حملت فلاناً على الفرس إذا وهب له فرساً.

ثم وبخهم بقوله ﴿ ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ﴾ .

ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله ﴿ أفلم يسيروا ﴾ الآية.

وقد سبق.

وقوله ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ "ما" نافية أو استفهامية ومحلها النصب.

وقوله ﴿ ما كانوا ﴾ مصدرية أو موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا.

قوله ﴿ فرحوا ﴾ لا يخلو إما أن يكون الضمير عائداً إلى الكفار أو إلى الرسل.

وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم الذي يزعمون كقولهم ﴿ وما أظن الساعة قائمة  ﴾ ﴿ أئذا كنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد  ﴾ ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض الفلاسفة كقولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى  فقيل له: لو هاجرت إليه؟

فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.

ويروى أن جالينوس قال لعيسى  : بعثت لغيرنا.

ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا  ﴾ وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم الديانات.

وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.

ووجه آخر وهو أن يكون ضمير ﴿ فرحوا ﴾ للكفار وضمير ﴿ عندهم ﴾ للرسل أي فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء.

ثم بين أن إيمان البأس وهو حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مراراً.

ومعنى ﴿ فلم يك ينفعهم ﴾ لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف.

وترادف الفاءات في قوله ﴿ فما أغني ﴾ ﴿ فلما جاءتهم ﴾ ﴿ فلما رأوا ﴾ ﴿ فلم يك ﴾ لترتيب الأخبار ولتعاقب المعاني من غير تراخٍ.

وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله ﴿ كانوا أكثر منهم ﴾ وقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ جار مجرى البيان والتفسير لقوله ﴿ فلما أغنى ﴾ وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ تابع لقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء.

وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ آمنوا وكذلك ﴿ فلم يك ﴾ تابع لإيمانهم بعد البأس.

قال أهل البرهان: وإنما قال ههنا ﴿ وخسر هنالك الكافرون ﴾ وفيما قبل ﴿ المبطلون ﴾ لأنه قال هناك ﴿ قضى بالحق ﴾ ونقيض الحق الباطل، وههنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ...

﴾ الآية.

نزلت في أهل التوحيد يقول: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، ثم تخرج على الاستغفار مرة؛ لما كان منهم من التضييع في حقوق الله  وما أمرهم به ونهاهم عنه والتفريط في ذلك، استغفروا أغفر لكم.

ويحتمل ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ : اطلبوا مني التوبة عن ذلك أتوب عليكم، والله أعلم.

وإن كانت الآية في أهل الكفر فيكون قوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، أي: وحدوني أغفر لكم.

ويحتمل اعبدوني أغفر لكم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، وقد جاء في بعض الأخبار عن نبي الله  أنه قال: "الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ...

﴾ " ، وفي بعض الأخبار: "الدعاء مخ العبادة"، وأصل هذا: أنه ينظر كل أحد إلى ما ارتكبه، فإن كان سببا يستوجب به العقوبة كان استغفاره القيام بقضاء ما تركه وضيعه، والعزم على ألا يعود إلى ذلك أبداً، وإن كان سبباً غير معروف، تركه [و]يستغفر الله  في ذلك، ويطلب منه التجاوز والمغفرة، وأصل ذلك ما قال الله  : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي  ﴾ .

ذكر الإجابة بالشريطة، وهو أنهم إذا آمنوا به وأوفوا عهده يعرف لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ .

استدل بعض الناس بهذه الآية على أن قوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ ﴾ إنما أراد به العبادة على ما ذكرنا.

فإن قيل: إن هذه السورة نزلت بمكة، وأهل مكة كانوا يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وفي ظاهر ذلك أنهم لا يستكبرون عن عبادته، لكنهم لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله فعبدوا غيره دونه، كمن يعظم ويخدم خادما من خدم ملك من ملوك الدنيا لا يكون مستكبراً عن خدمة الملك.

لكن تأويل الآية يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله  أمر عباده بطاعة رسوله والإجابة له إلى ما يدعوهم، فإذا لم يجيبوه إلى ما يدعوهم إليه ولم يطيعوه استكبارا منهم وتكبرا عليه، صار ذلك منهم كالاستكبار عن طاعة الله وعن عبادته.

والثاني: أنهم وإن كانوا عبدوا الأصنام رجاء أن تقربهم إلى الله زلفى، ولم يقصدوا قصد الاستكبار عن عبادته فهم تركوا عبادته، مع أنهم أمروا بها وبلغ إليهم أمره على ألسن الرسل، فكأنهم استكبروا عن عبادة الله  ؛ إذ في الشاهد يخدم المرء لبعض خواص الملك ليقربه إليه: إذا أمره الملك أن يخدمه وقربه إلى مجلسه فامتنع - يقدر ذلك منه استكبارا، ويبين أن خدمته لذلك ما كان ليقربه إلى الملك؛ حيث قربه فلم يقرب، ففي الغائب كذلك؛ لذلك كان استكبارا منهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ .

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ صاغرين ذليلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ .

يذكرهم نعمه التي أنعم عليهم، يستأدي بذلك شكره، حيث قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ راحة لأنفسكم وأبدانكم، ﴿ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ تبصرون فيه معايشكم وما تحتاجون إليه.

ثم قوله: ﴿ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ أي: يبصر به وفيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ أخبر أن ذلك كله منه لهم فضل ومنة ورحمة لا باستحقاق يستحقون ذلك قبله ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .

يقول: ذلك الذي صنع بكم هو ربكم لا الأصنام التي تعبدون من دونه، ﴿ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ هو خلقكم وخلق كل شيء واحد لا شريك له، ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ أي: أنى تصرفون وتعدلون عن عبادته والقيام بشكره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .

عن عبادته والقيام بشكره قبلكم، وأصل الإفك: الصرف؛ كقوله: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا  ﴾ أي: لتصرفنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً ﴾ .

يذكرهم عظم نعمه عليهم حيث جعل لهم الأرض بحيث يقرون عليها ويتعيشون، والسماء بناء عليهم حيث لا تسقط عليهم، وجعل منافع بعضها متصلة بمنافع البعض على بعد ما بينهما؛ ليعلم أن ذلك كله صنع واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ فَأَحْسَنَ ﴾ أي: أحكم وأتقن في الدلالة على معرفة وحدانية الله  وربوبيته، على ما أظهر في كل شيء من الدلالة على وحدانيته وربوبيته.

والثاني: قوله: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ ، أي: حسن تركيبها منتصباً قامتها غير منكبة كسائر الصور التي خلقها منكبة على وجهها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: أي: رزقكم من الحلال، لكن الأشبه: أي: رزقكم من أطيب ما أخرج من الأرض؛ لأن الله  أخرج من الأرض نباتاً مختلفاً جعل أطيبه وألينه رزقاً للبشر، وسائره رزقاً للدواب.

﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ ﴾ .

ذلك الذي صنع بكم هذا هو ربكم، لا الأصنام التي تعبدونها.

﴿ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ ٱلْحَيُّ ﴾ : الذي لا يموت أبداً، لكن هذا مما يعرفه كل أحد، وأصل الحي هو النهاية والغاية في الثناء عليه والمدح، لا كل شيء يبلغ في الانتفاع به غايته يسمى: حيّاً، نحو الأرض والأشجار وكل شيء يبلغ في الانتفاع به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

هو المعبود في لسان العرب، ويسمى العرب كل معبود: إلهاً، كأنه يقول: لا إله ولا معبود يستحق العبادة إلا هو.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ .

أي: ادعوه بإخلاص الدين له.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: أي اعبدوه مخلصين له العبادة، لا تشركوا فيها غيره؛ من نحو ما كانوا يعبدون الأصنام دونه رجاء الشفاعة لهم وتقريبهم إليه، أخلصوا العبادة والدين، والإخلاص: هو التصفية له.

والثاني: ادعوه على حقيقة الدعاء له والتسمية؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ادعوه وسموه: إلها، لا تدعوا ولا تسموا غيراً: إلها؛ لأنهم كانوا يسمون ويدعون الأصنام التي عبدوها: آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

أي: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ﴾ على خلقه بما أنعم عليهم وصنع إليهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال ربكم -أيها الناس-: وحِّدوني في العبادة والمسألة، أجب دعاءكم وأعفُ عنكم وأرحمكم، إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة سيدخلون يوم القيامة جهنم صاغرين ذليلين.

<div class="verse-tafsir" id="91.lN1bx"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله