الآية ٢٧ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٢٧ من سورة المائدة

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 160 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه - في قول الجمهور - وهما هابيل وقابيل كيف عدا أحدهما على الآخر ، فقتله بغيا عليه وحسدا له ، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل ، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة ، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة ، فقال تعالى : ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ) أي : واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة ، إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم - خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف .

وقوله : ( بالحق ) أي : على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب ، ولا وهم ولا تبديل ، ولا زيادة ولا نقصان ، كما قال تعالى : ( إن هذا لهو القصص الحق ) [ آل عمران : 62 ] وقال تعالى : ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) [ الكهف : 13 ] وقال تعالى : ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ] ) [ مريم : 34 ] وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف ، أن الله تعالى قد شرع لآدم عليه السلام ، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال ، ولكن قالوا : كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى ، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر ، وكانت أخت هابيل دميمة ، وأخت قابيل وضيئة ، فأراد أن يستأثر بها على أخيه ، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قربانا ، فمن تقبل منه فهي له ، فقربا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه .

ذكر أقوال المفسرين هاهنا : قال السدي - فيما ذكر - عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ; أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية ، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر ، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر ، حتى ولد له ابنان يقال لهما : قابيل وهابيل وكان قابيل صاحب زرع ، وكان هابيل صاحب ضرع ، وكان قابيل أكبرهما ، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال : هي أختي ، ولدت معي ، وهي أحسن من أختك ، وأنا أحق أن أتزوج بها .

فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى ، وأنهما قربا قربانا إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية ، وكان آدم عليه السلام قد غاب عنهما ، أتى مكة ينظر إليها ، قال الله عز وجل : هل تعلم أن لي بيتا في الأرض ؟

قال : اللهم لا .

قال : إن لي بيتا في مكة فأته .

فقال آدم للسماء : احفظي ولدي بالأمانة ، فأبت .

وقال للأرض ، فأبت .

وقال للجبال ، فأبت .

فقال لقابيل فقال : نعم ، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك .

فلما انطلق آدم قربا قربانا ، وكان قابيل يفخر عليه ، فقال : أنا أحق بها منك ، هي أختي ، وأنا أكبر منك ، وأنا وصي والدي .

فلما قربا ، قرب هابيل جذعة سمنة ، وقرب قابيل حزمة سنبل ، فوجد فيها سنبلة عظيمة ، ففركها فأكلها .

فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي .

فقال هابيل : إنما يتقبل الله من المتقين .

رواه ابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن خثيم قال : أقبلت مع سعيد بن جبير فحدثني عن ابن عباس قال : نهي أن تنكح المرأة أخاها توأمها ، وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها ، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة ، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة ، وولد له أخرى قبيحة دميمة ، فقال أخو الدميمة : أنكحني أختك وأنكحك أختي .

قال : لا ، أنا أحق بأختي ، فقربا قربانا ، فتقبل من صاحب الكبش ، ولم يتقبل من صاحب الزرع ، فقتله .

إسناد جيد .

وحدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله : ( إذ قربا قربانا ) فقربا قربانهما ، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض ، وصاحب الحرث بصبرة من طعام ، فقبل الله الكبش فخزنه في الجنة أربعين خريفا ، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم صلى الله عليه وسلم إسناد جيد .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن أبي المغيرة عن عبد الله بن عمرو قال : إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم ، وإنهما أمرا أن يقربا قربانا ، وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها ، طيبة بها نفسه ، وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكودن والزوان غير طيبة بها نفسه ، وإن الله ، عز وجل ، تقبل قربان صاحب الغنم ، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث ، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه ، قال : وايم الله ، إن كان المقتول لأشد الرجلين ، ولكن منعه التحرج أن يبسط [ يده ] إلى أخيه .

وقال إسماعيل بن رافع المدني القاص : بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان ، كان أحدهما صاحب غنم ، وكان أنتج له حمل في غنمه ، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل ، وكان يحمله على ظهره من حبه ، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه .

فلما أمر بالقربان قربه لله ، عز وجل ، فقبله الله منه ، فما زال يرتع في الجنة حتى فدى به ابن إبراهيم عليه السلام .

رواه ابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الأنصاري حدثنا القاسم بن عبد الرحمن حدثنا محمد بن علي بن الحسين قال : قال آدم عليه السلام لهابيل وقابيل : إن ربي عهد إلي أنه كائن من ذريتي من يقرب القربان ، فقربا قربانا حتى تقر عيني إذا تقبل قربانكما ، فقربا .

وكان هابيل صاحب غنم فقرب أكولة غنمه ، خير ماله ، وكان قابيل صاحب زرع ، فقرب مشاقة من زرعه ، فانطلق آدم معهما ، ومعهما قربانهما ، فصعدا الجبل فوضعا قربانهما ، ثم جلسوا ثلاثتهم : آدم وهما ، ينظران إلى القربان ، فبعث الله نارا حتى إذا كانت فوقهما دنا منها عنق ، فاحتمل قربان هابيل وترك قربان قابيل فانصرفوا .

وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه ، فقال : ويلك يا قابيل رد عليك قربانك .

فقال قابيل : أحببته فصليت على قربانه ودعوت له فتقبل قربانه ، ورد علي قرباني .

وقال قابيل لهابيل : لأقتلنك فأستريح منك ، دعا لك أبوك فصلى على قربانك ، فتقبل منك .

وكان يتواعده بالقتل ، إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه ، فقال آدم : يا قابيل أين أخوك؟

[ قال ] قال : وبعثتني له راعيا؟

لا أدري .

فقال [ له ] آدم : ويلك يا قابيل .

انطلق فاطلب أخاك .

فقال قابيل في نفسه : الليلة أقتله .

وأخذ معه حديدة فاستقبله وهو منقلب ، فقال : يا هابيل تقبل قربانك ورد علي قرباني ، لأقتلنك .

فقال هابيل : قربت أطيب مالي ، وقربت أنت أخبث مالك ، وإن الله لا يقبل إلا الطيب ، إنما يتقبل الله من المتقين ، فلما قالها غضب قابيل فرفع الحديدة وضربه بها ، فقال : ويلك يا قابيل أين أنت من الله؟

كيف يجزيك بعملك؟

فقتله فطرحه في جوبة من الأرض ، وحثى عليه شيئا من التراب .

وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول : إن آدم أمر ابنه قينا أن ينكح أخته توأمة هابيل ، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قين ، فسلم لذلك هابيل ورضي ، وأبى ذلك قين وكره ، تكرما عن أخت هابيل ورغب بأخته عن هابيل وقال : نحن ولادة الجنة ، وهما من ولادة الأرض ، وأنا أحق بأختي - ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول : كانت أخت قين من أحسن الناس ، فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه ، فالله أعلم أي ذلك كان - فقال له أبوه : يا بني ، إنها لا تحل لك ، فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه .

فقال له أبوه : يا بني ، قرب قربانا ، ويقرب أخوك هابيل قربانا ، فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها ، وكان قين على بذر الأرض ، وكان هابيل على رعاية الماشية ، فقرب قين قمحا ، وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه - وبعضهم يقول : قرب بقرة - فأرسل الله نارا بيضاء ، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قين ، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله .

رواه ابن جرير .

وقال العوفي عن ابن عباس قال : كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه ، وإنما كان القربان يقربه الرجل .

فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا ، وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله أرسل إليه نارا فتأكله وإن لم يكن رضيه الله خبت النار ، فقربا قربانا ، وكان أحدهما راعيا ، وكان الآخر حراثا ، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها ، وقرب الآخر بعض زرعه ، فجاءت النار فنزلت بينهما ، فأكلت الشاة وتركت الزرع ، وإن ابن آدم قال لأخيه : أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي ؟

فلا والله لا ينظر الناس إليك وإلي وأنت خير مني .

فقال : لأقتلنك .

فقال له أخوه : ما ذنبي؟

إنما يتقبل الله من المتقين .

رواه ابن جرير .

فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارئ في امرأة ، كما تقدم عن جماعة من تقدم ذكرهم ، وهو ظاهر القرآن : ( إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ) فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده لقبول قربانه دونه .

ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل وأن الذي قرب الطعام هو قابيل وأنه تقبل من هابيل شاته ، حتى قال ابن عباس وغيره : إنه الكبش الذي فدي به الذبيح ، وهو مناسب ، والله أعلم ، ولم يتقبل من قابيل .

كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف ، وهو المشهور عن مجاهد أيضا ، ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال : الذي قرب الزرع قابيل وهو المتقبل منه ، وهذا خلاف المشهور ، ولعله لم يحفظ عنه جيدا ، والله أعلم .

ومعنى قوله : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) أي : ممن اتقى الله في فعله ذلك .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبريق حدثنا إسماعيل بن عياش حدثني صفوان بن عمرو عن تميم يعني ابن مالك المقري قال : سمعت أبا الدرداء يقول : لأن أستيقن أن الله قد تقبل مني صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها ، إن الله يقول : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وحدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن عمران حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي - عن المغيرة بن مسلم عن ميمون بن أبي حمزة قال : كنت جالسا عند أبي وائل فدخل علينا رجل - يقال له : أبو عفيف من أصحاب معاذ - فقال له شقيق بن سلمة : يا أبا عفيف ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟

قال : بلى ، سمعته يقول : يحبس الناس في بقيع واحد ، فينادي مناد : أين المتقون؟

فيقومون في كنف من الرحمن ، لا يحتجب الله منهم ولا يستتر .

قلت : من المتقون؟

قال : قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان ، وأخلصوا العبادة ، فيمرون إلى الجنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز وجل : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واتلُ على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطُوا أيديهم إليكم، وعلى أصحابك معك (68) = وعرِّفهم مكروهَ عاقبة الظلم والمكر، وسوء مغبَّة الخَتْر ونقض العهد، (69) وما جزاء الناكثِ وثوابُ الوافي= (70) خبرَ ابني آدم، هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربَّه الوافي بعهده، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربَّه الخاتِر الناقضِ عهده.

(71) فلتعرف بذلك اليهود وخَامِة غِبّ غَدْرهم ونقضهم ميثاقَهم بينك وبينهم، (72) وهمَّهم &; 10-202 &; بما همُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم (73) = في حسن ثوابي وعِظَم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتولَ الوافِيَ بعهده من ابني آدم، وعاقبتُ به القاتل الناكثَ عهده= عزاءً جميلا.

(74) * * * واختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان، وسبب قَبُول الله عز وجل ما تقبل منه، ومَنِ اللذان قرَّبا؟

فقال بعضهم: كان ذلك عن أمر الله جل وعز إياهما بتقريبه، وكان سبب القبول أن المتقبَّل منه قرَّب خير ماله، وقرب الآخر شر ماله، وكان المقرِّبان ابني آدم لصلبه، أحدهما: هابيل، والآخرُ: قابيل.

ذكر من قال ذلك: 11704 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن هشام بن سَعْد، عن إسماعيل بن رافع قال: بلغني أن ابني آدم لمّا أُمِرَا بالقربان، كان أحدهما صاحب غَنَم، وكان أُنْتِجَ له حَمَلٌ في غنمه، (75) فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منه.

فلما أُمِر بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يَرْتَع في الجنة حتى فُدِي به ابن إبراهيم صلى الله عليهما.

(76) 11705 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو قال: إنّ ابني آدم اللذين قرّبا قربانًا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ، والآخر صاحب غنم.

وأنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا= وإن صاحب الغَنَم قرب أكرم غنمه وأسمَنَها وأحسَنَها طيّبًة بها نفسه= وإن صاحبَ الحرث قرّب شَرّ حرثه، [الكوزن] والزُّوان، (77) غير طيبةٍ بها نفسه= وإن الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث.

وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه.

وقال: أيمُ الله، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ يده إلى أخيه.

(78) * * * وقال آخرون: لم يكن ذلك من أمرِهما عن أمرِ الله إياهما به.

ذكر من قال ذلك: 11706 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتصدَّق عليه، (79) وإنما كان القربان يقرِّبه الرجل.

فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا " لو قربنا قربانًا "!

وكان الرجل إذا قرب قربانًا فرضيه الله جل وعزّ، أرسل إليه نارًا فأكلته.

وإن لم يكن رضيَه الله، خَبَتِ النار.

فقرّبا قربانًا، وكان أحدهما راعيًا، وكان الآخر حرَّاثًا، وإنّ صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنَها، وقرب الآخر بعضَ زرعه.

(80) فجاءت النار فنـزلت يينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتَمْشي في الناس وقد علموا أنك قرَّبت قربانًا فتُقبِّل منك، ورُدَّ علي؟

فلا والله لا تنظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني!!

فقال: لأقتلنَّك!

فقال له أخوه: ما ذنبي؟

إنما يتقبل الله من المتقين.

(81) 11707 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إذ قربا قربانًا "، قال: ابنا آدم، هابيل وقابيل، لصلب آدم.

فقرّب أحدهما شاةً، وقرب الآخر بَقْلا فقبل من صاحب الشاة، فقتله صاحبه.

11708 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

11709 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذْ قرّبا قربانًا " قال: هابيل وقابيل، فقرب هابيل عَنَاقًا من أحسن غَنَمه، (82) وقرب قابيل زرعًا من زرعه.

قال: فأكلت النار العَناقَ، ولم تأكل الزرع، فقال: لأقتلنك!

قال: إنما يتقبل الله من المتقين.

11710 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدا في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا " قال: هو هابيل وقابيل لصُلْب آدم، قربا قربانًا، قرب أحدهما شاة من غنمه، وقرب الآخر بَقْلا فتُقُبِّل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه: لأقتلنك!

فقتله.

فعقل الله إحدى رجليه بساقها إلى فخذها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه حَظِيرة من ثلج في الشتاء، وعليه في الصيف حظيرة من نار، ومعه سبعةُ أملاكٍ، كلما ذهب مَلَك جاء الآخر.

11711 - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر "، قال: قرّب هذا كبشًا، وقرّب هذا صُبَرًا من طعام، (83) فتقبل من أحدهما، قال: تُقُبل من صاحب الشاة، ولم يتقبل من الآخر.

11712 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر "، كان رجلان من بني آدم، فتُقُبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.

11713 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، قال: كان أحدهما اسمه قابيل، والآخر هابيل، أحدهما صاحب غنم، والآخر صاحب زرع، فقرب هذا من أمثل غنمه حَمَلا وقرّب هذا من أرذَلِ زرعه، (84) قال: فنـزلت النار فأكلت الحمل، فقال لأخيه: لأقتلنك!

11714 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل: أن آدم أمر ابنه قابيل أن يُنكِح أختَه تُؤْمَهُ هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته تُؤْمَه قابيل، (85) فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى قابيل ذلك وكره، (86) تكرمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحنَ وِلادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي!= ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه.

فالله أعلم أيّ ذلك كان= فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحلُّ لك!

فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بني فقرّب قربانًا، ويقرّب أخوك هابيل قربانًا، فأيُّكما قَبِل الله قربَانه فهو أحق بها.

وكان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رِعاية الماشية، فقرب قابيل قمحًا وقرّب هابيل أبْكارًا من أبكار غنمه= وبعضهم يقول: قرب بقرة= فأرسل الله جل وعز نارًا بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يُقْبَل القُربان إذا قبله.

(87) 11715 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن ابن مسعود= وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: وكان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، (88) فكان يزوّج غلام هذا البطن، جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن، غلامَ هذا البطن الآخر.

حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل، وهابيل.

وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرْعٍ.

وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل.

وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوَّجها!

فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل، فأبى.

وإنهما قربا قربانًا إلى الله أيُّهما أحق بالجارية، كان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله عز ذكره لآدم: يا آدمُ، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟

قال: اللهم لا!

قال: فإن لي بيتًا بمكة فأتِه.

فقال آدم للسماء: " احفظي ولدي بالأمانة "، فأبت.

وقال للأرض، فأبت.

وقال للجبال فأبت.

وقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجدُ أهلك كما يسرُّكَ.

فلما انطلق آدم، قربا قربانًا، وكان قابيل يفخَر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي!

فلما قرَّبا، قرب هابيل جَذَعة سمينة، (89) وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففرَكَها فأكلها.

فنـزلت النار فأكلت قربانَ هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي!

فقال هابيل: إنما يتقبَّل الله من المتقين.

(90) 11716 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل.

فأما هابيل، فكان صاحب ماشية، فعمَد إلى خير ماشيته فتقرّب بها، فنـزلت عليه نار فأكلته= وكان القربان إذا تُقُبل منهم، نـزلت عليه نار فأكلته.

وإذا رُدَّ عليهم أكلته الطيرُ والسباع= وأما قابيل، فكان صاحب زرع، فعمد إلى أردإ زرعه فتقرب به، فلم تنـزل عليه النار، فحسد أخاه عند ذلك فقال: لأقتلنك!

قال: إنما يتقبل الله من المتقين.

11717 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، قال: هما هابيل وقابيل، قال: كان أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخيرِ ماله، وجاء الآخر بشر ماله.

فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما، وهو هابيل، وتركت قربان الآخر، فحسده فقال: لأقتلنك!

11718 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " إذ قرّبا قربانًا "، قال: قرّب هذا زرعًا، وذَا عناقًا، فتركت النارُ الزرعَ وأكلتِ العَناق.

(91) * * * وقال آخرون: اللذان قرّبا قربانًا، وقصَّ الله عز ذكره قصصهما في هذه الآية: رجلان من بني إسرائيل، لا من ولد آدم لصلبه.

ذكر من قال ذلك: 11719 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن قال: كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القُربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات.

(92) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قرّبا القربان كانا ابني آدم لصلبه، لا من ذرّيته من بني إسرائيل.

وذلك أن الله عز وجل يتعالى عن أن يخاطب عبادَه بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريبَ القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم، دون الملائكة والشياطين وسائرِ الخلق غيرهم.

فإذْ كان معلومًا ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًّا بـِ" ابني آدم " اللذين ذكرهما الله في كتابه، ابناهُ لصلبه، لم يفدْهم بذكره جل جلاله إياهما فائدة لم تكن عندهم.

وإذْ كان غيرَ جائز أن يخاطبهم خطابًا لا يفيدهم به معنًى، فمعلوم أنه عَنى بـ" ابني آدم "، [ابني آدم لصلبه]، لا بَنِي بنيه الذين بَعُد منه نسبهم، (93) مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل، على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا.

* * * وقد ذكرنا كثيًرا ممن نُصَّ عنه القول بذلك، وسنذكر كثيرًا ممن لم يذكر إن شاء الله.

11720 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا حسام بن المِصَكّ، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حيّاك الله وبيّاك!= فقال: " بياك "، أضحكك.

(94) 11721 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال، قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لما قتل ابن آدم أخاه، بكى آدم فقال: تَغَــيَّرَتِ الْبِــلادُ وَمَــنْ عَلَيْهَــا فَلَـــوْنُ الأَرْضِ مُغْــــبَرٌّ قَبِيــحُ تَغَــيَّرَ كُــلُّ ذِي لَــوْنٍ وَطَعْــمٍ وَقَــلَّ بَشَاشَــةُ الْوَجْــهِ الْمَلِيــحِ فأجيب آدم عليه السلام: أَبَــا هَــابِيلَ قَــدْ قُتِـلا جَمِيعًـا وَصَــارَ الْحَــيُّ كَـالْمَيْتِ الـذَّبِيـحِ وَجَــاءَ بِشِــرَّةٍ قَــدْ كَـانَ مِنْهَـا عَــلَى خَـوْفٍ, فَجَـاءَ بِهَـا يَصِيـحُ (95) * * * قال أبو جعفر: وأما القول في تقريبهما ما قرَّبا، فإن الصواب فيه من القول أن يقال: إن الله عز ذكره أخبرَ عبادَه عنهما أنهما قد قربا، ولم يخبر أن تقريبهما ما قرّبا كان عن أمر الله إياهما به، ولا عن غير أمره.

وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك= وجائز أن يكون عن غير أمره.

غير أنه أيّ ذلك كان، فلم يقرّبا ذلك إلا طلب قرْبةٍ إلى الله إن شاء الله.

* * * وأما تأويل قوله: " قال لأقتلنك "، فإن معناه: قال الذي لم يُتَقَبَّل منه قربانه، للذي تُقُبّل منه قربانه: " لأقتلنك "، فترك ذكر: " المتقبل قربانه " و " المردود عليه قربانه "، استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته.

وكذلك ترك ذكر " المتقبل قربانه " مع قوله،" قال إنما يتقبل الله من المتقين ".

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.

11722 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " قال لأقتلنك "، فقال له أخوه: ما ذنبي؟

إنما يتقبل الله من المتقين.

(96) 11723 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إنما يتقبل الله من المتقين "، قال يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تُقُبل منك، جئت بقربانٍ مغشوش بأشرِّ ما عندك، (97) وجئت أنا بقربان طيِّب بخير ما عندي.

قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني!

* * * ويعني بقوله: " من المتقين "، من الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته.

(98) * * * وقد قال جماعة من أهل التأويل: " المتقون " في هذا الموضع، الذين اتقوا الشرك.

ذكر من قال ذلك: 11724 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: " إنما يتقبل الله من المتقين "، الذين يتقون الشرك.

* * * وقد بينا معنى " القربان " فيما مضى= وأنه " الفعلان " من قول القائل: " قرَّب "، كما " الفُرْقان "" الفعلان " من " فرق "، و " العُدْوان " من " عدا ".

(99) * * * وكانت قرابين الأمم الماضية قبل أمَّتنا، كالصدقات والزكوات فينا، غير أن قرابينهم كان يُعْلم المتقبل منها وغير المتقبَّل =فيما ذكر= بأكل النار ما تُقُبل منها، وترك النار ما لم يُتقبّل منها.

(100) و " القربان " في أمّتنا، الأعمال الصالحة، من الصَّلاة، والصيام، والصدقة على أهل المسكنة، وأداءِ الزكاة المفروضة.

ولا سبيل لها إلى العلم في عاجلٍ بالمتقبَّل منها والمردود.

(101) * * * وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبري، أنه حين حضرته الوفاة بَكى، فقيل له: ما يبكيك؟

فقد كنتَ وكنتَ!

فقال: يبكيني أنّي أسمع الله يقول: " إنما يتقبل الله من المتقين ".

11725 - حدثني بذلك محمد بن عمر المقدمي قال، حدثني سعيد بن عامر، عن همّام، عمن ذكره، عن عامر.

(102) * * * وقد قال بعضهم: قربان المتقين، الصلاة.

11726 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عمران بن سليمان، عن عدي بن ثابت قال: كان قربان المتّقين، الصلاة.

(103) ---------------------- الهوامش : (68) أخطأ ناشر المطبوعة الأولى فهم هذه العبارة ، فجعلها"واتل على هؤلاء الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليكم عليك وعلى أصحابك معك" ، فزاد"عليك" ، وجعل"معهم" ، "معك" فأخرج الكلام من عربية أبي جعفر ، إلى كلام غسل من عربيته.

وسياق الكلام: واتل على هؤلاء اليهود..

وعلى أصحابك معهم".

فسبحان من سلط الناشرين على الكاتبين!!

(69) "الختر": هو أسوأ الغدر.

وأقبح الخديعة ، وفي الحديث: "ما ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو" ، وفي التنزيل: "وما يحجد بآياتنا إلا كل ختار كفور".

ولم يحسن ناشر المطبوعة قراءة"الختر" ، فجعل مكانها"الجور".

(70) قوله"خبر ابني آدم" منصوب ، مفعول قوله: "واتل على هؤلاء اليهود" ، وما بين الخطين ، جملة فاصلة للبيان.

وانظر تفسير"يتلو" فيما سلف 2: 409 ، 411 ، 569/3: 86/6: 466/7: 97.

وتفسير"نبأ" فيما سلف 1: 488 ، 489/6: 259 ، 404.

(71) في المطبوعة: "الجائر" ، وانظر تفسير"الختر" فيما سلف تعليق: 2 ، وهي في المخطوطة غير منقوطة.

(72) في المطبوعة: "وخامة غب عدوهم" ، وهو فاسد مريض ، وهي في المخطوطة كما كتبتها غير منقوطة.

(73) يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

(74) السياق: "فإن لك ولهم..

عزاء جميلا".

(75) "أنتج" (بالبناء للمجهول) ، أي: ولد.

و"الحمل" (بفتحتين): الخروف.

(76) الأثر: 11704-"هشام بن سعد المدني" ، ثقة ، تكلموا فيه من جهة حفظه.

مضى برقم: 5490.

وكان في المطبوعة هنا: "بن سعيد" ، والصواب من المخطوطة.

"إسمعيل بن رافع بن عويمر المدني القاص" ، ضعيف جدا ، مضى برقم: 4039.

(77) "الكوزن" ، هكذا في المطبوعة والمخطوطة ، وفي تاريخ الطبري"الكوذر" ، ولم أجدها في شيء مما بين يدي من الكتب.

والذي وجدته أن"الدوسر": نبات كنبات الزرع ، له سنبل وحب دقيق أسمر ، يكون في الحنطة ، ويقال هو"الزوان".

و"الزوان" (بضم الزاي): ما يخرج من الطعام فيرمي به ، وهو الرديء منه.

وقيل: هو حب يخالط الحنطة ، تسميه أهل الشأم: "الشيلم".

(78) الأثر: 11705- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 71 ، وسيأتي برقم: 11727 ، مختصرًا.

وفي المطبوعة هنا: "أن يبسط يده إلى أخيه" ، زاد"يده" ، وهي ليست في المخطوطة ، ولا في التاريخ ، ولا في هذا الأثر الذي سيرويه مرة أخرى بعد.

(79) في المطبوعة: "فيتصدق" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.

(80) في المطبوعة: "أبغض زرعه" ، غير ما في المخطوطة ، وهي موافقه لما في التاريخ.

ويعني بقوله: "بعض زرعه" ، أي: ما اتفق له ، غير متخير كما تخير أخوه.

وهو كقوله في الأثر رقم: 11709."زرعا من زرعه".

(81) الأثر: 11706- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 71 ، وسيأتي برقم: 11750 ، بزيادة في آخره.

(82) "العناق" (بفتح العين): وهي الأنثى من المعز ما لم تتم سنة.

(83) "الصبر" (بضم الصاد وفتح الباء) جمع"صبرة" (بضم فسكون): كومة من طعام بلا كيل ولا وزن.

ويقال: "اشتريت الشيء صبرة" ، أي بلا كيل ولا وزن.

وفي المطبوعة: "صبرة" وأثبت ما في المخطوطة.

(84) في المطبوعة: "من أردإ زرعه" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(85) في المطبوعة في الموضعين"توأمة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وفي تاريخ الطبري: "توأمته".

و"التوأم" و"التئم" (بكسر فسكون) و"التؤم"(بضم فسكون) ، و"التئيم" ، هو من جميع الحيوان ، المولود مع غيره في بطن ، من الاثنين إلى ما زاد ، ذكرًا كان أوأنثى ، أو ذكرًا مع أنثى.ويقال أيضا"توأم للذكر"و"توأمة" للأنثى.

وفي المخطوطة والمطبوعة في جميع المواضع"قابيل".

وأما في التاريخ ، فهو في جميع المواضع"قين" مكان"قابيل" ، وهما واحد ، فتركت ما في المطبوعة والمخطوطة على حاله ، وإن كان يخالف ما رواه أبو جعفر في التاريخ.

(86) في المطبوعة: "وكرهه" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.

(87) الأثر: 11714- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 70.

(88) في المطبوعة: "كان.." بغير واو ، وأثبت ما في المخطوطة.

(89) "الجذعة" من الضأن والمعز ، الصغير ، لم يتم سنته.

(90) الأثر: 11715- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 68 ، 69.

(91) "العناق": أنثى المعز ، ما لم تتم سنة.

(92) الأثر: 11719-"سهل بن يوسف الأنماطي" ، روى عن ابن عون ، وعوف الأعرابي ، وحميد الطويل ، وغيرهم.

روى عنه أحمد ، ويحيى بن معين ، ومحمد بن بشار ، وغيرهم.

مترجم التهذيب.

وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 71.

وسيأتي رد هذا الذي قاله الحسن فيما سيأتي ص: 219 ، 220.

(93) في المطبوعة ، بغير الزيادة التي بين القوسين.

أما المخطوطة ، فكانت العبارة غير مستقيمة ، كتب هكذا: "أنه عني بابني آدم لصلبه بني بنيه الذين بعد منه نسبهم" فالصواب زيادة ما زدته بين القوسين ، وزيادة"لا" كما فعل في المطبوعة السابقة.

(94) الأثر: 11720-"حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي".

روى عن الحسن.

وابن سيرين ، وقتادة ، ونافع مولى ابن عمر.

روى عنه أبو داود الطيالسي ، وهشيم ، ويزيد بن هرون ، وغيرهم.

ضعفوه ، حتى قال ابن معين: "كان كثير الخطأ ، فاحش الوهم ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به".

مترجم في التهذيب.

(95) الأثر: 11721-"غياث بن إبراهيم النخعي ، الكوفي" ، قال يحيى بن معين: "كذاب خبيث".

وقال خالد بن الهياج: "سمعت أبي يقول: رأيت غياث بن إبراهيم ، ولو طار على رأسه غراب لجاء فيه بحديث!

وقال: إنه كان كذابًا يضع الحديث من ذات نفسه".

مترجم في الكبير 4/1/109 ، وابن أبي حاتم 3/2/57 ، وفي لسان الميزان ، وميزان الاعتدال.

وفي المخطوطة والمطبوعة ، سقط من الإسناد"عن غياث بن إبراهيم" ، وزدته من إسناد أبي جعفر في تاريخه 1: 72 ، وروى الخبر هناك.

(96) الأثر: 11722- هذا ختام الأثر السالف رقم: 11706.

(97) قوله: "بأشر ما عندك" ، أي: "بشر ما عندك" ، وهي لغة قليلة.

وقد مضت في الخبر رقم: 5080 ، وانظر التعليق هناك: 5: 85 ، تعليق: 1.

(98) انظر تفسير"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).

(99) انظر ما سلف 7: 448.

(100) انظر الأثرين السالفين: 8310 ، 8311.

(101) قوله: "لها" ، الضمير عائد إلى قوله: "أمتنا".

(102) الأثر: 11725-"محمد بن عمر بن علي بن عطاء المقدمي" ، مضى برقم: 6225 ، 6809.

و"سعيد بن عامر الضبعي" ، ثقة مأمون.

مترجم في التهذيب.

و"همام" هو"همام بن يحيى بن دينار الأزدي" ، ثقة صدوق.

مترجم في التهذيب.

و"عامر بن عبد الله العنبري" ، هو"عامر بن عبد الله بن عبد قيس العنبري" ، ويقال: "عامر بن عبد قيس" ، أحد الزهاد الثمانية ، وهم: "عامر بن عبد الله بن عبد قيس ، وأويس القرني ، وهرم بن حبان ، والربيع بن خثيم ، ومسروق بن الأجدع ، والأسود بن يزيد ، وأبو مسلم الخولاني ، والحسن بن أبي الحسن البصري".

انظر ترجمته في حلية الأولياء 2: 87-95 ، وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل: 218- 228.

ولم أجد هذا الخبر في أخباره في الكتابين.

(103) الأثر: 11726-"عمران بن سليمان القيسي" ، ذكره ابن حبان في الثقات.

مترجم في لسان الميزان.

و"عدي بن ثابت الأنصاري" ، ثقة ، إلا أنه كان يتشيع.

مات سنة 116.

مترجم في التهذيب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقينفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق الآية .

وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التنبيه من الله تعالى على أن ظلم اليهود ، ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه .

المعنى : إن هم هؤلاء اليهود بالفتك بك يا محمد فقد قتلوا قبلك الأنبياء ، وقتل قابيل هابيل ، والشر قديم .

أي : ذكرهم هذه القصة فهي قصة صدق ، لا كالأحاديث الموضوعة ; وفي ذلك تبكيت لمن خالف الإسلام ، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، واختلف في ابني آدم ; فقال الحسن البصري : ليسا لصلبه ، كانا رجلين من بني إسرائيل - ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة ، فتقربا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل .

قال ابن عطية : وهذا وهم ، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب ؟

والصحيح أنهما ابناه لصلبه ; هذا قول الجمهور من المفسرين وقاله ابن عباس وابن عمر وغيرهما ; وهما قابيل وهابيل ، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل - لأنه كان صاحب زرع - واختارها من أردأ زرعه ، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها ، وكان قربان هابيل كبشا - لأنه كان صاحب غنم - أخذه من أجود غنمه .

فتقبل فرفع إلى الجنة ، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدي به الذبيح عليه السلام ; قاله سعيد بن جبير وغيره .

فلما تقبل قربان هابيل لأنه كان مؤمنا - قال له قابيل حسدا : - لأنه كان كافرا - أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني !

لأقتلنك وقيل : سبب هذا القربان أن حواء عليها السلام كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى - إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا عوضا من هابيل على ما يأتي ، واسمه هبة الله ; لأن جبريل عليه السلام قال لحواء لما ولدته : هذا هبة الله لك بدل هابيل ، وكان آدم يوم ولد شيث ابن ثلاثين ومائة سنة - وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر ، ولا تحل له أخته توأمته ; فولدت مع قابيل أختا جميلة واسمها إقليمياء ، ومع هابيل أختا ليست كذلك واسمها ليوذا ; فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل : أنا أحق بأختي ، فأمره آدم فلم يأتمر ، وزجره فلم ينزجر ; فاتفقوا على التقريب ; قاله جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود .

وروي أن آدم حضر ذلك ، والله أعلم .

وقد روي في هذا الباب عن جعفر الصادق : أن آدم لم يكن يزوج [ ص: 91 ] ابنته من ابنه ; ولو فعل ذلك آدم لما رغب عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا كان دين آدم إلا دين النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الله تعالى لما أهبط آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حواء بنتا فسماها عناقا فبغت ، وهي أول من بغى على وجه الأرض ; فسلط الله عليها من قتلها ، ثم ولدت لآدم قابيل ، ثم ولدت له هابيل ; فلما أدرك قابيل أظهر الله له جنية من ولد الجن ، يقال لها : جمالة في صورة إنسية ; وأوحى الله إلى آدم أن زوجها من قابيل فزوجها منه .

فلما أدرك هابيل أهبط الله إلى آدم حورية في صفة إنسية وخلق لها رحما ، وكان اسمها بزلة ، فلما نظر إليها هابيل أحبها ; فأوحى الله إلى آدم أن زوج بزلة من هابيل ففعل .

فقال قابيل : يا أبت ألست أكبر من أخي ؟

قال : نعم .

قال : فكنت أحق بما فعلت به منه !

فقال له آدم : يا بني إن الله قد أمرني بذلك ، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، فقال : لا والله ، ولكنك آثرته علي .

فقال آدم : " فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بالفضل " .قلت : هذه القصة عن جعفر ما أظنها تصح ، وأن القول ما ذكرناه من أنه كان يزوج غلام هذا البطن لجارية تلك البطن ، والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، وهذا كالنص ثم نسخ ذلك ، حسبما تقدم بيانه في سورة " البقرة " .

وكان جميع ما ولدته حواء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطنا ; أولهم قابيل وتوأمته إقليمياء ، وآخرهم عبد المغيث .

ثم بارك الله في نسل آدم .

قال ابن عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا ، وما روي عن جعفر - من قوله : فولدت بنتا وأنها بغت - فيقال : مع من بغت ؟

أمع جني تسول لها !

ومثل هذا يحتاج إلى نقل صحيح يقطع العذر ، وذلك معدوم ، والله أعلم .الثانية : وفي قول هابيل قال إنما يتقبل الله من المتقين كلام قبله محذوف ; لأنه لما قال له قابيل : لأقتلنك قال له : ولم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ؟

، ولا ذنب لي في قبول الله قرباني ، أما إني اتقيته وكنت على لاحب الحق وإنما يتقبل الله من المتقين .

قال ابن عطية : المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة ; فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة ; وأما المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة ; علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلا ، وقال عدي بن ثابت وغيره : قربان متقي هذه الأمة الصلاة .قلت : وهذا خاص في نوع من العبادات ، وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال قال [ ص: 92 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تبارك وتعالى قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قص على الناس وأخبرهم بالقضية التي جرت على ابني آدم بالحق، تلاوة يعتبر بها المعتبرون، صدقا لا كذبا، وجدا لا لعبا، والظاهر أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق، وهو قول جمهور المفسرين.

أي: اتل عليهم نبأهما في حال تقريبهما للقربان، الذي أداهما إلى الحال المذكورة.

{ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } أي: أخرج كل منهما شيئا من ماله لقصد التقرب إلى الله، { فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ } بأن علم ذلك بخبر من السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن تنزل نار من السماء فتحرقه.

{ قَالَ } الابن، الذي لم يتقبل منه للآخر حسدا وبغيا { لَأَقْتُلَنَّكَ } فقال له الآخر -مترفقا له في ذلك- { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } فأي ذنب لي وجناية توجب لك أن تقتلني؟

إلا أني اتقيت الله تعالى، الذي تقواه واجبة عليّ وعليك، وعلى كل أحد، وأصح الأقوال في تفسير المتقين هنا، أي: المتقين لله في ذلك العمل، بأن يكون عملهم خالصا لوجه الله، متبعين فيه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ) وهما هابيل وقابيل ويقال له قابين ، ( إذ قربا قربانا ) وكان سبب قربانهما على ما ذكره أهل العلم أن حواء كانت تلد لآدم عليه السلام في كل بطن غلاما وجارية ، وكان جميع ما ولدته أربعين ولدا في عشرين بطنا أولهم قابيل وتوأمته أقليما ، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث ، ثم بارك الله عز وجل في نسل آدم عليه السلام ، قال ابن عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا .

واختلفوا في مولد قابيل وهابيل ، فقال بعضهم : غشي آدم حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة ، فولدت له قابيل وتوأمته أقليما في بطن واحد ، ثم ولدت هابيل وتوأمته لبودا في بطن .

وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول : إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة ، فحملت فيها بقابيل وتوأمته أقليما ، فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا حتى ولدتهما ، ولم تر معهما دما فلما هبط إلى الأرض تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته ، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق والدم ، وكان آدم إذا شب أولاده يزوج غلام هذا البطن جارية بطن أخرى ، فكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء إلا توأمته التي ولدت معه لأنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم ، فلما ولد قابيل وتوأمته أقليما ثم هابيل وتوأمته لبودا ، وكان بينهما سنتان في قول الكلبي وأدركوا ، أمر الله تعالى آدم عليه السلام أن ينكح قابيل لبودا أخت هابيل وينكح هابيل أقليما أخت قابيل ، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل ، فذكر ذلك آدم لولده فرضي هابيل وسخط قابيل ، وقال : هي أختي أنا أحق بها ، ونحن من [ ولادة ] الجنة وهما من [ ولادة ] الأرض ، فقال له أبوه : إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك ، وقال : إن الله لم يأمره بهذا وإنما هو من رأيه ، فقال لهما آدم عليه السلام : فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها ، وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار من السماء بيضاء فأكلتها ، وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكلته الطير والسباع ، فخرجا ليقربا [ قربانا ] وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من الطعام من أردأ زرعه وأضمر في نفسه ما أبالي أيقبل مني أم لا ، لا يتزوج أختي أبدا ، وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقرب به وأضمر في نفسه رضا الله عز وجل فوضعا قربانهما أعلى الجبل ، ثم دعا آدم عليه السلام فنزلت نار من السماء وأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل فذلك قوله عز وجل : ( فتقبل من أحدهما ) [ يعني هابيل ] ( ولم يتقبل من الآخر ) يعني : قابيل فنزلوا على الجبل وقد غضب قابيل لرد قربانه وكان يضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت ، فلما غاب آدم أتى قابيل هابيل وهو في غنمه ، ( قال لأقتلنك ) قال : ولم؟

قال : لأن الله تعالى قبل قربانك ورد قرباني ، وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة ، فيتحدث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي ، ( قال ) هابيل : وما ذنبي؟

( إنما يتقبل الله من المتقين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واتل» يا محمد «عليهم» على قومك «نبأ» خبر «ابنيْ آدم» هابيل وقابيل «بالحق» متعلق بأُتل «إذ قرَّبا قربانا» إلى الله وهو كبش لهابيل وزرع لقابيل «فتُقبل من أحدهما» وهو هابيل بأن نزلت نار من السماء فأكلت قربانه «ولم يُتقبل من الآخر» وهو قابيل فغضب وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم «قال» له «لأقتلنك» قال: لَم قال لتقبل قربانك دوني «قال إنما يتقبل الله من المتقين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واقصص -أيها الرسول- على بني إسرائيل خَبَر ابنَيْ آدم قابيل وهابيل، وهو خبرٌ حقٌ: حين قَدَّم كلٌّ منهما قربانًا -وهو ما يُتَقرَّب به إلى الله تعالى - فتقبَّل الله قُربان هابيل؛ لأنه كان تقيًّا، ولم يتقبَّل قُربان قابيل؛ لأنه لم يكن تقيًّا، فحسد قابيلُ أخاه، وقال: لأقتلنَّك، فَردَّ هابيل: إنما يتقبل الله ممن يخشونه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ساق - سبحانه - جوانب متعددة من أحوال أهل الكتاب وما جبلوا عليه من أخلاق سيئة ، أتبع ذلك بقصة ابنى آدم ، فقال - تعالى - :( واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابني ءَادَمَ بالحق إِذْ .

.

.

)قال أبو حيان " مناسبة هذه الآيات لما قبلها ، هو أن الله لما ذكر تمرد بني إسرائيل وعصيانهم أمره في النهوض لقتال الجبارين ، أتبع ذلك بذكر قصة ابني آدم وعصيان قابيل أمر الله ، وأنهم اقتفوا في العصيان أول عاص لله وأنهم انتهوا في خور الطبيعة .

وهلع النفوس والجبن والفزع إلى غاية بحيث قالوا لنبيهم الذي ظهرت على يديه خوارق عظيمة - ( فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) وانتهى قابيل إلى طرف نقيض منه من الجسارة والعتو بأن أقدم على أكبر المعاصي بعد الشرك وهو قتل النفس التي حرم الله قتلها ، بحيث كان أول من سن القتل ، وكان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة .

فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإِقدام عليه .

ومن حيث المعصية بهما وأيضاً فتقدم قوله في أوائل الآيات :( إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ) وتبين أن عدم اتباع بني إسرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنما سببه الحسد ، وقصة بني آدم انطوت على الحسد : وأن بسببه وقعت أول جريمة قتل على ظهر الأرض .وقوله : ( واتل ) من التلاوة .

وأصل التلاوة القراءة المتتابعة الواضحة في مخارج حروفها .وفي النطق بها .

والمراد بابني آدم : ولداه وهما قابيل وهابيل .قال القرطبي : واختلف في ابني آدم .

فقال الحسن البصري : ليسا من صلبه كانا رجلين من بني إسرائيل - ضرب الله بهما المثل في إبانة حسد اليهود - وكان بينهما خصومة ، فتقربا بقربانين ، ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل قال ابن عطية : وهذا وهم ، وكيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل يقتدى بالغراب؟

والصحيح أنهما ابناه لصلبه .

هذا قول الجمهور من المفسرين وهما قابيل وهابيل .والضمير في قوله : ( عليهم ) يعود على بني إسرائيل الذين سبق الحديث عنهم .

أو على جميع الذين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم لهدايتهم ويدخل فيه بنو إسرائيل دخولا أولياً ، لإعلامهم بما هو في كتبهم حيث وردت هذه القصة في التوراة .وقوله ( بالحق ) متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر ( اتل ) أي : اتل عليهم تلاوة ملتبسة بالحق والصدق .

والقربان : اسم لما يتقرب به إلى الله - تعالى - من صدقة أو غيرها .

ويطلق في أكثر الأحوال على الذبائح التي يتقرب إلى الله - بذبحها .قال أبو حيان : وقد طول المفسرون في سبب تقريب هذا القربان - من قابيل وهابيل - وملخصه : أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى ، وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن أنثى ذلك البطن الآخر .

ولا يحل للذكر نكاح توأمته : فولد مع قابيل أخت جميلة ، وولد مع هابيل أخت دون ذلك .فأبى قابيل إلا أن يتزوج توأمته لا توأمه هابيل ، وأن يخالف سنة النكاح ونازع قابيل وهابيل في ذلك ، فاتفقا على أن يقدما قربانا - فأيهما قبل قربانه تزوجها ، والقربان الذي قرباه هو زرع لقابيل - وكان صاحب زرع - وكبش هابيل - وكان صاحب غنم - فتقبل من أحدهما وهو هابيل ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل .

وكانت علامة التقبل أن تأكل نار نازلة من السماء القربان المتقبل وتترك غير المتقبل .والمعنى : واتل - يا محمد - على هؤلاء الحسدة من اليهود ، وعلى الناس جميعا قصة قابيل وهابيل ، وقت أن قربا قرباناً لله - تعالى - فتقبل الله - عز وجل - قربان أحدهما - وهو هابيل - لصدقة وإخلاصه ، ولم يتقبل من الآخر - وهو قابيل - بسوء نيته وعدم تقواه .ثم حكى - سبحانه - ما دار بين الأخوين من حوار فقال : ( قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ ) أي قال قابيل متوعدا أخاه هابيل : لأقتلنك بسبب قبول قربانك ، دون قرباني ، فأنت ترى أن هذا الأخ الظالم قد توعد أخاه بالقتل - وهو من أكبر الكبائر .

دون أن يقيم للأخوة التي بينهما وزنا ودون أن يهتم بحرمة الدماء وبحق غيره في الحياة والذي حمله على ذلك الحسد له على مزية القبول .وقد أكد تصميمه على قتله لأخيه بالقسم المطوي في الكلام والذي ، تدل عليه اللام .

ونون التوكيد الثقيلة أي والله لأقتلنك بسبب قبول قربانك .وهنا يحكي القرآن الكريم ما رد به الأخ البار التقي هابيل على أخيه الظالم الحساد قابيل ، فيقول : ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ) .أي : قال هابيل لقابيل ناصحا ومرشداً : إنما يتقبل الله الأعمال والصدقات من عباده المتقين الذين يخشونه في السر والعلن؛ وليس من سواهم من الظالمين الحاسدين لغيرهم على ما آتاهم الله من نعم ، فعليك أن تكون من المتقين لكي يقبل منك الله .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف كان قوله : ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ) جوابا لقوله : ( لأَقْتُلَنَّكَ ) ؟

قلت : لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له : إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى ، لا من قبلي ، فلم تقتلني؟

ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟

فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان .

وفيه دليل على أن الله - تعالى - لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ﴾ وفي الآية مسائل المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه تعالى قال فيما تقدم ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ  ﴾ فذكر تعالى أن الأعداء يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على القلب ذكر قصصاً كثيرة في أن كل من خصه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه حسداً وبغياً، فذكر أولاً قصة النقباء الاثنى عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم، ثم إن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة، وذكر بعده شدة إصرار النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما هم عليه، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما آتاه الله من الدين الحق، ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان، ثم ذكر بعده قصة ابني آدم وأن أحدهما قتل الآخر حسداً منه على أن الله تعالى قبل قربانه، وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود، فلما كانت نعم الله على محمد صلى الله عليه وسلم أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه، فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لما هم قوم من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة.

والثاني: أن هذا متعلق بقوله: ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير  ﴾ وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة، والثالث: أن هذه القصة متعلقة بما قبلها، وهي قصة محاربة الجبارين، أي اذكر لليهود حديث ابني آدم ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية كان مثل سبيل ابني آدم في إقدام أحدهما على قتل الآخر.

والرابع: قيل هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبياً معظماً عند الله تعالى.

الخامس: لما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم حسداً أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة، والمقصود منه التحذير عن الحسد.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ واتل عَلَيْهِمْ ﴾ فيه قولان: أحدهما: واتل على الناس.

والثاني: واتل على أهل الكتاب، وفي قوله: ﴿ ابنى ءادَمَ ﴾ قولان: الأول: أنهما ابنا آدم من صلبه، وهما هابيل وقابيل.

وفي سبب وقوع المنازعة بينهما قولان: أحدهما: أن هابيل كان صاحب غنم، وقابيل كان صاحب زرع، فقرب كل واحد منهما قرباناً، فطلب هابيل أحسن شاة كانت في غنمه وجعلها قرباناً، وطلب قابيل شر حنطة في زرعه فجعلها قرباناً، ثم تقرب كل واحد بقربانه إلى الله فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ولم تحمل قربان قابيل، فعلم قابيل أن الله تعالى قبل قربان أخيه ولم يقبل قربانه فحسده وقصد قتله، وثانيهما: ما روي أن آدم عليه السلام كان يولد له في كل بطن غلام وجارية وكان يزوج البنت من بطن الغلام من بطن آخر، فولد له قابيل وتوأمته، وبعدهما هابيل وتوأمته، وكانت توأمة قابيل أحسن الناس وجهاً، فأراد آدم أن يزوجها من هابيل، فأبى قابيل ذلك وقال أن أحق بها، وهو أحق بأخته، وليس هذا من الله تعالى، وإنما هو رأيك، فقال آدم عليه السلام لهما: قربا قرباناً، فأيكما قبل قربانه زوجتها منه، فقبل الله تعالى قربان هابيل بأن أنزل الله تعالى على قربانه ناراً، فقتله قابيل حسداً له.

والقول الثاني: وهو قول الحسن والضحاك: أن ابنى آدم اللذين قربا قرباناً ما كان ابني آدم لصلبه، وإنما كانا رجلين من بني اسرائيل.

قالا: والدليل عليه قوله تعالى في آخر القصة ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جميعاً  ﴾ إذ من الظاهر أن صدور هذا الذنب من أحد ابنى آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، أما لما أقدم رجل من بني إسرائيل على مثل هذه المعصية أمكن جعل ذلك سبباً لإيجاب القصاص عليهم زجراً لهم عن المعاودة إلى مثل هذا الذنب.

ومما يدل على ذلك أيضاً أن المقصود من هذه القصة بيان إصرار اليهود أبداً من قديم الدهر على التمرد والحسد حتى بلغ بهم شدة الحسد إلى أن أحدهما لما قبل الله قربانه حسده الآخر وأقدم على قتله، ولا شك أنها رتبة عظيمة في الحسد، فإنه لما شاهد أن قربان صاحبه مقبول عند الله تعالى فذلك مما يدعوه إلى حسن الاعتقاد فيه والمبالغة في تعظيمه، فلما أقدم على قتله وقتله مع هذه الحالة دل ذلك على أنه كان قد بلغ في الحسد إلى أقصى الغايات، وإذا كان المراد من ذكر هذه القصة بيان أن الحسد دأب قديم في بني إسرائيل وجب أن يقال: هذان الرجلان كانا من بني إسرائيل.

واعلم أن القول الأول هو الذي اختاره أكثر أصحاب الأخبار، وفي الآية أيضاً ما يدل عليه لأن الآية تدل على أن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الأمر، وهو الحق والله أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ بالحق ﴾ فيه وجوه: الأول: بالحق، أي تلاوة متلبسة بالحق والصحة من عند الله تعالى.

والثاني: أي تلاوة متلبسة بالصدق والحق موافقة لما في التوراة والإنجيل.

الثالث: بالحق، أي بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد، لأن المشركين وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبون عليه.

الرابع: بالحق، أي ليعتبروا به لا ليحملوه على اللعب والباطل مثل كثير من الأقاصيص التي لا فائدة فيها، وإنما هي لهو الحديث، وهذا يدل على أن المقصود بالذكر من الأقاصيص والقصص في القرآن العبرة لا مجرد الحكاية، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِى الالباب  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قربانا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذ: نصب بماذا؟

فيه قولان الأول: أنه نصب بالنبأ، أي قصتهم في ذلك الوقت.

الثاني: يجوز أن يكون بدلاً من النبأ أي واتل عليهم من النبأ نبأ ذلك الوقت، على تقدير حذف المضاف.

المسألة الثانية: القربان: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة، ومضى الكلام على القربان في سورة آل عمران.

المسألة الثالثة: تقدير الكلام وهو قوله: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قربانا ﴾ قرب كل واحد منهما قربانا إلا أنه جمعهما في الفعل وأفرد الاسم، لأنه يستدل بفعلهما على أن لكل واحد قربانا.

وقيل: إن القربان اسم جنس فهو يصلح للواحد والعدد، وأيضاً فالقربان مصدر كالرجحان والعدوان والكفران والمصدر لا يثنى ولا يجمع.

ثم قال تعالى: ﴿ فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاخر ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل: كانت علامة القبول أن تأكله النار وهو قول أكثر المفسرين.

وقال مجاهد: علامة الرد أن تأكله النار، والأول أولى لاتفاق أكثر المفسرين عليه.

وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرب به إلى الله تعالى، فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.

المسألة الثانية: إنما صار القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال.

قال تعالى هاهنا حكاية عن المحق ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ وقال فيما أمرنا به من القربان بالبدن ﴿ لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ  ﴾ فأخبر أن الذي يصل إلى حضرة الله ليس إلا التقوى والتقوى من صفات القلوب قال عليه الصلاة والسلام: «التقوى هاهنا» وأشار إلى القلب، وحقيقة التقوى أمور: أحدها: أن يكون على خوف ووجل من تقصير نفسه في تلك الطاعة فيتقى بأقصى ما يقدر عليه عن جهات التقصير.

وثانيها: أن يكون في غاية الاتقاء من أن يأتي بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله تعالى.

وثالثها: أن يتقى أن يكون لغير الله فيه شركة، وما أصعب رعاية هذه الشرائط!

وقيل في هذه القصة: إن أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه، والآخر جعل قربانه أردأ ما كان معه.

وقيل: إنه أضمر أنه لا يبالي سواء قبل أو لم يقبل ولا يزوج أخته من هابيل.

وقيل: كان قابيل ليس من أهل التقوى والطاعة، فلذلك لم يقبل الله قربانه.

ثم حكى الله تعالى عن قابيل أنه قال لهابيل ﴿ اقتلنك ﴾ فقال هابيل ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ وفي الكلام حذف، والتقدير: كأن هابيل قال: لم تقتلني؟

قال لأن قربانك صار مقبولاً، فقال هابيل: وما ذنبي؟

إنما يتقبل الله من المتقين.

وقيل: هذا من كلام الله تعالى لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم اعتراضاً بين القصة، كأنه تعالى بيّن لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه إنما لم يقبل قربانه لأنه لم يكن متقياً.

ثم حكى تعالى عن الأخ المظلوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هما ابنا آدم لصلبه قابيل وهابيل، أوحى الله إلى آدم أن يزوّج كل واحد منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها (إقليما) فحسد عليها أخاه وسخط.

فقال لهما آدم: قرّبا قرباناً، فمن أيكما تقبل زوّجها، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته؛ فازداد قابيل حسداً وسخطاً، وتوعده بالقتل.

وقيل: هما رجلان من بني إسرائيل ﴿ بالحق ﴾ تلاوة متلبسة بالحق والصحة.

أو اتله نبأ متلبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأوّلين.

أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد؛ لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغون عليه.

أو اتل عليهم وأنت محق صادق.

و ﴿ إِذْ قَرَّبَا ﴾ نصب بالنبأ أي قصتهم وحديثهم في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون بدلاً من النبأ، أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت، على تقدير حذف المضاف.

والقربان: اسم ما يتقرّب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، كما أنّ الحلوان اسم ما يحلّى أي يعطى.

يقال: قرّب صدقة وتقرّب بها، لأن تقرّب مطاوع قرب: قال الأصمعي: تقرّبوا قرف القمع فيعدى بالباء حتى يكون بمعنى قرب.

فإن قلت: كيف كان قوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ جواباً لقوله: ﴿ لأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ؟

قلت: لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي، فلم تقتلني؟

ومالك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟

فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان.

وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم.

وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له: ما يبكيك فقد كنت وكنت؟

قال إني أسمع الله يقول: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ .

﴿ مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ قيل: كان أقوى من القاتل وأبطش منه، ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله؛ لأنّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت.

قاله مجاهد وغيره ﴿ إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ ﴾ أن تحتمل إثم قتلي لك لو قتلتك وإثم قتلك لي.

فإن قلت: كيف يحمل إثم قتله له ولا تزر وازرة وزر أخرى؟

قلت: المراد بمثل إثمي على الاتساع في الكلام، كما تقول: قرأت قراءة فلان، وكتبت كتابته، تريد المثل وهو اتساع فاش مستفيض لا يكاد يستعمل غيره.

ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام: «المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم» على أنّ البادي عليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه؛ لأنه كان سبباً فيه، إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفوّ عنه، لأنه مكافئ مدافع عن عرضه.

ألا ترى إلى قوله: (ما لم يعتد المظلوم) لأنه إذا خرج من حدّ المكافأة واعتدى لم يسلم.

فإن قلت: فحين كف هابيل عن قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظوراً في شريعته من الدفع، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله فيجتمع عليه الإثمان؟

قلت: هو مقدّر فهو يتحمل مثل الإثم المقدّر، كأنه قال: إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك.

وقيل: (بإثمي) بإثم قتلي (وإثمك) الذي من أجله لم يتقبل قربانك فإن قلت: فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه النار؟

قلت: كان ظالماً وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين ﴾ وإذا جاز أن يريده الله، جاز أن يريده العبد؛ لأنه لا يريد إلا ما هو حسن.

والمراد بالإثم وبال القتل وما يجره من استحقاق العقاب، فإن قلت: لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله: ﴿ لَئِن بَسَطتَ....

مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ ﴾ ؟

قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع.

ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفي، ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ فوسعته له ويسرته، من طاع له المرتع: إذا اتسع.

وقرأ الحسن: ﴿ فطاوعت ﴾ .

وفيه وجهان: أن يكون مما جاء من فاعل بمعنى فعل، وأن يراد أنّ قتل أخيه كأنه دعا نفسه إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، وله لزيادة الربط كقولك: حفظت لزيد ماله.

وقيل: قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ﴿ فَبَعَثَ الله غُرَاباً ﴾ روي: أنه أوّل قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم.

ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ﴿ قَالَ ياويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب ﴾ ويروى أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً، فقال: بل قتلته ولذلك اسودِّ جسدك.

وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون.

وقد صحّ أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر.

﴿ لِيُرِيَهُ ﴾ ليريه الله.

أو ليريه الغراب، أي ليعلمه؛ لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز ﴿ سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده.

والسوأة: الفضيحة لقبحها.

قال: يَا لَقَوْمِ لِلسَّوْأةِ السَّوْآء أي للفضيحة العظيمة فكنى بها عنها ﴿ فَأُوَارِيَ ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام.

وقرئ بالسكون على: فأنا أواري.

أو على التسكين في موضع النصب للتخفيف ﴿ مِنَ النادمين ﴾ على قتله، لما تعب فيه من حمله وتحيره في أمره، وتبين له من عجزه، وتلمذه للغراب، واسوداد لونه وسخط أبيه، ولم يندم ندم التائبين ﴿ مِنْ أَجْلِ ذلك ﴾ بسبب ذلك وبعلته.

وقيل: أصله من أجل شرا إذا جناه يأجله أجلاً.

ومنه قوله: وَأَهِل خِبَاءٍ صَالِحٍ ذَاتُ بَيْنِهِم ** قَدِ احْتَرَبُوا في عَاجِلٍ أَنَا آجِلُهْ كأنك إذا قلت: من أجلك فعلت كذا، أردت من أن جنيت فعلته وأوجبته، ويدل عليه قولهم: من جراك فعلته، أي من أن جررته بمعنى جنيته.

وذلك إشارة إلى القتل المذكور، أي من أن جنى ذلك القتل الكتب وجرّه ﴿ كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل ﴾ و(من) لابتداء الغاية، أي ابتدأ الكتب ونشأ من أجل ذلك.

ويقال: فعلت كذا لأجل كذا.

وقد يقال: أجل كذا، بحذف الجار وإيصال الفعل قال: أجل إنّ الله قد فضلكم.

وقرئ: ﴿ من اجل ذلك ﴾ ، بحذف الهمزة وفتح النون لإلقاء حركتها عليها.

وقرأ أبو جعفر: ﴿ من إجل ذلك ﴾ ، بكسر الهمزة وهي لغة فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسرة الهمزة عليها ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ ﴾ عطف على نفس بمعنى أو بغير فساد ﴿ فِى الأرض ﴾ وهو الشرك.

وقيل: قطع الطريق ﴿ وَمَنْ أحياها ﴾ ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك.

فإن قلت: كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟

قلت: لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله وثبوت الحرمة، فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس، فلا فرق إذاً بين الواحد والجميع في ذلك.

فإن قلت: فما الفائدة في ذكر ذلك؟

قلت: تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها؛ لأنّ المتعرض لقتل النفس إذا تصوّر قتلها بصورة قتل الناس جميعاً عظم ذلك عليه فثبطه، وكذلك الذي أراد إحياءها.

وعن مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم، وغضب الله، والعذاب العظيم.

ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.

وعن الحسن: يا ابن آدم، أرأيت لو قتلت الناس جميعاً أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك فيغفر لك به؟

كلا إنه شيء سوَّلته لك نفسك والشيطان، فكذلك إذا قتلت واحداً ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعدما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات ﴿ لَمُسْرِفُونَ ﴾ يعني في القتل لا يبالون بعظمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ ﴾ قابِيلَ وهابِيلَ، أوْحى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى آدَمَ أنْ يُزَوِّجَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما تَوْأمَةَ الآخَرِ، فَسَخِطَ مِنهُ قابِيلُ لِأنَّ تَوْأمَتَهُ كانَتْ أجْمَلَ، فَقالَ لَهُما آدَمُ: قَرِّبا قُرْبانًا فَمِن أيِّكُما قُبِلَ تَزَوَّجَها، فَقُبِلَ قُرْبانُ هابِيلَ بِأنْ نَزَلَتْ نارٌ فَأكَلَتْهُ، فازْدادَ قابِيلُ سَخَطًا وفَعَلَ ما فَعَلَ.

وقِيلَ لَمْ يُرِدْ بِهِما ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وأنَّهُما رَجُلانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولِذَلِكَ قالَ: كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

بِالحَقِّ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اتْلُ، أوْ مِن نَبَأٍ أيْ مُلْتَبِسًا بِالصِّدْقِ مُوافِقًا لِما في كُتُبِ الأوَّلِينَ ﴿ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا ﴾ ظَرْفٌ لِنَبَأٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ بَدَلٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأهُما نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، والقُرْبانُ اسْمُ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن ذَبِيحَةٍ أوْ غَيْرِها، كَما أنَّ الحُلْوانَ اسْمُ ما يُحَلّى بِهِ أيْ يُعْطى، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ولِذَلِكَ لَمْ يُثَنَّ وقِيلَ تَقْدِيرُهُ إذْ قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قُرْبانًا.

قِيلَ كانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ وقَرَّبَ أرْدَأ قَمْحٍ عِنْدَهُ، وهابِيلُ صاحِبُ ضَرْعٍ وقَرَّبَ جَمَلًا سَمِينًا.

﴿ فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ﴾ لِأنَّهُ سَخِطَ حُكْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ في قُرْبانِهِ وقَصَدَ إلى أخَسِّ ما عِنْدَهُ.

﴿ قالَ لأقْتُلَنَّكَ ﴾ تَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ لِفَرْطِ الحَسَدِ لَهُ عَلى تَقَبُّلِ قُرْبانِهِ ولِذَلِكَ.

﴿ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ في جَوابِهِ أيْ إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ بِتَرْكِ التَّقْوى لا مِن قِبَلِي فَلِمَ تَقْتُلُنِي، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الحاسِدَ يَنْبَغِي أنْ يَرى حِرْمانَهُ مِن تَقْصِيرِهِ ويَجْتَهِدَ في تَحْصِيلِ ما بِهِ صارَ المَحْسُودُ مَحْظُوظًا، لا في إزالَةِ حَظِّهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ، وأنَّ الطّاعَةَ لا تُقْبَلُ إلّا مِن مُؤْمِنٍ مُتَّقٍ.

﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ ﴾ قِيلَ: كانَ هابِيلُ أقْوى مِنهُ ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِهِ واسْتَسْلَمَ لَهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّ الدَّفْعَ لَمْ يُبَحْ بَعْدُ، أوْ تَحَرِّيًا لِما هو الأفْضَلُ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» .

وَإنَّما قالَ: ما أنا بِباسِطٍ في جَوابِ لَئِنْ بَسَطْتَ لِلتَّبَرِّي عَنْ هَذا الفِعْلِ الشَّنِيعِ رَأْسًا، والتَّحَرُّزِ مِن أنْ يُوصَفَ بِهِ ويُطْلَقَ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ أكَّدَ النَّفْيَ بِالباءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أمر الله تعالى مححد صلى الله عليه وسلم أن يقص على حاسديه ما جرى بسبب الحسد ليتركوه ويؤمنوا بقوله {واتل عَلَيْهِمْ} على أهل الكتاب {نبأ ابني آدم} ومن صلبه هابيل وقابيل أو هما رجلان من بنى إسرائيل {بالحق} نبأ ملتبسا

المائدة (٢٧ _ ٣١)

بالصدق موافقاً لما في كتب الأولين أو تلاوة ملتبسة بالصدق والصحة أو واتل عليهم وأنت محق صادق {إِذْ قَرَّبَا} نصب بالنبأ أي قصتهما وحديثهما في ذلك الوقت أو بدل من النبأ أي اتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت على تقدير حذف المضاف {قُرْبَاناً} ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة يقال قرب صدقة وتقرب بها لأن تقرب مطاوع قرب والمعنى إذ قرب كل واحد منهما قربانه دليله {فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا} قربانه وهو هابيل {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر} قربانه وهو قابيل رُوي أنه أوحى الله تعالى إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها إقليما فحسده عليها أخاه وسخط فقال لهما آدم قربا قرباناً فمن أيكما قبل يتزوجها فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل حسداً وسخطاً وتوعده بالقتل وهو قوله {قَالَ لأقْتُلَنَّكَ} أي قال لهابيل {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين} وتقديره قال لم تقتلني قال لأن الله قبل قربانك ولم يقبل قرباني فقال إنما يتقبل الله من المتقين وأنت غير

متق فإنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له ما يبكيك وقد كنت وكنت قال إني أسمع الله يقول إنما يتقبل الله من المتقين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ قالَ مُوسى ﴾ إلَخْ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ قِيلَ: مِن حَيْثُ إنَّهُ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِن جِناياتِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَما كُتِبَ عَلَيْهِمْ ما كُتِبَ، وجاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِما جاءَتْهم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، وقِيلَ: مِن حَيْثُ إنَّ في الأوَّلِ الجُبْنَ عَنِ القَتْلِ، وفي هَذا الإقْدامُ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مَعْصِيَةً، وضَمِيرُ ( عَلَيْهِمْ ) يَعُودُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، كَما هو الظّاهِرُ، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم أوَّلًا، وأُمِرَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِتِلاوَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إعْلامًا لَهم بِما هو في غامِضِ كُتُبِهِمُ الأُوَلِ الَّذِي لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِها إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، أيِ: اتْلُ يا مُحَمَّدُ عَلى قَوْمِكَ ﴿ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ ﴾ هابِيلَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقابِيلَ عَلَيْهِ ما يَسْتَحِقُّهُ، وكانا بِإجْماعِ غالِبِ المُفَسِّرِينَ ابْنَيْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِصُلْبِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: كانا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ، وكانَ مِن قِصَّتِهِما ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أجْمَعِينَ: «أنَّهُ كانَ لا يُولَدُ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْلُودٌ إلّا وُلِدَ مَعَهُ جارِيَةٌ، فَكانَ يُزَوِّجُ غُلامَ هَذا البَطْنِ جارِيَةَ هَذا البَطْنِ الآخَرِ، ويُزَوِّجُ جارِيَةَ هَذا البَطْنِ غُلامَ هَذا البَطْنِ الآخَرِ، جُعِلَ افْتِراقُ البُطُونِ بِمَنزِلَةِ افْتِراقِ النَّسَبِ لِلضَّرُورَةِ إذْ ذاكَ، حَتّى وُلِدَ لَهُ ابْنانِ، يُقالُ لَهُما هابِيلُ وقابِيلُ، وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ وهابِيلُ صاحِبَ ضَرْعٍ، وكانَ قابِيلُ أكْبَرَهُما، وكانَتْ لَهُ أُخْتٌ واسْمُها إقْلِيما أحْسَنَ مِن أُخْتِ هابِيلَ، وأنَّ هابِيلَ طَلَبَ أنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قابِيلَ فَأبى عَلَيْهِ، وقالَ: هي أُخْتِي وُلِدَتْ مَعِي، وهي أحْسَنُ مِن أُخْتِكَ، وأنا أحَقُّ أنْ أتَزَوَّجَ بِها، فَأمَرَهُ أبُوهُ أنْ يُزَوِّجَها هابِيلَ فَأبى، فَقالَ لَهُما: قَرِّبا قُرْبانًا، فَمِن أيِّكُما قُبِلَ تَزَوَّجَها، وإنَّما أمَرَ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِن قابِيلَ، لا أنَّهُ لَوْ قُبِلَ جازَ، ثُمَّ غابَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْهُما، آتِيًا مَكَّةَ يَنْظُرُ إلَيْها، فَقالَ آدَمُ لِلسَّماءِ: احْفَظِي ولَدِي بِالأمانَةِ فَأبَتْ، وقالَ لِلْأرْضِ فَأبَتْ، وقالَ لِلْجِبالِ فَأبَتْ، فَقالَ لِقابِيلَ: فَقالَ نَعَمْ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ وتَجِدُ أهْلَكَ كَما يَسُرُّكَ، فَلَمّا انْطَلَقَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَرَّبا قُرْبانًا، فَقَرَّبَ هابِيلُ جَذَعَةً، وقِيلَ: كَبْشًا، وقَرَّبَ قابِيلُ حُزْمَةَ سُنْبُلٍ، فَوَجَدَ فِيها سُنْبُلَةً عَظِيمَةً فَفَرَكَها وأكَلَها، فَنَزَلَتِ النّارُ فَأكَلَتْ قُرْبانَ هابِيلَ، وكانَ ذَلِكَ عَلامَةَ القَبُولِ، وكانَ أكْلُ القُرْبانِ غَيْرَ جائِزٍ في الشَّرْعِ القَدِيمِ، وتَرَكَتْ قُرْبانَ قابِيلَ، فَغَضِبَ وقالَ: لَأقْتُلَنَّكَ، فَأجابَهُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى.

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ ( اتْلُ ) أيِ: اتْلُ تِلاوَةً مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ والصِّحَّةِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ ( اتْلُ ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: مُتَلَبِّسًا أنْتَ أوْ نَبَأهُما بِالحَقِّ والصِّدْقِ، مُوافِقًا لِما في زُبُرِ الأوَّلِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا ﴾ ظَرْفٌ لِـ( نَبَأ ) وعَمِلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ، والظَّرْفُ يَكْفِي فِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَيْدًا في عامِلِهِ وهو ( اتْلُ ) المُسْتَقْبَلُ، و( إذْ ) لِما مَضى، فَلا يَتَلاقَيانِ، ولِذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَعَ ظُهُورِهِ، وقَدْ يُجابُ بِالفَرْقِ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ، فَتَأمَّلْ.

وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن ( نَبَأ ) عَلى حَذْفِ المُضافِ لِيَصِحَّ كَوْنُهُ مَتْلُوًّا، أيِ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأهُما نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّ ( إذْ ) لا يُضافُ إلَيْها إلّا الزَّمانُ، نَحْوُ ( يَوْمَئِذٍ ) و( حِينَئِذٍ ) و( نَبَأ ) لَيْسَ بِزَمانٍ، وأُجِيبَ بِالمَنعِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ نَبَأِ ذَلِكَ الوَقْتِ ونَبَأِ إذْ، وكُّلٌّ مِنهُما صَحِيحٌ مَعْنى وإعْرابًا، ودَعْوى جَوازِ الأوَّلِ سَماعًا دُونَ الثّانِي - دُونَ إثْباتِها - خَرْطُ القَتادِ.

والقُرْبانُ اسْمٌ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَبِيحَةٍ أوْ غَيْرِها، كالحُلْوانِ اسْمُ لِما يُحَلّى، أيْ يُعْطى، وتَوْحِيدُهُ لِما أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ إذْ قَرَّبَ كُلٌّ مِنهُما قُرْبانًا ﴿ فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ﴾ وهو هابِيلُ ﴿ ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ﴾ لِأنَّهُ سَخِطَ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى، وهو عَدَمُ جَوازِ نِكاحِ التَّوْأمَةِ ﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافُ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مَن لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ؟

فَقِيلَ: قالَ لاخِّيهِ لِفَرْطِ الحَسَدِ عَلى قَبُولِ قُرْبانِهِ، ورِفْعَةِ شَأْنِهِ عِنْدَ رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ الآتِي، وقِيلَ: عَلى ما سَيَقَعُ مِن أخْذِ أُخْتِهِ الحَسْناءِ ﴿ لأقْتُلَنَّكَ ﴾ أيْ: واللَّهِ تَعالى ( لَأقْتُلَنَّكَ ) بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وقُرِئَ بِالمُخَفَّفَةِ ﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كالَّذِي قَبْلَهُ، أيْ قالَ الَّذِي تُقُبِّلَ قُرْبانُهُ لَمّا رَأى حَسَدَ أخِيهِ ﴿ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ ﴾ أيِ القُرْبانَ والطّاعَةَ ﴿ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ في ذَلِكَ بِإخْلاصِ النِّيَّةِ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّقْوى التَّقْوى مِنَ الشِّرْكِ الَّتِي هي أوَّلُ المَراتِبِ كَما قِيلَ، ومُرادُهُ مِن هَذا الجَوابِ: إنَّكَ إنَّما أتَيْتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ لِانْسِلاخِها عَنْ لِباسِ التَّقْوى، لا مِن قِبَلِي فَلِمَ تَقْتُلُنِي؟

وما لَكَ لا تُعاتِبُ نَفْسَكَ ولا تَحْمِلُها عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، الَّتِي هي السَّبَبُ في القَبُولِ؟!

وهو جَوابٌ حَكِيمٌ مُخْتَصَرٌ جامِعٌ لِمَعانٍ.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الحاسِدَ يَنْبَغِي أنْ يَرى حِرْمانَهُ مِن تَقْصِيرِهِ، ويَجْتَهِدُ في تَحْصِيلِ ما بِهِ صارَ المَحْسُودُ مَحْظُوظًا، لا في إزالَةِ حَظِّهِ ونِعْمَتِهِ، فَإنَّ اجْتِهادَهُ - فِيما ذُكِرَ - يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ.

وقِيلَ: مُرادُهُ الكِنايَةُ عَنْ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى بِوَعِيدِهِ؛ لِأنَّهُ مُتَّقٍ، والمُتَّقِي يُؤْثِرُ الِامْتِثالَ عَلى الحَياةِ، أوِ الكِنايَةُ عَنْ أنَّهُ لا يَقْتُلُهُ دَفْعًا لِقَتْلِهِ؛ لِأنَّهُ مُتَّقٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالتَّوْطِئَةِ لِما بَعْدَهُ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وما أنْعى هَذِهِ الآيَةَ عَلى العامِلِينَ أعْمالَهُمْ، وعَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ بَكى حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ فَقَدْ كُنْتَ وكُنْتَ؟

قالَ: إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ يعني اقرأ على قومك نَبَأَ يعني خبر ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ يعني بالصدق إِذْ قَرَّبا قُرْباناً وذلك أن حواء- عليها السلام- ولدت غلاماً وجارية في بطن واحد، قابيل وأخته إقليما، ثم ولدت في بطن آخر هابيل وأخته ليوذا، فلما كبروا أمر الله تعالى بأن يزوج كل واحد منهما أخت صاحبه، وكانت أخت قابيل أحسن، فأبى قابيل وقال: بل زوج كل واحد منا أخته، فقال آدم: إن الله تعالى أمرني بذلك.

فقال له قابيل: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا، ولكنك تميل إلى هابيل.

فأمرهما بأن قربا قرباناً، فأيكما تقبل قربانه كان أحق بها، فعمد قابيل وكان صاحب زرع إلى شر زرعه ووضعه عند الجبل، وعمد قابيل وكان صاحب مواشي إلى خير غنمه فوضعها عند الجبل، وكان قابيل يضمر في قلبه أنه إن تقبل منه أو لم يتقبل لا يسلم إليه أخته، فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل، وكان ذلك علامة القبول، وتركت قربان قابيل فذلك قوله: إِذْ قَرَّبا قُرْباناً يعني وضعا قربانا.

فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما يعني هابيل وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ يعني قابيل ف قالَ قابيل لهابيل لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ ولم؟

قال: لأن الله قد قبل قربانك ورد عليّ قرباني.

فقال له هابيل: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ولم يكن الذنب مني، وإنما لم يتقبل منك لخيانتك وسوء نيتك.

وقال بعض الحكماء: العاقل من يخاف على حسناته، لأن الله تعالى قال: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ والخاسر من يأمن من عذاب الله لأن الله تعالى قال: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: 99] .

قوله تعالى: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ يعني هابيل قال لقابيل: لئن مددت إليَّ يدك لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ثم قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يعني: إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني بقتلك إياي وبإثمك الذي عملت قبل قتلي وهي الخيانة في القربان وغيره.

ويقال: إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني أن لا أبسط يدي إليك لترجع أنت بإثمي وإثمك، ولا يكون عليَّ من الإثم شيء.

ويقال: معناه إني أريد أن تؤخذ بإثمي وإثمك.

فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ يعني لكي لا يكون من أصحاب النار وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ.

قال الله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ يعني تابعت له نفسه على قتل أخيه ويقال: انقادت له طاعة نفسه.

وقال: قتادة زينت له نفسه بقتل أخيه فَقَتَلَهُ قال بعضهم: إنه كان لا يدري كيف يقتله، حتى جاء إبليس فتمثل عنده برجلين، فأخذ أحدهما حجراً ولم يزل يضرب الآخر حتى قتله، فتعلم ذلك منه وقال بعضهم: بل كان يعرف ذلك بطبعه، لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية، ويمكن إتلافها فأخذ حجراً وقتله بأرض الهند، فلما رجع إلى آدم قال له: ما فعلت بهابيل؟

فقال له قابيل: أجعلتني رقيباً على هابيل؟

فذهب حيث يشاء فبات آدم تلك الليلة محزوناً، فلما أصبح قابيل رجع إلى الموضع الذي قتله، فرأى غراباً وقال بعضهم: كان يحمله على عاتقه أياماً لا يدري ما يصنع به حتى رأى غراباً ميتاً، فجاء غراب آخر وبحث التراب برجليه ودفن الغراب الميت في التراب، فذلك قوله تعالى فقتله فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني فصار من المغبونين في العقوبة.

قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ وقابيل ينظر إليه.

وقال القتبي: هذا من الاختصار، ومعناه بعث غراباً يبحث التراب على غراب الميت لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ يعني كيف يغطي عورة أخيه قالَ قابيل عند ذلك: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ يعني أضعفت في الحيلة أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي يعني فأغطي عورة أخي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على حمله حيث لم يدفنه حين قتله.

قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه.

ويقال: إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياماً عليه، ثم إن قابيل كان على ذروة جبل، فنطحه ثور فوقع على السفح فتفرقت عروقه.

ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض.

وقال مقاتل: كان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل أخاه هربوا فحلقت الطيور بالهواء والوحوش بالبرية والسباع بالغياض، فتزوج شيث-  - بإقليما.

وروي عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ  أنه قال: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لأنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ» .

وقال بعضهم: هذه القصة كانت في بني إسرائيل، وهما أخوان قتل أحدهما الآخر، ولكن هذا خلاف قول المفسرين.

قال الله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سَمِعَ موسى- عليه السلام- قولهم، ورأى عصيانهم، تبرَّأ إلى اللَّه منهم، وقال داعياً عليهم: رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، يعني: هارونَ.

وقوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا: دعاء حرجٍ، والمعنى: فافرق بيننا وبينهم حتى لا نشقى بفسقهم، قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أي: قال اللَّه، وحرَّم اللَّه تعالى على بني إسرائيل دخولَ تلك المدينة أربعين سنةً يتيهونَ في الأرض، أي: في أرض تلك النازلة، وهو فَحْص التيه وهو على ما يحكى: طولُ ثلاثين ميلاً «١» ، في عَرْضِ ستَّةِ فراسِخَ، ويروى أنه لم يدخلِ المدينةَ أحد من ذلك الجِيلِ إلاَّ يُوشَعَ، وكَالُوث، وروي أنَّ يُوشَعَ نُبِّىءَ بعد كمالِ الأربعين سنَةً، وخرَجَ ببني إسرائيل من التيه، وقاتل الجَبَّارين، وفتح المدينةَ، وفي تلك الحَرْب، وقفَتْ له الشمسُ ساعةً، حتى استمرَّ هزم الجبَّارين، والتيه: الذَّهَاب في الأرض إلى غير مقصِدٍ معلوم.

وقوله تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ معناه: فلا تحزَنْ، والخطابُ بهذه الآية لموسى- عليه السلام-، قال ابنُ عباس: ندم موسى على دعائه على قومه، وحزن عليهم، فقال الله له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «٢» .

وقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ...

الآية: اتل:

معناه: اسرد وأَسْمِعْهم إياه، وهذه مِنْ علوم الكتب الأُوَلِ، فهي مِنْ دلائل نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلّم إذْ هي من غامِضِ كتب بني إسرائيل.

قال الفَخْر «٣» : وفي الآية قولان:

أحدهما: اتل على الناس.

والثاني: اتل على أهْلِ الكتابِ.

انتهى.

وابْنَيْ آدَمَ: هما لصلبه، وهما هَابِيلُ وقَابِيلُ، روت جماعة من المفسِّرين منهم ابن مسعود أنَّ سبب هذا التقريبِ أنَّ حوَّاء كانت تَلِدُ في كلِّ بطْن ذكراً وأنثى، وكان الذَّكَر يتزوَّج أنثَى البطْن الآخر، ولا تحلُّ له أخته توءمته، فولدَتْ مع قابيلَ أختاً جميلةً، ومع هابيلَ أختاً ليست كذلك، فلمَّا أراد آدم أن يزوِّجها من هَابِيلَ، قال قابيل: أنا أحَقُّ بأختي، فأمره آدم، فلم يأتمر، فاتفقوا على التَّقْريب، فتُقُبِّل قربانُ هابيلَ، ووجب أنْ يأخذ أخت قابيلَ فحينئذٍ: قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ «١» ، وقولُ هابيلَ: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ: كلامٌ، قبله محذوفٌ، تقديره: ولِمَ تقتلُنِي، وليس لي ذنُبٌ في قبول اللَّه قربانِي، وإنما يتقبَّل اللَّه من المتَّقين؟!

وإجماع أهل السُّنَّة في معنى هذه الألفاظ: أنها اتقاء الشِّرْكِ، فمن اتقاه، وهو موحِّد، فأعماله التي تَصْدُقُ فيها نيتُه مقبولةٌ، وأما المتَّقِي للشرْكِ وللمعاصِي، فله الدرجةُ العليا من القَبُول/ والخَتْم بالرحمة، عُلمَ ذلك بإخبار اللَّه تعالى لا أنَّ ذلك يَجِبُ على اللَّه تعالى عقْلاً.

قلتُ:

قال ع: في معنى هذه الألفاظ (يعني حيث وقعت في الشرع) ، وأما في هذه الآية، فليس باتقاء شرك على ما سيأتي، وقولُ هابيلَ: مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ ...

الآية: قال عبد اللَّه بن عمر، وجمهورُ النَّاس: كان هابيلُ أشَدَّ قوةً من قابيلَ، ولكنَّه تحرَّج «٢» ، وهذا هو الأظهر.

قال ع «٣» : ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاصٍ، لا كافر لأنه لو كان كافراً، لم يكن للتحرّج هنا وجه، وتَبُوءَ: معناه: تمضِي متحمِّلاً، وقوله: بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ:

قيل: معناه: بإثم قَتْلي وسائرِ آثامك، وقيل: المعنى: بإثمي الذي يختصُّ بي فيما فَرَط لي، وهذا تأويل يعضده قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يؤتى بِالظَّالِمِ وَالمَظْلُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَتُزَادُ فِي حَسَنَاتِ المَظْلُومِ حتى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سيّئات المظلوم، فتطرح عليه» «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ.

وفي ابْنَيْ آدَمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما ابْناهُ لِصُلْبِهِ، وهُما قابِيلُ وهابِيلُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَكُونا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والعُلَماءُ عَلى الأوَّلِ، وهو أصَحُّ، لِقَوْلِهِ: ﴿ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ  ﴾ ولَوْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لَكانَ قَدْ عَرَفَ الدَّفْنَ، ولِأنَّ النَّبِيَّ  قالَ عَنْهُ: « "إنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ" .» وقَوْلُهُ تَعالى: (بِالحَقِّ) أيْ: كَما كانَ.

و "القُرْبانُ": فُعْلانٌ مِنَ القُرْبِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في (آلِ عِمْرانَ) .

وَفِي السَّبَبِ الَّذِي قَرَّبا لِأجْلِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ نُهِيَ أنْ يُنْكِحَ المَرْأةَ أخاها الَّذِي هو تَوْأمُها، وأُجِيزُ لَهُ أنْ يُنْكِحَها غَيْرَهُ مِن إخْوَتِها، وكانَ يُولَدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرٌ وأُنْثى، فَوُلِدَتْ لَهُ ابْنَةٌ وسِيمَةٌ، وأُخْرى دَمِيمَةٌ، فَقالَ أخُو الدَّمِيمَةِ لِأخِي الوَسِيمَةِ: أنْكِحْنِي أُخْتَكَ، وأُنْكِحُكَ أُخْتى، فَقالَ أخُو الوَسِيمَةِ: أنا أحَقُّ بِأُخْتِي، وكانَ أخُو الوَسِيمَةِ صاحِبَ حَرْثٍ، وأخُو الدَّمِيمَةِ صاحِبَ غَنَمٍ، فَقالَ: هَلُمَّ فَلْنُقَرِّبْ قُرْبانًا، فَأيُّنا تُقُبِّلَ قُرْبانُهُ فَهو أحَقُّ بِها، فَجاءَ صاحِبُ الغَنَمِ بِكَبْشٍ أبْيَضَ أعْيَنَ أقْرَنَ، وجاءَ صاحِبُ الحَرْثِ بِصُبْرَةٍ مِن طَعامٍ، فَتُقُبِّلَ الكَبْشُ، فَخَزَنَهُ اللَّهُ في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، فَهو الَّذِي ذَبَحَهُ إبْراهِيمُ، فَقَتَلَهُ صاحِبُ الحَرْثِ، فَوَلَدُ آدَمَ كُلُّهم مِن ذَلِكَ الكافِرِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُما قَرَّباهُ مِن غَيْرِ سَبَبٍ.

رَوى العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ابْنَيْ آدَمَ كانا قاعِدَيْنِ يَوْمًا، فَقالا: لَوْ قَرَّبْنا قُرْبانًا، فَجاءَ صاحِبُ الغَنَمِ بِخَيْرِ غَنَمِهِ وأسْمَنِها، وجاءَ الآخَرُ بِبَعْضِ زَرْعِهِ، فَنَزَلَتِ النّارُ، فَأكَلَتِ الشّاةَ، وتَرَكَتِ الزَّرْعَ، فَقالَ لِأخِيهِ: أتَمْشِي في النّاسِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ قُرْبانَكَ تُقُبِّلَ، وأنَّكَ خَيْرٌ مِنِّي لَأقْتُلَنَّكَ.

واخْتَلَفُوا هَلْ قابِيلُ وأُخْتُهُ وُلِدا قَبْلَ هابِيلَ وأُخْتِهِ، أمْ بَعْدَهُما؟

عَلى قَوْلَيْنِ، وهَلْ كانَ قابِيلُ كافِرًا أوْ فاسِقًا غَيْرَ كافِرٍ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

وَفِي سَبَبِ قَبُولِ قُرْبانِ هابِيلَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ أتْقى لِلَّهِ مِن قابِيلَ.

والثّانِي: أنَّهُ تَقَرَّبَ بِخِيارِ مالِهِ، وتَقَرَّبَ قابِيلُ بِشَرِّ مالِهِ.

وهَلْ كانَ قُرْبانُهُما بِأمْرِ آدَمَ، أمْ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِما؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ وآدَمُ قَدْ ذَهَبَ إلى زِيارَةِ البَيْتِ.

والثّانِي: أنَّ آدَمَ أمَرَهُما بِذَلِكَ.

وهَلْ قُتِلَ هابِيلُ بَعْدَ تَزْوِيجِ أُخْتِ قابِيلَ، أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَتَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَصِلَ إلَيْها.

والثّانِي: أنَّهُ قَتَلَهُ بَعْدَ نِكاحِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ لأقْتُلَنَّكَ ﴾ ورَوى زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "لَأقْتُلَنْكَ" بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِها.

والقائِلُ: هو الَّذِي لَمَّ يُتَقَبَّلْ مِنهُ.

قالَ الفَرّاءُ: إنَّما حَذَفَ ذِكْرَهُ، لِأنَّ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ: إذا رَأيْتَ الظّالِمَ والمَظْلُومَ أعَنْتَ، وإذا اجْتَمَعَ السَّفِيهُ والحَلِيمُ حُمِدَ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ، لِأنَّ المَعْنى لا يُشْكِلُ، فَلَوْ قُلْتَ: مَرَّ بِي رَجُلٌ وامْرَأةٌ، فَأعَنْتُ، وأنْتَ تُرِيدُ أحَدَهُما، لَمْ يَجُزْ، لِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى مُرادِكَ.

وفي المُرادِ بِالمُتَّقِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ المَعاصِيَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الآخَرِ قالَ لأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يُتَقَبَّلْ اللهُ مِن المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ ﴾ "واتْلُ"؛ مَعْناهُ: اُسْرُدْ؛ وأسْمِعْهم إيّاهُ؛ وهَذِهِ مِن عُلُومِ الكُتُبِ الأُوَلِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِها؛ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ؛ فَهو مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ ظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُحاوَرَةَ فِيما تَقَدَّمَ إنَّما هي في شَأْنِهِمْ؛ وإقامَةِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَمِّهِمْ بِبَسْطِ اليَدِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والثانِي أنَّ عِلْمَ نَبَإ ابْنَيْ آدَمَ إنَّما هو عِنْدَهُمْ؛ وفي غامِضِ كُتُبِهِمْ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الحُجَّةُ في إيرادِهِ؛ والنَبَأُ: اَلْخَبَرُ؛ وابْنا آدَمَ هُما - في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ - لِصُلْبِهِ؛ وهُما "قابِيلُ" و"هابِيلُ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: اِبْنا آدَمَ لَيْسا لِصُلْبِهِ؛ ولَمْ تَكُنِ القَرابِينُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا وهْمٌ؛ وكَيْفَ يَجْهَلُ صُورَةَ الدَفْنِ أحَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ حَتّى يَقْتَدِيَ بِالغُرابِ؟

والصَحِيحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ورُوِيَ أنَّ تَقْرِيبَهُما لِلْقُرْبانِ إنَّما كانَ تَحَنُّثًا وتَطَوُّعًا؛ وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ؛ فَعَمَدَ إلى أرْذَلِ ما عِنْدَهُ وأدْناهُ؛ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَ هابِيلُ صاحِبَ غَنَمٍ؛ فَعَمَدَ إلى أفْضَلِ كِباشِهِ فَقَرَّبَهُ؛ وكانَتِ العادَةُ حِينَئِذٍ أنْ يُقَرِّبَ المُقَرِّبُ قُرْبانَهُ ويَقُومَ وَيُصَلِّيَ؛ ويَسْجُدَ؛ فَإنْ نَزَلَتْ نارٌ وأكَلَتِ القُرْبانَ فَذَلِكَ دَلِيلٌ لِلْقَبُولِ؛ وإلّا كانَ تَرْكُهُ دَلِيلَ عَدَمِ القَبُولِ؛ فَلَمّا قَرَّبَ هَذانِ كَما ذَكَرْتُ؛ فَنَزَلَتِ النارُ فَأخَذَتْ كَبْشَ هابِيلَ؛ فَرَفَعَتْهُ؛ وسَتَرَتْهُ عَنِ العُيُونِ؛ وتَرَكَتْ زَرْعَ قابِيلَ؛ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكانَ ذَلِكَ الكَبْشُ يَرْتَعُ في الجَنَّةِ؛ حَتّى أهْبِطَ إلى إبْراهِيمَ في فِداءِ ابْنِهِ؛ قالَ [سائِقُو] هَذا القَصَصِ: فَحَسَدَ قابِيلُ هابِيلَ؛ وقالَ لَهُ: أتَمْشِي عَلى الأرْضِ يَراكَ الناسُ أفْضَلَ مِنِّي؟

وكانَ قابِيلُ أسَنَّ ولَدِ آدَمَ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ سافَرَ إلى مَكَّةَ لِيَرى الكَعْبَةَ؛ وتَرَكَ قابِيلَ وصِيًّا عَلى بَنِيهِ؛ فَجَرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ في غَيْبَتِهِ؛ ورَوَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ - أنَّ سَبَبَ هَذا التَقْرِيبِ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى؛ فَكانَ الذَكَرُ يُزَوَّجُ أُنْثى البَطْنِ الآخَرِ؛ ولا تَحِلُّ لَهُ أُخْتُهُ تَوْأمَتُهُ؛ فَوُلِدَتْ مَعَ قابِيلَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ؛ ومَعَ هابِيلَ أُخْتٌ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَلَمّا أرادَ آدَمُ تَزْوِيجَهُما قالَ قابِيلُ: أنا أحَقُّ بِأُخْتِي؛ فَأمَرَهُ آدَمُ؛ فَلَمْ يَأْتَمِرْ؛ فاتَّفَقُوا عَلى التَقْرِيبِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ حَضَرَ ذَلِكَ؛ فَتُقُبِّلَ قُرْبانُ هابِيلَ؛ ووَجَبَ أنْ يَأْخُذَ أُخْتَ قابِيلَ؛ فَحِينَئِذٍ قالَ لَهُ: "لَأقْتُلَنَّكَ"؛ وقَوْلُ هابِيلَ: ﴿ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ ؛ كَلامٌ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلِمَ تَقْتُلُنِي وأنا لَمْ أجْنِ شَيْئًا؛ ولا ذَنْبَ لِي في قَبُولِ اللهِ قُرْبانِي؟

أما إنِّي أتَّقِيهِ؛ وكُنْتَ عَلَيَّ لَأحَبَّ الخَلْقِ؛ وإنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإجْماعُ أهْلِ السُنَّةِ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ أنَّها اتِّقاءُ الشِرْكِ؛ فَمَنِ اتَّقاهُ وهو مُوَحِّدٌ فَأعْمالُهُ الَّتِي تَصْدُقُ فِيها نِيَّتُهُ مَقْبُولَةٌ؛ وأمّا المُتَّقِي لِلشِّرْكِ والمَعاصِي فَلَهُ الدَرَجَةُ العُلْيا مِنَ القَبُولِ؛ والحَتْمِ بِالرَحْمَةِ؛ عُلِمَ ذَلِكَ بِإخْبارِ اللهِ تَعالى؛ لا أنْ ذَلِكَ يَجِبُ عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا؛ وقالَ عَدِيُّ بْنُ ثابِتٍ ؛ وغَيْرُهُ: قُرْبانُ مُتَّقِي هَذِهِ الأُمَّةِ الصَلاةُ.

واخْتَلَفَ الناسُ: لِمَ قالَ هابِيلُ: ﴿ ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ ﴾ ؟

فَقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الفَرْضُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ ألّا يَسُلَّ أحَدٌ سَيْفًا؛ وألّا يَمْتَنِعَ مَن أُرِيدَ قَتْلُهُ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: كانَ هابِيلُ أشَدَّ قُوَّةً مِن قابِيلَ؛ ولَكِنَّهُ تَحَرَّجَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الأظْهَرُ؛ ومِن هُنا يَقْوى أنَّ قابِيلَ إنَّما هو عاصٍ لا كافِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كافِرًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّحَرُّجِ وجْهٌ؛ وإنَّما وجْهُ التَحَرُّجِ في هَذا أنَّ المُتَحَرِّجَ يَأْبى أنْ يُقاتِلَ مُوَحِّدًا؛ ويَرْضى بِأنْ يُظْلَمَ لِيُجازى في الآخِرَةِ؛ ونَحْوَ هَذا فَعَلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَيْسَتْ هَذِهِ بِإرادَةِ مَحَبَّةٍ وشَهْوَةٍ؛ وإنَّما هو تَخَيُّرٌ في شَرَّيْنِ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "فِي الشَرِّ خِيارٌ"؛ فالمَعْنى: "إنْ قَتَلْتَنِي؛ وسَبَقَ بِذَلِكَ قَدَرٌ؛ فاخْتِيارِي أنْ أكُونَ مَظْلُومًا سَيَسْتَنْصِرُ اللهُ لِي في الآخِرَةِ"؛ و"تَبُوءَ"؛ مَعْناهُ: "تَمْضِيَ مُتَحَمِّلًا"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ بِإثْمِي وإثْمِكَ ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: بِإثْمِ قَتْلِي؛ وسائِرِ آثامِكَ الَّتِي أوجَبَتْ ألّا يُتَقَبَّلَ مِنكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: بِإثْمِ قَتْلِي؛ وإثْمِكَ في العَداءِ عَلَيَّ؛ إذْ هو في العَداءِ وإرادَةِ القَتْلِ آثِمٌ؛ ولَوْ لَمْ يُنَفِّذِ القَتْلَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِإثْمِي إنْ لَوْ قاتَلْتُكَ وقَتَلْتُكَ؛ وإثْمِ نَفْسِكَ في قِتالِي؛ وقَتْلِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الإثْمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما؛ فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النارِ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ هَذا القاتِلُ؛ فَما بالُ المَقْتُولِ؟

قالَ: "إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ"؛» فَكَأنَّ هابِيلَ أرادَ: "إنِّي لَسْتُ بِحَرِيصٍ عَلى قَتْلِكَ؛ فالإثْمُ الَّذِي كانَ يَلْحَقُنِي لَوْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلى قَتْلِكَ أُرِيدُ أنْ تَحْمِلَهُ أنْتَ؛ مَعَ إثْمِكَ في قَتْلِي".

وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِإثْمِي الَّذِي يَخْتَصُّ لِي فِيما فَرَطَ لِي"؛ أيْ: "يُؤْخَذُ مِن سَيِّئاتِي فَيُطْرَحُ عَلَيْكَ بِسَبَبِ ظُلْمِكَ لِي؛ فَتَبُوءَ بِإثْمِكَ في قَتْلِي"؛ وهَذا تَأْوِيلٌ يُعَضِّدُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "يُؤْتى بِالظالِمِ والمَظْلُومِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيُؤْخَذُ مِن حَسَناتِ الظالِمِ فَيُزادُ في حَسَناتِ المَظْلُومِ؛ حَتّى يَنْتَصِفَ؛ فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ".» وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ هابِيلَ لِأخِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عَطَفَ نبأ على نبإ ليكون مقدّمة للتحذير من قَتْل النفس والحِرابة والسرقة، ويتبع بتحريم الخمر وأحكام الوصية وغيرها، وليحسن التخلّص ممّا استطرد من الأنباء والقصَص التي هي مواقع عبرة وتُنْظم كلّها في جرائر الغرور.

والمناسبةُ بينها وبين القصّة الّتي قبلها مناسبة تماثل ومناسبة تضادّ.

فأما التماثل فإنّ في كلتيهما عدم الرضا بما حكم الله تعالى: فإنّ بني إسرائيل عصوا أمر رسولهم إيّاهم بالدخول إلى الأرض المقدّسة، وأحدَ ابني آدم عصى حكم الله تعالى بعدم قبول قربانه لأنّه لم يكن من المتّقين.

وفي كلتيهما جرأة على الله بعد المعصيّة؛ فبنو إسرائيل قالوا: ﴿ اذهب أنت وربّك ﴾ [المائدة: 24]، وابن آدم قال: لأقتلنّ الّذي تقبّل الله منه.

وأمّا التّضادّ فإنّ في إحداهما إقداماً مذموماً من ابن آدم، وإحجاماً مذموماً من بني إسرائيل، وإنّ في إحداهما اتّفاق أخوين هما موسى وأخوه على امتثال أمر الله تعالى، وفي الأخرى اختلافَ أخوين بالصّلاح والفساد.

ومعنى ﴿ ابني آدم ﴾ هنا ولداه.

وأمّا ابن آدم مفرداً فقد يراد به واحد من البشر نحو: «يَا بْن آدم إنّك ما دعوتني ورجوتَني غَفَرْتُ لك»، أو مجموعاً نحو ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم ﴾ [الأعراف: 31].

والباء في قوله: ﴿ بالحقّ ﴾ للملابسة متعلِّقاً ب ﴿ اتْلُ ﴾ .

والمراد من الحقّ هنا الصدق من حقّ الشّيء إذا ثبت، والصدق هو الثّابت، والكذب لا ثبوت له في الواقع، كما قال: ﴿ نحن نقصّ عليك نبأهم بالحقّ ﴾ [الكهف: 13].

ويصحّ أن يكون الحقّ ضدّ الباطل وهو الجدّ غير الهزل، أي اتْلُ هذا النبأ متلبّساً بالحقّ، أي بالغرض الصّحيح لا لمجرد التفكّه واللّهو.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ بالحق ﴾ مشيراً إلى ما خفّ بالقصة من زيادات زادها أهل القصص من بني إسرائيل في أسباب قتل أحد الأخوين أخاه.

﴿ وإذ ﴾ ظرف زمان ل ﴿ نبأ ﴾ ، أي خبرهما الحاصل وقت تقريبهما قُرباناً، فينتصب (إذ) على المفعول فيه.

وفِعْلُ ﴿ قرّبا ﴾ هنا مشتقّ من القُرْبان الذي صار بمنزلة الاسم الجامد، وأصله مصدر كالشُّكران والغفران والكُفران، يسمّى به ما يتقرّب به المرء إلى ربّه من صدقة أو نُسك أو صلاة، فاشتقّ من القرآن قرّب، كما اشتقّ من النُّسك نَسَكَ، ومن الأضحيّة ضَحَّى، ومن العقيقة عَقّ.

وليس ﴿ قرّبا ﴾ هنا بمعنى أدْنَيَا إذ لا معنى لذلك هنا.

وفي التّوراة هما (قايين) والعرب يسمّونه قَابِيل وأخوه (هَابِيل).

وكان قابيل فلاّحاً في الأرض، وكان هابيل راعياً للغنم، فقرّب قابيل من ثمار حرْثه قُرباناً وقرّب هابيل من أبكار غنمه قرباناً.

ولا ندري هل كان القربان عندهم يعطى للفقراء ونحوهم أو كان يترك للنّاس عامّة.

فتقبّل الله قربان هَابيل ولم يتقبّل قربان قابيل.

والظاهر أنّ قبول قربان أحدهما دون الآخر حصل بوحي من الله لآدم.

وإنّما لم يتقبّل الله قربان قابيل لأنّه لم يكن رجلاً صالحاً بل كانت له خطايا.

وقيل: كان كافراً، وهذا ينافي كونهُ يُقرّب قرباناً.

وأفرد القربان في الآية لإرادة الجنس، وإنّما قرّب كلّ واحد منهما قرباناً وليس هو قرباناً مشتركاً.

ولم يسمّ الله تعالى المتقبَّل منه والّذي لم يتقبّل منه إذ لا جدوى لذلك في موقع العبرة.

وإنّما حَمَله على قتل أخيه حسَده على مزيّة القبول.

والحسد أوّل جريمة ظهرت في الأرض.

وقوله في الجواب ﴿ إنّما يتقبّل الله من المتّقين ﴾ موعظة وتعريض وتنصّل ممّا يوجب قتله.

يقول: القبول فعل الله لا فعل غيره، وهو يتقبّل من المتّقي لا من غيره.

يعرّض به أنّه ليس بتَقِي، ولذلك لم يتقبّل الله منه.

وآية ذلك أنّه يضمر قتل النفس.

ولذا فلا ذَنب، لمن تقبّل الله قربانه، يستوجبُ القتلَ.

وقد أفاد قول ابن آدم حصرَ القبول في أعمال المتّقين.

فإذا كان المراد من المتّقين معناه المعروف شرعاً المحكي بلفظه الدالّ عليه مراد ابن آدم كان مفاد الحصر أنّ عمل غير المتّقي لا يقبل؛ فيحتمل أنّ هذا كان شريعتهم، ثمّ نسخ في الإسلام بقبول الحسنَات من المؤمن وإن لم يكن متّقياً في سائر أحواله؛ ويحتمل أنْ يراد بالمتّقين المخلصون في العمل، فيكون عدم القبول أمارة على عدم الإخلاص، وفيه إخْراج لفظ التّقوى عن المتعارف؛ ويحتمل أن يريد بالتقبّل تقبّلاً خاصّاً، وهو التّقبل التّامّ الدالّ عليه احتراق القربان، فيكون على حدّ قوله تعالى: ﴿ هُدى للمتّقين ﴾ [البقرة: 2]، أي هدى كاملاً لهم، وقوله: ﴿ والآخرة عند ربّك للمتّقين ﴾ [الزخرف: 35]، أي الآخرة الكاملة؛ ويحتمل أن يريد تقبّل القرابين خاصّة؛ ويحتمل أن يراد المتّقّين بالقربان، أي المريدين به تقوى الله، وأنّ أخاه أراد بقربانه بأنّه المباهاة.

ومعنى هذا الحصر أنّ الله لا يتقبّل من غير المتّقين وكان ذلك شرعَ زمانهم.

وقوله: ﴿ لئن بسطتّ إليّ يدك لتقتلني ﴾ الخ موعظة لأخيه ليذكّره خطر هذا الجرم الّذي أقدم عليه.

وفيه إشعار بأنّه يستطيع دفاعه ولكنّه منعه منه خوفُ الله تعالى.

والظاهر أنّ هذا اجتهاد من هابيل في استعظام جُرم قتل النّفس، ولو كان القتل دفاعاً.

وقد عَلم الأخوان ما هو القتل بما يعرفانه من ذبح الحيوان والصّيد، فكان القتل معروفاً لهما، ولهذا عزم عليه قابيل، فرأى هابيل للنّفوس حرمة ولو كانت ظالمة، ورأى في الاستسلام لطالب قتله إبقاء على حفظ النّفوس لإكمال مراد الله من تعمير الأرض.

ويمكن أن يكونا تلقّيا من أبيهما الوصاية بحفظ النّفوس صغيرها وكبيرها ولو كان في وقت الدّفاع، ولذلك قال: ﴿ إنّي أخاف الله ربّ العالمين ﴾ .

فقوله: ﴿ إنّي أخاف الله ﴾ يدلّ على أنّ الدّفاع بما يفضي إلى القتل كان محرّماً وأنّ هذا شريعة منسوخة لأنّ الشّرائع تبيح للمُعتدَى عليه أن يدافع عن نفسه ولو بقتل المعْتدي، ولكنّه لا يتجاوز الحدّ الّذي يحصل به الدّفاع.

وأمّا حديث «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار» فذلك في القتال على المُلْك وقصد التغالب الّذي ينكفّ فيه المعتدي بتسليم الآخر له؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصْلَح الفريقين بالتّسليم للآخر وحمل التَبِعَة عليه تجنّباً للفتنة، وهو الموقف الّذي وقفه عثمان رضي الله عنه رجاء الصلاح.

ومعنى ﴿ أريد ﴾ : أريد من إمساكي عن الدفاع.

وأطلقت الإرادة على العزم كما في قوله تعالى: ﴿ قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين ﴾ [القصص: 27]، وقوله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ [البقرة: 185].

فالجملة تعليل للّتي قبلها، ولذلك فصلت وافتتحت ب (إنّ) المشعرة بالتَّعليل بمعنى فاء التفريع.

و ﴿ تبوء ﴾ ترجع، وهو رجوع مجازي، أي تكتسب ذلك من فعلك، فكأنّه خرج يسعى لنفسه فباء بإثمين.

والأظهر في معنى قوله ﴿ بإثمي ﴾ مَا له من الآثام الفارطة في عمره، أي أرجو أن يغفر لي وتُحمل ذنوبي عليك.

وفي الحديث: " يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتّى ينتصف فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات المظلوم فتطرح عليه " رواه مسلم.

فإن كان قد قال هذا عن علم من وحي فقد كان مثل ما شُرع في الإسلام، وإن كان قد قاله عن اجتهاد فقد أصاب في اجتهاده وإلهامه ونطق عن مثل نُبوءة.

ومصدر ﴿ أن تبوء ﴾ هو مفعول ﴿ أريد ﴾ ، أي أريد من الإمساك عن أن أقتلك إن أقدمت على قتلي أريد أن يقع إثمي عليك، فإثم مراد به الجنس، أي ما عسى أن يكون له من إثم.

وقد أراد بهذا موعظة أخيه، ولذلك عطف عليه قوله: ﴿ وإثمك ﴾ تذكيراً له بفظاعة عاقبة فعلته، كقوله تعالى: ﴿ ليحملُوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الّذين يضلّونهم بغير علم ﴾ [النحل: 25].

فعطفُ قوله: ﴿ وإثمك ﴾ إدماج بذكر ما يحصل في نفس الأمر وليس هو ممّا يريده.

وكذلك قوله: ﴿ فنكون من أصحاب النار ﴾ تذكيراً لأخيه بما عسى أن يكفّه عن الاعتداء.

ومعنى ﴿ من أصحاب النّار ﴾ أي ممّن يطول عذابه في النّار، لأنّ أصحاب النّار هم ملازموهَا.

وقوله: ﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ دلّت الفاء على التفريع والتعقيب، ودلّ (طَوّع) على حدوث تردّد في نفس قابيل ومغالبة بين دافع الحَسد ودافع الخشية، فعلمنا أنّ المفرّع عنه محذوف، تقديره: فتردّد مَليّاً، أو فترصّد فُرصاً فَطوّعت له نفسه.

فقد قيل: إنّه بقي زماناً يتربّص بأخيه، (وطوّع) معناه جعله طائعاً، أي مكَّنه من المطوّع.

والطوع والطواعية: ضدّ الإكراه، والتطويع: محاولة الطوع.

شُبّه قتل أخيه بشيء متعاص عن قابيل ولا يطيعه بسبب معارضة التعقّل والخشيةِ.

وشبّهت داعية القتل في نفس قابيل بشخص يعينه ويذلّل له القتل المتعاصي، فكان (طوّعت) استعارة تمثيلية، والمعنى الحاصل من هذا التمثيل أنّ نفس قابيل سَوّلت له قتل أخيه بعد ممانعة.

وقد سُلك في قوله: ﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله ﴾ مسلكُ الإطناب، وكان مقتضى الإيجاز أن يحذف ﴿ فطوّعت له نفسه قتلَ أخيه ﴾ ويقتصر على قوله ﴿ فقتَلَه ﴾ لكن عدل عن ذلك لقصد تفظيع حالة القاتل في تصوير خواطره الشرّيرة وقساوة قلبه، إذ حدّثه بقتل من كان شأنه الرحمة به والرفق، فلم يكن ذلك إطناباً.

ومعنى ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ صار، ويكون المراد بالخسارة هنا خسارة الآخرة، أي صار بذلك القتل ممّن خسر الآخرة، ويجوز إبقاء (أصبح) على ظاهرها، أي غدا خاسراً في الدّنيا، والمراد بالخسارة ما يبدو على الجاني من الاضطراب وسوء الحالة وخيبة الرجاءَ، فتفيد أنّ القتل وقع في الصّباح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُما ابْنا آدَمَ لِصُلْبِهِ، وهُما هابِيلُ وقابِيلُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

﴿ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ ﴾ والقُرْبانُ: هو البِرُّ الَّذِي يُقْصَدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وهو فُعْلانُ مِنَ القُرْبِ.

واخْتُلِفَ في السَّبَبِ الَّذِي قَرَّبا لِأجْلِهِ قُرْبانًا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما فَعَلاهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ.

والثّانِي: وهو أشْهَرُ القَوْلَيْنِ أنَّ ذَلِكَ لِسَبَبٍ، وهو أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَضَعُ فِي كُلِّ عامٍ غُلامًا وجارِيَةً، فَكانَ الغُلامُ يَتَزَوَّجُ مِن أحَدِ البَطْنَيْنِ بِالجارِيَةِ مِنَ البَطْنِ الآخَرِ، وكانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنِ ابْنَيْ آدَمَ هابِيلَ وقابِيلَ تَوْأمَةٌ، فَأرادَ هابِيلُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِتَوْأمَةِ قابِيلَ فَمَنَعَهُ، وقالَ أنا أحَقُّ بِها مِنكَ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ مَنعِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ قابِيلَ قالَ لِهابِيلَ أنا أحَقُّ بِتَوْأمَتِي مِنكَ، لِأنَّنا مِن وِلادَةِ الجَنَّةِ وأنْتَ مِن وِلادَةِ الأرْضِ.

الثّانِي: أنَّهُ مَنَعَهُ مِنها لِأنَّ تَوْأمَتَهُ كانَتْ أحْسَنَ مِن هابِيلَ ومِن تَوْأمَتِهِ، فَقَرَّبا قُرْبانًا وكانَ قابِيلُ حَرّاثًا، وهابِيلُ راعِيًا، فَقَرَّبَ هابِيلُ سَخْلَةً سَمِينَةً مِن خِيارِ مالِهِ، وقَرَّبَ قابِيلُ حُزْمَةَ سُنْبُلٍ مِن شَرِّ مالِهِ، فَنَزَلَتْ نارٌ بَيْضاءُ فَرَفَعَتْ قُرْبانَ هابِيلَ وتَرَكَتْ قُرْبانَ قابِيلَ، وكانَ ذَلِكَ عَلامَةَ القَبُولِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِسْكِينٌ يُتَقَرَّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ قُرَبُهم هَكَذا.

قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: وكانَتْ سَخْلَةُ هابِيلَ المَقْبُولَةُ تَرْعى في الجَنَّةِ حَتّى فَدى اللَّهُ تَعالى بِها إسْحاقَ بْنَ إبْراهِيمَ الذَّبِيحَ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ قَبُولِ قُرْبانِ هابِيلَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَ أتْقى لِلَّهِ مِن قابِيلَ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ ، والتَّقْوى ها هُنا الصَّلاةُ، عَلى ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ.

الثّانِي: لِأنَّ هابِيلَ تَقَرَّبَ بِخِيارِ مالِهِ فَتُقُبِّلَ مِنهُ، وقابِيلُ تَقَرَّبَ بِشَرِّ مالِهِ، فَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ.

واخْتُلِفَ في قُرْبانِهِما هَلْ كانَ بِأمْرِ آدَمَ، أوْ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما قَرَّبا بِأمْرِ آدَمَ حِينَ اخْتَصَما إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُما قَرَّبا مِن قِبَلِ أنْفُسِهِما.

وَكانَ آدَمُ قَدْ تَوَجَّهَ إلى مَكَّةَ، لِيَراها ويَزُورَ البَيْتَ بِها عَنْ أمْرٍ بِهِ، وكانَ قَدْ عَرَضَ الأمانَةَ في حِفْظِ أهْلِهِ عَلى السَّماواتِ فَأبَتْ، فَعَرَضَها عَلى الأرْضِ فَأبَتْ، فَعَرَضَها عَلى الجِبالِ فَأبَتْ، فَعَرَضَها عَلى قابِيلَ فَقَبِلَها، ثُمَّ تَوَجَّهَ وعادَ فَوَجَدَ قابِيلَ قَدْ قَتَلَ هابِيلَ وشَرِبَتِ الأرْضُ دَمَهُ، فَبَكى ولَعَنَ الأرْضَ لِشُرْبِها دَمَهُ، فَأنْبَتَتِ الشَّوْكَ، ولَمْ تَشْرَبْ بَعْدَهُ دَمًا.

رَوى غِياثُ بْنُ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي إسْحاقَ الهَمْدانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا قَتَلَ قابِيلُ بْنُ آدَمَ هابِيلَ أخاهُ بَكاهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌ قَبِيحْ ∗∗∗ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحْ قالَ فَأُجِيبَ آدَمُ: أبا هابِيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعًا ∗∗∗ وصارَ الحَيُّ كالمَيِّتِ الذَّبِيحْ ∗∗∗ وجاءَ بِشَرِّ ما قَدْ كانَ مِنهُ ∗∗∗ عَلى خَوْفٍ فَجاءَ بِها تَصِيحْ واخْتُلِفَ في قابِيلَ هَلْ كانَ عِنْدَ قَتْلِ أخِيهِ كافِرًا أوْ فاسِقًا؟

فَقالَ قَوْمٌ كانَ كافِرًا، وقالَ آخَرُونَ بَلْ كانَ رَجُلَ سَوْءٍ فاسِقًا.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَزَلْ بَنُو آدَمَ في نِكاحِ الأخَواتِ حَتّى مُضِيَّ أرْبَعَةِ آباءٍ، فَنَكَحَ ابْنَةَ عَمِّهِ وذَهَبَ نِكاحُ الأخَواتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ ﴾ مَعْناهُ لَئِنْ بَدَأْتَنِي بِالقَتْلِ لَمْ أبْدَأْكَ بِمِثْلِهِ، وفي امْتِناعِهِ مِن دَفْعِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَنَعَهُ مِنهُ التَّحَرُّجُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وجَوازِهِ لَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِناعُ مِمَّنْ أرادَ إذْ ذاكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ ﴾ مَعْناهُ تَرْجِعُ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَبُوءَ بِإثْمِ قَتْلِي وإثْمِكَ الَّذِي عَلَيْكَ مِن مَعاصِيكَ وذُنُوبِكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: يَعْنِي أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في خَطايايَ، وإثْمِكَ بِقَتْلِكَ لِي، فَتَبُوءُ بِهِما جَمِيعًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَرَوى الأعْمَشُ، عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ ﴾ مَعْنى طَوَّعَتْ أيْ فَعَّلَتْ مِنَ الطّاعَةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي شَجَّعَتْ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: يَعْنِي زَيَّنَتْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: يَعْنِي فَساعَدَتْهُ.

وَكانَ هابِيلُ أوَّلَ مَن قُتِلَ في الأرْضِ، وقِيلَ إنَّ قابِيلَ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ حَتّى ظَهَرَ لَهُ إبْلِيسُ فَعَلَّمَهُ، وقِيلَ إنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً، بِأنْ ألْقى عَلَيْهِ وهو نائِمٌ صَخْرَةً، شَدَخَهُ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَوْرَةَ أخِيهِ.

والثّانِي: جِيفَةُ أخِيهِ لِأنَّهُ تَرَكَهُ حَتّى أنْتَنَ، فَقِيلَ لِجِيفَتِهِ سَوْأةٌ.

وَفي الغُرابِ المَبْعُوثِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مَلَكًا عَلى صُورَةِ الغُرابِ، فَبَحَثَ الأرْضَ عَلى سَوْأةِ أخِيهِ حَتّى عَرَفَ كَيْفَ يَدْفِنُهُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ غُرابًا بَحَثَ الأرْضَ عَلى غُرابٍ آخَرَ.

﴿ قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ ﴾ قِيلَ إنَّهُ نَدِمَ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي تَصِحُّ مِنهُ التَّوْبَةُ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ، ولَوْ نَدِمَ عَلى الوَجْهِ الصَّحِيحِ لَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ.

وَرَوى مَعْمَرٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: «إنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبا مَثَلًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَخُذُوا مِن خَيْرِهِما، ودَعُوا شَرَّهُما.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن مسعود عن ناس من الصحابة.

أنه كان لا يولد لآدم مولود ألا ولد معه جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن لجارية البطن الآخر، ويزوّج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما قابيل وهابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال: هي اختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوّج بها.

فأمره أبوه أن يتزوّجها هابيل فأبى، وإنهما قَرَّبَا قرباناً إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك.

فلما انطلق آدم قربا قرباناً، وكان قابيل يفخر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي، فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي.

فقال هابيل ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ يقول: إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر بسند جيد عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخاها توأمها، وأن ينكحها غيره من اخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وأخرى قبيحة ذميمة، فقال أخو الذميمة: انكحني أختك وأنكحك أختي.

قال: لا، أنا أحق بأختي، فقربا قرباناً، فجاء صاحب الغنم بكبش أبيض وصاحب الزرع بصبرة من طعام، فتقبل من صاحب الكبش فخزنه الله في الجنة أربعين خريفاً وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم، ولم يقبل من صاحب الزرع، فبنو آدم كلهم من ذلك الكافر.

وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر في تاريخه من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: ولد لآدم أربعون ولداً، عشرون غلاماً وعشرون جارية، فكان ممن عاش منهم هابيل، وقابيل، وصالح، وعبد الرحمن، والذي كان سماه عبد الحارث، وود، وكان يقال له شيث، ويقال له هبة الله، وكان اخوته قد سودوه، وولد له سواع، ويغوث، ونسر، وإن الله أمره أن يفرق بينهم في النكاح، ويزوج أخت هذا من هذا.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان من شأن ابني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا: لو قربنا قرباناً، وكان أحدهما راعياً والآخر حراثاً، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه واسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قرباناً فتقبل منك وردَّ عليَّ؟

فلا والله لا ينظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني، فقال: لأقتلنك.

فقال له أخوه: ما ذنبي ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ﴾ لا أنا مستنصر ولأمسكن يدي عنك.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً، كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، وأنهما أُمِرَا أن يُقَرِّبَا قرباناً وأن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب شر حرثه الكردن والزوان غير طيبة بها نفسه، وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم ولم يقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكنه منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ ابني آدم ﴾ قال: هابيل وقابيل لصلب آدم، قرب هابيل عناقاً من أحسن غنمه وقرب قابيل زرعاً من زرعه، فتقبل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه: لأقتلنك...

!

فقتله.

فعقل الله إحدى رجليه بساقه إلى فخذها من يوم قتله إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى اليمن، حيث دارت عليه حظيرة من ثلج في الشتاء، وعليه في الصيف حظيرة من نار، ومعه سبعة أملاك كلما ذهب ملك جاء الآخر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ﴾ قال: كانا من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل وكان أوّل من مات.

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال: لأن استيقن ان الله تقبل مني صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن علي بن أبي طالب قال: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟...

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز.

أنه كتب إلى رجل: أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا عليها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن يزيد العيص: سألت موسى بن أعين عن قوله عز وجل ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ قال: تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام، فسماهم الله متقين.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون اعلم أن الله يقبل مني مثقال حبة من خردل، أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، فإن الله يقول ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ .

وأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا عن قتادة قال: قال عامر بن عبد قيس آية في القرآن أحب إليّ من الدنيا جميعاً أن أعطاه أن يجعلني الله من المتقين، فإنه قال: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا، عن همام بن يحيى قال: بكى عامر بن عبد الله عند الموت فقيل له: ما يبكيك؟

قال: آية في كتاب الله.

فقيل له: أيّة آية؟!

قال: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبل عمل عبد حتى يرضى عنه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ثابت قال: كان مطرف يقول: اللهم تقبَّل مني صيام يوم، اللهم اكتب لي حسنة، ثم يقول ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ قال: الذين يتقون الشرك.

وأخرج ابن عساكر عن هشام بن يحيى عن أبيه قال: دخل سائل إلى ابن عمر فقال لابنه: اعطه ديناراً فاعطاه، فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه فقال: لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة أو صدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت، تدري ممن يتقبل الله؟

﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ﴾ .

قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ يا محمد، يريد على قومك، ﴿ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ﴾ كما كان، يريد هابيل وقابيل.

وكان هابيل له ضأن، وقابيل له زرع، ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ﴾ فنظر هابيل إلى خير كبش في ضأنه فتقرب به إلى الله، ونظر قابيل إلى شر قمحه، فتقرب به إلى الله، فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل، ولم تحمل قربان قابيل، فعلم أن الله قد قَبِلَ من أخيه ولم يقبل منه فحسده، قال الله تعالى: ﴿ فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا ﴾ يريد هابيل ﴿ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ﴾ يريد قابيل.

ويقال إن قربان هابيل هو الكبش الذي فدى الله به إسماعيل (١) ﴿ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ ﴾ هابيل {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.

انتهى كلامه (٢) وهذا قول جميع أهل التفسير إلا الحسن والضحاك فإنهما قالا: إن ابني آدم اللذين قربا قربانًا لم يكونا ابني آدم لصلبه، إنما كانا رجلين من بني اسرائيل (٣) ومضى الكلام في معنى القربان في سورة آل عمران.

وتقديره قوله: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ﴾ قرب كل واحد منهما قربانا، نجمعهما في الفعل وأفرد الاسم؛ لأنه يستدل بفعلها على أن لكل واحد قربانًا.

وقيل: إن القربان اسم جنس، فهو يصلح للواحد وللعدد، على أن القربان مصدر كالرُّجحان والعُدوان والكُفران، يقال: قَرَّبْت الرجل (٤) (٥) وكان الرجل فيما مضى إذا رفع إلى الله حاجة قدم أمامها نسيكة، وكاذت تلك الذبيحة تسمى: قربانا، إذ (٦) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ﴾ .

مختصر، أي قال الذي لم يتقبل منه للثاني: لأقتلنك، فحذف لأن المعنى يدل على أن الذي لم يتقبل منه هو القائل بحسده لأخيه: لأقتلنك.

قاله الفراء (٧) (٨) وقوله تعالي: ﴿ قَرَّبَا ﴾ .

ليس معناه من القريب الذي هو ضد البعيد، ولكنه من قولهم قرّب قربانًا، إذا تقرب بمال له (٩) ﴿ قَرَّبَا قُرْبَانًا ﴾ قربه إلى موضع.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ .

أي المتقين للمعاصي (١٠) قال ابن عباس: قال له هابيل: إنما يتقبل الله ممن كان زاكيَ القلب، ورد عليك لأنك لست بزاكي القلب (١١) (١) كأن هذا القول اعتراض ضمن قول ابن عباس، فإنه نُسِب إلى سعيد بن جبير.

انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 134.

(٢) الأثر أخرجه الطبري في "تفسيره" بمعناه من طريقين: أحدهما طريق العوفي عن ابن عباس، والثاني طريق أبي صالح عنه.

انظر: "جامع البيان" 6/ 186 - 189، وذكره البغوي في "تفسيره" 6/ 42، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 333.

(٣) أخرجه عن الحسن الطبري في "تفسيره" 6/ 189، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 27، "زاد المسير" 2/ 331، ورجح كل من الطبري في "تفسيره" وابن الجوزي القول الأول، وأنهما ابني آدم لصلبه.

(٤) قربت الرجل: أي أدنيته، من القرب ضد البعد.

انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2915 (قرب).

(٥) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 190، "زاد المسير" 2/ 332.

(٦) في (ج): (إذا).

(٧) "معاني القرآن" 1/ 305، ولا يزال الكلام له.

(٨) انتهى من "معاني القرآن" 1/ 305، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 166، "زاد المسير" 2/ 334.

(٩) في (ش): (لنا).

(١٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 334.

(١١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 112.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ نَبَأَ ابني ءَادَمَ ﴾ هما قابيل وهابيل ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً ﴾ روي أن قابيل كان صاحب زرع فقرب أرذل زرعه، وكان هابيل: صاحب غنم فقرب أحسن كبش عنده، وكانت العادة حينئذ أن يقرب الإنسان قربانه إلى الله ويقوم يصلي، فإذا نزلت نار من السماء وأكلت القربان فذلك دليل على القبول وإلا فلا قبول، فنزلت النار فأخذت كبش هابيل ورفعته وتركت زرع قابيل فحسده قابيل فقتله ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ استدل بها المعتزلة وغيرهم على أن صاحب المعاصي لا يتقبل عمله، وتأولها الأشعرية بأن التقوى هنا يراد بها تقوى الشرك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.

روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.

﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.

﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .

﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.

﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم  ﴾ فكأنه  ذكر لأجل تسلية نبيّه  قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.

ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب  ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.

ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.

والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله  ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.

أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله  من ذبيحة أو صدقة.

يروى أنّ آدم  كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.

وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.

فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.

فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.

هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.

قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.

وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.

وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.

وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال  حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله  التي هي السبب في القبول؟

قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.

وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.

وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟

قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.

فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.

ثم حكى الله  عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.

قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.

قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.

ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ ؟

فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.

وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.

وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.

سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟

والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.

أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله  عقاب الظالم.

وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.

﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.

ومنهم من قال: شجعته فقتله.

والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.

وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.

يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.

ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.

وعن النبي  أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.

قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.

فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.

وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.

وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.

وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.

فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.

ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.

وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد  ولهذا أثنى الله  عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له  ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.

قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.

روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.

وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله  كيف يكرمه بعد موته ندم.

وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.

وقيل: أي جيفة أخيه.

والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.

يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.

وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.

والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.

وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.

والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله  في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.

ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله  قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.

ويعمل منه امتناع كونه  خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.

والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.

والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.

﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.

﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.

فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.

والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.

وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.

ثم إنه  بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.

ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.

والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.

لأنّ افساد نوع من السعي.

عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله  واستاقوا الذود، فبعث رسول الله  في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.

وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.

وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله  عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .

وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.

وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.

قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.

وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.

واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.

وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.

وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.

فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.

وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.

والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.

فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.

والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.

﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.

وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.

قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.

قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.

وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.

وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.

قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.

وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.

وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.

وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.

وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.

أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.

فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.

والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.

وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.

وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.

قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.

والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله  في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما  ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.

فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.

وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.

وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.

والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.

ثم إنه  لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.

والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه  أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.

وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.

ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.

ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.

ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.

وعن النبي  : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟

فيقول: نعم.

فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.

قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.

وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.

عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.

ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.

وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.

وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر  ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله  وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.

والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله  : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.

أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.

وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.

وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.

أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.

والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما  ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.

واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق  ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.

والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.

ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.

وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.

ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.

وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.

وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.

ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.

واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.

وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.

ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه  قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه  قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.

وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.

وعن الحسن: درهم.

وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".

ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.

فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.

ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.

ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.

والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.

ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.

وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.

وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.

ومنها كون المال محرزاً لقوله  : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.

فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.

والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.

وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.

وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.

وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.

وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.

ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.

وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.

حجة الشافعي أن قوله  : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.

وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.

حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.

ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.

أما كيفية القطع فقد روي أنه  أتى بسارق فقطع يمينه.

قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.

وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي  وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.

واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.

والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.

واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.

وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .

﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.

وعند الجمهور لا تسقط.

وباقي الآيات قد مر تفسيره.

وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.

التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.

وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله  الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.

فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.

فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.

وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه  قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً ﴾ [قال الحسن وغيره: لم يكونا ابني آدم من صلبه، ولكن كانا رجلين من بني إسرائيل قربا قرباناً]؛ فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل قربان الآخر، وإن نسبهما إلى آدم؛ لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه، كقوله -  -: ﴿ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ ﴾ افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، ليس يريد به ولد آدم لصلبه، ولكن البشر كله؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وأمَّا ابن عباس -  - والكلبي وغيرهما من أهل التأويل: فإنهم قالوا: "إنهما كانا ابني آدم لصلبه: أحدهما يسمى قابيل، والآخر هابيل، وكان [لكل] واحد منهما أخت ولدت معه في بطن واحد، وكانت إحداهما جميلة، والأخرى دميمة، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما، فتنازعا في ذلك؛ فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نقرب قرباناً، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها، فقربا قربانهما، فقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل؛ فحسده؛ فهم أن يقتله؛ فذلك قوله -  -: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ولكن لا ندري كيف [كانت] وفيما كانت القصة؟

وكانا ابني آدم لصلبه، أو لم يكونا، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة، إنما الحاجة في هذا إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم؛ ليعلم ذلك ويعمل به، فهو - والله أعلم - ما ذكر - عز وجل - فيما تقدم من قوله  : ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ فكأن هذا - أعني: نبأ ابني آدم - كان في كتبهم؛ فأمر - عز وجل - رسوله أن يتلو عليهم ذلك على ما كان، ويبين لهم ما في كتبهم؛ لأنه قال: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لا بأحد من البشر؛ لأنه إنما بعث عند دروس آثار الرسل، وانقطاع العلوم، فبين لهم واحداً بعد واحد، ففيه دليل إثبات رسالة [سيدنا] محمد  .

وسورة المائدة كان أكثرها نزلت في مخاطبة أهل الكتاب؛ لأنه يقول في غير موضع: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ و ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ يدعوهم إلى الإيمان بالرسل، ونزل سورة الأنعام في مخاطبة أهل الشرك؛ لأن فيها دعاء إلى التوحيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ على ما نزل.

ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ المعلوم المعروف على ما كانوا؛ ليعلموا أنه بالله علم، وأنه علم سماوي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: يحتمل: إنما يتقبل الله قربان من اتقى الشرك، لا يتقبل قربان من لم يتق، وإلى هذا يذهب الحسن، وقال: كانا رجلين من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر منافق، فتنازعا في شيء فقربا ليعلم المحق منهما، فتقبل من المؤمن ولم يتقبل من الآخر.

وقال أبو بكر الأصم: كانا رجلين مصدقين؛ لأن الكافر لا يقرب القربان، لكن أحدهما كان أتقى قلباً فتقبل قربانه، والآخر لا فلم يتقبل قربانه، والتقوى شرط في قبول القرابين وغيرها من القرب؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وقوله: والكافر لا يقرب القربان، يقال: قد يقرب لما يدعي من الدين أن الذي هو عليه حق؛ ليظهر المحق منهم؛ ألا ترى أنه يَدَّعُون أن [فيهم] من هو أحق بالرسالة من محمد صلى الله عليهم وسلم بقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وغير ذلك [من] أباطيل قالوها، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ .

قال بعض الناس: إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أولئك، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم؛ حيث قال له: ﴿ لأَقْتُلَنَّكَ ﴾ ، فقال له الآخر: ﴿ مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ﴾ ، واحتجوا في ذلك بأخبار رويت: روي عن أبي موسى الأشعري، كان رسول الله  يقول: "إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَهُمَا فِي النَّارِ، فقيل: يا رسول الله، أرأيت المقتول؟!

فقال: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ" وعن سعد بن مالك قال: قال رسول الله  : "إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْداً للهِ، وَلاَ تَقْتُل أَحَداً مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ فَافْعَلْ" وعن الحسن -  - قال: قال رسول الله  : "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلاً، فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا" وعن أبي ذر -  - قال: قال رسول الله  : "كَيْفَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حِجَارَةٍ؟

قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذَنْ قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟

قال: إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ، يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ" يحتجون بمثل هذه الأخبار.

وقال آخرون: له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتدئه بالقتل؛ استدلالاً بما أمر الله -  - بقتال أهل البغي؛ كقوله -  -: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من قتال البغاة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً  ﴾ ، على أن قتال المشركين كان محظوراً في أول مبعث النبي  وقبل ذلك بأوقات، وقالوا: فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه الآية كان قتال المشركين وتجريد السيف فيه محظوراً، فأذن الله في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله [به] من قتال البغاة والمشركين، والله أعلم.

وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها: فإن ذلك، - والله أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن، وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة؛ لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار.

وأما إذا كان للناس إمام هدى: فقد عقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظلمة، فقتالهم واجب؛ اتباعاً لعلي -  - ومن حارب معه من أصحاب رسول الله  أَهْلَ البغي والخوارج، فأما قتال الخوارج: فهو كالإجماع؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول الله  ؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم بقتله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : أن ترجع بإثمي بقتلك إياي، وإثمك الذي عملته قبل قتلي.

قال القتبي: ﴿ بِإِثْمِي ﴾ : أن تقتلني، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ : ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة.

وقال الحسن: ترجع ﴿ بِإِثْمِي ﴾ بقتلك إياي، ﴿ وَإِثْمِكَ ﴾ يعني: الكفر الذي كان عليه؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافراً فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ﴾ : يجوز أن يتكلم بالإرادة على غير تحقيق الفعل؛ كقول القائل: أريد أن أسقط من السطح، وهو لا يريد سقوطه منه؛ وكقوله: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ  ﴾ والجدار لا فعل له، فإذا جاز إضافة الإرادة إلى من لا فعل يكون منه؛ دل أنه ليس على حقيقة الفعل، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك، ويئول أمره إلى ذلك.

أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أنه يقتله لا محالة، ويعصي ربه، أراد أن يبوء بإثمه؛ وذلك جائز، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾ : قال القتبي: أي شايعته، وانقادت له.

وقال أبو عوسجة: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ﴾ : أي: أمرته وزينت له.

وقال مجاهد: أي: شجعته وأعانته، وكله يرجع إلى واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ  ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أصبح تائباً؛ لأن الندامة توبة، وذلك أن من أذنب ذنباً فندم عليه كان ذلك منه توبة، فإن لم يكن توبة فتأويل قوله: ﴿ فَأَصْبَحَ ﴾ : [أي]: يصبح في الآخرة من النادمين؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: يقول في الآخرة لا أن قال له؛ فعلى ذلك قوله  : ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ ﴾ : أي: يصبح من النادمين في الآخرة - والله أعلم - ويصبح من الخاسرين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ .

استدل من قال بأن القصَّة كانت في بني آدم لصلبه: يقول: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾ ؛ لأن القصة لو كانت في بني إسرائيل لم يكن ليجهل دفن الميت؛ إذ قد رأى ذلك غير مرة وعاينه؛ فدل أنه كان في أول ميت جهل السنة فيه.

وقال من قال: إنهما كانا رجلين من بني إسرائيل؛ إذ قد يجوز أن يخفى على المرء شيء علمه قبل ذلك وعاينه إذا اشتد به الخوف ونزل به الهول؛ كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ  ﴾ ، وقد كان لهم علم بذلك، لكن ذهب عنهم - والله أعلم - لشدة هول ذلك اليوم، وخوفه؛ فعلى ذلك الأول، يجوز خفاء دفن الموتى بعدما علمه؛ لشدة الهول، والله أعلم.

ثم اختلف فيما أخبر عن بحث الغراب في الأرض: قال الحسن -  -: كان الغراب يبحث التراب على ذلك الميت؛ ليرى ذلك القاتل، لا أنه كان يبحث التراب على غراب آخر، على ما ذكر في القصَّة أن غراباً قتل آخر، ثم جعل يبحث التراب عليه؛ لأنه ذكر السوأة، وليس للغراب سوأة - والسوأة: العورة - وذلك ليريه كيف يواري سوأة أخيه لم يذكر السوأة في الغراب، إنما ذكرها في أخيه؛ من أجل أن يريه أن كيف يواري سوأته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ﴾ .

أي: أعجزت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً...

﴾ الآية.

[أي: من استحل قتل نفس] يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله -  -: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ أي: من استحل قتل نفس حَرَّمَ الله قتلها بغير حق، فكأنما استحل قتل الناس جميعاً؛ لأنه يكفر باستحلاله قتل نفس محرم قتلها، فكان كاستحلال قتل الناس جميعاً؛ لأن من كفر بآية من كتاب الله يصير كافراً بالكل؛ فعلى ذلك الأول، إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها.

ويحتمل: أن يكون هذا في أول قتيل قتل لم يكن قبل ذلك أحد، فلما قتل هذا قتيلاً جعل الناس يقتلون بعد ذلك بعضهم بعضاً، وكان ذلك منه سنة استن الناس به؛ فهو كما روي في الخبر أن: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَلَهُ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْئاً" ؛ فيشترك هذا القاتل في وزر كل قتيل قتل إلى يوم القيامة بغير حق.

وتحتمل الآية وجهاً آخر، وهو ما قيل: إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها أعطاه من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناس جميعاً، إذا أحياها فلم يقتلها وعفا عنها.

وعن ابن عباس -  - قال: من أجل ابن آدم حين قتل أخاه كتبنا على بني إسرائيل: ﴿ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ بلا نفس وجب عليها القصاص ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: الشرك في الأرض، ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ يقول: يعذب عليها؛ كما أنه لو قتل الناس جميعاً لهم، وهو مثل الأول.

وعن عبد الله بن عمرو قرأ: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ...

﴾ الآية قال: "لم يكن يؤخذ في بني إسرائيل أرش، إنما كان قصاصاً بقصاص" يقول: من قتل نفسا، أو أفسد في الأرض جزاؤه كأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فعلى نحو ذلك.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ : أي: من استنقذ أحداً من مهلكة فكأنما استنقذ الناس جميعاً في الآخرة.

وقيل: ومن أحياها بالعفو - أُجِرَ في إحيائها كما يؤجر من أحيا الناس جميعاً؛ إذ على الناس معونة ذلك، فإذا عفا عنها فكأنما عفا عن الناس جميعاً.

قال الحسن: ومن أحياها في الأجر، أما والله من يستطيع أن يحييها إذا جاء أجلها؟!

ولكنه أقيد فعفا.

ووجه آخر: أنه يلزم الناس جميعا دفع ذلك عن نفسه ومعونته له، فإذا قتلها أو سعى عليها بالفساد فكأنما سعى بذلك على الناس كافة؛ فعلى ذلك من أحياها فكأنما سعى في إحياء الناس جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ .

في الآية تصبير رسول الله  على تكذيب الكفرة إياه، وأنه ليس بأول مكذَّب في الحق، بل كانت الرسل من قبل يكذَّبون فيما يأتون من الآيات والحجج والبيان.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واقصص -أيها الرسول- على هؤلاء.

الحسدة الظالمين من اليهود خبر ابْنَي آدم، وهما قابيل وهابيل، بالصدق الذي لا مرية فيه، حين قَدمَا قُرْبانًا يتقرب به كل منهما إلى الله سبحانه، فَقَبِلَ الله القُرْبان الذي قدمه هابيل؛ لأنه من أهل التقوى، ولم يقبل قربان قابيل؛ لأنه ليس من أهل التقوى، فاستنكر قابيل قبول قُرْبان هابيل حسدًا، وقال: لأقتلنك يا هابيل، فقال هابيل: إنما يقبل الله قُرْبان من اتقاه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.P1546"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله