تفسير الآية ١ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ١ من سورة الحديد

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 18 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١ من سورة الحديد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الحديد وهي مدنية قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثني بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن ابن أبي بلال ، عن عرباض بن سارية ، أنه حدثهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد ، وقال : " إن فيهن آية أفضل من ألف آية " .

وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، من طرق عن بقية به .

وقال الترمذي : حسن غريب .

ورواه النسائي ، عن ابن أبي السرح ، عن ابن وهب ، عن معاوية بن صالح ، عن بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

.

.

فذكره مرسلا لم يذكر عبد الله بن أبي بلال ، ولا العرباض بن سارية والآية المشار إليها في الحديث هي - والله أعلم - قوله : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) كما سيأتي بيانه إن شاء الله ، وبه الثقة يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات والأرض أي : من الحيوانات والنباتات ، كما قال في الآية الأخرى : ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) [ الإسراء : 44 ] .

وقوله : ( وهو العزيز ) أي : الذي قد خضع له كل شيء ) الحكيم ) في خلقه ، وأمره ، وشرعه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني تعالى ذكره بقوله: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أن كلّ ما دونه من خلقه يسبحه تعظيما له، وإقرارا بربوبيته، وإذعانا لطاعته، كما قال جلّ ثناؤه تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ .

وقوله: ( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) يقول: ولكنه جلّ جلاله العزيز في انتقامه ممن عصاه، فخالف أمره مما في السموات والأرض من خلقه ( الْحَكِيمُ ) في تدبيره أمرهم، وتصريفه إياهم فيما شاء وأحبّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

مدنية في قول الجميع ، وهي تسع وعشرون آيةعن العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالمسبحات قبل أن يرقد ويقول : إن فيهن آية أفضل من ألف آية ، يعني بالمسبحات : ( الحديد ) و ( الحشر ) و ( الصف ) و ( الجمعة ) و ( التغابن ) .بسم الله الرحمن الرحيمسبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيمقوله تعالى : سبح لله ما في السماوات والأرض أي : مجد الله ونزهه عن السوء .

وقال ابن عباس : صلى لله ما في السماوات ممن خلق من الملائكة والأرض من شيء فيه روح أو لا روح فيه .

وقيل : هو تسبيح الدلالة .

وأنكر الزجاج هذا وقال : لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة ، فلم قال : ولكن لا تفقهون تسبيحهم وإنما هو تسبيح مقال .

واستدل بقوله تعالى : وسخرنا مع داود الجبال يسبحن فلو كان هذا تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود ؟

![ ص: 214 ] قلت : وما ذكره هو الصحيح ، وقد مضى بيانه والقول فيه في ( سبحان ) عند قوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده وهو العزيز الحكيم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانه، أن جميع ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة والصامتة وغيرها، [والجوامد] تسبح بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وأنها قانتة لربها، منقادة لعزته، قد ظهرت فيها آثار حكمته، ولهذا قال: { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية لربها، في جميع أحوالها، وعموم عزته وقهره للأشياء كلها، وعموم حكمته في خلقه وأمره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية وآيها تسع وعشرون "سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سبَّح لله ما في السماوات والأرض» أي نزهه كل شيء فاللام مزيدة وجيء بما دون من تغليبا للأكثر «وهو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

نزَّه الله عن السوء كلُّ ما في السموات والأرض من جميع مخلوقاته، وهو العزيز على خلقه، الحكيم في تدبير أمورهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة " الحديد " بتنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق به ، وبالثناء عليه - تعالى - بما هو أهله ، وببيان جانب من صفاته الجليلة ، الدالة على وحدانيته ، وقدرته ، وعزته ، وحكمته ، وعلمه المحيط بكل شىء .افتتحت بقوله - عز وجل - : ( سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم ) .وقوله : ( سَبَّحَ ) من التسبيح ، وأصله الإبعاد عن السوء ، من قولهم سبح فلان فى الماء ، إذا توغل فيه ، وسبح الفرس ، إذا جرى بعيدا وبسرعة .قالوا : وهذا الفعل ( سَبَّحَ ) قد يتعدى بنفسه ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) وقد يتعدى باللام كما هنا .

وهى للتأكيد والتبيين أى : سبح لله لا لغيره .والمراد بالتسبيح هنا : تنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق بجلاله وكماله .والمعنى : نزه الله - تعالى - وعظمه وخضع له ، وانقاد لمشيئته ، جميع ما فى السموات والأرض من كائنات ومخلوقات .

.

.

لا يعلمها إلا هو - سبحانه - .وقد جاء التسبيح تارة بصيغة الفعل الماضى كما فى هذه السورة ، وكما فى سورتى الحشر والصف ، وتارة بصيغة المضارع ، كما فى سورتى الجمعة والتغابن ، وتارة بصيغة الأمر كما فى سورة الأعلى ، وتارة بصيغة المصدر كما فى سورة الإسراء .جاء التسبيح بهذه الصيغ المتنوعة ، للإشعار بأن تسبيح هذه المخلوقات لله - تعالى - شامل لجميع الأوقات والأحوال .قال - تعالى - ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) وختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَهُوَ العزيز الحكيم ) ، والعزيز : هو الغالب على كل شىء ، إذ العزة معناها : الغلية على الغير ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَعَزَّنِي فِي الخطاب ) أى : غلبنى فى الخصام .وفى أمثال - العرب : من عزَّ بزَّ ، أى : من غلب غيره تفوق عليه .والحكيم مأخوذ من الحكمة ، وهى وضع الأمور فى مواضعها اللائقة بها .أى : وهو - سبحانه - الغالب الذى لا يغلبه شىء - الحكيم الذى يضع الأمور فى مواضعها السليمة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: التسبيح تبعيد الله تعالى من السوء، وكذا التقديس من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد.

واعلم أن التسبيح عن السوء يدخل فيه تبعيد الذات عن السوء، وتبعيد الصفات وتبعيد الأفعال، وتبعيد الأسماء وتبعيد الأحكام، أما في الذات: فأن لا تكون محلاً للإمكان، فإن السوء هو العدم وإمكانه، ثم نفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية، ونفي الضد والند وحصول الوحدة المطلقة.

وأما في الصفات: فأن يكون منزهاً عن الجهل بأن يكون محيطاً بكل المعلومات، ويكون قادراً على كل المقدورات، وتكون صفاته منزهة عن التغيرات.

وأما في الأفعال: فأن تكون فاعليته موقوفة على مادة ومثال، لأن كل مادة ومثال فهو فعله، لما بينا أن كل ما عداه فهو ممكن، وكل ممكن فهو فعله، فلو افتقرت فاعليته إلى مادة ومثال، لزم التسلسل، وغير موقوفة على زمان ومكان، لأن كل زمان فهو مركب من أجزاء منقضية، فيكون ممكناً، كل مكان فهو يعد ممكن مركب من أفراد الأحياز، فيكون كل واحد منهما ممكناً ومحدثاً، فلو افتقرت فاعليته إلى زمان وإلى مكان، لافتقرت فاعلية الزمان والمكان إلى زمان ومكان، فيلزم التسلسل، وغير موقوفة على جلب منفعة، ولا دفع مضرة، وإلا لكان مستكملاً بغيره ناقصاً في ذاته، وذلك محال.

وأما في الأسماء: فكما قال: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا  ﴾ .

وأما في الأحكام: فهو أن كل ما شرعه فهو مصلحة وإحسان وخير، وأن كونه فضلاً وخيراً ليس على سبيل الوجوب عليه، بل على سبيل الإحسان، وبالجملة يجب أن يعلم من هذا الباب أن حكمه وتكليفه لازم لكل أحد، وأنه ليس لأحد عليه حكم ولا تكليف ولا يجب لأحد عليه شيء أصلاً، فهذا هو ضبط معاقد التسبيح.

المسألة الثانية: جاء في بعض الفواتح ﴿ سَبِّحِ ﴾ على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ المضارع، وذلك إشارة إلى أن كون هذه الأشياء مسبحة غير مختص بوقت دون وقت، بل هي كانت مسبحة أبداً في الماضي، وتكون مسبحة أبداً في المستقبل، وذلك لأن كونها مسبحة صفة لازمة لماهياتها، فيستحيل انفكاك تلك الماهيات عن ذلك التسبيح، وإنما قلنا: إن هذه المسبحية صفة لازمة لماهياتها، لأن كل ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن فهو مفتقر إلى الواجب، وكون الواجب واجباً يقتضي تنزيهه عن كل سوء في الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء على ما بيناه، فظهر أن هذه المسبحية كانت حاصلة في الماضي، وتكون حاصلة في المستقبل، والله أعلم.

المسألة الثالثة: هذا الفعل تارة عدي باللام كما في هذه السورة، وأخرى بنفسه كما في قوله: ﴿ وَتُسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً  ﴾ وأصله التعدي بنفسه، لأن معنى سبحته أي بعدته عن السوء، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له، وإما أن يراد يسبح لله أحدث التسبيح لأجل الله وخالصاً لوجهه.

المسألة الرابعة: زعم الزجاج أن المراد بهذا التسبيح، التسبيح الذي هو القول، واحتج عليه بوجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ فلو كان المراد من التسبيح، هو دلالة آثار الصنع على الصانع لكانوا يفقهونه الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُود الجبال يُسَبّحْنَ  ﴾ فلو كان تسبيحاً عبارة عن دلالة الصنع على الصانع لما كان في ذلك تخصيص لداود عليه السلام.

واعلم أن هذا الكلام ضعيف (لحجتين): أما الأولى: فلأن دلالة هذه الأجسام على تنزيه ذات الله وصفاته وأفعاله من أدق الوجوه، ولذلك فإن العقلاء اختلفوا فيها، فقوله: ﴿ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ ﴾ لعله إشارة إلى أقوام جهلوا بهذه الدلالة، وأيضاً فقوله: ﴿ لاَّ تَفْقَهُونَ ﴾ إشارة إن لم يكن إشارة إلى جمع معين، فهو خطاب مع الكل فكأنه قال: كل هؤلاء ما فقهوا ذلك، وذلك لا ينافي أن يفقهه بعضهم.

وأما الحجة الثانية: فضعيفة، لأن هناك من المحتمل أن الله خلق حياة في الجبل حتى نطق بالتسبيح.

أما هذه الجمادات التي تعلم بالضرورة أنها جمادات يستحيل أن يقال: إنها تسبح الله على سبيل النطق بذلك التسبيح، إذ لو جوزنا صدور الفعل المحكم عن الجمادات لما أمكننا أن نستدل بأفعال الله تعالى على كونه عالماً حياً، وذلك كفر، بل الحق أن التسبيح الذي هو القول لا يصدر إلا من العاقل العارف بالله تعالى، فينوي بذلك القول تنزيه ربه سبحانه، ومثل ذلك لا يصح من الجمادات، فإذاً التسبيح العام الحاصل من العاقل والجماد لابد وأن يكون مفسراً بأحد وجهين: الأول: أنها تسبح بمعنى أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني: أن الممكنات بأسرها منقادة له يتصرف فيها كيف يريد ليس له عن فعله وتكوينه مانع ولا دافع، إذا عرفت هذه المقدمة، فنقول: إن حملنا التسبيح المذكور في الآية على التسبيح بالقول، كان المراد بقوله: ﴿ مَا فِي السموات ﴾ من في السموات ومنهم حملة العرش: ﴿ فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ  ﴾ ومنهم المقربون: ﴿ قَالُواْ سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ  ﴾ ومن سائر الملائكة: ﴿ قَالُواْ سبحانك مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا  ﴾ وأما المسبحون الذين هم في الأرض فمنهم الأنبياء كما قال ذو النون: ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك  ﴾ وقال موسى: ﴿ سبحانك إِنّي تُبْتُ إِلَيْكَ  ﴾ والصحابة يسبحون كما قال: ﴿ سبحانك فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  ﴾ وأما إن حملنا هذا التسبيح على التسبيح المعنوي: فأجزاء السموات وذرات الأرض والجبال والرمال والبحار والشجر والدواب والجنة والنار والعرش والكرسي واللوح والقلم والنور والظلمة والذوات والصفات والأجسام والأعراض كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال الله منقادة لتصرف الله كما قال عز من قائل: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ  ﴾ وهذا التسبيح هو المراد بالسجود في قوله: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض  ﴾ أما قوله: ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ فالمعنى أنه القادر الذي لا ينازعه شيء، فهو إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى أنه العالم الذي لا يحتجب عن علمه شيء من الجزئيات والكليات أو أنه الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب، ولما كان العلم بكونه قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً لا جرم قدم العزيز على الحكيم في الذكر.

واعلم أن قوله: ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ يدل على أن العزيز ليس إلا هو لأن هذه الصيغة تفيد الحصر، يقال: زيد هو العالم لا غيره، فهذا يقتضي أنه لا إله إلا الواحد، لأن غيره ليس بعزيز ولا حكيم ومالا يكون كذلك لا يكون إلهاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سَبَّحَ للَّهِ} جاء في بعض الفواتح سبح بلفظ الماضي وفي بعضها بلفظ المضارع وفي بني إسرائيل بلفظ المصدر وفي الأعلى بلفظ الأمر استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها هي أربع المصدر والماضي والمضارع والأمر وهذا الفعل قد عُدي باللام تارة وبنفسه أخرى في قوله وتسبحوه وأصله التعدي بنفسه لأن معنى سبحته بعدته من السوء منقول من سبح إذ ذهب وبعد فاللام إما

أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له وإما أن يراد بسبح الله اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصاً {مَا فِى السماوات والارض} ما يتأتى منه التسبيح ويصح {وَهُوَ العزيز} المنتقم من مكلف لم يسبح له عناداً {الحكيم} في مجازاة من سبح له انقيادا

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي تسع وعشرون آية مكية قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ يعني: صلّى الله ما في السموات من الملائكة وَالْأَرْضِ من المؤمنين، فسمى الصلاة تسبيحاً، لأنه يجري فيها التسبيح.

ويقال: سَبَّحَ لِلَّهِ، يعني: ذكر الله ما في السموات.

يعني: جميع ما في السموات من الشمس، والقمر والنجوم والأرض، يعني: جميع ما في الأرض من الإنس، والأشجار، والأنهار، والجبال، وغير ذلك.

ويقال: سَبَّحَ لِلَّهِ يعني: خضع لله جميع ما في السَّموات، والأرض، وقال بعضهم: التسبيح آثار صنعه، يعني: في كل شيء دليل لربوبيته، ووحدانيته.

ويقال: هو التسبيح بعينه.

يعني: يسبح جميع الأشياء كقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44] وقال الحسن البصري (لولا ما يخفى عليكم من تسبيح من معكم في البيوت ما تقادرتم) .

وروى سمرة بن جندب عن رسول الله  أنه قال: «أفْضَلُ الكَلامِ أرْبَعَةٌ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لله، ولا إله إلا الله، وَالله أَكْبَرُ» وَلا يَضُرُّكَ بِأيِّهِنَّ بَدَأْتَ.

وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يعني: العزيز بالنقمة لمن لا يوحّده، وَهُوَ الْعَزِيزُ في اللغة: الذي لا يعجزه عما أراد.

ويقال: الْعَزِيزُ الذي لا يوجد مثله الْحَكِيمُ في أمره، وقضائه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح السورة بذكر تسبيح الله وتنزيهه مؤذن بأن أهم ما اشتملت عليه إثبات وصف الله بالصفات الجليلة المقتضية أنه منزّه عما ضل في شأنه أهل الضلال من وصفه بما لا يليق بجلاله، وأول التنزيه هو نفي الشريك له في الإِلهية فإن الوحدانية هي أكبر صفة ضل في كنهها المشركون والمانوية ونحْوهم من أهل التثنية وأصحاب التثليث والبراهمة، وهي الصفة التي ينبئ عنها اسمه العَلَم أعني «الله» لما علمت في تفسير الفاتحة من أن أصله الإِله، أي المنفرد بالإِلهية.

وأتبع هذا الاسم بصفات ربانية تدل على كمال الله تعالى وتنزّهُهُ عن النقص كما يأتي بيانه فكانت هذه الفاتحة براعة استهلال لهذه السورة، ولذلك أتبع اسمهُ العلَم بعشر صفات هي جامعة لصفات الكمال وهي: العزيز، الحكيم، له ملك السماوات والأرض، يحيي، ويميت، وهو على كل شيء قدير، هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شيء عليم.

وصيغ فعل التسبيح بصيغة الماضي للدلالة على أن تنزيهه تعالى أمر مقرر أمر الله به عباده من قبل وألهمه الناس وأودعَ دلائله في أحوال ما لا اختيار له، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ [الرعد: 15] وقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ [الإسراء: 44].

ففي قوله: ﴿ سبح ﴾ تعريض بالمشركين الذين أهملوا أهم التسبيح وهو تسبيحه عن الشريك والند.

واللام في قوله: ﴿ لله ﴾ لام التبيين.

وفائدتها زيادة بيان ارتباط المعمول بعامله لأن فعل التسبيح متعدَ بنفسه لا يحتاج إلى التعدية بحرف، قال تعالى: ﴿ فاسجد له وسبحه ﴾ [الإنسان: 26]، فاللام هنا نظيره اللام في قولهم: شكرتُ لك، ونصحتُ لك، وقوله تعالى: ﴿ ونقدس لك ﴾ [البقرة: 30]، وقولهم سَقْيا لك ورعيا لك، وأصله: سقَيَك ورَعْيَك.

و ﴿ ما في السموات والأرض ﴾ يعم الموجودات كلها فإن ﴿ ما ﴾ اسم موصول يعمّ العقلاء وغيرهم، أو هو خاص بغير العقلاء فجرى هنا على التغليب، وكلها دال على تنزيه الله تعالى عن الشريك فمنها دلالة بالقول كتسبيح الأنبياء والمؤمنين، ومنها دلالة بالفعل كتسبيح الملائكة، ومنها دلالة بشهادة الحال كما تنبئ به أحوال الموجودات من الافتقار إلى الصانع المنفرد بالتدبير، فإن جُعل عموم ﴿ ما في السموات والأرض ﴾ مخصوصاً بمن يتأتى منهم النطق بالتسبيح وهم العقلاء كان إطلاق التسبيح على تسبيحهم حقيقة.

وإن حمل العموم على ظاهره لزم تأويل فعل ﴿ سبح ﴾ بما يشمل الحقيقة والمجاز فيكون مستعملاً في حقيقته ومجازه.

والعزيز: الذي لا يغلب، وهذا الوصف ينفي وجود الشريك في الإِلهية.

و ﴿ الحكيم ﴾ الموصوف بالحكمة، وهي وضع الأفعال حيثُ يليق بها، وهي أيضاً العلم الذي لا يخطئ ولا يتخلف ولا يحول دون تعلقه بالمعلومات حائل، وتقدما في سورة البقرة.

وهذا الوصف يثبت أن أفعاله تعالى جارية على تهيئة المخلوقات لما به إصابة ما خُلقت لأجله، فلذلك عززها الله بإرشاده بواسطة الشرائع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال المقاتلان يعني كل شيء من ذي الروح وغيره من الشجر، والجبال، والبحار، والشمس، والقمر، وكل خلق فيهما ولكن لا تفقهون تسبيحهم (١) وقال أهل المعاني: تسبيح ما لا يعقل تنزيه لله من السوء بما فيه من الآية الداعية إلى ذلك كأنها ناطقة به إذ صنعه يقتضي صانعًا غير مصنوع (٢) قال أبو إسحاق: وهذا خطأ؛ لأن التسبيح تمجيد لله عز وجل وتنزيهه من [السوء] (*)، قال الله عز وجل ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ فلو كان التسبيح آثار الصنعة لكانت معقولة، وكانوا يفقهونها، وأيضًا فإنه قال ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ  ﴾ فلو كان تسبيحها آثار الصنعة لم يكن في هذا تخصيص لداود (٣) ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ ، وفي مواضع.

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 140 أ، و"جامع البيان" 27/ 124 ولم ينسبه، و"الوسيط" 4/ 244، و"فتح القدير" 5/ 165.

(٢) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 235، و"فتح القدير" 5/ 165.

(٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 121، وقال القرطبي 17/ 236، وما ذكره هو الصحيح.

(*) قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفين غير واضح في المطبوع، وما أثبتناه من معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج (5/ 121).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض ﴾ هذا التسبيح المذكور هنا وفي أوائل سائر السور المسبحات يحتمل أن يكون حقيقة، أو أن يكون بلسان الحال؛ لأن كل ما في السموات والأرض دليل على وجود الله وقدرته، وحكمته، والأول أرجح لقوله: ﴿ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44]، وذكر التسبيح هنا وفي الحشر والصف بلفظ سبح الماضي، وفي الجمعة والتغابن بلفظ يسبحُ المضارع، وكل واحد منهما يقتضي الدوام.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

نزَّهَ اللهَ وقَدَّسه ما في السماوات والأرض من مخلوقاته، وهو العزيز الذي لا يغلبه أحد، الحكيم في خلقه وتقديره.

<div class="verse-tafsir" id="91.amKzW"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد