الإسلام > القرآن > سور > سورة 55 الرحمن > الآية ٤١ من سورة الرحمن
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤١ من سورة الرحمن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
كما قال تعالى : ( يعرف المجرمون بسيماهم ) أي : بعلامات تظهر عليهم .
وقال الحسن وقتادة : يعرفونهم باسوداد الوجوه وزرقة العيون .
وقوله : ( فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) أي : تجمع الزبانية ناصيته مع قدميه ، ويلقونه في النار كذلك .
وقال الأعمش عن ابن عباس : يؤخذ بناصيته وقدمه ، فيكسر كما يكسر الحطب في التنور .
وقال الضحاك : يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره .
وقال السدي : يجمع بين ناصية الكافر وقدميه ، فتربط ناصيته بقدمه ، ويفتل ظهره .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام - يعني جده - أخبرني عبد الرحمن ، حدثني رجل من كندة قال : أتيت عائشة فدخلت عليها ، وبيني وبينها حجاب ، فقلت : حدثك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يأتي عليه ساعة لا يملك لأحد فيها شفاعة ؟
قالت : نعم ، لقد سألته عن هذا وأنا وهو في شعار واحد ، قال : " نعم حين يوضع الصراط ، ولا أملك لأحد فيها شفاعة ، حتى أعلم أين يسلك بي ؟
ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، حتى أنظر ماذا يفعل بي - أو قال : يوحى - وعند الجسر حين يستحد ويستحر " فقالت : وما يستحد وما يستحر ؟
قال : " يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف ، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة ، فأما المؤمن فيجيزه لا يضره ، وأما المنافق فيتعلق حتى إذا بلغ أوسطه خر من قدمه فيهوي بيده إلى قدميه ، فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدمه ، فتقذفه في جهنم ، فيهوي فيها مقدار خمسين عاما " .
قلت : ما ثقل الرجل ؟
قالت : ثقل عشر خلفات سمان ، فيومئذ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام .
هذا حديث غريب [ جدا ] ، وفيه ألفاظ منكر رفعها ، وفي الإسناد من لم يسم ، ومثله لا يحتج به ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ (41) وقوله: ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ) يقول تعالى ذكره تعرف الملائكة المجرمين بعلاماتهم وسيماهم التي يسوّمهم الله بها من اسوداد الوجوه، وازرقاق العيون.
كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن الحسن، في قوله: ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ) قال: يعرفون باسوداد الوجوه، وزُرقة العيون.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن مروان قال: ثنا أبو العوّام، عن قتادة ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ) قال: زرق العيون، سود الوجوه.
وقوله: ( فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ )، يقول تعالى ذكره: فتأخذهم الزبانية بنواصيهم وأقدامهم فتسحبهم إلى جهنم، وتقذفهم فيها
قوله تعالى : يعرف المجرمون بسيماهم قال الحسن : سواد الوجه وزرقة الأعين ، قال الله تعالى : ونحشر المجرمين يومئذ زرقا وقال تعالى : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه .فيؤخذ بالنواصي والأقدام أي تأخذ الملائكة بنواصيهم ، أي بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار .
والنواصي جمع ناصية .
وقال الضحاك : يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره .
وعنه : يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ظهره ثم يلقى في النار .
وقيل : يفعل ذلك به ليكون أشد لعذابه وأكثر لتشويهه .
وقيل : تسحبهم الملائكة إلى النار ، تارة تأخذ بناصيته وتجره على وجهه ، وتارة تأخذ بقدميه وتسحبه على رأسه .
وقال هنا: { يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ } أي: فيؤخذ بنواصي المجرمين وأقدامهم، فيلقون في النار ويسحبون فيها، وإنما يسألهم تعالى سؤال توبيخ وتقرير بما وقع منهم، وهو أعلم به منهم، ولكنه تعالى يريد أن تظهر للخلق حجته البالغة، وحكمته الجليلة.
( يعرف المجرمون بسيماهم ) وهو سواد الوجوه وزرقة العيون ، كما قال جل ذكره : " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " ( آل عمران - 106 ( فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار .
«يعرف المجرمون بسيماهم» سواد الوجوه وزرقة العيون «فيؤخذ بالنواصي الأقدام».
تَعرِف الملائكة المجرمين بعلاماتهم، فتأخذهم بمقدمة رؤوسهم وبأقدامهم، فترميهم في النار.
ثم بين - سبحانه - ما يحل بالمجرمين فى هذا اليوم من عذاب فقال : ( يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .وقوله : ( بِسِيمَاهُمْ ) أى : بعلاماتهم التى تدل عليهم ، وهى زرقة العيون .
وسواد الوجوه ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ .
.
.
) وكما فى قوله - سبحانه - : ( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً .
.
.
) والنواصى : جمع ناصية ، وهى مقدم الرأس .
والأقدام : جمع قدم ، وهو ظاهر الساق ، و " ال " فى هذين اللفظين عوض عن المضاف إليه .أى : فى هذا اليوم ، وهو يوم الحساب والجزاء ( يُعْرَفُ المجرمون ) بسواد وجوههم ، وزرقة عيونهم ، وبما تعلو أفئدتهم من غبرة ترهقها قترة .
فتأخذ الملائكة بالشعر الذى فى مقدمة رءوسهم ، وبالأمكنة الظاهرة من سيقانهم وتقذف بهم فى النار ، وتقول لهم على سبيل الإهانة والإذلا : هذه جهنم التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا أيها المجرمون ، فترددوا بين مائها الحار ، وبين سعيرها البالغ النهاية فى الشدة .وفى قوله : ( فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام ) إشارة إلى التمكن منهم تمكنا شديدا ، بحيث لا يستطيعون التفلت أو الهرب .
اتصال الآيات بما قبلها على الوجه المشهور، ظاهر لا خفاء فيه، إذ قوله: ﴿ يُعْرَفُ المجرمون ﴾ كالتفسير وعلى الوجه الثاني من أن المعنى لا يسأل عن ذنبه غيره كيف قال: يعرف ويؤخذ وعلى قولنا: لا يسأل سؤال حط وعفو أيضاً كذلك، وفيه مسائل: المسألة الأولى: السيما كالضيزى وأصله سومى من السومة وهو يحتمل وجوهاً أحدها: كي على جباههم، قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ ﴾ ثانيها: سواد كما قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ ثالثها: غبرة وقترة.
المسألة الثانية: ما وجه إفراد (يؤخذ) مع أن (المجرمين) جمع، وهم المأخوذون؟
نقول فيه وجهان: أحدهما: أن يؤخذ متعلق بقوله تعالى: ﴿ بالنواصي ﴾ كما يقول القائل ذهب بزيد وثانيهما: أن يتعلق بما يدل عليه يؤخذ، فكأنه تعالى قال، فيؤخذون بالنواصي، فإن قيل كيف عدى الأخذ بالباء وهو يتعدى بنفسه قال تعالى: ﴿ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ ﴾ وقال: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ ﴾ نقول: الأخذ يتعدى بنفسه كما بينت، وبالباء أيضاً كقوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ لكن في الاستعمال تدقيق، وهو أن المأخوذ إن كان مقصوداً بالأخذ توجه الفعل نحوه فيتعدى إليه من غير حرف، وإن كان المقصود بالأخذ غير الشيء المأخوذ حساً تعدى إليه بحرف، لأنه لما لم يكن مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، وكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فذكر الحرف، ويدل على ما ذكرنا استعمال القرآن، فإن الله تعالى قال: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ ﴾ في العصا وقال تعالى: ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ ﴿ أَخَذَ الألواح ﴾ إلى غير ذلك، فلما كان ما ذكر هو المقصود بالأخذ عدى الفعل إليه من غير حرف، وقال تعالى: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ وقال تعالى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام ﴾ ويقال: خذ بيدي وأخذ الله بيدك إلى غير ذلك مما يكون المقصود بالأخذ غير ما ذكرنا، فإن قيل: ما الفائدة في توجيه الفعل إلى غير ما توجه إليه الفعل الأول، ولم قال: ﴿ يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم فَيُؤْخَذُ بالنواصي ﴾ ؟
نقول فيه بيان نكالهم وسوء حالهم ونبين هذا بتقديم مثال وهو أن القائل إذا قال ضرب زيد فقتل عمرو فإن المفعول في باب ما لم يسم فاعله قائم مقام الفاعل ومشبه به ولهذا أعرب إعرابه فلو لم يوجه يؤخذ إلى غير ما وجه إليه يعرف لكان الأخذ فعل من عرف فيكون كأنه قال: يعرف المجرمين عارف فيأخذهم ذلك العارف، لكن المجرم يعرفه بسيماه كل أحد، ولا يأخذه كل من عرفه بسيماه، بل يمكن أن يقال قوله: ﴿ يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم ﴾ المراد يعرفهم الناس والملائكة الذين يحتاجون في معرفتهم إلى علامة، أما كتبة الأعمال والملائكة الغلاظ الشداد فيعرفونهم كما يعرفون أنفسهم من غير احتياج إلى علامة، وبالجملة فقوله: يعرف معناه يكونون معروفين عند كل أحد فلو قال: يؤخذون يكون كأنه قال: فيكونون مأخوذين لكل أحد، كذلك إذا تأملت في قول القائل: شغلت فضرب زيد علمت عند توجه التعليق إلى مفعولين دليل تغاير الشاغل والضارب لأنه يفهم منه أني شغلني شاغل فضرب زيداً ضارب، فالضارب غير ذلك الشاغل، وإذا قلت: شغل زيد فضرب لا يدل على ذلك حيث توجه إلى مفعول واحد، وإن كان يدل فلا يظهر مثل ما يظهر عند توجهه إلى مفعولين، أما بيان النكال فلأنه لما قال: ﴿ فَيُؤْخَذُ بالنواصي ﴾ بين كيفية الأخذ وجعلها مقصود الكلام، ولو قال: فيؤخذون لكان الكلام يتم عنده ويكون قوله: ﴿ بالنواصي ﴾ فائدة جاءت بعد تمام الكلام فلا يكون هو المقصود، وأما إذا قال: فيؤخذ، فلابد له من أمر يتعلق به فينتظر السامع وجود ذلك، فإذا قال: ﴿ بالنواصي ﴾ يكون هذا هو المقصود، وفي كيفية الأخذ ظهور نكالهم لأن في نفس الأخذ بالناصية إذلالاً وإهانة، وكذلك الأخذ بالقدم، لا يقال قد ذكرت أن التعدية بالباء إنما تكون حيث لا يكون المأخوذ مقصوداً والآن ذكرت أن الأخذ بالنواصي هو المقصود لأنا نقول: لا تنافي بينهما فإن الأخذ بالنواصي مقصود الكلام والناصية ما أخذت لنفس كونها ناصية وإنما أخذت ليصير صاحبها مأخوذاً، وفرق بين مقصود الكلام وبين الأخذ، وقوله تعالى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام ﴾ فيه وجهان: أحدهما: يجمع بين ناصيتهم وقدمهم، وعلى هذا ففيه قولان: أحدهما: أن ذلك قد يكون من جانب ظهورهم فيربط بنواصيهم أقدامهم من جانب الظهر فتخرج صدورهم نتأ والثاني: أن ذلك من جانب وجوههم فتكون رءوسهم على ركبهم ونواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة الوجه الثاني: أنهم يسحبون سحباً فبعضهم يؤخذ بناصيته وبعضهم يجر برجله، والأول أصح وأوضح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَيُؤْخَذُ بالنواصى والأقدام ﴾ عن الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره وقيل تسحبهم الملائكة: تارة تأخذ بالنواصي؛ وتارة تأخذ بالأقدام ﴿ حَمِيمٍ ءانٍ ﴾ ماء حار قد انتهى حرّه ونضجه، أي: يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم.
وقيل: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم.
وقيل: إن وادياً من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال، فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم؛ ثم يخرجون منه وقد أحدث الله لهم خلقاً جديداً.
وقرئ: ﴿ يطوّفون ﴾ من التطويف.
ويطوّفون، أي: يتطوّفون ويطافون.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان تصليان لا تموتان فيها ولا تحييان يطوفون بينهما ﴾ ونعمة الله فيما ذكره من هول العذاب: نجاة الناجي منه برحمته وفضله، وما في الإنذار به من اللطف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ وهو ما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ.
﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ ﴾ مَجْمُوعًا بَيْنَهُما، وقِيلَ: يُؤْخَذُونَ بِالنَّواصِي تارَةً وبِـ الأقْدامِ أُخْرى.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها ﴾ بَيْنَ النّارِ يُحْرَقُونَ بِها.
﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ ﴾ ماءٍ حارٍّ.
﴿ آنٍ ﴾ بَلَغَ النِّهايَةَ في الحَرارَةِ يُصَبُّ عَلَيْهِمْ، أوْ يُسْقَوْنَ مِنهُ، وقِيلَ: إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ أُغِيثُوا بِالحَمِيمِ.
﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ﴾ مَوْقِفَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ لِلْحِسابِ، أوْ قِيامَهُ عَلى أحْوالِهِ مَن قامَ عَلَيْهِ إذا راقَبَهُ، أوْ مَقامَ الخائِفِ عِنْدَ رَبِّهِ لِلْحِسابِ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ فَأُضِيفَ إلى الرَّبِّ تَفْخِيمًا وتَهْوِيلًا، أوْ رَبَّهُ ومَقامَ مُقْحَمٌ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ ∗∗∗ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ ﴿ جَنَّتانِ ﴾ جَنَّةٌ لِلْخائِفِ الإنْسِيِّ والأُخْرى لِلْخائِفِ الجِنِّيِّ، فَإنَّ الخِطابَ لِلْفَرِيقَيْنِ والمَعْنى لِكُلِّ خائِفَيْنِ مِنكُما أوْ لِكُلِّ واحِدٍ جَنَّةٌ لِعَقِيدَتِهِ وأُخْرى لِعَمَلِهِ، أوْ جَنَّةٌ لِفِعْلِ الطّاعاتِ وأُخْرى لِتَرْكِ المَعاصِي، أوْ جَنَّةٌ يُثابُ بِها وأُخْرى يَتَفَضَّلُ بِها عَلَيْهِ، أوْ رُوحانِيَّةٌ وجُسْمانِيَّةٌ وكَذا ما جاءَ مُثَنًّى بَعْدُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعْلِيلِ لِانْتِفاءِ السُّؤالِ، ( والمُجْرِمُونَ ) قِيلَ: مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعُ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ بَعْضٌ مِنَ الإنْسِ وبَعْضٌ مِنَ الجِنِّ وهُمُ المُجْرِمُونَ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ ، وسِيماهم - عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ، وقِيلَ: ما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أُمُورًا أُخَرَ كالعَمى.
والبُكْمِ.
والصَّمَمِ.
.
وقَرَأ حَمّادُ بْنُ سُلَيْمانَ بِسِيمائِهِمْ ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي ﴾ جَمْعُ ناصِيَةٍ وهي مُقَدَّمُ الرَّأْسِ ﴿ والأقْدامِ ﴾ جَمْعُ قَدَمٍ وهي قَدَمُ الرَّجُلِ المَعْرُوفَةُ والباءُ لِلْآلَةِ مَثَلَها في أخَذْتَ بِخِطامِ الدّابَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ نائِبُ الفاعِلِ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ والفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى ما يُعَدّى بِها أيْ فَيُسْحَبُ بِالنَّواصِي إلَخْ، وفِيهِ بَحْثٌ وظاهِرُ كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ - ألْ - عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ الضَّمِيرِ أيْ بِنَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ، ونَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ فَقالَ: - ألْ - فِيهِما عِوَضٌ عَنِ الضَّمِيرِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أيْ بِالنَّواصِي والأقْدامِ مِنهم، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ أهْلِ البَلَدَيْنِ فِيما إذا احْتِيجَ إلى الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ ولا احْتِياجَ إلَيْهِ هُنا، نَعَمِ المَعْنى عَلى الضَّمِيرِ وكَيْفِيَّةِ هَذا الأخْذِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنْ يَجْمَعَ المَلِكُ بَيْنَ ناصِيَةِ أحَدِهِمْ وقَدَمَيْهِ في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظَهْرِهِ ثُمَّ يَكْسِرُ ظَهْرَهُ ويُلْقِيهِ في النّارِ، وقِيلَ: تَأْخُذُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْضَهم سَحْبًا بِالنّاصِيَةِ وبَعْضَهم سَحْبًا بِالقَدَمِ، وقِيلَ: تَسْحَبَهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تارَةً بِأخْذِ النَّواصِي وتارَةً بِأخْذِ الأقْدامِ، فالواوُ بِمَعْنى أوِ الَّتِي لِلتَّقْسِيمِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وإبْهامُ الفاعِلِ لِأنَّهُ كالمُتَعَيِّنِ، وقِيلَ: لِلرَّمْزِ إلى عَظَمَتِهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في صِفَةِ النّارِ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ خُلِقَتْ مَلائِكَةُ جَهَنَّمَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ جَهَنَّمُ بِألْفِ عامٍ فَهم كُلَّ يَوْمٍ يَزْدادُونَ قُوَّةً إلى قُوَّتِهِمْ حَتّى يَقْبِضُوا عَلى مَن قَبَضُوا بِالنَّواصِي والأقْدامِ»» ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ يُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ يعني: إن قدرتم أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: أن تخرجوا من أطراف السَّمَوَاتِ، والأرض، ونواحيها، فَانْفُذُوا يعني: فاخرجوا إن استطعتم.
قال مقاتل: هذا الخطاب للجن، والإنس في الدنيا.
يعني: إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض هروباً من الموت، فانفذوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: أينما أدرككم الموت.
وروي عن ابن عباس أنه قال: هذا الخطاب في يوم القيامة، وذلك أن السماء تتشقق بالغمام، وتنزل ملائكة السموات، ويقومون حول الدنيا محيطين بها، وجاء الروح وهو ملك يقوم صفّاً وهو أكبر من جميع الخلق، فحينئذٍ يقال لهم: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني: لا تنجون إلا بحجة، وبرهان.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: فبأي نعمة من نعمائه تجحدون حيث بيّن لكم أحوال يوم القيامة حتى تتوبوا، وترجعوا.
ويقال: معناه ذلك اليوم لا يفوته أحد ولا يعينكم أحد غيره، فكيف تجحدون هذه النعم.
ثم قال: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ يعني: يرسل على كفار الجن، وكفار الإنس، لهب من النار وَنُحاسٌ يعني: الصُّفْر المذاب يعذبون بهما.
ويقال: دخان لهب فيه.
ويقال: النحاس هو لباس أهل النار فَلا تَنْتَصِرانِ يعني: لا تُمْنعان من ذلك.
قرأ ابن كثير: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ بكسر الشين.
والباقون: بالضم.
فهما لغتان، ومعناهما واحد.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: وَنُحاسٌ بكسر السين.
والباقون: بالضم.
فمن قرأ بالكسر عطف على قوله من نار، ومن قرأ بالضم عطف على قوله شواظ.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: لا يعينكم أحد غير الله، ولا يحفظكم حين يرسل عليكم العذاب إلا الله فكيف تنكرون قدرته وتوحيده؟.
ثم قال عز وجل: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يعني: انفرجت السماء لنزول الملائكة، كقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [الفرقان: 25] .
ثم قال: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ يعني: صارت كدهن الورد الصافي، وهذا قول مقاتل.
وقال القتبي: صارت حمراء في لون الفرس.
يعني: بمنزلة الدابة الجُلْجُون الذي تغير لونه في كل وقت، يرى لونه على خلاف اللون الأول، ويقال له: المورد ويقال: الدهن الأديم الأحمر بلغة الفارسي.
يعني: الفرس الذي يكون لونه لون الورد الأحمر، يعنون أخضر يضرب إلى سواد، يتغير لونه بياض.
ويقال: من هيبة ذلك زاغ فيرى أنه كالدهن.
ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، تغيرت السموات من هيبته، ويأمر الخلق بالحساب، فهو الذي ينجيكم من هول ذلك اليوم، فكيف تنكرون هذه النعمة.
ثم قال عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يعني: عن علمه إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يعني: إنسياً، ولا جنياً لأن الله تعالى قد أحصى عليه: ويقال: لا يسأل سؤال استفهام، ولكن يسأل سؤال التوبيخ والزجر كقوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) [الحجر: 92] ويقال لا يسأل الكافر لأنه عرف بعلامته.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: إذا كان يوم القيامة، أعطاكم الثواب، وأدخلكم في جنته، فكيف تنكرون وحدانيته؟
ويقال: معناه إن الله قد بين لكم أنه يعلم أعمالكم، ونهاكم عن الذنوب، وتجاوز عنكم، فكيف تنكرون، وحدانيته.
قوله عز وجل: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ يعني: يُعرف الكافر بسواد الوجوه، وزرقة الأعين، فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب، يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعونهم على وجوههم، فيطرحونهم في النار.
ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني: هو الذي يدفع عنكم ذلك العذاب إن آمنتم به، وأطعتموه ووحدتموه، فكيف تنكرون هذه النعمة؟.
ثم قال عز وجل: هذِهِ جَهَنَّمُ وذلك أن الكفار إذا دنوا من النار، تقول لهم الخزنة: هذه جهنم الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يعني: جهنم التى كنتم بها تكذبون في الدنيا.
ثم أخبر عن حالهم فيها فقال: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ يعني: الشراب الحار الذي قد انتهى حره، وذلك أنه يسلط عليهم الجوع، فيؤتى بهم إلى الزقوم الذي طلعه كرؤوس الشياطين، فأكلوا منه، فأخذ في حلقهم، فاستغاثوا بالماء، فأتوا من الحميم.
فإذا قربوا إلى وجوههم، تناثر لحم وجوههم، فيشربون، فيغلي في أجوافهم، ويخرج جميع ما فيها، ثم يلقى عليهم الجوع، فمرة يذهب بهم إلى الحميم، ومرة إلى الزقوم، فذلك قوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ أيِ: انْفَرَجَتْ مِنَ المَجَرَّةِ لِنُزُولِ مَن فِيها يَوْمَ القِيامَةِ "فَكانَتْ ورْدَةً" وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: كَلَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والضَّحّاكُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الفَرَسُ الوَرْدَةُ، تَكُونُ في الرَّبِيعِ ورْدَةً إلى الصُّفْرَةِ، فَإذا اشْتَدَّ الحَرُّ كانَتْ ورْدَةً حَمْراءَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَتْ ورْدَةً إلى الغُبْرَةِ، فَشَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ؛ وكَذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: "فَكانَتْ ورْدَةً" أيْ: كَلَوْنِ فَرَسِ ورْدَةٍ؛ والكُمَيْتُ: الوَرْدُ يَتْلُونَ، فَيَكُونُ لَوْنُهُ في الشِّتاءِ خِلافَ لَوْنِهِ في الصَّيْفِ، ولَوْنُهُ في الصَّيْفِ خِلافَ لَوْنِهِ في الشِّتاءِ، فالسَّماءُ تَتَلَوَّنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: فَكانَتْ حَمْراءَ في لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ.
والثّانِي: أنَّها ورْدَةُ النَّباتِ؛ وقَدْ تَخْتَلِفُ ألْوانُها، إلّا أنَّ الأغْلَبَ عَلَيْها الحُمْرَةُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي الدِّهانِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ واحِدٌ، وهو الأدِيمُ الأحْمَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ دُهْنٍ، والدُّهْنُ تَخْتَلِفُ ألْوانُهُ بِخُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وصُفْرَةٍ، حَكاهُ اليَزِيدِيُّ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ مُجاهِدٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: شَبَّهَ تَلَوُّنَ السَّماءِ بِتَلَوُّنِ الوَرْدَةِ مِنَ الخَيْلِ، وشَبَّهَ الوَرْدَةَ في اخْتِلافِ ألْوانِها بِالدُّهْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا يُسْألُونَ لِيُعْلَمَ حالُهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ مِنهم بِذَلِكَ.
والثّانِي: لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِهِ لِاشْتِغالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لا يُسْألُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهُمْ، فالكافِرُ أسْوَدُ الوَجْهِ، والمُؤْمِنُ أغَرُّ مُحَجَّلٌ مِن أثَرِ وُضُوئِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ الزَّجّاجُ: لا يُسْألُ أحَدٌ عَنْ ذَنْبِهِ لِيُسْتَفْهَمَ، ولَكِنَّهُ يُسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ قالَ الحَسَنُ: بِسَوادِ الوُجُوهِ، وزُرْقِ الأعْيُنِ ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَجْمَعُ بَيْنَ نَواصِيهِمْ إلى أقْدامِهِمْ مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَهم عَلى وُجُوهِهِمْ فِي النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: يُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ، فَيُسْحَبُونَ إلى النّارِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
ورَوى مُرْدَوَيْهِ الصّائِغُ، قالَ: صَلّى بِنا الإمامُ صَلاةَ الصُّبْحِ فَقَرَأ سُورَةَ "الرَّحْمَنِ" ومَعَنا عَلِيُّ بْنُ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، فَلَمّا قَرَأ ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ ﴾ خَرَّ عَلِيٌّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ حَتّى فَرَغْنا مِنَ الصَّلاةِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْنا لَهُ: أما سَمِعْتَ الإمامَ يَقْرَأُ ﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ﴾ ؟
قالَ: شَغَلَنِي عَنْها ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أيْ: يُقالُ لَهم.
هَذِهِ جَهَنَّمُ ﴿ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها ﴾ وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: يُطَوِّفُونَ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ مَعَ تَشْدِيدِ الواوِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَمِيمُ: الماءُ الحارُّ، والآنِي: الَّذِي قَدِ انْتَهَتْ شِدَّةُ حَرِّهِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى أنَّهم يَسْعَوْنَ بَيْنَ عَذابِ الجَحِيمِ وبَيْنَ الحَمِيمِ، إذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ الشَّدِيدَ الحَرارَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِهانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ جَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَإذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُ السَماءِ انْفِطارُها عِنْدَ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ: السَماءُ اليَوْمَ خَضْراءُ وهي يَوْمَ القِيامَةِ حَمْراءُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَرْدَةً" أيْ: كَحُمْرَةِ الوَرْدِ، وهو النَوّارُ المَعْرُوفُ، وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ والرُمّانِيُّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأنَّثَ لِكَوْنِ السَماءِ مُؤَنَّثَةً.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كالدِهانِ" - فَقالَ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ دُهْنٍ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ السَماءَ يَعْتَرِيها يَوْمَ القِيامَةِ ألْوانٌ وذَوْبٌ وتَمَيُّعٌ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: شَبَّهَ لَمَعانَها بِلَمَعانِ الدُهْنِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الدِهانُ: الجِلْدُ الأحْمَرُ، وبِهِ شَبَهُها، وأنْشَدَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَبِعْنَ الدِهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكاظِ وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يُسْئَلُ" نَفْيٌ لِلسُّؤالِ، وفي القُرْآنِ الكَرِيمِ آياتٌ تَقْتَضِي أنَّ في القِيامَةِ سُؤالًا وآياتٍ تَقْتَضِي نَفْيَهُ كَهَذِهِ وغَيْرِها، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: ذَلِكَ في مُواطِنَ دُونَ مُواطِنَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - وهو الأظْهَرُ في ذَلِكَ-: أنَّ السُؤالَ مَتى أُثْبِتَ فَهو بِمَعْنى التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ، ومَتى نُفِيَ فَهو بِمَعْنى الِاسْتِخْبارِ المَحْضِ والِاسْتِعْلامِ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ عنهم لِأنَّهم يُعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ، والسِيما الَّتِي يُعْرَفُ بِها المُجْرِمُونَ هي سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ في الكَفَرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ هَذا مِنَ التَشْوِيهاتِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُؤْخَذُ كُلُّ كافِرٍ بِناصِيَتِهِ وقَدَمِهِ فَيُطْوى ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النارِ، وقالَ النِقّاشُ: رُوِيَ أنَّ هَذا الطَيَّ عَلى ناحِيَةِ الصُلْبِ قَعَسًا، وقالَهُ الضَحّاكُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى ناحِيَةِ الوَجْهِ، قالُوا: فَهَذا مَعْنى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: إنَّما يُسْحَبُ الكَفَرَةُ سَحْبًا، فَبَعْضُهم يُجَرُّ بِقَدَمَيْهِ، وبَعْضُهم بِناصِيَتِهِ، فَأخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأخْذَ يَكُونُ بِالنَواصِي ويَكُونُ بِالأقْدامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذِهِ جَهَنَّمُ" قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُما بِها تُكَذِّبانِ، تَصْلَيانِها لا تَمُوتانِ فِيها ولا تَحْيَيانِ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَطُوفُونَ" بِضَمِّ الياءِ وضَمِّ الطاءِ وسُكُونِ الواوِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "يُطَوَّفُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُطافُونَ"، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ أنَّهم يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِ جَهَنَّمَ وجَمْرِها وبَيْنَ حَمِيمٍ، وهو ما غُلِيَ في جَهَنَّمَ مِن مائِعٍ عَذابُها، و"الحَمِيمُ": الماءُ السُخْنُ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّ العَذابَ الَّذِي هو الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلْقِ اللهِ تَعالى جَهَنَّمَ، وأنى الشَيْءَ: خَضُرَ، وأنى اللَحْمَ أو ما يُطْبَخُ أو يَغْلِي: نَضُجَ وتَناهى حَرُّهُ والمُرادُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُوَنَ مِن هَذا ومِن هَذا، وكَوْنُهُ مِنَ الثانِي أبْيَنُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: {غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ}، ومِنَ المَعْنى الآخَرِ قَوْلُ الشاعِرِ: ............
∗∗∗ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في المَعْنَيَيْنِ قَرِيبًا بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، والأوَّلُ أعَمُّ مِنَ الثانِي.
<div class="verse-tafsir"
هذا استئناف بياني ناشئ عن قوله: ﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ [الرحمن: 39]، أي يستغنى عن سؤالهم بظهور علاماتهم للملائكة ويعرفونهم بسيماهم فيؤخذون أخذ عقاب ويساقون إلى الجزاء.
والسيما: العلامة.
وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ في آخر سورة البقرة (273).
و (آل) في ﴿ بالنواصي والأقدام ﴾ عوض عن المضاف إليه، أي بنواصيهم وأقدامهم وهو استعمال كثير في القرآن.
6 والنواصي: جمع ناصية وهي الشعَر الذي في مقدّم الرأس، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ﴾ في سورة هود (56).
والأخذ بالناصية أخذ تمكّن لا يفلت منه، كما قال تعالى: ﴿ لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ﴾ [العلق: 15].
والأقدام: جَمع قَدَم، وهو ظاهر السَّاق من حيث تمسك اليد رجل الهارب فلا يستطيع انفلاتاً وفيه أيضاً يوضع القيد، قال النابغة: أوْ حرة كمهاة الرمل قد كُبِلت *** فوقَ المعاصم منها والعراقيب <div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ فَكانَتْ ورْدَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ورْدَةَ البُسْتانِ، وهي حَمْراءُ، وقَدْ تَخْتَلِفُ ألْوانُها لَكِنِ الأغْلَبُ مِن ألْوانِها الحُمْرَةُ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في لَوْنِ الحُمْرَةِ، قالَ عَبْدُ بَنِي الحَسْحاسِ فَلَوْ كُنْتُ ورْدًا لَوْنُهُ لَعَشِقْتَنِي ولَكِنْ رَبِّي شانَنِي بِسَوادِيا كَذَلِكَ تَصِيرُ السَّماءُ يَوْمَ القِيامَةِ حَمْراءَ كالوَرْدِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالوَرْدَةِ الفَرَسَ الوَرْدَ يَكُونُ في الرَّبِيعِ أصْفَرَ وفي الشِّتاءِ أغْبَرَ، فَشَبَّهَ السَّماءَ يَوْمَ القِيامَةِ في اخْتِلافِ ألْوانِها بِالفَرَسِ الوَرْدِ، لِاخْتِلافِ ألْوانِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ كالدِّهانِ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي خالِصَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: صافِيَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: ذاتُ ألْوانٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: صَفْراءُ كَلَوْنِ الدُّهْنِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وأبِي الجَوْزاءِ.
الخامِسُ: الدِّهانُ أدِيمُ الأرْضِ الأحْمَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الأعْشى وأجْرَدَ مِن فُحُولِ الخَيْلِ طِرْفٍ ∗∗∗ كَأنَّ عَلى شَواكِلِهِ دِهانًا وَزَعَمَ المُتَقَدِّمُونَ أنَّ أصْلَ لَوْنِ السَّماءِ الحُمْرَةُ، وأنَّها لِكَثْرَةِ الحَوائِلِ وبُعْدِ المَسافَةِ تُرى بِهَذا اللَّوْنِ الأزْرَقِ، وشَبَّهُوا ذَلِكَ بِعُرُوقِ البَدَنِ هي حَمْراءُ كَحُمْرَةِ الدَّمِ وتُرى بِالحائِلِ زَرْقاءُ، فَإنْ كانَ هَذا صَحِيحًا فَإنَّ السَّماءَ لِقُرْبِها مِنَ النَّواظِرِ يَوْمَ القِيامَةِ وارْتِفاعِ الحَواجِزِ تُرى حَمْراءَ لِأنَّهُ أصْلُ لَوْنِها.
﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانَتِ المَسْألَةُ قَبْلُ، ثُمَّ خُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ وتَكَلَّمَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لا يَسْألُهم هَلْ عَمِلْتُمْ كَذا وكَذا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: لا يَسْألُ المَلائِكَةَ عَنْهم لِأنَّهم قَدْ رَفَعُوا أعْمالَهم في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ حالِهِ لِشُغْلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِنَفْسِهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الخامِسُ: أنَّهم في يَوْمٍ تَبْيَضُّ فِيهِ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ فِيهِ وُجُوهٌ فَهم مَعْرُوفُونَ بِألْوانِهِمْ فَلَمْ يَسْألْ عَنْهُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَطُوفُونَ مَرَّةً بَيْنَ الحَمِيمِ، ومَرَّةً بَيْنَ الجَحِيمِ، والجَحِيمُ النّارُ، والحَمِيمُ الشَّرابُ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ آنٍ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ وحَمِيمُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ وتَخْضِبُ لِحْيَةً غَدَرَتْ وخانَتْ ∗∗∗ بِأحْمَرَ مِن نَجِيعِ الجَوْفِ آنٍ أيْ حارٍّ.
الثّانِي: أنَّهُ الحاضِرُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي قَدْ آنَ شُرْبُهُ وبَلَغَ غايَتَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان ﴾ قال: قددنا من الله فراغ لخلقه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان ﴾ قال: وعيد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سنفرغ لكم أيها الثقلان ﴾ قال: هذا وعيد من الله لعباده وليس بالله شغل، وفي قوله: ﴿ لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ يقول: لا تخرجوا من سلطاني.
وأخرج البزار والبيهقي عن طلحة بن منصور ويحيى بن وثاب رضي الله عنه أنهما قرآ ﴿ سيفرغ لكم ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ قال: إلا بملكة من الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في هواتف الجان عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: كان سبب إسلام الحجاج بن علاط أنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جن عليه الليل استوحش فقام يحرس أصحابه ويقول: أعيذ نفسي وأعيذ أصحابي من كل جني بهذا النقب حتى أن أعود سالماً وركبي، فسمع قائلاً يقول ﴿ يا معشر الجن والإِنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ﴾ فلما قدم مكة أخبر بذلك قريشاً فقالوا له: إن هذا فيما يزعم محمد أنه أنزل عليه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: لهب النار ﴿ ونحاس ﴾ قال: دخان النار.
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: الشواظ اللهب الذي لا دخان له.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت الثقفي وهو يقول: يظل يشب كيراً بعد كير ** وينفخ دائماً لهب الشواظ قال: فأخبرني عن قوله: ﴿ ونحاس ﴾ قال: هو الدخان الذي لا لهب فيه.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: يضيء كضوء سراج السليط ** لم يجعل الله فيه نحاساً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: لهب من نار.
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: هو اللهب الأحمر المنقطع منها، وفي لفظ قال: قطعة من نار حمرة ﴿ ونحاس ﴾ قال: يذاب الصفر فيصب على رؤوسهم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ﴾ قال: واديان فالشواظ واد من نتن والنحاس واد من صفر والنتن نار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يرسل عليكما شواظ من نار ﴾ قال: نار تخرج من قبل المغرب تحشر الناس حتى أنها لتحشر القردة والخنازير، تبيت حيث باتوا، وتقيل حيث قالوا.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ونحاس ﴾ قال: هو الصفر يعذبون به.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلا تنتصران ﴾ يعني الجن والإِنس.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة ﴾ يقول: حمراء ﴿ كالدهان ﴾ قال: هو الأديم الأحمر.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: مثل لون الفرس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: حمراء كالدابة الوردة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: وردة الجل ﴿ كالدهان ﴾ قال: كصفاء الدهن، ألم تر العربي يقول: الجل الورد.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عطاء ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: لون السماء كلون دهن الورد في الصفرة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: هي اليوم خضراء كما ترون، وإن لها يوم القيامة لوناً آخر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: كالدهن.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فكانت وردة كالدهان ﴾ قال: صافية كصفاء الدهن.
وأخرج محمد بن نصر عن لقمان بن عامر الحنفي «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بشاب يقرأ ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ فوقف فاقشعرّ وخنقته العبرة يبكي ويقول: ويلي من يوم تنشق فيه السماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فتى فوالذي نفسي بيده لقد بكيت الملائكة من بكائك» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟
وأخرج ابن جرير وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ يقول: لا أسألهم عن أعمالهم، ولا أسأل بعضهم عن بعض، وهو مثل قوله: ﴿ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ﴾ [ القصص: 78] ومثل قوله: ﴿ ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ﴾ [ البقرة: 119] .
وأخرج ابن مردوية عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحاسب أحد يوم القيامة فيغفر له، ويرى المسلم عمله في قبره يقول الله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ » .
وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ قال: لا تسأل الملائكة عن المجرم يعرفونهم بسيماهم.
وأخرج هناد وعبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ قال: بسواد وجوههم وزرقة عيونهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ قال: بسواد الوجوه وزرقة العيون.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ قال: تأخذ الزبانية بناصيته وقدميه، ويجمع فيكسر كما يكسر الحطب في التنور.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ قال: يأخذ الملك بناصية أحدهم فيقرنها إلى قدميه، ثم يكسر ظهره، ثم يلقيه في النار.
وأخرج هناد في الزهد عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن رجل من كندة قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه يأتي عليه ساعة لا يملك لأحد شفاعة؟
قالت: نعم لقد سألته، فقال: نعم حين يوضع الصراط وحين تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند الجسر حتى يشحذ حتى يكون مثل شفرة السيف، ويسجر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فيجيزه ولا يضره، وأما المنافق فينطلق حتى إذا كان في وسطه خز في قدميه يهوى بيديه إلى قدميه، فهل رأيت من رجل يسعى حافياً فيؤخذ بشوكة حتى تكاد تنفذ قدميه، فإنه كذلك يهوى بيديه إلى قدميه فيضربه الزباني بخطاف في ناصيته فيطرح في جهنم يهوي فيها خمسين عاماً، فقلت: أيثقل؟
قال: يثقل خمس خلفات، فيومئذ ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه والضياء المقدسي في صفة النار عن أنس رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «والذي نفسي بيده لقد خلقت زبانية جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: الذي انتهى حره.
وأخرج الطستي والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ حميم آن ﴾ قال: الآني الذي انتهى طبخه وحره، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان، وهو يقول: ويخضب لحية غدرت وخانت ** بأحمى من نجيع الجوف آني وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: قد آنى طبخه منذ خلق الله السموات والأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: قد بلغ إناه.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: نار قد اشتد حرها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ وبين حميم آن ﴾ قال: النحاس انتهى حره.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ﴾ قال جماعة المفسرين: يعرف بسواد الوجوه وزرقة الأعين (١) ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ وقوله: ﴿ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴾ .
قال عطاء عن ابن عباس في تفسير المجرمين في هذه الآية: يريد أبا جهل والأسود والوليد والنضر.
قوله تعالى ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ﴾ قال الكلبي: تأخذهم الملائكة وهم على الصراط بنواصيهم فيصرعونهم في النار (٢) وروى الأعمش عن رجل عن ابن عباس قال يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب ويطرح في التنور (٣) وقال أبو إسحاق نجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار وذلك أشد لعذابهم والتشويه بهم (٤) (١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 265، و"جامع البيان" 27/ 83.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 320، و"معالم التنزيل" 4/ 273.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "البعث والنشور"، و"الدر" 6/ 145، وفي "تفسير ابن كثير" 4/ 275، عن الأعمش عن ابن عباس وذكره.
(٤) انظر: "معاني القران" 5/ 101 - 102.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ ﴾ يعني بعلامتهم وهي سواد الوجوه وغير ذلك والمجرمون هنا الكفار بدليل قوله: ﴿ هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون ﴾ ﴿ فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام ﴾ قيل: معناه: يؤخذ بعض الكفار بناصيته وبعضهم بقدميه، وقيل: بل يؤخذ كل واحد بناصيته وقدميه فيطوى ويطرح في النار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والحب ذا العصف والريحان ﴾ بالنصب فيهما: ابن عامر ﴿ والحب ذو العصف ﴾ بالرفع فيهما ﴿ والريحان ﴾ بالجر: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: برفع الريحان ﴿ يخرج ﴾ مجهولاً من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ اللؤلؤ ﴾ كنظائره ﴿ والجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس.
﴿ المنشآت ﴾ بكسر الشين.
حمزة ويحيى طريق الصريعيني ﴿ سيفرغ ﴾ بالياء: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالنون على طريق الالتفات ﴿ أيه الثقلان ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ ﴿ يا أيها الساحر ﴾ ﴿ شواظ ﴾ بكسر الشين: ابن كثير ونحاس.
بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ﴿ لم يطمثهن ﴾ بضم الميم في إحداهما تخيراً: علي.
وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم ﴿ من استبرق ﴾ بنقل حركة الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ ذو الجلال ﴾ بالرفع: ابن عامر.
الوقوف: ﴿ الرحمن ﴾ ه لا ﴿ القرآن ﴾ ه ط ﴿ الإنسان ﴾ ه ﴿ البيان ﴾ ه ﴿ بحسبان ﴾ ه ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يسجدان ﴾ ه ﴿ الميزان ﴾ ه لا لتعلق أن ﴿ الميزان ﴾ ه ﴿ للأنام ﴾ ه لا لأن الجملة بعدها حال ﴿ فاكهة ﴾ ص ﴿ الأكمام ﴾ ه ص ﴿ والريحان ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه وكذلك في جميع السورة ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالفخار ﴾ ه لا ﴿ نار ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المغربين ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ يلتقيان ﴾ ه لا لأن ما بعده حال من الضمير في ﴿ يلتقيان ﴾ ﴿ ولا يبغيان ﴾ ه حال بعد حال ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فإن ﴾ ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام الأول يتم بالثاني.
﴿ والإكرام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ شأن ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الثقلان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فانفذوا ﴾ ه ط ﴿ بسلطان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ فلا تنتصران ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ كالدهان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ولاجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والأقدام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالاً من المجرمين وليس كذلك ﴿ آن ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه لا لأن قوله ﴿ ذواتا ﴾ صفة ﴿ أفنان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ تجريان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ زوجان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ج لأن ﴿ متكئين ﴾ حال إلا أن الكلام قد تطاول ﴿ من إستبرق ﴾ ط ﴿ دان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ الطرف ﴾ لا لأن ﴿ لم يطمثهن ﴾ حال عنهن ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والمرجان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ إلا الإحسان ﴾ ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جنتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ مدهامتان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ نضاختان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ ورمان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ في الخيام ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ جان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ج ﴿ حسان ﴾ ه ج ﴿ تكذبان ﴾ ه ﴿ والإكرام ﴾ ه.
التفسير: افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق القمر.
وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدماً وأجل النعماء منصباً.
وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل على الانتقام والغضب كقوله { ﴿ فذوقوا عذابي ونذر ﴾ وقوله ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان وتنبه أهل الغفلة والنسيان.
قال جار الله ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والأفعال بعده مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه.
قلت: فعلى هذا لو لم يوقف على ﴿ القرآن ﴾ جاز.
وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن.
ثم استأنف قائلاً ﴿ علم القرآن ﴾ وما مفعوله الأول؟
قيل: هو متعدٍ إلى واحد والمعنى جعل القرآن علامة وآية للنبوة.
وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى نزل به على محمد.
وقيل: علم محمداً أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ فالأول إشارة إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضاً أن يكون التعليم قبل الخلق ظاهراً إلا أن يكون تفصيلاً لما أجمله.
وقد نقل عن ابن عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد .
والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة.
قوله ﴿ الشمس والقمر بحسبان ﴾ أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المغنوي لرعاية الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم ﴿ والنجم ﴾ وهو النبات بغير ساق ﴿ والشجر يسجدان ﴾ بالانقياد له.
وإنما وسط العاطف بين هاتين الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدّر مقرر وهو من جنس الانقياد لأمر الله ﴿ والسماء رفعها ﴾ قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.
قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع الحسي ليطابق قوله ﴿ والأرض وضعها ﴾ أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة بالماء.
نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً ﴾ صح تفسيره وإنما وسط قوله ﴿ ووضع الميزان ﴾ بين رفع السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقاً في الهواء بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولاً من النعم بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بهما يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم فصار كما مر في ﴿ حم عسق ﴾ ﴿ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ﴾ وكما يجيء في الحديد ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ﴾ وأن في قوله ﴿ ألا تطغوا ﴾ مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية أي في شأن الوزن.
ثم أكد بقوله إثباتاً ونفياً ﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ قوِّموه أو قوموا لسان الميزان بالعدل ﴿ ولا تخسروا الميزان ﴾ أي لا تجعلوها سبباً للخسران والتطفيف.
وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه.
وقيل: الأول ميزان الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل.
وقيل: نزلت متفرقة فاقتضى الإظهار.
قوله ﴿ للأنام ﴾ أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة.
وقيل: للإنسان.
وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله ﴿ فيها فاكهة ﴾ التنوين للتعظيم وهي كل ما يتفكه به.
وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة غذائية.
والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر.
ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان قائلاً ﴿ والحب ذو العصف ﴾ وهو ورق الزرع أو التبن.
وقال الفراء والسدي: وهو أول ما ينبت من الزرع ﴿ والريحان ﴾ الورق.
ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي وذو الريحان.
وقال الحسن وابن زيد.
على هذه القراءة وهو ريحانكم الذي يشم.
ثم خاطب الجن والإنس بقوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً؟
للجن كانوا أحسن منكم رداً ما قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.
قال جار الله: الخطاب في ﴿ ربكم ﴾ للثقلين بدلالة الأنام عيلهما قلت: ربما يصرح به قوله ﴿ أيها الثقلان ﴾ سميا بذلك لأنهم ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه من قوله ﴿ خلق الإنسان ﴾ والجان خلقناه.
وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معاً وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان.
وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل المعية والعقلية أو بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر.
قوله ﴿ خلق الإنسان من صلصال ﴾ قد مر في سورة "الحجر" إلا أنه شبهه ههنا بالفخار وهو الخزف بياناً لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه.
وكل يابس عرضة للتشقق ومنه الخزف لغاية يبوسة مزاجه.
والجان أبو الجن.
وقيل: هو إبليس.
والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من مرج الشيء اختلط.
وقوله ﴿ من نار ﴾ بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار.
ويجوز أن يكون ناراً مخصوصة فيكون صفة ﴿ رب المشرقين ﴾ يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي.
هذا في بلادنا الشمالية والحال في الجنوبية بالعكس.
قوله ﴿ مرج البحرين ﴾ وقد مر في "الفرقان" معناه أرسلهما ملحاً وعذباً متلاقيين ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ أي لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة ﴿ يخرج منهما ﴾ أي من كل منهما.
وقال في الكشاف: أعاد الضمير إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار.
وقال أبو علي الفارسي: أراد من أحدهما فحذف المضاف.
قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله في "فاطر" ﴿ ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها ﴾ فلا حاجة إلى هذه التكلفات.
قال الفراء وغيره من أهل اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه.
وعن مقاتل: بالضد.
ويشبه أن يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ.
يقال: إنه ينبت في بحر الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري السفن الجارية حذف الموصول للعلم به.
ومن قرأ ﴿ المنشآت ﴾ بفتح الشين فمعناها المرفوع الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت.
والقارىء بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج بجريهن، الأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر.
والضمير في ﴿ عليها ﴾ للأرض بدلالة المقال أو الحال.
والوجه عبارة عن الذات كما مر في تفسر البسملة وفي قوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ وقوله ﴿ ذو ﴾ صفة للوجه وهو على القياس.
وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله في آخر السورة ﴿ تبارك اسم ربك ﴾ فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ﴿ ذي الجلال والإكرام ﴾ ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة.
والنعمة في فناء ما على الأرض وهو مجيء وقت الجزاء ﴿ يسأله من في السموات ﴾ من الملائكة ﴿ و ﴾ من في ﴿ الأرض ﴾ من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين.
وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضاً الرزق والمغفرة للناس ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ "سئل رسول الله عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين" .
قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة.
وما ذكرنا في الكتاب مراراً من أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في أزمنتها المقدرة.
فبالاعتبار الأول قال "جف القلم بما هو كائن" وبالاعتبار الثاني قال: ﴿ كل يوم هو في شأن ﴾ وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وبالجملة إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها.
وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل لوحاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.
وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال ﴿ سنفرغ لكم ﴾ قال أهل البيان: هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده "سأفرغ لك".
والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه.
والمراد شؤونه ستنتهي إلى شأن الجزاء وقصد المحاسبة.
ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطعيون الهرب من أحكامه وأقضيته فيهما.
نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية.
وأقطار السموات والأرض نواحيهما.
واحدها قطر.
وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة.
والسلطان القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر.
قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت.
ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء المشار إليه بقوله ﴿ سنفرغ لكم ﴾ ويؤيده ما روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون وجهاً إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، ويعضده قوله عقيبه ﴿ يرسل عليكما ﴾ الآية.
جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس الآية.
وذلك قوله ﴿ يرسل عليكما شواظ ﴾ وهو اللهب الذي لا دخان له معه.
وقرأ ابن كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر.
والنحاس والدخان.
ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة.
ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمزج أحدهما بالآخر.
ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس.
وعن أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضاً.
وقيل: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم.
وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر ﴿ فلا تنتصران ﴾ فلا تمتنعان ﴿ فإذا انشقت السماء ﴾ لنزول الملائكة ﴿ فكانت وردة ﴾ أي حمراء ﴿ كالدهان ﴾ وهو جمع الدهن أو اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله ﴿ كالمهل ﴾ وهو دردي الزيت.
وقيل: الدهان الأديم الأحمر.
عن ابن عباس: نصير كلون الفرس الورد.
وقيل: تحمر احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن.
وقال قتادة: هي اليوم خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة.
والفاء في قوله ﴿ فإذا ﴾ للتعقيب وفي ﴿ فكانت ﴾ للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها ناراً وتذوب السماء كما يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟
ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها.
﴿ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ويراد ولده.
والضمير في ﴿ ذنبه ﴾ عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن.
والجمع بين هذه الآية وبين قوله ﴿ فوربك لنسألنهم ﴾ هو ما مرّ من أن المواطن مختلفة، أو لا يسأل سؤال استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع.
وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة بقوله ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ من سواد الوجه وزرقة العين ﴿ فيؤخذ ﴾ كل منهم أو جنس المجرم ﴿ بالنواصي ﴾ أي بسببها.
ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو من قدام ويلقون في النار.
روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول " "والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام " ويجوز أن يكون الفعل مسنداً إلى قوله ﴿ بالنواصي ﴾ نحو ذهب بزيد.
ثم ذكر أنهم يوبخون بقول الملائكة لهم ﴿ هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾ والأصل الخطاب والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام.
والآني الذي بلغ منتهى حره.
قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة.
والمعنى أنهم لا يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ﴾ قال جار الله: نعمته فيما ذكره من الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب.
ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلاً ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ وقد مر نظيره في "إبراهيم" قوله ﴿ ذلك لمن خاف مقامي ﴾ قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء والأخرى للزائد عليه تفضلاً، أو هما جنة عدن وجنة النعيم.
أو إحداهما جسمانية والأخرى روحانية.
وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ﴿ ألقيا ﴾ وهو ضعيف.
والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولاً قاله مجاهد وعكرمة والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة.
وعن سعيد بن جبير: هي جمع فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله ﴿ فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب ﴿ فيهما ﴾ أي في كل منهما ﴿ عينان تجريان ﴾ من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في الأسافل.
وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل ﴿ متكئين ﴾ حال من الخائفين المذكورين في قوله ﴿ لمن خاف ﴾ وجوز أن يكون نصباً على المدح.
قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة مما يلي الأرض من استبرق فما ظنك بظهائرها؟
ويجوز أن يكون ظائرها السندس.
والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم ﴾ ﴿ وجنى الجنتين ﴾ أي ثمرها ﴿ دان ﴾ قريب يناله القائم والقاعد والنائم.
قال جار الله: ﴿ فيهن ﴾ أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى.
وقيل: في الفرش أي عليها.
وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب.
قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية و ﴿ قبلهم ﴾ أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ يدل عليه.
قال مقاتل: هن من حور الجنة.
وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا جني.
قال في الكشاف: لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل.
قال الزجاج: فيه دليل على أن الجن تطمث كما تطمث الإنس.
ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار ﴿ هل جزاء الإحسان ﴾ في العمل ﴿ إلا الإحسان ﴾ في الجزاء.
وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة.
وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ﴿ ومن دونهما ﴾ أي ومن أسفل منهما في المكان أو في الفضل أو فيهما وهو الأظهر.
روى أبو موسى عن النبي : " جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما " ﴿ مدهامتان ﴾ هو من الأدهيمام إدهام يدهام فيهو مدهام نظير إسواد يسواد فهو مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد ﴿ نضاختان ﴾ فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ وهو الرش.
قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وإنما خص النخيل والرمان بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رماناً أو رطباًَ لم يحنث.
وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي.
والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور.
واعلم أنه قال في الموضعين عند ذكر الحور ﴿ فيهن ﴾ وفي سائر المواضع ﴿ فيهما ﴾ والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك.
وأما العيون والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود الضمير إلى الجنتين فقط.
والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن.
امرأة مقصورة أي مخدرة.
روى قتادة عن ابن عباس: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.
وعن النبي " "الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما الحكمة من ذلك؟
والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات.
قال جار الله: ﴿ متكئين ﴾ نصب على الاختصاص.
قلت: ويجوز أن يكون حالاً والعامل ضمير يدل عليه قوله ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ﴾ أي يطمثونهم في حال الإتكاء.
قال أبو عبيدة والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط.
وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف.
ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف.
وقال الزجاج: الرفرف ههنا رياض الجنة.
وقيل: الوسائد.
قال جار الله ﴿ العبقري ﴾ منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب.
وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية.
ومما يدل على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله ﴿ مدهامتان ﴾ فإنه دون قوله ﴿ ذواتا أفنان ﴾ وذلك أن كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ.
قال أهل العلم: كرر قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منهما ذكرها عقيب تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب وصف الجنات التي هي دونهما.
فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة.
ثم نزه نفسه عما لا يليق بجلاله وختم السورة عليه.
والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط سلوك سبيل الكناية كما يقال "ساحة فلان بريئة عن المثالب" والله أعلم بحقائق كلامه.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ يذكر تغير هذا العالم يومئذ لهول ذلك اليوم، وهو كما ذكر من تبديل السماء والأرض؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ في غير ذلك من الآيات، وكذلك ما ذكر من تغيير الجبال من قوله: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ ، وقوله: ﴿ كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ ، وقوله: ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ ، ونحو ذلك.
ثم قوله : ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ﴾ منهم من قال: شبه السماء؛ لكثرة تلونها بفرش الورد يكون في الربيع بلون، ثم يصير إلى لون آخر، ثم إلى آخر؛ فعلى ذلك ما ذكر من تغيير السماء وتلونها.
ومنهم من قال: شبهها بالدهان، وهو الدهن؛ للينها وضعفها، وهو قد ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ﴾ ، والمهل: هو دردي الزيت، لكن التشبيه بالمهل إنما يكون؛ لكثرة التلون لا للبن؛ فيكون في هذا التأويل نوع وهاء، والله أعلم.
وقيل: إما تحمر وتذوب كالدهن.
وروي: أن سماء الدنيا من حديد، فإذا كان يوم القيامة، صارت من الخضرة إلى الاحمرار، وحر جهنم كالحديد إذا حمي النار.
ثم قال بعضهم: الدهان: جمع الدهن، ويقال: الدهان: الأديم الأحمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ ، اختلف في تأويله: قال بعضهم: أي: لا يسأل إنسي ولا جني عن ذنب غيره، إنما يسأل عن ذنب نفسه؛ نحو ألا يسأل من أضل غيره عن ضلال ذلك الغير، إنما يسأل الذي أضله عن إضلاله، ويسأل الضال عن ضلاله كقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا...
﴾ الآية [فصلت: 29].
ومنهم من قال: لا يسأل بعض عن بعض، أي: لا يسأل جني عن ذنب إنسي، ولا إنسي عن ذنب جني.
ومنهم من قال: لا يسألون سؤال استخبار استفهام؛ أي: لماذا فعلتم؟
ولكن يسألون لم فعلتم يطلبون عن الحجة، لا عن نفس الفعل؛ لأن كل ذي مذهب ودين، إنما يفعل لحجة تكون له.
ومنهم من قال: لا يسألون عن ذبونهم، ولكن يسألون عما في وجوههم من الأعلام من الأسوداد، وزرق العيون، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب: أنها تكون للكفار، كقوله : ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾ ، وقوله ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 106]، وما ذكر من أعلام المؤمنين من قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ، وقوله : ﴿ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: لا يسأل الملائكة عن المجرمين؛ لأنهم يعرفون بسيماهم كقوله - عز وجل -: ﴿ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ﴾ ذكر الله في كتابه للمجرمين أعلاما يعرفون في الآخرة بها على ما ذكرنا من اسوداد الوجوه؛ كقوله: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ ﴾ ، أي: على أعقابها، فهو - والله أعلم - تكون وجوههم في بعض الأحوال خاشعة، ثم غبرة، ثم مسودة، ثم تطمس من نظر ذلك، فنعوذ بالله من تلك الأحوال التي ذكر.
ووقله - عز وجل -: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَاصِي وَٱلأَقْدَامِ ﴾ ، قيل: بكسر أضلاعهم ظهورهم، فتجمع أقدامهم ونواصيهم، فيرمى بهم في النار.
وقال بعضهم: تغل أيديهم إلى أعناقهم، ثم تجمع به نواصيهم وأقدامهم، ثم يدفعون إلى النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ ، أي: إذا وقعوا على الوصف [الذي] ذكر، عند ذلك يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ أي: يطوفون بين جهنم وبين حميم، فيجوز أن يكون [عبر] بـ"جهنم" عما يأكلون، وهي النار، وبـ"الحميم" عما يشربون، كأنه يقول - والله أعلم -: يطوفون بين ما يأكلون، وبين ما يشربون، لا يشبعون عما يأكلون، ولا يروون عما يشربون؛ بل كلما أكلوا زادتهم جوعا، وكلما شربوا زادتهم عطشا، والحميم: هو الشراب الذي جعل لهم، والآن: هو الذي قد انتهى حره غايته ونهايته.
وقوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ...
﴾ الآية.
من الناس من قال: في قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ على إثر الوعيد، إنما يقال لهم في الآخرة؛ أي: بأي آلاء ربكما تكذبان في الدنيا؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ...
﴾ .
<div class="verse-tafsir"
يُعْرف المجرمون يوم القيامة بعلامتهم وهي سواد الوجوه وزرقة العيون، فتُضَمّ نواصيهم إلى أقدامهم فيرمون في جهنم.
من فوائد الآيات الجمع بين البحر المالح والعَذْب دون أن يختلطا من مظاهر قدرة الله تعالى.
ثبوت الفناء لجميع الخلائق، وبيان أن البقاء لله وحده حصٌّ للعباد على التعلق بالباقي -سبحانه- دون من سواه.
إثبات صفة الوجه لله على ما يليق به سبحانه دون تشبيه أو تمثيل.
تنويع عذاب الكافر.
<div class="verse-tafsir" id="91.qbDeM"