الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ١٢ من سورة محمد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 47 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٢ من سورة محمد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
ثم قال [ تعالى ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ) أي : يوم القيامة ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ) أي : في دنياهم ، يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام ، خضما وقضما وليس لهم همة إلا في ذلك .
ولهذا ثبت في الصحيح : " المؤمن يأكل في معى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء " .
ثم قال : ( والنار مثوى لهم ) أي : يوم جزائهم .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) وقوله ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) يقول تعالى ذكره: إن الله له الألوهة التي لا تنبغي لغيره, يُدخل الذين آمنوا بالله وبرسوله بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار, يفعل ذلك بهم تكرمة على إيمانهم به وبرسوله.
وقوله ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ ) يقول جل ثناؤه: والذين جحدوا توحيد الله, وكذّبوا رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يتمتعون في هذه الدنيا بحطامها ورياشها وزينتها الفانية الدارسة, ويأكلون فيها غير مفكِّرين في المعاد, ولا معتبرين بما وضع الله لخلقه من الحجج المؤدّية لهم إلى علم توحيد الله ومعرفة صدق رسله, فمثلهم في أكلهم ما يأكلون فيها من غير علم منهم بذلك, وغير معرفة, مثل الأنعام من البهائم المسخرة التي لا همة لها إلا في الاعتلاف دون غيره ( وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: والنار نار جهنم مسكن لهم, ومأوى, إليها يصيرون من بعد مماتهم.
قوله تعالى : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم .قوله تعالى : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار تقدم في غير موضع .
والذين كفروا يتمتعون في الدنيا كأنهم أنعام ، ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم ، ساهون عما في غدهم .
وقيل : المؤمن في الدنيا يتزود ، والمنافق يتزين ، والكافر يتمتع .
والنار مثوى لهم أي مقام ومنزل .
لما ذكر تعالى أنه ولي المؤمنين، ذكر ما يفعل بهم في الآخرة، من دخول الجنات، التي تجري من تحتها الأنهار، التي تسقي تلك البساتين الزاهرة، والأشجار الناظرة المثمرة، لكل زوج بهيج، وكل فاكهة لذيذة.ولما ذكر أن الكافرين لا مولى لهم، ذكر أنهم وُكِلُوا إلى أنفسهم، فلم يتصفوا بصفات المروءة، ولا الصفات الإنسانية، بل نزلوا عنها دركات، وصاروا كالأنعام، التي لا عقل لها ولا فضل، بل جل همهم ومقصدهم التمتع بلذات الدنيا وشهواتها، فترى حركاتهم الظاهرة والباطنة دائرة حولها، غير متعدية لها إلى ما فيه الخير والسعادة، ولهذا كانت النار مثوى لهم، أي: منزلا معدا، لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم من عذابها.
( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ) في الدنيا ( ويأكلون كما تأكل الأنعام ) ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم ، وهم لاهون ساهون عما في غد ، قيل : المؤمن في الدنيا يتزود ، والمنافق يتزين ، والكافر يتمتع ( والنار مثوى لهم ) .
«إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون» في الدنيا «ويأكلون كما تأكل الأنعام» أي ليس لهم هَمٌ إلا بطونهم وفروجهم ولا يلتفتون إلى الآخرة «والنار مثوى لهم» منزل ومقام ومصير.
إن الله يدخل الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار تَكْرِمَةً لهم، ومثل الذين كفروا في أكلهم وتمتعهم بالدنيا، كمثل الأنعام من البهائم التي لا همَّ لها إلا في الاعتلاف دون غيره، ونار جهنم مسكن لهم ومأوى.
ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين من ثواب عظيم ، وما أعده للكافرين من عذاب أليم ، فقال : ( إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ .
.
) أى يتمتعون وينتفعون بملاذ الدنيا أياما قليلة .( وَيَأْكُلُونَ ) مآكلهم بدون تفكر أو تحر للحلال أو شكر لله ( كَمَا تَأْكُلُ الأنعام ) طعامها الذى يلقيه إليها صاحبها .فالمقصود بالجملة الكريمة ذم هؤلاء الكافرين ، لشبههم بالأنعام التى لا تعقل ، فى كونهم يأكلون طعامهم دون أن يشركوا الله - تعالى - عليه ودون أن يفرقوا بين الحلال والحرام ، ودون أن يرتفعوا بإنسانيتهم عن مرتبة الحيوان الأعجم .قال الآلوسى : والمعنى أن أكلهم مجرد عن الفكر والنظر ، كما تقول للجاهل : تعيش كما تعيش البهيمة ، فأنت لا تريد التشبيه فى مطلق العيش ، ولكن فى خواصه ولوازمه .
وحاصلة أنهم يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتهى أمورهم .وقوله : ( والنار مَثْوًى لَّهُمْ ) بيان لسوء عاقبتهم فى الآخرة ، بعد بيان صورتهم القبيحة فى الدنيا .والمثوى : اسم مكان لمحل إقامة الإِنسان .بأى : والنار هى المكان المعد لنزولهم فيه يوم القيامة .
لما بيّن الله تعالى حال المؤمنين والكافرين في الدنيا بيّن حالهم في الآخرة وقال إنه يدخل المؤمن الجنة والكافر النار وفيه مسائل: المسألة الأولى: كثيراً ما يقتصر الله على ذكر الأنهار في وصف الجنة لأن الأنهار يتبعها الأشجار والأشجار تتبعها الثمار ولأنه سبب حياة العالم، والنار سبب الإعدام، وللمؤمن الماء ينظر إليه وينتفع به، وللكافر النار يتقلب فيها ويتضرر بها.
المسألة الثانية: ذكرنا مراراً أن من في قوله: ﴿ مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ يحتمل أن يكون صلة معناه تجري تحتها الأنهار، ويحتمل أن يكون المراد أن ماءها منها لا يجري إليها من موضع آخر، فيقال هذا النهر منبعه من أين؟
يقال من عين كذا من تحت جبل كذا.
لمسألة الثالثة: قال: ﴿ والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ ﴾ خصهم بالذكر مع أن المؤمن أيضاً له التمتع بالدنيا وطيباتها، نقول من يكون له ملك عظيم ويملك شيئاً يسيراً أيضاً لا يذكر إلا بالملك العظيم، يقال في حق الملك العظيم صاحب الضيعة الفلانية ومن لا يملك إلا شيئاً يسيراً فلا يذكر إلا به، فالمؤمن له ملك الجنة فمتاع الدنيا لا يلتفت إليه في حقه والكافر ليس له إلا الدنيا، ووجه آخر: الدنيا للمؤمن سجن كيف كان، ومن يأكل في السجن لا يقال إنه يتمتع، فإن قيل كيف تكون الدنيا سجناً مع ما فيها من الطيبات؟
نقول للمؤمن في الآخرة طيبات معدة وإخوان مكرمون نسبتها ونسبتهم إلى الدنيا ومن فيها تتبين بمثال، وهو أن من يكون له بستان فيه من كل الثمرات الطيبة في غاية اللذة وأنهار جارية في غاية الصفاء ودور وغرف في غاية الرفعة وأولاده فيها، وهو قد غاب عنهم سنين ثم توجه إليهم وهم فيها، فلما قرب منهم عوق في أجمة فيها من بعض الثمار العفصة والمياه الكدرة، وفيها سباع وحشرات كثيرة، فهل يكون حاله فيها كحال مسجون في بئر مظلمة وفي بيت خراب أم لا؟
وهل يجوز أن يقال له اترك ما هو لك وتعلل بهذه الثمار وهذه الأنهار أم لا؟.
كذلك حال المؤمن، وأما الكافر فحاله كحال من يقدم إلى القتل فيصبر عليه أياماً في مثل تلك الأجمة التي ذكرناها يكون في جنة، ونسبة الدنيا إلى الجنة والنار دون ما ذكرنا من المثال، لكنه ينبئ ذا البال، عن حقيقة الحال.
وقوله تعالى: ﴿ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام ﴾ يحتمل وجوهاً أحدها: أن الأنعام يهمها الأكل لا غير والكافر كذلك والمؤمن يأكل ليعمل صالحاً ويقوى عليه.
وثانيها: الأنعام لا تستدل بالمأكول على خالقها والكافر كذلك.
وثالثها: الأنعام تعلف لتسمن وهي غافلة عن الأمر، لا تعلم أنها كلما كانت أسمن كانت أقرب إلى الذبح والهلاك، وكذلك الكافر ويناسب ذلك قوله تعالى: ﴿ والنار مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ .
المسألة الرابعة: قال في حق المؤمن ﴿ إِنَّ الله يُدْخِلُ ﴾ بصيغة الوعد، وقال في حق الكافر ﴿ والنار مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ بصيغة تنبئ عن الاستحقاق لما ذكرنا أن الإحسان لا يستدعي أن يكون عن استحقاق، فالمحسن إلى من لم يوجد منه ما يوجب الإحسان كريم، والمعذب من غير استحقاق ظالم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَتَمَتَّعُونَ ﴾ ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياماً قلائل ﴿ وَيَأْكُلُونَ ﴾ غافلين غير مفكرين في العاقبة ﴿ كَمَا تَأْكُلُ الانعام ﴾ في مسارحها ومعالفها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح ﴿ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾ منزل ومقام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ اسْتَأْصَلَ عَلَيْهِمْ ما اخْتُصَّ بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ.
﴿ وَلِلْكافِرِينَ ﴾ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ.
﴿ أمْثالُها ﴾ أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ أوِ العُقُوبَةِ، أوِ الهَلَكَةِ لِأنَّ التَّدْمِيرَ يَدُلُّ عَلَيْها، أوِ السُّنَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ.
﴿ وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ﴾ فَيَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم وهو لا يُخالِفُ قَوْلَهُ: ﴿ وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ﴾ فَإنَّ المَوْلى فِيهِ بِمَعْنى المالِكِ.
<div class="verse-tafsir"
ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياماً قلائل {وَيَأْكُلُونَ} غافلين غير متفكرين في العاقبة {كَمَا تَأْكُلُ الأنعام} في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح {والنار مَثْوًى لَّهُمْ} منزل ومقام
﴿ إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم وثَمَرَتِها الأُخْرَوِيَّةِ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ﴾ أيْ يَنْتَفِعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا أيّامًا قَلائِلَ ﴿ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ كَما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ أيْ يَأْكُلُونَهُ أيِ الأكْلَ مُشْبِهًا أكْلَ الأنْعامِ، وإمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَما يَقُولُ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ أيْ أكْلًا مِثْلَ أكْلِ الأنْعامِ، والمَعْنى أنَّ أكْلَهم مُجَرَّدٌ مِنَ الفِكْرِ والنَّظَرِ كَما تَقُولُ لِلْجاهِلِ تَعِيشُ كَما تَعِيشُ البَهِيمَةُ لا تُرِيدُ التَّشْبِيهَ في مُطْلَقِ العَيْشِ ولَكِنْ في خَواصِّهِ ولَوازِمِهِ، وحاصِلُهُ أنَّهم يَأْكُلُونَ غافِلِينَ عَنْ عَواقِبِهِمْ ومُنْتَهى أُمُورِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ أيْ مَوْضِعُ إقامَةٍ لَهُمْ، حالٌ مُقَدَّرٌ مِن واوِ ( يَأْكُلُونَ) .
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّهم عَرَفُوا أنَّ نَعِيمَ الدُّنْيا خَيالٌ باطِلٌ وظِلٌّ زائِلٌ، فَتَرَكُوا الشَّهَواتِ وتَفَرَّغُوا لِلصّالِحاتِ، فَكانَ عاقِبَتَهُمُ النَّعِيمُ المُقِيمُ في مَقامٍ كَرِيمٍ وهَؤُلاءِ غَفَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَرَتَعُوا في دِمْنِهِمْ كالبَهائِمِ حَتّى ساقَهُمُ الخِذْلانُ إلى مَقَرِّهِمْ مِن دَرَكِ النِّيرانِ، وهَذا ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ في بَيانِ التَّقابُلِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: في الكَلامِ احْتِباكٌ وذَلِكَ أنَّهُ ذُكِرُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ودُخُولِ الجَنَّةِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الأعْمالِ الفاسِدَةِ ودُخُولِ النّارِ ثانِيًا وذِكْرُ التَّمَتُّعِ والمَثْوى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ التَّقَلُّلِ والمَأْوى أوَّلًا والأوَّلُ أحْسَنُ وأدَقُّ، وأسْنَدَ إدْخالَ الجَنَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَسْلُكْ نَحْوَ هَذا المَسْلَكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ وخُولِفَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ فِعْلِيَّةٍ واسْمِيَّةٍ لِلْإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ والإعْلامِ بِمَصِيرِ المُؤْمِنِينَ والوَعْدِ بِأنَّ عاقِبَتَهم أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُدْخِلُهم جَنّاتٍ وأنَّ الكافِرِينَ مَثْواهُمُ النّارُ وهُمُ الآنَ حاضِرُونَ فِيها ولا يَدْرُونَ وكالبَهائِمِ يَأْكُلُونَ.
<div class="verse-tafsir"
فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ يعني: إن تنصروا دين الله بقتال الكفار، يَنْصُرْكُمْ بالغلبة على أعدائكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ فلا تزول في الحرب.
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ يعني: بعداً، ونكساً، وخيبة لهم.
وهو من قولك: تعست أي: عثرت، وسقطت، وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل ثواب حسناتهم، فلم يقبلها منهم.
ثم بيّن المعنى الذي أبطل به حسناتهم، فقال: ذلِكَ يعني: ذلك الإبطال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يعني: أنكروا، وكرهوا الإيمان بما أنزل الله على محمد .
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني: ثواب أعمالهم.
ثم خوّفهم ليعتبروا فقال عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أفلم يسافروا في الأرض فَيَنْظُرُوا يعني: فيعتبروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: كيف كان آخر أمرهم.
دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: أهلكهم الله تعالى بالعذاب وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها يعني: للكافرين من هذه الأمة أمثالها من العذاب، وهذا وعيد لكفار قريش.
ثم قال: ذلِكَ يعني: النصرة التي ذكر في قوله: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: 7] بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا يعني: إن الله تبارك وتعالى ناصر أولياءه بالغلبة على أعدائهم، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لاَ مَوْلى لَهُمْ يعني: لا ناصر، ولا ولي لهم، لا تنصرهم آلهتهم، ولا تمنعهم مما نزل بهم من العذاب.
ثم ذكر مستقر المؤمنين، ومستقر الكافرين، فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقد ذكرناه، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ يعني: يعيشون بما أعطوا في الدنيا، وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ليس لهم هَمٌّ إِلاَّ الأكل، والشرب، والجماع، وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: منزلاً، ومستقرا لهم.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ مُحَمَّدٍ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ ﴾ .
والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ وَصَدُّوا ﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ .
﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ القَتْلَ ﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ.
و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ.
ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.
وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ.
وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ.
والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.
وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهُ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ ﴾ ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ الَّتِي في (بَراءَةَ ): ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، وإنَّ الأسْرَ والمَنَّ والفِداءَ مُرْتَفِعٌ، فَمَتى وقَعَ أسْرٌ فَإنَّما مَعَهُ القَتْلُ ولا بُدَّ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وعَطاءٌ ما مَعْناهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، والمَنُّ والفِداءُ ثابِتٌ، وقَدْ مَنَّ رَسُولُ اللهِ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ، وفادى أسْرى بَدْرٍ، وقالَهُ الحَسَنُ، وقالَ: لا يُقْتَلُ الأسِيرُ إلّا في الحَرْبِ، يَهِيبُ بِذَلِكَ عَلى العَدُوِّ، وكانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُفادِي رَجُلًا بِرَجُلٍ، ومَنَعَ الحَسَنُ أنْ يُفادُوا بِالمالِ، وقَدْ أمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِقَتْلِ أسِيرٍ مِنَ التُرْكِ ذَكَرَ لَهُ أنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ خُصِّصَتْ مِنَ الأُخْرى بِأهْلِ الكِتابِ فَقَطْ، فَفِيهِمُ المَنُّ والفِداءُ، وعُبّادُ الأوثانِ لَيْسَ فِيهِمْ إلّا القَتْلُ.
وعَلى قَوْلِ أكْثَرِ العُلَماءِ الآيَتانِ مَحْكَمَتانِ، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ تَعالى هُناكَ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، وصَرَّحَ هُنا بِذِكْرِ المَنِّ والفِداءِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ وهو أمْرٌ مُقَرَّرٌ، وهَذا هو القَوْلُ القَوِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِقابِ ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفِعْلِ، أيْ: فاضْرِبُوا رِقابَهُمْ، وعَيَّنَ مِن أنْواعِ القَتْلِ أشْهُرَهُ وأعْرَفَهُ فَذَكَرَهُ، والمُرادُ: اقْتُلُوهم بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَ، وقَدْ زادَتْ آيَةٌ أُخْرى: ﴿ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ ﴾ ، وهي مِن أنَكى ضَرَباتِ الحَرْبِ، لِأنَّها تُعَطِّلُ مِنَ المَضْرُوبِ جَمِيعَ جَسَدِهِ؛ إذِ البَنانُ أعْظَمُ آلَةِ المُقاتِلِ وأصْلِها.
و ﴿ أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ.
و"الإثْخانُ" في القَوْمِ أنْ يَكْثُرَ فِيهِمُ القَتْلى والجَرْحى، والمَعْنى: فَشَدُّوا الوَثاقَ بِمَن لَمْ يُقْتَلْ ولَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ إلّا الأسْرُ، و"مَنًّا" و"فِداءً" مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ بِفِعْلَيْنِ مُضْمَرَيْنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فِداءً"، ﴾ وقَرَأ شِبْلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "فَدى"، مَقْصُورًا.
وإمامُ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ في أسْراهُ في خَمْسَةِ أوجُهٍ: القَتْلُ أوِ الِاسْتِرْقاقُ أو ضَرْبُ الجِزْيَةِ أوِ الفِداءُ، ويَتَرَجَّحُ النَظَرُ في أسِيرِ أُسِرَ بِحَسَبِ حالِهِ مِن إذايَةِ المُسْلِمِينَ أو ضِدَّ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها ﴾ مَعْناهُ: حَتّى تَذْهَبَ وتَزُولَ أثْقالُها، و"الأوزارُ" جَمْعُ وِزْرٍ - الأثْقالُ فِيها والآلاتُ لَها، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ الزَبِيدِيِّ: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوزارَها ∗∗∗ رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا وقالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: الأوزارُ في هَذِهِ الآيَةِ الآثامُ، جَمْعُ وِزْرٍ ؛ لِأنَّ الحَرْبَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيها آثامٌ في أحَدِ الجانِبَيْنِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الغايَةِ الَّتِي عِنْدَها تَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها، فَقالَ قَتادَةُ: حَتّى يُسْلِمَ الجَمِيعُ فَتَضَعَ الحَرْبُ أوزارَها، وقالَ حُذّاقُ أهْلِ النَظَرِ: حَتّى تَغْلِبُوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها اسْتِعارَةٌ يُرادُ لَها التِزامُ الأمْرِ أبَدًا، وذَلِكَ أنَّ الحَرْبَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ لا تَضَعُ أوزارَها، فَجاءَ هَذا كَما تَقُولُ: أنا أفْعَلُ كَذا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّما تُرِدُ أنْ تَفْعَلَهُ دائِمًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ" ﴾ تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ أيْ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ يُهْلِكُهم بِهِ في حِينٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ تَعالى أرادَ اخْتِبارَ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يَبْلُوَ بَعْضَ الناسِ بِبَعْضٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "قاتِلُوا"، وقَرَأ عاصِمٌ، الجَحْدَرِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "قَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ والتاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْرَجُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى، وأبُو رَجاءٍ هَكَذا وشَدَّدُوا التاءَ، والقِراءَةُ الأُولى أعَمُّها وأوضَحُها مَعْنًى.
وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "سَيَهْدِيهِمْ" ﴾ أيْ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إصْلاحِ البالِ، وقَدْ رَوى عَبّاسُ بْنُ المُفَضَّلِ عن أبِي عَمْرٍو: "وَيُدْخِلْهُمْ" بِسُكُونِ اللامِ، وفي التَغابُنِ ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ﴾ ، وفي سُورَةِ الإنْسانِ ﴿ إنَّما نُطْعِمُكُمْ ﴾ بِسُكُونِ الطاءِ والمِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ ، قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: بَيَّنَها لَهُمْ، أيْ: جَعَلَهم يَعْرِفُونَ مَنازِلَهم مِنها، وفي نَحْوِ هَذا المَعْنى هو قَوْلُ النَبِيِّ : « "لِأحَدِكم بِمَنزِلِهِ في الجَنَّةِ أعْرَفُ مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُنْيا"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: سَمّاها لَهم ورَسَمَها، كُلُّ مَنزِلٍ بِاسْمِ صاحِبِهِ، فَهَذا نَحْوٌ مَنِ التَعْرِيفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: شَرَّفَها لَهم ورَفَعَها وعَلاها، وهَذا مِنَ الأعْرافِ الَّتِي هي الجِبالُ وما أشْبَهَها، ومِنهُ أعْرافُ الخَيْلِ، وقالَ مُؤَرِّجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: طَيَّبَها، مَأْخُوذٌ مِنَ العُرْفِ، ومِنهُ طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ، وعَرَفْتُ القِدْرَ، أيْ: طَيَّبْتُها بِالمِلْحِ والتَوابِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَنْصُرُوا اللهَ ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: دِينَ اللهِ ورَسُولِهِ، والمَعْنى: تَنْصُرُوهُ بِجِدِّكم واتِّباعِكم وإيمانِكُمْ، يَنْصُرْكم بِخَلْقِ القُوَّةِ لَكم والجُرْأةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعارِفِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيُثَبِّتُ" بِفَتْحِ التاءِ المُثَلَّثَةِ وشَدِّ الباءِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَيُثْبِتُ" بِسُكُونِ الثاءِ وتَخْفِيفِ الباءِ، وهَذا التَثْبِيتُ هو في مُواطِنِ الحَرْبِ عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى الصِراطِ في القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: عِثارًا لَهم وهَلاكًا، وهي لَفْظَةٌ تُقالُ لِلْكافِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يا سَيِّدِي إنْ عَثَرْتُ خُذْ بِيَدِي ∗∗∗ ∗∗∗ ولا تَقُلْ: لا ولا تَقُلْ تَعِسًا وقالَ الأعْشى في هَذا المَعْنى: بِذاتٍ لَوَتْ عَفِرْناةٍ إذا عَثَرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ فالتَعْسُ أدْنى لَها مِن أنْ أقُولَ: لَعا ومِنهُ قَوْلُ أُمِّ مِسْطَحٍ لَمّا عَثَرَتْ في مُرْطِها: تَعِسَ مِسْطَحُ، قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: التَعْسُ: أنْ يَخِرَّ عَلى وجْهِهِ، و"تَعْسًا" مَصْدَرٌ نَصَبَهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ أعْمالَهم في كُفْرِهِمُ الَّتِي هي بِرٌّ مُقَيِّدَةٌ مَحْفُوظَةٌ، ولا خِلافَ أنَّ الكافِرَ لَهُ حَفَظَةٌ يَكْتُبُونَ سَيِّئاتِهِمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في حَسَناتِهِمْ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُلْغاةٌ، يُثابُونَ عَلَيْها بِنِعَمِ الدُنْيا فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُحْصاةٌ مِن أجْلِ ثَوابِ الدُنْيا، ومِن أجْلِ أنَّ [الكافِرَ] قَدْ يُسْلِمُ فَيَنْضافُ ذَلِكَ إلى حَسَناتِهِ في الإسْلامِ، وهَذا أحَدُ التَأْوِيلَيْنِ في «قَوْلِ النَبِيِّ لِحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: "أسْلِمْتُ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ"،» فَقَوْمٌ قالُوا: تَأْوِيلُهُ: أسْلَمْتُ عَلى أنْ يُعَدَّ لَكَ ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ، وهَذا هو التَأْوِيلُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: أسْلَمْتُ عَلى إسْقاطِ ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ، إذْ قَدْ ثُوِّبَتْ عَلَيْهِ بِنِعَمِ دُنْياكَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ أعْمالَهُمُ الَّتِي أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَحَبْطِها هي عِبادَتُهُمُ الأصْنامَ وكُفْرُهُمْ، ومَعْنى "أُحْبِطَ": جَعَلَها مِنَ العَمَلِ الَّذِي لا يَزْكُو ولا يُعْتَدُّ بِهِ، فَهي لِذَلِكَ كالَّذِي أُحْبِطَ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني جواب سؤال يخطر ببال سامع قولِه: ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ [محمد: 11] عن حال المؤمنين في الآخرة وعن رزق الكافرين في الدنيا، فبيّن الله أن من ولايته المؤمنين أن يعطيهم النعيم الخالد بعد النصر في الدنيا، وأنّ ما أعطاه الكافرين في الدنيا لا عبرةَ به لأنهم مسلوبون من فهم الإيمان فحظهم من الدنيا أكل وتمتع كحظ الأنعام، وعاقبتهم في عالم الخلود العذاب، فقوله: ﴿ والنار مثوًى لهم ﴾ في معنى قوله في سورة آل عمران (196، 197) ﴿ لا يغرنك تقلُّب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾ وهذا الاستئناف وقع اعتراضاً بين جملة ﴿ أفلم يسيروا في الأرض ﴾ [محمد: 10] وجملة ﴿ وكأين من قرية ﴾ [محمد: 13] الآية.
والمجرور من قوله: ﴿ كما تأكل الأنعام ﴾ في محل الحال من ضمير ﴿ يأكلون ﴾ ، أو في محل الصفة لمصدر محذوف هو مفعول مطلق ل ﴿ يأكلون ﴾ لبيان نوعه.
والتمتع: الانتفاع القليل بالمتاع، وتقدم في قوله: ﴿ متاع قليل ﴾ في سورة آل عمران (197)، وقوله: ﴿ ومتاع إلى حين ﴾ في سورة الأعراف (24).
والمثوى: مكان الثواء، والثواء: الاستقرار، وتقدم في قوله: ﴿ قال النار مثواكم ﴾ في الأنعام (128).
وعدل عن الإضافة فقيل مثوًى لهم } بالتعليق باللام التي شأنها أن تنون في الإضافة ليفاد بالتنوين معنى التمكّن من القرار في النار مثوى، أي مثوى قوياً لهم لأن الإخبار عن النار في هذه الآية حصل قبل مشاهدتها، فلذلك أضيفت في قوله: <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِمْ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: كُلُّ مَن خالَفَ دِينَ الإسْلامِ مِن مُشْرِكٍ أوْ كِتابِيٍّ إذا لَمْ يَكُنْ صاحِبَ عَهْدٍ ولا ذِمَّةٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ضَرْبُ أعْناقِهِمْ صَبْرًا عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ قَتَلَهم بِالسِّلاحِ واليَدَيْنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي بِالإثْخانِ الظَّفَرَ، وبِشَدِّ الوَثاقِ الأسْرَ.
﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ في المَنِّ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَفُوُّ والإطْلاقُ كَما مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلى ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ بَعْدَ أسْرِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ العِتْقُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَأمّا الفِداءُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُفاداةُ عَلى مالٍ يُؤْخَذُ مِن أسِيرٍ يُطْلَقُ، كَما فادى رَسُولُ اللَّهِ في بَدْرٍ كُلَّ أسِيرٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وفادى في بَعْضِ المَواطِنِ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ.
الثّانِي: أنَّهُ البَيْعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أوْزارَ الحَرْبِ أثْقالُها، والوِزْرُ الثُّقْلُ ومِنهُ وزِيرُ المَلِكِ لِأنَّهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الأثْقالَ، وأثْقالُها السِّلاحُ.
الثّانِي: هو [وَضْعُ] سِلاحِهِمْ بِالهَزِيمَةِ أوِ المُوادَعَةِ، قالَ الشّاعِرُ وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورًا الثّالِثُ: حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَ كُفْرِهِمْ بِالإسْلامِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الرّابِعُ: حَتّى يَظْهَرَ الإسْلامُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
الخامِسُ: حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ، وأنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ في مَن أسَرَهُ مِنهم بَيْنَ أرْبَعَةِ أُمُورٍ: أنْ يَقْتُلَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ ، أوْ يَسْتَرِقَّ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَرَقَّ العُقَيْلِيِّ، أوْ يَمُنَّ كَما مَنَّ عَلى ثَمامَةَ، أوْ يُفادِي بِمالٍ أوْ أسْرى، فَإذا أسْلَمُوا أسْقَطَ القَتْلَ عَنْهم وكانَ في الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، عَلى خِيارِهِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
﴿ ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالمَلائِكَةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بِغَيْرِ قِتالٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ، قالَ قَتادَةُ: هم قَتْلى أُحُدٍ.
وَقَرَأ الباقُونَ قاتَلُوا ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَحِقُّ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: يَهْدِيهِمْ إلى مَحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ في القَبْرِ، قالَهُ زِيادٌ.
الثّالِثُ: يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عَرَّفَها بِوَصْفِها عَلى ما يُشَوِّقُ إلَيْها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: عَرَّفَهم ما لَهم فِيها مِنَ الكَرامَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: مَعْنى عَرَّفَها أيْ طَيَّبَها بِأنْواعِ المَلاذِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَرْفِ وهي الرّائِحَةُ الطَّيِّبَّةُ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
الرّابِعُ: عَرَّفَهم مَساكِنَهم فِيها حَتّى لا يَسْألُونَ عَنْها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ الحَسَنُ: وَصَفَ الجَنَّةَ لَهم في الدُّنْيا فَلَمّا دَخَلُوها عَرِفُوها بِصِفَتِها.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ عَرَّفَ أهْلَ السَّماءِ أنَّها لَهم إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ فِيها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ تَنْصُرُوا دِينَ اللَّهِ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ.
الثّانِي: إنْ تَنْصُرُوا نَبِيَّ اللَّهِ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
﴿ وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ويُثَبِّتُ أقْدامَكم في نَصْرِهِ.
الثّانِي: عِنْدَ لِقاءِ عَدُوِّهِ.
ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَثْبِيتَ الأقْدامِ بِالنَّصْرِ.
الثّانِي: يُرِيدُ تَثْبِيتَ القُلُوبِ بِالأمْنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خِزْيًا لَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: شَقاءً لَهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: شَتْمًا لَهم مِنَ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: هَلاكًا لَهم، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
الخامِسُ: خَيْبَةً لَهم، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
السّادِسُ: قُبْحًا لَهم، حَكاهُ النَّقّاشُ.
السّابِعُ: بِعَدائِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّامِنُ: رَغْمًا لَهم، قالَهُ الضَّحّاكُ.
التّاسِعُ: أنَّ التَّعْسَ الِانْحِطاطُ والعَثارُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ﴾ قال: على نصره.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ﴾ قال: حق على الله أن يعطي من سأله، وأن ينصر من نصره ﴿ والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ﴾ قال: أما الأولى ففي الكفار الذين قتل الله يوم بدر، وأما الأخرى ففي الكفار عامة.
وأخرج ابن شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه: ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ قال: كرهوا الفرائض.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم ﴾ قال: أهلكهم الله بألوان العذاب بأن يتفكر متفكر ويتذكر متذكر ويرجع راجع، فضرب الأمثال وبعث الرسل ليعقلوا عن الله أمره.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ قال: لكفار قومك يا محمد مثل ما دمرت به القرى فأهلكوا بالسيف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ قال: مثل ما دمرت به القرون الأولى وعيد من الله تعالى لهم، وفي قوله: ﴿ ذلك بأن الله مولى الذي آمنوا ﴾ قال: وليهم الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ قال: ليس لهم مولى غيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا، ويأكلون كما تأكل الأنعام (١) (٢) (٣) ﴿ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ منزل ومقام ومصير ومأوى، كل هذا من ألفاظ المفسرين (٤) ثم خوفهم ليحذروا فقال: (١) لم أقف عليه.
(٢) أورد هذا القول: الثعلبي في "تفسيره"، ولم ينسبه.
انظر: 10/ 125 ب، وكذلك ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير"، ولم ينسبه.
انظر: 7/ 400.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 45 - 46.
(٤) انظر: "جامع البيان" للطبري 13/ 47، "تفسير السمرقندي" 3/ 242، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام ﴾ عبارة عن كثرة أكلهم، وعن غفلتهم عن النظر كالبهائم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ ، جائز أن يكون قوله - -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ في القتال والحرب، وكذلك قوله - -: ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ في الحرب والقتال - أيضاً - يضربون ويقتلون على ما يظفرون ويقدرون بهم من المفاصل، ولكن إبانة من المفصل - والله أعلم - لما روي في الخبر: "إذا قتلتم فأحسنوا القتل" وحسن القتل هو أن يضرب ويبان من المفصل، والله أعلم.
فعلى هذا جائز أن يخرج تأويل قوله : ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ وتأويل قوله: ﴿ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ﴾ .
وجائز أن يكون لا على التقديم والتأخير والإضمار، ولكن كل آية على نظم ما ذكر، والله أعلم.
ثم إن كان على ما ذكرنا من التقديم والتأخير والإضمار فيكون كأنه قال - -: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا الرقاب حتى [إذا] أثخنتموهم وأسرتموهم، فاضربوا فوق الأعناق؛ لأن الإمام بالخيار عندنا إذا أخذهم وظفر بهم إن شاء قتلهم، وإن شاء من عليهم وتركهم بالجزية، لقوله: ﴿ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ ﴾ ويكون قوله: ﴿ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ﴾ على هذا في المن يستوثقهم بالمواثيق، وإن شاء فاداهم، لكنهم اختلفوا في المفاداة.
قال بعضهم: يفدون بالأموال وأسراء المسلمين منهم.
وقال بعضهم: يفادون بالأسراء منهم، ولكن لا يجوز أن يفادوا بالأموال، وهو قولنا.
وقال بعضهم: لا يفادون بأسراء المسلمين ولا بالأموال؛ وهو قول أبي حنيفة، رحمه الله .
واختلفوا في قتل الأسراء منهم: قال بعضهم: لا يقتلون، ولكن يمن عليهم أو يفادون.
وقال بعضهم: الإمام بالخيار: إن شاء قتلهم، وإن شاء منّ عليهم، وإن شاء فاداهم بالأسارى من المسلمين؛ أما القتل فلما ذكرنا من الاستدلال بقوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ ، ولما روي عن رسول الله "أنه استشار أبا بكر، وعمر، وسائر الصحابة - رضي الله عهم - في أسارى بدر، فأشاروا إلى المنّ عليهم والترك، وأشار عمر إلى القتل فيهم، وقال رسول الله عند ذلك: لو جاءت من السماء نار ما نجا منكم إلا عمر" أو كلام نحوه - دل أن الحكم فيهم القتل؛ أعني: في هؤلاء الذين حكم فيهم عمر - - بالقتل؛ لذلك قال رسول الله : "ما نجا إلا عمر" فدل هذ الخبر أن للإمام أن يقتل أسارى أهل الشرك، وله أن يمن عليهم بالترك بالجزية في حق أهل الكتاب والعجم، فإنه لما جاز لنا في الابتداء أن نأخذ منهم الجزية إذا أبوا الإسلام وتركهم على ما هم عليه، فعلى ذلك بعد الظفر بهم والقدرة عليهم.
ثم قال بعضهم: الآية - وهو قوله: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ﴾ - تخالف من حيث الظاهر لقوله: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ ﴾ ونحو ذلك، ولكن أمكن التوفيق بين الآيتين: هذه في قوم، والأخرى في قوم آخرين، أو هذه في وقت والأخرى في وقت آخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ .
قال بعضهم: حتى يخرج عيسى بن مريم - عليهما السلام - فعند ذلك تذهب الحروب والقتال، أي: اقتلوهم، وافعلوا بهم ما ذكر إلى وقت خروج عيسى - - وقال بعضهم: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: حتى يضعوا أسلحتهم ويتركوا القتال.
وقال بعضهم: حتى يذهب الكفر والشرك، ولا يكون الدين إلا دين الإسلام، وهو كقوله - -: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، أي: شرك وكفر، والله أعلم.
قيل: الإثخان: هو الغلبة والقهر بالقتل والجراح.
وقال أبو عوسجة: ﴿ أَثْخَنتُمُوهُمْ ﴾ ، أي: أكثرتم فيهم القتل والجراحة، ويقال في الكلام: ضربته حتى أثخنته: حتى لا يقدر أن يتحرك، والوثاق: ما أوثقت به كل يدي الرجل أو رجليه؛ يقال: أوثقته واستوثقت منه.
وقوله: ﴿ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: أثقالها، واحدها: وزر، وهو الثقل.
وقال القتبي: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي: يضع أهل الحرب السلاح.
وأصل الوزر ما حملته، فسمّى السلاح: وزراً؛ لأنه يحمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي: ذلك الذي أمرتهم به من أول ما ذكر من قوله - -: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ ﴾ لأوليائه من أعدائه بلا قتال، ولا نصب الحروب فيما بينهم، ثم انتصاره منهم يكون مرة بأن يهلكهم إهلاكاً، ويقهرهم قهراً، ومرة ينتصر منهم بأن يسلط عليهم أضعف خلقه وأخسهم، فيقهرهم بأضعف خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: يمتحن بعضكم بقتال بعض، وبأنواع المحن: أنشأ الله - عز وجل - هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم مشابهاً لبعض غير مخالف بعضهم بعضاً فإنما يظهر الاختلاف بالامتحان بأنواع المحن على اختلاف الأحوال، فعند ذلك يظهر المصدق من المكذب، والمحق من المبطل، والموافق من المخالف، والمتحقق من المضطرب، والموقن من الشاك؛ على ما ذكر - -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب [و]التحقيق وغيره.
ثم لو كان - جل وعلا - انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصرهم على أعدائهم نصراً بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه - لكان التوحيد له والتصديق لرسله بحق الاضطرار، لا بحق الاختيار؛ لأنهم إذا رأوا أنهم يستأصلون ويهلكون إهلاكاً بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم؛ بل يوافقونهم مخافة الهلاك والاستئصال، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم، فلا يظهر المختار من غيره؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ فهزموا وغلبوا وهربوا في وقت أو في قتال، ﴿ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ التي كانت منهم من الجهاد مع الأعداء وغير ذلك من الأعمال التي كانت لهم، ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ ، أي: يوفقهم ثانياً - مرة أخرى - للقتال والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا، ويدخلهم في الآخرة الجنة.
والثاني: أي: ﴿ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ في الآخرة، ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ في الآخرة الجنة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ قال بعضهم: أي: يدخلهم الجنة التي بينها لهم في الدنيا ووصفها.
وقال بعضهم: عرفها لهم في الآخرة حتى يعرف كل منزله وأهله من غير أعلام وأدلة جعلت لهم، كما يعرف كل أحد في الدنيا منزله وأهله وخدمه، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أي: طيبها لهم؛ يقال: فلان معرف، أي: مطيب، وطعام معرف، أي: مطيب؛ وهو قول القتبي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ أي: إن تنصروا دين الله ينصركم.
أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم على أعدائكم.
ثم نصرنا دين الله وأولياءه يكون مرة بالأنفس والأموال ببذلها في سبيله لابتغاء وجهه، والثاني: يكون نصراً بالحجج والبراهين بإقامتها عليهم بما أمرنا من إقامة الحجج والآيات.
ثم يكون نصر الله إيانا من وجهين: أحدهما: ينصرنا على أعدائه بما يغلبهم ويقهرهم، لكن إن كان هذا، فيكون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت، لا في كل الأحوال.
والثاني: يكون نصره إيانا بما يجعل العاقبة [لنا]، وإن كنا غلبنا وقهرنا في بعض الحروب والقتال، وكانوا هم الغالبين علينا، قاهرين لنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ .
يحتمل في الحروب والقتال، أو يثبت أقدامهم في الآخرة؛ كي لا تزول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ ﴾ ، أي: هلاكاً لهم.
وقيل: أي: محنة عند الهزيمة والقتل.
وجائز أن يكون أريد به الهلاك، وأصل التعس هو العثور والسقوط، وهو الهلاك، فيرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: ذلك الذي ذكر لهم من التعس والهلاك وإبطال الأعمال بأنهم تركوا اتباع ما أنزل الله على رسوله؛ إذ كل من ترك اتباع شيء اعتقاداً، فقد كرهه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ﴾ أي: كرهوا ما أنزل الله على غير بني إسرائيل، فإن كان هذا فالآية في أهل الكتاب؛ لأنهم لم يروا الرسل من غير بني إسرائيل ولا إنزال الكتب على أحد من غير بني إسرائيل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: بتركهم اتباع ما أنزل الله وقبوله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: لو ساروا في الأرض، لعرفوا ما نزل بأولئك بماذا نزل بهم؟
وهو تكذيبهم للرسل وكفرهم بهم، ولعرفوا أن من نجا منهم بماذا نجا؟
وهو التصديق لهم، والإيمان بهم.
والثاني: على الأمر؛ أي: سيروا في الأرض، فانظروا ما الذي نزل بمكذبي الرسل ومستهزئيهم؛ ليكون ذلك مزجراً لهم عن مثل معاملتهم الرسول؛ .
والثالث: أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم ينظروا ولم يعتبروا فيما نزل بأولئك أنه بماذا نزل بهم؛ ولو تأملوا فيهم، لكان ذلك زجراً لهم عن المعاودة إلى مثل ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ ﴾ سوى هؤلاء الكفار الذين دمر الله عليهم أمثال ما لهم من الهلاك بتكذيبهم الرسل.
والثاني: أي: ﴿ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ أي: للكافرين من قومك أمثالها، وهذا وعيد لقومه.
والثالث: أن يقول: لقومه ولكل كافر أمثال ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ تأويله: أي: ذلك الذي ذكر لهم؛ لأجل أن الله ناصر الذين اتبعوا أمره، وآمنوا به، وصدقوه، فدفع العذاب عنهم باتباعهم أمره، وإن للكافرين ذلك؛ لما ليس هو بناصر لهم؛ لتركهم اتباع أمره وتصديقهم إياه، فلم يدفع العذاب عنهم.
أو يقول: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي: دفع العذاب عن الذين آمنوا؛ لما أن الله يتولى أمورهم، ويعصمهم، وأنه لم يتول أمور الكفرة، أي: لم يعصمهم، وخذلهم، وتركهم على ما اختاروا؛ لعلمه باختيارهم ما اختاروا من التكذيب، وتولى المؤمنين وعصمهم؛ لعلمه بما يختارون من التصديق والاتباع له، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن الله يدخل الذين آمنوا بالله وبرسوله وعملوا الأعمال الصالحات، جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، والذين كفروا بالله وبرسوله يتمتعون في الدنيا باتباع شهواتهم، ويأكلون كما تأكل الأنعام، لا همّ لهم إلا بطونهم وفروجهم، والنار يوم القيامة هي مستقرّهم الذي يأوون إليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.0R31G"